المعاملات والبينات والعقوبات
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1102
تاريخ النشر :   2009




الملكيـة والـمـال

بسم الله الرحمن الرحيم

الملك، في اللغة، هو حيازة الإنسان للمال[*] والتصرف به عن طريق التملك الذي أَقرَّه الشرع واعترف به، لأن الشرع هو مصدر الحقوق. وإن حقَّ الملكية، بحسب الشرع، ليس حقّاً طبيعيّاً فحسب، وإنما هو منحه إلهية، منحها الوهاب الكريم للأشخاص الطبيعيين والمعنويين وفقاً لمصالح الأفراد والجماعات والدولة.
ولا بد من الإشارة، منذ البداية إلى أن حق الملكية شيء، والملك أو الشيء المملوك شيء آخر. فحق الملكية هو الذي يتيح التصرّف بالمال المملوك تصرّفاً شرعيّاً، بينما الملك هو الشيء المملوك، أي المال الذي يحوزه الإنسان ويكون له عليه حقوق السلطة المطلقة. ولذا نقول: هذا الشيء ملكي، أي هو مملوك لي.
وقد عرَّف الفقهاء الملك بأنه اختصاص بالشيء يمنع الغير منه، ويمكّن صاحبه من التصرف فيه ابتداءً، إلا لمانع شرعي. فإذا حاز الإنسان مالاً بطريق مشروع، صار ذلك المال مختصّاً به، واختصاصه هذا يمكِّنه من الانتفاع به، والتصرف فيه.
على أن القاعدة تبقى في الأصل: أن المال، بحسب مفاهيم الإسلام ليس مال الإنسان، بل إنه مؤتمن على المال أو على الملك الذي أوتيَهُ، بينما المالك الحقُّ لكلِّ الأموال، ولكلِّ الممتلكات هو الله مالك الملك لقوله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النُّور: 33]. ولذا فإن القواعد التي يقوم عليها الاقتصاد[*] في الإسلام أربع، وهي: المال لله تعالى، الأفراد مستخلفون فيه، كَنْزُهُ حرام، تَداوُلُه واجب. ذلك أن الله سبحانه وتعالى عندما يبيِّن أصل الملكية يضيف المال إلى نفسه عزَّ وعلا فيقول: «مال الله»، وحين يبيّن انتقال الملكية إلى الناس يضيف هذه الملكية لهم، فيقول عزَّ وجلَّ: {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النِّسَاء: 6] أو: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [التّوبَة: 103]، أو: {فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} [البَقَرَة: 279] أو يقول عزَّ اسمُه: {وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا} [التّوبَة: 24].
غير أن حق الملكية للعباد جاء بالاستخلاف، إذ قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحَديد: 7]. وكان هذا الاستخلاف عامّاً لجميع بني الإنسان، فلهم حق الملكية باستخلافهم في الملك الذي هو في الأصل بيد الله سبحانه وتعالى... لذا قلنا إن حق الملكية هو منحة من الله تعالى للإنسان. ولكن هذا الحق حتى يثبت فعليّاً للفرد المعيَّن فقد شرط الإسلام فيه الإذن من الله عزَّ وجلَّ. بمعنى أن المال إنما يجري تملكه بالفعل لكلِّ من أذن له الشارع بتملكه، بحيث يكون هذا الإذن دلالة خاصة على أن هذا الفرد قد أصبح له حق الملكية على مالٍ معيّن. ممّا يعني أنَّ حق الملكية: هو أن يكون للفرد سلطان يتيح له التصرّف بما وَصلَ ملكُهُ إليه بالحق.
والقاعدة العامة هي أن كل الأشياء قابلة للتملك، بما يجعلُ كلَّ شيء يمكن أن يكون له مالك، وإنَّ حق الملكية يمكن أنْ ينتقل من شخص إلى آخر بأحد أسباب التملك. إلاَّ أنَّ هناك أشياء تبقى بدون مالكٍ بصورة دائمة، وهي الأشياء التي تكون بطبيعتها معدة لنفع الجميع وفي نفس الوقت لا يستغني عنها الإنسان لأنها من عوامل الحياة لديه كالهواء والماء[*]، والنور، في حين أنَّ الطرقات العامة مثلاً، والجسور والأنهار والمياه الأقليمية وما إلى ذلك تعتبر أملاكاً عامة لفائدة العموم، ولكن تعنى الدولة بإدارتها والسهر عليها...
الملكية التامة والملكية الناقصة:
الملكيةُ التامةُ: هي التي تتناولُ عينَ الشيءِ المملوكِ، ومنفعتَهُ معاً. ومن أهمّ خصائِص الملكية التامة أنها تجعلُ الشيءَ المملوكَ ملكاً مطلقاً ودائماً لصاحبه، لا يتقيدُ بزمانٍ محدَّد، ولا يقبلُ الإسقاطَ - أي جعلَ الشيءِ بلا مالك - فلو غصب شخص عيناً مملوكة لآخر، فقال مالكها مرغماً: أسقطتُ ملكيتي، فلا تسقطُ ملكيته، ويبقى الشيءُ ملكاً له، إنما يكون قابلاً للانتقال إلى غيره، بحيث لا يجوزُ أن يكونَ الشيءُ بلا مالك. وطريقُ انتقال الملكية إما العقدُ كالبيع، وإما الميراثُ، وإما الوصيةُ، وإما الهبةُ، وما إلى ذلك من الوسائلِ الشرعيةِ التي تنتقلُ بها حقوقُ الملكية بين الناس.
الملكيةُ الناقصةُ: هي التي تتناولُ إما عينَ الشيءِ وحدها، أو المنفعَة وحدها:
أما ملكيةُ العين: فتعني أن تكونَ عينُ الشيءِ (كرقبة العقار) مملوكةً لشخص، ومنفعتُهُ مملوكةً لشخصٍ آخر. كأنْ يوصي شخصٌ لآخر بزراعةِ أرض، أو سُكنى دار مدةَ حياته، أو خلالَ مدةٍ محددة كشهرٍ أو سنة، أو أقلَّ أو أكثر، فإذا مات الموصي تصبح رقبةُ الأرض، أو عينُ الدار ملكاً لورثته، وتبقى منفعتُها للموصى له أي المنتفع، فإذا مات المنتفعُ، أو انتهت مدةُ الانتفاع، عادتِ المنفعةُ للورثة، وصارت ملكيتُهم للعين تامة.
وأما ملكيةُ المنفعةِ فتكون بأحد أسبابٍ خمسة وهي: الإجارة، والإعارة، والوقف، والهبة، والوصية.
والمنفعةُ بحدّ ذاتها هي صلاحيةُ الشيءِ لإشباع حاجةِ الإنسان. وتتناولُ أمرين: أحدهما: الشعورُ لدى الإنسان بالحصولِ على شيءٍ معينٍ ينتفعُ به، وثانيهما: المزايا الكامنةُ في الشيءِ نفسه، والتي تتيحُ للإنسان إشباعَ حاجته. وهذه المنفعةُ يمكنُ أن تكونَ ناتجةً عن جهد الإنسان، أو عن المال، أو عنهما معاً. وبما أن المالَ ليس غايةً مقصودةً لذاتها، وإنما هو وسيلةٌ للإفادةِ من المنافع، وتأمينِ الحاجات، وبما أن الجهدَ الإنسانيَّ وسيلةٌ للحصولِ على المال عيناً ومنفعة، لذلك كان المالُ أساسَ المنفعة، بينما الجهود التي يبذلها الإنسانُ هي الوسائلُ التي تمكّنه من الحصول على المالِ أي من تملكه. ومن هنا كان الإنسانُ، بفطرته، يسعى جهده للحصول على المال وحيازته، بمعنى أنّ جهدَ الإنسان والمالَ معاً هما من الوسائل الرئيسيّةِ التي تُستخدمُ لإشباع حاجاته، ولجمع ثروته الشخصيّة. ولذا كانت حيازة، الثروةِ تتأتّى للأفراد إما عن طريقِ العملِ والكسب، وإما عن طريق أفرادٍ آخرين. وهي في كل حال إما حيازة للأعيان ومنافعها، وإما حيازة لمنافع الأعيان فقط، كما جرت الإشارة إليه.
وحيازةُ الملك يمكن أن تكون بعدة طرق كما ذهب إليه الفقهاء. ولذا سوف نبحث في مفهوم هذه الحيازة أو كيفيةِ التملك بوضع اليد، وكيفية تقسيمِ العقارات وتملكها وفقاً لما هو معروف في الشرع الإسلاميّ، ثم نتناول ماهيةَ الأموال المنقولة بعد ذلك.
أولاً: التملكُ بوضع اليد:
لقد اعتبر الشيعة الإمامية أن وضع اليد على الشيء معناه: أنَّ باستطاعة صاحبه أن يتصرفَ فيه تصرفَ المالك في ملكه بلا معارض، كالغرس في الأرض، والسكن في الدار، والبناء والهدم، وركوب الدابة ولبس الثوب، وبيع الأعيان وإجارتها، وهبتها وإعارتها وغير ذلك.
ولم يكن للفقهاء اصطلاحٌ خاصٌّ في وضع اليد، إنما اعتمدوا الصدق العرفي[*]. ودليلُ اليد على الملك عندهم هو ما اعتمده العقلاءُ، واتفق الناسُ عليه قبل الشرع وبعده. وقد أقرَّ الشرعُ عندهم هذه الطريقةَ بأخبارٍ كثيرةٍ، منها خبر «حفص» الذي سأل الإمامَ الصادقَ (عليه السلام) في هذا الحوار:
قال حفص: إذا رأيت شيئاً في يدِ رجلٍ أيجوزُ أن أشهدَ أنه له؟..
قال الإمام (عليه السلام): نعم.
قال حفص: أشهدُ أنه في يده، ولا أشهد أنه له، فلعلّه لغيره.
قال الإمام (عليه السلام): أيحلّ الشراء منه؟.
قال حفص: نعم.
قال الإمام (عليه السلام): «لعله لغيره، فمن أين جاز لك أن تشتريَهُ، وتصيِّرهُ ملكاً لك، ثم تقول بعد ذلك: هو لي، وتحلفُ عليه، ولا يجوزُ أن تنسبَهُ إلى من صار ملكَهُ قبلك؟ لو لم يجز هذا ما قام للمسلمين سوق»[*].
وهذا يعني أن اليدَ تستمدُّ قوتها من الحيازةِ التي تدلُّ على الملك. والحكمةُ من ذلك استقرارُ الأوضاع بين الناس، وسيرُ الحياةِ في طريقها الطبيعيّ والمألوف، وعدمُ اختلال النظام العامّ. فلو جُعلتِ الأموالُ عرضةً للإباحة، وعدم وجودِ ضابطٍ لحيازتها وتملكها، لأدّى ذلك إلى المنازعات، ولعمَّت الفوضى ولَفسدتِ الأمور جميعاً. من هنا كان وضعُ اليدِ على الأموال دليلاً على الملك، عند الشيعة الإمامية، سواء أكانت الأعيانُ منقولةً أم غيرَ منقولة.
وكما يدلُّ وضعُ اليد على ملكيةِ الأعيان، يدلّ على ملكيةِ المنافع، فلو سكن شخصٌ في دارِ فلان من الناس، بحجةِ أنه استأجرها منه، ثم جاء آخرُ وقال له: أنا المتسأجر، لا أنت، كان هذا الآخر مدّعياً وتجب عليه البيّنة، أما الساكنُ فلا يكلّفُ بالإثبات، لأن يده تشهدُ له.
ولكن لو وقع الخلافُ بين المالك والساكن، فقال المالك، أنت تسكنُ ملكي ظلماً وعدواناً، وقال الساكن: بل استأجرتُ الدارَ منك، يكونُ الساكنُ مدّعياً وعليه الإثبات، ويكونُ المالكُ منكراً وعليه اليمين. أما الإثبات على ملكية المنفعة فهو أنَّ اليد تدلُّ على ملكيةِ المنافع مع عدم معارضة المالك، أما مع هذه المعارضة فلا، لأن المنفعةَ تابعةٌ للعين، ولا تنتقلُ من صاحب العين إلا بمسوّغٍ شرعيٍّ كالإجارة، والإعارة، وقد ادّعى الساكنُ وجودَ هذا المسوِّغ فصار عليه الإثبات كإبراز عقد إيجار، أو وصولات بدل الإيجار أو أية وسائل إثبات لادّعائه.
ولا يدلّ وضعُ اليدِ على الملكية إلا بشرطين أساسيين:
الأول: الجهلُ بكيفيةِ ابتداءِ وضعِ اليدِ على العين، بحيث لا يُعلمُ ما هو السببُ الذي أحدث ذلك الوضع (البيع، الهبة، الإجارة، الغصب).
مثال ذلك: العلم بأن هذه الدار كانت لمحمد، ثم بعد مدةٍ صارت في يد إسماعيل يتصرفُ فيها تصرفَ المالك في ملكه، دون المعرفة بأي سببٍ انتقلت إليه، ولا كيف ابتدأ وضعُ يده عليها. فوضع اليد - والحال هذه - يدل على الملكية بلا ريب، ولا يجري الاستصحاب... أما إذا علمنا بأن إسماعيلَ - صاحبَ اليد ـ كان قد استأجر الدارَ من صاحبها محمد، وبعد أمدٍ شككنا: هل انتقلت إليه بمسوِّغٍ شرعيٍّ، أو لا؟ فإذا كان الأمرُ كذلك فلا أثرَ لليد في دلالتها على انتقال ملكيتها إليه، بل نستصحبُ حالَ اليد التي كانت عليها فيما سبق.
وعلى هذا، إذا كانت دارٌ في يد شخصٍ، وادَّعى آخرُ أنها ملكهُ ولكن أجّرها لهذا الشخص، وأبرز سندَ الإيجار، أو أقام الشهودَ على ذلك، فتسقطُ اليد كدليلٍ على الملك، وعلى ساكن الدار أن يثبتَ ملكيته لها بطريقٍ آخرَ غير وضع اليد، وكيفيّةَ انتقالها إليه بسموِّغٍ شرعيّ. ومع عدم البيّنةِ لصاحبِ اليد يحلفُ الذي أثبت الإيجارَ، ويُحكمُ له.
الثاني: أن تكون العينُ التي تحت اليد قابلةً بطبيعتها للنقل والانتقال، والتملك والتمليك. أما إذا لم تكن قابلةً لذلك، كالوقفِ الذي لا يقبلُ الملك إلا في حالات خاصة، فإن اليدَ تسقطُ كدلالة على الملك، وعلى هذا، فإذا تنازع أصحابُ الوقفِ مع صاحبِ اليد على ما كان وقفاً، وادَّعى صاحبُ اليد أنه يملكُهُ، فقال أصحابهُ: كان هذا العقارُ وما زال وقفاً، وقال صاحبُ اليد: هو ملكي، وأنا أتصرّف به، فالقولُ قولُ أصحابِ الوقف، وعلى صاحبِ اليدِ البيّنةُ بأنَّ العقار انتقل إليه بناقلٍ شرعيٍّ ولا يفيدُهُ وضعُ اليدِ شيئاً.
وإن اليدَ لا تدلُّ على الاختصاص إلا في الأموال، أما في الأعراضِ والأنسابِ فلا أثر لها أبداً، كما لو ادّعى رجلٌ زوجيَّةَ امرأةٍ هي لغيره، أو بنوَّة صبيٍّ هو في بيتِ رجلٍ آخرَ ومن جملة عياله، فهنا لا أثرَ لوضع اليد، أي أن المرأة تُعتبرُ زوجةً للرجل الذي تقيم في بيته حتى يثبتَ العكس، وذلك عملاً بظاهرِ حالِ المسلم وحملِ أفعاله على الصحيح. وأما الصبيّ، فإن كان الرجلُ الذي هو عنده قد أقرّ واعترف أنه ولدُهُ قبل أن ينازعَهُ فيه أحدٌ فهو أولى به، وإن لم يكن قد أقرَّ به، فالمتنازعان فيه سواء، فإن كان لأحدهما بينةٌ حُكِم له، وإن أقام المتنازعان البينة، حُكم لمن كانت بيِّنتُهُ أقوى وأشدَّ، وبالتالي لا يكون لليد، أي لوجود الصبيّ عند أحدهما، أيُّ أثرٍ في إثبات البنوّة.
ثانياً: ملكيةُ العقارات في الشرع الإسلامي:
تقسم العقارات، في الشرع الإسلاميّ من حيث نوعها الشرعيّ إلى الأراضي المَوات، والأراضي العامرة، والأراضي المحمية، وتشمل الأراضيَ التي ليست لأحد، والتي كان ممنوعاً على أيّ أحدٍ أن يتملكها.
وسوف نبيِّنُ بصورةٍ وجيزةٍ كلَّ نوعٍ من أنواع هذه العقارات.
1 - الأراضي المَوات: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «الأرضُ أرضُ الله (تعالى) والعبادُ عبادُ الله، من أحيا رضاً مَواتاً فهي له»[*]. ومعنى أرض مَوَاتٍ أنها غيرُ مزروعةٍ، ولا مبنيّةٍ ولا مستعملةٍ بشكلٍ من الأشكال. ويمكنُ تملكها عن طريق الإحياء.
وقد اشترط أبو حنيفة لتملك الأرض الموات بإحيائها الحصولَ على الترخيصِ من الإمام (الحاكم) ثم حدَّد مدة الرخصة وسقوطها عندما قال: إن الرجل الذي رُخِّص له بإحياء الأرض، ولم يقم بتنفيذ هذا الإحياء يسقطُ حقُّه بالأفضلية، في خلال مدة ثلاث سنوات، ويحق للإمام إعطاءُ الأرض لغيره.
2 - الأراضي العامرة: تُعرّفُ الأراضي العامرةُ بأنها مملوكةٌ، مستعملةٌ على شكل ما، وهي التي تؤلفُ الأراضيَ العُشرية، والأراضيَ الخراجية:
أ - أما الأراضي العُشريةُ فهي التي يدفع أصحابها عُشْرَ مدخولها، بمعنى أنها مملوكة لهم، وهم يؤدون ضريبةً مفروضةً على رَيعِها بنسبة عشرة بالمئة، ولذا سُمّيت عشرية.
ب - وأما الأراضي الخراجية: فهي التي جاءت تسميتها حين خرجت الجيوشُ الإسلاميةُ من الجزيرةِ إلى بلاد سوريا ولبنان وفلسطين ومصر، وتركت الخيارَ للناس إما أن يدخلوا في الإسلام، أو يعقدوا صلحاً مع المسلمين. وبرزت هنا مشكلةُ أراضي الجماعات التي لم تدخل في الإسلام، إذ لو طُبق الشرعُ الإسلاميُّ لكان على المسلمين مصادرةُ جميع الأموالِ والأملاكِ العائدةِ للناسِ الذين حاربوا الإسلام. وهنا اتخذ الخليفةُ عمرُ بن الخطاب (رضي الله عنه) قراراً بإبقاء تلك الأراضي والأملاك لأصحابها على أن يدفعوا ضريبةً جديدةً فُرضت عليها وسُميت الخراجَ، على أن تكونَ رقبتها للدولة.
ج - أما بخصوص الأراضي المَوات التي يجري تملكها بإحيائها، فإنها تصبح إما عُشريّةً وإما خراجيةً وذلك بحسب آراء الفقهاء في مفهوم الإحياء.ومن قبيل ذلك ما اعتبره الإمام أبو يوسف (من المذهب الحنفيّ) من أنَّ الأراضيَ المَواتَ تكتسبُ عند إحيائها صفةَ الأراضي المجاورة لها، فإن كانت الأرض المجاورة عشريةً أو خراجية أصبحت الأرض التي جرى إحياؤها كذلك.
3 - الأراضي المحمية: وقد سُمِّيت هذه الأراضي محميةً، لأن اكتسابها كان ممنوعاً على الأفراد وإن كانت معدَّةً لاستعمال الجميع، أو لاستعمال بعض الجماعات من السكان. وهي في الشرع الإسلاميّ ما يُعرفُ اليوم بأملاكِ الدولة العامةِ أو الخاصة.
ثالثاً: الأموالُ المنقولة:
يُعَرَّفُ المال المنقول بأنه المال الذي يقبل الانتقال من مكان إلى آخر دون تلف. وهذه الأموال على ثلاثة أنواع:
النوع الأول - الأموال المنقولة بطبيعتها:
ويُشكِّلُ هذا النوع القسم الأكثر انتشاراً واستعمالاً بالنسبة لبقية الأموال الأخرى. ومن الأمثلة على هذه الأموال على سبيل التعداد لا الحصر:
- الحيوانات بأنواعها، أو أعضاؤها التي تنفصل عنها.
- أثاثُ البيوت بكافة أنواعه وأشكاله.
- المجوهراتُ بعد استخراجها من الأرض.
- أنواعُ الملابس كافة.
- أنواعُ البضائع كافة.
- جميع أنواع المحركات مهما كانت وجهةُ استعمالها، سواءٌ في الزراعة أو في الصناعة أو في التجارة.
- المياهُ عندما لا تكون في مكان محصور أو في مجراها الطبيعيّ (مثلاً عندما توضع في زجاجاتٍ أو في أنابيب).
- المعادنُ والمقالعُ بعد استخراجها من الأرض وفصلها عنها.
- السياراتُ والآلياتُ على اختلاف أنواعها وأحجامها.
- السفن والبوارجُ على اختلاف أنواعها وأحجامها.
- الطائراتُ على اختلاف أنواعها.
- السفن والمركبات الفضائيةُ على اختلاف أنواعها.
- الأقمار الصناعية.
النوع الثاني - الأموالُ المنقولةُ المعنوية أو غيرُ المادية:
وتتناول أنواعَ الحقوق على اختلافها، وبراءاتِ الاختراع، والأسهمَ والحصصَ في الشركات، وكلَّ ما يسمى ملكية أدبية أو فنية أو امتيازات استثمار وغيرها.
ويدخل في هذا النوع المؤسسةُ التجارية: وإن كانت تتألفُ من عناصرَ ماديةٍ (كالبناء، والبضائع، والآلات...) وعناصرَ غيرِ ماديةٍ (كالزبائن والاسم التجاريّ، والموقع، والشعار، وحق الإيجار...). وتُعتبرُ المؤسسةُ التجاريةُ مالاً منقولاً لأنها عبارةٌ عن مجموعةٍ منظمةٍ لأموالٍ مختلفة، وبالتالي حقَّ صاحبها يقعُ على مالٍ غيرِ ماديٍّ متميزٍ عن عناصرها كافة، ويصبحُ حقاً على منقولٍ لشمول المنقولات جميعَ الأموال غير العقارية.
وكذلك الأمر في الماء والكهرباء وسائر القوى القابلةِ للاحتراز فإنها تعتبر من المنقولات حتى ولو بعد النقل في أنابيب أو خطوطٍ.
النوع الثالث - الأموال المنقولة بحسب مصيرها:
وهي الأموال التي تعتبر ثابتة حالياً ومنقولة مستقبلاً كثمار الفاكهة قبل نضوجها، والخضار قبل قطافها، وجذوع الأشجار اليابسة أو الغصون بعد انفصالها، أي أنَّ المصير الذي ستؤول إليه بعض الأموال الثابتة هو الذي يحولها إلى أموال منقولة.
وهكذا يتبينُ لـنـا أن الأمـوالَ المنقولة، أو غير المنقـولة هي مـدارُ الجهدِ البشريِّ لتوفير الحاجات، وتأمين المنافع للأفـراد والجماعات. وتملُّكها يكون نتيجةً لذلك الجهد، فإن جاء وفقاً لما أمر به الشرعُ كان تملكُ الإنسان حلالاً، وإن خالف أوامرَ الشرع، كان التملكُ حراماً.
وقد يظن البعض أن الكسبَ الحلال يبقى قليلاً بالمقارنة مع الكسب بالطرق التي تخالفُ الشرعَ الإسلاميَّ. ويحمله على هذا الظنّ كيف أن الله سبحانه وتعالى يمدُّ الكفارَ بكل أسباب القوةِ والجاهِ والسلطان، وبالأموالِ والممتلكاتِ والثرواتِ، بينما يرى كثيراً من المؤمنين يكدّون ويجهدون لتحصيل قوتهم ثم لا يصلون إلا إلى الحدِّ الأدنى من نعمة العيشِ، أو الكفاية... فحذارِ من هذا الظن لأن حكمة الله (تعالى) في ذلك الإمدادِ واضحةٌ وضوحَ الشمس، وقد تتبيّن في قوله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَانُ مَدًّا} [مَريَم: 75] وقوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ *} [آل عِمرَان: 178].
نعم إننا نرى هؤلاء الضالّين المضلّين، الذين هم في الحقيقة أعداد الحقّ - مهما كانت عقيدتهم الدينية - ممتَّعين، في ظاهر الحال، بالقوة والسلطة والمال والجاه، ونجدهم يلجّون في عتوّهم وطغيانهم، زاعمين أن الأمرَ قد استقام لهم، وأنه لا قوةَ تقوى على الوقوف في وجههم!!.. ومثالُهم قارون ومن هم على شاكلته في كل الأزمان...
وهذا في الحقيقة وهمٌ باطلٌ، لأن الله سبحانه وتعالى يحذِّرُ الناسَ أن يظنُّوا هذا الظنّ، فإذا كان الله العليمُ بحالهم لا يأخذهم في دار الدنيا بأعمالهم الفاسدة، بل كان يعطيهم، ويمدُّهم بما يتوهمون أنه خير لهم، فإن ذلك في ميزان تدبيره تعالى ليس خيراً، بل هو ابتلاءٌ وفتنةٌ واستدارجٌ لهم... فكل ما أمدَّهم الله تعالى به إنما كان استدراجاً حقاً، لأن نفوسهم التي امتلأت بالشرِّ والفساد، أبت إلاَّ أن تبتعدَ عن خالقها، وأن تجعل من متاع هذه الدنيا هدفاً وحيداً لها، فأعطاها سبحانه ما أرادت، ولكنها نسيت ما ينتظرها من عذابٍ مهينٍ، هو المقابلُ لما كانوا يتباهَون به من مالٍ ومقامٍ، وفي هؤلاء صدق قول الله تعالى: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ *} [البَقَرَة: 200] بل، ولقد بخل أولئك الطغاةُ على الناس بما أمدَّهم الله تعالى به، ولم يدركوا أن بخلهم إنما هو شرٌّ لهم، وأنهم سوف يطوَّقونه يوم القيامة ناراً تحرقهم، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَّرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عِمرَان: 180].
إذاً فالملكُ والمالُ يدخلان في صلب المفاهيم التي تطرحها الشريعةُ الإسلاميةُ على الناس. ونظراً لأهمية شأنهما في هذه الحياة، نجدُ القرآنَ الكريمَ يبيّن ما لهما من تأثيرٍ على النفوس، وما ينتجُ عن التصرف فيهما من أوضاعٍ إما أن تكونَ في مصلحة الفرد والجماعة، وإما ضدَّ تلك المصلحة، ولذلك كان التركيزُ في الإسلام على الكسب الحلال، والعمل بما يرضي الله تعالى...
كما أنَّ أساسَ المشكلة الاقتصادية إنما يأتي من النظرة إلى الملكية، ومن سوءِ التصرفِ فيها. أي من سوء توزيع الثروة، ولذا كانت معالجةُ هذه الناحية أساسَ النظام الاقتصاديّ سواءٌ في الرأسمالية أو الاشتراكية، أو الإسلام، لأن الأساسَ الذي يقومُ عليه النظامُ الاقتصاديُّ يبنى على ثلاث قواعد، هي:
1 - الملكيةُ أو الكيفيةُ التي يجبُ على الإنسان أن يحوزَ بها المنفعةَ الناجمةَ عن الخدمات أو السلع.
2 - التصرفُ في الملكية، أو الكيفيةُ التي يجبُ أن يتصرفَ فيها الإنسان بهذه الخدمات أو السلع.
3 - توزيعُ الثروة بين الناس، أو كيفيةُ توزيع الخدمات والسلع على الناس.
وقد بيّن الشرعُ الإسلاميّ أن هناك:
ملكيةً فرديةً، بحيث يكونُ لكلّ فردٍ أن يتملكَ المالَ بسببٍ مشروع من أسباب التملك.
وملكيةً عامةً للأمة كلّها، تأكيداً لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «الناسُ شركاءُ في ثلاث: الماءِ والكلأ والنار»[*].
وملكية الدولة إنّما تنتجُ: إما عن أملاكها الخاصة - مثلها مثل سائر الأشخاص - وإما عن الأموال التي يتركها المسلمون عند الموت ولا يكونُ لها وارث، فتعودُ إلى بيت المال.
أما التصرفُ بملكية الدولة فيخضعُ للأحكام المتعلقة ببيت المال.
وأما التصرفُ بالملكية الفردية فيخضعُ لأحكام المعاملات من بيعٍ أو هبة أو إجارة أو رهنٍ أو غير ذلك.
وقد أجاز الشرعُ للدولة، وللفرد، التصرفَ بملكيتهما بالمبادلة والصلة وغير ذلك، وبيّن الأحكام المتعلقة بهذا التصرف.
وأما توزيعُ الثروة بين الناس فإنه يجري في أسباب التملك، وفي العقود طبيعياً. غير أن تفاوتَ الناس في القوة، وفي الحاجة إلى الإشباع، هو الذي يؤدّي إلى التفاوت في توزيع الثروة بين الناس، ويجعلُ احتمالَ الإساءة في هذا التوزيع موجوداً، مما يترتب عليه جمعُ المال بين يَدَيْ فئةٍ، وانحسارُهُ عن فئةٍ أخرى، كما يترتب عليه كنزُ أداةِ التبادلِ الثابتة في الإسلام وهي: الذهبُ والفضةُ. ولذلك جاء الشرعُ الإسلاميُّ يمنع تداولَ الثروة بين الأغنياء فقط، ويوجبُ تداولها بين جميع الناس. ثم يمنعُ كنزَ الذهب والفضة، ولو أُخرجت زكاتهما.
وهناك فرقٌ بين أسبابِ تملكِ المال، وبين تنميةِ المال. فالعقودُ من بيعٍ وإجارةٍ تُعتبرُ من الأحكام المتعلقة بتنمية الملك، أي بتنمية المال، بينما العملُ من صيدِ البرِّ والبحرِ من الأحكام المتعلقة بتملك المال. فأسباب التملك هي أسبابُ حيازةِ الأصل، وأسبابُ تنميةِ الملك هي أسبابُ تكثير أصل المال.
وبناء على ما تقدَّم سوفَ نبحثُ، مع بعض التفصيل: المال، والملكية وأهميَّة كلٍّ منهما.
الـمـال:
لا ريب بأن المالَ هو عصب الحياة - وفقاً للمقولة المتعارف عليها - نظراً لما له من التأثير الهام على حياة الناس جميعاً، وذلك أنَّ التشريعاتِ، والعلاقاتِ والروابطَ فيما بين الأفراد والجماعات والدول لا تقلُّ معانيها الإنسانيةُ والروحيةُ عن المعاني التي تقومُ عليها منافعهم ومصالحهم الحياتية والمادية.
وإذا كانت الأنظمة والطرقُ والوسائلُ عديدةً ومتنوعةً في كيفيةِ تحصيلِ المال وإنمائه، أو في كيفية إنفاقه، فلا بد من معالجةِ هذه النواحي وفقاً للمفاهيم الإسلامية.. على اعتبار أن الإسلامَ كما هو دينٌ من الله تعالى للناسِ كافّة، فهو كذلك رسالةٌ حياتيّة ذاتُ نهجٍ قويمٍ، وأهدافٍ ساميةٍ، ونظامٍ كاملٍ للحياة.. فكان أشد اهتماماته تنظيمُ العلاقاتِ والمصالحِ بين الناس على أسسٍ سليمةٍ تكفل في حال تطبيقها، أفضل السبل وأمثلها، على الإطلاق، لتنظيم حياة الناس وإصلاحها. ومن الطبيعي القولُ إن ذلك لن يكون إلاَّ بقيام الدولة الإسلامية التي جعلها الإسلامُ نفسه «دولةَ خلافة» ذاتَ شكل مميزٍ، وطرازٍ فريدٍ في عالم الدول، لأنها تختلفُ عن أشكال الدول الأخرى جميعاً بعناصرها، وأجهزتها، ومنهجيتها وأنظمتها التي تقوم على تطبيق أحكم كتاب الله تعالى، والعملِ بسنّةِ رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وما يُبنى عليهما من القواعد التي تصلح للحكم في كل عصرٍ ومصرٍ. وهي مما يجبُ على الخليفة، بل وعلى الأمةِ الإسلاميةِ كلِّها، الالتزامُ بها وتنفيذُها، لأنها تقوم على شرع الله تعالى.
وقد أناط الإسلام بدولةِ الخلافةِ القيامَ برعايةِ شؤونِ الأمة (وشؤون أفرادها) ومن هذه الشؤون إدارةُ الأموال، إِنْ من حيث التحصيلُ، أو من حيث الإنفاق. وقد بيّنتِ الأدلةُ الشرعيةُ المصادرَ التي تؤمّنُ منها الدولةُ مواردَهَا المالية، وأنواعَ هذه الموارد، وبينت وسائل الحصولِ عليها، وطرق إنفاقها للصالح العام. كما بيّنت أيضاً سبلَ تملكِ المالِ مِن قبل الأفراد، ومعانَي الملكيةِ الفردية، والملكيةِ العامة، وكيفيةَ إنماءِ المال، وكلَّ ما يتعلقُ بجنيه وإدارته.
وإنه لمن الخير للناس أن يعرفوا الإسلامَ ونظرتَهُ إلى المال... ذلك لأن الإسلامَ يعايشُ واقعَ الحياة، ويرى في المال العصبَ الحساسَ في هذه الحياة، والمحركَ الهامَّ للأمم والشعوب بحيث يتمكن أن يقيمها ويقعدها؛ كما يرى فيه أنه يفجر الحروب، ويدك العروش، ويبدِّل الحكام، بل هو عاملٌ رئيسيٌّ يفتح الآفاق أمام الناس، ويمكّن من نشر المدنيات، وإنشاء الحضارات... إلاَّ أنه على الرغم من ذلك كله لا يجوز أن يُقيَّم المالُ بأكثر مما يستحق حتى لا يكون هاجساً مدمراً للإنسان، بحيث يلهثُ الإنسان وراءه ويفني العمر من أجل اجتنائه، دون أن يفكر بطعم الراحة والهناء. كما لا يجوز أن يتوهم الإنسان بأنه هو المالك الحقيقي للمال، لأنه في المفهوم الإسلامي مؤتمن عليه، ومحاسب عند ربّه على كيفية استعمال هذه الأمانة.
ولذلك فإن من أولى الحقائق التي يجب أن يُؤْمِنَ بها الإنسان المسلم هي أن المال في هذه الحياة - أيّاً كان نوعه، أو طبيعته أو مقداره - إنما هو في حقيقته مال الله تبارك وتعالى، وقد استُخلف الإنسان عليه في هذه الأرض لِيَعْمُرَها، فوجب أن يتَّخذه وسيلة لذلك، كما هو وسيلة لتحقيق منافعها ومصالحه، وليس غاية لذاته.. أي أنَّ عليه استخدامه بما يرضي الله تعالى، ليتمكن من أن يحقق بواسطته الخير لنفسه ولغيره، وأن يحقق الخير العام لأمته.
هذه هي نظرة الإسلام إلى المال الذي هو من زينة الحياة الدنيا. وبذلك يُعتبر شرع الإسلام أعظم شريعة في مقابل الشرائع الأخرى التي نجدها محكومة بمادِّيةٍ جائرةٍ ومسخَّرةٍ لأهواء المستغلين ومطامعهم على حساب الآخرين وشقائهم.. هذا، في حين أن الإسلام قد سخَّر كل مسخَّر، من مالٍ وغيره، لخير البشرية كلها، لأن هدفه إعلاء شأن الإنسان، والرفع من قيمته، وتمكينهُ من تحقيق إنسانيته، حتى لا يكون عبداً للمال، ولا للطواغيت والمستكبرين، بل يكون عبداً لله تعالى وحدَه..
وانطلاقاً من هذه المفاهيم، سنحاول أن نبيّن، إن شاء الله تعالى: حاجة الإنسان إلى المال، ومعنى الملكية الفردية، وأسباب التملك، ثم نبيِّن الطرق التي تؤمن تنمية المال، وكيف تتكون الملكية العامة، وما هو النظام الماليُّ الإسلاميّ، الذي يجب أن يسود العالمَ ليخلصه من المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها الأفراد. وهذه المشاكل تواجه جميع الدول في الوقت الحاضر الغنية منها والفقيرة.
الحاجة والملكية الفردية:
لقد فطر الله تعالى الإنسان على حاجات أساسية لا بدَّ من إشباعها، بحيث جعل هذا الإشباع أمراً حتميّاً في صميم فطرته وخلقه البشري. ومن هنا كان سعيه وراء المال لتأمين حيازته حتى يحقق ذلك الإشباع. ومن هنا أيضاً كان جُهْدُه لحيازة الثروة، التي يحس أنها حاجة فطرية في داخله، وأنها أمرٌ لا يمكنه القعود عنه، ولا التخلّي عن طلبه، فكانت - بالمقابل - كلُّ محاولةٍ لمنعِ الإنسانِ من حيازة الثروة مخالفةً للفطرة، كما أن كل محاولة لتحديد حيازته بمقدار معين من المال أو الثروة مخالفةً للفطرة كذلك. فكان من حق الإنسان أن ينظر باستغراب إلى أية أنظمة تحول بينه وبين حيازة الثروة، وبينه وبين العمل لهذه الحيازة. ولكن هذه الحيازة، وإن كرَّسها الشرع، فلا يجوز أن يفعل الإنسان ما يشاء لكي ينالها، بل هي مقيَّدة بالحلال والحرام في كل حال.
وقد حدد الشرع أسباب التملك بأحوال معينة، وذلك بصورة حصرية، ودون إطلاق. أي أنه جعل تحت كل سبب عدة فروع تنبثق عنه، وتتأتّى من أحكامه، ولم يُعْطِ أحكاماً كليةً تترتب عليها كليات أخرى، لأن الحاجات المتجددة إنما تكون في الأموال المحدثة لا في المعاملات.
وفي هذا تحديد للملكية الفردية على الوجه الذي يتفق مع الفطرة، وينظم هذه الملكية، وذلك لحماية المجتمع من الأخطار التي قد تترتب على إطلاقها. والمراد من وراء ذلك كله هو أن الملكية مظهر من مظاهر غريزة البقاء (كما أن الزواج مظهر من مظاهر غريزة النوع، والعبادات مظهر من مظاهر غريزة التديُّن)، فلو أُطلقت الحريَّةُ في هذه المظاهر ـ دون أيِّ تحديد أو تقييد - لأَدَّى ذلك إلى الإِشباع الشاذ، أو الخاطئ، وبالتالي إلى الفوضى والاضطراب في نظام العلاقات في المجتمع. ومن هنا كانت أهمية كيفية تحديد الكيفية التي يحصل فيها الإنسان على المال، حتى لا يتحكم أفراد قلائل - بواسطة هذا المال - في الأمة، وتُحْرَمَ من جرَّائِه أكثريةُ أبنائها الساحقة، وحتى لا يكون السعي للمال من أجل المال، فيفقد الإنسان طعم الحياة الهانئة، وحتى لا يمتنع على الناس الحصول على المال، فيختفي في الخزائن والمصارف.
ولهذا كله كان لا بد من تحديد أسباب التملك...
ومن الرجوع إلى الأحكام الشرعية التي تتعلق بملكية الشخص للمال، نجد أن تلك الأسباب محصورة في خمسة موارد، هي:
1 - الحاجة إلى المال لتأمين سبل العيش والحياة.
2 - العمل.
3 - الإرث.
4 - إعطاء الدولة من أموالها للرعية.
5 - صلة الأفراد بعضهم لبعض، أي الأموال التي يأخذها الأفراد من بعضهم، دون مقابل مالٍ آخر، أو دون جهد كالوصية والهبة.
فهذه الأسباب هي التي تتأتَّى عنها الملكية الفردية، التي تعتبر من أهم العناصر التي يحقِّق بها الإنسان ذاته، والتي حضَّ الإسلام على السعي لأجلها بما يتوافق مع شرع الله تعالى، لأن الأساس الذي تقوم عليه يجب أن يكون الحلال، وإلاَّ كانت الأموال التي يجنيها الإنسان ويتملكها بالحرام، وبالاً عليه في الدنيا والآخرة.
الملكية العامة:
لقد تبين لنا من قبل، ووفقاً لما أثبته الفقهاء، من أن الملكية الخاصة هي كل ما يملكه الفرد من أعيان ومنافع. وهذه الملكية هي التي تولي الفردَ الاختصاصَ أو السلطةَ للتصرف في ملكيته ضمن الحدود المقررة شرعاً.
والإنسان - في الحقيقة - إنما يتمتع بحق الملكية فقط، وليس بالملك بالمعنى الكامل، لأن الملك كلّه لله سبحانه كما سبق وبيَّنَّا. وحق الملكية يخوِّله حقَّ التصرف في ما يقال إنه ملكُه بينما هو في الواقع مؤتمنٌ عليه أكثر مما هو مالك له.
ويفترق حقُّ الملكية عن الإباحة التي هي إذنٌ يعطيه صاحب الملكية للغير من أجل الانتفاع بها، كما يفترق عن الإباحة التي تؤلف أيضاً إذنَ الشارع للانتفاع بالملكية العامة. فالرجل مثلاً يبيح لغيره حق استعمال مكتبه، أو دارته، والشارع يبيح لعموم الناس حق استعمال المرافق العامة من الطرق، والمياه، والساحات، والحدائق، والمنتزهات، ونحوها. وهذه المرافق هي التي تشكل الملكيةَ العامَّةَ المعدَّة بطبيعتها لاستعمال الجميع، ومنها أيضاً الأموال الموجودة في باطن الأرض كالمياه والبترول، والمعادن وغيرها..
والأملاك العامة:
- إما تكون مرتفقة بحقوق معينة للجماعة جعلتها صاحبة الحق بالانتفاع بها، ومثالها الأملاك المشاعية التي تعود ملكيتها في الأصل للدولة ولكنَّها جعلت منفعتها لجماعة معينة (أهالي القرية أو البلدة).
- وإما أن تكون الأملاك التي تتولى الدولة إنشاءها وإدارتها بما يؤمن المصلحة العامة، والتي يقال عنها إنها ملك للدولة.
ومهما يكن النوع الشرعيّ للأملاك العامة فإنها لا تقبل التملك من قبل الأفراد، إلاَّ في بعض الحالات الخاصة المقررة شرعاً، والتي لا يؤدي تحويل ملكيتها، أو إزالة الصفة العمومية عنها، إلى الإضرار بالمصلحة العامة.. فلا يجو مثلاً للدولة أن تزيل صفة العموم عن بئر، أو بركة، ما لم يتأكد لها أن هذه البركة، أو تلك البئر لم تعد صالحة لاستعمال الجماعة، كما لا يجوز للدولة تمليك أحد الأفراد طريقاً عامة، ما دامت الجماعة تستعملها وتسلكها.
وبالمقابل لا يجوز للفرد الاعتداء على الملكية العامة، أو اغتصاب قسم منها لتأمين منفعةٍ خاصة له. وعلى الحاكم في مثل هذه الحالات إزالة التعدي ومنع الاغتصاب مع تغريم الفاعل بما يتناسب والفعل الذي ارتكبه.
أما تعريف الملكية العامة فقد قيل فيه: بأنها إذنُ الشارع للجماعة بالاشتراك في منفعة الملك العام، وهي ملكية تامة لأنها تتناول العين والمنفعة معاً. فالأعيان التي تتحقق فيها هذه الملكية، هي الأعيان التي نصَّ الشارع على تخصيصها لمنفعة العموم. وأبرز أنواعها ثلاثة:
- مرافق الجماعة.
- المعادن التي لا تنقطع.
- الأشياء التي تمنع طبيعةُ تكوينها اختصاصَ الفرد بحيازتها.
وهذه لمحة وجيزة وعاجلة عن كل من هذه الأنواع..
أولاً - مرافق الجماعة: هي المرافق العامة المعدة لانتفاع عموم الناس. وقد بيَّن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) صفتها - لا عددها - فيما رواه أبو خراش، عن بعض أصحاب النبيِّ بقوله: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأَ والنار»[*]، وقد رواه أنس عن ابن عباس وزاد فيه: «وثمنه حرام».
فهذه الأشياء الثلاثة يشترك في ملكيتها ومنفعتها جميع الناس ويمتنع على الفرد تملكها. وإباحتها التي نصّ عليها الشارع هي التي تبقي لها صفة الملك العام، وتؤكد احتفاظها بصفة المرافق العامة، وأنه لا يمكن للجماعة أن تستغني عنها.
ونظراً لأهمية هذا الموضوع، يجدر بنا أن نستوضح المقاصد التي عناها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عندما ذكر الماء والكلأ والنار، من دون سائر الأشياء الأخرى، كدليل ومثالٍ في آنٍ معاً على معنى الملكية العامة..
وعلى ذلك نتساءل: هل إن ظروف البيئة التي كان المسلمون يعيشون في وسطها هي التي أملت الحديث؟ أم أن هذه الأشياء الثلاثة لها أهمية بالغة تجعلها من المقومات الأساسية في حياة الناس حيثما وُجدوا وعاشوا؟.
إن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي تبيان أهمية كلٍّ منها وخصائصه حتى نتمكن من تلمّس المقاصد التي عناها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم)، عندما خصَّ هذه الأشياء الثلاثة بالذكر دون غيرها.
أ - الماء: يقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبيَاء: 30].. وهذه حقيقة ثابتة لا يرقى إليها الشك، وهي من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى دليل. ومع ذلك فقد تباركت جهود أهل العلم، الذين أثبتوا من خلال علم الأحياء، أن أي كائنٍ حيٍّ إنما يتكون من خلايا، وأن الماء في تركيب المادة الحية في صلب كل خلية يشكل نسبة تترواح بين 70% و90% من وزنها الكامل، بحيث لا يمكن لأيِّ كائنٍ حيٍّ سواء من الإنسان أو الحيوان أو النبات أن يوجد ، ويعيش بدون الماء..
ثم إن جميع ظواهر الحياة هذه التي نراها بأم العين، محكومة بوجودها إلى عنصر الماء. بل من المؤكَّد أن الكائنات الحية التي تعيش على سطح الأرض، أو في البحار والأنهار، تزول وتنقرض عندما تفقد الماء الذي يمدها بالحياة. بل إنَّ الصناعات ومختلف أنواع الخدمات التي يقوم بها الإنسان مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بوجود الماء...
من أجل ذلك نجد أن القرآن الكريم لا ينفك يذكر الماء، ويردِّد ذكره في الآيات التي تلامس الحياة بأسرها، سواء ما تعلق بشرب الإنسان، أو سقي الحيوان والنبات، أو امتلاء الأنهار والبحار... بل، ولأهمية الماء، يُبِّين لنا الخالق القدير أن إنزال الماء إنما هو بقدرته ومشيئته عزَّ وعلا، فيسألنا تبارك وتعالى، بقوله الكريم: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ *} [الواقِعَة: 68-70].. فهذا الماء هو أصل الحياة وعنصرها الأهم - كما توصلت إليه البحوث العلمية - والذي لا تنشأ الحياة إلاَّ به. وقد خلق الله تعالى هذا الماء عذباً، حتى تستوي الحياة في جانب منها بعذوبته، كما خلقه أجاجاً مالحاً، حتى تستوي الحياة في جانب آخر منها بملوحته.. ولو شاء الخالق العظيم لجعله كله مالحاً لا يستساغ، ولا ينشئ حياة على وجه الأرض.. فوجب أن نشكر ربَّنا تعالى على هذه النعمة العظيمة.
ومن آيات الله تعالى الدّالة على المجالات الحيوية للماء، قوله عزَّ وجلَّ: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا *} [الفُرقان: 54]. وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُِولِي الأَلْبَابِ *} [الزُّمَر: 21]، وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *} [الجَاثيَة: 12]، وقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ *} [العَنكبوت: 63].
ب - الكلأ: الكلأ لغة: العشب، وكَلِئَتْ وأَكلأتِ الأرض: كثر فيها الكلأ.
وقد يكون الكلأُ طعاماً للإنسانِ كالهندباء والسلق والخُبّازى وغيرها من أنواع البقول والأعشاب التي يقتات منها الإنسان أو يستعملُها للحاجة أو التمتع أو التداوي... كما أن الكلأَ قد يكون الطعامَ الرئيسيَّ لأنواع كثيرة من الحيوانات، سواءٌ منها الأنعامُ المستأنسةُ أم الحيواناتُ المتوحشةُ التي تمدُّ الإنسانَ بمصادرِ الغذاء. وقد أثبت العلمُ أن الحيواناتِ اللبونةَ، التي تأكل العشبَ، هي الأكثرُ نفعاً للإنسان، بل ويأتي نفعها في المرتبةِ الأولى من حياته ككائن بشري، لأنها تعطيه الحليبَ، واللحمَ، والصوفَ، والوبرَ، والشعرَ، والجلدَ،والعظمَ، والقرنَ.. وعن هذه الأنعامِ، وما فيها من منافعَ للإنسان يقول الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ *} [يس: 71-73]. ويقول سبحانه: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ *} [النّحل: 66].
ونتوقف عند هذا الإبداعِ في الخلقِ الربانيّ.. فنجدُ في خلقِ الأنعامِ من عجائبِ الصنعةِ، وبدائعِ الحكمةِ، ودلائلِ القدرةِ ما يجعل المفكرين، يتحيّرون في دقائقِ صنعِ هذا اللبنِ الخالصِ، السائغِ للشاربين، مما تعطيه الأنعام.. فقد روى الكلبيّ عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: «إذا استقرّ الكلأُ في الكرشِ صار أسفلُهُ فرثاً، وأعلاه دماً، ووسطه لبناً، فيجري الدمُ في العروق، واللبنُ في الضرع، ويبقى الفرثُ كما هو.. فاللبنُ، بلونه الأبيضِ، وطعمِهِ الخاصّ، لا يشوبُهُ لونُ الدمِ الأحمر ورائحتُه، ولا لونُ الفرثِ الأصفر ورائحته».
ولقد جاء العلمُ يوضّحُ هذه الحقيقةَ عندما قال: إنها ومن خلال عمليةِ هضم الكلأ التي تحصلُ عند الحيوانات، تتوضّح أعظمُ عملية تحويل، ذلك أن الطعامَ للحيوانِ - وغالبُهُ من النبات - يتحولُ إلى دم يغذّي جسمَهُ، وإلى لبنٍ خالصٍ يستسيغُ الإنسانُ شربَهُ، ويغذيه، في حين تخرجُ الرواسبُ والبقايا فرثاً. ثم إنّ هذا الفرثَ يُمكنُ أن تنتفع به الأرضُ من جديدٍ كسمادٍ لغذائها، كما يمكن أن ينتفعَ به الإنسانُ في استعماله وقوداً. وهذه العمليةُ التحويليةُ يشاركُ فيها جميعُ أعضاء الحيوانِ الداخليةِ، فيؤدِّي كلُّ عضوٍ الوظيفةَ التي أُعِدَّ لها. وبتكامل عمل هذه الوظائفِ يصبحُ النباتُ الذي يتناولُهُ الحيوانُ دماً يعيشُ به، وحليباً هو عبارة عن غذاءٍ كاملٍ للإنسان..
والعلمُ نفسُهُ هو الذي يثبتُ لنا بأن الإنسان يحتاجُ من أجلِ حفظِ حياتِهِ إلى أغذيةٍ تتألفُ من موادَّ بروتينيةٍ، وموادَّ كربوهيدارتية، وموادَّ دهنيةٍ، وأملاحٍ معدنيّةٍ، وفيتامينات. وأعظمُ مصدرٍ للبروتيناتِ هو اللحمُ واللبن. والموادُّ الدهنيةُ تعتبرُ أغنى الأغذيةِ في إنتاج الحرارة. أما الموادُّ المعدنيةُ فأول مصادرها اللبن. وأخيراً فإن أهمَّ أنواع الفيتامينات تلك التي توجدُ في اللحمِ واللبنِ والخضارِ والفواكه... مما يعني أن أهمَّ مصادرِ الغذاء للإنسانِ وأكبرَها تأتي من الحيوان..
ويقولُ أهلُ العلم: إن الأنعامَ[*] هي وحدها من بين جميعِ اللبوناتِ، تنتجُ اللبنَ باستمرار، وبكثرةٍ عظيمة حتى ولو قُطع عنها رضيعُها. وهي وحدها التي تجمعُ بين هذه الخصائصِ، وبين القدرةِ على الحرثِ والحملِ والجرّ. وهكذا فإنَّ الأنعامَ جميعَها، قد خُلِقتَ آكلةً للأعشاب، حتى تكونَ مخزناً دائماً، ومصنعاً مستمراً للحليب، والسمن واللحم، أي للمواد البروتينية الضرورية لحياة الإنسان.
من ذلك كلّه يتبين أنَّ خلْق الكلأ، وأَكْلَ الحيوانات لهذا الكلأ، قد كان وفقاً لسننِ الله تعالى المباركة، وهي في نهاية المطاف لمصلحة الإنسان، بل ولكثيرٍ غيره من الكائنات الحية الأخرى. ولعلَّ المثال الساطع على فائدة الكلأ ما يأكلُ النحل الذي يتغذى من أزهار الأعشاب والنباتات (وأزهار الأشجار) ثم يعطي العسل الذي فيه شفاء للناس من أمراض عديدة مصداقاً لقوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ *ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ *} [النّحل: 68-69]...
ج - النار: يقول الله سبحانه وتعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ *} [الواقِعَة: 71-73]. نعم هذه النار المألوفة، التي نشعلها لمختلف الاستعمالات المعدَّة لها، من نارٍ للتدفئة أو الطهي، إلى نار للأفران الضخمة في الصناعات الثقيلة... هذه النار هي من أعظم ما هدى الله تعالى الإنسانَ إليه منذ فجر الخليقة، نظراً لما تؤدي له من خدمات جُلَّى في أغراضه وحاجاته الشخصية، وفي إنشاء المدنيات وبناء الحضارات...
والسرُّ الكامن في هذه النار هو أن مصدرها الرئيسي هذا الشجر الأخضر حيث قال عزَّ وعلا في مجال إثبات البعث يوم القيامة متحدِّثاً عن الإنسان المنكر: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ } [يس: 78-80] فالسرُّ الذي يطلقه القرآن الكريم هو كمون النار في الشجر الأخضر. أي بخلاف ما يظهر لحواسنا، وذلك أن هذا الشجر الذي أنشأه سبحانه ومنه أتى الوقود، ما يزال سرُّه عند العلماء موضعاً للبحث والاهتمام. إنَّ العلم يؤكد بأن النار هي عبارة عن ظاهرة لتزايد الحرارة الناتجة عن احتراق الأجسام، وأن الاحتراق - بمعناه العام - هو عبارة عن ظواهر كيماوية، تحصل عند اتحاد جسم من الأجسام مع الأوكسيجين. في حين أن الاحتراق الذي يولد الحرارة إنما يحصل من اتحاد الأوكسيجين مع الكربون. وهذا الكربون موجود في الطبيعة حيث الأجسام المختلفة من الجمادات والأحياء، ولكن أكثر وجوده وأيسر في النباتات لأن أنسجتها كلها من الكربون، بل يكان يكون الكربون هو العنصر الوحيد في تركيب أجسام النباتات، وفي غذائها وثمارها.. مما يتبين منه أن الخالق العظيم قد أعدَّ عناصر النار، وجعلها كامنة في الشجر الأخضر كُموناً بالقوة، وهدانا إلى إشعالها بقدر حاجاتنا، وبقدر اللزوم لاستعمالاتنا، إذ إنها بالإضافة لكونها إحدى أهم الوسائل التي لا تستقيم بدونها حياتنا، فإن خالقها العظيم قد جعلها عبرة نعتبر بها حينما نستخرجها من مكمنها في الشجر الأخضر الطريّ، المائيّ، الذي لا نتوقع كمون النار فيه.. وحينما نستخرجها من باطن الأرض على شكل معدن جامد (كالفحم الحجري) أو على شكل سائل (كالبترول) أو على شكل غاز (مما هو معروف من الغازات المتنوعة في باطن الأرض).. وهذا كله ينبئ عن خطورة النار في حياة الجنس البشري، لأنها من أعظم الضروريات للناس جميعاً، في الدفء، والطعام، والصناعات...
تلك هي بعض مزايا الأشياء الثلاثة التي أطلقها حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) تعبيراً عن الملكية العامة لأنها من أهمِّ وأخطرِ الأشياءِ التي تتعلقُ بحياةِ الناس والتي لا يجوزُ أن تكونَ مملوكةً لغيرِ الدولة، لأنها تؤمّنُ بواسطتها مرافقَ عامّةً عديدةً ومتنوعة..
ثانياً - المعادنُ التي لا تنقطع: والمعادن، بوجهٍ عامٍّ، تنقسمُ إلى قسمين:
- قسم محدودِ المقدار: وكميتُهُ لا تعتبرُ كبيرةً للفرد،فيدخلُ هذا القسمُ في الملكيةِ الفرديةِ، ويُعاملُ معاملةَ الركازِ وفيه الخمس. (عن عمرو ابن شعيب: أن المزنيَّ سأل رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن اللُّقطَة توجدُ في الطريقِ العامر - أو قال: الميثاء، أي الطريقَ المسلوكةَ التي يأتيها الناس - فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «عرِّفْها سنة، فإن جاء صاحبُها، وإلاّ فهي لك». ثم سأل المزنيّ: يا رسول الله، فما يوجدُ في الخراب العاديّ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «فيه وفي الركازِ الخمس»[*] ).
- وقسم غيرِ محدودِ المقدار: وهو الذي لا يمكنُ أن ينفدَ، أو الذي لا ينقطعُ بسرعةٍ، فإنه ملكيةٌ عامةٌ، ولا يجوزُ أن يُملكَ من الأفراد، لما رويَ عن أبيضَ بن حمال «أنه استقطع رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) الملحَ بمأرب فأقطعه له. فلما ولّى، قالوا: يا رسولَ الله، أتدري ما أقطعتَهُ له؟ إنما أقطعتَ له المالَ العِدّ[*]. وقال: فرجعه منه».
وفي روايةِ عن عمرو بن قيس المأربي: قال: «استقطعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) معدنَ الملح بمأرب فأقطعنيه، فقيل: يا رسولَ الله، إنه بمنزلةِ الماءِ العدّ[*]، فقال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «فلا إذن». والروايتان، كما هو واضح، تتشابهان تماماً من حيثُ إقطاعُ الملح، ثم العودُ عنه. ثم إنَّ هذا الإقطاعَ يدلُّ على جواز تمليك معدن الملح الذي يكون مقدارُهُ محدوداً، فإن كان مقدارُهُ غيرَ محدودٍ، فإنه يصبحُ غيرَ قابلٍ للتمليك، ودليلُهُ أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) لما علم أنه من المعدنِ الدائم الذي لا ينقطع، رجع عن إقطاعه، وأرجعه، أي منع ملكية الفرد له، لأنه ملكيةٌ جماعيّة.
والحقيقةُ أنه ليس المرادُ هنا الملح، وإنما المرادُ المعدنُ، بوجهٍ عام، بدليلِ أن الرسولَ (صلى الله عليه وآله وسلّم) منعه لمّا علم أنه لا ينقطع، أي غيرَ محدودِ المقدار، مع أنه (صلى الله عليه وآله وسلّم) يعلمُ أنه ملح، وقد أقطعه أوّلَ الأمر، فالمنعُ حصل لكونه معدناً لا ينقطع. قال أبو عبيد: «وأما إقطاعُهُ (صلى الله عليه وآله وسلّم) أبيضَ بنَ حمال الملحَ الذي بمأرب، ثم ارتجاعه منه، فإنما أقطعه وهو عنده أرضٌ مواتٌ يحييها أبيضُ ويعمرها. فلما تبيّن للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه عدّ - وهو الذي له مادةٌ لا تنقطع مثل ماءِ العيونِ والآبار - ارتجعه منه لأن سُنَّةَ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في الكلإِ والنارِ والماءِ أن الناسَ جميعاً فيه شركاء، فكره أن يجعلَه لرجلٍ يحوزه دون الناس».
ولما كان الملحُ من المعادن، فإن ارتجاعَ الرسولِ (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن إقطاعه لأبيضَ يعتبرُ علّةً لعدمِ ملكيةِ الفردِ له، وذلك لكونه معدناً. فتكونُ علّةُ المنعِ في عدمِ إقطاعِ المعدنِ كثرتَهُ ووفرَته. وهكذا يتبينُ من روايةِ عمرو بن قيس أن الملحَ هو من المعادن، حيث قال: «معدن الملح». كما يتبينُ من استقراءِ كلام الفقهاءِ أنهم جعلوا الملحَ من المعادن، فيكونُ الحديثُ متعلقاً بالمعادن عموماً، لا بالملحِ خصوصاً.
وأما ما رُوِيَ من أنَّ الرسولَ (صلى الله عليه وآله وسلّم) أقطعَ لبلالِ بن الحارثِ معادنَ القبلية، وما رُوِيَ عن أبي عكرمةَ أنه قال: «أقطع رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بلالاً أرضَ كذا، من مكان كذا، وما فيها من جبلٍ ومعدنٍ» فإنه لا يُعارضُ حديثَ أبيضَ، بل يحملُ على أن تلك المعادنَ التي أقطعها الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلّم) لبلالٍ إنما كانت محدودةً بمقدارها، فجاز إقطاعها. ولكن هذا الإقطاعَ لا يصحُّ أن يُحملَ على إقطاعِ المعادنِ مطلقاً، لأنه حينئذٍ يتعارضُ مع إرجاع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) المعدن الذي أقطعه حين تبين له أنه عدٌّ، (أي كثير لا ينقطع)، مما يتعينُ معه حملُ المعادنِ التي يمكنُ إقطاعُهَا على كونها محدودةً تنقطع، وتنفذ. وهذا الحكمُ الذي يجعلُ المعدنَ الذي لا ينقطعُ ملكاً عاماً، يشملُ المعادنَ كلَّها، سواءٌ المعادنُ الظاهرةُ أو الباطنة التي يوصلُ إليها بشيء من الجهد والمؤونة كالملحِ، والكحلِ، والحديدِ، والنحاس، والرصاصِ، وما شاكل، وسواءٌ أكانتَ هذه المعادنُ جامدةً أو سائلةً كالنفطِ، فإنها كلها تدخلُ تحت هذا الحكمِ وهي كونُهَا من الملكِ العامّ.
وقد تباينت آراءُ الفقهاءِ في تملكِ المعادن:
- فقال الشيعةُ الإماميةُ: المعادنُ نوعان:
النوع الأول: المعادنُ الظاهرةُ، وهي التي تكونُ في متناول كلِّ يد، حيث لا تفتقرُ إلى العملِ والحفرِ، كالملحِ والقار والكحلِ والدرِّ والياقوت. وهذه تُملَكُ بالأخذِ لا بالإحياء. لأن الإحياءَ لا يكون إلا بالعمل، والمفروضُ أنها ظاهرةٌ بطبيعتها، وتُملك من غير عملٍ، تماماً كماء الأنهار.
النوع الثاني: المعادنُ الباطنةُ، وهي التي تحتاجُ إلى العملِ والعلاجِ، كالحديدِ والذهبِ والفضةِ والنحاسِ والرصاصِ، وتُملكُ بالإحياء، أي بالعمل أو الجهد.
قال صاحبُ الجواهر: «الناسُ سواءٌ في المعادنِ الظاهرةِ، للسيرةِ المستمرّةِ في سائرِ الأعصارِ والأمصار.. أما الباطنةُ فتُملكُ بالإحياءِ الذي هو العملُ، حتى يبلغَ نيلَها، وهذا بلا خلافٍ أجده بين من تُعرضُ له.. ولعله لصدقِ الإحياءِ الذي هو سببُ الملك.. فإن إحياءَ كلِّ شيءٍ بحسبه، ومن هنا تُملكُ البئر بالحفر وبلوغ الماء، إذ إن الماء الذي في جوف الأرض كالجوهرِ الكائن فيها».
وقال الحنفية[*]: تُملكُ المعادنُ بملكِ الأرض، لأن الأرضَ إذا مُلكت، مُلكت بجميع أجزائها، فإن كانت مملوكة لشخصٍ كانت ملكاً له، وإن كانت في أرضٍ للدولة فهي للدولة؛ وإن كانت في أرضٍ غير مملوكةٍ فهي للواجد، لأنها مباحةٌ تبعاً للأرض.
وقال المالكيةُ: (في أشهر أقوالهم)[*]: لا تُملكُ المعادنُ تبعاً لملكيةِ الأرضِ، بل هي للدولةِ يتصرفُ فيها الحاكمُ وفقاً لمقتضياتِ المصلحة.
- وقال الشافعيةُ: تُملكُ المعادنُ الباطنيةُ بالإحياء.
- وقال الحنبليةُ: تُملكُ المعادنُ الجامدةُ بالإحياء.
أما حقُّ الدولةِ في المعادنِ ففيهِ رأيان:
قال الحنفية: في المعادنِ الخمسِ، لأن الركازَ يشملُ المعادنَ والكنوزَ، والباقي للواجدِ نفسه. وذلك في المعادنِ الصلبةِ القابلة للطرقِ والسحبِ كالذهبِ والفضةِ والحديدِ والنحاسِ والرصاص. أما المعادنُ الصلبةُ التي لا تقبل الطرقَ والسحبَ كالماسِ والياقوتِ والفحمِ الحجريّ، والمعادنُ السائلةُ كالزئبقِ والنفطِ فلا حقَّ فيها للدولة، لأن الأولى تشبهُ الحجرَ والتراب، والثانيةَ تشبهُ الماءَ، ولا حقَّ فيها للدولة، إلا الزئبقَ فيجبُ فيه الخمس.
وقال الشافعية: لا حقَّ في المعادنِ للدولةِ، لا الخمسُ ولا غيرُه، وإنما يجبُ فيها الزكاة، لقولِ النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلّم): «العجماءُ جُبَارٌ، والبئرُ جبارٌ، والمعدنُ جبارٌ، وفي الركازِ الخمس»[*]. فأوجب الخمسَ في الركاز: وهو دفينُ أهلِ الجاهلية، ولم يوجبْ في المعدنِ شيئاً، لأن «الجبار» معناه: لا شيءَ فيه (من الضمان). ووجوبُ الزكاة عندهم إنما هو لعموم أدلةِ الزكاة[*].
ثالثاً: والنوع الثالث من الأعيان المخصصة لنفع العموم يتناول الأشياء التي طبيعة تكوينها تمنع اختصاص الفرد بحيازتها، وتكون بالتالي من مرافق الجماعة، فلا يملك الفرد عين الماء مثلاً، لكونها من مرافق الجماعة التي قد تشمل الطرق والأنهار والبحار والبحيرات والأقنية العامة والخلجان والمضايق ونحوها، كما تشمل المساجد ومدارس الدولة ومستشفياتها والملاعب والملاجئ ونحوها.
ملكية الدولة:
وتتناول هذه الملكية أملاك الدولة الخصوصية، أي أن كل ما تملكه الدولة، يعتبر أملاكاً خصوصية للدولة مثل المباني، والأراضي، والمفروشات في دوائر الدولة وكلّ ما هنالك من أعيانٍ أو أموالٍ منقولةٍ غير داخلة في الملكيات الفردية الخاصة أو في ملكية الدولة العامة. ويكون لإدارة هذه الأملاك وبيعها نظامٌ خاصّ يطبق عليها. وبمقتضاه يعود للدولة بوصفها الشخص المعنويّ الذي يمثل العامة أن تتصرف في أملاكها وفقاً للأحكام والأصول التي يحددها نظامها الخاص. ولذلك تفترق الأملاك الخصوصية للدولة عن أملاكها العمومية من حيث نوعُها، وطبيعةُ تخصيصها، والتصرفاتُ الجاريةُ عليها، إذ يعود للخليفة، في الدولة الإسلامية، صلاحيةُ إدارتها وتدبيرها، وذلك بما له من سلطانٍ يخوِّله حقَّ التصرف فيها بما يتوافق مع حقّ الملكية العام. أي أن الأمر بشأنها موقوفٌ على رأي الخليفة واجتهاده، لأن الشارع قد جعل للدولة أملاكاً أو أموالاً معينة وترك للخليفة أمر صرفها بما يتوافق مع المصلحة العامة مثل الفيء والخراج والجزية وما شابهها، وهي من الأموال التي لم يعيِّن الشرعُ الجهةَ التي تصرف فيها، فيعود صرفها لرأي الخليفة واجتهاده.
أما إذا عيَّن الشرعُ الجهةَ التي تصرف فيها أموال الدولة الخصوصية ولم يتركها لرأي الخليفة واجتهاده فلا تكون ملكاً للدولة، وإنما تكون ملكاً للجهة التي عيَّنها. ولذلك لا تعتبر الزكاة ملكاً للدولة، بل هي ملك لأهل الأصناف الثمانية الذين عيَّنهم الشرع، وبيت المال إنما هو محل إحرازها من أجل صرفها عليهم.
وإنه وإن كانت الدولة هي التي تقوم بتدبير الملكية العامة كما تقوم بتدبير الملكية الخاصة العائدة لأموالها وأملاكها، إلا أن هناك فرقاً بينهما، وهو أنّ كل ما يدخل في الملكية العامة لا يجوز للدولة أن تعطي أصله لأحدٍ، وإن كان لها أن تبيحَ للناس أن يأخذوا منه بناء على تدبيرٍ يمكِّنهم جميعاً من الانتفاع به، بخلاف ما كان داخلاً في ملكية الدولة الخاصة فإن للدولة أن تعطيه كله لأفراد معينين دون أن تعطيه لآخرين، ولها أن تمنعه عن الأفراد، إذا رأت في ذلك مصلحة. على هذا فالماء، والملح، والمراعي، وساحات البلدة مثلاً لا يجوز أن تعطيها لأفرادٍ مطلقاً، بل يبقى النفع بها عاماً دون تخصيص أحد. أما الخراج فيجوز أن تتصرف به في ما ترى أنه مصلحة للرعية: فلها أن لا تعطي أحداً منه شيئاً، ولها أن تنفقه على الزرّاع دون غيرهم لمعالجة شؤون الزراعة، ولها أن تنفقه على شراء السلاح، وغير ذلك من وجوه التصرف.
التأميم ليس من الملكية العامة ولا من ملكية الدولة:
التأميمُ هو إحدى وسائل ترقيعاتِ النظام الرأسمالي، وبمقتضاه يجري تحويل بعض المشاريع أو المنشآت العائدة للملكية الفردية إلى ملكية الدولة إذا رأت أنَّ هناك مصلحة عامة في ذلك.
أما في النظام الإسلامي فلا تُقْدِمُ الدولة على ما يسمَّى بالتأميم. وإذا اضطرت الدولة لتملك الأموال الخاصة وفقاً للحكم الشرعيّ، ينظر إلى واقع المال: فإن كان من مرافق الجماعة، أو من المعادن اعتبر من الأملاك العامة، وإن كان من الأملاك التي تملكها الدولة كان ملكية خاصة لها، وإن كان فيه حقّ للأفراد كان ملكية فرديةً فلا يدخل في ملكية الدولة العامة أو الخاصة. وهذا النوع الأخير الذي يدخل في الملكية الخاصة والذي يمكن أن تكون للجماعة حاجة فيه، فلا تستطيع الدولة أن تتملكه إلا إذا رضي صاحبه أن يبيعه لها، فتشتريه حينئذ كما يشتريه سائر الأفراد. ولهذا لا تستطيع الدولة أن تمتلك الملكيات الفردية جبراً بحجة المصلحة العامة كلما بدا لها ذلك، ولو دفعت الثمن، لأن أملاك الأفراد محترمة ومصونة ولا يجوز أن يتعدَّى عليها أحد، حتى ولا الدولة، بل يُعتبر التَّعدِّي عليها مظلمة تُرفع على الحاكم لدى محكمة المظالم لترفعها عن صاحبها، لأنه ليس للخليفة أن يخرج شيئاً من يد أحد إلا بحق ثابت معروف. وكذلك لا تستطيع الدولة أن تُبقي مالاً مما هو داخل في الملكية العامة أو ملكية الدولة في يد فرد بحجة المصلحة، لأن المصلحة في هذه الأموال قد قدَّرها الشرع في تبيانه لأحكام الملكية العامة، وملكية الدولة، والملكية الفردية.
وبذلك يظهر أن التأميم لا وجود له في النظام الإسلامي، ولا هو من الوسائل التي تؤدي إلى الملكية العامة أو ملكية الدولة الخاصة، ولا هو من الأحكام الشرعية، بل هو أسلوب من أساليب ترقيعات النظام الرأسماليّ كما سبق القول.
الحمى في المرافق العامة:
لجميع الناس حق الانتفاع بالمرافق العامة على الوجه الذي وجدت من أجله لأنها معدَّة لمنفعة الجميع. ولا يجوز استعمالها إلا بما وجدت من أجله. فلا يجوز الانتفاع بالطريق للوقوف مثلاً بقصد الاستراحة، أو الوقوف لإجراء معاملات البيع والشراء أو لغير ذلك مما لم توجد الطريق لأجله. لأن الطريق وجدت للاستطراق، إلا أن يكون استعمالها يسيراً بحيث لا يؤثر على الاستطراق. ويقدَّر ذلك بالقدر الذي لا يحصل فيه الإضرار والتضييق على المارة. وكذلك لا يجوز استعمال الأنهار إلا بما وجدت من أجله، فإن وُجِدَ النهرُ للسقي كالنهرِ الصغيرِ، فلا يستعمل إلا للسقي، وإن وجد للسقي والملاحة مثلاً، كالنيل ودجلة والفرات فيستعمل لهما معاً.
وعلى هذا فليس لأحدٍ أن يختص بحمى شيء مما هو من المرافق أو المنافع العامة كالمراعي والمساجد والبحار. قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لا حمى إلا لله ولرسوله»[*].
وأصل الحمى عند العرب أن شيخ القبيلة كان إذا نزل مكاناً مُخْصِباً استعوى كلباً على مرتفع عال، ثم اقتطع لنفسه من أرض ذلك المكان إلى المدى الذي يصل إليه صوت الكلب من كل جانب، وجعله حمى له لا يرعى فيه غيره. أما ما بقي من الأرض فيرعى فيه مع الآخرين. والحمى هو المكانُ المحميُّ، فلا يدخل فيه المشاع المباح. وتلك العادة الجاهلية قد أبطلها الإسلامُ عندما منع الأفراد أن يحموا أيّ شيء من المشاعات العامة حتى لا يصبح لهم وحدهم دون غيرهم، لأنه ليس لأحد أن يحمي ما هو لعموم المسلمين، إذ لا حمى إلا لله ورسوله، عندما يكون في هذا الحمى مصلحة معيَّنة فقط. وقد فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ذلك فحمى بعض الأمكنة كما روي عن ابن عمر من «أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) حمى النقيع للخيل»؛ أي أنه (صلى الله عليه وآله وسلّم) حمى مكاناً يقال له النقيع - وهو موضع يَستنقع فيه الماء فيكثر فيه الخصب وكان على بعد عشرين فرسخاً من المدينة ـ. إذ منع (صلى الله عليه وآله وسلّم) الناس من الإِحياء في تلك الأرض الموات ليتوفر فيها الكلأ وترعاه مواش مخصوصة بينما يمنع غيرها من ذلك.. كما هي الحال في حمى ذاك المكان للخيل الغازية في سبيل الله تعالى. وقد كان خلفاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من بعده يحمون بعض الأمكنة، فإن عمر وعثمان (رضي الله عنهما) حميا بعض الأموالِ العامة، وكان ذلك على مرأى من الصحابة فلم ينكر الأمر عليهما منكر. ويشتملُ الحمى المنهيُّ عنه في الحديث على أمرين:
الأول: الأرض الميتة التي كان يمكن لكل واحد من الناس أن يحييها ويأخذ منها.
والثاني: الأشياء التي جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) الناس شركاء فيها وهي الماء والكلأ والنار، بحيث لا يجوز لأحد أن يختص نفسه بقناة ماء فيسقي زرعه ثم يمنعها عن غيره. فعن هشام عن الحسن، قالا: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ منعه الله تعالى فضله يوم القيامة»[*]. وبذلك يتبين أنه يجوز للدولة أن تحمي من الأرض الموات ما هو داخل في الملكية العامة، لأية مصلحة تراها من مصالح المسلمين، شرط أن يكون ذلك على وجهٍ لا يلحقُ الضررَ بأحد.
أسبابُ التملك:
إن أسباب التملّك العائدةَ لاستخراجِ ما في باطن الأرض، والصيدِ في البرّ والبحر، والعملِ بالأجرة، قد جرى بحثُها في الأماكنِ المخصصةِ لها في هذه الموسوعة، ويبقى أن نبحثَ في مصادر الثروة التي تمكّن من التملك سواء من قبل الأفراد، أو الجماعات أو الدولة.
ومصادر الثروة كما هي معروفة أربعة: الأرض، والصناعة، والتجارة، وجهدُ الإنسان.
الأرض:
لقد جرى تقسيم الأراضي، بحسب ما ذهب إليه الفقهاء، إلى أربعة أنواع:
1 - الأرض المفتوحة عنوةً، إبّان الجهادِ ونشرِ الإسلام: ويدخل فيها أراضي العراق، وسوريا، وإيران... وقد تباينت آراءُ الفقهاء حول ملكيّة هذه الأراضي، أو لمن تعود عند الفتح.
- قال الشيعة الإمامية: إن العامرَ من الأرضِ المفتوحةِ هو ملكٌ للمسلمين جميعاً عند الفتح، من وُجد منهم ومن لم يوجد، والنظرُ يكون فيها للإمام، حيث تُعطى لأهلها أو لغيرهم بالنصف، أو الأكثر أو الأقل ويُصرفُ الناتجُ في المصالح العامة. وإن هذا النوعَ العامرَ من الأرض لا يجوزُ بيعه، ولا هبته، ولا وقفه، ولا توريثه لأنه ملك للكلّ. ومما استدلوا به على ذلك قولُ الإمام الصادق (عليه السلام): «ومن يبيعُ أرض الخراج وهي ملكٌ لجميع المسلمين؟»[*].
ولكن يبدو في الواقع، وكما ذهب إليه بعضُ فقهائهم، أن المسلمين قد عاملوا صاحبَ اليد على الأرض الخراجية معاملةَ المالك من البيع والشراء والوقف والتوريث وما إلى ذلك.. وتأويلُهم في ذلك هو أن لصاحبِ اليد نوعاً من الحقّ والاختصاص على نحوٍ معيّن، فينتقل هذا الحقُّ منه إلى غيره دون رقبة الأرض أو عينها. ومن تأويلهم أيضاً أن الأصلَ في الأرضِ أن تكونَ مواتاً، حتى يثبتَ العكس.
وما تجدر الإشارةُ إليه أخيراً بالنسبة إلى الشيعة الإمامية هو أنهم اعتبروا الأرضَ العامرة بطبيعتها ملكاً للدولة، وذلك لقول الإمام الصادق (صلى الله عليه وآله وسلّم): «كلّ أرض لا ربّ لها فهي للإمام»[*].
- وقال المالكية، على المشهور عندهم، والحنبلية، مثل قول الإمامية، وهو أن ملكية الأراضي المفتوحة تنتقلُ إلى المسلمين الفاتحين لمجرد الاستيلاء عليها، ويتمُّ امتلاكها بالإحراز.
- وقال الحنفية: تنتقل ملكيةُ الأراضي المفتوحةِ عنوةً بالضمّ إلى دار الإسلام، أو بحيازتها فعلاً، وجعلها جزءاً من دار الإسلام، فما لم يحصل هذا الضمُّ إلى دار الإسلام لا يكون هنالك انتقالٌ للملكية.
- وقال الشافعية: إن تملك الأراضي المفتوحةِ عنوةً يكون بمجرد الاستيلاء عليها. والقسمةُ بالتراضي أو اختيارِ تملكها.
ويدخل في الأرض المفتوحة عنوة الأرضُ المواتُ. فإنَّ امتلاكها من قبل الفاتحين قد تباينت فيه آراء المذاهب:
- فقال الشيعة الإمامية والمالكية: أما الأرضُ التي كانت مواتاً حين الفتح فهي للإمام (أي للدولة) ومن أحياها فهو أولى بالتصرف فيها من غيره لعموم قوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من أحيا أرضاً ميتةً فهي له، وهو أحقّ بها.. والأرضُ لله، ولمن عمرها»[*]. وإذا رأى الإمام أن المصلحةَ تقتضي، في وقتٍ من الأوقات قسمةَ هذه الأراضي، فيقوم بتقسيمها.
- وقال الحنفية: للإمام الخيارُ بين أن يقسمَ هذه الأراضي بين المسلمين، كما فعل رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بأرض خيبر، وبين أن يقرَّ أهلها عليها، ويفرضَ عليهم الجزية، وعلى أراضيهم الخراج.
- وقال الشافعية: تنتقلُ ملكيةُ الأراضي الموات، عند الفتح إلى المسلمين، وتوزّعُ كالغنائم، فالخمسُ منها إلى من ذكرتهم الآية الكريمة: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفَال: 41]. أما الأخماسُ الأربعةُ الأخرى فهي للغانمين (الفاتحين). فإن لم تقسَّم بينهم، ورضوا بتركها، وقفها الإمامُ على مصالح المسلمين.
- وقال الحنبلية: إن الأمرَ يعود للإمام فيفعل ما يراه الأصلحَ من قسمتها ووقفها، أو بجعلها أراضيَ خراجيةً. وتفرضُ الضريبةُ أو الخراجُ على رقبة الأرض. وقد روي عن الإمام أحمد قوله: «أن ليس في السواد موات» (ويعني به كل أرض العراق) وتتابع الرواية: «ويحتملُ أنه قال ذلك لكون السواد كان معموراً كلّه في زمن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، حين أخذه المسلمون، حتى أن رجلاً من أهل السواد سأل أن يُعطى خربةً فلم يجدوا له خربة، فقال: إنما أردت أن أعلمكم كيف أخذتموها منا». وإذا لم يكن فيها مواتٌ حين ملكها المسلمون لم يصر فيها مواتٌ بعدهم لأن ما دثر من أملاك المسلمين لم يصر مواتاً على إحدى الروايتين عند الإمام أحمد[*].
2 - أرضُ من أسلم أهلها طوعاً، كالمدينة المنورة والبحرين، وأطراف اليمن وأندونيسيا:
اتفق الأئمة على أن العامرَ من هذه الأرض لأهلها، ولا شيءَ عليهم سوى الزكاة. ويجوز بيعها، والتصرفُ فيها بشتى أنواع التصرف. أما المواتُ منها فللدولة، ومن سبق إلى إحيائه فهو أحقّ به من غيره، تماماً كالموات من الأرض التي فُتحت عنوة.
3 - أرضُ الصلح: وهي التي لم يفتحْها المسلمون بالقتال بل بالصلح بينهم وبين أهلها. وملكية هذه الأرض. - باتفاق الجميع - لأهلها، لقاء ما يبذلونه من ناتجها كالخراج وغيره، وفقاً لما تمّت عليه شروط الصلح.
والعامرُ من هذه الأرض هو ما يوضع عليه الخراج، ويكون هذا الخراج بمثابة الجزية، ويسقطُ عنهم عند إسلامهم كما قال بذلك الشيعة الإمامية، وجمهور الفقهاء من السنة، ما عدا الحنفية الذين قالوا: لا يسقطُ بل يبقى ذاك الخراج على صاحبه ولو أسلم.
أما المواتُ، من أرض الصلح، فهو عند الشيعة الإمامية، للإمام، ومن سبق إلى إحيائه فهو أحقُّ به من غيره.
وعن هذه الأرض الموات قال الحنبلية: «لو دخل في أرض الصلح مسلمٌ فأحيا فيها مواتاً لم يملكه، لأنهم صولحوا في بلادهم، فلا يجوز التعرضُ لشيءٍ منها عامراً كان أو مواتاً، لأن المواتَ تابعٌ للبلد، فإذا لم يَملكْ عليهم البلد لم يملكْ مواته. وهذا يفترق عن دار الحرب حيث يملك مواتها، لأن دارَ الحرب على أصلِ الإباحة، وهذه صالحهم المسلمون على تركها لهم فحرمت على المسلمين. ويحتمل أن يملكها من أحياها لعموم الخبر»[*].
4 - الأنفال: وتشمل الأرضَ التي ملكها المسلمون عن طريق القتال أو عن غير طريق القتال، وسواء أكانت عامرة فانجلى عنها أهلها، أو مكّنوهم منها طوعاً مع بقائهم فيها. وتشمل أيضاً كلَّ أرضٍ ميتة، سواء أكانت في البلاد المفتوحة عنوة، أو بالصلح، أو بقبول دعوة الإسلام، وسواء أكانت مملوكةً ثم باد أهلها، أو لم تُملك في الأصل كالمفاوز وسواحل البحار، ورؤوس الجبال، وبطون الأودية والأحراج...
قال الشيعة الإمامية: الفيءُ للرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) بدليل قوله تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الحَشر: 6-7]. ويكون من بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) للإمام.
وقد ذهب الجمهور، من المذاهب الأربعة، نفسَ الاتجاه، وذلك بكون الفيء للرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم). ودليلهم في ذلك، بالإضافة إلى النص القرآني، ما رواه مالك بن أنس عن عمر (رضي الله عنه) قال: «كانت أموالُ بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكُراع والسلاح عدَّة في سبيل الله» فهو إذاً مال يختص به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) ومَن ذُكر معه من الأصناف الأربعة: ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
معنى الإحياء وشروطه:
الإحياء ضد الموات، والموَات هو الأرض الخراب الدارسة، وبحسب اصطلاح الفقهاء: هي التي لا يمكلها أحد، ولم يتعلق بها حق أحد، ولا ينتفع بها أحد.
وتكون الأرض مواتاً بأسباب عديدة، ومنها: عدم وصول الماء إليها، أو فيضانه عليها، أو لسوء تربتها، أو لما فيها من أحجار وصخور وأشواك وغير ذلك مما يحول دون الانتفاع بها...
وكل من بذل جهداً في إحياء هذه الأرض وأزال الأسباب التي تحول دون الانتفاع بها، فهو أحق بها من غيره. وذلك لقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من أحيا أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها»[*].
وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «أيُّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض، أو عمروها، فهم أحق بها، وهي لهم»، ولا فرق في ذلك بين أن تكون الأرض الميتة في البلاد التي فتحت عنوة، أو أسلم أهلها طوعاً، أو وقع الصلح بين المسلمين وأهلها، أو كانت من الأنفال..
والموات الذي جرى عليه الملك في الإسلام لمسلم أو ذميّ، غير معيَّن، ففيه اختلاف في المذاهب:
- قال الشيعة الإمامية: لا فرق بين أن يكون محيي الأرض مسلماً أو غير مسلم. فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن شراء الأرض من أهل الذمة؟ فقال (عليه السلام): «لا بأس بأن يشتري منهم إذا عمروها، وأحيوها، فهي لهم». ولا فرق بين الموات في بلاد الإسلام وغيره، لإطلاق الأدلة، ولا بين الذميّ وغيره.
- وقال الحنفية والمالكية: يُملَّك الموات بالإحياء لعموم الأخبار، ولأن هذا النوع أرض موات لا حق فيها لقوم بأعيانهم، فأشبهت بما لم يجر عليه ملك مالك.
- وقال الشافعية: لا يُملك بالإحياء، ويُترك أمره إلى الإمام بأن يحفظه لحين ظهور مالكه، أو يبيعه ويحفظ ثمنه.
- وقال الحنبلية: لا يُملك الموات بالإحياء، كما في إحدى الروايتين عن أحمد، وذلك لما روى كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «من أحيا أرضاً مواتاً في غير حق مسلم فهي له»، فقيَّده بكونه في غير حق مسلم، ولأن هذه الأرض لها مالك فلم يجز إحياؤها كما لو كان معيَّناً، فإن مالكها إن كان له ورثة فهي لهم، وإن لم يكن له ورثة، ورثها المسلمون.
وخلاصة القول: إنه لا فرق بين المسلم والذمي في الإحياء، كما قالت به الإمامية، وأبو حنيفة، وأحمد. ولكن الشافعي بخلافهم، اشترط أن يكون المُحيي مسلماً، ولا يجوز للذمِّي أن يُحيي أرضاً مواتاً في دار الإسلام.
ومالك اعتبر أيضاً أن الذمي لا يملك بالإحياء في دار الإسلام. وقد استدل على ذلك بقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم): «مَوَتان الأرضِ لله ولرسوله ثم هي لكم مني»[*]، وهذا يعني أنه جعل المَوَتان للمسلمين، ولأن موتان الدار من حقوقها، والدار للمسلمين فكان مواتها لهم كمرافق المملوك.
أما شروط الإحياء عند الإمامية والحنفية والمالكية والحنبلية فهي التالية:
1 - انتفاء يد الغير عما يراد إحياؤه، لأن اليد أمارة الملك، حتى يثبت العكس. فلو كان وضع اليد غير ثابت بسبب مشروع للتملك، كما لو استند إلى مجرد التغلب على الأرض، أو بسبب اصطلاح أهل القرية على قسمة بعض المباحات - كما يجري ذلك كثيراً - فإن ذلك كله لا يؤدِّي إلى التملك.
2 - أن لا يكون الموات حريماً تابعاً لعقار أو بئر، وما إليها، لأن الحريم بحكم العامر فكل ما يتعلق بمصالح العامر يتعلق بمصالح القرية، لا يصح لأحد إحياؤه، ولا يملك بالإحياء كما سنفصِّل ذلك.
وزاد الإماميةُ على ما تقدم الشرطين التاليين:
أ - أن لا تكونَ الأرضُ المواتُ محلًّا للعبادة والمناسك، كعرفة ومنى والمشعر، وغيرها من الأماكن المشرّفة.
ب - أن لا يكون على الأرض الموات تحجيرٌ سابق. ومن الأمثلة على التحجير كما لو وضع أحدهم علاماتٍ تدل على تسوير الأرض، أو جمع التراب، أو حفر قناة، وما إلى ذلك.
وخلافاً لرأي الجمهور قال الشافعية: يُشترط في الأرض المواتِ أن تكونَ في بلاد الإسلام حتى يمكنَ إحياؤها. فإن كانت في دار الحرب حُقَّ للمسلم إحياؤها إن كانت من الأرض التي لا يمنعها أهلها عن المسلمين.
التحجير:
اتفق جميع الأئمة على أن التحجيرَ لا يُثبت ملكاً ولا حقّاً، بل يكون المحجّرُ أولى الناس بإحياء الأرض المحجّرة من غيره، شريطة أن لا يهملها أو يهملَ تعميرها أكثر من المألوف، وإلا أجبره الحاكمُ على إحيائها، أو تركها لمن يحييها. والدليلُ على أن تحجير الموات يولي حقّاً لصاحبه بالإحياء قولُ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من سبق إلى ما لم يسبقْ إليه مسلم فهو أحقُّ به»[*]، فإن نقله إلى غيره صار الثاني بمنزلته لأن صاحبه أقامه مقامه. وإن مات فوارثه أحقُّ به لقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من ترك حقّاً أو مالاً فهو لورثته»، فإن باعه لم يصحَّ بيعُهُ لأنه لم يملكه.
وقد روى سعيد في سننه أن عمر (رضي الله عنه) قال: «من كانت له أرضٌ ـ يعني من تحجّر أرضاً - فعطّلها ثلاثَ سنين فجاء قومٌ فعمروها فهم أحقٌّ بها»[*].
وهكذا يتبين أن من أحيا أرضاً ثم تركها، فعادت مواتاً كما كانت فإنه يجوز لغيره إحياؤها، لأن الأول لم يملك رقبةَ الأرض بالإحياء، وإنما ملك التصرف، وكان أولى بها من غيره.
وروى محمد الباقر (عليه السلام) عن جدّه عليٍّ أمير المؤمنين (عليهما السلام) فقال: «إن الأرضَ لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.. فمن أحيا أرضاً من المسلمين فلْيعمرها وليؤدِّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها، فإن تركها فأخذها رجلٌ من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحقُّ بها»[*]. وذلك لأن هذه الأرض أصلها مباح، فإذا تركها، حتى رجعت إلى ما كانت عليه، صارت مباحة. ولأن العلّةَ في تملك هذه الأرض الإحياءُ والعمارة، فإذا زالت العلّةُ زال المعلول، وهو الملك، فإذا أحياها الثاني فقد أوجدَ سببَ الملك، فيثبت الملكُ له.
الحريم ومقداره:
والمقصود بالحريم هنا الارتفاق الذي يكون تابعاً لدار، أو عقار أو بئر، أو ما يحتاج إليه العامر من المصالح العامة كالطريق، والمحطب والمرعى والبيدر وما إلى ذلك.
والحريم لا يجوز إحياؤه. أما مقداره فقد جاء في روايات عن أهل البيت (عليهم السلام) تحديدهم لحريم بعض الأشياء. فعن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم): «إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع»[*]. وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «حريم البئر العادية أربعون ذراعاً حولها، وحريم المسجد أربعون ذراعاً من كل ناحية»[*].
وقال بعض فقهاء الإمامية: «إن حريم الحائط مقدار مطرح ترابه بلا خلاف على ذلك». والحائط هو البستان والحديقة والأرض المسوَّرة.
وعلى كل حال، وعند جميع الأئمة، إن التحديد لهذه الأشياء إنما يثبت إذا أريد إنشاؤها في الأرض الموات. أما الأملاك المتلاصقةُ الموجودةُ بالفعل فلا حريمَ لأحد على جاره، ولكلٍّ أن يتصرفَ في ملكه كيف يشاء..
وما تجدرُ الإشارةُ إليه أن الحريم يقدّر بحسب الحاجة والمصلحة، والتي تختلف باختلاف البلدان والأزمان. أما النصوصُ الواردة في تحديد حريم المرافق سواءٌ الخاصة أو العامة، فإنما هي دليلٌ على ما دعت إليه الحاجة والمصلحة في حينها، ويمكن اعتماد أحكامٍ جديدةٍ لتحديد الحريم بحسب الواقع الراهن، وما يقتضيه كلُّ مرفقٍ من المرافق بحسب نوعه، وحاجته إلى الحريم للانتفاع به والحفاظ عليه.
وقد وردت أحاديث كثيرةٌ تدلّ على تحديد الحريم وفقاً لمقتضيات العصر والحاجة. ومن قبيل ذلك حريمُ البئر العاديّة (نسبة إلى عاد أي إلى كل قديم) بحيث إن من حفر بئراً في مواتٍ للتمليك فله حريمها خمسٌ وعشرون ذراعاً من كل جانب، ومن سبق إلى بئرٍ عاديّة كان أحقَّ بها لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلمٌ فهو له، وله حريمه خمسون ذراعاً من كل جانب» كما نص عليه أحمد في رواية حرب وعبد الله.
ولذلك قال فقهاء الحنبلية: «ليس هذا على طريق التحديد بل حريمها على الحقيقة ما تحتاجُ إليه في ترقية مائها منها، فإن كان بدولابٍ فقدرُ مدّ الثور أو غيره، وإن كان بساقية فبقدر طول البئر لما روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «حريم البئر مدّ رشائها» كما أخرجه ابن ماجة. وإن كان يستقي منها بيده فبقدر ما يحتاج إليه الواقف عندها، وإن كان المستخرج عيناً فحريمها القدر الذي يحتاج إليه صاحبها للانتفاع بها ولا يستضرّ بأخذه منها ولو على ألف ذراع. وحريم البئر من جانبيها ما يحتاج إليها لطرح كرايتها مما يطرح من ترابها عند حفرها بحكم العرف في ذلك، لأن هذا إنما ثبت للحاجة فينبغي أن تراعى فيه الحاجة دون غيرها (والكراية ما يطرح من تراب البئر عند حفرها. وكرى البئر: حفرها).
وقد استدل الحنبلية على تحديد حريم البئر بما رواه أبو عبيد بإسناده عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال: «السنّة في حريم القليب العاديّ خمسون ذراعاً، والبديء خمس وعشرون ذراعاً» وبإسناده عن سعيد بن المسيب قال: «حريم البئر البديء خمس وعشرون ذراعاً من نواحيها كلها، وحريم بئر الزرع ثلاثمائة ذراع من نواحيها كلها، وحريم البئر العاديّة خمسون ذراعاً من نواحيها كلها»[*].
وقال أبو حنيفة: حريمُ البئر أربعون ذراعاً، وحريمُ العين خمسمائة ذراع، لما رواه الشعبي وأبو عبيد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «حريم البئر أربعون ذراعاً لأعطان الإبل والغنم»[*] (والأعطان جمع العَطَن: مَبارك الإبل حول البئر).
وقال المالكية: حريمُ البئر يختلف بحسب كبرها وصغرها وشدّة الأرض ورخاوتها.
وقال الشافعية: يرجع في تقدير الحريم إلى العرف والحاجة.
وفيما يتعلقُ بالماء بوجه عامّ، هنالك عدةُ حالات:
1 - ما أُحرز منه في حوضٍ أو وعاء، فقد أجمع الأئمة على أن هذا الماءَ لمن أحرزه، ولا يجوزُ لأحدٍ أن يتصرف فيه إلا بإذنه.
2 - إذا حفر شخص بئراً في ملكه، أو في أرضٍ ميتةٍ بقصد إحيائها وتملكها، فإذا بلغ الماء فهو ملكٌ له، يتصرف فيه كيف يشاء. وقال الشيخُ الطوسّي: «إن صاحب البئر لا يملك ماءها. ولكنه أولى به بقدر حاجته لشربه، وشرب ماشيته، وسقي زرعه، وما يفضل عنه فعليه أن يبذله بلا عوضٍ لمن يحتاج لشربه وشرب ماشيته، ولا يجب أن يبذلَهُ لسقي زرع الجار، ولكن يُستحبّ».
وقد اتفقت آراء الفقهاء حول الحريم المتعلق بملكية الماء، وذلك إذا كانت لأحدٍ بئر فيها ماء، وحفر جاره بئراً في ملكه أدى إلى تسرّب ماء البئر الاولى إليها فزادت، أو أدى الحفر إلى نقصان ماء البئر الأولى...
- قال الإمامية: إذا كنت الثانيةُ قد جذبت الماءَ الموجودَ بالفعل في البئر الأولى فعلى صاحب البئر الثانية أن يتداركَ الضرر، لأنه أخذ الماءَ المملوكَ لغيره، تماماً كمن أخذ الصيدَ من شبكة الغير... وإن صادف أن البئر الثانية استوعبت الماءَ الجاريَ تحت الأرض قبل وصوله إلى البئر الأولى فيجب التدارك، لأن الماءَ والحالة هذه، غيرُ مملوكٍ لصاحب البئر الأولى، فأشبه من اصطاد صيداً كان في الاتجاه إلى شبكة الغير، بحيث لو تُرك وشأنَه لوقع فيها.
- وقال الشافعية: إذا كان هنالك رجلان متجاوران فحفر أحدهما في داره بئراً ثم حفر الآخر بئراً أعمقَ منها فسرى إليها الماء، كان له ذلك لأنه تصرفٌ مباحٌ في ملكه، فجاز له فعلُه كتعلية داره. ولكن إذا كانت الأرضُ مواتاً فسبق أحدهما في حفر بئر ثم جاء آخرُ فحفر قريباً منها بئراً تجتذبُ ماءَ الأولى، فليس له ذلك لأنه ليس له أن يبتدئ ملكه على وجهٍ يضرّ بالمالك قبله.
وقال الحنبلية: ليس للجار ذلك سواءٌ كان محتفر الثانية في ملكه أو كانت البئران في موات، وذلك عملاً بقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لا ضرر ولا ضرار» ولأنه إحداثُ ضررٍ بجاره فلم يجزْ كالدقّ الذي يهزّ الحيطانَ ويخرّبها.. ولو كان لرجل خزَّان مياه فأراد جاره غرسَ شجرة تين أو نحوهما مما تسري عروقه فتشقّ حائط خزان جاره وقد تؤدّي إلى تشققه وتلفه لم يملك ذلك وكان لجاره منعُه وقلعُها إن غرسها. أما لو كان هذا الذي يحصل منه الضررُ سابقاً مثل من له في ملكه مدبغة فأحيا إنسانٌ إلى جانبه مواتاً وبناه داراً يتضرّر به، لم يلزم إزالة الضرر.
3 - مياه العيون والأمطار والآبار في الأرض المباحة تكون لمن سبق إليها، لا يختص بها إنسان دون إنسان. وإذا سقط ماءُ المطر وتجمع في أرض مملوكة، وقصد المالك تملكه، كان له وحده، ولا يجوز لغيره التصرفُ فيه إلا بإذنه.
4 - مياه النهر الكبير كالفرات والنيل ودجله: الناس فيها شرعٌ سواء، لكلّ أن يستقيَ منها ما شاء، متى شاء، بشرط ألاَّ يبالغَ في السقي بما لا يُنتفع منه..
5 - مياه النهر الصغير غير المملوك لم يفِ ماؤه بسقي ما يقرب منه من الأرض، وتنازع أصحابها عليه فإنه يبدأ بمن في أول النهر فيأخذ فيه مقدار حاجته، ثم يرسل الماء إلى الذي يليه، وهكذا... وإذا لم يفضلْ شيء عن الأول أو الثاني مثلاً فلا شيء لمن يليه ولو أدى إلى تلف شجره أو زرعه.
6 - إذا حفر شخصٌ قناةً في ملكه، أو في أرض ميتة بقصد إحيائها، ووصلها بنهر كبير كالنيل أو الفرات، فالمشهورُ أنه يملك الماء في القناة، وليس لأحد مزاحمتُه فيه للسقي ولا لغيره. ويجوز على كل حال الشربُ منه والوضوءُ والغسلُ فيه، ما لم يثبتْ أن صاحبَ الماء يكره ذلك ويمنع منه.
ضررُ الجار:
لا يجوز وفقاً للشرع أن يتصرف المالك في ملكه تصرفاً يلحق الضرر بجاره. فلا يجوز له مثلاً أن يحفرَ حفرةً تتسبب بتصدعِ حائطِ جاره، أو أن يحبسَ الماءَ في ملكه حتى تتسربَ الرطوبةُ إلى بيت غيره، أو أن يجعل من ملكه مدبغةً تنتشر منها الروائح الكريهةُ بصورة دائمة، وقد تتولدُ عنها الأمراض..
لذلك كان على المسلمين مراعاةُ الأمور التالية:
1 - أن يقصدَ المالكُ من التصرف مجردَ الإضرار بالغير: ففي هذه الحالة يمنعُ من التصرف، وليس له أن يحتجَّ بحديث: «الناس مسلطون على أموالهم» لأن القاعدة وفقاً للحديث الشريف: «لا ضرر ولا ضرار»، وهي تنفي سلطةَ المالك على ملكه إذا استدعت ضرر الغير.
2 - أن لا يقصدَ المالكُ بتصرفه الإضرار بالجار، ولا بغيره، ولكنه لو قام بهذا التصرف فقد يتضرر غيره. وهنا أيضاً يمنعُ المالكُ من التصرف طبقاً لقاعدة: «لا ضرر ولا ضرار».
3 - أن يلحقَ المالكَ الضررُ إذا لم يتصرف في ملكه. ومثال ذلك أنه إذا لم يحفر المالكُ بالوعةً في داره لا يستطيع سكناها، ولو حفر فإن الجار يتضرر، أي أن الأمر يدور بين ضرر المالك إذا ترك التصرف في ملكه، وبين ضرر الجار إذا تصرف المالك.. هنا تكون قاعدة: «الناس مسلطون على أموالهم» هي المطبقة، ويجب الأخذ بها تأميناً لحماية الملك، وصوناً لحق المالك في رفع الضرر عنه. أي بمعنىً آخر لا تطبق قاعدة: «لا ضرر ولا ضرار» لأنها شرعت للتخفيف والامتنان، فيعمل بها حيث لا يستلزم العمل بها ضرراً على أحد إطلاقاً لا على المالك ولا على غيره.
وقد أجمع الفقهاء على أن للمالك أن يتصرف في ملكه، حتى ولو تضرر الغير. والإجماع قد اعتمد الصورة التالية: إن الضرر الذي يصيب المالك إذا ترك التصرف في ملكه غير جائز... وفي واقع الحال يجري تقدير الضرر وكيفية سبل معالجته بالطرق التي تمنع الضرر بحده الأدنى عن الجار، وقد باتت الوسائل الحديثة مؤمَّنةً لمنع الضرر مهما كان نوعه في الأبنية والعقارات، على أن يتحمل كل من المالك والجار مسؤوليته في استخدام تلك الوسائل ونفقات رفع الضرر حتى يمكن رفعه بالصورة النهائية عن المالك والجار معاً.
المزارعـة:
المزارعة: هي في اللغة مشتقة من الزرع، يعني: البذر أو الإنبات. والبذرُ معنىً مجازيّ، والإنباتُ أو الزرع معنىً حقيقيّ. ولذلك ورد النهي عن أن يقول الإنسان: زرعت، بل يقول: حرثت، لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لا يقولنَّ أحدُكم زرعتُ ولْيقلُ حرثت»[*]، أي أن لا يقصد المعنى الحقيقيّ للزرع وهو الإنبات، لأن الزارع أي المنبت هو الله سبحانه وتعالى لقوله الكريم: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ *} [الواقِعَة: 63-64]، فقد نسب سبحانه وتعالى لعباده الحرثَ وهو إلقاءُ البذرة في الأرض، أما الإنبات فيكون لله عزَّ وجلَّ وحده.
وإذا قال الإنسان: زرعت، وأراد منه المعنى المجازيّ، أي: ألقيت البذر، فإنه جائز لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «لا يغرس المسلم غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة»[*].
والمقصود بالمزارعة أنها نوع من المشاركة الزراعية لاستثمار الأرض، يتعاقد بموجبها المالك والعامل، على أن تكون الأرض من الأول، والعمل من الثاني، والمحصول بينهما بنسبة يتَّفقان عليها.
والمزارعة في اصطلاح الفقهاء، فيها تفصيل في المذاهب:
- قال الشيعة الإمامية: يعرِّف الفقهاء المزارعة بأنها معاملة على الأرض بحصة من نمائها، فخرج «بالمعاملة على الأرض» المساقاة، فإنها معاملة على الشجر، وخرج «بالحصة» إجارة الأرض للزراعة. ويسمى العامل في الأرض مزارعاً، والمالك ربَّ الأرض.
- وقال الحنفية: المزارعة شرعاً هي عقد على الزرع ببعض الخارج من الأرض. ومعنى هذا أن المزارعة عبارة من عقد بين مالك الأرض، وعامل يعمل فيها، يشتمل على أن العامل يستأجر الأرض ليزرعها ببعض المتحصل من الزرع، أو أن المالك يستأجر العامل على أن يزرع له أرضه ببعض الخارج المتحصل منها.
«وهذا النوع من المعاملة مختلف فيه عند الحنفية: فأبو حنيفة يقول إنه لا يجوز، وأبو يوسف ومحمد يقولان بجوازه،وقولهما هو المفتَى به لأن فيه توسعة على الناس ومصلحة لهم»[*].
- وقال المالكية[*]: المزارعة شرعاً هي الشركة في العقد، وتقع باطلة إذا كانت الأرض من طرف أحد الشريكين وهو المالك، والبذر والعمل والآلات من الشريك الثاني. فالمزارعة التي تجوز عندهم هي أن تجعل للأرض قيمة أجرتها (من النقود مثلاً خمس جنيهات للفدان)، ثم تحدد قيمة العمل، وقيمة الآلات. فإذا دفع المالك الأرض وكانت قيمة أجرتها مئة جنيه فإنه يصح للعامل أن يحسب قيمة عمله وقيمة نفقات الزرع ويجعلها في مقابل أجرة الأرض، بشرط ألاَّ يجعل البذر مقابلاً للأرض لأنه لا يصح عندهم تأجيرُ الأرض بما يخرج منها، فالبذرُ يكون على كلّ واحدٍ من الشريكين مناصفة. فإذا بانت أجرةُ الأرض، وقيمةُ أجر العمل وآلات الزرع كان لكلّ واحدٍ من الشريكين أن يأخذَ من الربح بنسبة ما دفعه، فإذا اشترط أحدهما أن يأخذ أكثر مما يخصّه فسدت.
ـ وقال الشافعية[*]: المزارعةُ هي معاملةُ العامل في الأرض ببعض ما يخرجُ منها، على أن يكونَ البذرُ من المالك، إذ ليس على العامل فيها إلا العمل. ولا يصحّ عندهم تأجير الأرض بما يخرج منها.
- وقال الحنبلية[*]: المزارعةُ هي أن يدفعَ صاحبُ الأرض الصالحةِ للزراعة أرضَهُ للعامل الذي يقومُ بزرعها، ويدفع له الحبَّ الذي يبذره أيضاً على أن يكونَ له جزءٌ مشاعٌ معلومٌ من المحصول كالنصف أو الثلث. ومثل ذلك ما إذا دفع له أرضاً بها نبتٌ ليقومَ بخدمته حتى يتمَّ نموه ويكون له نظيرَ ذلك جزءٌ معينٌ شائع من ثمرته، فإن ذلك يسمى مزارعة أيضاً. وعلى هذا فإن الحنبلية يقولون بجواز المزارعة بالصورة التي يقولُ بها صاحبا أبي حنيفة، إلا أنهم يخصّون المالك بدفع الحبّ.
شرعيةُ المزارعة:
المزارعةُ مشروعةٌ نصّاً وإجماعاً. ومنه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لما فتح خيبر تركها في أيدي أهلها على النصف. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «لا بأس بالمزارعة بالثلث والربع والخمس»[*].
ولا ريب بأن المزارعةَ مشروعةٌ عند فقهاء المسلمين، والنصوص فيها، وفي المساقاة، مستفيضة ومتواترة. وعقدُ المزارعة عقدٌ لازم بإجماع الأئمة، لقاعدة اللزوم المستفادة من الآية الكريمة {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المَائدة: 1] ولا ينفسخ عقدها إلا بالتقابل (أي الضمان)، أو باشتراط الخيار أو بخروج الأرض عن الانتفاع. ولا يبطلُ بموت أحد المتعاقدين، كما هو الشأنُ في العقود اللازمة، فإذا مات مالكُ الأرض، أو العاملُ قام ورثتُهُ مقامه.
أركانُ المزارعة وشروطها:
- قال الشيعة الإمامية: يُشترط في المزارعة:
1 - الإيجابُ من صاحب الأرض، والقبولُ من العامل، بحيث تنقدُ الصيغةُ بأيّ قولٍ أو فعل.
2 - أهلية المتعاقدين لمباشرة العقود العوضية.
3 - أن تكونَ حصةُ كلٍّ منهما من النماء معلومةً ومشاعاً بينهما بالتساوي أو بالتفاوت حسب الاتفاق. قام الإمام الصادق (عليه السلام): «لا تتقبلُ الأرضُ بحصةٍ مسماةٍ ولكن بالنصف أو الثلث أو الربع أو الخمس». وفي رواية أخرى عنه (عليه السلام): «لا بأسَ بالمزارعة بالثلث والربع والخمس»[*].
ويتفرعُ على هذا الشرط أنه لو جُعل النماءُ بكامله لأحدهما، أو شيءٌ معيّنٌ منه والباقي للآخر، فإن ذلك يُفسدُ المزارعةَ ويخرجُ العقد عن وضعها، لمنافاتها لإشاعة الحصة التي هي شرط فيها.
وإذا اشتراط إخراجَ مقدارٍ معينٍ من النماء، كالبذر، أو الضريبة على الأرض، وما يُصرفُ في إصلاحها على أن يكون الباقي بينهما، فإن المشهورَ هو جواز هذا الشرط إذا علما أو اطمأنَّا لبقاء شيء بعد إخراج المقدار، وإلا كان الشرطُ باطلاً.
وإذا اتفقا على أن يعطيَ أحدهما للآخر مالاً، أو يعملَ له عملاً بالإضافة إلى حصته، فقد ذهب المشهور إلى صحة الشرط، وجوب الوفاء به، لحديث: «المؤمنون عند شروطهم»[*]، ولقول الإمام الصادق (عليه السلام): «ليس لك أن تأخذَ منهم شيئاً حتى تشارطهم»[*].
4 - تعيينُ الأرض، فلا تصحّ المزارعة على إحدى قطعتَي أرضٍ دون تحديدها. نعم تصحّ على دونماتٍ معلومةٍ من قطعة معينة، كأن يقول: زارعتك على مساحة ثلاثة دونمات من هذه القطعة ويعينها المالك للعامل.
5 - صلاحية الأرض وأهليتها للزراعة، ولو بالعمل والعلاج.. فإذا حدث ما يمنع من الانتفاع بزراعتها، كان من البديهي بطلان المزارعة من الأساس، ولا شيء على المزارع للمالك، ولا على المالك للمزارع، لأن حصتهما إنما هي في النماء، وقد تعذر. وطالما أن الزراعة هي موضوع عقد المزارعة فالواجب لزوم العقد، ولا مجال للخيار.
6 - تعيين المدة بالأيام أو الأشهر أو السنين، ويجب أن تتسع لبلوغ الزرع وإدراكه. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «تتقبل الأرض بشيء معلوم إلى سنين مسماة»[*]. كما قال (عليه السلام): «إن القبالة أن تأتي الأرض الخربة تتقبلها من أهلها عشرين سنة، أو أقل من ذلك أو أكثر، فتعمرها وتؤدِّي ما خرج عليها، فلا بأس به»[*]. فإذا لم تُعَيَّن المدةُ حُمل على العرف والعادة، وإلا بطلت المزارعة.
- وقال الحنفية: ركن المزارعة الذي يتم به العقد هو الإيجاب والقبول بين المالك والعامل. فإذا قال صاحب الأرض للعامل: دفعت إليك هذه الأرض لتعمل فيها مزارعة بالنصف أو الثلث، وقال العامل: قبلت، فقد تمَّ التعاقد بينهما.
وقد عدَّ بعضهم أركان المزارعة بأربعة: وجود الأرض، وعمل العامل، والبذر، وآلات الزرع.
أما شروطها عندهم فهي قسمان: قسم لصحة العقد، وقسم إذا وجد يفسد العقد.
القسم الأول: ويتعلق بشروط الصحة وهي أنواع:
النوع الأول: يتعلق بالعاقدين وهو العقل، فلا تصح المزارعة من مجنون ولا صبيٍّ لا يعقل، كما تصح من العبد المأذون من سيده.
النوع الثاني: يتعلق بالمزروع وهو أن يبيِّن النوع الذي يريد زرعه من قمح أو قطن أو نحوهما، ولكن لا يصح أن يغرس فيها العاملُ شجراً لأن المزارعة خاصةٌ بالنبات.
النوع الثالث: يتعلق بالناتج المتحصل من الزرع وهو أن يكون مذكوراً في العقد. وأن يكون لهما معاً، فلا يصح أن يكون لأحدهما دون الآخر. وأن تكون حصة كل من الشريكين من نفس الخارج. وأن يكون ذلك النصيب معلوماً كالنصف أو الثلث أو الربع. وأن يكون جزءاً شائعاً في الجملة. وأن لا يُشترط لأحدهما زيادةٌ معلومة، كأنْ يشترط لأحدهما قيمة البذر ثم يقسم الباقي بالتساوي.
النوع الرابع: يتعلق بالأرض، وفيه ثلاثة شروط: أحدهما أن تكون صالحة للزراعة. ثانيها أن تكون معلومة. ثالثها أن تكون مسلَّمة إلى العامل فارغة من كل ما يمنع زرعها.
النوع الخامس: يتعلق بالمدة، وشروطها أيضاً ثلاثة: أن تكون المدة معينة، وأن لا تكون ممتدة إلى زمن طويل لا يعيش فيه أحد المتعاقدين غالباً، وأن تكون صالحة لوقوع الزرع فيها.
النوع السادس: يتعلق بآلة الزرع وهو أن تكون في العقد تابعة، فإذا جعل للآلة أو للبقر الذي يحرث مقابلاً معيَّناً من عمل أو بذر أو نحوهما فسد العقد.
ويفسد عقد المزارعة عند الحنفية بالشروط التالية:
- كون الخارج والمحصول لأحد العاقدين دون الآخر.
- اشتراط العمل على صاحب الأرض.
- اشتراط كون آلة الزرع من حيوان أو آلات حديثة ونحوها على المالك.
القسم الثاني: ويتعلق بشروط الفساد، (أو حكم المزارعة الفاسدة(
وفيه أمور:
أحدها: أن المزارع لا يجب عليه شيء من أعمال المزارعة.
ثانيها: أن البذر إن كان من رب الأرض كان للعامل عليه أجر المثل، وإن كان البذر من العامل كان لرب الأرض عليه أجر مثل أرضه.
ثالثها: أن أجر المثل لا يجب في المزارعة الفاسدة ما لم يوجد استعمال الأرض، فإذا لم يعمل المزارع في الأرض شيئاً فلا يجب له أجرُ مثل العمل، كما لا يجب عليه أجرُ مثل الأرض. فإذا استعملت الأرضُ وجب أجرُ المثل وإن لم تُخرِجْ شيئاً.
- وقال المالكية: ركنُ المزارعة ما تنعقد به على وجهٍ صحيح، وحكمها الجواز إذا استوفت شرائطها. أما الزرعُ في ذاته سواءٌ كان مشاركة، أو لا، فهو فرضُ كفاية لاحتياج الإنسان والحيوان إليه.
ويشترط المالكية لصحة المزارعة أربعةَ شروط:
الشرط الأول: أن لا يشتمل العقدُ على كراء الأرض، بشيء ممنوع، وذلك بأن تُجعلَ الأرضُ في مقابل البذر، لأنه يمتنعُ تأجيرُ الأرض بما ينبت بها مطلقاً.
الشرط الثاني: أن يتساوى الشريكان في الربح بأن يأخذَ كلُّ واحد منهما بنسبة ما دفع من رأس المال، فلا يجوزُ أن يدفعَ نصفَ النفقات ثم يأخذ الثلث.
الشرط الثالث: خلطُ زرّيعة كلّ من الشريكين ببعضها، سواءٌ كانت حباً أو غيره. فإذا كانت الزريعةُ من كل من الشريكين فإن المزارعةَ لا تصح إلا إذا خلط كل شيء منهما ما يخصّه بما يخصُّ صاحبه.
الشرط الرابع: أن يُخرجَ كلُّ واحد من الشريكين بذره مماثلاً لبذر صاحبه في الجنس والصنف، فلا يصحّ أن يخرج أحدهما قمحاً والآخر شعيراً أو ذرة.
أما فيما خص العقدَ، فقد اشترط المالكيةُ لصحته عدة أمور: أحدهما: أهلية العاقد. ثانيها: معرفةُ جنس البذر وقدره. ثالثها: تعيينُ الأرض وبيانُ مساحتها. رابعها: تعيينُ النوع الذي يراد زرعه. خامسها: أن يكون نصيبُ كلٍّ منهما شائعاً كالنصف أو الثلث.
أما أحكام المزارعة الفاسدة عندهم فهي على وجهين:
الوجه الأول: أن يعرفَ الفسادُ قبل الشروع في العمل، فيفسخ العقد.
الوجه الثاني: أن لا يعرفَ الفساد إلا بعد العمل، ويشتمل هذا الوجه على ست صور:
الصورة الأولى: أن يشترك المتعاقدان في العمل سواء كان عملُ كلّ واحدٍ منهما مساوياً لعمل الآخر أو غيرَ مساوٍ له، وأن تكونَ الأرضُ من أحدهما، والبذرُ من الآخر. وفسادُ هذه الصورة قد جاء من جعل البذر مقابلاً للأرض، وهو ممنوع لأنه لا يجوز تأجير الأرض بالطعام.
الصورة الثانية: أن يشتركَ المتعاقدان في العمل ولكن ليس لأحدهما سوى العمل، أما البذرُ والأرضُ وآلاتُ الزرع فللآخر. وفسادُ العقد هنا يكون بلفظ الإجارة لا بلفظ الشركة، فلا يكون للعامل من الزرع شيءٌ وإنما يكون له أجرُ مثلهِ في عمله.
الصورة الثالثة: أن ينفردَ أحد الشريكين بالعمل وأن يكونَ له مع عمله البذرُ. أما الأرض فتكونُ للآخر. وحكمُ هذه الصورة أن يكون الزرعُ للعامل وعليه أجرُ مثل الأرض. أما فسادُ هذه الصورة فهو أن الأرضَ وقعت في مقابلة العمل والبذر، أي جزءٌ منها مقابل العمل، وجزءٌ مقابل البذر وهذا لا يجوز.
الصورة الرابعة: أن يجعل جزء من البذر في مقابل الأرض، وجزء في مقابل العمل، وهذا لا يجوز.
الصورة الخامسة: أن ينفردَ أحدهما بالعمل وتكونَ الأرضُ والبذرُ لهما معاً. وهنا لا تتحققُ المساواةُ عندما يكونُ الزرعُ للعامل على أن يدفعَ لشريكه مثلَ بذره ومثلَ كراء أرضه، ويكونُ الفساد من جراء الظلم الذي يلحقُ بالعامل.
الصورة السادسة: أن ينفردَ أحدهما بالعمل، ولا يكونَ له شيءٌ سوى عمله، فلا يكون للعامل سوى أجرة عمله.
- وقال الشافعية: المزارعةُ بمعنى تأجير الأرض بما يخرج منها. فإذا عمل المزارعُ في أرضٍ، فالخارج من غلّتها يكون لمالكها، وعلى المالك أجرُ العامل.
على أنهم قالوا: إن المزارعةَ يمكن تحصيلُها في صورٍ أخرى ليس فيها تأجيرُ الأرض بما يخرج منها. ومن قبيل ذلك أن يخرج المالكُ الأرضَ والبذرَ ثم يعطي العاملَ نصفَ الأرض مشاعاً إعارةً، ويستأجره على النصف الآخر من الأرض بنصف البذر الذي يبذره العامل في الإعارة. وبهذه الصورة لا يكونُ هنالك استئجارٌ للأرض ببعض الخارج، بل استئجارُ المالكِ للعامل بالبذر الذي بذره. ومن قبيل ذلك أيضاً أن يدفعَ المالكُ الأرضَ ويقومَ المزارعُ بالعمل وتقديم الدواب أو الآلات اللازمة للزرع على أن تكون قيمةُ أجرة الأرض مساويةً لما يقوم به الزارع.
وهذه الصورة تتحققُ بثلاثة شروط:
الأول: أن يكونَ البذرُ من كلٍّ منهما.
الثاني: أن يأخذَ كلٌّ منهما نصيباً مساوياً لما دفعه.
الثالث: أن يقولَ المالكُ للعامل: قد أجرتك نصفَ الأرض بنصفِ العمل والدابة أو الآلة، حتى لا يوجدَ تأجيرُ الأرض بما يخرج منها.
- وقال الحنبلية: ركنُ المزارعة الإيجابُ والقبول. وتصحُّ المزارعةُ بلفظ الإجارة. وهي عقدٌ جائزٌ غيرُ لازم فيصحّ لكل من الطرفين فسخه ولو بعد إلقاء البذر، فإن فسخها ربُّ الأرض فإنه يُلزمُ أن يدفعَ للعامل أجرةَ عمله.
ويُشترطُ لصحة العقد أهلية العاقد، ومعرفةُ جنس البذر وقدره، وتعيينُ الأرض وبيان مساحتها، وتعيينُ النوع الذي يراد زرعُه. فلو قال المالك للعامل: إن زرعتها شعيراً فلك الربع، وإن زرعتها حنطةً فلك النصف، ولا يصح لوجود الجهالة.
ويصحّ أن يكون البذرُ أو البقرُ أو هما معاً على صاحب الأرض، وعلى الآخر العمل. كما يصح أن يقدّمَ أحدهما الأرضَ فقط، والآخرُ البذرَ والبقرَ والعمل..
ويُشترطُ أن يكونَ نصيبُ كلٍّ منهما شائعاً كالنصفِ أو الثلثِ أو نحو ذلك.
وهكذا يتحصل مما تقدم: أن المالكَ إذا لم يعيِّنْ نوعاً خاصاً للزرع، كان للعامل الخيارُ أن يزرعَ أيَّ نوع يشاء إذا كان البذرُ منه. ولكن لا بد من التقييد إذا لم تكن هنالك قرائنُ تعيّن نوعَ الزرع، فإن وُجدتْ وجب العملُ بها، لأن كثيراً من قطع الأرض لا يصلح لزرع جميع الأنواع. وإذا عيّن المالكُ نوعاً خاصاً كالحنطة فلا تجوزُ مخالفته، فإن خالف وزرع عدساً مثلاً، فللمالك الخيارُ بين الفسخ أو الإمضاء لعدم الوفاء بالشرط. فإن أمضى أخذ حصته المسمّاة، وإن فسخ كان الزرعُ للعامل، وعليه للمالك مثلُ أجرة الأرض، لأنه انتفع بملك غيره من غير إجارة، ولا تبرع من المالك، فوجب عليه العوض..
وكلُّ مزارعةٍ تقعُ فاسدةً: فالزرعُ لصاحب البذرُ، لأن النماءَ يتبعُ الأصلَ في الملك. فإن كان البذرُ من العامل فله الزرعُ بكامله، وعليه أجرة الأرض. وإن كان البذرُ للمالك فله الزرع وعليه أجرةُ العامل. وإن كان منهما فالزرعُ لكلّ منهما بنسبةِ ما أدى من البذر. وعلى المالك أجرةُ العمل بقدر ما استوفى من الزرع، وعلى العامل أجرةُ الأرض كذلك.
وإذا أهمل العاملُ المزارعة، وترك القطعة من غير زرع، حتى مضى الموسم، مع تمكين المالك له من الأرض، وتسليمه إياها، وعدم المانعِ من زرعها كالثلوج ونحوها، فهل يضمنُ العامل لصاحب الأرض أجرة المثل، أو لا شيء عليه؟.
الواقع أنه تلزمه أجرةُ المثل، لأنه فوّت على المالك المنفعةَ المستحقة له، ولأن العامل في المزارعة إلى مدةٍ معينةِ كالمستأجر، فكما أن على المستأجر أن يدفع الأجرة، حتى ولو لم يستثمر إطلاقاً، كذلك على المزارع أن يدفعها إذا أهمل. ولا يمكن القولُ هنا: إنه لا شيءَ على المزارع سوى الإثم، لأنه لم يتلف عيناً موجودةً في الخارج، حتى ينطبق عليه «من أتلف مالَ غيره فهو له ضامن» ولا وضع يده على شيء كي يصدق عليه حديث «على اليد ما أخذت، حتى تؤدي».. لا يقال ذلك لأنَّ موجبات الضمان لا تنحصرُ بالإتلاف واليد، فإن التسيّب أيضاً يوجبُ الضمان، وبديهة أن المزارعَ المهملَ يصدق عليه عرفاً أنه هو الذي فوّت الناتجَ على المالك، وأنه هو السببُ المانع من الاستيفاء، وهذا كافٍ للحكم عليه بالضمان.
للعامل أن يشاركَ الغيرَ ويزارعه:
اتفق الأئمة على أنه يجوز لمن استأجر أرضاً أن يعطيَها لغيره بالمزارعة، لأن المعيارَ لصحة المزارعة أن تكونَ منفعةُ الأرض مملوكةً لمن يزارع عليها. أما ملكيةُ رقبة الأرض فليست بشرط. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «لا بأس أن تستأجر الأرضَ بدراهم وأن تزارعَ الناسَ على الثلث، والربع، وأقل وأكثر، إذا كنت لا تأخذُ من الرجل إلا ما أخرجت أرضك».
وأيضاً يجوز للعامل الذي تقبل الأرضَ من المالك أن يزارع غيره، أي ينقل حقه بكامله في الزراعة إلى من شاء، شريطة أن يكون حقُّ المالك محفوظاً.
وأيضاً يجوزُ له أن يشاركَ في عمل الزراعة من شاء بشيء من حصته.. والوجهُ في ذلك أن العاملَ قد ملك المنفعة بعقد لازم، والناس مسلطون على أموالهم، فيكون له، والحال هذه، أن ينقلها كلًّا أو بعضاً إلى غيره، وليس لأحد أن يعارضه بشيء، كما أنّ له أن يبيعها، ويتعلق فيها حقُّ الدائنين، والخمسُ والزكاة، وما إلى ذلك من آثار الملكية.
والخلاصة أن المعيار في جواز المشاركة والمزارعة أن تكون المنفعة ملكاً للعامل، وليس من شك أنه مَلَكَ المنفعة بالعقد لا بالعمل، ولا بظهور الزرع، وعليه فيجوز له أن ينقلها إلى غيره بمجرد وقوع العقد. وقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن الرجل يبذر في الأرض مئة جريب أو أقل أو أكثر طعاماً أو غيره، فيأتيه رجل يقول له: خذ مني ثمن نصف هذا البذر الذي زرعته في الأرض، ونصفُ نفقتِك عليَّ وأشْركْني فيه؟ قال الإمام: لا بأس»[*] (الجريب: مكيال. والجريب من الأرض: مبذر هذا المكيال).
ضريبة الأرض:
اتفق الأئمة على أن الخراج (أي ضريبة السلطان على الأرض) إنما هو على صاحب الأرض، لا على العامل، ولا على الناتج المشترك بينه وبين المالك، لأن الضريبة موضوعة على الأرض نفسها... ولكن يجوز أن يشترط المالك على العامل أن تكون الضريبة عليه وحده، أو على الناتج. ولا يضر الجهل بمقدار الضريبة التي أخذت شرطاً، لأن الجهل في مثلها مغتفر شرعاً. فقد سئل الإمام جعفر (عليه السلام) عن الرجل تكون له الأرض عليها خراجٌ معلوم، وربما زاد، وربما نقص، فيدفعها إلى رجل على أن يكفيه خراجها، ويعطيه مائتي درهمٍ في السنة؟ قال: لا بأس[*].
«وسئل أيضاً عن رجل له أرض من أرض الخراج فيدفعها إلى رجل على أن يعمرها ويصلحها ويؤدِّي خراجها، وما كان من فضل فهو بينهما؟ قال: لا بأس»[*].
وجاءَ في كتب الحديث والفقه روايات عن أهل البيت (عليهم السلام) تصور ظلم الحكام وجورهم على الفلاحين والمواطنين إلى حدٍّ كان الناس يتركون أملاكهم إلى الغير تهرباً من الضرائب الفادحة. من تلك الروايات «أن الإمام الصادق (عليه السلام) سئل عن «الرجل يأتي أهل قرية وقد اعتدى عليهم السلطان، فضعفوا عن القيام بخراجها، والقرية في أيديهم، ولا يدري هي لهم أم لغيرهم فيها شيء، فيدفعونها إليه على أن يؤدِّي خراجها، فيأخذها منهم ويؤدي خراجها، ويفضل بعد ذلك شيء كثير.. فقال: لا بأس بذلك إذا كان الشرط عليهم بذلك»[*].
ثم إن العمل الذي فيه صلاح الزرع وبقاؤه، كالحرث والسقي والصيانة والنقية من الأعشاب الضارة هو على العامل، أما ما عدا ذلك: «كشق النهر، وحفر البئر، وتهيئة آلات السقي، ونحو ذلك فلا بد من تعيين كونها على أي منهما، إلا إذا كانت هناك عادة تغني عن التعيين»[*].
الـبـذر:
تقوم المزارعة على أن الأرض من أحدهما، والعمل من الآخر، ويدل على ذلك تعريفها، وعقدها الذي يتكون من الإيجاب من المالك والقبول من العامل. أما البذر فيجوز أن يكون من المالك وحده، ومن العامل كذلك، ومنهما بالتساوي أو التفاوت، سواء اتفقت حصةُ كلٍّ منهما من النماء، أو اختلفت. ولا يتعيَّن البذر على أحدهما أو عليهما إلا بالنَّص عليه منهما حين الاتِّفاق، أو تكون هناك عادة مستقرة فيجب العمل بها.
وإذا لم يبيّنا على من يكون البذر، ولا توجد عادة تغني عن البيان، فالذي يكون هو بطلان المزارعة لمكان الجهالة.
المزارعة بين أكثر من اثنين:
هل يصح أن تكون المزارعة بين أكثر من اثنين.. فالأرض من واحد، والبذر من ثانٍ، والعمل من ثالث، والبقر من رابع، مثلاً؟.
الملاحظ أنه ليس من الضروريّ إذا تم العقد بين اثنين، أن لا يتم بين أكثر، وإلا أشكل الأمر في الشركات التي تضم العشرات.. أما القول بوجوب الدليل على ذلك، فيرد عليه: بأن ليس من الضروريّ أن يكون الدليل نَصّاً خاصّاً على المعاملة بالذات، وإلا أشكل الأمر في أكثر المعاملات. فيكفي لصحة المعاملة آية: {تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} [النِّسَاء: 29] وللزومها آية: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المَائدة: 1]. هذا بالإضافة إلى إطلاق أدلة المزارعة الشاملة لما يقع بين اثنين، وأكثر.
انتهاء مدة المزارعة:
إذا حددت المزارعة بأمد معين، وانتهى الأمد، والزرع باق لم يبلغ بعدُ، فما هو الحكم؟.
قال بعض الفقهاء: يحق لصاحب الأرض أن يزيل الزرع من أرضه، سواء أكان التأخير بتقصير من الزارع، أو لحادث سماويّ، كتأخر المطر أو تغير الهواء، لأنّ حق الزارع قد انتهى بانتهاء الأمد.
وقال آخرون: إن كان التأخير بتقصيرٍ من الزارع فللمالك إزالة الزرع أو تركه، لأنه عند الانتهاء يكون الزارع كالغاصب، وإن كان بغير تقصيرٍ منه فيحب إبقاء الزرع إلى بلوغه وإدراكه..
والحق أنه لا يجوز للمالك أن يزيل الزرع إطلاقاً، حتى ولو كان التأخير بتقصير من الزارع، لأن هذا قد تصرف أول ما تصرف بحق وبسبب مشروع.. نعم، عليه أجرة الأرض للمدة الباقية.. أما قياس هذا الزارع على الغاصب فقياس مع الفارق، لأن الغاصب قد أقدم منذ البداية على هدر حقه، وعدم احترام ماله، ولذا تُهدَمُ الدار التي يبنيها في أرض الغير بالإجماع. أما الزارع فلم يُقْدم على شيء من ذلك. والغاصب يَصْدُق عليه حديثُ: «لا حقَّ لعرق ظالم»، ولا يصدق هذا الحديث على الزارع.
وإذا كانت لأحدهم أرض خربة فيجوز أن يعطيها لآخر على أن يصلحها، ويكون له ناتجها سنة أو أكثر، وبعدها يكون الناتج بينهما، لكلٍّ حصة معلومة.
وإذا بلغ الزرع، أو ظهر الثمر على الشجر جاز أن يتقبل الزرعَ والثمرَ رجلٌ بمقدارٍ معيّنٍ منهما. فإن جرت الصيغة بين المالك والمتقبل لزمت المعاملة، ولا يجوزُ العدول عنها إلا باتفاق الطرفين، وإلا فحكمها حكم المعاطاة تلزم بالأخذ والإعطاء أو بالتصرف. وإذا تبينت الزيادةُ فهي للمتقبل، وإن ظهر النقصان فعليه، شريطة أن لا يصابَ الزرعُ والثمرُ بآفةٍ تهلكهما قبل الحصاد والقطف، وإلا كان حكمها حكمَ تلفِ المبيع قبل قبضه من أنه من مال البائع. كما أن التلفَ والهلاكَ لو حصل بعد الحصاد والقطف فمن مال المتقبل، لأنه بحكم المشتري.
وإذا انتهى أمدُ الزراعة، وبعده نبت حبٌّ أو أفرخت جذورٌ من متخلفات الزراعة المشتركة، فإن كان البذرُ من صاحب الأرض فهو له، وإن كان من العامل فهو له، لأن النماءَ يتبع البذر، وعليه أجرةُ الأرض إلا إذا كان قد أعرض عما تخلف وبقي، كما هو الغالب.
بعضُ حالات التنازع في المزارعة:
1 - إذا اختلفا في المدة، فقال أحدهما: وقعت المزارعةُ لسنةٍ واحدة. وقال الآخر: بل لسنتين، فالقول قولُ منكر الزيادة مع يمينه، سواء أكان المالكَ أو العامل، لأن الأصلَ عدم استحقاق الزيادة لمن يدعيها.
وإذا اختلفا في مقدار الحصّة: فالقولُ قولُ صاحب البذر مع يمينه. حتى ولو ادعى الزيادة لنفسه، لأن النماءَ تابعٌ للبذر في الملكية، والأصل بقاؤه على ملكه، حتى يثبتَ انتقاله عنه بالإقرار أو البيّنة. وهذا بلا خلاف في شيءٍ من الحكمين.
2 - إذا قال الزارعُ للمالك بعد أن زرع أرضه: لقد أعرتنيها، فلا يَستحقُّ عليّ شيء، وقال المالك: بل أجّرتها لك بكذا. أو قال: زارعتك عليها بحصة معلومة، ولا بينةَ تُعيّن أحد الأمرين، فما هو الحكم؟.
من المتفق عليه في هذه الحالة أن صاحبَ الأرض يحلفُ على عدم العارية، لأنه منكرٌ لها. ولكن لا تثبتُ دعواه بالإجارة أو المزارعة إلا بالبيّنة.. وأيضاً يحلفُ الزارعُ على نفي المزارعة والإجارة، لأنه منكر لهما. ولكن لا تثبتُ دعواه العارية إلا بالبينة.. ومتى تحالفا سقطت كل من الدعويين. والواجبُ في مثل هذه الحال أن يختص الزارعُ بالزرع كله، لأن البذرَ له ومنه، وعليه أن يدفع للمالك أجرةَ المثل، لأن الإذنَ له بالتصرف لم يكن على وجهِ التبرع.. ولكن إذا زادت أجرةُ المثل على الحصة أو الأجرة التي ذكرها المالكُ استحق المقدارَ الذي ادعاه، لاعترافه بأنه لا يستحق أكثر منه.
3 - إذا قال الزارع: أعرتنيها. وقال المالك: بل اغتصبتها مني. حلف المالكُ وحده على نفي العارية، لأن الأصل بقاءُ منافعِ أرضه على ملكه، وعدمُ خروجها عنه بعارية أو بغيرها. وعلى مدعي العارية البينة، ولا تُقبلُ منه اليمينُ لأنه مدعٍ. ومتى حلف المالكُ طولب الزارعُ بأجرة المثل طوال المدة التي كانت الأرضُ في يده. وأيضاً عليه أن يزيلَ الزرع، وإن امتنع فللمالك أن يزيله قهراً عنه، ويحمله التكاليفَ وعوضَ الأضرار.
والفرق بين هذه المسألة، والتي قبلها، أن الزارع في السابقة كان مأذوناً بالتصرف باتِّفاق الطرفَين فلا نترتب عليه أحكام الغاصب. أما في هذه فلم يكن الزارع مأذوناً، فيؤخذ بأحكام الغاصب لعدم ثبوت الإذن له بالتصرف.




Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB