المعاملات والبينات والعقوبات
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1102
تاريخ النشر :   2009




المُغـارسـة

تعريف المغارسة:
المغارسة هي تسليم المالك أرضَهُ إلى رجلٍ آخر ليغرسها من عنده والشجر بينهما[*].
حكم المغارسـة:
لقد اختلف الفقهاء حول المغارسة التي يقسم فيها الشجر إلى نصفين بين المالك، والعامل، فأجازها المالكية ومنعها الأئمة الآخرون.
- قال الشيعة الإمامية: المغارسة هي أن يتفق اثنان، على أن تكون الأرض ملك أحدهما فيدفعها إلى الآخر، ليغرس فيها نوعاً من الشجر على أن يكون بينهما. وهي باطلة سواء جعل للغارس جزءاً من الأرض، أو لم يجعل له شيئاً منها، لأن الأصل الفساد. وقد ورد في ذلك أخبار، منها أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «لا تُقبل الأرض بحنطةٍ مسمَّاة، ولكن بالنِّصف، والثُّلث، والرُّبع، والخُمس لا بأس به»[*] وسُئل (عليه السلام) «عن الرجل يُزارِعُ فيزرع أرض آخر فيشترط للبذر ثُلثاً، وللبقر ثُلثاً؟ قال: لا ينبغي أن يسميَ بذراً ولا بقراً، فإنما يحرَّم الكلام. وقال: ولكنْ يقول ازرع فيها كذا وكذا، إن شئت نصفاً وإن شئت ثلثاً»[*].
ولكن بعض فقهاء الإمامية أجاز صحة المغارسة، استناداً إلى العمومات الموجبة لهذه الصحة وهي: «تجارة عن تراضٍ» و«المؤمنون عند شروطهم». وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لمَّا فتح خيبر تركها في أيديهم على النّصف»[*].
- وقال الحنفية[*]: من أعطى أرضاً بيضاء (أي لا شجر فيها ولا زرع) إلى شخص آخر ليغرس فيها شجراً، خلال مدة من الزمن، على أن تكون الأرض والشجر بين المالك والغارس نصفين لم يجز لثلاثة أسباب:
أولها:لاشتراط الشركة فيما كان موجوداً قبل الشراكة، وهو الأرض، لا بعمل العامل.
ثانيها: أن جعل نصف الأرض عوضٌ عن الأغراس، ونصف الخارج عوضٌ عن عمل العامل، يجعل العامل مشترياً نصف الأرض بالغراس المجهول المعدوم عند العقد، مما يفسد العقد، كما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة.
ثالثها: أن المالك استأجر أجيراً ليجعل أرضه بستاناً مشجراً بآلات الأجير، على أن يكون له نصف البستان الذي يظهر بعمله، وهو مفسد للعقد، لأنها إجارة بأجر مجهول وغرر.
- وقال المالكية: المغارسة هي أن يغرس العامل الأرض على أن يكون له نصيب من الشجر والثمر ومن الأرض، وهي تصح بخمسة شروط:
1 - أن يغرس العامل أشجاراً ثابتة الأصول.
2 - أن تتفق أصناف الشجر، أو تتقارب في مدة إطعامها، فإن اختلفت اختلافاً بيّناً، لم يجز.
3 - ألا يكون أجلها إلى سنين كثيرة، فإن حدَّد لها أجلاً إلى ما فوق الإطعام لم يجز، وإن كان دون الإطعام جاز.
4 - أن يكون للعامل حظه من الأرض والشجر، فإن كان حظه من أحدهما فقط لم يجز، إلا إذا جعل له المالك مع الشجر مواضعها على الأرض، دون سائر الأرض.
5 - ألا تكون المغارسة في أرض محبسة (موقوفة)، لأن المغارسة كالبيع.
وإذا وقعت المغارسة فاسدة، فلصاحب الأرض الخيار بين أن يعطي المستأجر قيمة الغرس، أو يأمره بقلعه.
- وقال الشافعية[*]: لا تصح المغارسة، إذ لا يجوز العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها، ولأن الغرس ليس من عمل المساقاة، فضمه إليها يفسده، ويمكن للمالك أن يحقق ما يريد عن طريق الإجارة.
- وقال الحنبلية[*] إن دفع المالك للعامل على أنَّ الأرضَ والشجر بينهما، فالمعاملة فاسدة لسبب واحد وهو أنه شرط اشتراكهما في الأصل (الأرض والشجر) ففسد؛ كما لو دفع إليه الشجر أو النخل ليكون الأصل والثمرة بينهما، أو شرط في المزارعة كون الأرض والزرع بينهما، وحينئذٍ يكون للعامل أجر المثل.
لكن إن سَاقَاهُ على شجرٍ يغرسه، ويعملُ فيه حتى يحمل، ويكون للعامل جزء من الثمرة معلوم، صح، لأنه ليس فيه أكثر من أن عمل العامل يكثر، ونصيبه يقلّ.
ونحن نأخذ بالآراء التي تقول بجواز وصحة المغارسة للأسباب التالية:
أولاً: لما رواه ابن عمر قال: «عامل النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أهلَ خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع»[*]. وقد روى ذلك أيضاً ابن عباس وجابر ابن عبد الله. وهو متفق عليه.
وثانياً: إذا كان التراضي متحققاً من الطرفين، والشروط سائغة، وغير مجهولة، وما دام أن أصل الصحة والجواز إنما هو محكوم بالعمومات. وعلى افتراض عدم صحة المعاملة على أساس المغارسة، فإنها تصحُّ صلحاً، وإن لم تكن من العقود المسماة. وذلك أن يجعل نصف الغرس، وسقيه وخدمته مدة معينة لقاء جزء من الأرض، أو لقاء منفعتها أمداً معيَّناً. كما تصح إجارة وفقاً للشروط التي تتحقق فيها الإجارة.
وثالثاً: أنه يمكن التوصل بعد بطلان المغارسة، كما قال بعض الفقهاء،إلى نتيجتها وذلك بإدخالها تحت عنوان آخر مشروع، كأن يشترك المالكُ والعاملُ في الأصول.. ثم يؤجر الغارسُ نفسه لغرس حصة صاحب الأرض، وسقيها، وخدمتها مدةً معينة، بنصف منفعة الأرض في تلك المدة، أو نصف عينها.. إلى غير ذلك من الطرق السائغة شرعاً. وقد أجاز الحنفية أن تكون المغارسة على الاشتراك في الشجر والثمر، دون الأرض.
وما يقال عن صحة المغارسة، فمن باب أولى أن يصح في المزارعة، لأنها لا تؤدّي إلى تملك جزء من الأرض، في أي حال من الأحوال، باعتبار أن هذا التملكَ يأتي عن معاملة الأرض بغرس الشجر ونمائه خلال مدة معينة من الزمن، بحيث ينتفع بالتالي مالكُ الأرض الأصليّ والغارسُ بحسب النسبة التي يتفقان عليها.
المسـاقـاة
تعريف المساقاة:
المساقاة في اللغة مشتقة من السقي، وهي استعمال شخص في نخيل أو كروم أو أي شجر لإصلاحها على سهم معلوم من غلتها. فهي إذاً نوعٌ من الشركة في نماء الشجر يتعاقد عليها المالك والعامل بحصةٍ شائعةٍ من نماء الأصول.
وقد عرّفها الفقهاء بأنها: «معاملة على أصول ثابتة بحصة من نمائها» والمقصود بالأصول الثابتة: الشجر وما في حكمه، وبذلك تخرج - كما ورد في التعريف - «المزارعة» لأنها معاملة على الزرع، وتخرج منها الخضراوات لأنها ملحقة بالزرع. وتخرج بـ «حصة شائعة من نماء الأصول» الاجارة، لأنها تكون بأجرة معلومة. كما يخرج الشجر الذي لا نماء له كالصفصاف. ولكن يدخل في المساقاة ما ينتفع بورقه كالتوت والحنّاء. فالمعيار لما تصح عليه المساقاة هو الانتفاع بثمره أو ورقه مع بقاء أصله.
شرعية المساقاة:
المساقاةُ مشروعةٌ وإن لم يرد ذكرها في الكتاب الكريم، ولكنه اشتُق من عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم). فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «أعطى رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) خيبر حين أتوه، فأعطاهم إياها على أن يعمروها ولهم النِّصف مما أخرجت»[*] وإعمار خيبر لا بد له من الخدمة والسقي وغيره. وعنه (عليه السلام) أيضاً (في حديث): «سألته عن رجل يُعطي الرجل أرضه وفيها ماءٌ أو نخلٌ أو فاكهةٌ، ويقول: اسقِ هذا من الماء وَاعْمُرْهُ ولك نصفُ ما أخرج الله عزَّ وجلَّ؟ فقال (عليه السلام): «لا بأس»[*].
وهكذا استخرج الفقهاء أحكامها الشرعية وسمَّوها بالمساقاة لأنها مشاركةٌ على النفع، ولأن الشجر تكثر حاجته إلى الماء والسقي. هذا مع الإشارة بأن المعاملة تصح على البعل من الشجر، كما تصح على السقي منه لأنها إعمارٌ للأرض وإصلاحٌ للشجر، وقد تقتضي السقي مرةً، والعمل الذي يحتاجه الشجر لحمل الثمار ونضجها مرةً ثانيةً كالتقليم، والتطعيم، وحرث الأرض، وتنقيتها من الأعشاب الضارة، وما إلى ذلك..
شروط المساقاة:
- قال الشيعة الإمامية: يعتبر في المساقاة:
1 - الإيجاب من المالك، والقبول من العامل، بكل ما دل عليهما من قول أو فعل. والصيغة هذه من الأركان.
2 - أهلية المتعاقدين للمعاملات المالية.
3 - أن تكون الأصول، وهي الشجر، معلومة عند الطرفين، وكذا الأعمال المطلوبة من العامل بحيث يتوجب ذكرها وتعيينها في العقد. فإن لم تذكر حملت المعاملة على المعهود عند العرف، فإن لم يكن عرف يعين ما هو المطلوب من العامل، بطلت المعاملة بسبب الجهل.
4 - أن ينتفع بثمرها مع بقاء أصولها، كالنخل وكروم العنب، أو بورقها كالتوت. أما الزروع من البطيخ والباذنجان وقصب السكر وغيرها فلا تدخل في المساقاة. ولكن يجوز للمالك أن يتفق مع العامل على سقيها وخدمتها لقاء حصة معينة من ناتجها، حيث تنطبق عليها «تجارة عن تراض».
5 - تعيين المدة، ولا تحدد عادة بحد أقصى، فقد تكون لسنوات عديدة. أما حدّها الأدنى فلا يقل عن المدة التي تتسع لحصول الثمر.. ويختلف ذلك باختلاف أنواع الأشجار. فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) «عن الأرض يأخذها الرجلُ من صاحبها فيعمرها سنتين، ويردُّها إلى صاحبها عامرة، وله ما أكلَ منها؟ قال: لا بأس»[*]. فإذا حددت مدة لا تتسع لحصول الثمر فسدت المساقاة، وكان للعامل أجرة المثل عما عمل. وإذا قام العامل بكل ما طلب منه، ولم يثمر الشجر بسبب آفة سماوية، فلا شيء له، لأنه تماماً كالمضارب الخاسر. وإذا ظهرت الثمار قبل المدة المحددة، ثم انتهت قبل النضوج، فالعامل شريك فيها، لأن سبب الشركة وجود الثمرة لا نضوجها.
6 - أن تجري المساقاة قبل نضوج الثمرة، لأنه بعد النضوج لا يبقى موضوع للمساقاة.
هذا ويعتبر الشيعة الإمامية أن عقد المساقاة من العقود اللازمة، فلا يجوز لأحد الطرفين فسخه إلا برضا الآخر لعموم الآية: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المَائدة: 1]. وإذا مات أحد المتعاقدين فيمكن أن يحل وريثه محله. ولكن إذا اشترط المالك على العامل قبل المباشرة أن يتولى العمل بنفسه، ومات العامل قبل انتهاء العمل، فالمالك له الخيار بين فسخ العقد، أو الرضا بمتابعة الورثة العمل محله.
وفيما يتعلقُ بفساد المساقاة، يقول الشيعة الإمامية:
- كل موضع تفسد فيه المساقاة فلعامِل المساقاة أجرة المثل، والثمرةُ لصاحب الشجر لأن النماءَ تابع له.. وذلك من غير فرقٍ بين أن يكونَ العامل عالماً بفساد المعاملة حين وقوعها، أو جاهلاً، حتى ولو كان فسادها ناشئاً من اشتراط كون النماء بكامله للمالك.
- وإذا ظهر أن الشجرَ مستحقٌّ للغير، فإن أجاز هذا المعاملة، التي أجراها الغاصب مع العامل صحّت المساقاة، وعُمِلَ بموجبها. وإن لم يُجزِ الغيرُ (المالك) المعاملةَ بطلت المساقاة، وكان الناتج بكامله له، لأن النماءَ يتبع الأصل. وعلى الغاصب الذي أجرى المعاملةَ مع العامل أن يدفعَ له أجرةَ عمله، لأنه هو الذي استدعاه للعمل، وغرَّر به. ولا سبيلَ للعامل على المالك، لأنه لم يأمرْهُ، ولم يأذنْ له بالعمل في ملكه.
- وإذا أهمل العاملُ، أي إذا أخلَّ بما يلزمه القيامُ به من أعمال، لعذرٍ أو لغير عذر، يُخيَّر المالك بين فسخ العقد لتخلّف الشرط، وبين أن يستأجرَ عنه من حصته، ويُشهد على الاستئجار دفعاً للتنازع والتخاصم.
وفي حال قام المالك بفسخ العقد، بسبب إهمال العامل واجباته، فعليه أن يدفعَ له أجرة المثل، بمقدار ما عمل. ويكون هذا إذا حصل الفسخُ قبل ظهور الثمرة. أما بعد ظهورها، فإن للعامل حصتَهُ من الثمرة، وعليه للمالك أجرةُ بقائها على أصولها إلى زمن البلوغ والنضوج.
- وإذا احتاج الشجرُ إلى السقي، وأنزل الله تعالى المطرَ بحيث استغني به، سقط السقيُ عن العامل، وبقيت المساقاة على صحتها ولزومها. وذلك لأن المقصودَ من المساقاة - أو المزارعة - حصولُ الناتج مع الحاجة إلى العمل الذي يقوم به العامل. فإن استُغني عن عمله برحمةٍ من الله تعالى، أو بفعل الغير، يسقطُ العمل عن العامل، ويستحقّ الحصة.
- وقال الحنفية[*]: المساقاةُ، وتسمى المعاملة، تصحّ في كل نباتٍ يبقى في الأرض سنةً فأكثر. فتصح في الشجر الكبير المثمر كالنخل، وفي غير المثمر كالصفصاف بشرط أن يكونَ بحاجة إلى السقي والحفظ. كما تصحّ في الزرع سواء كان من الخضراوات كالكراث والجرجير والسلق، أو من القثاء كالبطيخ والشمام والباذنجان ونحوها.
وركن المساقاة عند الحنفية: الإيجاب والقبول.
أما ما يشترطون فيها فأمور، ومنها:
- أن يكونُ العاقدان عاقلين ولو لم يكونا بالغين.
- إذا تعاقدا على شجر مثمر وجب أن يزيدَ العملُ بثمره. أما إذا كان الثمر قد استوى وأصبح صالحاً للجني، ولكنْ ينقصه أن يكون رطباً فلا تصح مساقاته.
- أن يكون الخارج من الثمر للمتعاقدين وليس لأحدهما فقط.
- أن تكون حصة كلٍّ منهما معلومةً كالثلث أو الربع أو نحوهما.
- التسليمُ للعامل، بأن يخليَ المالك بينه وبين الشجر. فلو اشترط أن يكون العملُ على الطرفين فسد العقد.
- لا يُشترطُ في صحة المساقاة بيانُ المدة، فإذا تعاقدا بدون بيان مدة، فإن العقد يصحّ، ويقع على أول ثمرة تخرج بعد العقد.
ومن الشروطِ المفسدةِ لعقد المساقاة عند الحنفية:
- كونُ الخارج كلّه لأحدهما دون الآخر.
- شرطُ العمل على صاحب الأرض أو عليهما معاً.
- أن يشترطَ على أحدهما حمل الثمر وحفظه بعد قسمته.
- أن يشترطَ بأن يكون قطعُ الثمر أو قطفه على العامل وحده. أو أن يشترط على عمل تبقى منفعته بعد انتهاء العقد، كالاشتراط على بناء حائط أو غرس أشجار أو غير ذلك.
ويرى الحنفية أن عقدَ المساقاة لازمٌ من الجانبين. فلا يصح لأحدهما فسخه من غير رضا الآخر إلا لعذر، كمرض العامل، أو ظهور أنه سارق. ويفسخُ العقدُ بموت المتعاقدين أو أحدهما، وبانقضاء المدة. وحكمُ المساقاة الفاسدة أن الخارج يكون كله للمالك، وأن للعامل أجرَ مثله سواء أخرج الشجر ثمراً، أو لا.
- وقال المالكية[*]: ما ينبت في الأرض ينقسم إلى خمسة أقسام:
القسم الأول: أن يكون له أصلٌ ثابتٌ وله ثمر كالنخل، وشجر العنب، والتين والزيتون والبرتقال المانجو والجوافي ونحو ذلك. وهذا يشترط لصحة المساقاة عليه شرطان:
الشرط الأول: أن يكون الشجرُ قد مضى على غرسه زمنٌ حتى صار صالحاً لأن يثمرَ في عامه الذي وقع عليه العقد. أما إذا كان الشجر صغيراً فلا يصح عليه عقد المساقاة.
الشرط الثاني: أن يكون الثمرُ على الشجر وقت العقد صغيراً لم يظهر صلاحه. وظهور الصلاح في كل شيء بحسبه: ففي البلح باحمراره أو اصفراره، وفي غيره بظهور الحلاوة فيه. فإذا ظهر صلاحه لا مساقاة عليه لأنه لا يحتاج إلى خدمة.
القسم الثاني: وهو ما له أصلٌ ثابت وليس له ثمرٌ يجنى كالإثل والصفصاف ونحو ذلك، وهذا لا تصحّ عليه المساقاة.
القسم الثالث: وهو ما له أصلٌ غير ثابت وله ثمر يجنى كالموز والقثاء (من بطيخ وبعجور ونحو ذلك)، والخضار (كالباميا والبندورة والباذنجان ونحوه)، وكذلك الخضار الرطبة مثل التي تقلع من جذورها كالبصل والثوم والفجل بدون خلفة، أو تلك التي تقلع ولها خلفة كالكزبرة والبقدونس والبرسيم.. وهذه كلها لا تصح المساقاةُ عليها إلا بخمسة شروط:
الأول: أن يكون مما لا يخلف بعد قطعه أو قلعه، فتصح المساقاة في البصل والخس والجزر. وكل ما يُقلعُ من أصوله ولا يترك أصله حتى ينبت ثانية كالبرسيم والكراث والبقل ونحوها فإنه لا تصح المساقاةُ عليه.
الثاني: أن يعجز صاحبه عن تمام سقيه وخدمته، فإن أمكنه أن يخدمَ مقثأته وبصله وفجله فلا يصح أن يتعاقد عليه.
الثالث: أن يخافَ موته إذا لم يتعاقد مع غيره على سقيه.
الرابع: أن يكونَ قد برز من الأرض ليكون شبيهاً بالشجر.
الخامس: أن لا يكون صلاحه قد ظهر.
فإن لم تتحقق تلك الشروط في هذا القسم فإنه لا تصح المساقاة عليه.
القسم الرابع: وهو ما له أصلٌ غيرُ ثابت ولكن له زهر وورق يُنتفعُ به كالورد والياسمين ونحو ذلك، فإنه لا يشترط فيه عجز صاحبه عن سقيه ولكن تطبق عليه الشروط المتعلقة بالشجر.
وفي جميع تلك الأقسام أو الأنواع من الشجر أو الزروع لا يشترط في المساقاة أن يكون النباتُ محتاجاً للسقي. بل المهمُّ أن يكون محتاجاً للخدمة كالتنقية والحراسة وخدمة الأرض، مما يؤدي إلى صحة المساقاة على النبات المسقيّ والبعل.
وكذلك لا يشترط في المساقاة أن تكونَ بجزء الثمرة. بل تصحّ بجزء الثمرة وبجميعها، كما لو اشترط العامل أن يكون الثمر كله له مقابل خدمته، وكذلك إذا اشترط المالك ذلك. أو أن يكون نصيبُ كلٍّ من المتعاقدين حصة معينةً كالربع أو الثلث، وأن يكون شائعاً في جميع الشجر.
وعند المالكية: فإنَّ من المفسدةِ للمساقاة:
- أن يشترط المالكُ إخراجَ الخدم أو الدواب الموجودة في البستان حين التعاقد، وكذلك إذا أخرجها قبل التعاقد.
- أن يشترط تجديد شيء في البستان لم يكن موجوداً حين العقد كبناء حائط أو غرس شجر.
- أن يشترط أحدهما على الآخر القيامَ بعملٍ خارجٍ عن خدمة الشجر، كأن يشترط أحدهما على الآخر القيامَ بخدمة بيته أو طحن غلته أو نحو ذلك.
وأركانُ المساقاة، عندهم أربعة: الأول ما يجري عليه العقد من شجر وعامل ومال. الثاني: الشروط المتعلقة بالعامل. الثالث: الشروط المتعلقة بالعمل. الرابع: ما تنعقد به من الصيغة. وهي تنعقد بلفظ «ساقيت» أو «عاملت» وهو الأرجح.
- وقال الشافعية[*]: المساقاةُ هي أن يعامل شخصٌ يملك نخلاً أو عنباً، شخصاً آخر على أن يباشر ثانيهما النخل أو العنب بالسقي والتربية والحفظ ونحو ذلك، وله مقابل عمله جزءٌ معينٌ من الثمر الذي يخرج منه. وللوليّ أن ينوب عن المالك القاصر في ذلك.
وأركانُ المساقاة عندهم خمسة:
الركن الأول: الصيغة وهي تارةً تكون صريحة كلفظ: ساقيت وعاملت، وفي هذه الحالة يقع العقد صريحاً لازماً. وقد تكون تارةً أخرى كنايةً كما لو قال له: تعهد هذا النخل أو اعمل فيه. ففي هذه الحالة يمكن أن يقول: قصدت بها الإجارة، فيفسد العقد حينئذٍ لأن الإجارة لا تصح بجزء من الخارج.
الركن الثاني: العاقدان وهما المالك والعامل. ويشترط أن يكونا أهلاً للتعاقد، فلا تصحّ من مجنون وصبيّ.
الركن الثالث: مورد العمل وهو النخل أو العنب، إذ لا تتحقق المساقاةُ إلا بوجودهما.
ومذهب الشافعية المعمولُ به الآن: أن المساقاةَ لا تصحّ إلا في النخل والعنب بخصوصه. وإذا ساقى أحدهم على نخل في بستان فيه شجر آخر مع النخل كالبرتقال أو غيره، فإن المساقاة تصحّ بالشروط المتعلقة بالمزارعة. ولكنها لا تصح على الشجر غير المثمر كالسرو سواء كان موجوداً في البستان مع النخل، أو كان منفرداً.
ويشترط لصحة المساقاة أن يكون النخلُ أو العنب (والشجر التابع) معيناً، مرئياً. ولا تصح المساقاةُ على أن يغرس العامل نخلاً ابتداء على أن يكون له نصفُه أو ثلثُه أو نحو ذلك، لأن الغرس ليس من عمل المساقاة. فإذا فعل ذلك فسد العقدُ وللعامل أجر مثله.
وإذا ساقاه على نخلٍ صغير (ويسمى فسيلاً) بأن يتعهد سقيَه وتربيتَه بجزء من ثمره، لا منه، فإن ذلك يشمل ثلاثَ صور:
الأولى: أن يقدرا مدةً يثمر فيها النخل غالباً، وفي هذه الحالة يكون العقد صحيحاً.
الثانية: أن يقدرا مدةً لا يثمر فيها النخل غالباً،وفي هذه الحالة يقع العقد فاسداً بلا نزاع، وللعامل أجرُ عمله.
الثالثة: أن يقدرا مدةً يحتمل أن يثمر خلالها، ويحتمل أن لا يثمر. فعند البعض من فقهاء الشافعية: يفسد العقد، على أن يستحق العامل الأجرة، وعند البعض الآخر: يصح العقد..
الركن الرابع: العمل، إذ لا تتحقق المساقاة بدون عمل فالعاملُ مكلّف بأن يقوم بكل الأعمال اللازمة لإصلاح الثمر ونمائه من سقيٍ وحفظٍ وتنقيةِ حشائشَ ضارةٍ، وتنظيفِ مجاري الماء، وقطعِ الفروع اليابسة التي تضر بالشجر، وتلقيحِ النخل... ولا يشترط أن تبين هذه الأعمالُ في صيغة العقد، بل يُلزم بها العامل في كل حال. ولذلك يشترط في العمل ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون مقدراً بمدة، كالسنة أو أقلّ أو أكثر، وإلا فسد العقد.
ثانيها: أن ينفرد العامل بالعمل، فإذا اشترط مشاركةَ المالك فسد العقد.
ثالثها: أن ينفرد العامل أيضاً بوضع اليد، فإن اشترط المالك المشاركةَ فسد أيضاً، لأنه لا يكون حراً في العمل.
الركن الخامس: الثمر، ويشترط له عدةُ شروط:
أحدهما: أن يكونَ مختصاً بالمالك والعامل معاً، دون غيرهما.
ثانيهما: أن يكون نصيبُ كلّ منهما معيناً كالنصف أو الثلث أو نحوهما.
ثالثها: أن لا يكون الثمر قد ظهر صلاحه، لأن المساقاة لا تصح على الثمر الذي ظهر صلاحه.
وتفسدُ المساقاةُ بشرط أن يكون للعامل شيءٌ من الشجر كالجريد ونحوه مما يختص به المالك.
وعقدُ المساقاة عند الشافعية عقدٌ لازمٌ لا يصح لأحد الشريكين فسخه. فإذا امتنع العامل عن العمل لعذر أو لغيره، فللمالك أن يرفع الأمر إلى الحاكم ليُلزمه.
- وقال الحنبلية[*]: المساقاةُ تشمل أمرين:
أحدهما: أن يدفعَ المالكُ أرضاً مغروسةً نخلاً أو شجراً له ثمرٌ مأكولٌ بجزءٍ معلوم من ثمرته كنصفها أو ثلثها.
ثانيها: أن يدفع له أرضاً وشجراً غيرَ مغروسٍ ليغرسه، ويعملَ عليه، بجزءٍ معلوم منه أو من ثمره.
وشروط صحة عقد المساقاة عندهم هي:
1 - أن يكون الشجر له ثمرٌ مأكول. فلا تصح على الأشجار غير المثمرة كالحور والكافور والصفصاف، أو التي لها ثمرة لا تؤكل كالورد والياسمين.
2 - أن يكون الشجر له ساق، فلا تصح المساقاةُ على الزرع الذي ليس له ساقٌ كالخضار والقطن والبطيخ...
3 - أن يكونَ نصيبُ كلّ منهما معيناً بجرءٍ مشاعٍ كالنصف أو الثلث أو الربع أو نحو ذلك، حتى لو جعل المالك للعامل جزءاً من ألف جزء جاز، لأنه لا يلزم التساوي في الأنصبة.
4 - أن يكونَ الشجر الذي يقع عليه العقد معلوماً للمالك والعامل بالرؤية أو الصفة التي لا يختلف الشجر معها، فإذا ساقاه على أحد هذين البستانين، ولم يعين واحداً منهما، فإنه لا يصح.
5 - أن لا يشترط للعامل ثمرَ شجرٍ مخصوصٍ من بين الأشجار، كما لو كان في البستان شجرُ برتقالٍ وتينٍ وتفاحٍ فاختص العامل بشجر التين مثلاً، فإنه لا يصح، وكذلك إذا اشترط له ثمرَ سنةٍ غير السنة التي ساقاه على ثمرتها.
وركنُ المساقاة، عندهم، الإيجابُ والقبول. وتنعقدُ بلفظ المساقاة والمعاملة والمفالحة، ويصحّ القبولُ بأيّ شيءٍ يدل عليه من قول أو فعل، فشروع العامل في العمل قبول. وتصحّ المساقاةُ أيضاً بلفظ الإجازة. وتصحّ على الشجر الصغير الذي لم يبلغ حد الإثمار بجزءٍ من ثمرته بشرط أن تكون مدةُ المساقاة كافية لأن يثمرَ فيها الشجر غالباً.
والمساقاةُ عند الحنبلية عقدٌ غيرُ لازم كالمزارعة. ولكلّ من العاقدين فسخه في أيّ وقت. فإذا فسخ العامل بعد ظهور الثمرة فهي بينهما على ما شرطاه عند العقد. إلا أن فسح العقد في هذه الحالة لا يرفع عنه لزوم العمل. فإن مات قام وارثُه مقامه في ملك الثمرة وفي إلزامه بالعمل. وله أن يبيعَ نصيبه لمن يقوم مقامه بالعمل. ولا يُشترط توقيتُ المساقاة بمدةٍ لأنها عقدٌ غير لازم، عينت مدةٌ للمساقاة ولم يثمر الشجر فيها فلا شيءَ للعامل.
بعض الأمور المتفرعة عن المساقاة:
1 - الضريبة: فلا يتحملُ العاملُ شيئاً من الضريبة المفروضة على الشجر، إلا مع الشرط.
2 - اتحاد المالك والعامل: يجوز اتحادُ المالك مع تعدد العامل. وكذلك يجوز تعدد المالك مع اتحاد العامل، كما لو كان البستانُ لأكثرَ من واحدٍ، وساقى أصحابه عاملاً واحداً للقيام بالعمل.
3 - استئجار الغير: يجوز للعامل أن يستأجرَ غيره للعمل المطلوب منه، إذا لم يشترط عليه المباشرة بنفسه. ولكن لا يجوز له أن يساقيَ غيره، مع عدم اشتراط المباشرة، لأن من شروط المساقاة أن يكون الذي يجري المعاملة مع العامل مالكاً للشجر، أو وكيله الشرعيّ. ولا يمكن الاستدلالُ على صحة مغارسة العامل مع غيره بالقواعد العاملة مثل: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المَائدة: 1]، أو {تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} [النِّسَاء: 29]، أو «المؤمنون عند شروطهم» لأن هذه القواعدَ مختصةٌ بالأصيل أو الوكيل أو الوليّ، ولا تشمل الأجنبيَّ عن العقد.
التنازع في بعض مسائل المساقاة:
1 - إذا اختلف المالكُ والعاملُ في صحة العقد، أو فساده، فعلى مدّعي الفساد البيّنةُ، لأن الأصلَ صحةُ العقد حتى يثبتَ العكس.
2 - وإذا اختلفا في مقدار حصة العامل، فقال العاملُ: هي النصف، وقال المالكُ: بل الثلث، فالقولُ قولُ المالك، لأن الأصلَ تبعية النماء للملك.
3 - إذا اختلفا في أن المساقاةَ وقعت لسنةٍ أو أكثر، فالقولُ قولُ من ينفي الزيادة، لأن الأصل عدمها.
4 - إذا ادّعى المالك على العامل التفريطَ، أو التعدي، وأنكر هذا فالقولُ قوله بيمينه، لأنه منكرٌ بموافقة قوله للأصل، سواء أكان أميناً أو لم يكن.
وإذا ادّعى المالكُ على العامل الخيانةَ والاختلاسَ، فعليه البيّنة وعلى العامل اليمين لأنه مُنكرِ.
السياسة الزراعية
السياسة الزراعية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأرض، لأنها تتلخَّص بكيفية استعمال الأراضي الزراعية واستغلالها وفق تخطيط هادفٍ لتحقيق الإنتاج الأفضل، وهذا هو مدارها الذي يكشف فيما بعد عن نجاح تلك السياسة أو فشلها. وإن كلَّ بلدٍ في العالم يحتاج إلى استغلال موارده الزراعية بما يتلاءم مع ظروفه (التربة، والماء، والمناخ...) لكي يستطيع تلبية حاجات المواطنين ورغباتهم، ومن ثم العمل على تصدير ما يفيض عن تلك الحاجات إلى الأسواق الخارجية.
والسياسة الزراعية تقوم، في الأصل، على تحقيق زيادة الإنتاج. وتسلك من أجل ذلك طريقين:
أحدهما: طريق التعميق أي العمل على زيادة إنتاج الأرض.
ثانيهما: طريق التوسيع أي العمل على زيادة المساحات المزروعة.
أما التعميق فيحصل باستعمال الطرق والأساليب الزراعية الحديثة: كاستخدام الآلات الحديثة، والأسمدة الكيمياوية، وتأصيل البذار، ومعالجة الأمراض التي تصيب الأشجار والزروع، والاهتمام بتربية الماشية وفق طرق حديثة ابتكارية. والدولة، في هذا المجال، ملزمة بتقديم الأموال اللازمة، هبةً للفلاحين والمزارعين، الذين لا يملكون رؤوس الأموال الكافية، لإدارة مشاريعهم الزراعية، وتشجيع ذوي رؤوس الأموال تشجيعاً مؤثراً، عن طريق منحهم إعفاءات ضريبية، أو استلام منتجاتهم وتصريفها، أو تقديم البذار والآلات بأسعار تشجيعية، وما إلى ذلك من عطاءات تهدف إلى إنماء القطاع الزراعيّ، وزيادة إنتاجه.. وبمعنىً آخر، لا يجوز للدولة، أن تعطي قروضاً للمزارعين وتربط تحركهم بسياسة اقتراضية قد تُعيق تقدم الإنتاج الزراعيّ، وترهق كاهل أصحاب المشاريع... ما لم تكن هنالك ظروف وأوضاع خاصة تملي إعطاء قروض للمشاريع الزراعية، على أن يكون ذلك لآجال طويلة الأمد، وبدون أية زيادات على أصل القروض. بمعنى أن المطلوب هو تقديم المساعدات، لا الإقراض للمزارعين ولا سيما صغارهم، حتى تعطي سياسة التعميق الثمار المرجوة منها.
وأما التوسيع فيحصل بإحياء الأرض الموات وتحجيرها، أو بإقطاع الدولة مساحات من أراضيها للقادرين على القيام بمشاريع زراعية، ممن لا يملكون أرضاً، أو ممن يملكون بعض المساحات ولكنها لا تكفي لإقامة مشاريع إنتاجية هامَّة وحيويَّة لاقتصاد البلد.
وهذا الإقطاع يكون لاستصلاح الأراضي وزراعتها وتعميرها، على أن تستعيد الدولة الأرض جبراً، وعلى الفور، من كل من يهمل أرضه ثلاث سنوات متواصلة، وذلك لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «عاديّ الأرض لله ولرسوله، ثم لكن من بعد.. فمن أحيا أرضاً ميتةً فهي له، وليس لمحتجرٍ حقٌّ بعد ثلاث سنين». وعن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) قال: «إن الأرض لله تعالى، جعلها وقفاً على عباده. فمن عطَّل أرضاً ثلاث سنين متوالية لغير ما علَّة، أُخذت منه، ودُفعت إلى غيره»[*].
وبالطريقتين المذكورتين (التعميق والتوسيع) تحصل زيادة الإنتاج الزراعي، ويتحقق الأصل في السياسة الزراعية، التي تهدف بالإضافة إلى زيادة الإنتاج، تحسين نوعيته - وهو ليس مدار بحثٍ هنا ـ بل الموضوع يتعلق بزيادة الإنتاج، وهي التي تتحقق في أمورٍ ثلاثةٍ:
أولاً: زيادة إنتاج المواد الغذائية: وذلك أن الناس جميعاً يحتاجون إلى الطعام، الذي يشكل إحدى حاجاتهم الأساسية للعيش والبقاء وزيادة المواد الغذائية، لا تؤمن تلك الحاجات وحسب، بل وتلبي إطعام المزيد من السكان، كما أنها تبعد خطر المجاعة عن الناس في أحوال القحط وانحباس المطر، أو تلفِ المواسمِ بآفاتٍ سماوية أو غيرها.. أو في حال تعرّض البلاد لحصار اقتصادي، أو في حال حدوث مجاعات في بلاد إسلامية أخرى أو بلاد غير إسلامية يحتِّم الواجب إغاثتها فوراً بالمواد الغذائية، بداعي الروابط الإنسانية على الأقل.
والمواد الغذائية تشتمل على المنتجات الزراعية، والمنتجات الحيوانية، مما يجعل اهتمام السياسة الزراعية منصبّاً على الثروة الزراعية والثروة الحيوانية معاً.
ومن الآثار الإيجابية التي تعكسها زيادة إنتاج المواد الغذائية، أنها تقضي على النقصان في الحاجات من هذه المواد، فلا تضطر الدولة لشرائها من الأسواق الخارجية بالعملة الصعبة، إلى جانب انعكاسها على الميزان التجاري، وميزان المدفوعات، وعلى قيمة النقد الوطني أيضاً، مما يجعل لتلك الزيادة أهمية كبرى على الأوضاع الاقتصادية في البلاد بصورة عامة.
ثانياً: زيادة الإنتاج في المواد اللازمة للملبس والكساء كالقطن والصوف والقِنَّب والحرير.. وهذا ضروريّ أيضاً، لأنه من الحاجات الأساسية، مثله مثل الطعام، لجميع الناس، مما يستدعي من الدولة العمل على زيادة إنتاج تلك المواد إذا كانت طبيعة البلاد تسمح بإنتاجها. أما إذا كانت الأحوال الطبيعية لا تسمح بإنتاج مواد اللباس والكساء، فإن الدولة تكون مضطرة إلى استيرادها من الخارج، على أن تعمل بالمقابل على زيادة إنتاج المواد الزراعية والصناعية الأخرى التي تسد العجز الذي يحصل في تلك الناحية.
ثالثاً: زيادة الإنتاج الزراعيّ في المواد التي يكون لها أسواق في الخارج، وخاصة عندما يكاد يكون الإنتاج الصناعيّ معدوماً. والدولة التي لا تصدِّر منتوجات زراعيّة أصلاً، تكون غير قادرة على تصدير منتوجات صناعية، ويكون من أولى اهتماماتها زيادة الإنتاج الزراعيّ وتطويره، وتأمين أسواق خارجية له، حتى تتمكن من توفير العملة الصعبة التي تمكِّنها من استيراد الآليات والتجهيزات اللازمة للبدء بالإنتاج الصناعيّ، وبتحقيق ثورة صناعة في بلدها إذا أمكن. لأن الهدف، من الأساس، هو القيام بالثورة الصناعية التي تجعلها في مصاف الدول المتطورة.
أما فيما يتعلق بالمشاريع التي تساعد على زيادة الإنتاج الزراعيّ، مثل السدود والأقنية ومشاريع الري وغيرها، فيمكن الاكتفاء، في المراحل الأولى من خطة التنمية الاقتصادية، بما هو موجود من تلك المشاريع، لأن مستلزمات الثورة الصناعية أهم وأكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.
وعندما تتحقق الثورة الصناعية، فإنه يمكن من خلالها تطوير مشاريع استخدام الموارد المائية، وإقامة مختلف المشاريع التي تساعد على زيادة الإنتاج الزراعي.
أما لماذا لا نقوم بالثورة الزراعية، وبالثورة الصناعية معاً، فلأن البلاد الإسلامية، إجمالاً، بلاد متأخرة صناعيّاً، وهي تقوم على الزراعة، التي تحتاج أصلاً إلى تحديث وتطوير، فيكون من الأفضل لها توجيه جهودها نحو الصناعة، قبل تطوير الزراعة، حتى لا تبقى في نفس الأوضاع التي هي عليها حالياً من التخلّف أو عدم الإنماء، وغير قادرةٍ بالتالي على تأمين التطور والتقدم.
وأما الحكم الشرعيّ في هذا الموضوع فهو أن ما كان مصرفه مستحقّاً على وجه المصلحة، ولا ينال الأمَّة ضررٌ من عدم وجوده (كعدم إقامة سدود أو فتح طريق ثان بوجود طريق قائم، أو فتح مستشفى مع وجود مستشفى غيره يمكن الاكتفاء به) فهذه الأمور جميعها يمكن الاستغناء عنها للقيام بما هو أهم من أجل المصلحة العامة.. لأن مثل تلك المشاريع التي يوجد الحدّ الأدنى منها، والذي يكفي لسدّ الاحتياجات الأساسية للناس، يمكن الاكتفاء بها في مرحلة الإنماء، ولذلك تعتبر في الدرجة الثانية في سلم أولويات الإنماء والتقدم الاقتصادي، بالنسبة إلى المشاريع الصناعية. وعلى هذا لا يصح للدولة التي لا يوجد لديها مال من أجل المشاريع الثانوية تلك، أن تفرض ضرائب جديدة، ولا أن تقترض، حتى من رعاياها، للقيام بتلك المشاريع. أي أنه لا يصح القيام بمشاريع جديدة مساعدة لزيادة الإنتاج الزراعيّ إلاَّ إذا كان المال متوفراً لدى الدولة، أو إذا كان عدم القيام بها يسبب ضرراً للبلاد. أما في حالة الاستغناء عنها، مرحليّاً، فينبغي أن تنصب الجهود على الإنتاج الصناعيّ، للتخلص من حالة التخلف والانتقال إلى حالة التقدم والازدهار.




Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB