المعاملات والبينات والعقوبات
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1102
تاريخ النشر :   2009




الجهـد الإنسـاني

إن في خلق كلِّ شيءٍ لحكمةً من الله (تعالى) قد لا تدرك العقول البشرية كنهها. وقد اقتضت حكمتُهُ السنيّةُ - ومنذ الأزل - أن يجعل على هذه الأرض مخلوقاً بشرياً يكون مستخلفاً فيها، فيملك زمام أمورها، ويتولى شؤون مقاديرها ويستكشف ما فيها من قوىً وطاقاتٍ، وكنوزٍ وخاماتٍ أوّلية، بعد أن هداه خالقُهُ العظيم إلى كيفية استعمالها لسدِّ حاجاته المتجددة.
أجل، لقد كرَّم الله تعالى ابنَ آدم بأن ميَّزه عن بقية المخلوقات الأخرى، إذ وهبه عقلاً يفكِّر به، ويستطيع من خلال إعمال الفكر والإدراك التمييزَ بين الخير والشر، والنافع والضار، والحسن والقبيح. وأن يخطط، وينشئ، ويكتشف، ويعمِّر، ثم يتلقى النتائج التي تؤدي إليها كل تلك الجهود والتفاعلات.. ومن هنا كانت عمارة الأرض هي من أُولى واجباته المرتبطة بوجوده.
والإنسان بالحقيقة، لم يقصِّر، منذ فجر البشرية، في القيام بما يؤمِّن مقومات حياته، ويرتقي بصناعة الأشياء من حوله، ويعطي لأنماط العيش المتغيرة ألواناً جديدة، تترسَّخ عبر الأجيال، وعلى مرّ العصور، بالسياسات والنظم، ومختلف أنواع الاكتشافات والاختراعات، وشتى عمليات البناء والعمران، ومختلف مظاهر الحياة الإنسانية..
وقد كان أهم مشروع، وأكبر إنجاز أوجده أو اهتدى إليه العقل البشري هو فكرة السلطة، وتنظيم إدارة الدولة، أي إيجاد الشخص المعنوي الذي يتولى إدارة شؤون الناس، ورعاية مصالحهم، بصرف النظر عن التيارات الفكرية التي ذهبت بفكرة الدولة مذاهب شتى، ونوازع متفرقة، كان أشدها خطراً على حياة الناس، إفراغ مضمون ذلك الشخص المعنوي من التقيد بشرائع الله تعالى، وعدم العمل بأحكام الخالق العظيم، كما يدلّنا عليه الكتاب المبين بقوله تبارك وتعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ *} [المَائدة: 44]. وقوله تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *} [المَائدة: 47]. وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المَائدة: 48].
وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ *} [المَائدة: 50].
ولكنَّ ابتعاد الناس عن شرائع الله تعالى لم يمنعهم من بذل الجهود، لتأمين وسائل حياتهم وتطويرها نحو الأحسن وخاصة ضمن إطار التجمعات البشرية، وفي ظل السلطة السياسية التي أسموها الدولة. ومن هنا كانت مطالبة هذه السلطة، تأمين الحياة الفضلى للناس. فصار محكوماً عليها أن ترسم السياسات، وتضع الخطط، وتنظم البرامج، وتحدد النظم التي تلبي حاجات الناس وتطلعاتهم في شتى الميادين والمجالات القادرة عليها، ولا سيما تأمين الاهتمام بالاقتصاد الذي هو أهم القضايا وأعظمها شأناً في الجهد الإنساني، بل وفي الحياة بكل مقوماتها ومتطلباتها!... ولذلك كانت السياسات الاقتصادية التي تنتهجها الدولة، ولا تزال، تشكل مركز الثقل في الاهتمامات والأهداف التي يفرضها وجودُها والقيامُ بواجباتها.. خاصة وأن وعي الشعوب بات يطالب بتأمين الرفاه الاقتصاديّ، إلى جانب توفير الأمن المجتمعيّ - على تنوعه - والأمان السياسيّ!..
ولو أخذنا مختلف تلك العوامل والأسباب والمقومات في مجملها لوجدنا أن وراءها الجهد البشري، لأنه هو الأساس لكل عمل أو إنتاج، أو تقدم... بل هو القاعدة التي تبنى عليها الحياة البشرية بأسرها.. كيف لا، والإنسان هو الذي يكتشف دقائق الخلق في الكائنات، ويستخرج دفائن الأرض. وهو الذي ينشئ المصانع، ويوجد الآلات ويديرها. وهو الذي يقوم بعمليات البيع والشراء، وسائر المبادلات التجارية والمالية. ثم هو الذي ينظم العلاقات داخل المجتمع، وبين المجتمعات الأخرى التي يتبادل معها العلاقات الخارجية.. مما يدلُّ على أنه ما من شيء يهمُّ الإنسان إلاَّ وقام على جهده الإنسانيّ، واختلط بعرق جبينه، وأحياناً بدمه ولحمه.
غير أن هذا الإنسانَ ككائنٍ حيٍّ بقي عنصراً مستقلاً بذاته، ولم يكن - على الإطلاق في يوم من الأيام - جزءاً من العوامل، أو الوسائل، أو الأدوات التي تتأتَّى عن عمله وحركته.. فليس هو، في الحقيقة، جزءاً من الأرض مهما عمل فيها - على خلافات نظريات أهل الأرض التي كانت تعتبر الرقيق جزءاً من الأراضي التي يمتلكها الإقطاع أو من هم على شاكلته - ولا جزءاً من المصانع مهما أنشأ منها، ولا جزءاً من معاملات البيع والشراء مهما وسَّعها ونشرها.. لأنه يبقى هو محرِّكها جميعاً، ومدبِّر أمورها جميعاً. وكان هو صاحب الجهد حقّاً، وكان هو الأمثل في القيم المعنوية، وكان هو الباعث لمختلف الثروات الفكرية، والإنجازات المادية، وكان هو موجدها وموصلها إلى أوج علوِّها. وكانت هي جميعاً من نتاج جهده الجسدي والفكري!.
أجل، إنَّ ذلك كله نابعٌ عن الجهد الإنساني الذي يتبلور عملاً نراه، أو نسمعه، أو نحسُّه.. من وراء ألقاب أصحاب الجهود: عمالاً كانوا أو مكتشفين أو مخترعين أو مفكرين أو باحثين أو علماء في مختلف المهارات والمهن.
نعم كل هؤلاء يكشف عنهم هذا الجهد، بقدر ما يكشف عن غيرهم من الفئات المنتجة الأخرى.. وهؤلاء هم الذين يشكلون جميعاً المصدر الحقيقيّ لثروة البلاد التي ينتمون إليها. حتى أن الذين يتنقلون بين دولة وأخرى، ويهاجرون من بلادٍ إلى أخرى ويعملون هنا أو هناك، إنما يساهمون في جزء من تنمية الثروة الإنسانية.
ومن بين المجموعات التي تشكل الجهد البشري أيضاً الفئة التي تسمى الأُجَراء. وقد اعتمدت التشريعات الوضعية مفهوماً للأجير يختلف عن المفهوم الفقهي له. فمثلاً تصنّف بعض الأنظمة والقوانين العاملين في الدولة ومؤسساتها العامة، ما بين موظف دائم ومتعاقد، وما بين أجير دائم ومؤقت، وما بين مستخدم وعامل. بل إن المؤسسات الخاصة على اختلافها تستعمل لفظة المستخدم أو العامل للمشتغلين لديها. ويُميّز بين أولئك جميعاً نوعُ العمل الذي يقومون به، حيث يطلق تعبير الموظف أو المستخدم على من يقوم بعمل عقلي أو فكري أو مكتبي، بينما يطلق تعبير الأجير على من يقوم بعمل جسدي أو يدوي، ويكون عادة برتبة أدنى من رتبة الموظف أو المستخدم. إلاَّ أنه ينطبق عليهم جميعاً مفهوم الأجراء لأن الواحد منهم يشتغل بأجرة، سواء أكان المستأجر فرداً، أو جماعة، أو كانت الدولة نفسها لأن العاملين لديها إنما يتقاضون بدل أتعابهم من خزينتها.
والأجرةُ - في الأصل - المالُ الذي يُعطى مقابل بذل الإنسان الجهد للقيام بعمل ما، سواء أكانت تلك الأجرة نقداً أم عيناً، فجميعها يطلق عليها لفظ المال، باعتباره ما يُتَموَّلُ به، أي أنَّ كل ما ينتفع به من الأشياء والأعيان والمنافع يمكن أن يُسمَّى مالاً. ولذا فإن أي بحث اقتصادي في الأجير إنما يُبنى على معرفة الأساس الذي يقوم عليه تقدير أجرة الأجير، أي كيف نقدِّر الأجرة التي يجب أن يتقاضاها هذا الأجير، وما هي العوامل التي تؤخذ بالاعتبار حتى نقول إن أجرة هذا الأجير مائة، وأجرة غيره ألف، بينما غيرهما قد يستحق أقلَّ من ذلك أو أكثر..
وقد عرّفَ الفُقهاءُ المسلمون الإِجارَة بأنها عَقْدٌ على المنفعةِ بعوَضٍ. فجعلوا العقدَ مسلطاً على المنفعة، وجعلوا العوض مقابل تلك المنفعة، أي جعلوا المنفعة أساساً لتقدير الأجرة. وقالُوا: إنّ التمليك مِن الأجير للمستأجر منفعة، وإنّ التمليك من المُستأجر للأجير مال. وقد استنبطوا ذلك من كتاب الله الكريم في قوله تبارك وتعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطّلاَق: 6]، أي جعل إعطاء الأجور مقابل الإرضاع. والرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) يقول عن الله عزَّ وجلَّ: «ثلاثةٌ أنا خصمُهم يومَ القيامةِ: رجلٌ أعطى بي ثم غدر، ورجلٌ باع حُرّاً فأكل ثمنه، ورجلٌ استأجرَ أجيراً فاستوفى منه ولم يُعطِ أجرَهُ»[*]؛ وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يُستعمل أجيرٌ حتى يعلم ما أُجرته»[*]. فجعل استيفاء المنفعة قائماً على إيفاء الأجر، وبذلك تكونُ المنفعةُ أساساً لتقدير الأجر.
والعَقد في إجارَةِ الأجير إمّا أن يردَ على منفعة العمل من مهاراتٍ وخبرات، كالمنفعة التي يقدّمُها أصحابُ الحِرَف والصنائع مثل الصائغ والنجّار، أو أصحاب المهن كالمهندس والطبيب والمحامي.. وإمّا أن يرد على منفعة الأجير نفسه كالخادم والبستاني. وفي كل حال لا بُدّ أن تكون الأجرة معلومةً، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «ومن كان يؤمنُ بـالله واليومِ الآخرِ فلا يستعملنَّ أجيراً حتى يُعلمَه أجره...»[*]
يتبين لنا مما تقدم أن الجهد الإنساني هو أساس كل شيء في حياة الناس، وعليه نشأت المدنيات، وقامت الحضارات، وما يزال الإنسان هو أغلى وأثمن، وأعلى وأكرم مخلوقٍ في هذا الوجود بفضل عبادتِهِ ربَّهُ أولاً، ومن ثمَّ بفضل جهوده الفكرية والجسدية التي يبذلها في عمارة هذه الأرض.
وبهذه اللمحة عن الجهد الإنساني نكون قد أنهينا الخطوط العريضة الأولى من السياسة الاقتصادية، وهي معالجة المصادر الأربعة التي أتينا على ذكرها.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB