المعاملات والبينات والعقوبات
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1102
تاريخ النشر :   2009




الشركة في الإسلام

الشركة في اللغة خلط نصيبين أو مالين ببعضهما، أو خلط أنصبةٍ أو أموال عدّةٍ بحيثُ لا يتميَّز الواحد عن الآخر، بغية إجراء عمل مشترك بين أصحاب تلك الأموال أو الأنصبة.
والشركة شرعاً عقد بين اثنين فأكثر يتفقان فيه على القيام بعمل مالي بقصد الربح. وعقد الشركة يقتضي وجود الإيجاب والقبول كسائر العقود. والإِيجاب أن يقول أحدهما للآخر: شاركتك في كذا، ويقول الآخر: قبلت. إلا أنه ليس اللفظ بحد ذاته هو الذي يُلزم، بل هو المعنى المقصود، أي لا بد أن يتحقق في الإِيجاب والقبول معنًى يفيد أن أحدهما خاطَبَ الآخر مشافهةً أو كتابةً بالشركةِ على شيء والآخر قَبِلَ ذلك. فالاتفاق على مجرد الاشتراك لا يعتبر عقداً، والاتفاق على دفع المال للاشتراك لا يعتبر عقداً، بل لا بد أن يتضمن العقد معنى المشاركة على شيء. وشرط صحة عقد الشركة أن يكون المعقود عليه تصرفاً، وأن يكون هذا التصرف المعقود عليه عقد الشراكة قابلاً للوكالة ليكون ما يستفاد التصرف به مشتركاً بينهما.
والشركة جائزة في الإسلام، لأن النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) بُعِثَ والناسُ يتعاملون بها، فأقرهم (صلى الله عليه وآله وسلّم) عليها. وكان إقراره (صلى الله عليه وآله وسلّم) لتعامل الناس بها دليلاً شرعيّاً على جوازها. فقد روي أن البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فأمرهما «أن ما كان بنقد فأجيزوه وما كان نسيئة فردُّوه». وعنه (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «يد الله على الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان أحدهما صاحبه رفعها عنهما»[*].
وتجوز الشركة بين المسلمين مع بعضهم، وبين الذمِّيين مع بعضهم، وبين المسلمين والذمِّيين. فيصح أن يشارك المسلمُ أهل الكتاب، بل والمجوسي[*] وأيّاً من الذمِّيين. وقد عامل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أهل خيبر - وهم يهود - بنصف ما يخرج من الأرض على أن يعملوا فيها بأموالهم وأنفسهم. وقد ابتاع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) طعاماً من يهودي بالمدينة ورهن درعه عنده، وأرسل إلى يهودي يطلب منه ثوبين على أن ينقده ثمنهما في اليسر.. فهذه أدلة على إجراء المعاملات ما بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب والذمّيين.. ولهذا فإن شراكةَ اليهود والنصارى وغيرهم من الذمِّيين جائزة لأن معاملتهم جائزة. إلا أن الذمِّيين لا يجوز لهم بيع الخمر والخنزير وهم في شركة مع المسلم. أما ما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركتهم للمسلم فثمنه حلال في الشركة.
ولا تصح الشركة إلى من جائز التصرُّفِ لأَنها عقدٌ على التصرف في المال. ولذلك لا تجوز شركة المحجور عليه ولا شركة كل من لا يجوز له التصرف.
وتكون الشركة إما شركة أملاك أو شركة عقود.. فشركة الأملاك هي شركة العين كالشركة في دارٍ يرثها رجلان أو يشتريانها، أو يهبها لهما أحد أو ما شاكل ذلك.
أما شركة العقود فهي الأهم في تنمية الملك، وهي موضوع بحثنا في الشركات. ولا بد من الإشارة إلى أنه من خلال استقراء شركات العقود في الإسلام، وتتبعها وتتبع الأحكام الشرعية المتعلقة بها، والأدلة الشرعية الواردة في شأنها يمكن أن نتبيّن بأن شركات العقود تندرج تحت خمسة أنواع هي: شركة العنان، وشركة الأبدان، وشركة المضاربة، وشركة الوجوه، وشركة المفاوضة. ويمكن إيراد مجمل على أحكامها وفقاً لما يلي..
شركة العنان:
وهي أن يشتركَ بدنانِ بماليهما، أي أن يشترك شخصان على أن يعملا ببدنيهما ويقتسما الربح بينهما. وسمّيت شركة عنان لأن الشريكين يتساويان بالتصرف كالفارسَين إذا سوَّيا بين فرسَيهما وتساويا في السير فإن عنَانَيْهِمَا يكونان سواء. وهذه الشركة جائزة بالسنّة وإجماع الصحابة، والناس يشتركون بها منذ أيام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأيام الصحابة، ويكون فيها رأس المال من النقود التي هي قِيَمُ الأموال وأثمان المبيعات. أما العروض فلا تجوز الشركة فيها إلا إذا قُوِّمت وقت العقد وجُعلت قيمتها في رأس المال.
ويشترط أن يكون رأس المال معلوماً يمكن التصرف به في الحال. فلا تجوز الشركة على رأس مال مجهول، ولا بمال غائب، أو بدَين، لأنه لا بدَّ من الرجوع برأس المال عند المفاصلة، ولأن الدَّين لا يمكن التصرف به في الحال، وهو مقصود الشركة.
ولا يشترط تساوي مال الشريكين في القدر، ولا أن يكون المالان من جنس واحد. إلا أنه يجب أن يقوّما بنقدٍ واحدٍ حتى يصبح المالان مالاً واحداً. فيصح أن يشتركا بنقود لبنانية ومصرية وسورية أو بنقود سعودية وكويتية، أو أفغانية أو باكستانية.. ولكن يجب أن يُقَوَّمَا تقويماً يُذهب انفصالهما ويجعلهما شيئاً واحداً. لأنه يشترط أن يكون رأس مال الشركة مالاً واحداً شائعاً للجميع لا يعرف أحد الشريكين ماله من مال الآخر. ويشترط أن تكون أيدي الشريكين على المال.
وشركة العنان مبنية على الأمانة والوكالة لأن كل واحد منهما بدفع المال إلى صاحبه يكون قد أمّنه، وبإذنه له في التصرف يكون قد وكَّله.
ومتى تمَّت الشركة وصارت واقعاً قائماً، صار واجباً على الشركاء أن يباشروا العمل بأنفسهم لأنَّ الشركةَ وقعت على أبدانهم. فلا يجوز لأحدهم أن يوكِّل عنه من يقوم مقامه ببدنه في الشركة في حال التصرف. بل الشركة هي تؤجر من تشاء، وتستخدم بدن من تشاء أجيراً عندها، لا عند أحد الشركاء.
ويجوز لكل واحد من الشريكيين - أو الشركاء - أن يبيع ويشتري على الوجه الذي يراه مصلحة للشركة. وله أن يقبض الثمن والمبيع، ويخاصم في الدِّين ويطالب به، وأن يحيل ويحال عليه، ويردَّ بالعيب. وله أن يستأجر من رأس مال الشركة ويؤجر، لأن المنافع أجريت مجرى الأعيان. فله أن يبيع السلعة، كالسيارة مثلاً، وله أن يؤجرها باعتبارها سلعة للبيع، وصارت منفعتها في الشركة كالعين نفسها وأُجريت مجراها.
وكما أنه لا يشترط تساوي الشريكين في رأس المال، فكذلك يصح أن يتساويا فيه، ويكون الربح على ما شرطا. فيصح أن يشترطا التساوي في الربح، ويصح أن يشترطا التفاضل فيه لقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «الربح على ما شرط العاقدان»[*].
أما الخسارة في شركة العنان فإنها تكون على قدر المال فقط. فإن كان مالهما متساوياً في القدر فالخسارة بينهما مناصفة، وإن كان أثلاثاً فالخسارة تكون أثلاثاً. وإذا شرطا غير ذلك فلا قيمة لشرطهما وينفذ حكم الخسارة بدون شرطهما، وهو أن توزع الخسارة على نسبة المال الذي دفعه كلٌّ من الشريكين.. لأنَّ البدنَ لا يخسرُ مالاً وإنما يخسر ما بذله من جهد فقط، فتبقى الخسارة على المال وتوزع عليه بنسبة حصص الشركاء لما أورده الفقهاء من أن «الربح على ما شرط العاقدان والوضيعة على قدر المال»[*]، والوضيعة هنا معناها الخسارة.
شركة الأبدان:
وهي أن يشترك اثنان أو أكثر بأبدانهما فقط بدون مالهما أي في ما يكتسبانه بأيديهما أو بجهدهما من عمل معيَّن، سواء أكان فكريّاً أو جسديّاً. وذلك كالصناع يشتركون على أن يعملوا في صناعاتهم، فما يربحونه فهو بينهم. وكالمهندسين والأطباء والصيادين والحمالين والنجارين وسائقي السيارات وأمثالهم. ولا يشترط اتفاق الصنائع بين الشركاء ولا أن يكون هؤلاء جميعاً صنَّاعاً. فلو اشترك صنَّاع مختلفة صنائعُهم جاز ذلك، لأنهم اشتركوا في مكسب مباح، كما لو اتفقت الصنائع بينهم. ولو اشتركوا في عمل معيَّن على أن يدير أحدهم الشركة، والآخر يقبض المال، والثالث يعمل بيده، صحت الشركة. وعلى ذلك يجوز أن يشترك عمال في مصنع، سواء أكانوا كلهم يعرفون الصناعة، أو بعضهم يعرفها، والبعض الآخر لا يعرفها. ويصح كذلك أن يشتركوا صنَّاعاً وعمَّالاً وكُتَّاباً وحُرَّاساً، وبذلك يكونون جميعاً شركاء في المصنع. إلا أنه يشترط أن يكون العمل الذي اشتركوا في القيام به بقصد الربح عملاً مباحاً، أما إذا كان العمل محرماً فلا تجوز الشركة فيه.
والربح في شركة الأبدان يكون بحسب ما اتَّفق عليه الشركاء من مساواة أو تفاضل، لأن العمل هو الذي يستحق به الربح. فكما أنه يجوز تفاضل الشريكين في العمل فإنه يجوز تفاضلهما في الربح الحاصل به. ولكل واحد منهما المطالبة بالأجرة كلها ممن استأجرهما، وبثمن البضاعة التي قاما بصنعها ممن يشتريها. وللمستأجر أن يدفع الأجرة جميعها، أو للمشتري أن يدفع ثمن البضاعة جميعه، إلى أيِّ واحدٍ منهما، وإلى أيِّهما دفعَ فذمَّتُه برئت.
وإن عمل أحد الشركاء دون شركائه فالكسب بينهم جميعاً لأن العمل مضمون عليهم معاً، وبهذا الضمان وجبت الأجرة، فيكون الكسب لهم، كما كان الضمان عليهم.
وليس لأحدهم أن يوكل عنه غيره شريكاً ببدنه، كما أنه ليس لأحدهم أن يستأجر أجيراً عنه شريكاً ببدنه، لأن العقد وقع على ذاته فيجب أن يكون هو المباشر للعمل، إذْ إنَّ الشريكَ في هذا النوع من الشركة يكون بدنُه متعيّناً في الشركة. ولكن يجوز أن يستأجر أحدهم أجراء، والاستئجار حينئذ يكون من الشركة وللشركة، ولو باشره واحد من الشركاء فلا يكون نيابة ولا وكالة ولا أجيراً عنه، ويكون تصرف كل شريك تصرفاً عن الشركة، ويُلزم كل واحد منهم ما يقوم به شريكه من أعمال في نطاق الشركة.
وهذه الشركة جائزة، لما روى أبو داود والأثرم بإسنادهما عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: «اشتركت أنا وعمار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص فيما نُصيبُ يوم بدر. فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشيء»[*] وقد أقرهما الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) على ذلك. وقد روي الحديث بصيغة أخرى وهي: «أن ابن مسعود شارك سعداً يوم بدر، فأصاب سعد فرسين ولم يصب ابن مسعود شيئاً، فلم ينكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عليهما»[*]. وقال أحمد بن حنبل: «أشرك بينهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)»[*]. فهذا الحديث صحيح. وهو صريح في اشتراك جماعة من الصحابة في أبدانهم في عمل يقومون به، وهو قتال الأعداء، ويقسمون ما ينالون من غنائم إنْ ربحوا المعركة.
أما ما يقال من أنَّ حكم الغنائمِ يخالفُ هذه الشركةَ، فإنه غير وارد على هذا الحديث، لأن حكم الغنائمَ نزل بعد معركة بدر، فحين حصلت تلك الشركة بأبدانهم لم يكن حكم الغنائم موجوداً. وحكم الغنائم الذي نزل فيما بعد لا ينسخ الشركة التي حصلت وإنما يبين نصيب الغانمين. ويبقى حكم شركة الأبدان ثابتاً بهذا الحديث ما دام الحديث قد ثبتت صحته.
شركة المضاربة:
هي أن يشترك بدن ومال وتسمى أيضاً قِراضاً. ومعناها أن يدفع رجلٌ مالَهُ إلى آخر يتَّجر له فيه، على أن يقتسما ما حصل من الربح بينهما حسب ما يشترطانه. وأهل الحجاز يسمونها القراض، وهو مشتق من القطع، فكأن صاحب المال اقتطع جزءاً من ماله وسلمه إلى العامل، واقتطع له قطعة من الربح. وقيل هي مشتقة من المساواة: العمل من العامل والمال من الآخر بالتساوي.
والخسارة في المضاربة لا تخضع لاتفاق الشريكين، بل لما ورد في الشرع. أي أن الخسارة في المضاربة تكون شرعاً على المال خاصة وليس على المضارب منها شيء. حتى ولو اتَّفق صاحبُ المال والمضارب على أن الربح بينهما والخسارة عليهما، كان الربح بينهما، ولكن الخسارة على المال، لما ورد في الفقه من أن «الربح على ما شرط العاقدان والوضيعة على قدر المال»[*]. وقد قلنا إن البدن لا يخسر مالاً وإنما يخسر ما بذله من جهد فقط. فتبقى الخسارة على المال.
ولا تصح المضاربة حتى يُسلَّم المال إلى العامل ويُخَلَّى بينه وبينه، أي إنَّها لا تنعقد حتى يتمّ تسليم المال إلى المضارب. ويجب في المضاربة تقدير نصيب العامل، وأن يكون المال الذي تجري المضاربة عليه مقدّراً معلوماً.
ولا يصح أن يعمل صاحبُ المال مع المضارب ولو شرط عليه، لأنه لا يملك التصرف بالمال الذي صار للشركة، ولا يملك صاحب المال التصرف بالشركة مطلقاً، بل المضارب هو الذي يتصرَّف، وهو الذي يعمل وهو صاحب اليد على المال. وذلك لأن عقد الشركة حصل على بدن المضارب ومال صاحب المال، ولم يقع العقد على بدن صاحب المال، فصار كالأجنبي عن الشركة لا يملك أن يتصرَّفَ فيها بشيء.
إلا أن المضارب مقيّد بما أذِنَ له صاحبُ المال من تصرُّف، ولا يجوز له أن يخالفه لأنه متصرِّفٌ بالإِذن. فإذا أذِنَ له أنْ يتاجرَ بالصوف فقط، أو منعه من أن يشحن البضاعة في البحر، فعليه أن يتقيَّد بذلك. لكن ليس معنى هذا أن صاحب المال متصرّف بالشركة، بل معناه أن المضارب مقيَّدٌ في حدود ما أَذِنَ له صاحب المال. فالتصرف بالشركة محصور بغايتها ويقوم العامل وحده، بحيث لا يكون لصاحب المال أية صلاحية في هذا التصرف.
ومن المضاربة أن يشترك مالان وبدنُ صاحبِ أحدِ المالَين ـ وهذا يجمع شركةً ومضاربةً في آنٍ واحدٍ وهو صحيح ـ. فلو كان بين رجلين ثلاثة آلافٍ، لأحدهما ألفٌ وللآخر ألفانِ، فأَذِنَ صاحبُ الألفين لصاحب الألف أن يتصرف فيهما على أن يكون الربح بينهما نصفَين، صح الأمر بينهما، ويكون العامل صاحب الألف مضارباً عند صاحب الألفين وشريكاً له.
وكذلك من المضاربة أن يشترك بدنان بمال أحدهما، وهو أن يكون المال من أحدهما والعمل منهما، مثل أن يخرج أحدهما ألف دينار ويعملان فيه معاً والربح بينهما فهذا جائز[*].
والمضاربة جائزة شرعاً، لما روي أن العباس بن عبد المطلب كان يدفع مال المضاربة ويشترطُ على المضارب شروطاً معينة، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فاستحسنه، وانعقد إجماع الصحابة على جواز المضاربة. وقد روي عن حميد بن عبد الله عن أبيه عن جده. «أن عمر بن الخطاب أعطاه مال يتيم مضاربة يعمل به في العراق»[*]. وعن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده: «أن عثمان (رضي الله عنه) قارضه»[*]. وعن قتادة عن الحسن أن عليّاً (عليه السلام) قال: «إذا خالف المضارب فلا ضمان، هما على ما شرطا»[*]. وعن ابن مسعود وحكيم بن حزام أنهما قارضا[*] وقد كان ذلك على مرأى من الصحابة ولا مخالف لهما، ولم ينكر أحد ذلك، فكان ذلك إجماعاً منهم على جواز المضاربة.
شركة الوجوه:
وهي أنْ يشترك بدنانِ أو أكثر بمالِ الغير. أي أن يدفع واحدٌ مالَه إلى اثنينِ فأكثر مضاربةً، فيكون المضاربون شركاء في الربح بمال غيرهم. وقد يتفقون على قسمة الربح سهاماً متساويةً لكلِّ واحدٍ سَهمٌ وللمال سهم. وقد يتفقون على غير ذلك من الشروط. إذ بالشروط يمكن أن يحصل تفاضل بين العامِلين في الربح، ويكون اشتراكهم مع تفاضل حصصهم مبنيّاً على وجاهة أحدهم: إما لناحية المهارة في العمل، وإما لناحية حسن التصرف في الإِدارة، مع أن التصرف الشرعي الذي يملكه المضاربون في المال، لا يختلف بين واحد وآخر. ومن أجل ذلك تُعتبر هذه الشركة من نوع آخر غير شركة المضاربة مع أنها في حقيقتها ترجع إلى المضاربة.
ومن شركة الوجوه أن يشترك اثنان فيما يشتريان، على أساس ثقة التجار، أي بجاههما المبني على هذه الثقة من غير أن يكون لهما رأس مال. ويشترطان على أن يكون ملكهما في ما يشتريانه نصفين أو أثلاثاً أو أرباعاً أو نحو ذلك حسب ما يتفقان عليه، لا حسب ما يملكان في البضاعة. فما قسم الله تعالى، بعد أن يبيعا، فهو بينهما جائز سواء عيَّن أحدُهما لصاحبه ما يشتريه، أو قدَّره، أو وقَّته، أو ذكر صنف المال ولم يعيِّن شيئاً من ذلك بل قال: ما اشتريت من شيء فهو بيننا.
أما الخسارة فتكون على قدر ملكيهما في المشتريات لأنه بمقام مالهما، لا على حسب ما يشترطان من خسارة ولا على حسب الربح، سواء أكان الربح بينهما بقدَر مشترياتهما أو مختلفاً عنها، وذلك لقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «الربحُ على ما شرط العاقدان والوضيعة على قدر المال»[*].
وشركة الوجوه بقسميها جائزة لأن المضاربَيْن إذا اشتركا بمال غيرهما كانت من قبيل شركة المضاربة الثابتة بالسنَّة والإِجماع. وإن اشتركا في ما يأخذانه من مال غيرهما، أي في ما يشتريانه بجاههما وثقة التجار بهما فهي من قبيل شركة الأبدان الثابتة بالسنَّة. وعلى هذا تكون شركة الوجوه جائزة شرعاً.
قال الإمام أبو حنيفة: لا تصح حتى يذكر الوقت أو المال أو صنفاً من الثياب. وقد اشترط الإمامان مالك والشافعي لصحتها شروط الوكالة، لأنها معتبرة في ذلك من تعين الجنس وغيره من شرائط الوكالة[*].
إلا أنه ينبغي أن يُعلم أن المراد بالثقة هنا الثقة المالية وهي الثقة بالسداد لا بالجاه والوجاهة. لأن الثقة إذا أطلقت في موضوع التجارة والشركة ونحو ذلك فإنما يقصد منها الثقة بالسداد، وهي الثقة المالية. وعلى ذلك قد يكون الشخص وجيهاً ولكنه غير موثوق بالسداد، فلا توجد فيه ثقة مالية ولا يُحسب أن لديه ثقة تعتبر في موضوع التجارة والشراكة. فقد يكون ذو الوجاهة نائباً أو وزيراً أو غنيّاً أو تاجراً كبيراً ولكن لا توجد فيه ثقة بالسداد أو لا يؤتمن على المال الذي قد يعطى إليه للمتاجرة، فلا تكون فيه ثقة مالية، وعلى ذلك فإنه لا يستطيع أن يشتريَ من السوق أية بضاعة دون أن يدفع ثمنها.
وقد يكون الشخص فقيراً ولكن التجار يثقون بسداد ما عليه من المال، فإنه يستطيع أن يشتريَ بضاعة دون أن يدفع ثمنها. وعلى هذا فشركة الوجوه تتركز فيها الثقة بالسداد لا بالوجاهة. وإن ما يحصل في بعض الشركات من إدخال وزير عضواً في شركةٍ وتخصيصه بنصيب معيَّن من الربح دون أن يدفع أي مال أو يشترك بأي جهد، وإنما أُشرك لمنصبه حتى يسهل للشركة معاملاتها، فهذا ليس من قبيل شركة الوجوه ولا ينطبق عليه تعريف الشركة في الإِسلام. وهذا النوع من الاشتراك غير جائز شرعاً، وعليه فلا يعتبر هذا الشخص شريكاً، ولا يحلُّ له أن يأخذَ شيئاً من هذه الشركة، لأنه يعتبر بمثابة رشوة، وهي محرَّمة شرعاً.
وقد يحصل مثل هذا في بعض البلدان التي لا يسمح فيها لغير المواطن بالحصول على رخصة للتجارة أو للعمل. فأمام هذا الواقع القانوني يضطر الأجنبي الذي يجد فرص العمل متاحة أمام رأس ماله في مثل هذا البلد أن يُدخِلَ أحد المواطنين شريكاً معه وأن يجعل له حصة من الربح دون أن يدفع هذا المواطن أي مال، ودون أن تعقد الشركة على بدنه، وإنما اعتبر شريكاً من أجل أنَّ الرخصة أُخِذَت باسمه وجعلت له حصة من الربح مقابل ذلك. هذه أيضاً ليست من شركات الوجوه ولا هي من الشركات الجائزة شرعاً. ولذلك لا يعتبر هذا المواطن شريكاً، ولا يحلّ له أن يأخذ شيئاً من هذه الشركة لأنه لا تنطبق عليه الشروط التي أوجب الشرعُ أن تتوفر في الشريك حتى يكون شريكاً شرعاً، وهي الاشتراك بالمال أو البدن أو الثقة التجارية بالسداد، وأن يباشر هو العمل بما يأخذ من بضاعة بهذه الثقة.
شركة المفاوضة:
وهي أن يشترك الشريكان في جميع أنواع الشركة مثل أن يجمعا بين شركة العنان والأبدان والمضاربة والوجوه فيصح ذلك لأنّ كل نوع منها يصح على انفراده، فصح مع غيره[*]. ومعنى شركة المفاوضة أن يفوض كل واحد من الشريكين إلى صاحبه التصرف في ماله مع غيبته وحضوره، ويكون ذلك في جميع أنواع الممتلكات[*]. وهي تتمُّ بأن يدفع شخصٌ مالاً على سبيل المضاربة لمهندسَيْنِ شريكَينِ ليضمّاه إلى مالهما ويوسعا عملهما في إقامة الأبنية والتجارة فيها، ثم يتَّفقان على أن يشتغلا بأكثر مما بين أيديهما من مال، فصارا يأخذان بضاعة من غير دفع ثمنها حالاً بناء على ثقة التجار بهما. فاشتراكُهما معاً ببدنهما يعدّ شركة أبدان باعتبار صناعتهما، ودفعهما مالاً منهما يشتغلان به معاً يُعدّ شركة عنان، وأخذُهما مالاً من غيرهما مضاربة يُعدّ شركة مضاربة، واشتراكُهما في البضاعة التي يشتريانها بناء على ثقة التجار بهما يُعدّ شركة وجوه. فهذه الشركة التي أقاماها جمعت كل أنواع الشركات في الإِسلام. وذلك جائز شرعاً لأن كل نوع منها صحيح على انفراده فيصح مع غيره. والربح يكون على ما اصطلحا عليه. فيجوز أن يجعل الربح على قدَر المالَين، ويجوز أن يتساويا فيه مع تفاضلهما في المال، وأن يتفاضلا فيه مع تساويهما في المال.
فسخ الشركة:
الشركة من العقود الجائزة شرعاً كما قلنا،وهي تبطل بموت أحد الشريكين أو جنونه أو الحجر عليه لسفهٍ أو بالفسخ من أحدهما، لأنها عقد جائز وتبطل بذلك كله كالوكالة.
وَإنْ مات أحد الشريكين وله وارثٌ رشيدٌ فلهذا الوارث أنْ يقيمَ على الشركة، وعلى الشريك الآخر أن يأذن له في التصرف، كما أن لهذا الوارث المطالبة بالقسمة. وإذا طلب أحد الشريكين الفسخ وجب على الشريك الآخر إجابة طلبه. وإذا كانوا شركاء عديدين وطلب أحدهم فسخ الشراكة ورضي الباقون ببقائها فسخت الشركة التي كانت قائمة وجددت بين الباقين. إلا أنه يفرَّق في الفسخ بين شركة المضاربة وغيرها، ففي شركة المضاربة إذا طلب العاملُ البيع وطلب المضارب القسمة أجيب طلب العامل لأن حقه محصور في الربح ولا يظهر الربح إلا في البيع. أما في باقي أنواع الشركة فإذا طلب أحد الشريكين القسمة وطلب الآخر البيع أجيب طلب القسمة دون طلب البيع.
وهكذا بعد أن بحثنا في أحكام الشركة وأنواعها بوجه عام، فسوف نبيّن آراء المذاهب الإسلامية الخمسة فيها، كما جرت العادة بالنسبة لجميع المباحث في هذه الموسوعة الميسَّرة من أصول الفقه الإسلامي.
أولاً: معنى الشركة وأقسامها:
1 - مذهب الشيعة الإمامية:
قال الشيعة الإمامية: إن للشركة معنيين:
الأول لغوي: ويعني اجتماع حقوق الملاك في الشيء الواحد على سبيل الشيوع فيه. وقد يكون سبب الشركة اضطراريّاً كالإرث، أو اختياريّاً كما في شراء عينٍ، أو قبول الهبة لاثنين أو أكثر. وتسمّى هذه الشركة شركة الملك، وشركة الشيوع. ودور الفقيه فيها أن يبين الأحكام المترتبة على ناتج المال المشترك، وعلى أن أحد الشريكين لا يتصرف إلا بإذن الآخر، وأن له أن يطالب بالقسمة متى شاء.
والثاني شرعي ويعني أن الشركة عقد بين اثنين (أو أكثر) أُنشئ ليكون المال شائعاً بينهما. والغالب أن يكون الغرض منها التجارة.
وأنواع الشركة عند الشيعة الإمامية خمسة:
1 - شركة العنان: وهي شركة في الأموال يتمُّ العمل فيها على أن يكون الربح لكلٍّ من الشركاء على قدر ماله، والخسارة عليه كذلك. وهي شركة جائزة بالإجماع.
2 - شركة الأبدان: وقد اتفق معظم فقهائهم على بطلان هذه الشركة، لأن الأصل عدم الشركة، ومجرَّد التراضي غير كافٍ ما لم يرد النص بجوازه. وأما عند بعض الفقهاء الآخرين فهناكَ رأي آخر مغاير للبطلان، وهو يقوم على أن أي اتفاق بين الشركاء يكون صحيحاً وتترتب عليه أحكام الشراكة إذا كان لا يحرم حلالاً، ولا يحلل حراماً.
3 - شركة المفاوضة: وهذه الشركة باطلة عند الإمامية بالإجماع، لأن كل نفس لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.
4 - شركة الوجوه: وهي باطلة إن قصد كلُّ واحد الشراء لنفسه،على أن يكون له الربح وعليه الخسارة، أما إذا وكَّل واحد منهما الآخر بالشراء، فإنها تدخل في شركة العنان..
«ومما انفردت به الإمامية أن الشركة لا تصح إلا في الأبدان والأموال»[*]، كشركة العنان مثلاً.
5 - شركة المضاربة: أما شركة المضاربة فقد أفرد فقهاء الشيعة الإمامية لها أبواباً خاصة هذه خلاصتها.
معنى المضاربة: هو أنه إذا اتفق اثنان على أن يكون المال من أحدهما، وأن يكون العمل من الآخر، والربح بينهما، سمي هذا الاتفاق مضاربة، وهي مشروعة نصّاً وإجماعاً. فقد سُئِل الإمام الصادق (عليه السلام) عن الرجل يقول للآخر: أَبْتاعُ لك متاعاً والربح بيني وبينك؟ قال (عليه السلام): «لا بأس»[*].
وعقد المضاربة جائز ويحق لكلٍّ من المالك أو العامل الفسخ والعدول عنه قبل الشروع بالعمل وبعده، سواء اشترطت المشاركة إلى وقت معين، أو كانت مطلقة.
شروطها:
يشترط في المضاربة الأمور التالية:
1 - الإيجاب من صاحب المال، والقبول من العامل، ويتم ذلك بكل ما يدل عليهما من قول أو فعل.
2 - أن يكونا عاقلين، بالغين، مختارين. وألاَّ يكون محجوراً عليهما لسفه. أما الحجر بسبب الإفلاس، فإنه يخرج المفلس عن أهلية التصرف في ماله الخاص، وليس في مال غيره بالنيابة عنه، ولأن كل ما يتجدد له من مالٍ فهو في صالحه، وصالح الدائنين.
3 - أن لا يكون مال المضاربة ديناً. وعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن علي أمير المؤمنين (عليه السلام) «في رجل له على رجل مال، فيتقاضاه ولا يكون عنده، فيقول (صاحب المال): هو عندك مضاربة. قال (عليه السلام): «لا يصح حتى تقبضه منه»[*].
4 - أن يكون مال المضاربة من النقد الرائج مهما كان نوعه، فعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «في الرجل يعمل بالمال مضاربة، قال (عليه السلام): له الربح، وليس عليه من الوضيعة (الخسارة) شيء إلا أن يخالف عن شيء مما أمر صاحب المال»[*].
5 - أن يكون رأس المال معلوماً لأن الجهل به يستدعي الجهل بالربح، فيتعذر تمييز الربح عن رأس المال، وتقع المنازعة.
6 - أن يكون الربح مشاعاً بين صاحب المال والعامل، وليس ضرورياً أن يكون نصيب كل منهما معادلاً لنصيب الآخر، بل يجوز التفاوت وفقاً لما يتم عليه الاتفاق كالربع أو الخمس.. ولكن إذا لم يعيّنا يقتسم الربح بينهما مناصفة. كما أنه يجوز لصاحب المال والعامل أن يضيفا شروطاً أخرى لا تتنافى مع العقد وطبيعته، كأن يشترط صاحب المال على العامل ألاَّ يتاجر إلا بنوع خاص من السلع أو ألاَّ يسافر بالمال، فإذا خالف العامل وطرأ على المال شيء كان ضمانه عليه.
توقيت المضاربة:
إذا حددت المضاربة بوقت معين، إلى سنة مثلاً، فالراجح عند الإمامية أنه إن أريد من اشتراط المدة أنه لا يجوز لصاحب المال ولا للعامل الرجوع والفسخ إلا بعد تلك المدة بطل العقد والشرط، لأنه مناف لمقتضاه وطبيعته. وإن أريد به أن أي تصرُّف يصدر من العامل بعد المدة يكون غير جائز، صح الشرط والعقد. وإذا أطلق العقد، ولم يقيد العامل بعمل أو زمان، تصرَّف حسب مقتضيات مصلحة الشركة.
شرط الضمان والخسارة على العامل:
اتفق فقهاء الإمامية على أنه في حال الخسارة أو هلاك شيء من المال في يد العامل بلا تعدٍّ أو تفريط، تُحتسب الخسارة من الربح، فإن لم يكن هنالك ربحٌ أصلاً، أو كان لا يفي بالخسارة احتسبت من رأس المال، وتحملها صاحب المال وحده، إذا كان عقد المضاربة مطلقاً، ولم يشترط فيه أن يتحمل العامل شيئاً من الخسارة، أو يضمن المال الهالك وإن لم يفرط.. أما إذا اشترط صاحب المال أن يتحمل العامل من الخسارة، أو يضمن المال، ورضي العامل بالشرط فيصح الشرط والعقد. لأن المضاربة إما أن تكون مطلقةً، أو مقيَّدةً بشروط. ومن أحكامها أن تكون الخسارة بشتى أنواعها على صاحب المال، ولا شيء على العامل، إلا إذا فرَّط أو اعتدي عليه. فقد سئل الإمام الباقر (عليه السلام): «عن الرجل يستبضع المال فيهلك أو يُسرق أعلى صاحبه ضمان؟. فقال (عليه السلام): «ليس عليه غرم بعد أن يكون الرجل أميناً».
وقد اتفق فقهاء الإمامية على أنه إذا كان عقد المضاربة مطلقاً فلا يجوز للعامل أن يسافر بالمال، أو يستأجر أحداً في عمل المضاربة، ولا أن يبيع أو يشتري نسيئة، ولا أن يبيع بأقل من ثمن المثل، أو أن يشتري بأكثر منه... إلاَّ بإذن صاحب المال، فإذا فعل العامل شيئاً من ذلك بلا إذاً بطل عمله إلاَّ إذا عاد صاحب المال وأجاز تصرفه. ولذلك فإن العمل الذي يخالف أوامر صاحب المال تنقلب يده إلى يد ضمان، وهو في الأصل لا يضمن شيئاً مما يطرأ على المال إلا مع التعدي أو التفريط. فعن الإمام محمد الباقر (عليه السلام): «قضى عليٌّ (عليه السلام) في تاجر اتَّجر بمال واشترط نصف الربح فليس عليه ضمان»[*]. وإذا ادعى صاحب المال أن العامل تعدى أو فرَّط فعليه البينة، ولا شيء على العامل إلا اليمين، لأنه أمين.
أما النفقات في السفر فهي على الشركة إن كانت لأغراضها، وكل ما هو خارج عن الشركة ومصلحتها فهو على العامل. قال الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): «ما أنفق (المضارب) في سفره فهو من جميع المال، وإذا قدم بلده فما أنفق فمن نصيبه»[*]، وتخصيص مورد الرواية بالسفر لا يجعلها خاصة به، وإنما ذكر على سبيل المثال.
فساد المضاربة عند الإمامية:
إذا فسدت المضاربة لسبب من الأسباب كان الربح لصاحب المال، لأنه تَـبَعٌ لماله، وعليه أجرة المثل للعامل، فالمفروض أنه عمل بإذن صاحب المال، لا على سبيل التبرع.
انتهاء المضاربة عند الإمامية:
تنتهي المضاربة بأحد الأسباب التالية:
1 - أن يفسخ العقد صاحب المال أو العامل.
2 - أن يتلف مال المضاربة قبل مباشرة العمل. أما إذا اشترى العامل بضاعة بإذن صاحب المال، وقبل أن يدفع ثمنها هلك مال المضاربة، فعلى صاحب المال أن يدفعه وتبقى المضاربة على ما هي عليه. كما تبقى المضاربة كذلك إذا أتلف المال أجنبيّ، وتنتقل إلى العوض الذي يغرمه المتلف.
3 - أن يموت العامل أو صاحب المال.
وإذا كان في مال المضاربة سلعة ومات صاحب المال، باعها العامل وحولها إلى نقود، ولا يجوز له أن يشتري بتلك النقود سلعة أخرى.
4 - أن يعرض الجنون لأحدهما، لأنه يسلب الإنسان أهلية التصرف في ماله، وفي مال غيره. وكذلك تنتهي المضاربة بسفه أحدهما. أما المحجور عليه لإفلاس فلا يجوز أن يضارب بماله، ويجوز أن يكون عاملاً.
أما رأي الإمامية بالقسمة بعد انتهاء المضاربة، فيمكن إيجازه على النحو التالي:
1 - إذا انتهت المضاربة قبل أن يشرع العامل بالعمل يعود المال إلى صاحبه، ولا شيء للعامل، ولا عليه.
2 - إذا انتهت في أثناء العمل وقبل حصول الربح، فيعود كل شيء إلى حاله، وقال البعض بوجوب دفع أجرة المثل للعامل.
3 - إذا انتهت بعد العمل، وبعد تحويل مال المضاربة كله إلى نقود، بدون وجود بضاعة، فإن وُجدت أرباح جرى اقتسامها بين صاحب المال والعامل حسب شروطهما، وإلاَّ أخذ صاحب المال المال، ولا شيء للعامل، ولا عليه.
4 - إذا انتهت وبقيت سلعة، فإن لم يكن هنالك ربح فلا يجوز للعامل التصرف في السلعة إلا بإذن صاحب المال. كما لا يجوز للمالك أن يجبره على بيع السلعة. وإذا كان فيها ربح، كان المالك والعامل شريكين في العين.
2 - مذهب الحنفية[*]:
تنقسم الشركة، بوجه عام، عند الحنفية إلى قسمين: شركة ملك وشركة عقود.
أما شركة الملك فهي عبارة عن أن يتملك شخصان فأكثر عيناً من غير عقد الشركة، وهي تكون شركة جبر كاجتماع اثنين أو أكثر في إرث مال، أو تكون شركة اختيار كما لو اشترى شخصان عيناً، أو قَبلا وصيةً. وركن شركة الملك اجتماع النصيبين.
وأما شركة العقود فهي عبارة عن العقد الواقع بين اثنين فأكثر للاشتراك في مالٍ وربحه. وهو المعنى العام الذي يتناول جميع أقسام شركة العقود. وهي على ثلاثة أنواع إما بالمال أو بالأبدان أو بالوجوه، وكل واحد من الثلاثة ينقسم إلى قسمين: مفاوضة وعناناً، على النحو التالي:
النوع الأول:
الشركة بالمال: وهي أن يدفع كل شريك مبلغاً من المال لاستثماره بالعمل فيه، بحيث يكون لكل واحد من الشركاء جزء معين من الربح. وشركة المال تكون بدورها على قسمين:
القسم الأول: شركة المفاوضة في المال: وهي أن يتعاقد اثنان فأكثر على أن يشتركا في عمل بشرط أن يكونا متساويين في مالهما وتصرفهما وملَّتهما. ويكون كل واحد كفيلاً عن الآخر فيما يجب عليه من شراء وبيع، كما أنه وكيل عنه فيما له. فلا يصح أن يكون مال أحد الشريكين، في شركة المفاوضة، أقل من مال صاحبه إن كان نقداً. ولكن إذا تساويا في ملك النقدين وانفرد أحدهما عن صاحبه بملك عقار، أو عروض تجارة فإنه يصح أن يكون تصرف أحدهما أقل من تصرف صاحبه. وهي لا تصح بين صبيّ وبالغ، ولا بين حر ومملوك مأذون له بالتجارة. كما لا تصح بين المختلفين في الدين. ولا بد أن يتضمن العقد الكفالة والوكالة، فإن خلت من ذلك فلا تصح.
القسم الثاني: شركة العنان في المال: وهي أن يشترك اثنان في نوع واحد من أنواع التجارة كالقطن، أو في جميع أنواع التجارة. وهي تتضمن الوكالة دون الكفالة. ويجوز أن تكون بين البالغ والصبي، والمأذون في التجارة والحر، وبين المسلم والكافر. ولا يشترط تساوي الشركاء في رأس المال.
النوع الثاني:
شركة الأبدان: وهي أن يتفق صانعان فأكثر، كنجارين مثلاً، أو نجار وحداد، على أن يشتركا من غير مالٍ في تقبل الأعمال ويكون الكسب بينهما. وحكمها أن يصير كل واحد وكيلاً عن الآخر في تقبل الأعمال سواء كان الوكيل يحسن العمل أم لا.
وتنقسم شركة الأبدان إلى قسمين:
القسم الأول: شركة المفاوضة في الأبدان: ويشترط أن يذكر فيها لفظ المفاوضة أو معناه، وذلك بأن يتقبلا الأعمال بالتساوي، وفي الربح والخسارة، وأن يكون كل واحد كفيلاً عن صاحبه فيما يلحقه بسبب الشركة.
القسم الثاني: شركة العنان في الأبدان: وهي أن يشترطا التفاوت في العمل والأجر، بأن يقولا إن على أحدهما الثلث من العمل، وله الثلث في الربح والخسارة، وعلى الآخر الثلثان في العمل، وله الثلثان في الربح والخسارة.
النوع الثالث:
شركة الوجوه: وهي أن يشترك اثنان ليس لهما مال، ولكن لهما وجاهة عند الناس توجب الثقة بهما على أن يشتريا تجارة بثمن مؤجل، ومايربحانه يكون بينهما.
وهي تنقسم أيضاً إلى قسمين:
القسم الأول: شركة الوجوه مفاوضة: وهي أن يتلفظا بالمفاوضة ويذكر معنى تقصيها، وذلك بأن يكون المشتري بينهما نصفين وعلى كل واحد منهما ثمنه، وأن يتساويا في الربح، وأن تتحقق وكالة كل واحد منهما عن صاحبه فيما له، وكفالته فيما عليه.
القسم الثاني: شركة الوجوه عناناً: وتتحقق عندما لا يكون الشريكان من أهل الكفالة، أو عندما يتفاضلان فيما يشتريانه كأنْ يشتري أحدهما ربع السلع والآخر الباقي منها، أو عندما لا يذكران شيئاً يدل على المفاوضة.
الحنفية والمضاربة:
أما شركة المضاربة فقد عرفها الحنفية بأنها عقد على الشركة في الربح بمالٍ من أحد الجانبين وعملٍ من الآخر، أي أن المال من المالك له والعمل من الشريك المضارب.
والمضارب له أحوال يختلف معها حكم المضاربة، ولذلك قال الحنفية بتنوّع حكم المضاربة إلى أنواع عديدة:
أحدها: أن المضارب عند قبض المال وقبل الشروع في العمل يكون أميناً.
ثانيها: أن المضارب عند الشروع في العمل يكون وكيلاً.
ثالثها: أن المضارب عند حصول الربح يكون كالشريك في شركة العقود المالية.
رابعها: أن المضارب، إذا فسدت المضاربة، يكون بحكم الأجير، وله أجر المثل، بينما الربح جميعه لصاحب المال والخسارة عليه.
خامسها: أن المضارب، إذا خالف شرطاً من شروط الشراكة، يكون غاصباً، وحكمه أنه يكون آثماً، وعليه ضمان المغصوب وردّه.
سادسها: إذا شرط أن يكون الربح كله للمضارب كان قرضاً. وله كل الربح وعليه الخسارة والضمان، والردّ.
سابعها: إذا شرط أن يكون الربح كله لصاحب المال كان الحكم كحكم عقد البضاعة وهو أن يوكله في شراء بضاعة بلا أجر.
3 - مذهب المالكية[*]:
تنقسم الشركة عند المالكية إلى أقسام: شركة الإرث، وشركة الغنيمة، وشركة المبتاعين شيئاً بينهما (وهي الأقسام التي عبر عنها الحنفية بشركة الملك).
وحكمها عندهم أنه لا يجوز لأحد الشريكين أن يتصرف بغير إذاً شريكه، وإلاَّ يكون كالغاصب على قول بعضهم، ولا يكون كذلك على قول بعضهم الآخر.
وقد عرَّف بعض المالكية الشركة تعريفاً تاماً فقال: «هي تقرر ملك متمول بين مالكين فأكثر». فقوله تقرر ملك متمول معناه: استقرار ملك شيء، له قيمة مالية، بين مالكين فأكثر، فلكل واحد أن يتصرف فيه تصرف المالك، ويخرج به: تقرر شيء غير مالي كتقرر النسب أو الولاية. ويدخل في هذا التعريف جميع أنواع الشركة.
كما أن البعض عرف الشركة المالية التجارية بأنواعها على أنها عبارة عن «إذن كل واحد من الشريكين (أو الشركاء) للآخر في أن يتصرف في مال يملكانه بحيث إن كلاًّ منهما يتصرف لنفسه وللآخر» أي أن كلًّا من الشريكين يعمل في مال الآخر ويكون عمله لشريكه ولنفسه.
وأما أقسامها فهي ستة: مفاوضة، وعنان، وجبر، وعمل، وذمم ومضاربة. وأعطوا لكل منها تعريفاً خاصّاً.
فأما شركة المفاوضة فهي «اشتراك اثنين - فأكثر - في الإتجار بمالين، على أن يكون لكل منهما نصيب في الربح بقدر رأس ماله، وأن يكون لكل منهما حرية التصرف في حضور الآخر أو غيبته، وسواء كانت تجارتهما في نوع واحد، أو في جميع الأنواع».
وأما شركة العنان أن «يشتركا على أن لا يتصرف أحدهما إلا بإذن صاحبه، بحيث إنَّ كلًّا منهما آخذ بعنان صاحبه، يمنعه إذا أراد، ولو تصرف بدون إذنه كان له ردُّهُ».
وأما شركة العمل (المعروفة بشركة الأبدان في بعض المذاهب) فهي «أن يشترك صانعان فأكثر على أن يعملا معاً، ويقتسما أجرة عملهما بنسبة العمل. وهي عندهم تكون في الصنعة المتحدة كنجارين أو خياطين، ولا تصح في صنعتين مختلفتين كنجار وحداد. ولا شيء يمنع اشتراك صانعين شرط أن تتوقف صنعة أحدهما على صنعة الآخر، كالشركة بين الذي يغوص في البحر لاستخراج اللؤلؤ مع صاحب الزورق الذي يحمله، وأن يتساويا في العمل بأن يأخذ كل واحد بقدر عمله من الغلة. ويصح أن يزيد أحدهما على الآخر شيئاً يتعارفه الناس».
وأما شركة الذمم فإنها عبارة عن «تعاقد بين اثنين على أن يشتريا شيئاً غير معين بثمن مؤجل في ذمتهما بالتضامن، بمعنى أن كلاًّ منهما كفيل لصاحبه، وما خرج من الربح، بعد البيع، فهو بينهما. وتصح أيضاً إذا اتفقا على شراء سلعة معينة وتساويا في تحمل الأعباء».
وأما شركة الوجوه عند المالكية: فهي عبارة عن «اتفاق بين رجل ذي وجاهة مع رجل آخر خمل لا وجاهة عنده، على أن يبيع الوجيه تجارة الآخر لأن وجاهته تحمل الناس على الثقة به والشراء منه، وله في نظير ذلك جزء من الربح».. إلا أن هذه الشركة ممنوعة عند المالكية لأن فيها تغريراً بالناس.
وأما شركة الجبر فهي «أن يشتري شخص سلعة معينة اعتاد أحد التجار الإتجار بها، فيكون لهذا التاجر أن يشترك فيها مع الشخص الذي اشتراها، ويجبر هذا الأخير على الشركة مع التاجر».
وأما شركة المضاربة فهي «عقد توكيل صادر من صاحب المال لغيره، على أن يتّجر بخصوص النقدين (الذهب والفضة) المضروبين ضرباً يتعامل به. ولا بد أن يدفع صاحب المال للعامل القدر الذي يريد أن يتجر فيه عاجلاً».
3 - مذهب الشافعية[*]:
قال الشافعية: إن الشركة الجائزة شرعاً هي نوع واحد، وهي شركة العِنان وتكون إذا تعاقد اثنان، فأكثر، على الاشتراك في مال للإتجار فيه، بحيث يكون الربح بينهم على نسبة أموالهم ووفقاً للشروط التي يتم الاتفاف عليها فيما بينهم.
أما أنواع الشركات الأخرى: كشركة الأبدان، وشركة المفاوضة، وشركة الوجوه فهي باطلة عندهم. وقد عرَّف الشافعية كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة، ولكن لا حاجة لبيانها هنا طالما أنها باطلة في مذهبهم.
ولكن تصح عندهم شركة المضاربة أو القراض وهي عبارة عن «عقد يقتضي بموجبه أن يدفع شخص لآخر مالاً يتَّجر فيه، على أن يكون لكل منهما نصيب في الربح بشروط مخصوصة».
4 - مذهب الحنبلية[*]:
- وقال الحنبلية: تنقسم الشركة إلى قسمين. شركة في المال، وشركة في العقود. فشركة المال هي اجتماع اثنين فأكثر في استحقاق عين، كإرث أو شراء أو هبة. ولا فرق في شركة المال بين أن يملك الشريكان العين بمنافعها، أو يملكا رقبتها دون منفعتها، أو منفعتها دون رقبتها.
وأما شركة العقود - وهي المعول عليها عندهم في مباحث الشركات - فهي «اجتماع اثنين، فأكثر في التصرف». وتنقسم شركة العقود هذه إلى خمسة أقسام:
القسم الأول: شركة العنان: وهي أن يشترك اثنان فأكثر بمالين، على أن يعملا معاً في تنميتهما، والربح بينهما على ما اشترطا. أو أن يشتركا بماليهما على أن يعمل أحدهما فقط فيأخذ من الربح أكثر من الآخر لقاء عمله، فإن شرط له ربحاً بقدر ماله لا يصح لأنه عمل في مال الغير بدون أجر.
القسم الثاني: شركة الوجوه: وهي أن يشترك اثنان - فأكثر - في شراء تجارة بثمن في ذمتيهما، اعتماداً على وجاهتهما وثقة الناس بهما، ثم يكون الربح بينهما نصفين أو ثلاثاً أو نحو ذلك. وهي جائزة مطلقاً سواء ذكرا بضاعة معيّنةً أم لم يذكراً شيئاً، كما لو قال أحد الشريكين للآخر: ما اشتريت من شيء فهو بيننا.
القسم الثالث: شركة الأبدان: وهي أن يشترك صانعان - فأكثر - على أن يعملا بأبدانهما، ويكون الأجر بينهما على ما اشترطا. وهي جائزة مطلقاً سواء كانت في الصنعة المتحدة، أو في صنعتين مختلفتين كاشتراك نجار مع حداد.
ومن شركة الأبدان: الاشتراك في تملك المباحات كالاحتطاب والاصطياد ونحو ذلك.
القسم الرابع: شركة المفاوضة: وهي الاشتراك في استثمار المال مع تفويض كلّ واحد لصاحبه في الشراء والبيع والمضاربة، والتوكيل، والبيع بالدين، والرهن، والارتهان، والضمان وغير ذلك. إلا أنه لا يصح أن يدخلا فيها الكسب النادر كوجود لقطة أو كنز أو نحو ذلك.
القسم الخامس: شركة المضاربة[*]: وهي أن يدفع رجل قدراً معيناً من ماله إلى من يتجر فيه بجزء مشاع معلوم من ربحه، ولا بد أن يكون المال نقداً مضروباً. وتصح عندهم المضاربة بالوديعة، كأن يقول أحدهما للآخر: اعمل بذاك المال المودع عند فلان مضاربةً. وهذا النوع من الشركة تعتمد عليه المصارف الإسلامية في عصرنا هذا.
ثانياً: شروط الشركة وأحكامها:
- قال الشيعة الإمامية: إن شروط الشركة هي التالية:
1 - الصيغة: وهي من المقومات، وتتحقق بقول الشريكين: اشتركنا في كذا. أو قول أحدهما: شاركتك في كذا، وقبول الآخر، وما إلى ذلك من الصيغ التي تدل على الشراكة بوضوح.
2 - الأهلية: بأن يكون كل من الشريكين - أو الشركاء - أهلاً للتوكيل والتوكل، لأنه لا يتصرف الشريك إلا بإذن صاحبه، فيكون وكيلاً عنه، وموكلاً له.
3 - المحل: بأن يكون محل الشركة مالاً من الشريكين، وموجوداً بالفعل، وأهلاً للالتزام به شرعاً. فلا يصح أن يشاركا على مال في الذمة، ولا في تجارة الخمر أو الخنزير أو المخدرات وما إلى ذلك من المحرمات.
4 - الشيوع في المال: بأن يمتزج المالان مزجاً بحيث لا يمكن الفصل بينهما، وهو شرط في صحة الشركة. أما المزج القهري، المجرد عن إرادة إنشاء الشركة، فلا يترتب عليه ملك كل منهما الحصة المشاعة في نفس الأمر، وإنما يفيد الاشتباه في كل أجزاء المال.
وعلى هذا فإن الشركة الشرعية لا توجد بالقصد وحده، ولا بالمزج وحده، بل بهما معاً. وهذا يعني أن الشركة الشرعية تتحقق بمزج المالين مع قصد الشراكة وإرادتها، سواء قال الشريكان: اشتركنا أم لم يقولا. فإن قالا، كانت الشركة بالعقد، وإن لم يقولا فهي شركة بالمعطاة. والنتيجة واحدة. وأما مزج المالين من غير قصد الشراكة فلا تتحقق به الشركة الشرعية، ولا الشركة بمعنى الشيوع، لأن كل جزء من المال المختلط إما أن يكون لهذا، وإما أن يكون لذاك، وليس كلُّ جزءٍ ملكاً مشاعاً بين الاثنين. ومن هنا كان وجوب القصد والمزج في إنشاء الشركة.
أما أحكام الشركة عند الشيعة الإمامية، فإنها عندما تتوافر لها جميع شروطها تترتب عليها الأحكام التالية:
1 - أنها جائزة من الجانبين، ولكل من الشريكين أن يرجع عنها، ويطالب بالقسمة متى شاء، لأن الناس مسلطون على أموالهم، بشتى أنواع السلطة، ومنها قسمة مال عن مال غيره. وإذا حدد للشركة أمد معين لم يلزم ذلك، ويمكنه العدول عنه، لأنه شرط في عقد جائز، والشرط يتبع المشروط في الحكم.
2 - إذا اشترطا أن يكون العمل لأحدهما دون الآخر، أو أن يعمل كل منهما دون مراجعة الآخر صح. ولكن الشرط غير لازم، ويجوز الرجوع عنه في كل وقت. وإن لم يشترطا ذلك فلا يجوز لأحدهما التصرف في مال الشركة إلا بإذن الثاني.
3 - إذا أطلقا عقد الشركة، ولم يبيّنا مقدار الأسهم، يوزع الربح على أصحاب الأموال بنسبة أموالهم. وقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجل يشارك في السلعة؟ قال (عليه السلام): «إن ربح فله، وإن وضع - أي خسر - فعليه»[*].
وقد اختلف فقهاء الإمامية فيما إذا اشترط أحد الشريكين الزيادة له في الربح مع تساوي المالين، دون أن يكون له أية ميزة من نشاطٍ أو غيره، أو إذا اشترط التساوي في الربح والخسارة مع تفاوت المالين.. فذهب جماعة إلى صحة الشركة والشرط، وآخرون إلى بطلانهما معاً، وغيرهم إلى بطلان الشرط فقط.
والمعوَّل عليه صحة الشركة والشرط، فقد سئل الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) عن رجل شارك رجلاً في جارية له، وقال: إن ربحنا فيها فلك النصف، وإن كانت وضيعة (أي خسارة) فليس عليك شيء؟ فقال الإمام (عليه السلام): «لا أرى بهذا بأساً إذا طابت نفس صاحب الجارية»[*].
- وقال الحنفية[*]: تنقسم الشروط المتعلقة بالشركة إلى أربعة أقسام:
1 - القسم الأول: يتعلق بجميع أنواع الشركة سواء كانت بالمال أو غيره، وفيه أمران:
الأول وهو متعلق بالمعقود عليه وذلك بأن يكون قابلاً للوكالة فيه، فلا يصح التعاقد على المباحات كالاصطياد أو الاحتطاب أو جمع الحشائش. لأن هذه الأشياء مباحة فلا ينعقد فيها التوكيل. وملكها يثبت للشخص بمجرد الحصول عليها دون أن يكون لغيره ملك فيها حتى يتصور أن يوكله في التصرف فيما يملكه منها..
والأمر الثاني وهو متعلق بالربح وذلك بأن يكون الربح جزءاً شائعاً، ومعلوماً. فإن كان الربح مجهولاً أو معيّناً فسد العقد.
2 - القسمان الثاني والثالث: وهما المتعلقان بشركة المال سواء كانت عناناً أو مفاوضة، وفيهما أمور:
- أحدها: أن يكون رأس المال من النقدين، فلا يصح العقد في شركة العنان، ولا في شركة المفاوضة إذا كان رأس المال عروضَ تجارة، أو حيواناً، أو من المكيلات، أو الموزونات.
- ثانيها: أن يكون رأس المال حاضراً عند العقد أو عند الشراء. وقال بعضهم: إذا افترق الشريكان من المجلس قبل دفع المال فإن العقد لا يصح.
- ثالثها: أن يكون رأس مال الشركة ديناً. والشركة هنا لا تصح لأن الدين مال غائب ويشترط لقيام الشركة حضور المال.
3 - القسم الرابع: وهو المتعلق بشركة المفاوضة، والشروط المختصة بها وفيه أمور:
منها: أن يكون رأس المال المدفوع من كل من الشريكين متساوياً لما يدفعه الآخر.
ومنها: أن يخرج كل من الشريكين كل ماله المتفق عليه، فإن كان المقدار المتفق عليه ألفاً، وأخرج خمسمائة فلا يصح، فإن عقدَها بأقل مما يملك من المال كانت شركة عنان لا مفاوضة. ويجوز أن يملك أحدهما عقاراً زائداً عن صاحبه، أو مالاً غائباً عنه كدينٍ على شخص لم يقبضه، فإذا قبضه فسدت وصارت عناناً.
ومنها: أن يكون كل من الشريكين أهلاً للكفالة، أي أن يكونا بالغين، حريّن، متفقين في الدين.
ومنها: ما هو متعلق بالمعقود عليه، بحيث إنَّ الشركة تكون عامة في جميع أنواع التجارة، فلا يصح تخصيصها بنوع واحد كالقمح أو القطن أو نحو ذلك.
وأحكام شركة المفاوضة هي أن كل شيء يشتريه أحد الشريكين فهو على الشركة كإطعام أهله وكسوته وكسوته، وكذلك الاستئجار للسكنى ووسيلة النقل.. ويجب على كل من الشريكين أن يؤدي تلك النفقات ويضمنها. وإذا ثبت في ذمة أحدهما دين بتجارة وغيرها كان الآخر متضامناً فيه.
4 - القسم الرابع: وهو المتعلق بشركة العنان وقد وردت شروطه في القسم الثاني آنفاً.
ولا تبطل الشركة، عند الحنفية، بالشرط الفاسد، وإنما يبطل الشرط، فلو اشتركا في شراء حيوان أو عرض تجارة، على أن يبيعه أحدهما دون الآخر لم تفسد الشركة ولا يعمل بالشرط. وكذلك إذا اشتركا على أن يدفع أحدهما المال وحده فإن الشرط يكون فاسداً، والعقد صحيحاً.
- وقال المالكية[*]: الشروط التي تتعلق بالعاقدين ثلاثة وهي: الحرية فلا تصح بين رقيق وحر، ولا بين عبدين إلا إذا كان كل منهما مأذوناً من سيده، والرشد والبلوغ. وهذه الشروط هي شروط صحة التوكيل والتوكل فلا يصح لشخص أو يوكل غيره، أو يتوكل عن غيره إلا إذا كان حراً بالغاً رشيداً.
وأما الصيغة فشرطها أن تكون بما يدل على الشركة عرفاً سواء كان بالقول أو بالفعل. ومتى تحققت الصيغة بالقول أو بالفعل لزم عقد الشركة. وإذا أراد أحدهما أن ينفصل عن صاحبه قبل خلط المالين، وامتنع الآخر، فلا يتم الانفصال حتى تباع السلع التي اشترياها ويظهر رأس المال.
وأما رأس المال فإنه يصح بوجوه ثلاثة:
الوجه الأول: النقدان من الذهب والفضة، ويشترط فيه ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن يتحد ما يدفعه أحدهما بما يدفعه الآخر في الجنس، بأن يخرج أحدهما ذهباً والآخر ذهباً، أو يخرج أحدهما ذهباً وفضة والآخر كذلك.
الأمر الثاني: أن يتحد المالان في الصرف والوزن والجودة (أو الرداءة).
الأمر الثالث: أن يكون رأس مال الشركة من النقدين حاضراً، فإن اشتركا على مال غائب فإنه لا يصح، وإذا كان مال أحدهما حاضراً، ومال الآخر غائباً بحيث لا يمكن إحضاره في مسافة يومين فإن الشركة لا تصح.
الوجه الثاني: أن يكون رأس المال عيناً من أحدهما، وعرض تجارة من الآخر، كأن يدفع أحدهما نقداً من ذهب أو فضة، ويدفع الآخر سلعة من قماش أو قطن.
الوجه الثالث: أن يكون رأس المال عروض تجارة من الشريكين، ولا فرق هنا بين أن تكون عروض التجارة متحدة الجنس أو مختلفة. إلا أنه لا يصح أن يكون رأس المال من كل منهما طعاماً. وفي كل حال يشترط عندما يكون رأس المال عرض تجارة، أن يقوَّم رأس المال وتعتبر الشركة فيه بالقيمة. ثم إن كان عرض التجارة معدوداً أو مكيلاً أو موزوناً فتعتبر قيمته بعد بيعه وقبضه.
وأما الربح أو الخسارة فإنه يشترط فيه أن يكون بحسب نسبة المال، بحيث لا يجوز لأحدهما أن يأخذ أكثر من نسبة رأس ماله الذي دفعه.
ومثل الربح العمل، إذ على كل منهما أن يعمل بنسبة رأس ماله. فإن اشترطا التفاوت في الربح أو العمل بطلت الشركة. فإن لم يشرعا في العمل وظهر بطلان الشركة بذلك فسخ العقد.
- وقال الشافعية[*]: إن القسم الصحيح من أنواع الشركة هو شركة العنان، وأما غيرها فهو باطل، وأركانها ثلاثة: صيغة، وشريكان، ومال. ويتعلق بكل ركن منها شروط.
- أما الصيغة فيشترط أن تشتمل على الإذن بالتصرف من قبل الشريكين، وسواء أكان التصرف من أحدهما، أو كان منهما معاً فإنه يلزم، كأن يقول كل منهما لصاحبه: جعلنا هذا المال شركةً وأذنتك بالتصرف فيه على سبيل التجارة بيعاً وشراءً. أي لا يكفي القول: اشتركنا فقط، بل لا بد من التصريح بما يدل على الإذن.
وأما الشريكان فيشترط في كل منهما الرشد والبلوغ والحرية.
- وأما رأس المال فيشترط فيه أمور:
- الأمر الأول: أن يكون رأس المال مثلياً. والمراد بالمثل ما يمكن أن يحصر بكيلٍ أو وزن. ويجوز فيه السلم كالنقدين من الذهب والفضة فإنهما يحصران بالوزن. أما ما لا يكال ولا يوزن من عرض التجارة فإنه لا يصح أن يجعل رأس مال. إلا إذا باع أحدهما بعض تجارته ببعض تجارة صاحبه بطريق الشيوع، ثم أذن كل واحد منهما لصاحبه بالتصرف على سبيل التجارة، وبذلك يصح جعل عرض التجارة رأس مال سواء اتحد جنسه أم اختلف.
الأمر الثاني: اختلاط المالين قبل العقد. أما خلطهما بعد العقد فقيل يصح، وقيل يمتنع. وفي هذه الحالة يلزم الشريكين إعادة الصيغة.
الأمر الثالث: اتحاد ما يخرجه كل واحد من المال ببعضه، فلا يصح أن يخرج أحدهما ذهباً والآخر فضة وبالعكس.
ولا يشترط التساوي في رأس المال، ولا في العمل على المعتمد. ولكن يشترط أن يقسم الربح والخسارة على قدر المالين سواء تساوى الشريكان في العمل أو تفاوتا. فإذا دفع أحدهما مائة، ودفع الآخر خمسين لزم أن يأخذ الثاني ثلث الربح، فإن اشترط أقل من ذلك أو أكثر فسد العقد ويرجع كل واحد منهما بأجرة عمل مثله في ماله.
- وقال الحنبلية[*]: تنقسم الشروط في الشركة إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: شروط صحيحة لا يترتب عليها ضرر، ولا يتوقف العقد عليها، كما إذا اشترطا أن لا يبيعا إلاَّ بكذا، وأن لا يتجرا في مكان كذا، أو أن لا يسافرا بالمال، ونحو ذلك، فهذا كله صحيح ولا ضرر فيه.
القسم الثاني: شروط فاسدة لا يقتضيها العقد كاشتراط عدم فسخ الشركة مدة سنة مثلاً، أو أن لا يبيع إلا برأس المال، أو أن لا يبيع ممن اشترى منه، ونحو ذلك، فهذه الشروط لا يترتب عليها فساد العقد، ولا يعمل بها.
القسم الثالث: الشروط التي يتوقف عليها صحة العقد، وفيها أمور:
الأمر الأول: أن يكون رأس المال معلوماً، فلا تصح الشركة على مال مجهول لما في ذلك من الضرر المفضي إلى النزاع.
الأمر الثاني: أن يكون رأس المال حاضراً فلا تصح الشركة بالمال الغائب، أو في الذمة كالمضاربة.
الأمر الثالث: أن يكون رأس المال ذهباً أو فضة مضروبين، مختومين بختم الحاكم، فلا تصح في النقد غير المضروب، كما لا تصح إذا كان رأس المال فلوساً، سواء كانت رائجة يتعامل بها أو كاسدة. وكذلك لا يصح أن يكون رأس المال عرض تجارة.
الأمر الرابع: أن يكون نصيب كل منهما مشاعاً في كل المال على أن يقدر بالنصف أو الثلث أو نحو ذلك، وإذا اشترطا أن يكون الربح بينهما فإنه يصح ويكون لكل واحد نصفه.
ولا يشترط لصحتها اتفاق المالين في الجنس بل يجوز أن يخرج أحدهما دراهم والآخر دنانير. كما لا يشترط تساوي المالين في القدر، ما دام أنهما مالان فجاز عقد الشراكة عليهما كما لو تساويا[*].
ومتى وقعت الشركة فاسدة فإنهما يقتسمان الربح على قدر رأس أموالهما، ويرجع كل واحد منهما على الآخر بأجر عمله[*].
ثالثاً: التنازع حول تلف المال:
يقوم عقد الشركة على الثقة المتبادلة، لأن الأصل في الشريك أنه أمين في المال، والأمين صادق فيما يدعيه، وفقاً لشريعتنا الغرّاء. ومتى فقد هذا الأساس فمعنى ذلك فشل الشركاء وفساد الشركة. ومن أجل ذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «يقول الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإن خان خرجت من بينهما»[*]. وعن الإمام الصادق (عليه السلام): الرجل يكون له الشريك فيظهر عليه قد اختان شيئاً. أَلهُ أن يأخذ منه مثل الذي أخذ من غير أن بيبِّن لهُ؟.. فقال: شُوه!. إنما اشتركا بأمانة الله، وإني لأُحب له إن رأى شيئاً من ذلك أن يستر عليه، وما أُحب أن يأخذ منه شيئاً بغير علمه[*]... من أجل ذلك يجب أن يكون الشريك أميناً، صادقاً في كل ما يدعيه من بيع أو شراء، أو ربح أو خسارة.
وفي حال حصول النزاع فإن في ذلك أحكاماً على النحو التالي:
- قال الشيعة الإمامية: إذا كان مال الشركة في يد أحد الشركاء، وادَّعى التلف، فالقول قوله بيمينه، لأنه أمين، وليس على الأمين إلاَّ اليمين. ولا فرق بين أن يدعي سبباً ظاهراً للتلف كالحريق، أو سبباً خفياً كالسرقة. وإذا تحقق التلف واتفقا عليه، ولكن ادعى أحدهما على من كان المالُ في يده أنه فرَّط أو اعتدى، وأنكر هذا التفريط أو التعدي، فالقول قوله بيمينه أيضاً لأنه أمين.
- وقال الحنفية: كل ما يدعيه أحد الشركاء في مقدار الربح والخسارة، وفقد المال، والدفع لشريكه، فإنه يصدق في قوله بعد أن يحلف اليمين، لأن القول قوله بيمينه.
ويضمن الشريك بالتعدي، لأن الأمين إذا تعدى ضمن.
وإذا نهى أحد الشركاء شريكه عن البيع بالدين، فباع نفذ البيع في نصيب البائع، ووقع موقوفاً في حصة شريكه، فإن أجازه فالربح بينهما، وإن لم يجز فالبيع في حصته باطل.
- وقال المالكية: إذا ادعى أحد الشركاء تلف مال الشركة بآفة سماوية، أو خسر بعمل التجارة، وأنكر شريكه عليه ذلك، وادعى عليه أنه أخفاه، ولم يحصل تلف ولا خسارة، فالقول قول المنكر. وإن قامت القرائن على كذب المدعي ضمن المال، وإن لم تكن هنالك لا بينة ولا دليل، فإنه يحلف على أنه حصل التلف أو الخسارة.
وإذا ادعى أحد الشركاء بأنه اشترى سلعة لنفسه أو لعياله، وأنكر شريكه ذلك وقال هي للشركة. فإن كانت السلعة تليق به وبعياله فإن القول للمدعي بلا يمين. وأما إن كانت لا تليق به فإنه لا يصدق، ويرد ما اشتراه إلى الشركة.
وإذا ادعى أحدهما أن له ثلثي المال، وادعى الآخر أن لكل واحد النصف، فالقول لمن ادعى النصف، ويقسم بينهما بعد حلفهما.
- وقال الشافعية: الشريك أمين على مال الشركة، فكل ما يدعيه فإنه يصدق فيه.
وإذا ادعى تلف المال بدون أن يعرف السبب، أو بسبب خفيّ كالسرقة فإنه يصدق بيمينه. وإذا ادعى التلف بسبب ظاهر كالحريق فإنه لا يصدق إلا إذا أقام البينة على حصول الحريق وتلف مال التجارة به. وإذا عرف الحريق ولم يعرف أن مال التجارة احترق به فإنه يصدق بيمينه.
وإذا ادعى أحد الشريكين أنه اشترى سلعةً ما للشركة، وادعى الآخر بأنه اشتراها لنفسه، صدق من كان المال في يده.
وإذا ادعى من كان المال في يده أنهما اقتسماه، وما في يده إنما هو خاص به وحده، وأنكر شريكه، فالقول في هذه الحالة للمنكر، لأن الأصل عدم القسمة.
- وقال الحنبلية: الشريك بالنسبة لشريكه أمين لأنه كالوكيل، فالقول قوله في رأس المال، وفي قدر الربح، وفي الخسارة، وفيما يدعيه من هلاك، إلاَّ إذا كان للآخر بينة تشهد خلاف ذلك. وإن ادعى التلف بسبب ظاهر كلف ببينة تُثبتُ ذلك، ثم حلف. والقول قوله فيما اشتراه لنفسه أو للشركة، ونحو ذلك.
رابعاً: انتهاء الشركة:
يفرق الفقهاء بين انتهاء الشركة، وبين انتهاء الإذن للشريك بالتصرف في المال المشترك.
أما الشركة فلا تنتهي إلا بالقسمة، أو تلف المال. ولا أثر لقول الشركاء: أنهينا الشركة ما لم يحصل الإفراز.. أجل تنتهي بذلك شركة العقد، لأنها من العقود الجائزة، أما شركة الملك والشيوع، فلا.. وينتهي الإذن بالتصرف بانتهاء الشركة، أو بجنون المأذون له، أو موته، أو التحجير عليه لسفه، أو إفلاس. وتنتقل الشركة إلى الوارث بموت الشريك. وينوب عنه الولي مع الجنون أو السفه.
بعد هذا العرض السريع لأقوال المذاهب في الشركة وظهور بعض الخلافات فيما بينهم يبرز سؤال، لماذا حدّدت أنواع الشركة في بداية الأمر مع أن بعض الأئمة لا يوافقون عليها جميعها؟
الجواب على ذلك:
أولاً: أن الأمة عملت بجميع أنواع هذه الشركات. والخليفة يتبنى بعضها أو كلها ويصبح أمره نافذاً على جميع أفراد الأمة.
وثانياً: نحن أمام واقع شركات أجنبية تُطَبَّق أحكامها على المسلمين. ولذا فنحن مضطرون أن نأتي بالذكر على جميع أنواع الشركات التي مارسها المسلمون، كما أننا مضطرون أن نبين جميع أنواع الشركات الرأسمالية التي فرضت علينا، والتي نمارسها في الوقت الحاضر.
ثالثاً: حتى نثبت أن الشركات الإسلامية يجب أن يكون فيها بدن، بحيث تُدار من قبل أحد الشركاء أو جميعهم، وهذا بعكس ما هو حاصل اليوم في الشركات الرأسمالية التي سنأتي على بعض تفصيلها.
القسـمـة
القِسمة، لغةً، بكسر القاف: اسم من الاقتسام، وتعني النصيب.
وهي شرعاً: تمييزُ أحد النصيبين عن الآخر وفصله عنه في ملك مشترك. وقد تعني المبادلةَ عندما يُراد بها أخذُ أحد الشركاء مالاً عوضاً عن حقه.
والقسمةُ ليست بيعاً ولا صلحاً، بل هي من العقود الرضائية أو الإلزامية، بحيث يكون كلّ نصيب بقدر الآخر دون زيادة أو نقصان، ما لم تكن الأنصبة متباينةً في أصل الحق، فيعطى كلّ واحد من الشريكين - أو الشركاء - بقدر نصيبه أو سهمه، أي أنه تراعى في ذلك حقوق الملكية كما هي مقررةٌ للشركاء في الشيء المقسوم.
وقد يُجْبَرُ الشريكُ على القسمة، في بعض الحالات، وليس في البيع شيء من ذلك. ولذلك قال الفقهاء: ليست القسمةُ بيعاً، ولا صلحاً، ولا غيرهما، بل هي قائمةٌ بنفسها، وليس فيها شفعةٌ ولا خيارُ مجلس، ولا غير ذلك.
على أن القرطبي يقول: «وأما القسمةُ بالتراضي، سواءٌ كانت بعد تعديل وتقويم أو بغير تقويم وتعديل، فتجوز في الرقاب المتفقة والمختلفة لأنها بيعٌ من البيوع، وإنما يحرم فيها ما يحرم في البيوع»[*].
والقسمةُ مشروعةٌ في الكتاب والسنة.
أما في الكتاب، فقوله الله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} [النِّسَاء: 8]. وقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفَال: 41]. وقوله تعالى: {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى *} [النّجْم: 22]. وقوله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ *} [القَمَر: 28].
وأما في السنة، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «أَيُّما دارٍ قُسِّمت في الجاهلية فهي على قِسْم الجاهلية، وأيما دار أدركها الإسلام ولم تُقْسَم فهي على قِسْم الإسلام»[*]. وقد ثبت أيضاً في السنة أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قسَّم الغنائم على المجاهدين، وأعطى ذوي الأنصبة حقه في كتاب الله. بل هو نفسه (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان يقسم وقته بين أهله بالعدل والرحمة، وكان يُقرع بين نسائه لمن تخرج معه في سفره.
أنواعُ القسمة:
الغايةُ من القسمة هي معرفةُ نصيب الشريك من أجل الانتفاع به. والأصل فيها التراضي على فرز الأنصبة، حتى إذا امتنع أحد الشريكين - أو الشركاء - فتتمُّ بالإجبار، ما لم يحصل الضرر. وعلى هذا فالقسمةُ تكون إما بالتراضي وإما بالتقاضي.
وهذه آراء الأئمة في القسمة:
أولاً: قال الشيعة الإمامية:
تكون القسمةُ بالإجبار أو بالتراضي.
1 - قسمة الإجبار: وهي إذا طلب أحد الشريكين القسمة وامتنع الآخر. فإن لم تُحدثِ القسمةُ ضرراً على الممتنع،ولا ردّاً من أسهم أحدهما للآخر، بحيث يمكن قسمةُ الشيء المشترك، وتعديلُ السهام من غير ضمّ شيء آخر مع بعضها، فإنَّ الممتنعَ يُجبر على القسمة، إذ يجب إعطاء كل ذي حقّ حقه متى طلبه، ولا يجوز منعه عنه[*].
وهذه القسمةُ يتولاها الحاكم الشرعيّ (القاضي) أو من يوكِّله. ومع تعذُّر وجودهما يقوم بها عدول المسلمين.
2 - قسمةُ التراضي: إذا كانت القسمةُ غير ممكنة، كالاشتراك في جوهرة، أو سيارة، أو قطعة سلاح، وما إليها، بحيث إذا قُسمت تلفت، أو ذهبت قيمة انتفاعها، أو إذا كانت القسمةُ ممكنة، ولكنّ الشريك لا ينتفع بنصيبه منفرداً، كما كان ينتفع به مع الشركة كقسمة الغرفة الصغيرة حيث يصيب كلّ منهما موضعاً ضيقاً لا ينتفع به لجهة السكن ولا لغيره، أو إذا أمكنت القسمة والانتفاع ولكن لا يمكن تعديل السهام إلاَّ بالردّ، وضمِّ مالٍ زائدٍ على المال المشترك، كما لو كان بين الشريكين غرفتان، قيمة إحداهما ألف، وقيمة الأخرى ألفان، فلا بد أن يضمّ إلى الأولى خمسمائة يدفعها من يأخذ الثانية لمن يأخذ الأولى.. في مثل هذه تلك الحالات وغيرها لا يُجبر الشريكُ على القسمة والقبول عملاً بقاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، وللنهي عن السرف والتبذير، ولأن الضميمة لا تُملك إلاَّ بالتراضي. ولذا سميت هذه القسمة بقسمة التراضي.
وقال جماعةٌ من فقهاء الإمامية: لا تجوز قسمة المال المشترك مع تضرر الشركاء، حتى ولو اتفقوا عليها، لأن ذلك سفهٌ وتضييعٌ للمال. وردَّ عليهمُ البعضُ فقال: «بأن هذا منافٍ لقاعدة تسلط الناس على أموالهم، وأن المالك لا يمنع من التصرف في ملكه وإن استلزم ذلك نقصاً فاحشاً في ماله، والإثم الناتج من تضرّر بعض الشركاء لا يتنافى مع صحة القسمة شرعاً».
وإزاء هذا التباين في الآراء فإن المعمولَ به عند الشيعة الإمامية: أن القسمة تصحّ مع التراضي، حتى ولو تضرر الشركاء. ولو افترض أن المتضرر من القسمة أحدُ الشريكين دون الآخر، وطلبها المتضرر، أجيب إلى طلبه، وأجبر عليها غير المتضرر. ولو طلبها غيرُ المتضرر من المتضرر فلا يُجابُ إلى طلبه.
ثانياً: وقالت المذاهب الأربعة:
لا تخلو القسمةُ أن تكون في محلٍّ واحد، أو في محالَّ كثيرة. فإذا كانت في محلّ واحد فلا خوف في جوازها إذا انقسمت إلى أجزاء متساوية بالصفة، ولم تنقص منفعة الأجزاء بالانقسام، ويجبر الشركاء على ذلك. وأما إذا انقسمت إلى ما لا منفعة فيه، فإنها تُقسم بينهم ـ كما قال بذلك أبو حنيفة ومالك والشافعي - إذا دعا أحدهم إلى ذلك ولو لم يصر لواحد منهم إلا ما لا منفعة فيه مثل قدر القدم[*].
وأما بخصوص أنواع القسمة فهي عند الأئمة الأربعة وفقاً لما يلي:
- قال الحنفية: القسمةُ هي جمعُ نصيبٍ شائع في مكان معين. وهي نوعان: القسمةُ الجبرية وهي التي يطلبها أحد الشركاء من القاضي، والقسمة الرضائية وهي التي تحصل ما بين الشركاء بالتوافق والرضا.
وكلٌّ من هذين النوعين ينقسم بدوره إلى نوعين:
1 - قسمةُ تفريق: وتكون بتخصيص كلّ شريك بحصة معينة من المال المشترك. وشرطها أن تكون فيما لا ضرر في تبعيضه بالشريكين: كالمكيل، والموزون، والعدديات المتقاربة، سواء جرت القسمة جبراً أو بالتراضي.
2 - قسمةُ جمع: وتكون بجمع نصيب كلّ شريك في عينٍ على حدة. وهي جائزة في جنس واحدٍ كالحنطة، ولا تصح في جنسين مختلفين، بحيث لا تكون مثلاً بين قمح وذرة، وبين قطنٍ وصوف، أو بين بقرٍ وغنم، أو بين ثياب وأثاث...
وعند أبي حنيفة لا يجوز قسمةُ الأراضي والدور قسمةَ جمعٍ منعاً للضرر بسبب التفاوت في القيمة بين أرض وأَرض، وبين دارٍ ودارٍ، «بل يقسم كلّ عقار على حدة لأن كلّ عقار يتعين بنفسه وتتعلق به الشفعة»[*]. بينما تجوز قسمةُ الأراضي والدور، عند صاحبي أبي حنيفة، قسمةَ جمع.. أي أنه بشكل عام، لا تجوز عند الحنفية قسمةُ الجمع عند اختلاف الجنسين.
- وقال المالكية: القسمةُ هي تعيينُ نصيب كلّ شريك في مشاع، ولو كان التعيين باختصاص تصرف فيما عيّن له، مع بقاء الشركة في الشيء.
واعتبر المالكية أن قسمة الرقاب أو الأعيان تكون على نوعين:
1 - قسمة مراضاة: وهي أن يأخذَ كلّ من الشريكين شيئاً مما هو مشترك بالرضا دون قرعة. وبمقتضى هذا الرضا لا يجوز الردّ إلاَّ بالتوافق أيضاً. وهي تصحّ في الجنس الواحد، وفي الأجناس المختلفة.
2 - قسمةَ قرعة: وهي تمييز حقّ مشاع بين الشركاء. وتكون جبرية على من أباها. ولا تكون إلا في الأجناس المتفقة أو المتماثلة. قال مالك: «إن الأشياء إذا كانت متفقة الأنواع قسمت بالتقديم والتعديل والسهيمة، لأنه أقل للضرر الداخل على الشركاء من القسمة»[*]. أي أنه قال بخلاف أبي حنفية والشافعي اللَّذَين يُجيزان تقسيم كل عقار على حدة، وتعيينه بنفسه لتعلق الشفعة به.
- وقال الشافعية: القسمةُ ثلاثة أنواع:
1 - قسمةُ الإفراز: وهي إفراز حقِّ كلٍّ من الشركاء. وتحدث فيما لا ضرر فيه كالحبوب، والدور المتماثلة، والأرض المستوية الأجزاء. وهي تُلزم الشريك عند طلب شريكه، فيجزأ ما يمكن تقسيمه كالمكيل، والموزون والمزروع، والمعدود، ثم يُقرع بين المقسوم لتعيين نصيب كل شريك.
2 - قسمةُ تعديل السهام: وذلك عندما تكون السهام مختلفةَ القيمة فيجري تعديلها لتحقيق المساواة، كما لو كانت أرضٌ مشجرةً في جزء منها بحيث يساوي ثلثي قيمة الأرض وغير مشجرة في جزء آخر بحيث يساوي ثلث القيمة، فيقرع بين الشريكين على كل جزء بعد القسمة. وهي جبرية بناء على طلب الشريك.
3 - قسمةُ الردّ: وهي التي يردُّ فيها أحد الشريكين مالاً إلى الشريك الآخر بما يوازي حصته في الجزء الذي لا يقسم، كما لو كان في أرضٍ مشتركة بئر ماء، وجرت القسمة فكانت البئر في نصيب أحدهما، فيدفع هذا لشريكه نصف قيمة البئر. وهذا الدفع هو الردُّ.
- وقال الحنبلية: القسمةُ نوعان:
1 - قسمةُ التراضي: وهي التي تكون برضا جميع الشركاء، ولا ضرر فيها، فكل ما لا يمكن قَسْمه بالأجزاء أو التعديل، لا يقسم بغير رضا الشركاء كلّهم. ويردُّ عوضٌ من البعض على الآخرين، أي بأن يبذل صاحب الزائد المال عوضاً عما حصل له من حق شريكه.
2 - قسمةُ الإجبار: وهي تحصل في الشيء المشترك إذا لم يكن هنالك ضرر على الشركاء، أو على أحدٍ منهم، وليس فيها ردّ عوض. وهي تحصل في المكيلات والموزونات من جنس واحد، كالحبوب والثمار. وإذا طلب أحد الشركاء القسمةَ ورفض الآخر، أجبر هذا عليها، وخاصة إذا كانت القسمةُ تهدف إلى إزالة الضرر الحاصل من الشراكة، وتحقيق النفع للشركاء.
قسمة المهايأة أو القسمة الزراعية:
- قال الشيعة الإمامية: إذا كان البستان، أو الدار، أو الأرض مشتركةً بين اثنين، واتفقا على أن يكون بعضُ العين المشتركة في يد أحدهما، والبعضُ الباقي في يد الآخر، بحيث يستثمر أو ينتفع كلّ منهما بما تحت يده خلال مدةٍ معيَّنةٍ من الزمن، أو إلى أن تتم القسمة النهائية بينهما، صحّ الاتفاق في الحالين. وتسمى هذه القسمة بالمهايأة أو الموافقة. وتتلخص بقسمة المنافع بحسب الزمان، أو بحسب أجزاء العين المشتركة. ويسميها الفلاحون قسمةً زراعية. وإذا طلبها أحد الشريكين، وامتنع الآخر فلا يجبر الممتنع، لأنها بمنزلة المعاوضة التي يعتبر فيها التراضي[*].
- وقال الأئمة الأربعة: المهايأةُ جائزةٌ استحساناً بسبب الحاجة إليها بين الناس، إذ قد يتعذر الاجتماع على الانتفاع. وتكون قسمة المهايأة في منافع الأعيان المشتركة التي يمكن الانتفاعُ بها من الشركاء مع بقاء عينها مشتركةً فيما بينهم.
وقد اعتبر الحنفية والشافعية والحنبلية، بخلاف المالكية، أن المهايأةُ غيرُ لازمة ويمكن إيجاز آرائهم بذلك على النحو التالي:
- قال الحنفية: المهايأةُ عقدٌ جائزٌ قابلٌ للفسخ، كسائر العقود الجائزة. وهي تفسخ ولو بغير عذر، ولا تبطل بموت أحد الشريكين أو كليهما.
وعند ابن عابدين تكون المهايأة عقد لازم بالتقاضي، فلا يجوز لأي من الشريكين نقضُها بدون عذر.
- وقال المالكية: تلزم المهايأة كالإجارة، فهي من العقود اللازمة، وليس لأحد الشريكين فسخها، فإذا تراضيا وقعت صحيحة ولا تفسخ إلا برضا كل الشركاء.
- وقال الشافعية: المهايأةُ عقدٌ غير لازم، فلكلّ من الشريكين الرجوعُ عنها متى شاء، ولا إجبارَ فيها من القاضي.
- وقال الحنبلية: المهايأة معاوضةٌ لا يجبر عليها، فهي غير ملزمة، ومتى رجع عنها أحد الشريكين انتقضت، كما تُنتقض إذا طلب أحد الشريكين القسمة، لأن لكلّ منهما ذلك، للانتفاع بحقه.
والمهايأةُ عند جميع الأئمة على نوعين:
1 - مهايأةٌ زمانية: كأن ينتفع كل من الشريكين بالشيء المشترك كلّه مدةً معينة، ثم ينتفع الآخر به مدةً مساوية لمدة انتفاع صاحبه، أو بنسبة حصته.
2 - مهايأةٌ مكانية: وهي أن يخصَّصَ كلٌّ من الشريكين ببعض المال المشترك بنسبة حصته، فيتم الانتفاع منهما معاً وفي وقت واحد: كأن يسكنَ أحدهما في الجزء العلويّ من الدار، ويسكنَ الثاني في الجزء السفليّ منها. وهي جائزة لأنها تكون في الأموال المشتركة التي تقبل القسمة كالدور الكبيرة. أما في الأموال التي لا تقبل القسمة كالدار الصغيرة، والسيارة فتجوز فيها المهايأة الزمانية.
لـزوم القسمة:
- قال الإمامية: تلزم القسمة، ولا يجوز العدول عنها في الحالات التالية:
1 - أن يقتسم الشركاء فيما بينهم من غير قاسم، ولا قرعة. فمتى رضي كل منهم بقسم معين أُلزم به، ولا يجوز له العدول بعد الرضا. وقد جاء في (كتاب اللمعة - آخر باب القضاء): «إذا اتفقا على أن لكل واحد سهماً لزم من غير قرعة، لصدق القسمة مع التراضي الموجبة لتمييز الحق. ولا فرق بين قسمة الرد وغيرها»[*].
2 - أن يحصل الفرز، والقرعة، بالاتفاق بين الجميع. ولا يعتبر الرضا بعد القرعة، بل يكفي الرضا المقارن لها. قال صاحب الجواهر: «الظاهر عدم اعتبار الرضا بعد القرعة، مع فرض سبق الرضا بها، وضرورة ظهور أدلتها في اقتضاء التمييز والتعيين. فمع حصوله بها لا دليل على عودة»[*]. أي أن المستفاد من أدلة القرعة أنها وسيلة لتعيين الحقّ وتمييزه من غيره. فمتى جَرَت تعيَّن الحق، وإذا تعيّن انتهت الشركة، ولا تعود إلا بدليل، ولا دليل على العودة.
3 - أن يختار الشركاء قاسماً يميّز الحصص، ويُجري القرعة برضا الجميع.
4 - أن يرفع الشركاء الأمر إلى الحاكم، ويعين هذا قاسماً، فيجب العمل بقوله بمجرد خروج القرعة. ولا يُشترط رضا الشركاء بالقسمة لا قبل القرعة ولا بعدها. وبما أن العملَ بقول القاسم الذي عيّنه الحاكم ملزمٌ للجميع، شاؤوا أو أبوْا، وجب أن يكون هذا القاسم من أهل الخبرة والعدالة كما هو الشأن في كلّ من تجب إطاعته.
- وعند الأئمة الأربعة: أن القسمة من العقود اللازمة، فلا يجوز للمتقاسمين نقضُها ولا الرجوعُ فيها إلاَّ الطوارئ عليها. والطوارئ ثلاثة: غبنٌ، أو وجودُ عيب، أو استحقاق[*].
ويظهر رأي الأئمة الأربعة في لزوم القسمة على النحو التالي:
- قال الحنفية: إذا تمت القسمة، سواءٌ قسمة التراضي أو قسمة التقاضي، فلا يجوز الرجوع عنها.
أما قبل تمام القسمة فيجوز للشركاء الرجوع عنها في قسمة التراضي. ولا يجوز لهم ذلك في قسمة التقاضي لأنها تكون ملزمةً، وسواءٌ خرجتُ كلّها بالقرعة، أو خرج بعضها دون بعض.
- وقال المالكية: القسمة ملزمة، سواء قسمة المراضاة أو قسمة القرعة، ولا يجوز لأحد الشركاء نقضها.
- وقال الشافعية: إن قسمةَ الإفراز وقسمةَ تعديل السهام ملزمة، لأنها جبرية. أما قسمةُ الردّ، فلا بُدَّ من الرضا بها بعد خروج القرعة، ولا يكون حكم القاسم فيها ملزماً إلاَّ برضا الشركاء.
- وقال الحنبلية: تلزم قسمة التراضي إذا خرجت القرعة لأن القاسم يجب أن تُلزِم قرعتُه ولأنه يَجتهدُ في تعديل السهام كاجتهاد الحاكم في طلب الحقّ. وكذلك قسمةُ الإجبار فهي ملزمة عندهم لأنها تهدف إلى إزالة الضرر وتحقيق النفع للشركاء.
أما بخصوص الشروط التي يجب توفرها في القاسم:
- فإن الإمامية لا يشترطون العدالة، ولا الإسلام في القاسم الذي يختاره الشركاء من تلقاء أنفسهم.
- أما الحنفية فيتشرطون في القاسم أن يكون عدلاً، أميناً، عالماً بالقسمة، وأن يكون معيَّناً من القاضي، وأن يُقرع بين الشركاء بعد الفراغ من القسمة لأن القرعة وردت في السنّة، وهي أنفى للتهمة.
- وأما الشافعية والحنبلية فيشترطون في القاسم المعيّن من القاضي أن يكون مسلماً، بالغاً، عاقلاً، حراً، ذكراً، عادلاً، وعالماً بالمساحة والحساب لأن علمهما آلةُ القسمة. ويضيف الشافعية إلى ذلك اشتراطَ السمع والبصر والنطق والضبط. أما إذا لم يكن القاسم معيّناً من القاضي، بل من الشركاء فيما بينهم، فلا تُلزم الشروط التي يجب توفرها في القاسم، إذ كلّ ما يحتاجه الأمر هو تكليفُ الشركاء له، لأنه يصبح وكيلاً عنهم.
واتفق جميع الأئمة على أن أجرة القاسم المعيّن من قبل القاضي تكون من بيت مال المسلمين إذا كان فيه سعة. أما إذا كان القاسم مختاراً من الشركاء في مقابل أجر، فهذا الأجر عليهم. ويتم توزيعه عند أبي حنيفة ومالك بحسب عدد الشركاء أو الرؤوس. بينما قال الشافعية والحنبلية (وأبو يوسف): يتم توزيع الأجر بقدر الحصص أو الأنصبة.
الغلط في القسمة:
اتفق جميع الفقهاء على أن الغلطَ في القسمة يؤدي إلى بطلانها أو نقصها شرط أن يثبت بالبينة.. وإذا ادَّعى أحد الشريكين الغلطَ وأنكر الآخر، فعلى المنكر اليمين بأنه لم يكن عالماً بالغلط إن ادَّعى عليه شريكه العلم به، وإلاَّ لم يسمع قوله إلاَّ مع البيّنة، فإن حلف تمت القسمة، وإن نكل بطلت بناء على جواز القضاء بمجرد النكول.
وإذا ظهر لهما بعد القسمة شريكٌ ثالثٌ على سبيل المشاع، لم يكن في حسبانهما، بطلت القسمة، لأنها لم تقع برضا جميع الشركاء.
وإذا اقتسما عقارين، وأخذ كلّ منها عقاراً، ثم ظهر أن أحد العقارين، كلَّه أو بعضَه، مستحقٌّ لشخصٍ ثالث بطلت القسمة. وكذا لو ظهر فيه عيبٌ، إلا إذا تراضيا على تداركه بالأرش. (الأرش: الدية في الأصل، ولكنَّ المقصود هنا: التعويض على المغبون). وإذا بنى أحد الشركاء في نصيبه داراً، أو غرس فيه شجراً، ثم ظهر أنه مستحق للغير، وأزال المالك البناء والغرس، فلا يرجع الباني أو الزارع على شريكه، لأن القسمة ليست بيعاً، والشريك لم يُغرِّر به، كي يقال: المغرور يرجع على من غرَّه.
وخلاصة القول: إن القسمةَ جائزةٌ في جميع الأموال المشتركة، سواءٌ كانت ذاتَ أجزاء متساوية، أو أجزاء متفاوتة، في قسمة الأراضي والدور التي تتألف من عدة طوابق، ولا سيما السفليّ والعلويّ منها. أما تلك التي لا تسمح طبيعتها بالقسمة لئلا تهدر منفعتها فإن الأمر فيها يعود إلى الاختصاصيين من مهندسين وفنيين أكثر من المشترعين أو الفقهاء، لأن وظيفة الفقيه تتحدد بأن يبيّن وجوب استجابة الشريك للقسمة إذا طلبها شريكه.. أو إذا امتنع فهل للحاكم أن يجبره، وهل القسمة لازمة أو جائزة، وما هي الشروط التي يجب توفرها في القاسم، وما إلى ذلك من الأمور التي تدخل في وظائف الفقهاء.. بينما أصحاب الاختصاص يقع على عاتقهم تحقيقُ القسمة بالمعنى الفعليّ والواقعيّ، ولذلك كان دورهم هامًّا بهذا الخصوص.
الشُّـفعـة
الشُّفعةُ، لغةً، مأخوذةٌ، من الشَّفع بمعنى الضمّ، أو بمعنى الزيادة والتقوية، تقول: شفعتُ الشيءَ: ضممته.
وقد سُميت شُفعةً لأن الشفيعَ يضمُّ ما يتملكه بموجب الحقّ المعطى له إلى ملكه فيزيده عليه، ويتقوّى به، فقد كان الشفيع منفرداً في ملكه، وبالشفعة ضمَّ المبيع (المشفوع به) إلى ملكه، فصار شَفْعاً ضدّ الوِتر.
والشُّفعةُ، في الاصطلاح الشرعيّ، هي استحقاقُ أحد الشريكين حصة شريكه بسبب انتقالها بالبيع، على أن يتملكها من المشتري ـ الأجنبيّ عن الملك - رضيَ، أم لم يرضَ. ومثال ذلك أن يشتركَ اثنان في عقارٍ فيبيع أحدهما حصته إلى شخصٍ ثالثٍ، فإنّ لشريكه الآخر أن يتملك الحصةَ المبيعةَ من المشتري جبراً عنه لدفع ضرره، وعليه أن يدفع له الثمن، وما تكلَّف من النفقات.
ويُسمّى الذي يطالبُ بالشُّفعة شفيعاً، والمشتري من الشريك مشفوعاً منه أو عليه، والعقارُ المبيعُ مشفوعاً فيه.
مشروعيّةُ الشُّفعة:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «الجارُ أحقُّ بشُفعةِ جاره، ينتظر بها، وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحداً»[*]. وعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: «قضى رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالشُّفعة بين الشركاء في الدور والمساكن»[*]. وعن جابر (رضي الله عنه) قال: «قضى رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالشُّفعة فيما لم يُقسم، فإذا وقعت الحدود، وصُرِّفت الطرق، فلا شُفعة»[*].
محلُّ الشُّفعة (المشفوع فيه):
أجمع الأئمة على أن الشفعةَ حقٌّ للشريك الذي لم يقاسم فيما بيعَ في العقار من دور وأراضٍ وبساتين وآبار وما يتبعها من بناءٍ وشجر. واختلفت آراؤهم فيما عداها.
- فقال الإمامية: إنَّ الشُّفعةَ هي على خلاف الأصل، لأن من تملّك شيئاً بالبيع لا يُنتزعُ منه إلا برضاه. والقاعدةُ هي وجوبُ الاقتصار على موضع اليقين فيما خالف الأصل، وموضعُ اليقين من الشُّفعة هو الثوابتُ التي لا تقبلُ القسمة. وعلى هذا فلا شُفعةَ في الثوبِ والقِدرِ والإبريقِ والغرس والبعيرِ والحنطةِ والشعيرِ والثمرِ والملحِ والزبيب. أما الشجر والأبنيةُ فإن بيعا تبعاً للأرض تثبتُ فيهما الشّفعة، وإن أُفْرِدا بالبيع دونَ الأرض فلا شفعةَ فيهما إلاَّ عند بعض الفقهاء الذين قالوا: إن الشُّفعةَ تثبتُ في كل مبيعٍ، منقولاً كان أو غيرَ منقول، قابلاً للقسمة أو غيرَ قابل لها. وفي روايةٍ عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «إن الشُّفعةَ لا تكون إلا في الأرض والدور. وليس في الحيوان شُفعة»[*].
وأضاف الإمامية: ليس للجار شُفعةٌ لأن النصّ خصصها بالشريك وحده، ما لم يكن الجارُ شريكاً في المرافق كالطريق والشِّرب[*]، فإن باع أحدُ المالكين عقاره مع الطريق أو الشّرب فلجاره الأخذُ بالشّفعة، على شريطةِ أن يكون الشفيعُ واحداً. وسواءٌ كان الطريقُ قابلاً للقسمة أم لم يكن، ويتم شراء العقار والطريق معاً، وليس أحدهما دون الآخر.
وقد سُئل الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) عن دارٍ فيها دور، وطريقهم واحدة في عَرْصَةِ[*] الدار، فباع بعضُهم منزلَه من رجلٍ، هل لشركائه في الطريق أن يأخذوا بالشُّفعة؟ قال (عليه السلام): «إن كان باع الدار، وحوَّل بابها إلى طريق آخر فلا شُفعةَ لهم، وإن باع الطريقَ مع الدار فلهم الشُّفعة»[*].
وهذه الروايةُ، وإن كانت تدلّ على عدة شركاء، إلاَّ أنَّ المشهورَ حملُها على الاثنين فقط لقول الإمام الصادق (عليه السلام): «لا تكون الشّفعةُ إلا لشريكين، ما لم يقتسما، فإذا صاروا ثلاثة فليس لواحد منهم شُفعة».
وإذا كان لاثنين بئرٌ مشتركةٌ لا تقبلُ القسمةَ في أرضٍ مشتركة بينهما أيضاً، وكانت هنالك إمكانيةٌ تعادلُ بين البئر والأرض بحيثُ تُسلَّمُ كل منهما لواحد، بحيث ينتفعُ بها في منفعةٍ أخرى، ففي مثل هذه الحالة يثبتُ للشريك الشُّفعة. والحكمُ كذلك في كل ما لا يقبلُ القسمةَ منفرداً، وكان معه غيره، مع إمكان الانتفاع بكل منهما على حِدَة، كغرفةٍ صغيرةٍ مع حديقةٍ أو حمّام، أو دكان صغير مع ساحةٍ، وما إلى ذلك.
أما الشُّفعةُ في الشراكة مع الوقف فلا تجوز. فإذا كان قسمٌ من العقار وقفاً والقسمُ الآخر ملكاً لشخص، فإذا باع المالكُ حصته، فلا تثبتُ الشُّفعةُ للوقف، أي أنَّ وليَّ الوقف أو أهلَهُ لا يحقُّ له المطالبةُ بالشراء على أساس الشُّفعة، لأن الوقفَ لا مالك له، وإنما تُملك فيه المنفعةُ فقط، فأصحابُ الوقف أشبهُ بالمستأجر الذي لا شُفعةَ له.
والخلاصةُ أنَّ الشُّفعةَ، عند الإمامية، ثثبتُ في الدارِ والبستانِ والأرضِ، وكلِّ الأموال غير المنقولة التي تقبل القسمةَ، ما عدا الوقف.. ولا تثبتُ في الأموال المنقولةِ إطلاقاً، ولا في الأموالِ غير المنقولة التي لا تقبلُ القسمة أو التي تكونُ قابلةً للقسمة مع عدم الانتفاع بها بعد إجراء القسمة، ما عدا الطريقَ أو الشِّرب الذي بيع منضماً إلى غيره.
- وقال الأئمةُ الأربعة: إن الشُّفعةَ تستحقُّ في العقارات من دور وأرضين وبساتين وبئر وما يتبعها من بناء وأشجار. كما اتفقوا على أن لا شُفعةَ في منقول كالحيوان والثياب والعروض التجارية لما روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «قضى بالشُّفعةِ في أرض أو ربعة أو حائط». وقد روى هذا الحديث مسلمٌ والنسائيُّ وأبو داود باللفظ التالي: «أن النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) قضى بالشُّفعة في كلّ شركةٍ لم تقسم، ربعةً أو حائطاً»[*].
والسببُ في عدم الشُّفعة بالمنقول أنها شُرِّعت لدفع ضررِ سوءِ الشركة، أو الجوار - عند الحنفية - والمنقول لا يدوم، بخلاف العقار فيتأبدُ فيه ضرر المشاركة. ولأن الشّفعةَ تملكُ بالقهر، فهي: «استحقاق الشريك - عند غير الحنفية - لأن ينتزعَ حصة شريكه المنتقلة عنه من يدِ من انتقلت إليه» فناسب أن تكونَ عند شدّة الضرر، وإطلاقاً لحرية التصرف والبيع[*].
واشترط الأئمةُ الأربعةُ أن يكونَ العقارُ قابلاً للقسمة، وقد استدلوا على ذلك بحديث جابر: «الشُّفعةُ فيما لم ينقسم..» لأن علّةَ مشروعية الشّفعة عندهم هي دفعُ ضرر القسمة، وما لا ينقسم لا تتيسّر القسمةُ فيه، فلا حاجةَ للشُّفعة فيه، فلا يترتبُ فيه ضرر الشريك بعدم الشّفعة»[*].
حقوق الارتفاق:
- قال الحنفية: تثبتُ الشّفعة.. في حقوق العقار كالطريق الخاص والشِّرب، فإن لم يكونا خاصّين فلا تستحق بهما الشُّفعة»[*].
- وقال المالكية: لا شُفعةَ في الطريق التي يُتوصّلُ منها إلى ساحة الدار لو قُسمت بين شركاء البيوت التي تتبعُ لها تلك الطريق. وحالها يبقى كما لو بقيت ممرّاً مشتركاً، لأنّ ما كان تابعاً لما لا شُفعةَ فيه، وهو البيوتُ المنقسمة، لا شُفعةَ فيه.
وكذلك العَرْصة (وهي ساحةُ الدار بين عدة بيوتٍ أو الحوش) لا شفعةَ فيها إذا قُسم متبوعُها أي الغرف أو البيوت حولها.
- وقال الشافعية والحنبلية: لا شفعة قطعاً في ممرّ الدار المبيعة من الدرب النافذ لأنه غيرُ مملوك. وأما الدربُ غير النافذ فالصحيحُ ثبوتُ الشُّفعة في الممر. وهذا يعني أنه إذا بيعت الدار، ولها طريقٌ في شارع أو درب نافذ، فلا شُفعةَ في تلك الدار، ولا في الطريق، لأنه لا شركة لأحد فيهما. وإن كان للدار باب آخر يستطرق منه، فإن كان الممرُّ لا تمكنُ قسمتُه، فلا شُفعة فيه، وإن كان يمكن قسمته وجبت الشفعة فيه.
الشّفعة في السفن:
اتفق الإماميةُ والحنفيةُ والشافعيةُ والحنبليةُ على أنه لا تثبتُ الشُّفعةُ في السفن، لأنها كالعروض التجارية من المنقولات، والشّفعةُ مشروعةٌ في الأرض التي تبقى على الدوام، ويدومُ ضررها.
قال الإمامُ جعفرُ الصادق (عليه السلام): «لا شفعةَ في سفينةٍ، ولا نهرٍ، ولا طريقٍ، ولا رحى، ولا حمام»[*].
ونقل الكاساني عن الإمام مالك أنه يرى الشُّفعةَ في السفن[*]، لأن السفينة أحدُ المسكنين، فتجب فيها الشّفعة كما تجبُ في المسكن الآخر، وهو العقار. بينما قال ابنُ عبد السلام من المالكية: ما نقله بعضُ الحنفية عن مالكٍ في السفينة، لا يصحّ. مما يستفاد منه أن جميع الأئمة متفقون على عدم الشُّفعة في السفن.
الشُّفعةُ في الزرع والثمر والشجر:
- قال الإمامية: النماء على نوعين: نماءٌ متصلٌ كتزايد زرع الشجرة وأغصانها، ونماءٌ منفصلٌ كالثمر على الشجرة، فإن تجدّد الأولُ بعد البيع فهو للمشتري، وإن تجدّد الثاني بعد البيع وقبل الأخذ بالشّفعة فهو للمشتري، لأن النماءَ الحادثَ ليس من متعلّق البيع الذي ثبت فيه حقّ الشّفعة.
- وقال الحنفية: لا شُفعةَ فيما ليس بعقارٍ كالبناء والشجر المفرد عن الأرض، فإن كان تَبْعاً في البيع للأرض وجبت الشفعة فيه[*].
- وقال المالكية[*]: تجوز الشّفعةُ في البناء والشجر إذا بيع أحدهما مستقلاً عن الأرض، لأن كلًّا منهما عقار في نظرهم باعتبار أن العقار: هو الأرضُ وما يتبعها من بناءٍ وشجر.
كما أجاز المالكيةُ أيضاً الشفعةَ في الثمار والخضار[*]، حيث نُقل عن الإمام مالكٍ أنه قال عن الشفعة في الثمرة: ما علمتُ أحداً من أهل العلم قاله قبلي، ولكنّي استحسنته.
وقد اشترط المالكيةُ في الثمرةِ المأخوذةِ بالشّفعة منفردةً أن تكون مؤبّرة[*] وموجودةً عند الشراء.
ولم يُجزِ المالكيةُ الشُّفعةَ في الزرع كالقمحِ والكتَّان، ولا في بقلٍ مما يُنزعُ أصلُه كالفجل والجزر والبصل ونحو ذلك.
- وقال الشافعيةُ: لا شفعةَ في العقار كالبناء والشجر ما لم يكن تبعاً في البيع للأرض. ومما يتبع الأرض ثمرٌ لم يؤبّر، فهو يتبع الأصل في البيع، فيتبعه في الأخذ، قياساً على البناء والغرس.
- وقال الحنبلية: إن البناءَ والأغراسَ تُؤخذُ تَبْعاً للأرض ففيهما الشّفعةُ تبعاً. ولا شفعةَ في الزرعِ والثمرةِ لأنها لا تتبع للأرض.
من هو الشّفيعُ:
- قال الإمامية: الشفيعُ هو الذي يأخذُ من المشتري بالشّفعة. ويُشترطُ فيه:
1 - أن يكونَ شريكاً في العين وقتَ البيع، فلا شفاعةَ لمستأجرٍ، ولا لجارٍ، ولا للشريك بعد القسمة. قال الإمامُ الصادق (عليه السلام): «الشّفعةُ لا تكونُ إلا لشريكٍ لم تقاسمه». وفي رواية أخرى قال (عليه السلام): «لا شُفعةَ إلا لشريكين لم يقتسما. وإذا حُدِّدتِ الحدود فلا شُفعة، فقد قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالشّفعة ما لم تورَّف»، أي ما لم يتقسم العقارُ ويوضع الحدّ. (ورّف الأرض: قسّمها).
وسئل الإمامُ الصّادق (عليه السلام) عن الشفعةِ في الدور، أيُّ شيءٍ واجبٌ للشريك؟ فقال (عليه السلام): «الشّفعةُ في البيوع إذا كان شريكاً»[*].
2 - أن يكونَ قادراً على دفع الثمن، ووفيّاً غير مماطل، ولا يُمهلُ أكثرَ من ثلاثة أيام إلا إذا ادّعى وجودَ ماله في بلدٍ آخر، فإنه يؤجَّل بمقدار وصوله إليه، وزيادةِ ثلاثةِ أيام، على شريطةِ أن لا يتضررَ المشتري بسبب التأجيل.
سُئل الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) عن رجلٍ طلب شُفعةَ أرضٍ، فذهب لكي يُحضرَ المال، فلم يرجع، فهل يبيعُها صاحبُ الأرض أو ينتظرُ مجيءَ شريكه صاحبِ الشفعة؟ قال الإمام (عليه السلام): «إن كان معه في المصر - أي البلد - فلينتظرْ به إلى ثلاثةِ أيام، فإن أتاه بالمال، وإلاَّ فليبعْ وبطلت شُفعته في الأرض، وإن طلب الأجل إلى أن يحملَ المال من بلدٍ آخر، فلينتظرْ به مقدارَ ما يسافر الرجلُ إلى ذلك البلد، وينصرفُ، وزيادة ثلاثةِ أيام إذا قدم، فإن وفاه وإلاَّ فلا شُفعة»[*].
3 - أن يكونَ الشفيعُ مسلماً إذا كان المشتري مسلماً. ولا تثبتُ الشُّفعةُ لغير المسلم على مسلم حتى ولو كان البائعُ مسلماً، بينما تثبت لغير المسلم على مثله. أي أنّ الشُّفعةَ تثبتُ للمسلم على المسلم وغير المسلم بصورةٍ مطلقة. واستدلوا على ذلك بقول الإمام الصادق عن جدّه أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام): «ليس لليهوديِّ ولا للنصرانيِّ شفعة».
4 - إذا تعدّد الشفعاءُ بتعدّد الشركاء، فلا شُفعةَ لأحدٍ منهم، لقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «إذا زاد الشريكُ على اثنين فلا شفعةَ لأحد منهم»[*].
5 - أن لا يأذنَ الشفيعُ بالبيع لشريكه، أو يرفضَ الشراءَ إذا عُرض عليه شراء نصيبه، مع قدرته على الشراء. واستدلُوا عليه بالحديث الشريف: «لا يحلُّ أن يبيعَ، حتى يستأذنَ شريكَهُ، فإن باع ولم يأذنْ، فهو أحقُّ به». ولكن إذا أذن له بالبيع فلا شُفعةَ له.
6 - يُشترطُ عِلمُ الشفيع بالثمن والمثمَّن معاً حين الأخذ بالشُّفعة. فلو قال: «أخذتُ بالشَّفعة بالغاً ما بلغ الثمن لم يصحّ، لأن الشفعةَ في معنى المعاوضة، والجهلُ بالثمن يستدعي الغَرَرَ المبطِلَ لها، تماماً كالشراء بثمنٍ مجهول.
أما الأئمةُ الأربعةُ فقد تباينت آراؤهم حول من يحق له الأخذُ بالشُّفعة. ففي رأي الحنفية أن الشفيعَ: هو الشريكُ أو الجارُ، بينما في رأي الآخرين أن الشفيعَ هو الشريكُ فقط، وعلى هذا:
- قال الحنفية: تثبتُ الشُّفعةُ للشريك (الخليط) في المبيع نفسه أو في حقٍّ من حقوق الارتفاق الخاصة (كالطريق الخاص، والشّرب)، كما تثبتُ للجار الملاصق للمبيع، ولو كان بابُ داره من طريقٍ أخرى. والملاصق من جانبٍ واحد ولو بشبرٍ كالملاصقِ من ثلاثة جوانب.
وعندهم أنه لا فرقَ بين مسلمٍ وذميٍّ في استحقاق الشفعة، لتساويهما في سبب الشّفعة وحكمتها، فيتساويان في الاستحقاق. وقد استدلّوا على مشروعية الشُّفعة بالأحاديث، ومنها: «جارُ الدارِ أحقُّ بدارِ الجار والأرض»[*]، و«الجارُ أحَقُّ بشفعته»[*].
- وقال المالكيةُ والشافعيةُ والحنبلية: لا شُفعةَ إلا لشريكٍ في ذات المبيع، لم يقاسم (أي أن حقّه مشاعٌ لم يُقسم). فلا شفعةَ عندهم لشريكٍ مقاسم، ولا لشريكٍ في حقٍّ من حقوق الارتفاق الخاصةِ بالمبيع، ولا للجار.
وقال المالكيةُ والشافعيةُ، كما قال الحنفيةُ: تثبتُ الشّفعةُ للذميّ الكافرِ على المسلم. بينما عند الحنبليةِ لا تثبتُ للكافرِ في بيعِ عقارٍ لمسلم، واستدلّوا بالحديث النبويّ: «لا شُفعةَ لنصرانيّ»[*].
وخلاصة القولِ في ذلك: أن الأئمةَ الأربعةَ اتفقوا على أن الشّفعةَ تثبتُ للذميِّ على الذمي، لعموم الأخبارِ الواردةِ في الشّفعة، ولأنهما تساويا في الدين والحرمة، فتثبت لأحدهما على الآخر، كالمسلم على المسلم. وتثبتُ الشّفعةُ لأهل البدعِ الذين حُكم بإسلامهم. وأما أصحابُ البدع الذين حُكمَ بكفرهم فلا شُفعة لهم على مسلم عند الحنبلية، بخلاف الجمهور[*].
واستدل الجمهورُ من أهل السنّة بحديث جابر - الذي أوردناه سابقاً - أنه قال: قضى رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالشّفعة في كلّ ما لم يُقسم، فإذا وقعت الحدودُ وصُرِّفت الطرقُ، فلا شفعة». وحديثِ سعيد بن المسيب: «إذا قُسمتِ الأرضُ وحُدَّتْ فلا شُفعةَ فيها»[*]. فإذا كانت الشفعةُ غيرَ واجبة للشريك المقاسم، فهي أحرى أُلاَّ تكونَ واجبةً للجار. والشريك المقاسم إذا قاسم فهو جارٌ.
ولأن الشفعةَ تثبتُ على خلاف الأصل، فيُقتصرُ فيها على مورد النصّ.
طلبُ الشّفعةِ للمحجورِ عليهم:
- قال الإمامية: ليس العقلُ والبلوغُ والرشدُ من شروط الشفيع، لأن الشفعةَ حقٌّ مبنيٌّ على الملك، ولا يُشترطُ في الملك العقلُ والبلوغُ والرشدُ. ويؤخذُ بالشّفعةِ لكلٍّ من المجنونِ والصبيِّ والسفيهِ من القائمِ على شؤونه بشرطِ أن لا يكون في الأخذ مَفْسدةٌ. وإلا لم يصحّ.
وإذا ترك وليُّ القاصرِ الأخذَ، مع وجود المصلحة، يبقى حقُّ الشّفعة ثابتاً حتى يبلغَ الصبيُّ، ويفيقَ المجنونُ، ويَرشُدَ السفيهُ، ولو مضى على بيع العقار سنون عديدة. وهذا لا يتنافى مع التراخي، لأن التأخير كان لعذر وهو: الصغرُ والجنونُ أو السفه، وتقصيرُ الوليّ لا يُسقطُ حقَّهم الثابتَ لهم حالَ القصور. أما تضرّرُ المشتري بطول الانتظار فإنه لا يُسقطُ حقَّ القاصر بعد أن كان المشتري هو السببَ في إدخالِ الضّرر على نفسه، لأنه أقدم على الشراءِ مع علمه بوجود الشفيع.
- وقال الأئمة الأربعة: للصغيرِ الأخذُ بالشفعة، وذلك بأن يطلبَ الوليُّ حقَّ شُفعةِ الصغير ونحوه من المحجورين، لأنه يفعلُ ما فيه مصلحةٌ للصغير، مثل كون ثمنِ المبيع رخيصاً أو بثمنِ المثل، وللصغير مالٌ لشراء العقار.
واتفق الأئمةُ على أنه إذا أخذ الوليُّ بالشُّفعةِ لم يملكِ الصغير نقضَها بعد البلوغ. ولكنهم اختلفوا حول عدم أخذ الوليِّ بالشفعة:
فقال أبو حنيفة: إذا لم يطلبِ الوليُّ حقَّ شفعةِ الصغير، فلا تبقى له صلاحيةُ طلبِ حقِّ الشّفعةِ بعد البلوغ، لأن من ملك الأخذَ بها ملك العفو عنها، كالمالك.
وقال المالكيةُ والشافعيةُ: ليس للصغير إذا بلغ المطالبة بالشّفعة إذا عفا عنها وليُّه لمصلحةٍ رآها للصغير، أو لم يكن للصغير ما يأخذُها به، فتسقطُ الشفعة. فإن أسقط الوليُّ الشّفعةَ بلا نظرٍ ولا تقديرٍ لمصلحة الصغير، لم تسقطْ، ويكون للصغير الحقُّ فيها إذا بلغ.
وقال الحنبلية (وزفرُ ومحمدٌ من الحنفية): للصغير إذا بلغ المطالبةُ بالشُّفعة، سواء عفا عنها الوليُّ أم لم يعفُ، وسواء أكان في الأخذ بها أم في تركها مصلحةٌ أم لا، فهي حقٌّ ثابتٌ للصغير، لا يملك الوليُّ إبطالَهُ، فلم يسقطْ بترك غير الصغير له، كالغائب إذا ترك وكيلُهُ الأخذَ بها[*].
غيابُ الشفيع:
- قال الإمامية: إن الشفيعَ الغائبَ إذا علم البيع، وسكت عن الطلب، ولم يحضر، ولم يوكِّلْ في الأخذ، فيسقط حقُّه في الشفعة، لأن هذا الحق يثبتُ على العذر. وإذا لم يعلمْ بالبيع، أو علم ولم يطالب لعذرٍ مشروعٍ (كما لو جهل أن له حقَّ الأخذ بالشفعة) فإن حقه يبقى قائماً، وإن طال الزمن. ويدلُّ عليه قولُ الإمام الصادق (عليه السلام): «قال أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام): وصيُّ اليتيم بمنزلةِ أبيه يأخذُ له الشفعة إذا كان رغبة وللغائب شُفعة»[*].
- وقال الحنفية: لو كان بعضُ الشفعاء غائباً حين البيعِ وطلب الشّفعة، فطلبها الحاضر، يُقضى له بالشفعة، لأن الحاضرَ ثابتٌ بيقين، والغائبَ مشكوكٌ في طلبه الشّفعة، فلا يؤخّر الحاضرُ، لاحتمال عدم طلب الغائب. وإذا جاء الغائبُ وطلب الشّفعة، قاسم الحاضرَ فيما أخذ، أي تُنقضُ القسمة الأولى، ويعادُ تقسيمُ العقار.
- وقد اتفق المالكيةُ والشافعيةُ والحنبليةُ مع الحنفية في ثبوتِ حقِّ الشُّفعة للغائب، لعمومِ قولِ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم): «الشفعةُ فيما لم يُقسم...»[*]، ولأن الشفعة حقٌّ ماليٌّ، وجد سببه بالنسبة إلى الغائب، فيثبت له كالإرث، ولأن الغائبَ شريكٌ لم يعلم بالبيع، فتثبتُ له الشفعةُ عند علمه كالحاضر، إذا كُتم عنه البيع، ويندفعُ ضررُ المشتري المشفوعِ عليه بدفع القيمة له.
التملكُ بدفع الثمن:
اتفق الأئمة على أن المشتريَ يملكُ العينَ من البائع بمجرد تمام البيع من غير توقفٍ على دفع الثمنِ. أما الشفيعُ فيملكُ بعقد البيع حقَّ التملك، ولا يصيرُ مالكاً إلا بدفع الثمن. كما اتفقوا على أن الشفيع يأخذُ المبيع بالثمن، أو العوض الذي ملك به، أو بمثلِ الثمنِ الذي تملّك به المشتري، لا بمثل المبيع الذي يملكُه المشتري، لأن الشرع أثبتَ للشفيعِ ولايةَ التملك على المشتري بمثل ما يملك به[*] قدراً وجنساً، لحديث جابر «فهو أحقُّ به بالثمن»[*].
وليس للشفيع أن يأخذَ بعضَ المبيع، ويدعَ البعضَ، بل عليه أن يأخذَ كلَّ المشفوع فيه.
أما تأجيلُ الثمن ففيه أقوالٌ متباينةٌ للأئمة:
- قال الإمامية، إذا كان عقد البيع ينصُّ على تأجيل الثمن، أو أن يُدفعَ أقساطاً، فإن الشفيعَ يستفيدُ من ذلك، لأن الشفيع يملكُ كلَّ ما يملكه المشتري، وعلى الشفيع أن يقدم كفيلاً إذا طلب منه المشتري ذلك إذ لا يجبُ عليه أن يتحملَ نتائجَ إعسار الشفيع.
وإذا أخذ الشفيع بالثمن المؤجل، ثم مات المشتري قبل أن يحلَّ الأجل، فللبائع أن يطالبَ ورثةَ المشتري، لأن الميت تحلُّ ديونُهُ المؤجلةُ بالموت، وليس لورثة المشتري الرجوعُ على الشفيع إلا بعد حلول الأجل.
وإذا مات الشفيع قبل حلول الأجل فللمشتري أن يطالبَ بالثمن ورثَة الشفيع، وليس للبائعِ الرجوعُ على الشفيع إلا بعد مضيِّ الأجل.
- وقال الحنفيةُ والشافعيةُ (في الأظهرِ من أقوالِ الشافعيّ في الجديد): إذا أُجِّلَ الثمنُ كلُّه أو بعضُه، فليس للشفيع الاستفادةُ من هذا الأجل الممنوح للمشتري، وإنما يكونُ الشفيعُ بالخيار بين أن يعجِّلَ دفعَ الثمن ويأخذَ المبيعَ في الحال، أو يصبرَ حتى ينقضيَ الأجل. ولا يَسقطُ حقُّه بتأخيره إلى حلول الأجل، لكن يجب عليه طلبُ الشّفعةِ في حينها، وإلا سقط حقُّه فيها.
وعارض زُفَرُ هذا الرأيَ وقال: يحقُّ للشفيع الاستفادة من تأجيل دفع الثمنِ الممنوحِ للمشتري.
- وقال المالكية والحنبليةُ: يستفيد الشفيعُ من تأجيل الثمن الذي تمَّ به العقدُ إذا كان مليئاً ثقةً، أو كفله مليءُ ثِقةٍ، فإن لم يكن موسراً، ولا ضَمِنَهُ مليءٌ وجب عليه دفعُ الثمن حالاً، رعايةً للمشتري.
وقد اتفق غالبية الفقهاء على أن البائعَ إذا حطَّ عن المشتري بعضَ الثمن، سقط هذا المقدارُ عن الشفيع. أما إن حطَّ البائعُ عن المشتري جميعَ الثمن، لم يسقطْ عن الشفيع منه شيء. وإذا زاد المشتري الثمنَ، بالاتفاق مع البائع، أو حُدِّد العقد بأكثرَ من الثمن الأول، لم تلزمِ الزيادةُ الشفيعَ، لأن في الزيادةِ ضرراً به، إذ هو يستحق الأخذَ بالثمن الأَصليّ، بخلاف مسألة الحطّ من الثمن، لأن فيه منفعةً له.
وهذا بخلافِ ما ذهب إليه الشافعيةُ الذين قالوا: لو حُطَّ بعضُ الثمن عن المشتري أو زيدَ قبل لزوم العقد، أي في مدة الخيار، انحطَّ عن الشفيع مقدارُ النقص، ويُلزمُ بالزيادة، لأن حقَّ الشفيع يثبتُ إذا تمَّ العقد.
التنازعُ على الثمن:
- قال الإمامية: إذا اختلف المشتري والشفيعُ في مقدار الثمن، فقال المشتري مثلاً: بعشرة آلاف، وقال الشفيعُ: بل بثمانية، فمن هو المدّعي، ومن هو المنكر؟
تنبغي الإشارةُ هنا، إلى أنه في حال التنازع بين المشتري والشفيع، فإن شهادةَ البائع لا تُقبلُ إطلاقاً، سواءٌ شهد لهذا أو لذاك، لأن الثمنَ المتنازعَ عليه قد جرى بين البائع والمشتري، فلا تقبلُ شهادة البائع في هذا النزاع. وعلى هذا فإنه إن وُجدتْ بيِّنةٌ شرعيّةٌ تُثبتُ قولَ المشتري، أو قولَ الشفيع، تعيّن العملُ بها، وإلاَّ فالقولُ قولُ المشتري بيمينه، لأنه لا يدعي شيئاً على الشفيع. ومن هنا ينطبق عليه قول المنكر. ثم إن المشتريَ مالكٌ للمبيع، ويده عليه، والشفيعُ يريدُ انتزاعه منه، وقد اتفق الجميعُ على أن الأصل أن لا يؤخذَ المالُ ممن هو في يده إلاَّ بالبيّنة.
وقال الأئمة الأربعة: لا يتوقفُ صدورُ الحكم القضائيّ بالشُّفعةِ على إحضار الشفيع الثمنَ إلى مجلس القضاء، لأن حقَّه يثبتُ بمجرد البيع لأجنبيّ دفعاً للضرر عنه، فصار كما لو صدر الشراءُ له من البائع من أول الأمر، أو لأن الشفيعَ يصيرُ متملكاً المشفوعَ فيه بمقتضى القضاء بالشفعة، فكأنه اشتراه من البائع، والتملكُ بالشراء لا يتوقّفُ على إحضار الثمن.
لكن المالكية قالوا: إن قال الشفيع: أنا آخذٌ بالشفعة، أُجِّل ثلاثةَ أيامٍ لإحضار الثمن، فإن أتى به كان ذلك، وإلا سقطت شُفعتُه.
وقال محمد بن الحسن: لا يقضي القاضي بالشُّفعةِ حتى يُحضرَ الشفيعُ الثمنَ، دفعاً للضّرر عن المشتري، لأن الشفيعَ ربما يكون مفلساً، فيتوقف القضاءُ على إحضار الثمن، ويؤجّلُه القاضي يومين أو ثلاثة تمكيناً له من نقد الثمن، إذ لا يصح دفع الضرر عن الشفيع بإضرار غيره.
واتفق الحنفية والشافعية والحنبلية مع الإمامية بأن القولَ قولُ المشتري بيمينه، لأنه أعلم بما باشره من الشفيع، ولأن الشفيعَ مدّع أقلّ، والمشتري المدعى عليه ينكر ذلك، فالقول قول المنكر بيمينه.
أما المالكية فقالوا: القولُ قولُ المشتري إذا أتى بما يشبه تقديرَ المقدِّرين، أو ثمنِ المثل. فإن أتى بما لا يشبه تقديرهم، فالقولُ قول الشفيع إنْ أتى بما يشبهُ التقديرَ المعقول.
فإن لم يكن قولُ كلٍّ من المشتري والشفيعِ مُشبِهاً التقديرَ المعقولَ، حُلِّف كلٌّ منهما على مقتضى دعواه، وردِّ دعوى صاحبه، وردِّ الثمن إلى قيمة الحصة يومَ البيع، كما لو نكلا معاً عن حلف اليمين.
وقتُ وجوبِ الشُّفعةِ:
- قال الإمامية: إنَّ الشُّفعةَ تثبتُ على الفور، لا على التراخي. فإذا علمَ الشفيعُ بالبيع، ولم يبادرْ إلى طلبِ الأخذ بالشُّفعةِ من غير عذر بطل حقُّه فيها، لأن التراخي ضررٌ على المشتري، ولأن الشّفعةَ على خلاف الأصل، فيُقْتصَرُ منها على موضع اليقين، وهو الطلبُ حين العلمُ بالبيع، وإن لم يعلم بمقدار الثمن. وقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجلٍ طلب شُفعةً فذهب، ولم يحضر؟ قال الإمام (عليه السلام): «ينتظر ثلاثة أيام»[*]. ولو كان حقّ الشفعة ثابتاً على التراخي لاستمر إلى ما بعد الثلاثة.
- وقال الحنفية: يُشترطُ طلبُ الشفعة فور العلم بالبيع، لأنها حقٌّ ضعيفٌ، فيتقوى بالطلب الفوريّ حسب المعتاد.
- وقال المالكية: لا يُشترطُ المطالبةُ بالشفعة على الفور، بل يكون حينها ويتمد إلى حدود السنة بعد العقد، وهو على الأشهر من أقوال الإمام مالك[*].
- وقال الشافعية (على الأظهر من أقوالهم)[*]: تُشترطُ المبادرةُ إلى طلب الشفعة على الفور أي بعد علم الشفيع بالبيع، لأنها حقٌّ ثبت لدفع الضرر، فكان على الفور كالرد بالعيب. والضابطُ عندهم: أن ما عُدَّ توانياً في طلب الشّفعة أسقطها، وإلاَّ فلا.
وإن كان مريضاً، أو غائباً عن بلد المشتري، أو خائفاً من عدوّ، فليوكِّلْ إن قدر، فإن عجز عن التوكيل فليُشهدْ على الطلب للشفعة رجلين عدلين، أو عدلاً وامرأتين. فإن ترك الشفيعُ ما هو قادرٌ عليه من التوكيل والإشهاد، بطل حقُّه في الأظهر من مذهبهم.
- وقال الحنبلية: يُشترطُ المطالبةُ بالشُّفعة على الفور بمجرد علم الشفيع بالبيع، وذلك بأن يُشهدَ على طلب الشّفعةِ حين العلم، إن لم يكن له عذر يمنعُه من الطلب. ثم إذا أشهد على الطلب فله أن يخاصمَ المشتري، ولو بعد أيامٍ أو أشهرٍ أو سنين.
تصرفاتُ المشتري وآثارُها في الشُّفعة:
بما أن المشتري يملك المبيعَ بالعقد، فإن للشفيع حقَّ التملك عليه. ولكن قد يقومُ المشتري بتصرفات في المبيع قبل أن يُحكمَ للشفيع بالشّفعة. ومن تلك التصرفات، التي ذكرها الفقهاء البيعُ أو الوقفُ أو الهبةُ أو ما قد تؤدي إليه تصرفاتُ المشتري من هلاك المبيع، أو الزيادةِ أو النقصانِ عليه، فماهو حكمُ هذه التصرفات في رأي الفقهاء؟
- قال الإمامية:
1 - إذا تقابل البائعُ والمشتري، واتفقا على إرجاع المبيع لصاحبه قبل أن يأخذَ الشفيعُ بالشُّفعة صحَّ التقابل، أي أنه لا شُفعةَ مع التقابل، لأنَّ أدلةَ الشُّفعة تكونُ في تملك المشتري للمبيع، ومنصرفةٌ عن حالة التقابل، بل إن موضوعَ الشّفعةِ يكونُ بوجود الشريك الحادث، فإذا انتفى وجودُهُ انتفت لانتفاء موضوعها.
2 - وإذا باع المشتري السهمَ الذي اشتراه من الشريك فإن للشفيع فسخَ البيع، وله الخيار بين أن يأخذَ من المشتري الأول، أو المشتري الثاني، لأن حقَّ الشفيع يثبتُ ويتعدّدُ بتعدد البيع.
وإذا تعددت البيوعُ وتتابعت، فايُّ عقد أَخَذَ به الشفيعُ يكون ما قبله صحيحاً، وما بعده باطلاً. أما صحة السابق فلأن الرضا بالعقد المتأخر يستدعي الرضا بما تقدم عليه. وأما بطلانُ المتأخر فلأنّ الذي قبله قد زال بالفسخ، فيبطلُ المتأخِّر، لأنه متفرعٌ عنه.
3 - وإذا اشترك عقاران في المرافق، كالطريق، وبيع أحدُهما، وجعل المشتري العقارَ الذي اشتراه وقفاً، كأن بنى عليه مسجداً مثلاً، ثم أخذه الشفيعُ من المشتري يبطل الوقف، وله أن يهدمَ المسجد. وكذلك الأمر إذا كان العقارُ مشاعاً بين اثنين، وباع أحدُ الشريكين سهمه المشاعَ، وأخفى المشتري البيعَ عن الشفيع، كأن يقول مثلاً: لقد وهبني شريكٌ سهمه، وأطلب القسمة بيني وبينك ثم جرت القسمة بينهما، وبنى المشتري مسجداً، ثم اكتشف الشفيعُ الحقيقة، أي بأن مدَّعي الهبةِ إنما كان مشترياً، وليس موهوباً له من شريكه، فله أن يأخذَ المبيعَ من المشتري، ويهدمَ المسجد.
4 - وإذا وهب المشتري المبيع، فإن للشفيع أن يأخذَهُ، وتبطلُ الهبة. ويأخذُ الشفيعُ العينَ أين وجدها، ويدفعُ الثمنَ إلى المشتري الواهب، لا إلى الموهوب له، لأن المفروضَ بطلانُ الهبة، وإعادةُ الشيء إلى ما كان قبلها.
- أما الأئمة الأربعة فقد اتفقوا أيضاً على جواز نقض التصرفات الناقلة للملكية كالبيع، بعد حكم القاضي بالشّفعة لمستحقها، وذلك لتعلقِ حقِّ الشفيعِ بالبيع. كما اتفقوا على جواز نقضِ الرهنِ والإجارةِ والإعارةِ مما لا شفعة فيه ابتداءً وقالوا: في حالة البيع يُخيَّرُ الشفيعُ بين أن يأخذَ العقارَ المبيعَ بالثمن الذي تمَّ به الشراءُ الأول، أو الثاني، لأن كلَّ واحد من العقدين، سببٌ تامٌّ لثبوتِ حقِّ الأخذِ له بالشفعة، ولأن حقَّ الشفيعِ سابقٌ على هذا التصرف فلا يبطلُ به.
واتفق الحنفية والمالكية والشافعية على جوازِ نقضِ ما لا شُفعةَ فيه ابتداءً، كالوقفِ وجعله مسجداً أو مقبرةً، والهبِة له، والوصية به.
وقال الحنبلية: تسقطُ الشّفعةُ إذا تصرّف المشتري بالمبيع، قبل طلب الشّفعة، بهبةٍ أو صدقةٍ أو وقفٍ على معيّن كمسجد كذا، أو على الفقراءِ والمجاهدين، أو جعله عوضاً عن طلاقٍ أو خلع أو صلح عن دمٍ عمدٍ ونحوه، مما لا شفعةَ فيه ابتداءً، لأن في الشفعةِ إضراراً بالموقوفِ عليه، والموهوبِ له، والمتصدَّقِ عليه ونحوه، ولأن ملكَهُ يزولُ عنه بغيرِ عوضٍ، ولأن الثمن إنما يأخذُهُ المشتري.
ولا يصحُّ عند الحنبلية تصرّفُ المشتري بعد طلبِ الشفيعِ الشّفعة، لانتقال الملك إلى الشفيع بالطلب في الأصحّ.
النقصُ في المشفوع فيه:
- قال الإمامية: إذا طرأ على المبيع هدمٌ أو عيبٌ، وهو تحت يد المشتري، فالحكمُ هو التالي:
1 - إذا تلف المبيعُ بآفةٍ سماويّةٍ تبطلُ الشفعةُ لانتفاء موضوعها.
2 - إذا حصل نقصٌ في المبيع، كانهدام جزءٍ من الدار، أو انهدام الدار كلها، دون أن يكون للمشتري يدٌ في ذلك، يُخيَّرُ الشفيعُ بين أخذ الأرض بجميع الثمن، أو ترك الشّفعة، سواءٌ حصل النقصُ قبل مطالبة الشفيع أو بعدها. سئل الإمام الصادقُ (عليه السلام) عن رجلٍ اشترى من آخرَ سهمَهُ في دار بينما كان الشريك غائباً، فلما قبضها المشتري، هدمها سيلٌ جارف، ثم جاء الشريكُ الغائبُ، وطلب الشّفعةَ، فقبل المشتري على أن يدفعَ له الثمنَ كاملاً، فطلبَ الشفيعُ أن يُنقصَ المشتري من الثمن قيمةَ البناء، فما الحكم في ذلك؟ قال (عليه السلام): «ليس له إلا الشّراءُ والبيع»[*]. ومعنى قوله هذا أن يأخذَ المشتري الثمنَ الذي وقع عليه العقد.
3 - أما إذا حصل النقصُ بفعل المشتري، ولكن قبل مطالبة الشفيع بالشفعة، فيكون الشفيعُ مخيَّراً بين دفعِ كاملِ الثّمن أو التركِ، لأن المشتريَ تصرّف في ملكه، ولا ضمانَ عليه.
4 - وإذا كان النقصُ بسبب المشتري بعد المطالبةِ بالشّفعة، فالحكمُ أنَّ المشتريَ يضمنُ النقصَ، أي يُسقِطُ من الثمن بمقدار النقص الحاصلِ في المبيع، لأن تصرفَ المشتري يُعتبرُ تعدّياً منه، والمعتدي ضامن.
- وقال الحنفية: قد يكون النقصُ جزءاً من توابع الأرض، أو متصلاً بالأرض، أو بعضاً من الأرض نفسها:
1 - فإن كان النقصُ جزءاً من توابع الأرض، مثل هلاك الآلات الزراعية أو الصناعية، أو قطف الثمر، ثم حُكمَ بالشُّفعةِ للشفيع، سقط من الثمن قيمةُ هذه الثمار والآلات سواءٌ أكان النقصُ بفعل المشتري، أم كان الهلاكُ بآفةٍ سماويّة.
2 - وإن كان النقصُ جزءاً بالأرض، مثل يَبَسِ الشجر أو جفافه، وانهدام البناء، أو احتراقه، ثم قُضيَ للشفيع بالشّفعة، فإن كان ذلك بصنع المشتري أو غيره نقص من الثمن قيمةُ ما زال، كالحالة الأولى، فتقوّمُ الأرضُ بدون شجر أو بناء، وتُقوّم وفيها البناء والشجر، ويسقطُ عن الشفيع مقدارُ التفاوت أو الفرقِ بينهما، لوجود التعدّي والإتلاف، فيقابله شيءٌ من الثمن. وتكونُ الأنقاضُ حينئذٍ للمشتري.
وأما إن جرى ذلك بلا تعدٍّ من أحد، وإنما بآفةٍ سماويّةٍ، كريحٍ عاتية، أو كزلزالٍ أرضيٍّ، كان على الشفيع دفعُ الثمن كلِّه، لأن الشجر والبناءَ تابعان للأرض، والنقصُ حصل بآفةٍ سماويّة.
وأما مصيرُ الأنقاض من أحجارٍ وحديدٍ وأخشابٍ فإن لم يبقَ منها شيءٌ، فلا إشكال. وإن بقي منها شيءٌ، وأخذه المشتري لانفصاله من الأرض وعدم تبعيته لها، سقطت حصتُهُ من الثمن، بقيمته يومَ الأخذ. وإن لم يأخذِ المشتري الأنقاضَ، لم يَسْقُطْ شيءٌ من الثمن.
وأما إن كان النقصُ في الأرض نفسها، كان أغرقها السيلُ، أو حصل بها خسوفٌ فأزال بعضَها، كان للشفيع الخيارُ بين تركِ الشفعة، وبين أخذ الباقي بحصته من الثمن[*].
وقال المالكية: لا يضمنُ المشتري نقصَ الجزءِ المشفوعِ فيه إذا طرأ عليه نقصٌ بسببٍ سماويٍّ، أو بسبب من المشتري لمصلحته كأن هدم ليبنيَ لأجلِ توسعة.
فإن كان النقصُ بسببٍ من المشتري، كأن هدم لمصلحته ضَمِنَ وإن هدم وبنى، فللمشتري قيمتُهُ يوم البناء على الشفيع قائماً لعدم تعدّيه.
وتُحسبُ للشفيع من الثمن قيمةُ الأنقاض يوم الشراء، فيُحَطُّ عنه من الثمن، ويغرم ما بقي مع قيمة البناء قائماً[*].
وقال الشافعية والحنبلية: إن تلف الجزءُ المشفوعُ فيه أو بعضُه في يد المشتري، فهو من ضمانه، لأنه ملكهُ، وتلف في يده[*].
مسقطات الشفعة:
- قال الإمامية: تسقط الشفعة بأحد الأسباب التالية:
1 - أن يتلف المبيع بكامله قبل الأخذ بالشفعة.
2 - أن يتنازل الشفيع عن الشفعة بعد البيع، فيكون تنازلاً عن حقه. وإذا تنازل عن الشفعة قبل البيع فهو أيضاً من مسقطات الشفعة، وإن لم يكن حق الشفيع قد ثبت بعد. لأن الأصل هو الحديث الشريف: «لا يحل أن يبيع حتى يستأذن شريكه، فإن باع ولم يأذن، فهو أحق به»[*]. ومعنى هذا أن الشريك إن أذن بالبيع فلا شفعة له، لأن إذنه دليل بالإعراض عن الشفعة، فإذا كان لأحد الشريكين الحق بالإذن قبل البيع، فله الحق بإسقاطه بعد البيع أيضاً.
3 - إذا عرض الشريك على الشفيع البيع بثمن معين فرفض الشراء، ثم باع بذاك الثمن أو بأكثر منه، فليس للشفيع حق المطالبة بالشفعة. أما إذا باع بثمن أقل كان له حق المطالبة بها.
4 - إذا علم الشفيع بالبيع، ولم يبادر إلى المطالبة بالشفعة، دون عذر يمنعه أو يؤخره، عُدَّ مقصراً ومتوانياً وسقط حقه بالشفعة.
5 - إذا وقع البيع على شيءٍ معين، ثم ظهر أنه مستحق للغير بطلت الشفعة لبطلان عقد البيع الذي هو موضوع الشفعة.
6 - إذا أخرج الشفيع سهمه عن الملك المشترك بالبيع أو الهبة، بعد أن باع الشريك، سقط حقه في الشفعة، سواء كان عالماً ببيع شريكه أو جاهلاً به، لأن الأصل حين المطالبة بالشفعة أن يكون شريكاً بالملك، ولذا فهي لا تثبت بعد القسمة.
7 - إذا تصالح المشتري والشفيع على ترك الشفعة لقاء عوض يدفعه الأول للثاني صح الصلح وسقطت الشفعة. ودليله قول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم): «الصلح جائز...»[*] وهو عام يتناول الشفعة وغيرها. وإذا اصطلحا على أن يكون عوض الشفعة بعض المبيع صح أيضاً، لأنه من الصلح الجائز.
- أما الأئمة الأربعة فآراؤهم حول سقوط حق الشفعة تتلخص بما يلي:
1 - بيع المشفوع به: اتفق الأئمة الأربعة على أن الشفيع إذا باع سهمه في العقار، سواء قبل العلم بالشفعة أو بعدها، وقبل الحكم له بها، سقطت شفعته، لانتفاء الضرر عن الشفيع الشريك، (أو عن الجار عند الحنفية)[*].
2 - تسليم الشفعة أو الرغبة عنها بعد البيع: اتفق الأئمة الأربعة[*] على أن تسليم الشفعة أو إظهار الرغبة عنها بعد البيع يسقطها، سواء أكان الشفيع عالماً بحقه فيها، أم غير عالم. ويكون التسليم صراحة أو دلالة.
أما تسليم الشفعة صراحة، فمثل أن يقول الشفيع: لا أرغب فيها، أو أسقطتها، أو أبرأتك منها أو سلمتها ونحو ذلك، على أن يكون تسليمها بعد البيع وقبل الحكم بها، لأنه لا حق له قبل البيع فيسقطه، ولأنه بعد الحكم لا يملك إسقاطها إلا بعقد ناقل للملكية.
وأما تسليم الشّفعة دلالةً فهو أن يوجد من الشفيع ما يدلُّ على رضاه بالبيع الجاري للمشتري مثل تركِ طلبِ المواثبة[*] من غير عذر أو تشاغلٍ عن طلب الشفعة بأمرٍ آخر، أو ترك المطالبةِ به مع القدرة عليه.
3 - الصلحُ عن الشفعة: قال الحنفية: إن صالح الشفيعُ عن حقِّه في الشُّفعة بأخذِ عوضٍ عنه، سقطت شُفعتُهُ لأنه يكون مُعْرِضاً عن الشّفعة. وعليه في هذه الحالة ردُّ العِوَضِ الذي أخذه لبطلان الصلح وبيع الحقّ. أي أن الصلحَ وإن لم يصحَّ إلاَّ أن إسقاطَ حقِّ الشُّفعة صحيحٌ، لأَن صحتَهُ لا تتوقفُ على العوض، بل هو من الحقوق المالية، لا تصحُّ المعاوضة عنه، فصار الشفيعُ كأنه سلّم الشّفعةَ بلا عوض.
4 - ضمانُ الدَّرَك: ومعنى الدرك أن يضمنَ الشفيعُ للبائع الثمن عند المشتري. قال الحنفية: إذا ضمن الشفيعُ كان ضمانُهُ دليلاً على الرضا بالبيع الحاصلِ للمشتري، فيسقطُ حقُّه في الشّفعة. كما أن البائعَ إذا شرط الخيارَ للشفيعِ في إمضاءِ البيع أو عدمِ إمضائه، وأمضى الشفيعُ البيعَ، سقطتْ شُفعتُه.
وقال الشافعية والحنبلية: لا تسقطُ الشّفعةُ إذا ضمن الشفيعُ العهدةَ للمشتري، أو شرط له الخيار، فاختار إمضاءَ العقد، لأنَّ المُسقطَ هو الرضا بتركها بعد وجوبها بالبيع، وهذا لم يوجد، فإنه سببٌ سبَقَ وجوبَ الشفعة، فلم تسقطْ به الشّفعةُ: كالإذنِ بالبيع، والعفوِ عن الشّفعةِ قبل تمامِ البيع.
5 - تجزئةُ المشفوع فيه: اتفق الأئمةُ على أن الشّفعةَ حقٌّ لا يقبلُ التجزئة. فإذا تنازل الشفيعُ عن بعضِ المشفوعِ فيه كالنصفِ مثلاً سقط حقُّه في كل المبيع، لأنه لا يملكُ حقَّ تفريق الصفقةِ على المشتري، منعاً من الإضرار به.
وإذا تعدد الشفعاءُ، فليس لبعضهم أن يهبَ حصتَهُ لبعض، وإن فعل أحدُهم أسقطَ حقَّ شُفعته.
وإن أسقط أحدُ الشفعاء حقّه قبل حكم الحاكم، فللشفيعِ الآخرِ أن يأخذَ تمامَ العقارِ المشفوع. وإن أسقطه بعد حكمِ الحاكمِ، فليس للآخر أن يأخذَ حقَّه[*].
وفاةُ الشفيع:
لقد تباينت آراء الأئمة حول سقوط الشُّفعةِ بوفاةِ الشفيع:
- قال الإمامية: إذا سقطت الشُّفعةُ بأحد الأسباب الموجبة، ثم مات الشفيعُ فلا يحقُّ لورثته المطالبةُ بها. أما إذا مات الشفيعُ وهو يملك حقَّ الشفعة، فإن هذا الحقَّ ينتقل إلى ورثته، تماماً كسائر أمواله. واستدلوا على ذلك بالأحاديثِ الدالّةِ على أن الوارثَ يقومُ مقامَ المورِّث، ومنها الحديثُ الشريف: «ما ترك الميتُ من حقٍّ فهو لوارثه»[*].
كما أن هنالك إجماعاً لدى الفقهاء على أن حق الخيار، وحق المطالبة، ينتقل إلى الوارث.. وبديهيٌّ أن الشفعةَ في معنى الخيار فيكون حكمُها حكمَه في عدم السقوط.
وإذا تعدَّد الورثةُ وكانت سهامُهم متفاوتة، كما لو ترك الشفيعُ ابناً وابنةً، بحيث يكونُ لها الثلثُ وله الثلثان، فإن حقَّ الشُّفعةِ يكونُ بحسب السهامِ المفروضةِ شرعاً، أي أنه يكونُ للبنت من الشّفعةِ الثلثُ، وللابن الثلثان، لأن الورثةَ يكونون قد ملكوا من المورِّث، لا من المشتري، ولا فرقَ بين حقِّ الشّفعةِ وغيرها مما ترك الميت. ولما كانت الشّفعةُ واحدةً لا تتجزأ، فحقُّ الورثةِ فيها أيضاً واحدٌ لا يتجزأ. وعليه فإما أن يأخذَ الورثةُ المبيعَ كاملاً، أو أن يتركوه جميعَه. وإذا أسقطَ أحدُ الورثةِ حقَّهُ في الشّفعة، تنحصرُ الشّفعةُ بمن لم يُسقِطْ حقَّهُ من الورثة، وعلى أن يأخذَ الجميعُ أو يتركَ الجميعُ، وليس بمقدار سهمه، حذراً من التبعيض.
وخلاصةُ القول عند الإمامية: إن حقَّ الشّفعةِ لا يمكنُ فيه التجزئة بحال، سواء اتّحد المستحقُّ أو تعدّد، فإذا كان أكثرَ من واحد فليس له أن يأخذَ بالشّفعة ما لم يوافِقْهُ الشركاءُ الباقوُن، وإن أسقط حقَّه كان كأنه لم يكنْ، وانحصر الحقُّ بمن لم يُسقِطْ حقَّه، وكل ذلك منعاً للتبعيض والتجزئة.
- وقال الحنفية[*]: تسقط الشفعة بوفاة الشفيع سواءٌ قَبْلَ الطلبَ أو بَعْدَه، وقبلَ الحكم بها أو التسيلم، لأن حقَّ الشّفعةِ لا يورثُ كخيار الشرط، إذ الحقوقُ لا تورثُ عند الحنفية. ولأنه بالموت يزولُ ملكُ الشفيع عن داره ويثبتُ الملك للوارث بعد البيع، والمطلوبُ تحقّقُ الملك وقتَ البيع. ولا تبطلُ الشّفعةُ بموت المشتري لبقاء المستحقّ، الذي لم يتغيرْ سببُ حقِّه.
- وقال المالكية والشافعية[*]: يورث حقُّ الشّفعة، إذا مات الشفيع بعد الطلب وقبل الأخذ، لأن الشفعةَ خيارٌ ثابتٌ لدفع الضرر عن المال، فيورثُ كخيار العيب. أي أنه لا بد من الطلب وإلا سقط حقُّ الشفيعِ نفسِهِ فيسقطُ حقُّ الورثةِ بسقوطه.
- وقال الحنبلية[*]: إن مات الشفيعُ قبل أن يطلبَ الشّفعةَ، سقطت شُفعتُهُ، ولا حقَّ لورثته في الأخذِ بالشفعةِ أصلاً، لأنّ الله تعالى إنما جعل الحقَّ له، لا لغيره، والخيار لا يورث.
وتورثُ الشفعةُ إن طلب الشفيعُ وأشهدَ على طلبه، ثم مات وللورثةِ المطالبةُ بها، لأن الإشهادَ على الطلب عند العجز عنه يقومُ مقامه.
قال الإمام أحمد: الموتُ يبطلُ به ثلاثةُ أشياء: الشفعةُ، والحدُّ إذا مات المقذوف، والخيارُ إذا مات الذي اشترط الخيار.
وخلاصةُ القول بالنسبةِ للمذاهبِ الأربعة: إن الشفعةَ لا تورثُ عند الحنفية بعد الطلب، وتورثُ بعد الطلب عند المذاهب الثلاثة الأخرى.
والخلافُ محصورٌ فيما إذا مات الشفيعُ قبل القضاءِ له بالشّفعة، فإذا مات بعد القضاءِ وقبلَ نقدِ الثّمنِ وقبضِ المبيع، فالبيعُ لازمٌ لورثته باتّفاق الجميع.
كما اتّفق الجميعُ على أنه لا يصحُّ أن تكونَ الشفعةُ سبباً لضررِ المشتري بتفريقِ الصفقة عليه، إذا طلب الشفيعُ أخذَ بعضِ المبيعِ فقط.
الشركة في النظام الرأسمالي
الشّركةُ - بمفهومها العصري - من التصرفات القولية والفعلية، فهي إذاً معاملةٌ من المعاملات، سواء أسارت حسبَ النّظامِ الرأسماليّ أم حسبَ النظامِ الإِسلاميّ.
ولكي يُعرف الحكمُ الشرعيُّ بشأن الشركة لا بد أن يُفهمَ واقعُها أوّلاً فهماً صحيحاً لأنه مناط الحكم، وفهمُهُ لا يكون بحسب تصوّرنا أو بحسب تأويلاتِنا، بل بحسب النظام الرأسماليّ نفسه، لأنها معاملةٌ من معاملاته وحكمٌ من أحكامه، بمعنى أن أوَّل خطوةٍ لمعرفةِ الحكمِ الشرعيّ في واقعِ الشركاتِ القائمة في النظام الرأسماليِّ تنطلق من فهم واقع تلك الشركات، ليصار إلى فهم كيفية معالجة هذا الواقع وفقاً للدليل الشرعي.
إنَّ واقعَ الشركة في النظامِ الرأسماليّ، بل وحقيقتها، هي أنها ليست كالبيعِ والإِجارة تتمّ بين طرفَين، بل هي كالوقفِ والوصيّة تتم من طرفٍ واحدٍ، فهي إذاً التزامٌ فرديٌّ من شخصٍ، حسب الشروطِ المسجّلةِ في ورقةِ الاتفاقية، المسمّاةِ عقداً، يساهم في مشروع ماليٍّ، وذلك بتقديمِ حصَّةٍ من مالٍ أو عملٍ، لاقتسام ما قد ينشأ عن هذا المشروعِ من ربحٍ أو خسارة. فهي عندهم وحسب تعريفها، تعبير عن إرادة منفردة، أي أنه ليس فيها إيجابٌ ولا قبولٌ، ولا أطرافُ عقدٍ. كما أنها ليست اتفاقاً بين اثنين أو أكثر، بل هي عبارة عن اتفاقيَّةٍ معيَّنةٍ، بشروطٍ معيَّنةٍ، تكتبُ وتُعرضُ بحيثُ إن الفردَ الواحدَ، وبغضِّ النّظرِ عن أيِّ شخص آخر، يلتزمُ بما في هذه الاتفاقيّة، فيصبحُ بهذا الالتزام عضواً مساهماً في الشركة.
أما الحكم الشرعيُّ في الشركةِ، فهو أنها عقدٌ بين اثنين فأكثر، يتَّفقُ فيه المتعاقدون على القيام بعمل ماليٍّ بقصدِ الربح، ويجري العقدُ بإيجابٍ وقبولٍ في مجلس واحد. إذاً ولكي تكونَ الشّركةُ منطبقةً على الحكم الشرعيّ لا بد أن يكون فيها متعاقدان، وأن يحصل الاتّفاقُ بين المتعاقدَيْن، ولا بد أن يحصلَ العقدُ بإيجابٍ وقبولٍ بينهما في مجلس واحد.
هذا هو الحكمُ الشرعيُّ في الشّركة، وهو لا ينطبقُ على واقعِ الشّركةِ في النّظامِ الرأسماليِّ لأنه ليس فيها متعاقدان بل ملتزمٌ واحد، وليس فيها اتّفاقٌ بين متعاقدَيْن بل اتفاقٌ مطلقٌ، يلتزمُ فيه من أراد التزاماً فرديّاً، وليس فيها إيجابٌ وقبولٌ، وليس فيها مجلسُ تَعاقُد، فهي بذلك خاليةٌ من جميعِ الشروطِ الشرعيّة، وإذاً فهي باطلةٌ شرعاً لأنه لم يحصلْ فيها عقدٌ شرعيّ.
ولعلّ المثال الذي يعبِّر عن واقع الشركات في النظام الرأسماليّ ما يعرف بشركةِ المساهَمةِ، فإنها على الرغم من كونها داخلةً تحت تعريفِ الشّركاتِ في هذا النظام، إلاَّ أنها نوعٌ ماليّ بحتٌ لا دورَ للعنصرِ الشخصيّ فيه.
والشّركاتُ في النِّظامِ الرأسماليِّ قسمان:
- شركاتُ أشخاص.
- وشركاتُ أموال.
- أما شركاتُ الأشخاصِ فهي التي يدخلُ فيها العنصرُ الشّخصيّ، أي جهد الإنسان وتأثيره، بحيث يكونُ له أثرٌ كبيرٌ في الشّركة وفي تقدير الحصص. ومثال ذلك: شركة التضامنِ، فإن المعتبرَ فيها شخصُ الشريكِ، لا من حيث كونه بدناً فحسبُ أي متصرِّفاً، بل من حيثُ مركزُه وتأثيرُه في المجتمع. وهذه قد يُشتبهُ في أن تكونَ شركةً صحيحةً من وجهة النظرِ الشرعيةِ لوجودِ البدن فيها، أي الشخص المتصرِّف، لولا خلوُّها من باقي الشروط ومنها العقد بين اثنين بإيجابٍ وقبول.
وأما شركاتُ الأموالِ فإنّه لا يكونُ للعنصرِ الشخصيّ فيها أيُّ أثرٍ، بل هي قائمةٌ على انتفاءِ وجود العنصرِ الشخصيّ، وانفرادِ العنصرِ الماليِّ في تكوين الشركةِ وفي سيرِها. فشرطُها في الأساسِ انعدامُ وجودِ البدنِ أي انعدامُ وجودِ المتصرِّفِ في تكوين الشركةِ وفي سيرِها. وتدعى هذه الشركات بشركاتِ المساهَمة.
ويتم الدخول في هذه الشركات، ولا سيما عند إنشائها، عن طريق ما يعرف بالاكتتاب الذي يحصل بإحدى وسيلتين:
الأولى: وهي التي يمتلك فيها المؤسّسون كامل أسهمِ الشّركةِ عندما يوزّعونها بينهم دون عرضِهَا على الجمهور. وذلك بتحريرِ الاتفاقيّةِ التي تقومُ بحسبِها الشركةُ، أي بكتابةِ النظام أو المستند الأساسي الذي يعتبر بمثابة العقد المبرم بين الشركاء، والذي يتضمنُ الشروطَ التي تسيرُ عليها الشّركة. ثمّ يجري التوقيعُ عليه بصفةٍ فرديّةٍ، بحيث يعتبرُ كل من يوقع على هذا النظام مؤسّساً وشريكاً. وعندما يتمُّ توقيعُ الجميع تكون الشركةُ قد تأسّست وبقيت محصورة بهؤلاء الموقعين وحدهم، ولا يُسمحُ بدخولها لغيرهم.
الثانية: وهي التي يتولى فيها بضعةُ أشخاصٍ القيام بإجراءات تأسيس الشركة، وذلك بتحريرِ النظام الذي يتضمنُ الشروطَ التي تسيرُ عليها الشركة، وتوقيع المؤسسين على هذا النظام.
ثم يطرحون الأسهمَ مباشرةً على الجمهورِ للاكتتابِ العامِّ فيها بعد تحديد مدّةٍ معينةٍ لنهايةِ الاكتتاب. وحين ينتهي أجلُ الاكتتابِ في الشركة تُدعى الجمعيةُ التأسيسيّةُ للشركة والتي تتألف من جميع المساهمين للموافقة على النظام بالصورة النهائية، وتعيين الهيئات التي تتولى إدارة الشركة ومراقبة أعمالها، ولا سيما تعيين مجلسِ الإِدارة، ومفوضي المراقبة. وبعد إجراء معاملات النشر والتسجيل في سجل التجارة تبدأ الشركةُ أعمالَهَا.
وعلى هذا الوجهِ تنشأُ شركةُ المساهَمة، وبهذه الكيفيّةِ توجد، فيكون واقعُها بأيّ وسيلةٍ من الوسيلتين المذكورتين وُجدت، هو أنها التزامٌ فرديٌّ من قبلِ طرفٍ واحد. ففي الوسيلةِ الأولى يجري التفاوضُ والاتفاقُ على الشّروطِ بين المؤسّسين، ولا يعتبرون هذا عقداً ولا يلتزمون به، وهو في واقعه تفاوضٌ وليس بعقد ثم يَنْفَضُّ مجلسُهم. وبعد ذلك، وفي مجلس آخر، يأتي كلٌّ منهم منفرداً فيوقع، ولا يعتبر شريكاً إلا بعد إبرازِ إرادتِه المنفردةِ، وذلك تصرفٌ فرديّ.
وفي الوسيلةِ الثانيةِ يجري التفاوضُ بين عددٍ محدودٍ من الناس، ثم تُطرحُ الأسهمُ على جميعِ الناسِ، فمن يكتتبْ بسهمٍ أو أكثرَ يصبحْ شريكاً في الشركة. واكتتابُهُ يكونُ بتصرفٍ منفرد، أي بإرادةٍ فرديّة.
هذا هو واقعُ شركةِ المساهمة، وهذا الواقعُ حين يُطبّقُ عليه حكمُ الله تعالى في الشركة نجد أنه لا ينطبقُ عليه. لأن حُكمه سبحانه في الشركةِ أنها عقدٌ بين اثنين فأكثر، وأحدُ طرَفَي العقدِ بدنٌ أي متصرّفٌ بذاته، وأنّ هذا العقد يتمّ بإيجابٍ وقبولٍ يحصلان معاً في مجلس واحد، ويكون منطوياً على القيامِ بعملٍ بقصدِ الربح. فالحكمُ الشرعيُّ في شروطِ صحةِ انعقادِ الشركةِ، أن تكونَ عقداً من العقودِ الشرعيّةِ لا تصرُّفاً من التصرّفاتِ.
إن الشروط التي اشترطَهَا الشّارعُ الأقدس لصحة انعقادِ الشركة غيرُ متوفرةٍ في شركةِ المساهمة، لأنها شركةُ أموالٍ خاليةٌ من البدنِ، بل شرْطُها أن تكونَ خاليةً من البدنِ، وهذا وحده كافٍ لبطلانها. ولكي يُدرَكَ واقعُ بطلانها إدراكاً أوضَحَ نَلفِتُ النظرَ إلى أنَّ المعاملاتِ من حيثُ واقعُها قسمان:
قسمٌ لا يتمُّ إلا من طرفَينِ كالبيعِ والإِجارةِ والوكالةِ وما شابهَ ذلك، وقسمٌ يتمُّ من طرفٍ واحدٍ ولا حاجةً فيه لطرفَيْنِ كالوقفِ والوصيّةِ وما شاكلَ ذلك. فما كان مما لا يتمُّ إلا بطرفين لا ينعقدُ إلا إذا وُجد فيه طرفانِ. وما يتمُّ من طرفٍ واحدٍ ينعقدُ بمجرّدِ صدورِهِ منه، ولا حاجةَ فيهِ لطرفٍ ثانٍ. فالبيعُ لا ينعقد إلا إذا صَدَرَ من طرفَينِ اثنين. والوقفُ ينعقد من طرفٍ واحدٍ ولا حاجةَ فيه لوجودِ طرفٍ آخر. هذا هو واقعُ المعاملاتِ في جميع الأنظمةِ. إلاَّ أنَّ هناكَ اختلافاً بينَ الأنظمةِ في اعتبارِ المعاملاتِ من طرفٍ واحدٍ أو طرفين. وبحسب ذلك يجري اعتبارُ المعاملةِ منعقدةً أو غيرَ منعقدة.
فالنظامُ الرأسماليُّ يَعتبرُ مثلاً البيعَ والإِجارةَ والوكالةَ والكفالة من المعاملات التي لا تتمُّ من طرفٍ واحدٍ، بل لا بدّ فيها من طرفَين اثنَين، فإنْ لم يتوفّر الطرفانِ كانت باطلةً. ويعتبرُ الوقفَ والوصيّة والشركةَ والوعدَ بجائزة، وما شابه ذلك، من المعاملاتِ التي تتمُّ من طرفٍ واحدٍ ولا مجالَ فيها لطرفٍ ثان، ويسميها الإِرادة المنفردةَ. فالشركةُ في النظامِ الرأسماليِّ، ومنها شركاتُ المساهمة، تقوم على إرادةٍ منفردةٍ، وتتمُّ من طرفٍ واحدٍ ولا مجالَ فيها لطرفين.
في حين أن الإِسلامَ يعتبرُ الشركةَ من المعاملاتِ التي لا تتمُّ إلا بطرفين، فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «الشريكين». وفي حديثٍ يقولُ «يدُ الله على الشريكين»[*]. وفي حديثٍ آخرَ يقولُ عن الله عزّ وجلّ: «أنا ثالثُ الشريكين»[*]. والشركاتُ التي حصلتْ في أيامه (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأقرّها كانت كلُّها فيها طرفان.
وعلى هذا فشركاتُ المساهمةِ من المعاملاتِ الباطلةِ شرعاً. والمعاملةُ الباطلةُ فيها أمران:
أحدُهما: أنها حرامٌ فيعاقبُ الله تعالى فاعلَها.
الثاني: أنها لا تجزئُ وتُلغَى وتعتبر كأنها لم تكنْ.
والدّليلُ على ذلك، أي على هذين الأمرين: أنّ الرسولَ (صلى الله عليه وآله وسلّم) قالَ «من عَمِلَ عملاً ليسَ عليه أمرنا فهو رَدٌّ»[*] وفي روايةِ «من أدخلَ في ديننا ما ليسَ منهُ فهو رَدٌّ». والمرادُ أن العمل ليس بصحيحٍ ولا مقبول. وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «وما نهيتكم عنهُ فانتهوا»[*]. والشارع قد نهى عن مخالفةِ الشرعِ نهياً تامّاً. كما أن الشركات التي حصلت في أيام الرسول، وأقرَّها (صلى الله عليه وآله وسلّم) جميعها كان فيها طرفان.
شروط الشركة في الإسلام:
لا بد قبل البحث في هذه الشروط تبيان ماهية الأشياء والأفعال باعتبار أن الشركة تدخل في مفهوم الأعمال، التي يقوم بها الإنسان.
الأشياء والأفعال:
الأشياءُ غير الأفعالِ. فالأشياءُ هيَ الموادّ التي يتصرّفُ فيها الإنسانُ بأفعالِهِ، وأمّأ الأفعالُ فهيَ ما يقومُ بهِ الإنسانُ من تصرّفاتٍ فعليةٍ أوْ قوليةٍ لتفعيل طاقته الحيوية، وإشباع حاجاتِه العضويّة. والأفعالُ لا بُدّ أنْ تكونَ متعلقةً بأشياء تُسْتَعْمَلُ لتنفيذِ الفعلِ الذي أرادَ بهِ التفعيل أو الإِشباع. فالأكلُ والشربُ والمشيُ، وما شاكلَ ذلكَ، أفعالٌ وتصرّفاتٌ فعليّةٌ. والبيعُ والإِجارةُ والوكالةُ والكفالةُ والشراكةُ، وما شاكلَ ذلكَ، أفعالٌ وتصرّفاتٌ قوليّةٌ وفعلية.
والشارعُ أباحَ الأشياء جميعَها بمعنى أنه أحلّهَا. والإِباحةُ في الأشياءِ معناها الحلالُ وهو ضدّ الحرامِ. فإذا نصّ على حُرمَةِ بعضِها كان هذا البعضُ مُستثنى مما أُبيحَ في الأصلِ. فالحلّ والحرمةُ بالنسبةِ للأشياءِ وصفٌ لها. وليسَ للأشياءِ أيّ وصفٍ شرعيٍّ غيرهما. ولا تحتاجُ إباحةُ الشيءِ، أيْ كونُهُ حلالاً، إلى دليل، لأنّ الدليلَ العامّ في النصوصِ أباحَ جميع الأشياء. كقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعرَاف: 32]، وقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البَقَرَة: 173]. وهذا يعني أن التحليل والتحريم شأنٌ من الله (تبارك وتعالى) وليس لأحد من البشر يدٌ فيه، وكل من يُعطي رأياً من عنده، بخلاف الحكم بما أنزل الله عزَّ وجلَّ، أي بما أحلَّ وحرَّم في قرآنه وما بيَّنه رسوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم)، فهو آثمٌ معتدٍ، ومفترٍ على العزّة الإلهية ـ والعياذ بالله ـ.
بعد هذا التقديم، نتساءل: ما هي شروط الشركة في الإسلام؟
إنه وانطلاقاً من كون الشركة تدخل في الأفعال والتصرفات، فقد أوجب الإسلام لقيامها توفر شروط معينة ولا سيما في الشركاء. ومدارها أن الحكم الشرعي إنما يشترط في الشريك أن يملك الأهلية للتصرف، أي أن يكون حراً، بالغاً ورشيداً، وأن للشركاء أن يوسعوا أعمال شركتهم، فإذا اتفقوا على هذا التوسيع إما بزيادة رأسمالهم، وإما بإدخال شركاء آخرين معهم، فإن لهم مطلق التصرف في ذلك، إذ يفعلون كلّ ما يرونه في مصلحة الشركة.
والشريك في الشركة غير مسؤول شخصياً إلاَّ بنسبة ما يملك من حصة فيها، وله الحق أن يترك الشركة في أي وقت يريد دونما حاجة لموافقة من الشركاء الآخرين.
والشركة لا تنحل بموت أحد الشركاء، أو الحجر عليه، بل تنفسخ شراكته هو وحده، وتبقى شراكة الباقين قائمة إذا كانت الشركة مؤلفة من أكثر من شريكين.
هذه هي الشروط الشرعية، أي الشروط التي يجب توفرها لإنشاء الشركة في الإسلام.
وسوف نرى أن هذه الشروط لا تنطبق على شركات النظام الرأسمالي.
أنواع الشركات الرأسمالية:
رأينا أن الشركات في النظم الرأسمالية تكون على نوعين: شركات أشخاص، وشركات أموال، وقلنا إن شركات الأشخاصِ هي التي يدخل فيها العنصرُ الشخصيّ، ويكون له أثرٌ في الشركة، وفي تقدير الحصص، وذلك كشركات التضامن، وشركات التوصية البسيطة. كما قلنا إن شركاتِ الأموالِ هي التي لا يكونَ فيها للعنصر الشخصيّ أيّ وجود، ولا أيّ اعتبار، بل هيَ قائمةٌ على انفراد العنصر الماليّ فقط في تكوينها وفي سيرِها، وذلك كشركات المُساهمة وشركات التوصية بالأسهم.
وسوف نبحث في كلٍّ من شركة التضامن، كمثال على شركات الأشخاص، وفي الشركات المساهمة كمثالٍ على شركات الأموال، وفقاً لواقعها في النظام الرأسمالي.
شركة التضامن:
هي عقدٌ بينَ شخصين أو أكثر يتمُّ الاتفاق فيهِ على الإتجار معاً بعنوان مخصوص، ويلتزم جميعُ أعضائها بديون الشركة على جميع أموالهم بالتضامُن من غير قيد وحدٍّ. لذلك لا يمكنُ أن يتنازل أيّ شريكٍ عن حقوقه في الشركة لغيره إلاَّ إذا وافق الشركاء. وتنحلّ الشركةُ بموت أحد الشركاء أو الحجْر عليه أو إفلاسه إذا لم يكن هناك اتّفاقٌ يخالف ذلك. وأعضاءُ هذه الشركة متضامنون أمام الغير على جميع تعهدات الشركة.
ومسؤوليتهم في ذلك غيرُ محدودة، فكلّ شريك مطالَبٌ بأداء جميع ديون الشركة لا من أموالهم فحسْب، بل ومن أمواله الخاصة أيضاً ليفيَ ما نَقصَ من ديونِ الشركةِ بعدَ نفادِ مالها. ولا تسمح هذه الشركة باتّساع المشروع. ويتمّ تكوينها منْ أشخاصٍ قلائل يثق كلّ منهم بالآخر. ويعرفه معرفةً جيدة. وأهمُّ اعتبار فيها هو شخصيّة الشريك، لا منْ حيثُ كونه بدناً فقط، بل من حيث مركزهُ وتأثيرهُ في المجتمع.
وهذهِ الشركة فاسدة لعدم انطباقها على الشروط الواجب توفرها لقيام الشركة في الإسلام، لأن شروط شركة التضامن تخالف الشروط الشرعية. وهذا ما يجعلُها شركةً فاسدة، فلا يجوزُ الاشتراكُ بها شرعاً.
الشركات المساهمة (أو المغفلة)[*]:
المالُ هو كلّ ما يتموّلُ به عروضاً كانَ أوْ نقداً. والنقدُ أداةٌ لتبادُل المال. وحصوله متوقّفٌ على جُهد الإِنسان، فالجهد هو الأصل والأساس، ولذلك لم يكن بدّ من تقدير ذلك الجهد المبذول في الحصول عليه. فتقديرُ المال متوقفٌ على تقدير جهد العامل واعتباره أصلاً. ولكن لما كان النظام الرأسماليّ مبنياً على حريّة التملّك وبالتالي مبنيّاً على استغلال الإِنسان للإِنسان، كانت نظرتُه في تقدير الأجراءِ أو تنمية المُلك، مبنية على أن الاعتبار للمال لا للجُهد الإِنساني. وسرى هذا الاعتبارُ في جميع المُعاملات حتى صار من الطبيعيّ عندَهُمْ أنْ يكونَ البحثُ في رأس المال وليس في جهد الإنسان الذي أُهمل تماماً تقريباً إلاَّ ما كان منصبّاً منه على بحث رؤوس الأموال واستغلالها، فهذا هو الجهد الذي يُقدَّر عندهم. ويتضح ذلك في الشركات الرأسمالية، فإنها اشتراكٌ برأس المال في شكل شركاتٍ، وليس في شركات حقيقية. وقد افْتنُّوا في أنواع الشركات افتناناً يؤدي إلى سيطرة رؤوس الأموال، واستغلال جُهد الإِنسان.
ومن أهمّ الشركات الرأسمالية الفاشيةِ في بلادنا الشركاتُ المُساهمة.
والأصل في شركات الأموال أو الشركاتِ المساهمةِ أنّ انتشار الإِنتاج الآليّ، وما ترتّب عليهِ من اتساع نطاق المشروعات الزراعية والتجاريّة والصناعية، جعل مواردَ الفرد الواحد لا تَكْفي لتمويل عمليات الإِنتاج، الذي أصبحَ من خصائص الانقلاب الصناعيّ. لذلك لمْ يكنْ بدّ من وسيلة تُيسِّرُ لعدّة أفرادٍ من الناس جمعَ المال اللازم لتنفيذ هذه المشروعات الكبيرةِ، مع بقاءِ التصرّفِ فيها تحت يدِ هؤلاءِ الأفراد الذين ينالون من الرّبح بقدر ما لهم من الحصص المالية.
ومن أجل ذلكَ نشأت الشركاتُ المساهمةُ لخدمة أفرادٍ معينين يستغلّون أموال غيرهم وجهودَهم مع احتفاظهم بالمشروعات الكبيرة.
ويتكوَّنُ رأسُ مال الشركة المساهمة من عددٍ كبير من الحصصِ توزع على مجموعات من الأسهم ويكون لكل فئة منها تسمية معينة، متساوية في القيمة، ويطلق على الشركاء اسم «المساهمين»، نسبة إلى الأسهم.
وشركاتُ المساهَمَةِ شركاتٌ ماليةٌ بحتةٌ، والموجودُ فيها أموالٌ فقطْ، بدون أن يكون للبدن أيّ وجود. ونظامُ الشركة المساهمة يجعل مسؤوليّة المساهم محدودةً بقيمة الأسهُم التي يملِكُها. وعلى ذلكَ فالمُساهم يأخذ من الأرباح بمقدار ما له من أسهمٍ، ويصيبه من الخسارة بنسبة ما يملك منها. ومهما أصاب الشركة من خسارةٍ فحامل السهم لا يمكنُ أنْ يخسر أكثر من قيمة سهمه.
والشركاتُ المساهمةُ تنقسمُ إلى محدودة وغير محدودة. فالمحدودةُ يقدّر رأسمالها بمقدار معينٍ، وأسهمٍ معيّنة، وغيرُ المحدودة هي الشركاتُ المغْفَلة.
والشركاتُ المساهمةُ تجمع بينَ القاصي والداني، وهي دائميةٌ لا تتقيدُ بحياة الأشخاص بل تستطيع أنْ تعيشَ مدّةً طويلةً مهما تبدّلَ أعضاؤها، ولا يؤثّر ذلك في كيانها. وقد يموتُ الشريكُ ولا تنحلّ الشركةُ بموته، وقد يحجر عليه ويبقى في الشركة، وقد يبيعُ حصّته لغيره دون إذنٍ من الشركة فتنقلُ أسهُمه إلى غيره، وتظلّ الشركةُ سائرةً لأن تكوينها قائم على الأموال لا الأشخاص.
وعلى هذا فإنَّ الشركات المساهمةَ باطلةٌ شرعاً. ولا يجوزُ الاشتراكُ بها لمخالفتها للأحكام الشرعية، ولعَدم اندراجها تحت أحكام الشركات في الإِسلامِ.
وبُطلانُ الشركاتِ المساهمةِ يتعينُ في الأسبابِ الآتيةِ:
1 - لم تتكوّنْ في الشركة المساهمة شركةٌ شرعاً، وإنما هي أموالٌ تجمّعت وصارت لها قوّةُ التصرّف، وهذا لا يجوزُ في الإِسلام، لأنّ المُلكَ في الإِسلامِ، لا ينمو من نفسه، بل لا بدّ ممّن يقومُ بتنميته. والأصلُ في إيجاد المال وفي تنمية المُلك هو البدن. والتكليفُ إنما هو على الإِنسان، حتى أنّ الحقّ المفروض على المال إنما هو مفروضٌ، في الحقيقة، على المال المملوك للإِنسان لا على المال مُطلقاً.
فالبدَنُ هو الأصلُ في الرّبحِ، وفي المُلْكِ، وفي تنمِيَتِهِ. ولذلك يجوز أن يشترِكَ بدنٌ مع بدَنٍ لِيُنتج مالاً، ويوجد مُلكاً ويُنمّيه، ويجوز أن يشترِكَ بدنٌ ومالٌ لأنّ البدن يتصرّفُ بالمال ويُنمّيه، أمّا أنْ يشترِكَ مالٌ ومالٌ دون وجودِ بدنٍ يكون شريكاً مع المال، فلا يُسمَّى ذلك شركةً ولا تنعقدُ الشركةُ فيه مطلقاً، بلْ تظلّ أموالاً مجمّعة لأشخاص، لأنّها لمْ تُضَف إلى بدنٍ يتصرّفُ فيها كشريكٍ.
كذلك لم يحصُل في هذه الشركة عقدٌ إذا لم يحصل فيها إيجابٌ وقبولٌ بين الشركاء، لأنّ المساهمين يدفعون مالاً بدلَ أسهم دون أن يكون هنالك أيّ عقدِ للشركةِ بينهم وبين شركائهم، مع أنّ الشركة عقدٌ بينَ اثنين أوْ أكثرَ يتّفقون فيه على القيام بعمل ماليّ بقصد الرّبح. ولم يحصلْ أيضاً أيّ اتفاق بينَ الشركاءِ في الشركات المساهمة، إذ قد تقوم الشركةُ وتباشرُ أعمالهم وبعض أسْهُمها لم يُبع، أي أنّ بعض الشركاءِ لم يُوجَدُوا بعد.
وفوْقَ ذلكَ فإنّ الشركةَ في الإِسلامِ تقوم على الجمع ما بين المال والعمل مجتمعين، أو على العمل وحدهُ، ولكنها لا تنعقدُ على المال وحده أبداً، والشركاتُ المساهمةُ إنما هي مقصورةٌ على المال وحده.
2 - اشتراط أن تكون الشركة دائميّةً يخالف الشرع، فالشركة من العقود الجائزة تبطل بموت أحد الشريكينِ أو جُنونه أو الحجْرِ عليه، وبالفسخ من أحد الشركاء. وإذا ماتَ أحد الشركاءِ ولهُ وارثٌ غير راشد فليسَ لهُ أن يستمرّ في الشركةِ، وإنْ كان الوارثُ راشداً فله أن يقيم على الشركة أي أن يصبح شريكاً فاعلاً فيها، وأن يأذن لهُ الشريكُ الآخرُ بالتصرّفِ، وله المطالبَةُ بالقسمة.
فكون الشركة المساهمة دائمةً أو مستمرّةً، بالرّغمِ منْ موت أحد الشركاء أو الحجْر عليه، يجعلُها شركةً باطلة.
3 - إنّ الأرباح والخسائر في الشركة المُساهمة قائمة على نسبة الأسهم، ولكن يُشترط في الخسارة أن لا تزيد على قيمةِ أسهم الشريكِ في السّوق. وهذا يعْني أن لا يخسر رأس المالِ مُطلقاً، فهوَ يخْسرُ أرْباحَهُ فقط، ولا يصل الخسرانُ إلى فقدان رأس المال. وهذا لا يجوزُ في الإِسلام، لأنّ القاعدة الشرعية تنصّ على أنّ «الغُرم بالغُنْم» فالمال يخسرُ في الشركة ولو أدّى إلى فناء رأس المال كلّه. واشتراطُ أنْ لا تصِل الخسارةُ إلى ذهاب رأس المال يُخالف الشرع، وهو فاسدٌ غيرُ مُقيّدٍ. وبما أنّهُ يتعلّقُ بتكوينِ الشركةِ وعملِها فيكونُ عقْدُ الشركة فاسداً على فرْض وجود عقد فيها.
4 - إنّ الشركة المساهمة تجعل لمجلس الإِدارة أُجرةً مُعينةً سنويّةً أو عنْ كلِّ جلسة، وهم شُرَكاء مُساهمون، زيادةً على أرباح أسهمهم. وبحسَب أحكام الشرع الإِسلاميّ لا يجوزُ أن يحصل لأحد الشركاء زيادة أموال على حصته من الرّبح. ومتى جعل أحد الشركاء مقداراً معلوماً من المال لنفسه، أو جعل له الشركاء مثل هذا المقدار أو اشترطَ لنفسه جزءاً من الرّبحِ، بطلت الشركة، إذ من المُحتمل أنْ لا تربح الشركةُ غير الزيادة التي اشترطها، فيحصلُ حينئذٍ على جميعِ الرّبحِ، ويُحتمل أن تخسر الشركةُ فيأخذ من رأس المال جزءاً له، وهذا لا يجوز، لأنّ الشريك له جزءٌ من الرّبح لا جزءٌ من رأس المال. وعلى ذلكَ تكونُ الشركةُ المساهمةُ باطلةً، لأنّها تجعلُ لأحد الشركاءِ مقداراً معيناً منَ المالِ زيادةً على حصّتهِ في الرّبحِ.
ولأجل ذلك كله كانت الشركات المساهمةُ الرأسماليةُ باطلةً شرعاً ويحرمُ الاشتراكُ بها. والمالُ الذي يأتي عن طريقها، إنْ مُلِك مع العمل بحُرمتها وبُطلان عقدها، محرّمٌ لأنّهُ أُخذ بعقدٍ باطلٍ، وبوسيلةٍ غير شرعيةٍ.
وقد وقع المسلمون في الشركات المُساهِمةِ، وأقاموا شركاتهم بحسبِ أحكامِها دون أن يعُوا مدى بطلانها. ولذلك وجبَ عليهم بعدَ معرفتِهِمْ حكم الإِسلام في تلك الشركات المساهمة أن يتركوها، ويؤلفوا شركاتِهم حسب أحكام الإِسلام.
أسهم شركاتِ المساهمة:
أسهُمُ الشركةِ أوْراقٌ ماليّةٌ تمثّلُ ثمنَ الشركة في وقت تقديرها، ولا تمثّلُ رأسَ مالِ الشركةِ عندَ إنشائها. فالسهمُ جزءٌ لا يتجزأُ منْ كيانِ الشركةِ، وليسَ بجزءٍ منْ رأسِ مالها، فهوَ بمثابةِ سند لقيمةِ موجوداتِ الشركة. وقيمةُ الأسهُمِ ليستْ واحدةً، وإنما تتغيرُ بحسب أرباحِ الشركةِ أو خسارتها، وليسَتْ واحدةً في كلّ السنينَ، بلْ تتفاوتُ قيمتُها وتتغير. وعلى ذلك فالأسهم لا تمثّلُ رأسَ المال المدفوع عند تأسيس الشركة، وإنما هي تمثّل رأسَ مال الشركة حين البيع أي في وقتٍ معيّن. إنّها كورقة النقد، يهبط سعرُها إذا كانت سوق الأسهمُ منخفضةً، ويرتفعُ حين تكونُ مرتفعة. فالسهم، بعد بدء الشركة في العمل، انسلخ عن كونه رأس مال وصار ورقةً ماليةً لها قيمةٌ معينة.
والحكمُ الشرعيّ في الأوراقِ الماليةِ قائمٌ على النظرِ فيها، فإنْ كانت سَنَدَاتٍ تتضمّنُ مبالغَ من المالِ الحلالِ كالنقْدِ الورقيّ الذي لهُ مقابلٌ منَ الذهب أو الفضّةِ يُساويه، أو ما شاكلَ ذلكَ، كان شراؤها وبيعُها حلالاً لأنّ المال الذي تتضمّنه حلال. وإن كانت سنداتٍ تتضمّن مبالغَ من المال الحرام كسندات الدَّين التي يُستثمَرُ فيها المالُ بالرّبا، وكأسهم البنوك أو ما شاكل ذلك، فإِنّ شراءَها وبيعَها يكون حراماً، لأنّ المال الذي تتضمّنه مالٌ حرام.
وأسهم شركات المساهمة سنداتٌ تتضمّنُ مبالغ من رأس مال حلال، ومن ربح حرام، في عقد باطلٍ ومُعاملةٍ باطلةٍ، دون أي تمييز بين المالِ الأصليّ والربح. وهي في نفس الوقت تمثل قيمة الحصص من موجودات الشركة الباطلة، وقد اكتسبت هذه الموجودات بمعاملةٍ باطلةٍ نهى الشرعُ عنها، فكانتْ مالاً حراماً، وتكونُ أسهمُ شركةِ المساهمةِ متضمنةً مبالغَ من المال الحرام، وبذلك صارت هذه الأوراقُ الماليةُ - وهي الأسهمُ - مالاً حراماً لا يجوز بيعُها ولا شراؤها ولا التعامل بها.
أمّا المسلمون الذينَ يجهلون الحكم الشرعي، ثمّ اشتركوا على جهلهم بتأسيس شركاتٍ مساهمةٍ أو ملكوا أسهماً بحكم مُساهمتهم فيها، فملكيةُ هؤلاء المساهمين للأسهُم ملكيةٌ صحيحةٌ، وهيَ أموالٌ حلالٌ لهم وذلك لجهلهم ببطلان عملهم جهلاً يُعذرون فيه. أمّا بيع هذه الأسهم للمسلمين بعد معرفتهم بحرمتها فلا يجوزُ، لأنها أوراقٌ ماليةٌ باطلةٌ شرْعاً، وتحليل ملكيتها جاء طارئاً من كون الجهل عذراً لهم.
وكيفيّةُ التخلّصِ من هذِه الأسهُمِ المملُوكَةِ بسببِ جهل الحكم الشرعيِّ تتمّ بحلّ الشركة، أو تحويلها إلى شركةٍ إسْلامية، أو تكليف أحدٍ من غير المسلمين ممن يستحلّ أسهمَ الشركات المساهمة ببيعها نيابةً عنهم ثم يأخذون ثمنها.
الجمعيات التعـاونيـة
الجمعياتُ التعاونيةُ نوعٌ من أنواع الشركات الرأسماليّة ترمي إلى تأدية خدماتٍ مُعيّنةٍ من الناس.
والتعاونية شركة يقسم رأسمالها إلى أسهم صغيرة يشترك كلّ عضوٍ في حصّةٍ منها. ويُشترطُ في العضو أنْ تتوفّر فيه صفةُ الفئة التي سيقومُ بمعاونتها كالموظفين والفلاحين، والعمال، وأهل القرية الفلانية، أو الحيّ الفلانيّ، أو الجمعيّة الفلانية. ولا يُسمح لغير هؤلاء بالاشتراك في مثل هذه الشركة. وينبغي أن تكون المعاملات مقصورةً، قدر الإِمكان، على الأعضاء أنفُسِهم، وربما تتعدّاهم إلى غيرهم.
ويشتركُ أعضاء الشركة التعاونيّة على قدم المساواة، بغضّ النظر عن أسهُمِهم في التصويت. فالذي له مائة سهم أو الذي له سهمٌ واحدٌ يتساويان في التصويت، ولكلّ واحدٍ منهما صوتٌ يعادلُ صوت رفيقه.
فإذا اشترك موظّفُو الجمارك مثلاً في فتح متجر لبيعِ الحاجات المنزلية حتى يتوفَّر عليهم ما يأخذه الوسيطُ في البيع، وتبقى الأرباحُ لهم، كان ذلك مثلاً على نموذجٍ من نماذج هذه الجمعيّات. وهؤلاء يشكّلون جميعةً عموميةً تنتخب منهم مجلس إدارةٍ يتولى الإشراف على الجمعية وإدارتها، وتعيين المُوظّفين، وتحديد الأسعار، وشراء البضاعة وما شاكل ذلك ممّا يلزم للمتجر.
أما الأرباحُ في هذه الشركة فتقسمُ على أعضاء الجمعيّة بنسبة مشترياتهم لا بنسبة ما يملكون من حصصٍ. وأمّا رأس المال فله نسبةٌ مئوية معيَّنة من الرّبح تكون بمقام الفائدة له. والباقي يُقسم بحسب المشتريات إن كانت الجمعيةُ استهلاكيةً، وحسب الإنتاج إن كانت إنتاجيّةً. وقد يعود جزءٌ من الربح لجهةٍ خيريّة.
انتشرت هذه الجمعياتُ في أكثر أقطار العالَم الإِسلامي. وربما يقومُ بها كثيرٌ من الأتقياء ممَّنْ يغارون على الإسلام دون أن يشعروا أنهم يرتكبون حراماً. هذه الجمعيات باطلةٌ من أساسها بنظر الشَّرع الإسلامي، وأرباحُها من الأموال مُحرّمةٌ، لأنها مُلّكت دون سبب من الأسباب الشرعية. ووراء بُطلانها ما يلي من الأسباب:
أولاً: الجمعيةُ التعاونيةُ شركةٌ فيجبُ أن تستكملَ شروط الشركة الشرعية حتى تصحّ.
ثانياً: قسمةُ الرّبح بنسبة المُشتريات أو المبيعات، لا بنسبة رأس المال أو العمل، غيرُ جائزة لأنّ الشركة إذا وقعتْ على المال كان الرّبحُ تابعاً له، وإذا وقعتْ على العمل كان تابعاً لهُ.. فالرّبحُ إمّا أنْ يكونَ تابعاً للمال أو للعمل أو لهما. أمّا اشتراطُ قسمةِ الرّبح على حسب المبيعات أو المشتريات فلا يجوز لمخالفته مقتضى العقد، وكلّ شرطٍ يُنافي مُقتضى العقد فاسدٌ. وتقسيمُ الرّبح على المشتريات يُنافي مُقتضى العقد، لأنّ العقد وقع على المال، فالرّبحُ بنسبته لا بنسبة المُشتريات، فإذا اشترط تقسيم الرّبحِ بنسبةِ المشتريات، كان الشرطُ فاسداً ولا عِبرةَ فيه.
ثالثاً: اشتراط أن يكونَ العضو في الجمعية من نوع فئة المُتعاقدين شرطٌ فاسدٌ، إذ لا يُشترط في الشركة إلاّ أن يكون الشريك جائزَ التصرّف، أيْ عاقلاً غير محجُور عليه. فاشتراطُ كوْنه من فئة معيّنةِ لا يدخل في مُقْتضى العقد وهو شرطٌ فاسد.
ويتبين من ذلك أن الجمعيات التعاونيّة شركاتٌ باطلةٌ من أساسها لأنها تتضمنُ شروطاً فاسدةً.
cetirizin netdoktor cetirizin csepp cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB