معجم الأمثال في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   845
تاريخ النشر :   2009




الفصل الثاني: أصناف الناس في الأمثال القرآنيَّة

لعلَّ من المزايا التي تفرَّد بها القرآن المجيد، ما نجد فيه من تصنيفٍ للناس بحسب قبولهم للهدى والتقوى، أو إعراضهم عن ذكر الله، وإيثارهم للكفر والشرك على عقيدة التوحيد ومقوماتها الإِيمانية.. ولذلك حفلت أمثالُهُ بما يوجِّه المؤمنين ويرشدهم إلى ما فيه خيرهم وفلاحهم.. في جانب.. وبما يبيّن صفات الكافرين، ومواصفات المشركين والمكذبين بآيات الله، ويدلهم على طريق الهدى، والتخلي عن معتقداتهم الضالة والمضلّلة، وبما يعدهم ربهم من قبول التوبة والمغفرة، أو يتوعدهم به من العذاب الأليم، إذا ظلّوا على غيّهم، واستكبارهم، وجرائمهم..في جانب آخر.. ليُظهر، من ثمَّ، الآثار والنتائج التي تترتب على معتقدات وأعمال هؤلاء وهؤلاء في الدارين.. وعلى هذا فإننا سوف نبحث في هذا الفصل:
- ملامحُ من التوجيه والإرشاد القرآني للمؤمنين.
- عبادةُ الكافرين لآلهةٍ مدعاة.
- أعمالُ الكافرين تذهب يوم الحساب طرائقَ قِدَدا.
- الفوارقُ بين المؤمنين والكافرين.
- الشرك وظلم المشركين لأنفسهم.
- النفاقُ ومواصفاتُ المنافقين وفعالُهم.
- إخْلادُ المكذّبين بآياتِ الله إلى الأرضِ واتّباعُهُمُ الأهواءَ.
الفقرة الأولى - ملامح من التوجيه والإرشاد للمؤمنين
الدين نور يُضيء القلوب، وشعلةٌ تهدي العقول. فمن آمن بدين الله، وهو الحق، اهتدى ونال الفوز في الدنيا والآخرة.. ومن ضلَّ عن هذا الدين فقد كفر بالله، وباء بالخسران، فحق عليه العذاب في الآخرة..
ولا يحسبنَّ أحد أنَّ متاع الحياة الدنيا وزخرفها، وما يمكن أن يحوز الإنسان من الغنى والثروة، أو ما ينال من النفوذ والسلطان، أو يتمتع به من اللذة والمرح.. يمكن أنَّ يُعدَّ غايةً قصوى بذاته، بل إنَّ رضوان الله تعالى هو أسمى الغايات، وأجلُّها على الاطلاق. فكل الأعمال، والتصورات، والقيم والمثل تكون باطلة وعقيمة إنْ لم تؤدِّ إلى رضى الله وطاعته.. وكل القلوب، والضمائر، والعقول والنوايا تكون ضالّة وحائرة إنْ لم تتوجَّه إلى الله تعالى، وتهتدي بهداه.. ولا يظنَّنَّ أحد أنَّ شقاء الحياة وهمومها، والتصدّع الذي يعصف بالكيان البشري من القهر، والقلق، والعذاب، والمرض، والجوع!. يمكن أن يحيد بالإنسان المؤمن عن الطريق المستقيم الذي يسلك، وعن الحق الذي يتّبع، فكل ما يصيبه من الابتلاء يزيده إيماناً، ورجاءً واحتساباً، لأنَّ إيمانه مبنيٌّ على التسليم والانقياد لخالقه، وعلى اليقين بأنَّ الله يفعل ما يشاء، ويحكم بما يريد - بالحكمة والعدل - وهذا هو معنى الإسلام.. وهذا الإِيمانُ والاستسلام لمشيئة الله له آثار نفسية هامة من شأنها أنْ تخفّف عن المؤمن تأثير المعاناة التي قد يواجهها، وتُصبِّره على الابتلاء الذي قد يقع فيه!.
وإلى جانب هذا الرضى والتسليم بقضاء الله وقدره، فإنَّ ميزة المؤمن على غيره، استدامته على الحمد والشكر لـربه تبارك وتعالى، بل وفضل المؤمن على غيره أنه لا يحمد ربه على ما آتاه وحده، بل وعلى ما يغدق على جميع خلقه وعباده من واسع الفضل وجزيل النعمة التي لا يمكن للناس عدُّها أو إحصاؤها، وبالتالي عدم إمكانية تصوّر مقدارها، تصديقاً لقوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34]. ولا شيء يمكن أنْ يمنح الإنسان مثل هذا الإيمان أكثر من العقيدة الدينية، وعقيدة التوحيد على وجه الخصوص، فهي وحدها التي تجعل جوانب الحياة كلها مضيئة بالنور والهداية، وهي وحدها التي تملأ النفوس زكاةً، والقلوب اطمئناناً، وهي وحدها التي تنير العقول وتحثها على استيقان الحقائق، وهي وحدها التي تزوِّد المؤمنين بالطاقة على العمل، والصبر على الاحتمال، حتى ينشروا الخير والصلاح بين الناس.
ومن النظر إلى واقع الحياة البشرية، يبدو لنا جلياً أن نفوس الناس ليست على مستوى واحد من الهداية والإيمان، ومن الضلال والكفر. بل إنها تتباين تبعاً لما تعتنق من العقائد الدينية، وتتقبل من الأفكار والمفاهيم، التي تتآلف وهذه العقيدة أو تلك، وما لذلك كله من تأثيرٍ على مدارك وميول وأهداف الناس، وعلى ما يتعلق بمسار حياتهم، ونمط العيش في البيئة المجتمعية التي يتواجدون فيها. وهذا ما يجعل النفوس على أنواع مختلفة، حيث نجد النفوس الزكية المؤمنة، المُسْلِمَة لله الواحد الأحد، وبمقابلها النفوس العاصية الكافرة، والنفوس الفاسقة الفاجرة، أو النفوس المادية الماجنة.. وبين هؤلاء وهؤلاء هناك النفوس المنافقة المذبذبة التي تتخبَّط بين إيمان ظاهرٍ، وكفرٍ باطنٍ، فلا تستقرَّ على منهجٍ لأيٍّ منهما!..
على أن النفوس البشرية، ومن حيث إن الله تعالى قد ألهمها فجورها وتقواها، فإنها لا تخرج في تصورنا، ووفقاً لاسترشادنا بالقرآن المبين، عن كونها:
- إمَّا نفوساً على صلة بـالله تعالى وهي النفوس المؤمنة، المهتدية والتقيّة حقاً..
- وإمَّا نفوساً قطعت كل صلة بـالله تعالى وهي النفوس الكافرة، أو المشركة، والضالّة فعلاً.
ويبقى حكم الله العزيز الحكيم، فهو الذي يهب النفوس الهداية أو الضلال، فيضل من يشاء، ويهدي من يشاء، لأنه أعلم بعباده، ومن يبتغي منهم الضلال، أو يكون أهلاً للهداية..
ولقد ثبت على مدى التاريخ البشري، أنَّ مسيرة الأنبياء والمرسلين لهداية الناس وصلاح حياتهم، كانت مسيرةً مباركة عبر العصور، بحيث توالت تلك البعثات لا يخلو منها زمان، حتى كان بعث خاتم النبيين محمد بن عبد الله رحمةً مهداةً للناس، وكان الكتاب الذي أنزل عليه هو هذا القرآن الذي يحمل الشفاء للنفوس مما علق فيها من الوثنية، أو ران عليها من الشرك، أو ما قد داهمها من الأمراض التي تزيدها فجوراً أو نفاقاً.. فهذا الكتاب المجيد، وبحركته العلاجية التي تلامس شغاف النفوس الصافية، إنما يزيد المؤمنين إيماناً وتقوىً، ويجعل نفوسهم مطمئنة إلى مصيرها في الدنيا والآخرة، وهذا في الوقت الذي يقدِّم العلاج لمن تاهوا عن الإيمان، كي يردهم إلى رحاب التوبة والمغفرة، ويحيي قلوبهم بنور الله التوّاب الرحيم.. ولكنَّ الشرط في الحالتين معرفة القرآن، والقبول - عن قناعة - بكل ما أودع فيه ربُّ العالمين من آياتٍ تهدي للتي هي أقوم!.. وهذا ما يستدعي لفت نظر الناس إليه، ولا سيما الذين يعرضون عن القرآن بالهجران أو الاستهتار، أو الذين يؤثرون استنكاره بالتعصّب أو الاستكبار، وكان إعراضهم عن كتاب الله عمداً، أو تعصُّباً أو تقصيراً!... فهؤلاء جميعاً يحملون أوزاراً كبيرةً، وسوف يلاقونها يوم الدِّين، لأن مصيرهم - وجميعِ العباد - إلى الله ربهم، وهو العزيز الحكيم، الذي يحاسبهم على كل حياتهم الدنيا سواء ما تعلق منها بالعقيدة، أو ما اتصل بها من الأعمال، والأقوال والنوايا، فضلاً عن كل ما يمت إلى الآخرة بصلة..فكل ذلك يترتب عليه آثار ونتائج يلاقيها الإنسان في الآخرة، والعاقبة يومئذٍ للمتقين.. مما يعني أنَّ الناس بالخيار أمام أمرين لا ثالث لهما: إما أنْ يسترشدوا بالقرآن الكريم، لأنه كتاب الرسالة السماوية الخاتمة إلى العالمين، وقد أمرهم الله تعالى أن يسيروا على نوره؛ وإمّا أنْ يمضوا بغير هدى من الله ونور مبين، والحكم في الآخرة للواحد الديّان، الذي يحاسب كل نفس على ما كانت عليه في الحياة الدنيا، بحيث يكون لها ما كسبت من الحسنات، وعليها ما اكتسبت من السيئات، وكان الله عليماً حكيماً.
وقد يسأل البعض: إذا كان القرآن {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ *} [البَقَرَة: 2]، فلماذا نجد بعضاً من آياته قد نسخت؟
والجواب: أولاً أنَّ هذا الأمر شأنٌ إلهيٌ فلا يجوز للإنسان أن يناقش فيه، فإذا قضى الله تعالى أنْ ينسخ بعض آيات من كتابه القرآن، أو ينسها، ليأتي بخير منها أو مثلها، فذلك من أجل مصلحة العباد، لأنه يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العُسر.. ثم ليعلم الإنسانُ أن هذا الكتاب هو قول الله، وهو وحده - جلّت مشيئته - من يملك أنْ يتصرف بآياته، بينما لا أحد في العالمين يقدر أنْ يبدِّل فيه ولو حرفاً واحداً، وما يشاعُ أحياناً - عن قصد أو غير قصد - من وجود أكثرُ من قرآنٍ واحدٍ، وفيها اختلاف، فتلك ترهات، وأقاويل مضلِّلة، وهي محضُ دسٍّ وافتراء لإشاعة الفرقة بين المسلمين، فلا يجدر بمؤمنٍ أنْ يأخذ بها، ولو من باب الظنّ. فالقرآن هو، هو، قرآنٌ واحدٌ كما أنزله ربُّ العالمين، وكما أبلغه الرسول الأمين (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، وكما جمعه الصحابة الأخيار في عهد الخلافة الراشدة.. وكلنا، نحن المسلمين، نقرأ هذا القرآنَ، ونهتدي بهديه، فليذهب الذين يريدون الإدخال عليه، أو التزوير في بعض نصوصه إلى الجحيم، لأنَّ الله تعالى الذي أنزله - بأحرفه، وكلماته، وآياته ورسمه - قد حفظه، وسيظل محفوظاً إلى يوم الدين. ولذلك كان النسخ في القرآن من الشواهد على قدرة الله تعالى، مصداقاً لقوله المبين: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *} [البَقَرَة: 106]. وهذا يعني أنَّ الله تعالى هو وليُّ الأمر والتدبير، ومنه أمر التبديل، والتغيير، ليس في قرآنه وحسب، بل وفي كل شيءٍ في الوجود؛ ولذلك أنزل الآية المباركة لتبيّن لنا أنَّ ما ينسخ الله تعالى أو ينسي من آيةٍ، أو من حكم، إنما ليأتينا بخيرٍ منها أو مثلها، ولكن بصيغةٍ أخرى، ونصٍّ آخر، زيادةً في النفع والتسهيل لنا. فالأحكام أنزلت في القرآن لصالح العباد، وقد يكون بعضها ممّا لا يطيقونه، فعندما يُنسخ، أو يُجعل منسيّاً، حكمٌ من تلك الأحكام التي قد ترهقهم، فإنَّ اللطيف الخبير يعوّضهم عنه بخير منه، أي مما يطيقونه، ويقدرون على احتماله، وهذا منتهى التيسير الذي يريده المولى الكريم لعبادة، ليس لأنه خيرٌ لهم وحسب، بل ولأنه أيضاً تربيةٌ للمؤمنين على الطاعة والخضوع لحكم ربهم بقبول الحكم الاْكثر عسراً، والتمسك من ثم بالحكم الأكثر يسراً واتباعه والعمل به.. وهذه من أهم جوانب التربية للنفس حيث ترى في النسخ رحمة إضافية، ولطفاً زائداً من ألطاف ربّـها الكريم لكي يحثّ الأنفس المؤمنة على تقبّل الأحكام جميعاً، سواء التي ترغّبها بالمحلَّلِ، أو تنهاها عن المحرَّم.
على أنَّ النسخ، أو التغيير الجزئيّ في الأحكام، إنما كان يقع مع تنزيل آيات القرآن لطفاً بالعباد، ولمقاصد تربوية - كما قلنا - فإذا ما أمر الله سبحانه وتعالى بنسخ[*] آية، أو إلقائها في عالم النسيان أتى بخير منها، أو مثلها أياً كان الحكم أو الشأن الذي تنزَّلت به الآية المنسوخة أو المنسيّة. والقرآن الكريم قليلٌ من آياته قد نسخ، وقد دلَّ عليها القرآن نفسه، ثم بيّن الآيات المنسوخة ليكون هذا الكتاب بعد انقطاع الوحي، قد اكتمل بصيغته النهائية والثابتة التي لا تقبل أي تعديل أو تبديل، ولا أي نسخ أو نسيان، باعتبار أنه لا وحيَ بعدها ولا تنزيل، لأن «محمداً» هو خاتم النبيين، فلا نبيَّ بعده كما يثبته قول الله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا *} [الأحزَاب: 40]. وهو أيضاً ما يشير إليه النبيّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، أثناء سفره في غزوة العسرة، في قوله لابن عمه عليّ بن أبي طالب: «أَلاَ تريدُ أنْ تكونَ مني بمنزلةِ هارونَ مِنْ موسَى إلاَّ أنه لا نبيَّ بعدي»[*] . وثبات الصيغة النهائية للقرآن الكريم يدلُّ يقيناً على أنه خيرُ ما يصلح للناس في شؤون دينهم ودنياهم. وكان من أمر ربنا العزيز أنْ يحفظ هذا الكتاب من عبث العابثين، ليبقى المعين الذي يمدُّ الحياة على الأرض بالرحمة الربانية والإنعام على العباد، وقد بيّن لنا حفظ القرآن قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *} [الحِجر: 9]، فلا يقدر أحدٌ أن يمسَّ آية من آياته بأي تحريف أو تبديل، أو أن يشوّه جمال أية لفظةٍ من ألفاظه بأي تزوير أو تعديل.
ويبقى أنْ نؤكد على أنَّ ذلك النسخ الذي حصل على بعض من آيات القرآن، إنّما هو برهانٌ يريد أنْ يقدِّمه القرآن ليوقر في أذهان الناس «أنَّ الله على كل شيء قدير».. فهو الذي ينزِّل الآيات، وهو القادر على نسخها أو إثباتها، تماماً كما هو القادر على أنْ يفعل ما يشاء، وكيفما يشاء، ومتى يشاء، وأنَّى يشاء، لأن أمره إذا أراد شيئاً أنْ يقول له: كن، فيكون. والإيمان بهذه الحقيقة من المسلمات في عقيدة التوحيد.. فهلاَّ آمن الإنسان، وأيقن بالحق المبين: «أنَّ الله على كل شيء قدير»، وأن القرآنَ منزَّلٌ من رب العالمين؟!.. وهذا الإيمان هو السبيل كي نستشفَّ ما في هذا القرآن من مزايا للمؤمنين، وما وُضِعَ على عاتقهم من تكاليف، وما انتدبوا إليه من المهمات والأعباء.. وجمعيها قد جعلتهم يوصفون بـ«المؤمنين»..
ويمكن أن نستدل على بعض من تلك الخصائص والسمات للمؤمنين من خلال الآيات المباركة التي وردت فيها الأمثال المجيدة، ومنها الأمثال التالية:
1 - خوف مؤمن آل فرعون أنْ يحلَّ بقومه مثلُ الذي حلَّ بالأقوام السابقين.
قال الله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ *يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ *وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد} [غَافر: 28-31].
في هذه الآيات الكريمة قصة رجل مؤمن من آل فرعون (قيل هو ابن عمه أو وزيره) كان يكتم إيمانه بـالله عن الناس، فلما أبى فرعونُ دعوةَ النبيّ موسى - عليه السلام - للإِيمان، وراح ذلك الطاغيةُ يتشاور مع بطانته، ويعدّون العدة لقتل هذا النبيِّ الكريم، لم يقف الرجل المؤمن من آل فرعون متفرجاً، ولا ساكتاً لأنَّ من صفات المؤمن في أي زمانٍ أو مكانٍ وُجد، ألاَّ يخاف في الله لومةَ لائم، وألاَّ يتورع عن قول الحق، ولو كان فيه حتفه، ولذلك نجده، بصدق إيمانه، قد تصدَّى لفرعون وملئه بالنصح، كي يكفّوا عن التآمر على قتل موسى (عليه السّلام) فقال لهم:
كيف تقتلون رجلاً «أنْ يقول ربيَّ الله»، وقد جاءكم بالمعجزات الظاهرات على صدق إيمانه. فإنْ يَكُ كاذباً فيما يقول، فإنَّ كذبه سوف يكشف في نهاية الأمر، وسوف يتحمل وزر كذبه وحدَه، لأنَّ الله تعالى لعن من هو مسرف كذاب، فلا يلاقي في نهاية المطاف إلاَّ عاقبة كذبه.. وإنْ يَكُ صادقاً، فإنَّ في تلبيتكم لدعوته خيراً لكم، إذ هو يعدكم العفو والمغفرة من الله، ونيل الأجر والثواب، فاتبعوه حتى لا يحل بكم العذابُ الذي يعدكم به، لأنَّ الله لا يهدي من هو كافرٌ، مسرفٌ في شركه وفي كذبه على الله ربّه!..
ثم يتابع الرجل المؤمن نصحَهُ لقومه قائلاً: يا قوم أنتم اليوم تملكون، وتحكمون أرض مصر، وأنتم غالبون في الملك والحكم في الأرض، فمن ينصرنا ومن ينجينا من عذاب الله، وشدّة بأسه، إنْ جاءنا هذا العذابُ لاستكباركم عن دعوة الإيمان بـالله تعالى، أو قتلكم النبيَّ موسى وأنصاره؟ فإنه لا ناصِرَ لكم يومئذٍ من عذاب الله، فاسمعوا قولي وأطيعوني!..
فهذا المؤمن يذكرهم، وينصح لهم خوفاً عليهم، ورأفة بهم.. ولكنّ فرعون تأخذه العزة بالإثم، فيقول للملأ من حوله: لا تنصتوا لهذا الرجل، ولا تصدقوه، ما أريكم إلاَّ ما أرى، وهو «الصواب»، وما أهديكم إلاَّ سبيل «الرشاد»، وهو مجدكم، وعزكم في حياتكم!.
ولم يسكت مؤمن آل فرعون، بل يرد على الطاغية ومَلَئه، ليزيد في تخويفهم وتحذيرهم، وهمُّهُ أنْ يوفر لهم السلامة والنجاة، لشدة ما يخاف أنْ يصيبهم مثلُ ما أصاب الأقوام السابقة التي تحزَّبت ضد أنبيائها، فرمتهم بالكذب والاستهزاء، أو أقدمت على قتلهم بدون حق، فحلَّ بهم الهلاك، والدمار والاندثار.. وأعطاهم المثلَ عما أصابَ أقوام نوحٍ وعادٍ وثمودَ، وغيرهم الذين جاؤوا من بعدهم، إذ حاق بهم غضب الله، من جراء إصرارهم على الكفر والشرك، لأنه لا ظلم أشد على النفس البشرية من كفرها، أو شركها بالله تعالى. ولو عقلت تلك الأقوام الحقائق التي جاءتها على لسان النبييّن والمرسلين، لأدركت، قبل فوات الأوان، أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - لا يريد ظلماً للعباد، بل إنه - سبحانه - منزَّه عن الظلم، ولكنَّ وعدَهُ بإنزال الهلاك بالأقوام الكافرين هو الحق، فكان العذابُ الذي حلَّ بهم من جنس الفعل الذي ارتكبوه.
ولم يكن نصح ذاك المؤمن من آل فرعون وحده الذي حفظته أمثالُ القرآن، بل ونصح النبي شعيب (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) لبني قومه.. فقد أبان لهم أنَّه لا يريد من دعوته لهم إلاَّ الإصلاح، فإنْ أصرّوا على عنادهم ومخالفتهم له، فإنَّ عاقبة ذلك هلاكهم، مثل الهلاك الذي أصاب أقواماً غيرهم، وهذا ما يهدي إليه قول الله تعالى، على لسان شعيب (عليه السّلام): {وَيَاقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ *} [هُود: 89] وذلك الهلاك الذي أصاب أولئك الأقوام يخبر القرآن الكريم، وفي آيات عديدة، أنَّ من آثاره ما يبقى شاهداً في الأرض ليعتبر الناس به، وذلك قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا *} [محَمَّد: 10]، أي وللكافرين أمثال عاقبة من كانوا قبلهم.. ويخلد موقف النبي شعيب (عليه السّلام)، وموقف مؤمن آل فرعون، على التاريخ مثالاً على صدق الإيمان، وشاهداً على أحقية النصح والتوعية للناس. وهذا ما يسري على جميع المصلحين عندما يقفون في وجه الظلم والاستبداد، ومناصرة قضايا الحق والعدل، وغيرها من القضايا المحورية مثل قضية الإيمان أو الكفر، كما هي الحال اليوم حيث الناس بأشد الحاجة إلى وجود المؤمنين الصادقين - كـأتباع الرسل، ومثالهم مؤمن آل فرعون - الذين هم وحدهم مؤهلون لأنْ يحملوا لواء التغيير والإصلاح، وأنْ يشهروا سلاح التوعية، ومحاربة كل ما يحيط بالحياة من المظالم والمفاسد، أو ما تحفل به الدنيا من الشرور والمعاصي، حتى يتوقف هذا التدهور الذي ينحدر الناس إليه في علاقاتهم مع بعضهم البعض، بعدما باتت أحوالهم أشدّ سوءاً وفساداً، عما كانت عليه الحال أيام الطاغية فرعون، الذي كان يصرُّ على قتل موسى (عليه السّلام)، لا لشيء إلاَّ «أن يقول ربّي الله».
ويقيناً أنه إذا بقي الناس على هذه الأوضاع التي نشهدها مما تمتلئ به الأرض من الجور والظلم والإلحاد، ومما يشيع في النفوس من الجفاء للإيمان، والابتعاد عن الحق، والانقياد وراء الباطل، فإن الهلاك الجماعيّ آتٍ لا محالة، والعذاب الساحق حالٌّ بلا ريب، وقد يكون أقرب بكثير مما يتوهم الناس أو يظنون.
وهذه دعوة للتحذير، فليتدارك الناس ما هم فيه، وما هم عليه، قبل أنْ يفوت الأوان.. {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ *} [غَافر: 31]، {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ *} [البَقَرَة: 57].
2 - نهي المؤمنين عن أنْ يكونوا كـالذين يسمعون قول الله ولا ينتفعون به.
يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ *وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ *إِنَّ شَرَّ الدَّوَآبِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ *وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأََسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ *} [الأنفَال: 20-23].
البارز في هذه النصوص القرآنية مخاطبة العليّ العظيم للمؤمنين مباشرة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [البَقَرَة: 104].. والميزة في الخطاب أنه تقديرٌ من ربّ العالمين للذين آمنوا، وتفضيل لهم على سواهم، من هؤلاء الذين لا ينعمون بشرف هذه المخاطبة، ولا يستأهلونها لأنهم ليسوا بمؤمنين...
أما فحوى الخطاب فإنه أمرٌ بالطاعة لله تعالى: طاعة صدق، وتقوى واهتداء.. والطاعة لرسوله محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم): طاعة تصديق، واتباع، وإخلاص، ومن ثَمَّ عدم التولي عنه، أو تركه، وعدم مخالفته في أمر، أو رأي، أو قول، أو سنّةٍ صدرت عنه..
وفي هذا الأمر من الله تعالى، بألاَّ يتولوا، أو يعرضوا عن رسوله، فرضٌ دائمٌ على المؤمنين جميعاً، أينما وجدوا في كل زمان ومكان. فالرسول (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) قد بلَّغ القرآن المجيد، وخلَّف سنته الشريفة، وكلاهما - القرآن والسنة - متلازم مع الآخر. فكان الفرض على المؤمنين بعدم الإِعراض عنهما أو تركهما، بل التمسك بهما، فهما العروة الوثقى التي لا انفصام لها.
ويرافق هذا الأمرَ بالطاعة، والنهيَ عن الإعراض، التحذيرُ.. أي تحذيرُ المؤمنين بألاَّ يكونوا كالمشركين، والمنافقين الذين يقولون: سمعنا من «محمد» ما يتلو من الآيات، وما يعظ به الناس!.. وهم - في الحقيقة - «لا يسمعون»، لأنَّ سماعهم يكون سطحياً وظاهرياً، وليس سماعَ تدبّرٍ وانتفاعٍ، أي من النوع الذي يتاح له مجال للنفاذ إلى القلوب، وملامسة النفوس في الأعماق.
أجل، يحذر ربُّ العالمين المؤمنين بألاَّ يكونوا مثل أولئك الناس.. مثل أولئك الذين يقولون سمعنا، بينما هم، في حقيقة الأمر، أبعد ما يكونون عن السماع الذي فيه التدبّر، والاتّعاظ، والعلم بالدعوة، مما يجعل سماعهم خلواً من أي فهم أو اقتناع، حتى صار مثلهم كـالدواب الصمّاء التي تسمع أصواتاً مبهمة، ولكن لا تدرك معانيها، والبكماء التي تطلق الأصوات، ولكنها لا تمتلك لغة النطق والبيان، لأنها بطبيعتها عاجزة عن هذا النطق والبيان، وغير مؤهلة له في خلقها، فكانت من شرِّ الدواب عند الله، أي أدناها مرتبة بين الدوابّ التي خلقها سبحانه وتعالى.
فإذا كانت تلك البهائم والحيوانات عجماء لا تسمع، ولا تعقل، ولا تنطق، ومن أجل ذلك كانت شرَّ الدواب - بالقياس للإنسان - كما وصفها الخلاَّقُ العليم، فما بال الإنسان الذي يدبُّ ويسعى في الحياة، وهو يتمتع بنعمة العقل والإدراك، وبنعمة النطق والإفهام، مثلما يتمتع بنعمة السمع والبصر.. أجل، ما باله في امتناعه عن استعمال تلك المدارك والملكات، في سبل الخير، والحق والصواب حتى يحقق إنسانيته؟ إنه في عدم سماعه للحق، وفي عدم اتباعه الحق، وقول الحق، يتدنَّى إلى مرتبة تلك الدواب ليصير مثلها، وكأنه قد فقد الملكات والخصائص المميزة له - والتي جعلته في الأصل إنساناً - فلم يعد يختلف عن شرّ الدواب عند الله بشيء، إلاَّ بصورته البشرية الظاهرة..
ومثل هؤلاء الناس، الذين خلت نفوسهم من أية استجابة للحق، من المحتوم ألاَّ يرجى منهم خير، ولو علم الله فيهم ذرةً من خيرٍ، أو استعداداً لقبول رشد، لكان هداهم إلى السماع المفيد، الذي يحمل التمييز والانتفاع!.. ولو أسمعهم الله تعالى سماع اليقظة والتدبّر، والاتعاظ، ثم خلاَّهم إلى سبيلهم، كي يأتي الاختيار منهم، فإنهم سوف يُعرضون عن ذلك، لا لشيء إلاَّ عناداً وجحوداً من عند أنفسهم.! ومن أجل ذلك نجدهم يصرّون على الاستكبار، والإعراض عن دعوات الأنبياء والصالحين، فيخرجون بإرادتهم عن طاعة ربّهم، مؤثرين غواية الشيطان، والركض وراء متع الحياة وغرورها، بدلاً من نعيم الآخرة وخلودها، فكانوا لا خير فيهم، وكانوا من الأخسرين مآلاً.
3 - عدم موالاة قومٍ غضب الله عليهم يئسوا من ثواب الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور.
يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ *} [المُمتَحنَة: 13].
إنها دائماً الحال نفسها مع المشركين والكفار، الذين ابتعدوا عن الإيمان بحقيقة وجود الله تعالى، وخرجوا عن عبادته بطواعية واختيار، فباؤوا بالغضب القاتل.. ولذلك ينزل التحذير للمؤمنين مرة جديدة، بألاَّ يتولوا قوماً غَضب الله عليهم.. وعدم موالاتهم تكون بألاَّ يتخذوهم أعواناً، ولا أصدقاء ولا حلفاء بشيء أبداً.. والسبب في ذلك أنه لا يمكن أنْ تأتلف النفوس المؤمنة، مع نفوس المغضوب عليهم من ربّهم، والضالين عن هدايته.
وهذا منتهى الرحمة بالعباد المؤمنين، فالأمر إليهم بألاَّ يتخذوا أعداء الله، وأعداء الإنسانية، وأعداءَ أهل الإيمان أولياءَ لهم، فهذا الأمر يقوم في جوهره على رعاية المؤمنين والحرص عليهم، لأن مثل تلك الموالاة تُفسدُ عليهم دينهم، وتقودهم إلى طريق الشر والباطل، فيقعون في التهلكة التي وقع فيها أصلاً أولئك الأولياء الأدعياء.. ذلكَ أنَّ قوماً غضب الله عليهم يكون مصيرهم ميؤوساً منه، وعاقبتهم سوءاً وبلاءً، فهم قد يئسوا من النجاة في الآخرة - مع يقينهم بها - كما يئس الكفار من أصحاب القبور، فلا ينبئونهم بشيء عن الآخرة، وما إذا كان فيها جنة ونارٌ.. أو كما يئس الكفار الأموات، بعدما صاروا في قبورهم، وعرفوا أن الحساب آتٍ ولا ريب، من أن يكون لهم أدنى حظ في الجنة. أو - ربما يكون المعنى - أن الكفار قد يئسوا، وهم في قبورهم، من العودة إلى الحياة الدنيا مرة أخرى، حتى يسيروا على طريق الهدى، ولكن أنّى لهم العودة إلى الدنيا بعد الموت، وسنة الله في خلقه، ألاَّ يعقبَ الموتَ إلاَّ النشور والحساب، ثم الخلود في الجنة أو في النار.
فما أروع هذا المثل القرآنيّ الذي يدلنا على مصير الذين غضب الله تعالى عليهم، ويبيّن لنا ما قد يحيق بهم من العذاب، بعد أن سدّوا بأيديهم، على أنفسهم، جميع سبل الأمل والخلاص.
4 - دعوة المؤمنين ليكونوا أنصاراً لله، كما كان الحواريون أنصارَ الله
يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحْوا ظَاهِرِينَ *} [الصَّف: 14].
وهذا النداء هو أيضاً نداءٌ مباشرٌ للمؤمنين من ربّهم بأنْ يكونوا أنصاراً لدينه القويم.. علماً بأنَّه - سبحانه - هو القادر المقتدر، وهو القوي المتين، فلا يحتاج إلى معونة أو مساعدة من عباده، لينصروه على أي أمر، لأنه الوليُّ والمتصرّف الذي يعود إليه كلُّ أمر، وكل شأن.. بل وفي قبضته السماوات والأرض، يأمر بما يريد، ويفعل ما يشاء.. ولكنَّه النداء للمؤمنين بأن يكونوا أنصارَ الله باعتناق عقيدة التوحيد، وما تلزمهم به هذه العقيدة من أمانة في أعناقهم، وهي نصرةُ الأنبياءِ والمرسلين، والدعاةِ من بعدهم لحمل دينه القيّم، مشاعلَ هداية في آفاق الأرض، ومناهجَ عمل في مجالات الحياة، حتى يعمَّ الخير والصلاح بين البشر.
وفضلاً عن ذلك فإنَّ هذا النص الكريم يوحي بأنَّ الإيمانَ أمر جوهريّ في الحياة، ولكنه وحده لا يكفي إنْ لم يقترن بالعمل الصالح، وبالجهاد في سبيل دين الله، وبخاصة عندما يدعو الواجب المقدس إلى مثل هذا الجهاد لمحاربة الشر والفساد، والقضاء على الظلم، والفسوق والعصيان.
وهذا الأمرُ الربانيُّ للمسلمين الذين اتبعوا النبيّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) كي يكونوا أنصاراً لله، فيعملوا على نشر دينه الإسلام، إنما يحمل في طياته نفس الدعوة التي أطلقها السيد المسيح، عيسى ابن مريم (عليهما السلام) إلى الحواريين[*]، عندما قال لهم: «من أنصاري إلى الله»؟
«قال الحواريون: نحن أنصار الله»!. فقد آمنّا بك عبداً لله، ورسولاً لبني إسرائيل. وقد آتاك الله الكتاب والحكمة، وجعلك نبياً، وجعلك مباركاً أينما كنت، وأوصاك بالصلاة والزكاة ما دمت حياً.. فهذا ما قلت لنا، وقد صدَّقناه، وآمنا به. وها نحن نجنّد أنفسنا بين يديك لننصرَ دين الله الذي تحمله نوراً وهدىً، ونذبّ عنه، ونحميه من عبث العابثين، وسفاهة المستكبرين والمنكرين..
فأولئك الحواريون هم أصفياء عيسى ابن مريم (عليهما السّلام)، الذين لبُّوا دعوتَهُ إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، وإلى نصرة دينه، فكانوا حقاً، أنصاره إلى الله سبحانه وتعالى.
ومن المعلوم أنَّ بني إسرائيل قد اختلفوا في بعث النبيّ عيسى (عليه السّلام) ، فآمنت طائفة منهم - وهم الحواريون - بأنَّ المسيح عيسى ابن مريم هو عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ، وكفرت طائفة أخرى بصدق رسالته. ووقع القتال بين الطائفتين: المؤمنة والكافرة، فأيَّد الله تعالى المؤمنين بالنصر، بما منحهم من قوة وبأس، فأصبحوا على أعدائهم ظاهرين..
ويتكرر نفس المشهد عند بعثة محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، إذ آمنت به فئةٌ قليلة من اليهود، فدخلوا في الإسلام طائعين مختارين، بينما أنكر أكثر اليهود نبوته، فكفروا برسالته، ولم يصدقوه بدعوته إلى الحق.. وكان من تبعة هذا الكفر الذي أظهره اليهود جهراً وعلانية، أنْ نقضوا عهد رسول الله، وآزروا المشركين في عداوتهم له. ثم كان إقدامهم على مقاتلة المسلمين. ولكنَّ الله عزَّ وجلَّ أيَّد المؤمنين بنصره، فكانت لهم الغلبة على اليهود والمشركين في مختلف النزاعات، ومشاهد القتال التي وقعت في تلك الحقبة من حياة الدعوة الإسلامية.
وها هي الحالة اليوم، وبعد انقضاء ما يزيد على ألف وأربعمائة وثمانٍ وعشرين سنة، كمثلها بالأمس، تنعكس بهذه العداوة من اليهود للمسلمين. إذْ يبدو أنَّ الحقد قد ظل يملأ قلوبهم على الإسلام وأهله منذ بزوغ فجر هذا الدين القويم، فجهدوا حتى أقاموا دولةً لهم في قلب العالم الإسلاميّ هي «دولة إسرائيل»... ثم بدأت منذ قيام تلك الدولة - وبتأييد من الغرب النصراني - حروبهم الظاهرة والخفية لقتل المسلمين واستلاب ثرواتهم. بل وما زالوا يعملون، ويستجدون العالم ليمدهم بالمال والسلاح، والدعم في المحافل والمنابر الدولية، وتقديم كل ما يوفّر لهم القوة والتسلط، وهمهم إخضاع المسلمين وإذلالهم، بل واجتثاث مقومات وجودهم من الجذور حتى لا تقوم لهم قائمة!!.. وقد أمكنهم تحقيق الغلبة عليهم في أكثر القضايا وأغلب الظروف، وكل ذلك بفعل مخططاتهم الجهنمية في محاربة الإسلام حتى يبعدوا الناس عنه!.. أما ما أصابَ المسلمين من الضعف والهوان فيكمن في عدم تطبيق الإسلام روحاً وشكلاً، وارتمائهم في أحضان أعدائهم، يلتمسون منهم العون وطلب المساعدة. وهذا ما أبعدهم عن أن يظلوا أنصاراً لله. لا بل إنَّ التخلّي عن فكرة الجهاد، بمختلف أشكاله المعنوية والمادية، هو الذي جعلهم تابعين لمن يريدون شراً بهم وبدينهم، ويخضعون لأوامرهم، وينصاعون للمواقف التي يتخذونها ضدهم بكل صلافةٍ وكبرياء!. فأين هم المؤمنون، بين المسلمين، الذين يدعوهم ربُهم العليّ القدير ليكونوا أنصاراً له: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} [الصَّف: 14] فينهضوا مجدداً من حالة السبات إلى حالة الوعي واليقظة التي ينصرون فيها دينهم القويم؟ وأين هم أولئك المؤمنون الذين يحضّهم القرآن، كتاب الله الخالد، على إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة؟ لا، لن تيأس أمة الإسلام، أمة «محمد» (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، من رحمة الله، على الرغم من كل ما يحيق بها من ظلم العالم وعدوانيته عليها، ولا سيما في تعهده كلياً لليهود بالنصرة والدعم!. حتى ليبدو هذا العالم وكأنه نسيَ الله تعالى.. ولا بدَّ أنْ تعود أمة التوحيد إلى أصالتها، فتنزل عن أكتافها أثقال التفرقة والانقسام، وأسبابَ الضعف والهوان، لترفع من جديد راية «لا إلهَ إلاَّ الله محمدٌ رسولُ الله» خفاقةً: نيةً وقولاً وعملاً، مستجيبة لدعوة الداعي، وأبناؤها الأبرار يهتفون: {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [آل عِمرَان: 52]..
5 - من جاء بالحسنة من المؤمنين فله عشر أمثالها.
يقول الله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ *} [الأنعَام: 160].
كما أنَّ كلَّ شيءٍ، وكلَّ شأنٍ، وكلَّ أمرٍ محصيّ في اللوح المحفوظ، كذلك كل عمل يقوم به الإِنسان مكتوبٌ، ومحصيّ عليه من قبل ملائكة مكرمين، أوكلهم الله تعالى أنْ يلازموه في رحلة عمره، ويثبتوا كل شيء يصدر عنه من خير أو شر، حتى تكون أعماله حاضرة يوم الدِّين، فيقرأ يومئذ كتابَ أعماله، وتشهد من ثَمَّ جوارحه على ما دُوِّن في هذا الكتاب من الحسنات والسيئات.. وإنَّ من واسعِ رحمة الله بعباده، أنه جلَّ وعلا ذو فضل على الناس، فيما يضاعف للمؤمنين من الحسنات، بحيث تكون الحسنة بعشر أضعافها، فلا يأتي مؤمنٌ حسنةً إلا وتكتب له عشرُ حسناتٍ من مثلها. وهذا منتهى الجود، والكرم والرحمة من ربّ العالمين.
أما السيئة التي يرتكبها الإنسان المسيء فلا تكتب عليه إلاَّ سيئة واحدة. ولا يكون العقاب إلاَّ على قدرها فقط، وهذا منتهى العدل، والإنصاف والرأفة بالعباد.
والحسنات التي يكون عليها الحساب يوم القيامة أكثر مما تُعدُّ أو تحصى، فتدخل فيها النية ما بين الإنسان ونفسه، مثلما يدخل فيها إحياء النفس المحترمة.
وعلى ذلك فإنَّ من الحسنات: الطاعات على أنواعها، وأعمال البر والخير على أي شكلٍ أتت.. فمن قام بصلاة، أو صوم، أو صدقةٍ، أو زكاة، أو حج.. كانت له فيها حسناتٌ.
ومن أعان مسكيناً، أو يتيماً أو أسيراً، ومن أطعم جائعاً، أو سقى عطشانَ، أو كسا عريانَ، أو زار مريضاً.. كانت له في ذلك حسنات.
بل ومن رأف بحيوان فأطعمه، أو سقاه، أو داواه، أو حماه فله فيه حسنات.. وحتى من أبعَدَ حجراً عن طريق فله فيه حسنة.
ومن أجلّ الحسنات وأسماها، اعتناق عقيدة التوحيد، وهدْي الآخرين إلى الإيمان بحقيقة وجود الله تعالى، والجهاد في سبيل الله، والإنفاق في سبيل الله، والإيمان بالغيب، ومخافة الله في السر والعلن.. ولا يقلُّ شأناً عن تلك الحسنات وسمّوها، مما يحبِّبُهُ إلينا الإسلامُ، أو يأمُرنا به من مثل: طلب العلم والتعلّم، وسؤال أهل الذكر، وتقصّد المعرفة، والتفقه في الدين، ومتابعة قراءة القرآن، والقدوة بـرسول الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) من خلال السيرة النبوية الشريفة...
أضف إلى ذلك مكارم الأخلاق كلها مثل: التواضع، والتراحم، والصدق، والإيثار، والرأفة، والحياء، والنظافة، والضيافة، والكياسة، وحسن الصحبة، وحسن المعشر، وعدم النميمة، وعدم الغيبة، وكراهية الكذب، وكراهية الفسق، وكراهية الفساد.. فهذه كلها من الحسنات التي تكتب للإنسان..
والحسنات جميعاً هي توفيق من الله تعالى، يهدي إليها عباده المؤمنين الصادقين، والعابدين الطائعين..
فكان جديراً بالإنسان أنْ يدرك ما هي الحسنات، صغيرها وكبيرها.. ولو علمها الإنسان لعَبَد الله ربه حق عبادته، لأنه (جلَّتْ عظمتُهُ) أهل للعبادة كما تهدينا إليه صفاته الإلهية، وتدلنا عليه أسماؤه الحسنى. ثم إنه سبحانه وتعالى، بالإضافة إلى ما يمدُّ به عبادَهُ، وخلْقَهُ - حتى العاصين والمنكرين - من نعمةٍ، وعطاءٍ وفضلٍ، فإنه يجعل لهم من الحسنة الواحدة التي يأتونها في الدنيا عشر حسناتٍ يوم الحساب: فمن قام بصلاة حسبت له عشر صلوات، ومن صام شهراً حسب له عشرة أشهر، ومن أنفق درهماً حسب له عشرة دراهم.. وهكذا كل حسنة مادية أو معنوية يضاعفها الجواد الكريم بعشر أمثالها، بينما بالمقابل لا يجازي على السيئة إلا بـمثلها أي بقدرها، دون زيادة أو نقصان.
ولو شاء الغفور الرحيم أنْ يغفر السيئات، لامّحت جميع ذنوب المؤمنين، ولكنه العدل الإلهيّ الذي جعل السيئة بمثلها فقط، لئلا يشعر المسيءُ، بأنه ظُلِم أو لحق به إحجافٌ، وهذا منتهى الرحمة، من ربّه الكريم، إذ لو شاء ربُّنا أنْ يحسب السيئة - مثل الحسنة - بعشر أمثالها، فمن يقدر من عباده على معارضة أمره، أو الاحتجاج عليه، فهو الخالق القادر، وهو المقدِّر والمدبّر، وإليه يرجع الأمر كله فلا شأن لعباده بتقديره أو بقضائه، وليس لأحدٍ من عباده أنْ يعترض، ولكنه سبحانه وتعالى قد وَسِعَ عبادَهُ رحمةً ومغفرَةَ، فجعل الحسنة بعشرة أمثالها، والسيئة بـمثلها فقط. فلا ظلم لعمل، ولا ضياع لحق. فـالله تعالى منزَّه عن الظلم، كما وصف نفسه في كتابه المجيد، وكما يعرفه عبادُهُ الصالحون. وهو سبحانه يكره الظلم، ويتوعد الظالمين بالعقاب الشديد، فهل يعقل أنْ يكون هناك أيُّ ظلمٍ للعباد إذا جعل ربُّهم جزاء السيئة مثلها، وجزاء المعصية مثلها، وجزاء الذنب مثله؟ حاشَ لله أنْ يكون في عدله ظلم، وهو الذي حرَّم سبحانه وتعالى على نفسه الظلم..
ولو أدرك العبد هذا العدل الإلهيّ على حقيقته، لبادر، ومن ساعته، إلى الإتيان بالحسنات حتى تضاعف له أضعافاً مضاعفة.. بل ولأبعد الظلم عن نفسه بصورة قاطعة، ولم يظلم غيرَه ولو مقدار شعرة واحدة، وبذلك يكون له الجزاء الأوفى يوم الحساب، وهذا ما أشار إليه أبو ذر الغفاريّ (رضي اللَّه عنه) بقوله: «حدَّثني الصادقُ المصدَّقُ أنَّ الله تعالى قال: الحسنةُ عَشْرٌ أو أزْيَدُ، والسيئةُ واحدةٌ أو أغْفَرُها»[*].
الفقرة الثانية - ظلم الكافرين لأنفسهم وجحودهم بأنعم الله
ونردد، ونكرر بأنَّ كلَّ شيء في الكون يدل على حقيقة وجود الله تعالى، وعلى أنه هو الخالق العظيم، والمدبر الحكيم. ولكنَّ أهل الجهل والغفلة أنكروا أنْ يكون للسماوات والأرض إلهٌ واحد يسيرهما وفق السنن التي قدَّرها، وجعلها ثابتة لا يطرأ عليها أي تبديل أو تحويل. كما استكبروا أنْ يكون للعالمين - من الإنس والجان - ربٌّ واحد، يرقبهم من عليائه، ويحصي عليهم كل حركة أو سكنة، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
وبسبب ذلك الجهل، والإنكار والاستكبار كانت عبادة أهل الكفر والضلال لآلهةٍ متعددة هي بدعة من خيالهم، أو تجسيد من صنع أيديهم، دون أنْ يسألوا نفوسهم، التي في صدورهم، إنْ كانت تقبل حقاً بعبادة مثل تلك الآلهة المزعومة، التي ليس لها أدنى قدرة على فعل شيء، بل ويستحيل عليها أنْ تفعل أي شيء!. ومِثْلُها أيضاً الآلهة الوهمية التي تصوّروها موجودةً في السماء، وجعلوها نوعاً من الغيب بينما هي في الحقيقة لا تعدو أن تكون ضرباً من الخيال الذي لا يمت إلى الواقع بصلة، والأمثلة عليها تلك الآلهة التي كان اليونان أو الرومان وغيرهم من الأمم الغابرة، يؤمنون بها.. ومثلها الكواكب التي عبدها الناس. لأنهم رأوا فيها قوىً تفوق قواهم، وأَلَقاً يسيطر على مداركهم!.. ومثلها كذلك تلك الأشجار، أو الحجارة، التي نحتوها تماثيل بأيديهم، ثم جعلوها آلهة، مع أنهم يرون بأم العين، ويدركون بالواقع المحسوس أنها مجرد جوامد لا حركة فيها، ولا وجدان لها، وهي لا تنفع ولا تضر بشيءٍ!..
أما الآلهة البشرية التي قدسوها مثل النمروذ في العراق، أو الفرعون في مصر، أو الأمبراطور في روما، أو في بلاد الصين وفارس.. أو غيرها من البلدان التي عبدت أرباباً متفرقة من البشر، فلم يكن لها من الألوهية إلاَّ الاسم، بينما في الواقع تجسدت بأشخاص مثل سائر الناس، استطاعوا بفعل ما يمتلكون من سطوة، وقدرة ونفوذ أنْ يبغوا على الآخرين من بني جنسهم، وأنْ يحكموهم بالظلم والطغيان، فانقادوا لهم، وأذعنوا لسلطانهم.. وذلك كله دون أن يكون لأولئك الأشخاص، الذين نصبوا أنفسهم آلهة، أدنى قدرة على الإتيان بشيء يخرجهم عن صفتهم البشرية ضعفاً، أو يجعلهم فوق مستوى البشر قداسةً!..
... فكل تلك العبادات كانت ضروباً من الكفر، والشرك، والجهل، والضلال.. لأنها عبادة الطواغيت والأهواء البشرية، أو عبادة الانحراف عن الحق، تماماً كما هي اليوم عبادة المال، أو عبادة الأوثان، أو اعتناق الآراء والنظريات الفلسفية الجاحدة، وغيرها من المعتقدات المادية، والشيطانية التي تخالف الفطرة البشرية، وتجافي الطبيعة الإنسانية، لشدة آثارها السيئة على مسيرة الإنسان في الأرض..
ومن هنا كان العجب في الإنسان عندما يعتنق هكذا عقائد زائفة وباطلة، ثم يجعلها موضع عبادة وتقديس!.. فكم يكون العمى ضارباً على بصر وبصيرة من ينكر حقيقة وجود الله تعالى، ويتّخذ من دونه آلهةً حتى يوقع نفسه في الكفر، أو الشرك، أو الإلحاد، أو النفاق؟!.. أفلا يرى اسمَ الله موقعاً على كل صفحة من صفحات الكون، وآياتِهِ باديةً في كل مخلوق من مخلوقاته، وآثارَهُ مرسومةً على كل صغيرة وكبيرة في الوجود كله؟
وكم يكون الضلال قوياً في النفوس حتى لا يؤمن الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله، كما فعلت القرون السابقة، وذلك عندما وقف أهل الكفر والشرك - وفي جميع عصور الظلم والإجرام - في وجه الأنبياء والمرسلين الذين كانوا يُبعثون من ربّ العالمين بالرسالات الهادية، والتعاليم الصادقة.. وقد ضرب الله تعالى المثل على فعالهم الباطلة، وأكاذيبهم المضلّلة بما دأب عليه آل فرعون ومن قبلهم، كما يبيّنه قوله تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ *} [الأنفَال: 52]، وقوله تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ *} [الأنفَال: 54]...
وكما ضرب الله تعالى المثل بآل فرعون على الذين كفروا، وكذَّبوا بآيات الله، فكانوا ظالمين، كذلك ضرب الله تعالى المثل بـ«عادٍ» التي لم يُخْلَق مثُلها في البلاد، إذ كان طول الواحد منهم أكثر من مائة ذراع، و«ثمودَ» الذين حفروا الصخور في واديهم واتخذوها بيوتاً لهم، و«فرعون» ذي الأوتاد الذي كان يأمر أنْ يوتدوا قضبان الحديد أو الخشب، فإذا أراد أن يعذب أحداً شدّوا يديْه ورجلَيْه إلى أربعة أوتاد.. فأولئك ضرب الله تعالى بهم المثل على ما طغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ *إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ *الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ *وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ *وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ *الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ *فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ *فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ *إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ *} [الفَجر: 6-14].. و لم يكن الطغاة في مكة، ومن آزرهم من أهل الجزيرة، أفضل من تلك الأقوام، فيما أنكروا على محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) نبوته، وبعثه رسولاً للناس كافة، وتكذيبهم بآيات القرآن التي كان يتلوها عليهم!.. فجاء القرآن المجيد يبين الآثام، والجرائم التي كان يرتكبها الطغاة، والمفسدون في البلاد في أي عصرٍ عاشوا، ولأي جماعةٍ بشريةٍ انتموا، من خلال الأمثال التي تصور أحوالهم وأوضاعهم بصورة مجملة، أحياناً، أو بصورة مفصّلةٍ، أحياناً أخرى. ومن قبيل تلك الأمثال القرآنية:
1 - ادعاء الكافرين بأنهم لو يشاؤون لقالوا مثلَ آياتِ القُرآن
قال الله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ *} [الأنفَال: 31].. تلك هي الكذبة التي اختلقوها حتى كادوا ليصدّقوها، إذ كان النضر بن الحارث يأتي من بلاد فارس وغيرها بالكتب التي تتحدث عن الأساطير والخرافات الموهومة، فيجمع الناس من حوله، ويحدثهم بها، ثم يقول لهم: أرأيتم إلى الآيات التي يتلوها عليكم «محمد»، إنْ هي إلاَّ أساطير الأولين!.. ونحن الأسياد في قريش، ولغتنا لغة الضاد، قد سمعنا ما يتلوه علينا من الآيات، ولو نشاء لقلنا مثلها..
ولكنْ ألم يكونوا كاذبين في قولهم هذا؟! بلى، وأول ما يدحض أكاذيبهم تلك أنهم جرّبوا كثيراً، وجمعوا حولهم عتاة الفصاحة والبلاغة، ولم يقدروا على أنْ يأتوا بأي شيءٍ من مثل القرآن!.. فكانت كل تخرّصاتهم مجرد افتراء على هذا القرآن المبين، الذي أنزله ربّ العالمين على محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وينقل العباد من مآسي الكفر والضلال إلى رحاب الإيمان واليقين، بما يملأ النفوس رجاءً وطمأنينة، ويشيع في البلاد الصلاح والإصلاح..
ولم يكن ذلك الصلف والتعنّت من المشركين في شبه الجزيرة، وفي مكة خاصة، وذلك الدهاء والمكر من اليهود، الذين كانوا يغذّون روح الاستكبار الأجوف في نفوس أولئك الطغمة من قريش، وقد تحالفوا جميعاً، سرّاً وعلانيةً، على العداوة للنبي (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)!. أجل، لم يكن ذلك إلا حلقةً من حلقات التآمر، ومناورةً من المناورات التي ليس لها هدف إلاَّ صرف الناس عن آيات القرآن.. في حين لو كانوا صادقين مع أنفسهم، ومع ما عندهم من باعٍ في اللغة العربية، لأقرّوا بأنَّ هذه الآيات إنما تتنزَّل حقاً من الله، قولاً مبيناً وذكراً حكيماً لمخاطبة النفس البشرية كي يجلوها من الصدأ الذي علق بها، وينقيها من الأدران والخبائث التي غلبت عليها، فيعود الإنسان إلى فطرته السليمة، ويتشوَّف الحق الذي يكمن في أعماقه، فينقاد طوعاً إلى الإيمان بـالله، ويهتدي إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم في الدنيا، والآخرة على السواء.. وهذا بالفعل ما كان يؤرق أولئك المشركين، لأنهم وجدوا في الدعوة للإيمان بالإسلام الذي يقوم على شهادة أنْ «لا إلهَ إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله»، دعوةً لطرح فكرة الآلهة المتعددة، واعتناق عقيدة ربانية تؤسس لعهد جديد في البشرية، قوامه الإخلاص لله الواحد الأحد، والتصديق ببعث «محمد» (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) رسولاً لكافة الناس.. إذاً فالدخول في الإسلام واعتناق عقيدة التوحيد إنما يُمثِّل قبل كل شيء إعلاناً للتمرد على سلطان البشر الجائر، والخروج من حاكمية العباد جملة وتفصيلاً، والفرار إلى الله تعالى، وإلى عدله في عباده. وهذا ما لم يكن شياطين قريش يريدونه، لأنَّ من شأنه أنْ يبدل أوضاعهم الجاهلية، وأنْ يُذهب بكل ما يملكون من السلطان، أو النفوذ الذي أولاهم السيادة على كل قبائل شبه جزيرة العرب، فضلاً عن أنَّه يحرر الضعفاء والفقراء من استغلالهم، واستعبادهم لهم!.. ولذلك كانت حرب قريش، ومن حالفها من اليهود، والقبائل الأخرى ضد النبيّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، وضد الإسلام على ذلك النحو من القذارة، وهي تتوسل لها مختلف الأدوات، ولاسيما المكر بالنبيّ، ذلك المكر الذي اعتمدوه منذ البداية، ومن ثم التمويه على عامة الجماهير من العرب بالكذب والخداع، كما نلاحظ في هذه الجولة من ادعائهم بالباطل، أنهم قادرون، لو يشاؤون، قولَ مثل هذا القرآن..
ولعلَّ تلك الاتجاهات لدى كبار المشركين في مكة، هي التي جعلتهم دهاة في الكذب، ودهاقنة في خداع الناس، وقد برز من بينهم ذلك الخبيث، النضر بن الحارث.. فقد كان من عادته الاتجار مع الحيرة، فكان يشتري هناك الكتب التي تحمل أخبار العجم، وأخبار غيرهم من الأمم، وجلها من أساطير الأولين، ثم يعود، ويحدث بها أهل مكة، موهماً إياهم بأنَّ ما يتلوه «محمد» (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) من آيات قرآنية إنما هو مأخوذٌ من تلك الكتب. وكانوا يصدقون النضر، بل ويجعلون الناسَ يصدقونه بسبب الدوافع الخبيثة التي كانت تطغى على نفوسهم، والتي فرضت عليهم تحريف الحقائق من أجل تكذيب النبيّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، وإنكار الوحي..
والحقيقة أنَّ النبيّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) ما كان ليبلّغ آيةً واحدةً إلا عن ربّه تبارك وتعالى، وما كان ليقرأ على الناس إلا قول الله عزَّ وجلَّ. وكان بإمكان أهل البلاغة والفصاحة من قريش - وهم يومئذٍ كثيرون - أنْ يجروا مجرد مقارنة بسيطة بين ما يتلوه عليهم محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) من آيات القرآن، وبين ما يجلب لهم النضر بن الحارث من كتب الأساطير والخرافات، حتى يجدوا الفرق بعيداً، والبون شاسعاً بين حقائق القرآن، وخرافات تلك الكتب التي يحملها النضر، لأن القرآن - ولا ريب - هو قول الله الحق، فلا يمكن لأقوال البشر أنْ تدانيه مهما علت في الفصاحة والبلاغة والحكمة، لا سيما وأنَّ القرآن سمته الإعجاز الذي تحدَّى به الثقلين، والذي لا يمكن لأي كتاب غيره في الأرض أنْ يتصف بإعجازه.. إذاً فكيف يجوز لمشركي قريش، أو غيرهم، أنْ يقولوا: قد سمعنا آيات القرآن، لو نشاء لقلنا مثل هذه الآيات؟! إلاَّ أنْ يكون قولهم محض كذب وخداع، وتلك هي الحقيقة.. فقد أرادوا أن يطفئوا نور القرآن - الذي هو من نور الله - بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون.. وها هو القرآن ما يزال نوراً مبيناً يضيء القلوب، ويهدي النفوس، وما يزال المعجزة التي فرضت نفسها على الرغم من أنوف المدعين في مشارق الأرض ومغاربها. ولكن الشرك طغى على النفوس، واستمرأ عُتُوَّهُ أهلُ البغي والطغيان، فكان لا بُدَّ أنْ يغلب عليهم شركهم من أجل الحفاظ على مصالحهم.. وهذا لا يكون إلا بمحاربة القرآن، فانبروا لتلك الحرب، حتى انتصر عليهم القرآن في النهاية.
وكذلك كان الوليد بن المغيرة من بين أولئك الكفار الماكرين في مكة، الذين أجمعوا على إسكات صوت الحق الذي يقض مضاجعهم، إذْ لم يجدوا بعد نقاش طويل في دار الندوة خيراً من الوليد يدفعونه للذهاب إلى النبيّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) كي يفاوضه على التخلي عن دعوته، مقابل أنْ يقدموا له ما يريد من المال والملك والسلطان.. فلما جاءه، أخذه الرسول الأعظم (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) باللين، والموعظة الحسنة، وهو يتلو على مسامعه من آيات القرآن ما يحمل عظيم المعاني والدلالات التي تقشعر لها الجلود، وتوجِفُ منها القلوب، مما أخرَسَ الوليدَ، وجعله عاجزاً عن التفوه بأية كلمة حول المهمة التي كلف بها، إذ لم يُبدِ - وهو بين يدي رسول الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) - أية معارضة للقرآن، ولا للدعوة التي يحملها النبيّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، بل ظل ساكتاً، وملء قلبه الوجل والخوف، حتى قام من مجلسه، وذهب مسرعاً إلى المتزعمين من قريش، ليخبرهم بحقيقة ما جرى معه، وعدم جرأته على مفاوضة «محمد» (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم).. وكما كان منتظراً، فقد واجهوه بالاستنكار، واتهموه بالجبن على موقفه، فانبرى أبو جهل ينفث حقد غضبه، وهو يزعق كالغراب في وجه الوليد قائلاً له:
- يا عمّ، إنَّ قومك قد جمعوا لك المال، وأعدّوا لك النصرة لتذهب إلى «محمد» وتغريه كي يتخلَّى عن دعوته، أو لتفنّد آراءه، وتدحض افتراءاته... ثم جئت لتقول إنك خرجت من عنده دون أنْ تُحاجَّه بشيء، أو تفاوضه على السكوت عن أمره؟!
فقال له الوليد: لقد علمت قريش أني من أكثرها مالاً!..
فقال له أبو جهل: فقل في «محمد» قولاً يبلغ قومك أنك منكر له، وكاره!.
فقال له الوليد: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم مني بالشعر، ولا برجزه أو قصيده، فوالله ما يشبه الذي يقوله «محمد» شيئاً من هذا. ووالله إنَّ لقوله لحلاوةً، وإنَّ عليه لطلاوةً، وإنه لمنيرٌ أعلاه، مشرقٌ أسفلُهُ، وإنه ليعلو وما يُعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته..
وهذا ما جعل أبا جهل اللعين ينتفض مثل الطير المذبوح، وهو يقول للوليد: وهل نتركه وشأنه؟ فوالله لا يرضى عنك قومك حتى تقول في «محمد»!..
قال الوليد: فدعني أفكر...
وجلس الوليد بن المغيرة يقدح زناد فكره حتى يقولَ بشأن «محمد» قولاً ترضى عنه قريش.. ويصفُ الله تعالى - وهو الذي يعلم ما في صدور الناس، ويعلم ما يبدون وما يخفون - ذلك القرشيّ الماكر، بآياتٍ بليغةٍ، فيها منتهى الدقة والتصوير لتعابير وجهه التي تدل على ما في نفسه من انفعال، وما في قلبه من حقد على النبيّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، ومقدارَ التأثّر الذي يبدو عليه، وهو يقدح زناد فكره بحثاً عما يقوله ويوافق أهواءه، وأهواء قريش، حتى ولو خالف بذلك حقيقة ما وجده في النبيّ، وما سمع منه من بليغ القول، وعظيم معناه. فجاء وصفه في هذه الآيات المبينة التي تظهر تلك الحالة للوليد بن المغيرة بقوله تعالى: {إِنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ *فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ *ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ *ثُمَّ نَظَرَ * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر * فقال إن هذا إلا سحر يؤثر * إن هذا إلا قول البشر} [المدَّثِّر: 18-25].
إنه حكم الله الكبير المتعال على ذلك الكافر اللعين بالقتل. ثم بالقتل - مكرراً - لما فكَّر وقدّر من التقوّل على القرآن المجيد بما ليس فيه، ومن ادّعائه زوراً وكذباً بأنَّ الآيات التي يتلوها «محمد» على الناس إنما هي سحرٌ مأخوذ من أقوال الساحرين.. ومثل هذا العقاب لذلك الكافر الحاقد، الوليد بن المغيرة، إنما كان لعلمه - تمام العلم - أنَّ القرآن ليس من عند «محمد» (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، وليس من عند أحدٍ من الناس، لأنَّه ليس لبشر أنْ يقول مثله، خصوصاً وأنَّ الوليد قد شهد هو على نفسه بأنه يعرف لغة العرب: صحيحَها من مدخولها، وبليغَها من ركيكها. وقد أقرَّ - أمام أغلظ المشركين وأشدهم عتواً من بني قومه - بأنَّ ما سمعه من محمد لقولٌ «يعلو وما يعلى عليه»، فكيف يجيز لنفسه أن يتنكَّر لهذه الحقيقة، وأَلاَّ يعلن على ملأ قريش أحقية القرآن، وصدق «محمد»، وأن يقول بخلاف الحق الذي عرفته نفسُهُ؟!.
وفي تصوير أمارات وجهه، وحركاته، يبرز ذلك الحاقدُ حائراً، مرتبكاً، وكأنه كلما لاحت له فكرة نظر إلى القوم من حوله يريد أنْ يقولها، ثم لا يلبث أنْ يتركها، ليعود من جديد إلى العبوس والتجهم، مع ما يرافق عبوسه من انقباض وكلوح.. ثم يغرق مرة أخرى في التفكير، ثم يعبس ويبسر، فيزيده ذلك انقباضاً وكلوحاً.. ويظل على هذه الحالة من التأزُّم في نفسه حتى يجد الفكرة الخبيثة، التي تجعله مُدْبِراً عن الإِيمان، مستكبراً عن اتباع الحق، فينطق بكفره وكذبه، مُدَّعياً أنَّ ما يقوله «محمد» إنْ هو إلاَّ سحر يؤثر عن السحرة، إنْ هو إلا قول البشر!!..
ذلك كان تقدير الوليد بن المغيرة، كما قاده إليه تفكيره. ولكنَّ حكم القادر المقتدر كان، في علمه السابق، قد صدر عليه بالقتل، وقتله سوف يكون، كما أخبر العليُّ العظيم بقوله الحق: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ *لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ *لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ *عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ *وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ *} [المدَّثِّر: 26-31].
أجل إنه حكم الله الحق، من الحق تبارك وتعالى، على كاذبٍ من عتاةِ قريش. لأنَّ كُفرَهُ بالقرآن كان صُراحاً، وتكذيبه لنبيّ الله كان بَواحاً.. وإنه الحكم الذي يستحقه كل مكذب بآيات الله تعالى، وبقرآنه المجيد، ولا يؤمن بنبوة رسوله الكريم محمد (عليه أفضل الصلاة والسلام).
وليس أعظمُ، ولا أشدُّ بلاءً على الكافرين والمشركين، الذين جاءهم الحق من ربهم فكذبوه، من العذابِ الأليم يخلدون به في نار جهنم المحرقة. ذلك العذابُ الذي يشبِّهه القرآن الكريم بالقتل، تدليلاً على شدته وقسوته، لأنه ليس شيء أقسى على الإِنسان من القتل. وما توكيد الآيات على نوع الجزاء إلا لتبيان ماهية جهنم ذات الشأن العظيم، التي لا تبقي على شيء، ولا تذر شيئاً يدخل فيها إلاَّ جعلته شِواءً، إذ تلتهمه التهاماً، لتحيله وقوداً لنارها، ولكن من غير أنْ يستحيل فيها إلى رمادٍ وينقضي، أو أنْ يحترق بجمرها وينتهي، بل كلما نضج جلده عاد كما كان، وعاوده عذاب القتل حرقاً، كـأشد ما كان.
أجل إنَّ نار جهنم تشوي المفترين على آيات الله، وعلى رسله، كذباً وعناداً، إذ يتقلّبون فيها بعذاب دائم، لا يحول ولا يزول.. ومن أجل ذلك كان لسقر (جهنم) ذلك الشأن العظيم وهي تقتل الكافرين على ذلك النحو الأليم!!..
وتبيّن الآيات الكريمةُ أنَّ الله تعالى جعل على جهنم تسعة عشر خازناً، أي حارساً. وقد سمَّاهم - سبحانه - أصحابَ النار، وهم من الملائكة. أما لماذا جعل عدتهم تسعة عشر، بهذا العدد المحدد، بدون زيادة أو نقصان، فلكي تكون هذه العدة فتنةً للذين كفروا، بحيث يتيهون في البحث عن معرفتها، فلا يقعون إلا على القلقِ والتخبُّط.. وقد برزت فعلاً تلك الفتنة للكفار، بعد نزول هذه الآيات المبيّنات؛ فمنهم من أخذها على محمل الجد، وراح يتفكَّر في معناها، حتى أشقته، دون أنْ يبلغ ماذا أرادَ الله تعالى بها مثلاً؛ ومنهم من أخذها على محمل الهزء والسخرية لضآلة العدد، إذ اكتفوا بظاهر النص، دون عناء التفكير في مقاصده؛ ومن هؤلاء كان أبو جهل الذي قال: يا معشر قريش!.. يزعم «محمد» أنَّ جنود الله الذين يعذبونكم في النار، هم تسعة عشر، وأنتم أكثر الناس عدداً، فهل يعجز مئة رجل منكم عن رجل منهم؟
وقال آخر من قريش يُدعى أبا الأشد: يا معشر قريش! لا يَهُولَنّكم التسعة عشر، أنا سأدفع عنكم بمنكبي الأيمن هذا عشرة، وبمنكبي الأيسر تسعة.. مما يتبيّن معه بوضوح أنَّ عِدَّةَ خزنة جهنم إنما كانت فتنةً للكفار والمشركين، لأنهم احتاروا في تفسيرها، وتحديدها، بل وأخذتهم الخشية والرعب من فكرة المصير في الآخرة التي يتهددهم بها القرآن، وهو يصوّر لهم «سقر» وما سوف تفعله بالبشر الذين ينقادون إليها راغمين..
هذا من ناحية مشركي مكة..
أما أهل الكتاب، فإنَّ ذكر أصحاب النار، وتحديد عدتهم لم يزدهم إلا استيقاناً بأحقية القرآن، لأنه يثبت ما جاء في كتبهم السماوية، ولعلَّ في هذا ما يجعلهم يعرفون الحق فيتبعوه، ويصدقون بعث النبيّ محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) فيدخلوا في الإسلام، ويعتنقوا عقيدة التوحيد..
وأما المؤمنون، فإنهم لا يتوقفون عند العدد، لأنهم يعلمون أنَّه الحق من ربهم، بل ينصرف تفكيرهم إلى تصوّر شأن جهنم العظيم، وما أُعِدَّ فيها للكافرين من العذاب الأليم، بينما هم يعدُهم ربهم جناتِ خُلدٍ عرضها السماوات والأرض، أعدت للمتقين، فيزدادون إيماناً واحتساباً.. ثم إنَّ هذا العدد لا يرتابُ ولا يتخوَّف منه أهل الكتاب، ولا المؤمنون، بل يقولون: سبحان الله العليم الحكيم، الذي أوكل إلى ملائكته بتكاليف عظيمة لا يقدر عليها البشر، ولا يحتملون القيام بها... في حين أن الذين في قلوبهم مرضٌ، من أهل الشك والنفاق، ومن الكافرين يقولون: ماذا أرادَ اللَّهُ بهذا العدد مثلاً؟ مما يعني أنَّ عدد الملائكة، أصحاب النار يحيِّرهم ويجعلهم ضالّين عن الحكمة، التي يريدها الله تعالى من هذا المثل، بل وفي قولهم هذا ما يؤذن بحالة الضياع والضلال التي أوقعوا بها نفوسهم.. كذلك، أي مثل الفتنة التي توقعها عدة الملائكة في نفوس الكافرين، فتضلّهم عن حكمتها، ومثل الاطمئنان الذي يداخل قلوب المؤمنين فيزدادون إيماناً، كذلك يضل الله تعالى من يشاء، ويهدي من يشاء.. أما عدد جنود الله، سواء الذين كلفوا بجهنم، أو بغيرها من شؤون الآخرة، أو الذين كلفوا بالعباد، وبشؤون الدنيا كافة، أو الذين أُعدُّوا لكل أمر يشاؤه ربَّ العالمين فلا يعلمهم، ولا يعلم عددهم إلاَّ هو سبحانه وتعالى. وما هذه الأمور جميعاً - سواء جهنم، أو خزنتها، أو فتنة الكافرين، واستيقان أهل الكتاب، وزيادة إيمان المؤمنين - إلاَّ ذكرى للبشر، من شأنها أنْ تستوقفهم للتفكّر والتدبّر..
فإذا سأل معترض: ولِمَ ورد القول: {وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ} [المدَّثِّر: 31] مع أن الاستيقان، وازدياد الإِيمان يدلاَّن على انتفاء الارتياب؟ قيل له: لأنه إذا حصل لهم إثبات اليقين، ونفي الشك، زادهم ذلك تأكيداً، وثباتاً على دينهم، وكان أكثر نفعاً لسكينة نفوسهم، وراحةً لقلوبهم، فيكونون بخلاف المرتابين، والمشككين، والكافرين الذي تتآكل نفوسهم بفعل الريبة والجهالة، وتضعف كياناتهم بتأثير النفاق والضلال، وكلها فتنة وابتلاء..
وإذا سأل آخر: ولِمَ كان ذكر المنافقين، الذي وصفهم الله سبحانه و{الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [المَائدة: 52] مع أنَّ الآيات أنزلت في مكة، ولم يكُ فيها نفاق، كما ظهر في المدينة؟ قيل له: إنَّ النص يهدف إلى بيان حال أهل الريب، والشك والذبذبة في كل مكانٍ، ممن لا يُقبلون على الإِسلام، فهؤلاء يظلون فريسة للفتنة التي تؤدي إلى العقد والأمراض النفسية، فتكون هذه النصوص من القرآن الكريم - فوق أنها تدل على أحوالهم - من أهم العوامل التي تبعث في نفوسهم ميلاً إلى فهم الإِسلام، ومن ثَمَّ للدخول في رياضه الغنّاء، وبذلك يتخلصون من عقدهم، ويشفون من أمراضهم، وذلك كله من هدى الله، إن الله يهدي من يشاء..
2 - ليس أظلم مِمَّنْ قالَ سأُنزِلُ مثلَ ما أنزل اللَّهُ من كتاب
يقول الله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ * ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} [الأنعَام: 92 - 93].
تبدأ هذه النصوص الكريمة بالتذكرة بحقيقة القرآن، وبأنه كتابٌ، أنزله الله تعالى، مباركاً، لتعمَّ بركاته الأرض وأهلها؛ وأنه مبارك أيضاً بتصديقه الكتب السماوية التي أنزلت من قبله هدىً ورحمةً.. وقد أنزله الله العزيز الحكيم على رسوله محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) لينذر أم القرى - مكة المكرمة - حيث كان يعيش، وحيث نزل عليه الوحيُ وباعتبار أنَّ مكة قد جعلها الله فوق محور الأرض، أو تحتها نقطة الارتكاز للأرض، لينطلق منها الإنذار إلى مَنْ حولها من أهالي مناطق شبه الجزيرة العرب، ثم لتنطلق الدعوة إلى الإسلام فتصل المدى الذي يريده الله تعالى، ولتبلغ أسماع الناس جميعاً في مختلف أطراف المعمورة..
فالبدء بإنذار أم القرى ومن حولها له دلالات كثيرة، وأبرزها:
- أنَّ الكعبة الشريفة، هي أول بيت بني لعبادة الله في الأرض، فكانت أمَّ المساجد التي يؤمها المسلمون في المشارق والمغارب، بل وأمَّ أماكن العبادة كلها حيث يتعبَّد الناس لله ربِّ العالمين..
- أنَّ إبراهيم وإسـماعيل (عليهما السّلام) قد أعادا رفعَ قـواعدِ هـذا البيت العتيق، بأمر من ربهما، لمكانته المقدسة عندَهُ عزَّ وجلَّ.
- أنَّ محمداً (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) خاتم النبيين هو من أم القرى، وقد بعث نبياً فيها، عندما نزل الوحي عليه وهو يتعبَّد في غار حراء، الذي يقع على أعلى قمة جبل النور، من أرض مكة المكرمة.
- أنَّ الكعبة - أعزَّها الله - وكما أثبت أهل العلم تقع على محور الأرض، التي تدور حول محورها في حركتها الدائمة ليل نهار، وعلى مدار السنوات، وإلى أنْ يرث الله تعالى الأرض ومن عليها. فكان حقاً أنْ تكون أم القرى هي نقطة الابتداء للدعوة إلى دين التوحيد، كما أراد الله تعالى، عندما أُنزل القرآن على قلب محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) في تلك البقعة المباركة من الأرض، فانبرى يبلّغه للناس، ويدعوهم للإيمان به، وبحقيقة ما يخبر عن الأمور الغيبية - مثل الآخرة - أو بما يأتي به من الفرائض - مثل الصلاة - أو غير ذلك من القضايا والأحكام والمواضيع والشؤون التي يتناولها القرآن، وبحيث يعتبر الكتاب الجامع الشامل الذي لا يترك شاردة ولا واردة إلا وذكرها بصورة مفصّلة أو مجملة كما شاءَ ربنا العزيز الحكيم. فالذين يؤمنون بالآخرة أنها حق، وأنَّ يوم القيامة حق، وأنَّ الحساب حق، يؤمنون بهذا القرآن الذي يقدم لهم البراهين والأدلة على حقيقة الآخرة بما يطمئن قلوبهم إلى الإيمان بها. ولذا تراهم يحافظون على صلواتهم، وعلى فرائضهم الأخرى جميعها، خوفاً من عذاب الآخرة.
وعلى خلاف هؤلاء المؤمنين، فإنَّ من الناس من يسعون ظلماً في العباد بشتى أنواعه، ومنها: الكفر، والشرك، والمعصية، وبخس الناس أشياءهم.. فكل من يكون لديه واحدة من هذه المظالم، أو ما يماثلها، فهو ظالم.. ولكن ليس أظلم ممن افترى على الله بتكذيب آياته، وزعم أنَّ القرآن غير منزل من عند الله تعالى، كما يدّعى زوراً وظلماً كثير من المشركين والكافرين، وهم يقولون بأنَّ القرآن مفترىً! ولكنَّ الله عزَّ وعلا، يكذّب كل أباطيلهم وتزويرهم للحقيقة، أي الحقيقة الثابتة والمطلقة، وهي أنَّ القرآن هو كتاب الله، وقد أنزله هدى ونوراً، وإصلاحاً لحياة العباد، ولذلك لا تكتفي نصوص القرآن بتكذيب أهل الباطل، بل وتتحداهم أنْ يأتوا بسورة من مثله، على وجه الافتراء، إنْ كانوا يستطيعون ذلك، يقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ *} [يُونس: 37-39]..
وكذلك ليس أظلم ممن افترى على الله بادعاء النبوة، وقال بأنه أوحيَ إليه، ولم يوحَ إليه بشيء.. وكذلك ليس أظلم ممن افترى على آيات القرآنِ، المنزلة على رسول الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) وما لها من جليل القدر لأنها كلام الله العلي العظيم، وقال بأنه سينزل مثل ما أنزل الله من تلك الآيات المباركة التي أعجزت الثقلين على أن يأتوا بمثلها!...
فكل من يفعل شيئاً من ذلك يعدُّ عند الله كذَّاباً ومفترياً، وهو بالتالي أشدّ الظالمين، مع ما يحمل هذا الظلم من كراهية ومقت لصاحبه، إن مِنَ الله رب العالمين، وإن من عباده الأبرار المؤمنين. فـالله سبحانه وتعالى يمقت الظلم، وقد حذر منه كثيراً، ونهى عنه نهياً جازماً في كتابه المبين. ثم أقر عباده، وخاصة أولئك الضحايا الذين يقع عليهم الظلم، أن يثوروا في وجه الظالمين، وبالفعل فإنَّ الثورات الكبرى إنما كانت بسبب الظلم والطغيان، وظهور الفساد في دنيا الناس، والتاريخ البشري خيرٌ شاهد على ذلك!.. ولذلك كان الظلم، بطبيعته، اعتداءً على حقوق الناس، فكيف إذا كان اعتداءً على قدسية ذي الجلال والإكرام، بنسبة الشريك أو الولد إليه وهو ربُّ جميع الناس وخالقهم، أو إذا كان اعتداءً على أمرٍ هو شأنٌ لله تعالى مثل الوحي الذي خصَّ به مِنْ عباده الصالحين مَنْ اختارهم، واصطفاهم لهذا الوحي..
وقد قيل في أسباب نزول «ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله» كما أخرج ابن جرير عن عكرمة، أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان من كتاب الوحي للنبيّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، فكان إذا أُمليَ عليه من مثل «عزيز حكيم»، يكتب: غفور رحيم. وأخرج عن السّدي نحوه، وزاد: أنَّ ابن أبي سرح كان يقول: إنْ كان «محمد» يوحى إليه، فقد أوحي إليَّ، وإنْ كان الله ينزله، فقد أنزلتُ مثلَ ما أنزلَ الله، قال محمد: «سميعاً عليماً»، فقلت أنا: عليماً حكيماً.. ولكن أمر ابن أبي سرح انكشف، فخرج عن الإسلام، ولحق بأهل الكفر من قريش، الذين كان همُّهُمُ الأكبر منع نور الإسلام من الانتشار، كما يثبته قول الله تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ *} [الصَّف: 8].
ولم يكن ابن أبي سرح وحده كذاباً لعيناً، بل ومثله مسيلمة الكذّاب، الذي ادعى النبوة في مطلع سريان الدعوة الإسلامية في شبه الجزيرة.. ومن أجل محاربة مثل تلك الدعوات، أو الادعاءات، وفي أي زمانٍ أتت، فقد أحكم الله تعالى في كتابه المجيد الآيات البيّنات التي تحرم كل كذب أو افتراء على الوحي، وتعدّه من أشد أنواع الظلم عتواً..
والسؤال: ولكن ما مصير الظالمين، وأياً كان نوع ظلمهم؟
هذا ما يبيّنهُ قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} [الأنعَام: 93] .. باسطو أيديهم للظالمين بالضرب، والتعذيب، وهم يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب إنْ كنتم قادرين!.. ولكن لن تقدروا، ولن تستطيعوا الإفلات من العقاب الذي تستحقون بسبب ادعائكم الكاذب بأنه أوحي إليكم، وبما كنتم تقولون على الله غير الحق، وبما كنتم عن آياته الكريمة تعرضون، وتتعالون وتستكبرون. وهذا يومكم الذي كنتم توعدون، فما قدرتموه حق قدره، وما حسبتم أنكم تبعثون، وأنكم ستحاسبون على كل ما كذَّبتم وقلتم.. فاليوم تجزون العذاب الهون بما كنتم تكذبون.
فيا سبحان الله، كيف يعرف الناس هذا، ويغرقون في الظلم - من أي نوع كان - وهو محرَّم وممقوت مقتاً شديداً من الله عزّ وجلّ. أفلا يتدبَّرون القرآن الذي ينهى عن الظلم، وينتفعون بهديه، أم على قلوب أقفالها؟!.
3 - مراد الكافرين أن يُؤتوا مثلَ ما أُوتي رسلُ الله
يقول العزيز الحكيم: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ *} [الأنعَام: 124].
قد يشكل الغرور، في أحيان كثيرة، حالةً مأساويةً من شأنها أن تثير الشفقة، بخلاف ظاهر الحال التي يكون عليها المغرور!.. ذلك أن الغرور من الأمراض النفسية المتأتية للإنسان من جرّاء موروثاتٍ، أو مؤثرات، أو نوازع أشربت بها النفس، فجعلتها تنحرف عن جادة الصواب. وهذا المرض الخبيث الذي تألفه النفوس الشريرة - من غير أنْ تشعر بفداحته وخطره - كثيراً ما يصيب المستكبرين، الذين يظنون في أنفسهم علواً على غيرهم، ومقدرةً على الإتيان بعظائم الأمور، دون سائر الناس!.. ويبدو أن بعضاً من القرشيين قد فعل هذا المرضُ فعلَهُ في قلوبهم، فكانوا إذا جاءتهم آية من آيات القرآن، وتلاها عليهم رسوله الأمين، قالوا: لن نؤمن حتى ينزل الله علينا مثل ما أنزل على «محمّد» من الآيات.
وكان الوليد بن المغيرة المخزومي أشدَّ طغاةِ قريشٍ استكباراً واعتداداً بنفسه، إذْ كان يرى بأنه هو أهلٌ للنبوّة، وليس محمد بن عبد الله، لأنه أكبر منه سناً، وأغنى مالاً، وأكثر وجاهة؛ ولم يكن ليتورع عن المجاهرة بذلك، في مناسبات عديدة، منذ أنْ بدأ النبيُّ ينذر الناس، ويدعوهم إلى الإسلام.. وأمانِيُّ النبوة كانت، على ما يبدو، بمثابة حلمٍ لأصلاف قريش الآخرين، أمثال أبي جهل عمرو بن هشام، أو أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، لأن ظهور نبيٍّ قد أطلَّ زمانه كان يرّوج له اليهود في شبه جزيرة العرب، لاعتقادهم بأنه سيكون من ظهرانيهم..
وكان جلُّ اهتمام أبي جهل وأبي سفيان الزعامةَ في قريش ورئاستها أولاً، والعمل لذلك بكل ما أوتيا من الجهد، والمال والجاه.. وكانا يحلمان أنْ تقترن الزعامةُ بالنبوة، وذلك هو المجد التليد!.. وقد أفصَحَ أبو جهل عن نزعته تلك يوم أن قال لصاحبه الأخنس بن شريق: «لقد تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا. حتى إذا تحاذينا الركبَ وكنا كفرسيْ رهان، قالوا: منا نبيٌّ يأتيه الوحي من السماء، فهل ندرك مثل هذا؟ واللات والعزى لا نؤمن به أبداً، ولا نصدقه»[*].
لا بل إنَّ بعث محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) بالنبوة والرسالة قد اتخذ منه رؤوس المشركين - ما بين مكة والطائف - قضيةً محورية، لأنهم لم يطيقوا أنْ يفلت هذا الأمر من أيديهم، أو على الأقل من أحد زعمائهم الكبار أمثال الوليد بن المغيرة المخزومي - في مكة - أو مسعود بن عمرو الثقفي - في الطائف - لما كان لهذين الرجلين من تأثير ونفوذ في نفوس القوم. وقد أظهر القرآن نزعتهم تلك، وفضحها على الملأ، بقول الله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ *} [الزّخرُف: 31].
أما أن يشترطوا هم على الله عزَّ وجلَّ، وأنْ يربطوا إيمانهم بوحيٍ يُنزَّل عليهم مثل رسل الله!.. فهذا منتهى الضلال، والاستكبار، والغرور، لأن: «الله أعلمُ حيث يضع رسالته».. فهو خالق العباد، وهو أعلم بحال كل واحدٍ منهم، ومَنْ هو أهل لحمل الأمانة، والقيام بأعباء النبوة والرسالة.. وإنَّ اصطفاء محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، أو من سبقوه من الأنبياء والمرسلين هو شأن لله وحده، فليس لعبادٍ ضِعافٍ، منكرين لنعماء الله عليهم، وجاحدين لفضله فيما آتاهم، أنْ يعترضوا، أو يدّعوا، غروراً وبهتاناً، ما ليسوا أهلاً له.. إلاَّ أنْ تزين لهم سفاهة أحلامهم مثل ذلك الاعتراض، أو أن تدّعي نفوسهم مثل ذاك الغرور والبهتان.. وكله باطل فاشل.. بل ومجرد اعتراضهم يُعدُّ جرماً فادحاً. وما عاقبة الذين أجرموا مثل هذا الجرم، إلا الصَّغَارُ والذلُّ عند الله العزيز الجبّار، والعذاب الشديد بما كانوا يمكرون، ويتآمرون على نبيه محمّدٍ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) ، وهم يدَّعون أنهم أحق منه بالبعثة.
لقد آثروا الغرور والاستكبار، فرأوا ألاَّ يؤمنوا إلاَّ بحسب أهوائهم ونزعاتهم، وقياساً على مصالحهم، فتاهوا عن الهدى والصلاح.. أما وتلك حالهم فذلك شأنهم، ولكن حقت عليهم كلمة ربهم: {لأََمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *} [هُود: 119] وسينالون العذاب الشديد بما كانوا يمكرون ويدّعون..
أمّا ما يشاء الله تعالى من خير لعباده، ومن هداية للمؤمنين الموقنين، أو إضلال للمنكرين والمستكبرين فيُبيِّنُهُ قوله تعالى:
{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ *} [الأنعَام: 125].
من الحقائق المطلقة التي يقررها القرآن المجيد بقول ربّ العالمين: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عِمرَان: 19]، وهذه الحقيقة لا مجال لإِنكارها، لأنها القولُ الحقّ، ومن الحقِّ تبارك وتعالى. فمن يُرِدِ الله أنْ يهديَ من عباده إلى ما فيه خيرُهُ، يشرحْ صدره لهذا الدين، فتمتلئ به جوارحه، ويطمئن به قلبه، ثم يقوّي فيه دواعيَ الاستمساك به. وقد سأل الصحابةُ رسولَ الله: كيف يشرح الله صدره يا رسول الله؟ قال: «نورٌ يَقْذِفُهُ الله في قلبِ المؤمنِ فيَنشَرِح لَهُ ويَنْفَسِح» . قالوا: فهل لذلك من أمارة يُعرف بها؟ قال: «الإِنابةُ إلى دارِ الخلودِ، والتَّجافي عَنْ دارِ الغُرورِ، والاستعدادُ للموتِ قبلَ لِقاءِ الموت» [*].
فهذا شأن من يريد الله تعالى أنْ يهديه إلى نور الإِيمان، الذي لا يكون إلاَّ بالإِسلام.
أما من يرد اللَّهُ تعالى أنْ يُضلّه، فإنه يجعل صدره ضيقاً عن استيعاب الإِسلام، قلا يتقبَّل هداه، بل وتغلب عليه وساوس الشيطان حتى تملأ صدره، وتضغط على قلبه، فيشعر - حقيقة وفعلاً - بأنَّ صدره قد ضاق من شدة هذا الضغط، وكأنـما يقذف به في السماء صعوداً، وكلما ازداد في هذا الصعود ارتفاعاً، اشتد الضيق والحرج على صدره حتى يصير عليه أعسر من ساعة الموت عند قبض روحه.
وقد دلَّت الاكتشافات العلمية أنَّ الإِنسان، عندما يصعد في الفضاء، ويخرج من جاذبية الأرض، يكون أكثرُ شيءٍ حاجةً إليه هو الأوكسيجين الذي ينعدم وجوده خارج فضاء هذه الأرض. وبما أنه لا حياة للإِنسان بلا أوكسيجين، فإنَّ فقدانه يؤدي إلى موته اختناقاً، مع ما يصاحب هذا الاختناق من الشعور بضيق الصدر، وبالآلام المبرحة الناتجة عنه. ولعلَّ من تصيبه أزمة قلبية أدرى بهذه الآلام من غيره.. فهـكذا هي حال من يضلّه اللَّهُ تعالى إذ يسلط عليه الوساوس، والهموم، والقلق والاضطراب، فتتأزم نفسه كأنما يصعّد في الفضاء بلا أوكسيجين يمدُّهُ بالحياة. وقد شاء الله أنْ يبين لنا بهذا المثل أن الإِسلام هو الحياة للإنسان، وهو قوام هنائها وراحتها الحقيقين، وبدون الإِسلام فإنه لا مجال إلاَّ لضيق الصدور، وقلق القلوب، وملازمة الشقاءِ والبؤس للناس. من هنا كان الدليل على أنَّ القرآن لم يُنزَّل إلى جيل، أو إلى أمة أو إلى مجتمع.. بل أنزل هذا الكتاب الكريم لكل الناس، ولكل العصور.. ولذلك كان الإسلامُ نور هداية ورشاد، ومصدر علم ومعرفة لكل من أرادَ أن يستقيَ من معين نور الله.
وكما تحل الآلام والعذاب بالإنسان في هذه الدنيا من شدة الضلال حتى تجعل صدره ضيقاً عن استيعابها، وغير قادر على احتمالها، كذلك سيكون عذاب الآخرة.. ولكن أشدَّ إيلاماً على من لا يؤمنون بالإسلام الذي أُنزل على قلب محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، لأنه وحده الدين الذي يُخرج الناس من الظلمات إلى النور. أما قوله تعالى: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ *} [الأنعَام: 125]، فالرجس هنا يعني: العذاب، فيكون المعنى: ومثل ذلك الضيق والحرج في الصدور، يجعل الله تعالى العذاب على الذين لا يؤمنون بالإسلام، بعدما جاءهم الهدي، فأبوا إلاَّ كفوراَ، وما كانت عاقبة كفرهم إلاَّ الضلال البعيد.. ويقول الله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ *} [النّحل: 33]، أي هل ينتظر الكفار إلاَّ الملائكة تأتي لقبض أرواحهم، أو يمهلون إلى أن يأتيهم عذاب الله، إنْ في الدنيا، أو يوم القيامة؟!. وكما يفعل هؤلاء الكفار، فقد فعل الذين من قبلهم من الأمم أو الجماعات السابقة، عندما كذّبوا رسلهم فأخذهم الله بالعذاب الأليم، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون..
4 - الكافر كـمن مَثَلُهُ في الظلمات ليس بخارج منها
يقول الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *} [الأنعَام: 122].
يرسم لنا هذا النص القرآنيّ صوراً حسّية شتى: الموت والحياة، والنور والظلام.. أربع صور لا تخلو منها حياة الإنسان، ولكل منها تأثيره البالغ عليه. ففي الموت يفنى جسده وينعدم نهائياً من هذه الحياة الدنيا، وفي الحياة يتجسَّدُ وجوده بكل ما يمتلئ به من الحركة، والنشاط، والحيوية، وذلك منذ تكوينه في بطن أمه، وإلى نهاية عمره، وحلول أجله الذي لا مفرَّ منه..
أما النور فإنَّ فيه دلالة على عيش الإنسان في حركته الدائمة، من الصحة والنشاط والعمل، ومن التأثر بما يحيط به، أو التأثير الذي يحدثه في محيطه، والذي ينطلق، عادةً، من البوتقة الفردية إلى البيئة العائلية، ومنها إلى المجتمع الذي ينتمي إليه، وربما يتسع تأثيره حتى يصل إلى رحاب الإنسانية، وهي حال الأفذاذ والنوابغ الذين يخلفون من الآثار، ما قد يُؤثر على حياة الناس أجمعين..
وأما الظلام فهو على عكس النور، لأنه يعني السكون، وعدم وجود المقومات التي تمكّن من الحركة أو الإنتاج أو التأثير، أي أنه من أهم معوقات الإنسان عن العطاء الذي يمكّنه من التفاعل مع الحياة، في كل شيء قد يصل إليه، أو يحتكُّ به..
ولعلَّ أهم ما يُريد النص القرآنيّ أنْ يوجهنا إليه من هذه الصور الأربع، وتأثيراتها علينا، هو التمييز بين الكفر والإيمان، مع إثبات صورة عجيبة في أذهاننا وهي إعادة ميت إلى الحياة، وسعيه بين الناس بأفضل مما كان عليه قبل موته. وهذه الصورة المقصود منها الإنسان الكافر، الذي يكون بمثابة الميت في كفره، فيهديه ربُّهُ العليّ الكبير إلى الإيمان، وفي إيمانه تكون حياته. ولكي يظل على هذا الإيمان، فإنَّ الله تعالى قد جعلَ له نوراً دائماً يهديه من عثرات الحياة، وهذا النور هو القرآن المبين بما فيه من العلم، والحكمة، والموعظة، وبما فيه من راحة للأبدان، وشفاء لما في الصدور من الأمراض التي تعتري النفوس، وتسبب باستحكامها فيها الشقاء للإنسان حتى لتحيل - أحياناً - حياته إلى جحيمٍ لا يطاق. فالقرآن هو هذا النور الهادي، الشافي، وقد جاءت تسمية القرآن ب«النور» في أكثر من آية، كما في قول الله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ *} [التّغَابُن: 8]، وهذا النور - أي القرآن - يمكن أن يحمله المؤمن في قلبه، وعلى لسانه، وبين يديه، ويمشي به في الناس، تالياً آياته، مستوعباً معانيها، ناشراً أحكامها وعظاتها.. ولكنَّ السؤال هو: هل يمكن أنْ يكون مَثَلُ المؤمن الذي رضي الله تعالى عنه، فأخرجه من الظلمات إلى النور - أي من الكفر إلى الإِيمان - كمثل من يبقى في ظلمات الجهل والكفر لا يخرج منها؟
لا، فإنَّ من بديهيات القول أنَّ الظلمة هي عكس النور. وقد وردت في القرآن الكريم تسمية الجهل بالظلمة، مثلـما وردت تسمية الإِيمان بالنور.. فيكون الكافر إذاً، هو الجاهل الضال، القابع في غياهب الظلمات لا يبصر عِلماً ربانيّاً، ولا يرى نوراً إيمانيّاً، فلا يهتدي بالتالي إلى حقائق الأشياء، بما يرضي الله تعالى..
وبالمقارنة ما بين المؤمن والكافر، ووصفهما، بالحي والميت، أورد القرآن الكريم هذا الوصف في آيات عديدة، ومنها قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النَّمل: 80].
{لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} [يس: 70].
{وَمَا يسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ} [فَاطِر: 22].
ومن هنا كان التعبير عن القرآن، والإِيمان، والعلم، بـ«النور» الذي هو الإِبصار والاهتداء. كما كان التعبير عن الكفر، والجهل، والضلال بـ«الظلام» الذي هو بمثابة العمى والتيه، ولذلك سمَّى القرآنُ الكريمُ الكافرَ بـ«الأعمى» الذي تغطي الظلمة بصره وبصيرته، كما في قوله تعالى:
{وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ *} [فَاطِر: 19].
{أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} [الرّعد: 19]، أي مثل من هو أعمى عن هذه الحقيقة الساطعة؟!..
ولذلك كان الإِيمان ضد الكفر. وكان المؤمنون غير الكافرين في كل شيء.. وكما زُيّن للمؤمنين الإِيمان والطاعات، فـكذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون من المعاصي والذنوب.
والله تعالى هو الذي يجعل الإِيمان يعمر قلوب المؤمنين، فكانوا راضين مرضيين؛ بينما تحيط شياطينُ الإِنس والجن بالكافرين، فتوقعهم في الضلال والبهتان، فيعصون الرحمنَ بأقوالهم وأفعالهم، ليعيشوا في الدنيا ضالّين، ومفسدين، وهم في الآخرة من الخاسرين.
5 - المعرضون عن ذكر الله كالحُمر الوحشية التي فرَّت من أسد
يقول الله تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ *كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ *فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ *بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً *كَلاَّ بَلْ لاَ يَخَافُونَ الآخِرَةَ *كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ *فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ *} [المدَّثِّر: 49-55] }.
يبدو جلياً لكل عاقل منصف أنَّ القرآن الحكيم هو الكتاب الذي يهدي الناس إلى الصلة الحق، التي يجب أنْ تربط العباد بربهم وخالقهم، من خلال تبيان العبادات والفرائض التي تؤمن لهم هذه الصلة، وتعينهم على اجتياز الحياة الدنيا بأمانٍ إلى الدار الآخرة.. كما يحدّد لهم، في الوقت نفسه، قواعدَ السلوك الفردية، ومناهج العلاقات العائلية، والمجتمعية والإنسانية التي يريدها مبنيَّةً على روح التآخي، والتآلف والاستقامة بعيداً عن كل ما يسيء إلى الكرامة الشخصية، أو يضر بالحياة البشرية في مسيرتها الدائبة، وفي توجُّهها إلى الله تعالى، بحيث يشكل ذلك كله نسيجاً متكاملاً للحكم بما أنزل الله، دون سائر أحكام أهل الأرض.. وعلى الرغم من ذلك فإنَّ معظم الناس يعرضون عن «التذكرة»، أي عن القرآن الذي تُذكِّر آياتُهُ، وتعظ بما هو حق للإنسان، وبما هو واجب عليه، ومن غير أن تنفع مع أكثر الناس هذه التذكرة بشيء!.. فكان لا بدَّ أنْ يلاقوا جزاء إعراضهم - وما يجرُّ إليه - في الآخرة، حيث يتوعّدهم ربُهم العزيز الحكيم بأنَّ أبواب سقر (جهنم) سوف تُفتَّح لهم يوم الدين!.. ولو سئل - يومئذ - أصحاب النار: ما أدخلكم في سقر؟ فسوف يكون جوابهم:
{قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ *وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ *وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ *وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ *حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ *} [المدَّثِّر: 43-47].
{حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ *} [المدَّثِّر: 47].. أي حتى أتانا الموت، ثم بعثنا للحساب، فوجدنا ما كفرناه، وكذبنا به، حقاً يقيناً!..
ولكنْ ما نفع استيقانهم بعد الموت، ويوم الحشر بالذات؟! ولماذا لم يعودوا إلى الرشد، قبل الوصول إلى ذلك اليوم، بحيثُ لا يبقون معرضين عن الصلة التي تربطهم بـالله تعالى، وهو أهل التقوى والمغفرة، لاسيما وأنَّ القرآن قائمٌ بين أظهر الناس جميعاً، ويمكنهم أنْ يستفيدوا مما يعظهم به من العاقبة الحسنى للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ومما يذكّرهم به من أحقيّة البعث الذي هو حق مثلما أنهم ينطقون.. وزيادة في العظة والتبيان، فإنَّ هذا القرآن يشبِّهُ حال المعرضين عن آياته، وتدبّر أحكامها ومقاصدها، بالحمير الوحشية التي تستنفر لمجرد رؤية الأسد، وتفرُّ منه خوفاً على حياتها؛ فهم في إعراضهم اليوم في الدنيا عن الإيمان بالله، وعدم اعتناق الإسلام، مثل الحمير الوحشية تماماً في هروبها، خوفاً من الأسد الذي يفترسها..
وهذا التشبيه يعتبر من بديع القياس التمثيلي، لأن الإعراض عن آيات الله في قرآنه، هو دليل على الجهل والضلال، فكما أنَّ تلك الحيوانات البرية المستوحشة - التي لا تعقل - تقودها غريزتها إلى الفرار من الخطر، هكذا، هم، الذين يعرضون عن القرآن، وكأنهم يجدون فيه خطراً على وجودهم، فيستنفرون كلَّ جهودهم لتغييبه عن حياتهم، وحياة غيرهم من الناس!.. وهذا يعني، بطريقة اخرى، أنَّ المعرضين عن ذكر الله - وهم أصحاب العقول التي فيها الإِدراك والتمييز - أضلُّ من تلك الحيوانات العجماء، فهي تهرب من الخطر كلّما داهم غريزتَها شيءٌ منه، بينما هم يعرضون عن القرآن الذي ينقذهم - لو اتّبعوه - من آثام الدنيا، وعذاب الآخرة..وهذا، بالإضافة إلى أنَّ تعبير «المستنفرة» أبلغ من «النافرة»، لأنه يعني أنها لشدة خوفها يستنفر بعضُها بعضاً، ويحثه على الهرب، تماماً كما هو حال المعرضين عن الذكر الحكيم، الذين يتواصون، ويحضّون بعضهم بعضاً على الإعراض عنه، ثم ينفرون من ذكر آيات الله بصورة جماعية.
ولكن لماذا هذا التعنت وعدم الإقرار بصدق القرآن، ومن ثم الاستكبار على ما فيه من «التذكرة» والموعظة؟ وماذا يريد أهل الكفر والإلحاد، وأهل النفاق والضلال من كتاب لا يحمل إلا الحق، ولا يهدي إلاَّ إلى الصراط المستقيم؟ هل يريد كل امرئ منهم أنْ ينزَّل عليه كتاب من السماء يدعوه إلى الإيمان؟ أم يريد كل واحد منهم أنْ تتنزَّل عليه صحيفة في البراءة، والعفو من العقاب حتى يوحِّد الله، ويكون مسلماً لـربّ العالمين؟ أم يطمع كل امرئ أنْ يكون رسولاً يوحى إليه؟ ومحال أن يكون شيء من ذلك، أو أن يُعطى كل امرئ ما يريد، ووفق هواه!.. فالقضية هي أنهم لا يؤمنون بالآخرة، ولا يخافون عذابها، على الرغم مما يذكِّرهم به القرآن بشأنها، وفي كثير من آياته، وسوره.. فإن أعرضوا، وأنكروا «التذكرة» فالذنب يقع على عاتقهم، وسوف يستيقنون من عذاب الآخرة يوم ينالون الخسران المبين، لأن الحق حق، والقرآن هو حق، وهو «تذكرة» لكل عبد منيب، فمن شاء آمن به واتخذ إلى ربّه سبيلاً.. على أنَّ الأمر في نهاية المطاف لا يعود للمعرضين، ولا للناس جميعاً، بل الأمر لله تعالى وحده. ولا يمكن أن يذَّكَّر الناسُ، أو يتذاكروا في أمور الآخرة، وفي حكمة القرآن وعظته، إلاَّ أنْ يشاء الله لهم ذلك. فهو - سبحانه - غنيّ عن عباده أجمعين، وهو أهل التقوى والمغفرة. ولا يستأهل أحدٌ من هؤلاء العباد عفو ربه عنه، ومغفرته له، إلا من تنفعه الذكرى لقول الله الكريم: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى *سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى *وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى *الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى *ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا *قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى *وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى *بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا *وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى *إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى *صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى *} [الأعلى: 9-19].
6 - ومثل الذين كفروا كـالسوائم التي لا تعقل
يقول الله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ *} [البَقَرَة: 171].
وهنا تتجلّى أيضاً بلاغة المثل القرآني وهو يجسّد، بالصورة الحسيّة، عدم استجابة الذين كفروا لعقيدة التوحيد، وركونهم إلى التقليد، مصمّين آذانهم عن دعوة الرسل، فـمثل الذين كفروا كمثل الراعي الذي يقود قطيعاً من الأنعام، فلا تسمع منه إلاَّ صراخاً ونعيقاً، ولا ترى منه إلاَّ تهويلاً بالعصا، أو رشقاً بالحجارة.. إلاَّ أنها لا تفهم من ذلك كله شيئاً، لأنها مخلوقات غير مزودة بملكة الإِدراك والتمييز.. هكذا هم الذين كفروا، صمٌّ عن نداء الإيمان، بكم عن النطق بكلمة الحق، عميٌ عن التبصّر بآيات الله تعالى.. إذن فهم لا يعقلون الحقيقة، ولا يتبيَّنونُ الطريق السويَّ الذي يجب أنْ يسيروا عليه، بل انقادوا لدعوات الضلال، والباطل، فحق عليهم قولُ الله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ *} [البَقَرَة: 171].
7 - لا يدخل الكافرون الجنة حتى يدخل الجملُ في ثقب الإبرة، وكذلك جزاء المجرمين
يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ *} [الأعرَاف: 40].
يجزم هذا النص القرآني، وبصورة قاطعة، أن الذين كذَّبوا بآيات الله، واستكبروا عن اتباعها، لا تُفتَّح لهم أبواب السماء - التي تفتح للأرواح والنفوس التي يرحمها الله تعالى - عندما يعرج الملائكة بها حال الموت، لأنَّ أولئك كانوا من أخبث الأنفس، إذْ أنكروا الحق لمَّا جاءهم، واستكبروا عنه، فحقت عليهم اللعنة.. فعن البراء بن عازب: إن رسول الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) ذكر قبض روح الفاجر، وأنه يُصعد بها إلى السماء، فلا تمرّ على ملأ من الملائكة إلاَّ قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان (بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا)، حتى يُنتهى بها إلى السماء الدنيا، فيُستفتح له، فلا يُفتح له.. ثم قرأ رسول الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم): «لا تفتَّح لهم أبواب السماء»[*].
وبما أنَّ أبواب الرحمة في السماء لا تُفتَّح للكافرين، فصار من المستحيل عليهم دخول الجنة. وهنا يضرب الله تعالى أدقَّ المثل على ما هو مستحيل، وغير قابل للتحقق إذ يقول عزَّ وجلَّ: {وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعرَاف: 40].. فسَمُّ الخِياط هو ثقب الإِبرة، وهو ما يضرب به المثل عن ضيق المسلك، فيقال «أضيق من خرم الإِبرة»؛ كما أنَّ جسم الجمل هو مثال عن كبر الأجسام الحية، فيقال: «أجسام الجمال وأحلام العصافير».. والروعة التي تتبدى في هذا المثل القرآنيّ أنه يحيل مفهوم «الاستحالة» من فكرة مجرَّدة إلى واقع محسوس، وليس أدلَّ على ذلك من استحالة دخول الجمل، بجسمه الكبير، في ثقب الإِبرة الصغيرة، التي نخيط بها ثيابنا، فشرط الاستحالة غير قابل للتحقق على الإطلاق، إذ لو تصوَّرنا مشهد الجمل أمام ثقب هذه الإِبرة، ولو تصوَّرنا أنه حين يتسع هذا الثقب لاستيعاب الجمل، فحينئذٍ يمكن أنْ نتصوَّر بأنَّ أبواب الرحمة في السماء يمكن أن تفتَّح للذين كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها، وحينها فقط يقبل دعاؤهم أو تقبل توبتهم، فيدخلون الجنة.. أما الآن، وإلى أنْ يصير ممكناً دخول الجمل في سَمِّ الخِياط - وهذا محال قطعاً - فإنَّ الكافرين سوف يمتنع عليهم دخول الجنة، مما يعني أنهم سوف يقبعون في النار، وسوف يخلدون فيها، لأنَّ شرط الاستحالة مطلق، وغير قابل للتحقق أبداً...
وكما يكون جزاء الذين كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها عدم دخولهم الجنة، كذلك يجزي الله تعالى المجرمين على اختلاف أصنافهم، وفعالهم الجرمية، سواء أكانوا كافرين أو مشركين، منافقين أو ظالمين، فاسقين أو فاسدين ومفسدين.. فكلّ يؤخذون بذنوب إجرامهم، الذي يحرّم عليهم دخول الجنة، ليكون، بالتالي جزاؤهم النار، وبئس المصير وهو ما يتأكّد في موضع آخر من القرآن بقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ *} [فَاطِر: 36].. وهنا الطامة الكبرى التي يذوقون فيها طعم العذاب ومرارة الكفر، فهم لا يقضى عليهم، فيموتوا، ويعودوا تراباً، أي إلى الأصل الذي خلقوا منه، ولا يخفف عنهم شيء من عذاب النار الذي هو جزاء كل كفور، ممَّن مردوا على الكفر والظلم، فيبقون في النار خالدين فيها ما شاء الله تعالى..
8 - وعيد الله تعالى بالتدمير على الكافرين أمثال الذين من قبلهم
يقول الله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا *ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ *} [محَمَّد: 10-11].
لا حاجة للتكرار بأن الجماعات والأقوام البشرية التي مرَّت على هذه الأرض منذ خلق آدم (عليه السّلام)، كانت كثيرة، ومتعددة الأجناس، والعقائد، والمذاهب الفكرية، وطرائق العيش... ولكن وفقاً للتبيان القرآنّيّ، فإنَّ الدَّمار والهلاك كانا دائماً يحلاّن بالأقوام الذين يكذِّبون الرسل والنبيين، ويصرّون على الكفر والضلال.. لأنَّ المعركة الفعلية في هذه الحياة الدنيا هي المعركة القائمة بين الإيمان والكفر، هكذا كانت، وستبقى ما دام في الأرض أناس مؤمنون، وآخرون كافرون.. وهذا ما تلفتنا إليه الآيتان الكريمتان، وهما تشيران إلى الكافرين عندما وقفوا في وجه الدعوة الإسلامية، يحاربونها ويحاولون القضاء عليها، متوسلين لذلك كلَّ ما لديهم من قوى النفوذ، والاستكبار والقهر، وكلَّ ما يملكون من المال، والسلاح والعتاد.. بحيث تأتي النصوص لتنقضَّ على أولئك الكافرين الذين يظاهرون على أهل الإيمان بالقوة، وهي تشد أنظارهم إلى تلك المعالم الباقية من مواطن الذين من قبلهم، فيروا آثار ما حل بهم من الهلاك، والإفناء تحت ركام التدمير الذي أصابهم، ثم تعود لتقرّر أنَّ المصير ذاته سوف يكون للكافرين - ولكل الذين كرهوا ما أنزل الله - إنْ هم أصرُّوا على الكفر، وعلى محاربة الله ورسوله، من خلال حربهم على المؤمنين، أي أنهم سوف يلاقون عاقبة الذين من قبلهم، وهم الذين {دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا *} [محَمَّد: 10].
وفي نفس السياق من الآيات المبينة في «سورة محمد» نجدُ الوعدَ للمؤمنين بالنصر، قد سبق على التهديد والوعيدَ للكافرين بالإضلال وإبطال أعمالهم، يقول الله تعالى:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ *وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ *ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ *أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا *} [محَمَّد: 7-10]، فالنتائج المترتبة على أعمال الذين آمنوا: النصر، شرط أن ينصروا دين الله، ويجاهدوا في سبيله.. وبالمقابل، فإنِّ النتائج المترتبة على أعمال الذين كفروا: التعاسة، وخيبة الأمل من جراء إحباط أعمالهم، أي إبطالها، وإبطال كل ما كان لها من مفاعيل الكراهية لما أنزل الله تعالى من الأحكام، والتكاليف، أو الدعوة للإصلاح..
ولكن لماذا ينصر الله المؤمنين، ويقهر الكافرين {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ *} [محَمَّد: 11] وهنا ظهر الحق الذي يعلو على الباطل فيدمغه؛ فمن كان مؤمناً، كان الله مولاه، فهو إذاً في عين الله، والنصر له من الله؛ بل والحكمة توجب «بأنَّ الله مولى الذين آمنوا»، لأنهم هم الذين يحملون دينه، ويجاهدون بأموالهم وأنفسهم في سبيل نصرة هذا الدين. أما الكافرون فلا مولى ولا نصير لهم، إلاَّ من أنفسهم، ومن أجل مؤازرة قضاياهم لبعضهم بعضاً، كما يدل عليه قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ *} [الأنعَام: 129]، أي كما متَّعنا عصاة الانس والجن بعضهم ببعض[*]، كذلك نجعل الولاية، والسلطان لبعض الظالمين على بعض بما كانوا يكسبون من المظالم والمعاصي.. أما معبوداتهم فهي أقل، وأحقر شأناً من أنْ تكون عوناً لهم، أو تمدَّهم بالنصر..
وهذا هو منهج الحق الثابت: أن يكون الله تعالى هو مولى الذين آمنوا، كي يعزَّهم، ويرفع شأنهم، وأنَّ الكافرين ليس لهم مولى قادراً على أنْ يحقق لهم أية عزِّةٍ أو رفعةٍ، لأنَّ العزّة لله جميعاً، وهو يعزّ من يشاء، ويذل من يشاء، مصداقاً لقوله الكريم: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *} [آل عِمرَان: 26].
الفقرة الثالثة - النتائج المترتبة على أعمال الكافرين يوم الحساب
1 - مثل البعوضة امتحان للعباد
لعلَّ من البديهي القول بأنَّ الأعمال التي تصدر عن الناس، غالباً ما تنبىء عن صفاتهم وتوجهاتهم، وعمّا تنطوي عليه نفوسهم؛ فأعمال الإنسان هي التي تدل عليه إنْ كان كافراً أو مؤمناً، بخيلاً أو كريماً، جباناً أو شجاعاً، عادلاً أو ظالماً، حكيماً أو جاهلاً.. الخ..
ولكي يمكن أنْ نتبين المؤمنين من الكافرين، فإنَّ الله تعالى يضرب مثلاً ما، بالبعوضة، فأمَّا الذين آمنوا فيعلمون أنه المثل الحقُّ من ربِّهم، وليس فيه ما يدعو للغرابة أو الاستهجان، طالما أنَّ البعوضة من خلق الله، وكلُّ ما خلق الله يمكن أنْ يكون مضربَ مثلٍ، ولا غرابة في ذلك؛ وأما الذين كفروا فيضلّون عن الغاية التي يرمي إليها هذا المثل، فيقولون: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً} [البَقَرَة: 26]؟
يقول العزيز الحكيم: {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين} [البقرة: 26][*].
وإنَّ من المدلولات لهذا المثل ما نجد في الحياة من حولنا، والذي يدلنا على أنَّ صغار الأشياء قد يكون لها فوائدها العظام!.. فهلاَّ تفكرّت، مثلاً، في هذه العين التي هي في الوجه كم تبدي لك من مشاهد، ولولاها لكانت الحياة ظلاماً دامساً؟ وهلاَّ تفحصت هذه الإِبرة الصغيرة، كم تخيط من أثواب وألبسة للناس ولولاها لكادوا أنْ يكونوا حفاةً عراةً؟ أم هل عرفت بأنَّ في الورقة الخضراء من الشجر والنبات يكمن التمثيل الكلوروفيليّ، الذي ينتج عن تفاعله غاز الأوكسيجين الضروريّ لحياة الكائنات الحية؟ فهذه الورقة الصغيرة هي التي تعطينا الأوكسجين وتمتصّ ثاني أوكسيد الكربون أثناء النهار، فتخفُّ أضراره عن الناس وهم يروحون ويجيئون إلى معايشهم، ثم هي نفسها التي تنفث، ذلك الغاز السام في الليل - وهم في حال نيام وسكون - لتأخذ بديلاً عنه الأوكسيجين فتبقى على اخضرارها.. أليس في ذلك آية كبرى لقوم يعقلون؟ أم هل رأيت إلى هذه الزهرة الجميلة، كم هي على صغرها، فوّاحةً للعطر، بهيجةً للنظر، باعثةً للراحة في النفوس؟ أم هل تأملت النحلة - الحشرة الصغيرة - التي تصنع عسلاً صافياً فيه لذة وشفاء للناس؟ أم هل تلمَّست عمل النملة، وهي أصغر بكثير من النحلة، لتعرف كيف تُقيم مجتمعاً منظَّماً يدهش العقول؟
وقِس على ذلك كلَّ الأشياء الصغيرة التي يمتلئ بها المحيط من حولنا، فإنَّ لنا فيها منافع كثيرة، وهي عظة بذاتها على أهمية هذه الأشياء، ولذلك كانت مدارَ اهتمام الناس، فضربوا بها الأمثال للتدليل على أمور هامة، أو على معاني تلك المنافع في حياتهم، كما فعل الفرزدق حين ضرب المثل على الذلّ باليربوع الصغير، فقال:
وهل شيء يكون أذلَّ بيتاً
من اليربوع يحتفر الترابا؟
وإذا كان الله العليم الحكيم قد جعل لكل شيء قيمة وقدراً، فلا ينبغي للإنسان أنْ يستهين بشيء هو من خلق الله تعالى، لا سيما وأنه جعل في كل خلق حكمةً بالغةً، قد نهتدي إليها، وقد لا نعرفها أبداً.. ولذلك كان التنزيل المبين وفيه المثل بالبعوضة، على الرغم من ضعفها ووهنها، كي نستدل به على ما أراد الله بهذا مثلاً!.
ومن هذه الدلالات، إحدى الحقائق التي يطلقها القرآن الكريم، وهي أنَّ الخالق العظيم لا يستحي أنْ يضرب مثلاً ما، بشيءٍ من مخلوقاته، حتى ولو كان من أصغر الأشياء وأضعفها.
ذلك أنَّ الحياءَ من طبيعة المخلوقات، حتى ليقال بأنَّ بعض النبات، ولاسيما الورود، تشعر بالحياء، وكذلك الحيوانات الأليفة والمتوحشة، فكيف بالناس والمؤمنين بالذات، من عباد الله، الذين يرون بأنَّ الحياء فرض، بل و«شعبة من شعب الإيمان» كما كان يقول رسولهم الكريم (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)؟
فالمؤمنون يعتقدون، يقيناً، بأنَّ ربَّهم تبارك وتعالى هو السميع لجميع أقوالهم، العليم بكل فعالهم، فلا يأتون بشيء إلاَّ ويرجون فيه رضى مولاهم العزيز، واجتناب غضبه، فكان حياء المؤمنين من ربّهم، أهم العوامل المانعة، بل والرادعة لهم عن ارتكاب المعاصي والذنوب. وما ذلك إلا لأن الاستحياء هو الانقباض عن الشيء، فإذا ما أحسَّ المؤمن بالحياء من فعل هذا الشيء الذي ينهاه ربُّه عنه، أو من عدم فعله لشيء يأمره ربُّه القيام به، انقبض عما هو مأمور بتركه، وأقدم على ما هو مأمور بفعله، وإلا شعر في قرارة نفسه بأنه ارتكب مخالفة لأوامر الله تعالى ونواهيه، أو مخالفة للنواميس أو القوانين، أو الأعراف والنظم التي يريده تعالى أنْ يسير عليها، أو يتآلف مع تناسقها في بناء الحياة والكون.. وهذا كله لا ينطبق على الله (جلت عظمته) لأنه خالق السنن، والنواميس والأعراف والقوانين والنظم، وهو الذي يسيّرها، ويديرها ويدبرها لقوام الوجود كله وانتظامه.. وهذا ما أراد اللَّهُ - جلَّ جلاله - أن يبيّنه لنا، منزّهاً نفسه عن الاستحياء، فهو لا يستحي أن يضرب مثلاً ما، أيّاً كان هذا المثل، ولو كان بالبعوضة الصغيرة، الضئيلة، أو بما هو أكبر، أو أجلّ شأناً منها.. وأما الغاية من هذا المثل فلكي يجعله امتحاناً للعباد، فيتميز به المؤمنون عن الكافرين..
إذاً فالعبرة في التمثيل بالشيء لا علاقة لها بشكله أو حجمه أو نوعه، بقدر ما تستهدف صفاته ومعانيه، لأن الأمثال، أصلاً، وسائل للتنوير والتبصير، وليس في ضربها ما يعيب الضارب، أو أنْ يحقر الشيء المضروب به.. واللَّهُ تعالى يريد بهذا المثل (البعوضة)، اختبار القلوب، وامتحان النفوس؛ {فَأَمَا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} [البَقَرَة: 26]، لأنَّ إيمانهم بربّهم يجعلهم يتلقون كل ما يصدر عنه بالقبول واليقين والتسليم، فهو الأمر من صاحب الشأن، فكان إيمانهم نوراً في قلوبهم، وتفتحاً في مداركهم. ويدخل في هذا الإِيمان، التصديقُ بـمحمدٍ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) رسولاً من الله، وبشيراً ونذيراً للعالمين، والتصديقُ بالقرآن الذي نزل على محمّدٍ من ربه جملةً وتفصيلاً، لا الإيمان ببعضه، وعدم الإيمان بالبعض الآخر، كما كان يفعل اليهود وهم يؤمنون ببعض التوراة ويكفرون ببعضها.. هذا من ناحية المؤمنين..
أما الذين كفروا فيقولون: ماذا أراد الله بهذا مثلاً؟
إنه سؤال من لا يرجون لله وقاراً !.. (أستغفر الله)، ولا يتأدبَّون بالأدب اللائق بالعباد تجاه مقام ربّهم العليّ العظيم، ولا يتبَّينون حكمته في ضرب المثل بالشيء الصغير أو الكبير.. يقولون قولهم ذلك - بجهل وقصور - في صيغة الاعتراض والاستنكار، كأنما يريدون أنْ يزرعوا التشكيك، في نفوس المؤمنين، بصدور مثل البعوضة عن الله تعالى، وما ذلك إلاَّ لعدم تدبرهم للمثل، وإنكارهم للحق، لأنَّ كفرهم يضّلهم عن إدراك حكمة الله من هذا المثل..
ويأتيهم الجواب - على شكل التهديد والتحذير - بما وراء المثل من أمرٍ بالتفكّر والتدبُّر: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ *} [البَقَرَة: 26].
فالهدى والضلال من أمر الله.. وهو تعالى يضرب للناس أمثالهم، فتزيد المهتدين هدىً، وتزيد الضالين ضلالاً.. فأما الذين آمنوا فيعلمون أنَّ المثل من ربّهم هو حقٌّ، لأنه صادر عن الحق تبارك وتعالى، وهو هداية لأنه ينشىء حقيقة قد تكون خافية على الناس.. وأما الذين كفروا، فهم، في الأصل، لا يؤمنون بآيات الله، فإذا ورد مثل ما في سياق بعض الآيات، فإنهم يثيرون حوله الاستنكار والاستهجان، حتى ينفروا الناس عن الحقّ، أو الحكمة، أو العظة التي يتوخَّاها المثل القرآني.. والدليل أنَّه لما أنزل الله تعالى المثل بالذباب،[*] أو المثل ببيت العنكبوت،[*] قال الكفار، والمنافقون واليهود: ماذا أرادَ الله مثلاً بهذه الأشياء الخسيسة؟! وردّاً على استنكارهم أنزل الله تعالى، قولَهُ المبين: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البَقَرَة: 26]..
ولكي يكون نهج المثل القرآني واضحاً في الدلالة والمعنى، جاء التعقيب بقوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ *} [البَقَرَة: 26].. فالله سبحانه يضلُّ بهذا المثل كثيراً من الذين لا يقبلون ما يأتي به الله، فهم في الضلال والنفاق والكفر يعمهون، فيزيدهم المثل - بالأشياء الصغيرة - ضلالاً.. ويهدي سبحانه بهذا المثل كثيراً من الذين يدركون حكمة الله تعالى وعظته، فهم في الهدى والتصديق والإيمان ينعمون.. وما يضلُّ به إلاَّ الفاسقين، الذين فسقت قلوبهم من قبل، فخرجوا عن طاعة ربّهم، وعن الطريق المستقيم الذي يهدي إليه قرآنه الكريم. أما صنعة هؤلاء الفاسقين، فيبيّنها قول الله تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ *} [البَقَرَة: 27].. فأولئك الفاسقون الذين يتصفون بـمثل هذه الصفات الخبيثة، هم الخاسرون، لأنَّ مصيرهم إلى النار في الآخرة.. ثم إنَّ من الدلالات التي يحملها هذا المثل القرآني تبيان قدرة الله في الخلق، فالبعوضة، وإن كانت حشرة صغيرة طائرة، إلاَّ أنها مثال للعارفين الذين يستدلون ممَّا في المخلوقات من الآيات والأدلة التي توحي بأنَّ الله تعالى هو الخلاّق العليم، فقد روي عن جعفر الصادق (عليه السّلام) أنه قال: «إنما ضرب اللَّهُ تعالى هذا المثل لأنِّ البعوضة على صغر حجمها، خلَقَ الله فيها جميع ما خلق في الفيل مع كبره. فأراد الله تعالى أنْ يُنبّه بذلك المؤمنين على لطيف خلقه، وعجيب صنعه، وعظيم قدرته».
2 - أعمال الكافرين كـرمادٍ تذروه الرياح في يومٍ عاصف
يقول الله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيْحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ *} [إبراهيم: 18][*].
لا ريب بأنَّ الأعمال هي خير ما يعبّر عن شخصية الإنسان، ولا سيما لناحية ارتكازها على الإيمان أو الكفر، فإنْ كان الإنسان مؤمناً، أشاعَ الخير بين الناس، بينما تنعكس أعمال الكافر عليهم شرّاً محضاً..
وكما أنَّ الأعمال هي مرآة للنفس، وتعبير عن أفكار الإنسان ومفاهيمه، وبخاصة العقيدة التي يؤمن بها، فإنها أيضاً طريقه إلى الآخرة، وسبيله إلى المصير الذي ينتظره.. فكيف تتبدَّى أعمال الكافرين يوم الحساب، حيث يقف جميع الناس لـرب العالمين؟!
لقد ضرب الله تعالى المثل على أعمال الكافرين بالرماد الذي تذروه الريح في يوم عاصف، فتبدّده هباءً منثوراً، وكأنه لم يكن موجوداً من أصله. وهذا يعني أنَّ كلّ عملٍ، أو سعيٍ أو جهدٍ لا يقترن بنيَّة الإخلاص لله تعالى، فلا نتائج إيجابية له في الآخرة، لأنه سوف يقع في نهاية المطاف في ميزان العدل الإلهي، والله تعالى وحده، هو الذي يحاسب الإنسان على أعماله..
وتظهر الصورة في هذا المثل نقيةً وجليةً، كما في سائر الصور التي تحدد أطرها ومضامينها الأمثال القرآنية؛ فالرماد بطبيعته هشٌّ وخفيفٌ، لا يصمد أمام حركة من الإنسان، أو عامل من عوامل الطبيعة، فكيف إذا فَجَأَهُ يوم عاصفٌ لا تترك رياحه العاتية أيّ شيءٍ تقع عليه إلاَّ هدمته، أو اقتلعته، أو بدَّدته، فهل يبقى شيء من هذا الرماد، أم تذروه تلك الرياح في طريقها، وتحيله إلى ذرّاتٍ مبعثرةٍ، تقذفها إلى بعيدٍ بعيدٍ، حتى تصير وكأنها في عدمٍ؟!.. فأعمال الكافرين كمثل هذا الرماد.. فقد تتكاثر وتتنوّع، وقد يكون لها آثارها الإيجابية أو السلبية في الحياة الدنيا، ولكنها تبقى بلا أدنى فائدة أو نفع يوم الحساب، لأنها إن كانت إيجابية فهم قد نالوا جزاءهم عليها في الدنيا من الشهرة أو الجاه، أو المال.. أما في الآخرة، فهم لا يقدرون ممّا كسبوا في دنياهم أن ينالوا أيَّ شيءٍ من أجرٍ، أو ثواب، لا بل وترتدُّ عليهم أعمالهم السيئة، يومئذٍ، خسراناً مبيناً، باعتبار أنَّ الكسب الحق، والفوز العظيم الذي يرجوه الإنسان من أعماله، لا يكون إلاَّ ثواباً من الله تعالى، وهو سبحانَهُ، الذي يكافىء به عباده الصالحين. والمعنى أنَّ أعمال الكافرين التي تقوم على عدم الإيمان بما جاءت الرسالات السماوية به، وتكذيبها، ومناهضتها، هو ما يجعلها أعمالاً إجرامية، مما يُرتب على عاتق أصحابها العقاب الذي يستحقون يومَ الحساب.. وبذلك تتبدّد كل نتائج إيجابيةٍ لأعمال الكافرين التي قاموا بها في الدنيا، وتذهب جهودهم معها عبثاً، كما يبدّد الريح في يومٍ عاصف الرمادَ الهشَّ الخفيف.. ولو أنصف الإنسان نفسَهُ من نفسه، لوجب عليه أن يتبصَّر بالمردود لأي عملٍ يقوم به تجاه نفسه، أو تجاه الآخرين؛ فما كان من أعماله خالص النية لوجه الله تعالى، موافقاً لشرعه، كان مقبولاً، ونال الثواب عليه؛ وما كان منها لغير الله عزَّ وعلا، بل كان مقصوراً على طلب متاع الحياة الدنيا وغرورها وحدها، فهو غير مقبول عند الله، أصلاً.. ومثل تلك الأعمال التي يُضلُّ بها الكافرون غيرهم، ويكون من شانها الإفساد بين الناس عموماً، والمؤمنين خصوصاً، هي التي تضع على عاتق أصحابها أعباءً ثقيلة من الخطايا والذنوب وتجعلهم مسؤولين يوم القيامة عمَّا كانوا يفترون به على الناس مصداقاً لقول الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ *وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ *} [العَنكبوت: 12-13].
فهلاَّ وقف الإِنسانُ وقفة تفكيرٍ وتقييم للإعمال التي يقوم بها، ثم تأمَّل في المصير الذي سوف يؤول إليه؟!..
وخلاصة القول أنَّ هذا المثل ينطوي على الأساس العقائدي وعلى نتيجة كل ما يقوم به الإنسان، فما كان عملاً غير مبنيّ، على قاعدة من الإِيمان بـالله تعالى، ولا يتمسَّك بالعروة الوثقى التي تصل العمل بالباعث، وتصل الباعث بالله تعالى، يكون عملاً مفككاً كـالهباء والرماد، لا قوام له ولا نظام، إذ ليس المعوَّل عليه هو العمل وحده، ولكنَّ الباعث على العمل هو الأهمّ والأجدى، لأنَّ العمل حركة آلية، لا يختلف فيها الإِنسان عن الآلة إلاَّ بالباعث والقصد والغاية، فإذا كان الباعث على العمل هو الإيمان بـالله كان جزاؤه في الآخرة فوزاً عظيماً، أما إذا كان الباعث على العمل لا صلة له بالله، فإنه يذهب أدراج الرياح، ويؤدي في الآخرة إلى الخسران المبين. ومن هنا كان التعقيب على أعمال الكافرين بقوله تعالى: {ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ *} [إبراهيم: 18] أي الضلال عن إدراك الحقيقة، والضلالُ عن الإِيمان، والضلال عن الإصلاح الذاتيّ والإصلاح بين الناس وكل ذلك من الضلال البعيد الذي يوقع في المهاوي السحيقة.
ألا، فليتأمّل الإنسانُ مشاهِدَ وصورَ القرآن الكريم، ليتبيَّن له الرشدُ من الغيّ، وليهتدي إلى طريق الخلاص قبل فوات الأوان.
3 - أعمال الكافرين كسرابٍ بقاعٍ يحسبه الظمآنُ ماءً، أو كظلماتٍ بعضها فوق بعض
يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ *} [النُّور: 39] ! " }.
وهذا مثال آخر، يسوقه القرآن الكريم لإظهار أعمال الكافرين من حيث اعتبارها عديمة الجدوى كـالسراب الخادع، أو من حيث الإطار الذي تتجسَّدُ فيه وكأنها تُزاول وسط ظلمات تراكمت بعضها فوق بعض، لا تتيح النفاذ منها لأدنى بصيص من نور، فيأتي التشبيه مطابقاً للنتائج التي أفرزتها تلك الأعمال.
ولكي يمكن استيعاب ما يرمي إليه المثل القرآني هنا، لا بدَّ من الإشارة إلى النصوص التي تسبقه، والتي تبيّن بعضاً من صفات المؤمنين، وذلك بقول الله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ *رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ *لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ *} [النُّور: 36-38].
.. فالمؤمنون رجال يدأبون على ارتياد المساجد، التي أذن الله تعالى أنْ ترفع بيوتاً للعبادة، والطاعة والطهر، يذكر فيها اسم الله، فيوحّدونه، ويقدّسونه، ويسبحون بحمده في أوقات الغدو والآصال، لا تلهيهم مشاغل الدنيا مهما عظم شأنها، ولا تلهيهم تجارةٌ أو بيع مهما بلغت مكاسبه، ولا غير ذلك من المتاع والزينة.. لا شيء من ذلك يليهم عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، يخافون يومَ القيامة الذي تتقّلب فيه القلوب والأبصار بين الخوف، والرجاء، متطلّعين إلى رحمة الله الكريم، ليجزيهم في ذلك اليوم أحسن ما عملوا في الدنيا، بل ويزيدهم من فضله أجراً وثواباً وذلك هو الفوز العظيم...
أرأيت أيها الإنسان ما يوّرث الإيمانُ الصادق بالله، والاعترافُ بهباتِهِ ومِنَنِهِ، والالتزامُ بأوامره ونواهيه، والاستدامةُ على ذكره تعالى، وحمده وشكره.. من فضلٍ يناله الذين آمنوا وعملوا الصالحات؟. فـالله سبحانه وتعالى يكفّر عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيئاتهم ويجزيهم أحسن الذي كانوا يعملون.. وهذا ما يرجوه المؤمنون من ربهم تبارك وتعالى يوم الدين..
وأمَّا الذين كفروا فأعمالهم خادعة مضلِّلة لهم، لا نفع يرتجى، ولا غاية تؤمل منها، إلاَّ الغاية التي يبلغها الظمآن باندفاعه إلى سراب خادعٍ، حيث لا يجد إلاَّ انعكاس الشمس، في فلاةٍ جدباء مقفرة، يركض فيها لاهثاً وراء قطرة ماءٍ يبل بها ريقه؛ ولكنَّه لا يجد شيئاً، إلا ذلك السراب الذي خدع حواسَّهُ، وقاده إلى الفراغ، وخيبة الأمل. وقد اختار المثلُ القرآنيُّ الظمآنَ ليبيّن عطش الذين كفروا للحصول على المكتسبات الدنيوية، التي سرعان ما تزول بموتهم، ليلاقوا، من ثمَّ، ثمرة أعمالهم خسراناً مبيناً في الآخرة. فهم يلهثون وراء متاع الحياة الدنيا، ويكدون، ويجهدون أنفسهم في الركض وراء الأعمال، وحيازة الأموال والممتلكات، وكثيراً ما يكابدون المشقات والأتعاب في سبيل ذلك.. وقد يشاء العزيز الحكيم أنْ يعطيهم ويملي لهم فوق ما يحتسبون. إلاَّ أنَّ ما يملكون من الدور والقصور والمزارع، وما يتّجرون به من المواد، وما يستثمرون من الاموال في البورصات والمصارف، ليس حقيقةً في صالحهم، لأنه تعالى عندما يعطي الكافرين، فإنما يفعل ذلك كي يمدَّهم في طغيانهم يعمهون.. ولكن عندما يأتي الحساب يوم القيامة، فإنهم لن يجدوا شيئاً من كل مكتسباتهم وإنجازاتهم في الدنيا، لأنها ذهبت منذ خلَّفوها وراءهم، بل ووجدوا عواقبها الوخيمة حاضرة بانتظارهم لأنها كانت جميعاً أعمالاً مبنية على الكفر بربَّهم، فوفَّاهم ربهم جزاء ما كانوا يعملون، وذلك قوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ *} [آل عِمرَان: 178].
فالحساب آتٍ لا ريب فيه، والله سريع الحساب، فلا يشغله حساب عن حساب، بل يحاسب جميع خلقه، وعباده في حالة واحدة.. وقد سئل أميرُ المؤمنين عليٌّ عليه السلام: كيف يحاسبهم اللَّهُ في حالة واحدة؟ فقال: «كما يرزقهم في حالة واحدة»..
فأعمال الكافرين لا يؤمل منها خيرٌ ينفعهم يوم الحساب، لأنَّ مثلها كسراب الماء الخادع، الذي لا يحظى منه الظمآن، وهو يلهث وراءه في قاعٍ خاوٍ من الأرض، إلا على الإرهاق وزيادة الظمأ، وربما الهلاك..
وكي تزيدنا النصوص القرآنية بياناً عن أعمال الكافرين، فإنها تشبهها - بالإضافة إلى السراب الخادع - بالظلمات الداكنة في أعماق بحر لجيّ، هبت عليه الرياح العاصفة فجعلت أمواجه تتلاطم، ويعلو بعضها بعضاً وسط ليلٍ حالك الظلام، فلا يُرى فيه شيء، ولا يسمع إلاَّ أصوات الأمواج المتلاطمة، ومن فوقها سحاب متراكم، هو أيضاً قاتم الظلمة لشدة سواده.. فهذه الظلمات في جوف البحر، وعلى سطحه، وفي ثنايا أمواجه، وفي السحاب من فوقه تجعل الجو كله ظلاماً بظلام، تستحيل معه الرؤية، وتجعل التائه في وسط هذه الظلمات يعاني من الخوف والمرارة والألم ما لا يطاق، حتى أنه لا يكاد يرى يده لو حاول أنْ يرفعها ويقربها من ناظريه، من شدة الظلمة، مما يفقده كل أملٍ بالنجاة.. ولو أمعنا النظر في دقة التركيب لهذه النصوص القرآنية لاستحال على أي تصور ذهنيّ أن يجسِّد هذه الحالة الرهيبة من الظلمات العاتية التي تجمعت لتحيل المساحات الشاسعة التي احتلتها إلى ليلٍ حالكٍ، قاتم السواد، تتصارع فيه الحركات، كـتصارع الأمواج المتلاطمة في ظلمةٍ، فوق ظلمة، فوق ظلمة!..
وعلى هذا النحو تقدم لنا هذه النصوص المجيدة مثلَيْنِ عن أعمال الكافرين، فهي لا تقف عند تشبيهها بالسراب الخادع من حيث آثارها وعاقبتها عند الله تعالى، بل وتقذفُ بأصحابها في ظلمات الكفر والضلال التي تغشى العيون وتعمي البصائر، فلا يعود الكافرون يرون شيئاً من نور الحق المبين، الذي كان كفيلاً بأنْ يهديهم إلى الحق والصواب فيما لو اتبعوه.
«ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور»، ومن لم يهده اللَّهُ تعالى فما له من هادٍ.. وهكذا يضربُ اللَّهُ تعالى لنا مثلين للتدليل على المعرضين عن نور الحق، وهدي الإيمان..
فالمثل الأول يبيّن حال من يظن نفسه أنه على شيء، ولكنه عند انكشاف الحقائق يجد أنه كان ضالاً مضلَّلاً، وأنَّ ما اتبع من العقائد الفاسدة، وما قام به من الأعمال المبنيّة على عقائده كانت بدعاً وأهواء في ميزان العدل الإلهيّ. لذلك يشبهها القرآن بالسراب الذي يظنه الظمآنُ ماءً.
وكما هي أعمال الكافرين، كذلك سائر الأعمال التي تخالف شرع الله، فهي لا تنتج إلاَّ الحسرةَ والخسران يوم الحساب، لأنَّ الجزاء الذي سوف يلاقيه أصحاب تلك الأعمال هو العذاب المهين..
أما المثل الثاني فينطبق على حال الذين عرفوا الحق، ولكنهم آثروا عليه الباطل، فتاهوا في ظلماتٍ ثلاث: ظلمة الجهل، وظلمة النفس، وظلمة المصير.. فهم لم ينتفعوا بعلمهم الذي تعلَّموه، فغدوا شرًّا من الجاهلين. وصار مثلهم كـالتائه في بحرٍ لُجيّ، تكتنفه الظلمات، ومن فوقه السحب السوداء الداكنة، المتصلة بظلمات البحر حتى تسد عليه كل منافذ الرؤية أو النور، فكانت تعبيراً عن ظلمات النفس التي يشتد فيها الكفر حتى لا تعود قابلة لأية توبةٍ، أو طلب مغفرة، أو الرجوع إلى الإيمان..
وفي المثلين أيضاً دلالات أخرى عظيمة ومفيدة.. فذكر الماءِ وحاجة الظمآن إليه، يوحي بأهمية الماء للكائن الحيّ. وذكر البحر يبين مدى أهميته - في خواصه وعناصره التي يحتويها - في توفير الخير والرزق للإِنسان. ومن هنا كان الماء هو أصل الحياة على هذه الأرض، كما يبّينه ربِّ العالمين: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبيَاء: 30]. أما مثل السراب فيجعلنا نتصوّر الفراغ الذي يملأ قلب الإِنسان؛ وكذلك مثل الظلمات التي نتصوَّر معها الشقاء الذي يحيق بالإنسان. وكلاهما - الفراغ والشقاء - عاملان مهمان من العوامل التي تُعجّل في فناء الإِنسان.. مما يعني بالنتيجة أنَّ للحياة مقومات لا تستوي بدونها، وذهاب تلك المقومات إنما يؤدي إلى الانقلاب على الحياة بذاتها.. وبتقابل استواء الحياة والانقلاب عليها، تتقابل أعمال المؤمنين والكافرين، فالمؤمنون يمدهم الإِيمان بالنور الذي تنبعث منه الحياة، والكافرون يعانون من ظلام الكفر الذي يفرغ كل معنى للحياة. أما الغاية النهائية فإنها تتعلق بالمصير في الآخرة حيث يكون الخلود للمؤمنين في حياة النعيم، في مقابل الخلود للكافرين في ظلام الجحيم..
فلنتأمل عظيم المدلولات والعظات التي يمدنا بها المثل القرآنيّ لكي يقرب إلى أذهاننا ما يترتب على أعمالنا من نتائج ومصائر..
4 - مثل القرية التي كفرت بأنعم الله تعالى
يقول الله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرْتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ *} [النّحل: 112][*].
لا غرو بأنَّ الأمان والاستقرار والعدل تعدُّ من الضرورات، والحاجات الأساسية لأيّ مجتمع بشري، ولا يقل أهمية عن تلك المقومات، الشعور بالسلامة، والاطمئنان في نفوس أبنائه؛ فإذا أوتي الناس - مع كل تلك النعم - الرزقَ الوفير والرفاهيةَ في العيش، فذلك فضل من الله عظيم على هذا المجتمع، مما يوجب على كل فردٍ من أناسه عبادة الله تعالى، وطاعته، والسير على هداه، فضلاً عن حمده وشكره في الغدوّ والآصال..
ولا يقل واجب الحمد والشكر من الجماعة، عن واجب الأفراد فيها، وهي ترى الرزق الوفير يتدفق عليها من كل مكان.. وإلاَّ فإنَّ كفران النعم الربانية سوف يجرّ على المجتمع وعلى أهله - جماعةً وافراداً - الويل والثبور، وعظائم الأمور. ولكي تتبيَّن لنا عاقبة الكفر بأنعم الله، فإنَّ القرآن يضرب لنا هذا المثل عن قريةٍ كان الأمن يشيع في ربوعها، والاطمئنان يعمُّ أرجاءها، وتتدفق عليها الخيرات والأرزاق من كل مكان، مما جعلها تنعم بحياةٍ ملؤها الرغد والازدهار، بعيداً عن العوز والجوع، وعن الخوف من غائلة الدهر، وضيق العيش.
ولكنَّ هذه القرية، بدل أن تجعل أنوارَ الإِيمان تتلألأ في ساحاتها، وأناشيد الثناء والحمد تصدح في أرجائها، تتحول عن ذلك كله إلى الكفر بأنعم الله عليها، وجحود رزقه وعطائه، حتى يجيئها حكم الله العليّ القدير، فيبدِّل رزقها بالحاجة، وكفايتها بالجوع، وأمنَها بالخوف، وطمأنينتها بالشقاء، جزاءً لأهلها بما كانوا يصنعون..
ويظهِّرُ المثلُ القرآنيُّ الجوعَ والخوف بالصورة الحسية، فكأننا نراهما يتلبَّسان الناس في تلك القرية كما يتلبَّسُ الثوبُ الجسمَ، لا بل وتتبدّى الصورة بشكل أوضح بالألبسة التي صاروا يرتدونها، والتي تنمُّ عن الفقر والعوز والحاجة، وكل ذلك لكي يجعلهم الله تعالى يتذوقون طعم الجوع والخوف والفقر، كما كانوا يذوقون طعم الطمأنينة، والغنى، والرزق الرغيد. فلعلَّ في لذع مثل هذا الحرمان، وتأثيره في النفوس، ما يجعلهم يشفقون على أنفسهم، فيخافوا من سوء مغبة هذا التحوّل الذي حلَّ بهم، ويغيّروا ما بأنفسهم، علَّ الله يغيِّر ما بهم من سوء الحال.
وَمَثلُ هذه القرية كَمَثل مكة عند بعث «محمد» (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)؛ فقد جعل اللَّهُ فيها بيته الحرام، وجعلها بلداً حراماً، وبلداً آمناً مطمئناً، لا يقع عليها شيء مما كان يقع على القرى المجاورة لها، بل وعلى أهل شبه الجزيرة جميعاً، حيث كانوا عرضةً للغزو والسلب والنهب، والعيش في أسوأ الظروف والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. كما أن الرزق كان يتدفق على مكة من كل مكان، مع الحجيج الآتي لزيارة الكعبة، ومع القوافل التجارية التي تقدم إليها من بلاد الشام واليمن وهي تحمل البضائع من شتى الأنواع والأصناف.. ومع أنَّ وجودها في وادٍ غير ذي زرع، وأرض جدباء لا نماء فيها ولا ثمار، إلاَّ أنه لم ينعدم، ولم ينقطع عنهم رغد العيش، وثمرات الأمن والاستقرار منذ دعاء إبراهيم الخليل (عليه السّلام) الذي يثبته القرآن الكريم بالقول الحقّ: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ *} [إبراهيم: 37].. فكان حرياً بأهلها، وقد جاءهم رسولٌ من أنفسهم، حريص عليهم، يبشر بالدين الحق، وديُنُه دينُ إبراهيم الذي أعاد وابُنهُ إسماعيل (عليهم السّلام) بناء البيت المحرَّم الذي ينعمون بجواره بالأمن والطمأنينة.. نعم كان حرياً بأهل مكة أنْ يصدِّقوا هذا النبيَّ الأمين، وأنْ يؤمنوا بدينه ويناصروه!.. إلاَّ أنهم، بدلاً من ذلك، كذَّبوه، وعارضوه، وافتروا عليه بالادعاءات الباطلة، وأنزلوا به، وبمن اتبعوه الأذى ظلماً وعدواناً.. فكان أنْ حاق بأهل مكة الذل، ونزل بساحتهم الهوان، حتى كسرت شوكتهم واضطُرَّ معظمهم إلى التصديق بنبوة محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)! والدخول في الإسلام، فعادت مكة آمنةً مطمئنةً، يأتيها رزقها رغداً من كل مكان..
ذلك هو المثل الذي ضربَهُ لنا القرآن الكريم عن القرية التي كانت آمنة، مطمئنة، فكفرت بأنعم الله حتى حاق بها الجوع والخوف.. وهو المثل الذي ينطبق في كل زمانٍ، على أي بلدٍ ينعم بالأمن والسلام، فتبطرُهُ النعمة، ويغرّه متاعُ الحياة الدنيا، حتى ينسى ذكر اللَّهِ، ويكفر بأنعمه.. فكان لا بدَّ أن يذيقه الله - جلّت قدرته - لباس الجوع والخوف، فتحل به الأزمات الاقتصادية، ويعم في أرجائه الخوف، وينتشر فيه الفسق والفساد، وذلك بما يصنع أهله، حتى يصيروا على تلك الحالة المزرية من السوء والشقاء.
الفقرة الرابعة - الفوارق بين المؤمنين والكافرين
1 - من كان مؤمناً ليس كـمن كان فاسقاً
يقول الله تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ *أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ *} [السَّجدَة: 18-20].
من القواعد والسنن التي بنيت عليها الحياة وجود الأضداد، فـمثلاً نجد الحق وبمقابله الباطل، والخير وفي مواجهته الشر، والعمل الصالح وعكسه الفسق والفجور، والنور وضده الظلام.. إلخ. وذلك لكي يتبيّنَ للإنسان العاقل، الباحث عن الحقيقة، الطريقُ المستقيم، فيسلكه، ويحقق معاني الاستخلاف في الأرض، وفق شرع الله وعدله.. فكان طبيعياً، وفق منطوق الحقيقة إيَّاها، ألاَّ يكون المؤمن كـالفاسق، وألاَّ يكون الذين يعملون الصالحات مثل الذين يعملون السيئات، وألاَّ يكون بالتالي نفس المصير لهؤلاء وهؤلاء، فلكل مأوى يأوي إليه، جزاءً وفاقاً بما كانوا يعملون.. فالذين آمنوا وعملوا الصالحات، دأبهم العمل على طاعة الله تعالى، والاستقامة على الشرع القويم، ولذلك فإنهم يختلفون كلياً عن الفاسقين، المنحرفين عن طاعة الله سبحانه، الشاردين عن شرعه.. واختلافهم يكون بيّناً في الطباع، والشعور، والتفكير والسلوك، وبالتالي فلا يستوون في الجزاء لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا تكون مصائرهم واحدة في الحياة الآخرة، لأنها هي الحياة الأبدية، والتي قال عنها الله تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *} [العَنكبوت: 64]. فأما المؤمنون الذين عملوا الصالحاتِ فلهم جنات المأوى نزلاً، وهي مما يُعَدّ، عادةً، للضيوف من منازل، تكريماً واحتراماً، وزيادة لهم في الاعتبار. وأما الذين فسقوا، وعاثوا في الأرض فساداً، فمأواهم النار التي كلما همّوا بالخروج منها، في محاولة للفرار من حريقها، أعيدوا فيها، ورُدُّوا إلى قعر الأتون من جحيمها، وقيل لهم: {ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ *} [السَّجدَة: 20]، مع ما يحمل ذلك من التقريع والتوبيخ، ومن الدفع والتعذيب.. فنتصورهم وقد أُمْسِكَ بهم، لمنعهم من الهرب والإِفلات، ثم يُقذفون في المهاوي السحيقة من نار جهنم وبئس المصير.
أمّا قولُ الله تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ *} [السَّجدَة: 18] فقد نزل بحقِ علي بن أبي طالب (كرَّم اللَّه وجهه) والوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط، في كلام كان بينهما (افتخر فيه الوليدُ على عليٍّ)[*].
وكما ميزت النصوص القرآنية بين الذين يعملون الصالحات وبين الفاسقين، كذلك ميزت بين المتقين والفجار؛ فقال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ *} [ص: 28]؛ وقيل إنَّ هذه الآية نزلت عندما قال كفار مكة للمؤمنين إنّا نُعطى في الآخرة مثل ما تعطون.. ولكنها في الوقت نفسه آيةٌ تحمل سنةً إلهيةً هي تعبير عن الحكمة فيما قضى الله تعالى، بألاَّ يكون المؤمنون كـالمفسدين، ولا المتقون كـالفجار، لأنَّ المنهج الذي يسير عليه هؤلاء وهؤلاء مختلف في منطلقاته ومقاصده، فالمؤمنون والمتقون يسيرون على منهج الله، والمفسدون والفجار يسيرون على المناهج التي يبتدعونها خدمة لأهوائهم، التي تحوم دائماً حول الفساد والفجور! فكان من حكمة الله السنيَّة ألاَّ يجعل المؤمنين كـالمفسدين في الأرض، ولا المتقين كـالفجار...
2 - الكافر كـالأعمى والأصمّ، والمؤمن كـالبصير والسميع
يقول السميع العليم: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ *} [هُود: 24].
إنَّ من يتتبَّع النصوص التي سبقت هذه الآية الكريمة في «سورة هود» يجد تبياناً لبعض صفات الكافرين عن صفات المؤمنين.. فالكافرون هم الذين يصدون عن سبيل الله - وهو الإسلام - ويطلبون السبل المعوجة - وهي الكفر والضلال - ومن ثم فهم بالآخرة يكفرون.. أما المؤمنون فهم الذين يعملون الصالحات، والذين هداهم ربهم إلى الحق المبين، فاطمأنت قلوبهم إلى رحمة الله ورضوانه.. وزيادة في التوضيح والإفهام فقد جاءت هذه الآية المعبّرة لتدل على الاختلاف بين الفريقين من خلال ما يختلف به الأعمى والأصمّ، عن البصير والسميع، مما هو واقع ومشاهد في الحياة من حولنا، حيث نلتقي يومياً ببعض المعاقين العاجزين عن النظر أو السمع، والذين يختلفون تماماً عن الأصحّاء من ذوي الأبصار والأسماع، فلا يستوون في الصورة والشعور، ولا يتماثلون في الحركة والعمل..
فالأعمى والأصم هما المثال عن الكافر الذي عميت بصيرته عن الاهتداء إلى طريق الإِيمان، وسدت أذناه عن سماع الحق المبين. والبصير والسميع هما المثال عن المؤمن الذي اهتدى إلى نور الإِيمان، وامتلأت نفسه من سماع الحق. فكلاهما لا يستويان في الصفات والمزايا مثلـما لا يستوي الأعمى الأصم، والبصير السميع في الخلقة والتكوين، وفي الحركة والسلوك.
فإذا كان هذا ما يراه الناسُ في حياتهم مثلاً حسيّاً ومشاهداً، أفلا يتذكَّرون إذاً قول القرآن وما ضربَ الله تعالى فيه من مَثَلٍ، لينبّه ويحذّر من مغبة الكفر الذي يجعل الكافر كـالأعمى والأصمّ؟ ومتى عرف الكافرون ذلك فكيف يستمرون على كفرهم، وآثارُهُ على مصيرهم في الحياة الأخرى أعظمُ بلاءً من العمى والصَّمم في هذه الدنيا؟ ولكنَّ كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون، فلا يتذكَّرون ولا يتَّعظون.
3 - مثل رجلَيْن أحدهما يجحد نعمة الله وينكر الساعة وصاحبه يعظه ألاَّ يكفر بالله الذي خلقه.
يقول الله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَِحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا *كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَرًا *وَكَانَ