المعاملات والبينات والعقوبات
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1102
تاريخ النشر :   2009




الـتجـارة

التجارة تقوم على عمليات البيع والشراء، وهي مبادلة مال بمال، سواء كانت تجارة داخلية، وهي المبادلات التي تجري في داخل البلاد، وتخضع لسلطات الدولة، أم كانت تجارة خارجية، وهي المبادلات التي تجري مع البلاد الأخرى، وتخضع للقوانين والاتفاقات والمعاهدات التي تحكم العلاقات التجارية بين الدول.
والتجارة الداخلية لا تحتاج إلى بحث أو بيان، فتطبق عليها أحكام البيع التي جاء بها الشرع.
أما التجارة الخارجية فهي التي تحتاج إلى التوضيح، لأن لها أحكاماً خاصة بها، باعتبارها مصدراً أساسيّاً من مصادر الاقتصاد، ولأن زيادة ثروة البلاد من الأعمال التجارية تتأتى من ازدهار التجارة الخارجية. لذلك فإنه حين يجري البحث فيها يجب أن يتبيَّن الأساس الذي تبنى عليه: أهو السلع التي تجري المتاجرة بها، أم هو التاجر مالك السلع؟
إن أصحاب النظام الرأسماليّ، وأصحاب النظام الاشتراكيّ الماركسيّ، جعلوا السلعة أساساً في بحث التجارة الخارجية، ولذلك يعتبرون أن البحث التجاري إنما يقوم على منشأ البضاعة لا على مالكها، وأن العلاقات التجارية إنما تقوم بين الدول على أساس منشأ البضاعة لا على أساس من يملكها.. لكن الإسلام جعلَ التاجرَ أساساً في التجارة الخارجية لا البضاعة، وجعل البضاعة تأخذُ حكمه، لأن البضاعة يجري عليها البيع والشراء، فتطبق عليها أحكام البيع، التي هي أحكام لمالك المال، وليست أحكاماً للمال المملوك. أي هي أحكامٌ للبائع والمشتري وليست أحكاماً لمال هذا أو ذاك، لقوله سبحانه وتعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البَقَرَة: 275]، أي جعله حلالاً للناس. فالحكم إذاً متعلق بالناس لا بالمال، أي هو حكم للبيع الجاري من قبل الناس، لا للبيع الجاري على المال المبيع.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «والبيِّعانِ بالخيار ما لم يتفرَّقا»[*]، فالحكم للبائع والمشتري، فيكون الشرع إذاً قد عالج التجارة الخارجية باعتباره للمالك وليس للمال، أي بغض النظر عن المال. ويكون قد جعل البضاعة تابعة للتاجر، وليس التاجر تابعاً للبضاعة.
والأساس في ذلك كله هو أن التجارة الخارجية إنما تندرج تحت أحكام خاصة، وهي أحكام دار الإسلام ودار الحرب.
أما بالنسبة لأحكام دار الإِسلام، فإن شرعنا اعتبر الرعية للدولة بالتابعية لا بالدين. فمن كان يحمل تابعية الدولة الإسلامية فهو من رعاياها مسلماً كان أم غير مسلمٍ، والدولة مسؤولة عنه، وعن كفايته وحمايته وحماية أمواله وعرضه، وتوفير الأمن والعيش والرفاه والعدل والطمأنينة له، بدون أي فرقٍ بين الرعايا الذين هم رعايا الدولة الإسلامية بالتابعية، والجامع بينهم ليس العقيدة الإسلامية، بل التابعية الإسلامية.
وأما بالنسبة لدار الحرب، فكل من لا يحمل التابعية الإِسلامية هو أجنبي، سواء كان مسلماً أو غير مسلم، ويعامل معاملةَ الحربيِّ حكماً.
وعلى هذا فإن التجَّار الذين يدخلون الدولة أو يخرجون منها يكونون ثلاثة أصناف:
1 - تجار من رعايا الدولة: وهؤلاء لهم الحق بالتجارة في الخارج والداخل، سواء بسواء، لأن معنى آية {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البَقَرَة: 275] عام يشمل كل بيع، إلا في حالتين:
أ - حصول ضرر في الاستيراد والتصدير، وهذا الضرر يؤدي إلى منعهما.
ب - منع الاستيراد والتصدير مع البلاد التي نكون معها في حالة حرب فعلاً كإسرائيل اليوم.
2 - التجارة المعاهدون: وهؤلاء يعاملون في التجارة الخارجية وفقَ نصوص المعاهدة المعقودة معهم. ويستوي في أعمالهم التصدير والاستيراد، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «المسلمون عند شروطهم»[*]، فالمعاهـدةُ في الإسلام عـهـدٌ، والوفاءُ به فرضٌ، وقد قال الله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المَائدة: 1].
3 - التجار الحربيُّون: وهم الذين بيننا وبينهم حرب. وهؤلاء لا يدخلون بلادنا إلا بإذن خاص بعد إعطائهم الأمان. ويجوز أن يُعطى التاجر الحربي، إذا أراد أن يُدخل بضاعة إذناً بإدخال هذه البضاعة. كذلك إذا أراد أن يشحنها بوسيلة من وسائل النقل، فإنه يجوز أن يُعطى إذناً بشحنها. ولا يدخل الحربيُّ ولا مالهُ بلادنا بغير إذاً مطلقاً.
وإذا دخل البلاد فله أن يتاجرَ فيها بأي بضاعة يريدها، وله أن يُخْرجَ من البلاد أية بضاعة يريدها وأي مال يملكه، إلا أن يكون سلعة مهمة يأتي من إخراجها ضرر، فتمنع وحدها ويسمحُ له بغيرها، وبكل مال، وذلك لقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «ذمة المسلمين واحدة فمن أخْفَرَ مسلماً فعليه مثل ذلك[*]»[*].
والمراد بذمة المسلمين أمانُهم وإعطاؤهم الأمان، يعني إباحة الدخول والعمل والتجارة لهم، إلا أن يحدد الحاكم الأمان، أي الإِذن، فيكون حينئذ بحسب ما أذِن، كتحديد الإِقامة أو نوع العمل، وعليهم أن يلتزموا بما حدده الحاكم.
وأما ضريبةُ الجماركِ فلا تؤخذُ من أيّ شخصٍ من رعايا الدولة على أية بضاعة سواء كانت داخليةً أو خارجية، لِمَا رُوي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لا يدخل الجنةَ صاحبُ مكس»[*]، والمكس ضريبة الجمارك خاصة. وقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «إن صاحب المكس في النار»[*] يعني العاشر، والعاشر هو الذي يأخذ العُشر على التجارة التي تأتي من الخارج. وعن عبد الرحمن بن معقل قال: «سألت زياد بن جدير: من كنتم تعشرون؟ قال: ما كنا نعشر مسلماً ولا معاهداً. قلت: من كنتم تعشرون إذاً؟ قال: تجار الحرب،كما كانوا يعشروننا إذا أتيناهم».
والتطبيق العملي لحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) «إن صاحب المكس في النار»[*]، هو ما يعرف اليوم بضريبة الجمارك. والقاعدة في هذه الضريبة هو أنَّ فرضها على الأجنبي جائز وليس واجباً. فيجوز للدولة أن تعفيَ الأجانبَ من الرسوم الجمركية جميعها، أو أن تعفيهم من الرسوم على بضائع معينة دون أخرى، وذلك حسب ما تراه يحقق المصلحة للمسلمين.
تلك هي أحكام التجارة الخارجية في الإسلام، والتي يتبين منها مساواة التجار المسلمين بالتجار المعاهدين، وفرض الإذن على تجار دار الحرب، ومعاملتهم وفقاً لقاعدة «التعامل بالمثل» بحيث يكون للدولة أن تعفِيَهُم من كل الضرائب والرسوم، أو من ضرائب ورسوم معينة على بضائع معينة، وذلك بحسب ما تراه مصلحةً للمسلمين.
الأسواق الخارجية
لا شك أن تصريفَ الإِنتاج هو من أهمِّ الأمور التي تزيدُ ثروةَ البلاد، ولذلك عُنيت الدول قديماً وحديثاً بإيجاد أسواق خارجية لمنتجاتها، لا بل إنَّ بعضَ الدول قامت عظمتُها عن طريق حماية تجارتها الخارجية وفتح الأسواق أمام منتجاتها، وفيه ما يكفي للدلالة على ضرورة وحتمية العمل لإيجاد الأسواق الخارجية التي تستقبل منتجات بلادنا، وتوّفر لها إمكانيات التصريف.
ولكنَّ إيجاد تلك الأسواق ليس الهدف الوحيد، وإنما هو هدفٌ من الأهداف، وبجانبه أهداف أخرى هامة أيضاً، ومنها الحصولُ على العملة الصعبة اللازمة لنا لشراء ما يلزمُ للثورة الصناعية، سواء من الآلات، أو المعدات، أو المواد أو البضائع وما إلى ذلك مما تحتاجه تلك الثورة.
وبناء على هذه المفاهيم، تقومُ سياسة إيجاد الأسواق الخارجية على أساس تجاريّ - صناعيّ، وليس على أساس تجاري بحت.
ولا يكون هنا كبير اهتمام بالميزان التجاريّ مع البلد الذي يكون بيننا وبينه مبادلات تجارية، أي من حيثُ كونه لصالحنا أم ليس لصالحنا. بمعنى أن الاهتمام لا يكون منصباً على جعل صادراتنا لبلد من البلدان معادلةً لوارداتنا منه، بل يجوز أن نجعل الميزان التجاريّ مع هذا البلد لصالحنا، فتكونُ صادراتنا له أكثر من وارداتنا منه، ويجوز أن نجعله لغيرِ صالحنا فتكونُ وارداتنا منه أكثر من صادراتنا إليه، بحيث لا نفعلُ إلاَّ ما نراه في مصلحتنا. لأنَّ المهم في النهاية هو أن تكون سياسةُ التجارةِ الخارجية التي نعتمدها قائمة على أساس تجاريّ - صناعيّ، دون التوقف عند حدود الميزان التجاري بيننا وبين الدول التي نتعامل معها.
وكذلك ليس من المهم جدّاً أن يكون الميزانُ الحسابيّ (ميزان المدفوعات) متعادلاً أو في حالة فائض أو عجز، بمعنى أن ما يخرجُ من ثروة البلاد (من ثمن بضائع، ونفقات تعليم، وتعويضات حملة الدعوة، ونفقات دعاية، ونفقات سفارات، وإعانات خارجية، وغير ذلك...) ليس ضرورياً أن يكون معادلاً لما يدخلها من ثروة، فسياسة الدولة الإسلامية لا تقوم، في آخر المطاف، على أساس تجاريّ، ولا على أساس اقتصاديّ، بل على أساس حمل الرسالة لنشر الهدى بين الناس. وعلى هذا فخروج الأموالِ والأشخاصِ من البلاد، أو دخولها إليها لا يبنى في الأصل، على الاعتبارات الاقتصادية والتجارية، بل يُبنى على العلاقات ما بين الدولة والأشخاص، فإن كان هؤلاء من رعايا الدولة كانت لهم الإباحة المطلقة في تجاراتهم، وإن كانوا من غير رعايا الدولة، فإن أوضاعهم تكون بحسب السياسة الخارجية التي تعتمدها الدولة، ومن هنا لا دخلَ للميزان التجاري ولا للميزان الحسابي في التجارة الخارجية، بل يبنى الأمر فقط على الأساس الأول والأخير وهو مصلحة الدعوة، الذي توضع لخدمته الأسس الأخرى، ولا سيما الأساس التجاريّ - الصناعيّ.
وعندما يتعلق الأمر بإيجاد الأسواق الخارجية للحصول على العملة الصعبة، وعلى ما يلزم للثورة الصناعية، إلى جانب تصريف إنتاج البلاد، فإن علينا تحديد أو اختيار البلدان التي يمكن أن نعقد معها الاتفاقات التجارية، وليس السعي لعقدها مع أي بلد خارجيّ لإيجاد سوق لنا فيه، بصرف النظر عن أوضاعه التي قد توفر لنا الفائدة أو لا توفرها.. لا، ليس هذا المقصود إذ ما الجدوى مثلاً من عقدِ اتفاقيات تجارية مع أسبانيا، أو اليونان، أو قبرصَ، أو أوروغواي، أو ما شابهها من البلدان التي إنْ وُجِدَت فيها أسواق لتصريف بضائعنا، فإنه ليس فيها ما يلزمنا للثورة الصناعية، وليس فيها ما يلزمنا من العملة الصعبة، على اعتبار أن عملاتها لا تشكل الأداة النقدية التي تجري بواسطتها المبادلات التجارية وفقاً لأسعار الأسواق الدولية. مما يعني الابتعاد - قدر الإمكان - عن عقد الاتفاقيات التجارية مع مثل هذه البلدان، والتوجه دائماً نحو البلدان التي فيها تصريف لبضاعتنا، وإمكانية الحصول من مبادلاتنا معها، على العملة الصعبة اللازمة لنا، أو إمكانية الحصول على ما يلزمنا للثورة الصناعية. وعلى هذا يُبحثُ عن بلدان مثل ألمانيا وروسيا وإنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وما شابهها من البلدان التي تكون عملاتها لازمة لنا، وتخدم هدفنا التجاريّ. فالدولار الأميركي واليورو الأوروبي، والين الياباني مثلاً يمكن الحصول بها على البضائع من أي بلد في العالم. وذلك لما تتمتع به هذه العملات من قوة بالنسبة إلى عملات الدول الأخرى.
كما أن في مثل هذه البلدان المتقدمة إمكانية الحصول على ما يلزم لثورتنا الصناعية من مصانع الآلات، وخبراء في الهندسة الثقيلة وعمال فنيين، وفيها إمكانية إرسال أبنائنا إليها لتلقي التعليم اللازم لبلادنا من هندسة وطب وعلوم أخرى على اختلافها.. فهذه البلاد وكلّ البلاد المتقدمة يجب أن تُرسلَ لها الوفود، وتعقد معها الاتفاقيات التجارية، ويُحصرُ الاتصال بها، أو بالأكثر نفعاً لنا منها، حتى لا تضعف السياسة المرسومة.
وما ينبغي ملاحظته هو أن الأساس الذي نسيرُ عليه في تجارتنا يخالف الأسس التي تسير عليها باقي الدول. ولذا لا بد من أن يؤخذ ذلك بعين الاعتبار عند عقد الاتفاقيات. فمثلاً لو عقدنا اتفاقية مع رومانيا على أن نصدر لها ما قيمته عشرة ملايين ليرة، وأن نستورد منها ما قيمته خمسة عشرة مليون ليرة، إن مثل هذه الاتفاقية، وعلى هذا الوجه، لا تنطبق على الأساس الذي نسير عليه وهو رعوية التاجر وليس منشأ البضاعة. فالتجار من رعايانا مباح لهم أن يشتروا من أي بلد يريدون، وقد يجدون أوفر لهم وأربح أن يشتروا من كندا، وعلى هذا تمضي مدة الاتفاقية دون أن نستورد من رومانيا شيئاً. وكذلك الحال مع تجارها، فقد لا يلزمهم من بضاعتنا شيء، وفي الوقت نفسه قد لا يذهب تجارُنا للبيع في رومانيا لوجودِ أسواق غيرها أحسن منها، وحينئذ تمضي مدة الاتفاقية دون أن نصدِّرَ لرومانيا شيئاً، أو نستورد منها شيئاً. وعليه تكونُ الاتفاقية عقدت عبثاً ولا قيمة لها. ولهذا لا تعقدُ الاتفاقيات مع الدولِ على أساس منشأ البضاعة، وإنما تعقد على أساس رعوية الأشخاص ورعوية المال. وطبقاً لهذه القاعدة تعقد الاتفاقية مع رومانيا على أن يسمحَ بدخول رعايانا ودخول أموالهم إلى رومانيا مدة سنة مثلاً، وأن لا تؤخَذَ منهم رسوم جمركية خلال هذه المدة، وأن يسمحَ بدخول رعايا رومانيا ودخول أموالهم مدة سنة إلى بلادنا وأن لا تؤخذ منهم رسوم جمركية خلال هذه المدة. أو أن يسمحَ بدخول مبالغ معينة من أموال رعايانا إلى رومانيا، خلال مدة كذا برسوم جمركية قدرها كذا، وأن يسمح بدخول مبالغ معينة من أموال رعايا رومانيا إلى بلادنا خلال مدة كذا برسوم جمركية قدرها كذا.
على هذا الوجه يجري عقد الاتفاقيات. فتكون الاتفاقية التجارية حنيئذٍ لفتح الطريق أمامَ تجار رعايا الدولة الإسلامية، ولفتح الطريق أمام أموال رعاياها، وليست هي لحركة البضائع فقط.
ثم إنها اتفاقيات لإِباحة التصدير والاستيراد وليست لإِيجاب التصدير والاستيراد. والفرق بينهما هو أن الاتفاق على أساس منشأ البضاعة يحدِّد الكمية التي نستوردها والكمية التي نصدرها، وهذا يستلزمُ الإِيجاب للتصدير والاستيراد. فإذا لم نستورد هذه الكمية أو لم نصدِّر مثلها يحصل نفور بيننا وبين تلك الدولة، وربما أدى ذلك إلى تعكير العلاقات التجارية. ولكن الاتفاق على أساس رعوية التاجر يسمحُ للأشخاص وللأموال بالتنقل بين البلدين، وهذا يعني الإِباحة، فإذا لم يحصل تصديرٌ أو استيرادٌ خلال هذه المدةِ فإنه لا يحصل شيءٌ بين الدولتين يعكّر علاقاتهما لأن الاتفاق إباحة وليس بإيجاب.
هذا هو الأساسُ الذي يجبُ أن تقومَ عليه الاتفاقات التجارية، وهو يتيح فتح الطريق أمامَ تجارنا إلى البلدان التي نجدُ فيها تصريف بضاعتنا والحصول على العملةِ الصعبة وعلى ما يلزمنا للثورة الصناعية.
وفتح الطريق أمام تجارِنا هو الذي يُنَشطُ التجارة الخارجية وليس فتح الطريق أمام بضاعتنا، لأن النشاطَ التجاريّ إنما يقومُ به التجارُ مالكو البضاعة وليس البضاعة وحدها. وصحيح أن فتحَ الطريق أمام البضاعة يوجد لها أسواقاً ولكن هل يوجِدُ الأسواقَ إرسالُ البضاعة فقط، أم تَوَلِّي صاحب البضاعة لها؟
نعم إن البلدان الرأسمالية تُقيم فيها الشركاتُ وكلاءَ عنها من أهل البلاد التي تصدَّر إليها بضائعها فيكون فتح الطريق أمام البضاعة قد أوجد لها أسواقاً من غير حاجة لفتح الطريق أمام التاجر. ولكن هذا فرض نظريّ، فإن الوكيل إذا سلم البضاعة وحده دون مراقبة من صاحبها - كأن يقوم بزيارته وملاحظه العمل بنفسه - لا يتأتى عنه الاطمئنان إلى التجارة، ولهذا لا يمكن أن يحصل ربح تجاري واطمئنان إلى التجارة إلا بمباشرة صاحبها لها.
ونخلص إلى القول بأن القاعدة في الإسلام تقوم في المبادلات التجارية على إيجاد المجالات اللازمة للتجار المسلمين حتى يتمكنوا من تقوية التجارة الخارجية التي من شأنها أنْ تؤمِّنَ مصالحهم، ومصلحة الدولة التي ينتمون إليها بالرعوية.
السَّـمْسَـرةُ
وهي تدخل في الأعمال التجارية. وقد اتَّفق جميع أئمة المذاهب الإسلامية على أن السمسرة في التجارة حلالٌ والعمل فيها مُباح لأنها كعمل الأجير سواء بسواء. وقد قالَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «دعُوا النّاسَ يرزق الله بعضَهم من بعضٍ فإِذا استنصحَ الرجلُ أَخاه فَلْينصح له»[*].
وباستعراض التجارة وأحوالِ البيعِ والشّراءِ نجدُ النّاسَ فيها يرزقُ الله تبارك وتعالى بعضُهُمْ من بعضٍ، فكثيراً ما نجدُ كباراً يقومون بشراءِ بضائع لحساب صغارِ التجّارِ على أن يأخذُوا نسبةً مئوية من قيمة الثمن أو منَ الرّبحِ على ما يشترونَهُ لهم، كواحدٍ في المئة مثلاً - وغالباً ما يكونُ هؤلاءِ من تجارِ الجملةِ - ويسمّونَ ذلك عمولةً أو سمسرةً أو «كومسيوناً». ويجري هذا في البضائعِ كافّةً، كالأقمشةِ والحلوياتِ والورقِ والماكناتِ وما شابَهَ ذلكَ. فعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: «لا بأس بأجر السمسار إنما يشتري للناس يوماً بعد يوم بشيء مسمَّى. إنما هو بمنزلة الأجراء، مثل الأجير»[*].
ويجري التعامل بالسمسرة بينَ الشركاتِ الكبيرةِ وبينَ بائعي الجملةِ، الذين يسمّوْنَ هنا متعهِّدينَ أو وكلاءَ بيعٍ. فيتعهّدُ هؤلاءِ ببيعِ ما تُنتجهُ الشركاتُ ويأخذونَ منها ربحاً معلوماً هو نسبةٌ معيّنةٌ بالمئة على ما يبيعونَ. وتجري بيوعٌ بواسطةِ أشخاص يعملون عند التّاجرِ أو المصنعِ، فيعرضونَ البضاعةَ على النّاسِ ويبيعونها لهمْ. وينفذُ بيعُهمْ ولهمْ منَ التاجرِ أو المصنعِ الذي يعملونَ عندهُ أجرةٌ معيّنةٌ على كل حال، لأنهم يقومون بعمليِة عرضِ البضاعةِ سواءٌ باعُوا أم لم يبيعُوا. ولهمْ أُجرةٌ معينةٌ على كلَّ صفقةِ بيعٍ يجرونها هي نسبةٌ مئويةٌ معينةٌ من الثمنِ الذي يبيعون فيه..
وهكذا تجري وساطةٌ بينَ البائعِ والمشتري في المصانعِ، والشركاتِ، ولدى التجّارِ والزبائنِ في كلِّ شيءٍ. وتجري في الأبنية والعقارات والخضارِ والفواكهِ، كما تجري في القماشِ والحلوياتِ وغيرها. ففي سوق الخضرةِ مثلاً يبيعُ التاجرُ الخضرةَ لحسابِ الفلاحِ لقاءَ عمولةٍ يأخذُها من الفلاّحِ.
وهذهِ الأعمالُ كلُّها سمسرةٌ والقائمونَ بها سماسرةٌ، لأنّ السمسارَ هو القيّمُ بالأمرِ والحافظُ لهُ. ثم استعملَ في الشخصِ الذي يتولى البيعَ والشراءَ.
وقد عرّفَ الفقهاءُ السمسارَ بأنّهُ اسم لمن يعمل للغيرِ بيعاً وشراءً بأجر. وهو يصدُقُ عل الدّلالِ أيضاً، لأنه يعملُ للغير بأجر بيعاً وشراءً، أي لقاء أجر أو نسبةٍ معينة من الثمن يرتضيها الطرفان. وقد سئل الإمام عليِّ الرضا (عليه السلام) «عن الرجل يدلُّ على الدور والضياع - أي قطع الأرض - ويأخذ عليه الأجرة؟. قال: «هذه أجرة لا بأس بها».
كما أن الإمام الصادق (عليه السلام) سأله عبد الله بن سنان: «ربما أَمَرْنا الرجلَ يشتري لنا الأرض أو الدوابَّ أو الغلام أو الخادم، ونجعل له جعلاً؟. فقال: لا بأس به».
فالسمسرةُ والدلالةُ حلالٌ شرعاً، وتعتبرُ من الأعمالِ التجاريةِ. فقد روى قيسُ بنُ أبي غرزةَ الكنانيُّ قال: كنا نبتاعُ الأوساقَ في المدينةِ ونسمّي أنفسَنا سماسرة فخرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، فسمّانا باسمٍ هو أحسنُ من اسمنا قالَ: «يا معشرَ التّجار، إن البيعَ يحضرُهُ اللغو والحلفُ فشوبوه بالصدقةِ» ومعناهُ أنّه قد يبالغُ أحدهم في وصفِ سلعتهِ حتى يتكلمَ بما هو لغوٌ أي زيادة عما يجبُ من القولِ، وقد يجازفُ في الحلفِ لترويجِ سلعتهِ، فيندبُ إلى الصدقةِ ليمحوَ ذلكَ، وهذا دليلٌ على أنّ السمسرةَ حلالٌ شرعاً.
إلا أنه لا بد من أن يكونَ العملُ الذي استؤجرَ عليهِ للبيع والشراءِ معلوماً. إما بالسلعةِ وإما بالمدةِ، وأن يكونَ الربحُ أو العمولةُ أو الأجرةُ معلومةً.
وعلى ذلك فالسمسرةُ بمعناها المعروف بينَ التجار وبينَ الناس منذ عهدِ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) حتى اليوم يعتبرُ كسبُ أصحابها من الكسبِ الحلالَ.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB