معجم الأمثال في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   845
تاريخ النشر :   2009




الفصل الأول-العقيدة: مفهومها ومَضَامينها في الأمثال القرآنيَّة

لقد بات معروفاً لدى أهل العلم والفكر، ولا سيما الحكماء القاسطين، أنَّ الله تعالى، وهو اللطيف الخبير، قد أودع في خلق الإنسان خصائصَ ذاتيةً عديدةً هي التي ميّزته على سائر مخلوقات هذه الأرض. ولكنْ على الرغم مما لخصائص الجنس البشري من مزايا ترفع من قيمة الإنسان، فإنَّ أهمها يبقى هذا العقل، الذي به التفكير والإدراك، والتمييز والاختيار، وإلى هذا العقل - بالذات - ينسبُ كل تقدمٍ وارتقاءٍ في سلَّم الإنسانية، وفي تحقيق إعمار الأرض، إذ به تمكَّن الإنسان من الاكتشافِ، والتفوقِ في ميادين العلوم والفنون والآداب، وإنشاء الحضارات، وتعاقب أشكال المدنية، حتى وصلت إلى ما نشهد من مظاهرها الحديثة في أيامنا هذه.. ومع كل تلك الإنجازات العظيمة، بقي أملُ الإنسان، بل حلمُهُ بالسعادة، في هذه الحياة الدنيا، بعيد المنال، ولم يتمكن العقل - بسبب صرفه إلى غير ذلك - من إيجاد السبل الكفيلة بتحقيق هذا الأمل فعلاً. ولعلَّ العامل الرئيسيّ كان في عدم قدرة الإنسان على إيجاد التوازن ما بين عمله للدنيا، وسعيه للآخرة.. إذ غلّب أكثرُ الناس الأولى، فوقعوا في التخبّط والضياع، وفي القلق والشقاء على ما هو راهن في حياة الناس، مما لا يمكن لعاقلٍ منصفٍ إنكاره..
ويقيناً أنَّ ما أغرق الناس في هذا الخضم من التعب الفكريّ والنفسيّ، هو الإهمالُ للعقيدة الصحيحة، التي تقوم على الإيمان الصادق بحقيقة وجود الله تعالى، والامتثال لأوامره ونواهيه، حتى بلغ الحال بالأغلبية العظمى من أهل الشأن وأصحاب القرار لأن يُقصوا شرع الله تعالى، ومناهج رسالاته السماوية عن كافة شؤون الناس - تقريباً - وأن يرفضوا الحكم بما أنزل الله.. وكان الخيارُ، بدلاً عن تلك القيم المنزلة من ربّ العباد للعباد، هذا البحر من العقائد المادية الدنيوية، ومن القوانين والأنظمة الوضعية التي لم تؤمِّن في تطبيقاتها ما يريح الناس، أو ما يبعد عنهم الهموم والأعباء التي تُرهق نفوسهم بصورة متواصلة، وذلك لأنها لم تراعِ - بشكل كامل - قواعد العدالة والإنصاف، واحترام الحقوق والواجبات، وإقرار العلاقات والمعاملات بشكل يحقق «إنسانية الإنسان»..
ولعل أهم الدلائل على ذلك هو هذا الانحراف الأخلاقيّ في اتخاذ القرارات المصيرية، والمواقف الصائبة، بل وهذا الظلم في العمل والسلوك على مستوى الأفراد والجماعات، بعدما غلب على الأنفس التعلق بمتاع الحياة الدنيا وزخرفها، واللهاث وراء الأهواء والمطامع دونما وازعٍ من ضمير أو وجدان، ودونما مراعاةٍ للاعتبارات الدينية.. مما يعني، في مجمله، تغليبَ كل شيء على العقيدة الدينية، وإباحةَ كل شيء على حسابها.. ولولا لطف الباري عزَّ وجلَّ بعباده، وأنه يؤخرهم إلى أجل مسمّى، لما ترك على وجه هذه البسيطة أحداً، من جراء الفساد والفسوق والعصيان وغيرها من أنواع الشر التي تملأ الدنيا بأسرها.. وهذا ما يستدعي وقفةً، وصحوةً من العقل والضمير للعودة إلى العقيدة السليمة التي فيها الخلاص حقاً..
والعقيدة - كما جرى الاصطلاح عليها - هي ما انعقد عليه القلب من قضايا الغيب مثل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما ينبثق عن هذا الإيمان من التصديق بيوم القيامة والحساب، والثواب والعقاب، والجنة والنار. وأهمية هذا الإيمان، الذي هو ضرورة للإنسان مثل الماء والهواء والنور، أنه يصوِّب مسار حياته كلها، فيمنعه من ظلم نفسه، ومن ظلم الآخرين، ويجعله يحاسب نفسه - الأمّارة بالسوء - على ما يقترف من ذنوب ومعاصٍ نهاهُ الله تعالى عنها، ومن بينها ما يرتكب بحق عباده من أخطاء وجرائم.. فعندما يؤمن الإنسان بأنَّ وراء هذه الحياة الدنيا بعثاً وحساباً، وأن جزاءَهُ مِن الثواب أو العقاب واقع لا محالة، وأنَّ قاعدة هذ الجزاء هو قول الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البَقَرَة: 286]، أي لها ما كسبت من الخير، وعليها ما اكتسبت من الشر.. أجل فعندما يؤمن الإنسان بذلك، فإنه يخاف أنّ يلحق الضرر بأحد من الناس، أو أنْ يرتكب معصية تُغضب ربهُ تعالى.. وحقيقٌ على الناس، أن لو اهتدوا إلى هذا الإيمان الصادق، لكان بإمكانهم أن يستبدلوا ما هو أدنى بالذي هو خير، وأن يعيشوا بالصفاء النفسيّ الذي هو صنو الفطرة، ولعلَّ هذا ما يبعث لهم الأمل المنشود لخلاصهم مما يحيق بهم من الشرور.
ومن منطلق هذا الإيمان الرحب، نعتقد - ونحن على يقين بإذن الله - أنَّ عقيدة التوحيد هي العقيدة التي تقوم عليها السماوات والأرض، وأن هذه العقيدة، مبدأً، وديناً ودنيا هي: الإسلام. فالإسلام هو الدين عند الله، ولا يُقبل من العبد دينٌ غيرُهُ، لقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ *} [آل عِمرَان: 19]، وقوله عزَّ وعلا: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ *} [آل عِمرَان: 85].
والإسلام، بمفهومه الأصيل، هو الاستسلام لـرب العالمين، الاستسلام لله الذي لا إلهَ إلا هو، إلهاً واحداً في السماوات والأرض، وهو الخالق العظيم، الذي خلق الكون والحياة والإنسان بالحق، فلا عبادة إلا لله، ولا عبودية لمخلوق إلا لخالقه. والإسلام هو الدين الذي حمله جميع الأنبياء والمرسلين إلى أهل الأرض، وهو وحده الذي يحقق لهم الفوز والفلاح في الدارين، وهذا الإسلام قد أكمله الله تعالى لبني البشر، شرعةً، ومنهاجاً ونظاماً أمثل للحياة، بالرسالة الخاتمة، التي بعثَ سبحانه بها خاتمَ النبيين محمد بن عبد الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) بشيراً ونذيراً للعالمين، كي يؤمن من آمن عن بيّنة، ويكفر من كفر عن بيّنة. وكتاب الله، الذي يحمل هذه الرسالة، هو القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم، وقد نزَّله ربُّ العالمين عربياً ليكون بلسان النبيّ محمد الذي يبلّغ هذه الرسالة، وهو لسان أمته التي انتدبها سبحانه لنشر هذه الرسالة وإيصالها للناس كافة، في مشارق الأرض ومغاربها، فعلينا كأمةٍ موحدة أنْ نَعقل ما في هذا القرآن، وأنْ نتدبره حتى يكون منا الدعاة الصالحون لنشره قرآناً عربياً، أو مترجماً من العربية إلى اللغات الأخرى، وهذا كله مما يقتضي له التعقل والحكمة، والتدبّر.. يقول ربُنا تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ *} [يُوسُف: 2]، ويقول تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ *قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ *} [الزُّمَر: 27-28]. ويقول تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ *} [النَّمل: 6]، إلى ما هنالك من الآيات المبينة التي تعرِّف بهذا القرآن، وما ينطوي عليه من خيرٍ وصلاحٍ للعالمين..
ولكنْ يبدو أنَّ غلبة الدنيا كانت أقوى على النفوس من انصياعها لهذا الدِّين، فقام أهلها الذين جذبتهم أطماعها ومتاعها، وزخرفها وزينتها، يحاربونه منذ أول دعوة انطلق بها خاتم النبيين محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)؛ ولكنَّ الله - تعالى - بالغ أمره، فهيّأ لـرسوله الأمين سبل النصر على أهل الكفر، والشرك والنفاق في نطاق الجزيرة العربية، ومكَّن، من تَمَّ، لدينه أنْ ينتشر، بعد انتقال النبي (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) إلى الرفيق الأعلى، لتظهر أحقيتُهُ في مجال العقيدة الراسخة، وفي أنظمة الحياة القويمة.. إلا أنَّ الجهل، والضلال وغواية الشيطان - التي لم تنقطع يوماً - كانت جميعها أقوى من ميل الإنسان للهدى والإيمان، فأبى الذين لا يريدون الانصياع للحقِ المبين، إلاَّ مناصبة الإسلام العداء، والتخطيط لإبعاده عن حياة الناس، مسخرين لذلك جهابذة العلم، والتاريخ، والأدب والفن والإعلام لكي يضعوا الدراسات والأبحاث، وينشروا الأفكار والثقافات التي من شأنها أنْ تقوِّيَ النزعات المادية على مفاهيم هذا الدين، فحقت كلمة ربك عليهم بقوله العزيز: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ *} [يُونس: 33].. ومن قبائح فسقهم أنهم لم يكتفوا ببذل أقصى الجهود لإبعاد الناس عن معرفة الإسلام، وطمس معالم هذا الدين - كما يتوهمون - بل قاموا بالحروب، والانقلابات، والدسائس والمؤامرات لبذر روح الفرقة بين المسلمين، وإدخال كافة عوامل الضعف إلى نفوسهم ومجتمعاتهم.. وكان لهم ما أرادوا فعلاً، فانكفأ المسلمون عن حمل دينهم نوراً مبيناً للهداية والرشاد، وغرقوا بالمشاكل والنزاعات، وهي مما لا يمكن تلافيه، واتقاء أخطاره إلا بالعودة إلى إسلامهم، وحمله عقيدة، ودعوةً فريدة لخلاصهم وخلاصِ البشرية بأسرها..
وليس ذلك بعيداً عن متناول المسلمين، لأنَّ ربَّ العالمين أرادهم أنْ يكونوا، حقاً، أهل الخير، والبر، والصلاح كما وصفهم بقوله الكريم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عِمرَان: 110]،، فقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} توكيد للكيان العضوي والإنساني الذي اختاره ربهم تبارك وتعالى لهم بمقتضى إيمانهم بهذا الدين، فإنْ أغفلوا هذه الحقيقة، وقعوا في المحظور - في الفرقة والتشتت - وقصَّروا في حمل الأمانة، وأداء المهمة التي أمرهم الله تعالى بها!..
أجل هذا هو السبيل الأوحد أمام المسلمين لإصلاح حياتهم، وإصلاح حياة الناس جميعاً.. لأن المسلم عندما يتعلم، ويتثقف بالثقافة الإسلامية، ويفقه مفاهيم وتعاليم دينه القويم، فإنَّ قلبه يطمئن بعقيدة التوحيد السامية، فيتحوّل - بداهةً - إلى إنسانٍ نقيِّ السريرة، محمود الخصال، حسنِ السلوك، سمْحِ التعامل مع الآخرين.. وهي جميعها المقومات التي تؤمّنه من الانحراف والضلال، وتبعده عن الزلل والخطأ، فيصير قادراً على التغيير التدريجيّ، وصولاً لبناء المجتمع الإنسانيّ الفاضل.. والمسلمون حين يكونون على المستوى الإسلاميّ اللائق، فإنَّ مجرد مقارنتهم ما بين عقيدتهم والعقائد الأخرى، تجعلهم قادرين على التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، وعلى سبر غور الإسلام وإدراك ما فيه من غنى وفيض، ومن سماحة ويسر، وما في هذا الدين من مناهج إصلاحية.. وتلك هي مقوماتُ الدعوة التي حمل لواءها نبيُّ الإسلام، ورسول الهدى محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم).. فكان لزاماً علينا نحن المسلمين، أنْ نقوم بأداء واجبنا، فننهل من معين القرآن الحكيم، ونقتديَ بالسيرة النبوية الشريفة، امتثالاً لطاعة الله تعالى ورسوله الكريم.
ولما كانت الأمثال في القرآن المجيد تدل على كثير من عناصر العقيدة التي يجب أنْ تنعقد عليها قلوبنا، فإننا سنحاول في هذا الفصل أن نتناول - بعون الله تعالى - الآياتِ القرآنيةَ الكريمةَ التي من شأنها أنْ تبرز أهم تلك العناصر لما فيها من الهداية إلى سبيل الله العليّ العظيم.
الفقرة الأولى - الإيمان بحقيقة وجود الله تعالى
إنَّ الإيمان بحقيقة وجود الله تعالى هو ضرورة، بل وحاجة للإنسان كي يطمئن قلبه، وينأى عن التصورات التي توقعه في القلق النفسيّ، وفي سوء العمل الحياتيّ، لشدة ما قد تكون عليه تلك التصورات من التناقض والتضارب. بل ويعتبر الإيمان بحقيقة وجود الله تعالى، هو القضية الوحيدة في نظر الإسلام التي تبنى عليها، وتنطلق منها سائر القضايا الأخرى غيبية كانت أو مُشاهدة. ولذلك كان الإيمان - لغةً - هو التصديق مطلقاً، ومنه معنى «الأمن» الذي هو ضد الخوف، لأن المؤمن يأمن من عواقب الأعمال السيئة في الدنيا والآخرة، إذ يسير على الطريق المستقيم، والسبيل القويم الذي يهديه إليه إيمانه.
والإيمان - في الاصطلاح - هو التصديق القلبيّ بما جاء به الأنبياء والمرسلون على مدار الزمان منذ آدم (عليه السّلام) وحتى خاتم النبيين وسيد المرسلين محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم). وقد بيّن الرسول الأعظم معنى الإيمان، في حديث صحيح، من أنَّ جبريل الأمين (عليه السّلام) سأل رسول الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) عن الإيمان، فقال له: «أَنْ تُؤمِنَ باللَّهِ وملائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليومِ الآخِرِ، وتُؤمِنُ بالقَدَرِ خيرِهِ وشرِّهِ»[*].
وقد جاءت في هذا الحديث للرسول الأكرم الأركان الأربعة الأولى للإيمان كما بيّنها له ربُهُ بقوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ *} [البَقَرَة: 285].
وجاء الإيمان بالقَدَر - حكايةً لما يقال للكافرين وهم يُعذبون في النار - في قول الله تعالى: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وَجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ *إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ *وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ *} [القَمَر: 48-50].
أما الإيمان باليوم الآخر، أي اليوم الذي يؤدي مباشرة إلى الدار الآخرة الباقية، فالآيات فيه كثيرة جداً، ومنها قول الله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ *} [القَصَص: 83]، وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ *} [التّوبَة: 38]، وقوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ *} [الأنعَام: 92]. وقوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَآجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *} [التّوبَة: 19].
إذاً فالإيمان بحقيقة وجود الله تعالى هو أساس عقيدة التوحيد الكائنة في كلمة «لا إله إلا الله» وهي الكلمة التي بمقتضاها «تتقرر في الضمير وحدانية الاعتقاد، ووحدانية العبادة، ووحدانية الاتجاه، ووحدانية الفاعلية من مبدأ الخلق إلى منتهاه. ويقوم على هذه الوحدانية منهج كامل في التفكير والشعور، والسلوك، وارتباطات الناس بالكون وبسائر الأحياء، وارتباطات الناس بعضهم ببعض على أساس وحدانية الإله».
والقرآن، وهو كتاب الله الذي حمل عقيدة التوحيد كاملة، بشتى قضاياها ومفاهيمها ومقاصدها، قد تضمن في كثير من آياته الأمثال التي تبيّن أن الله تعالى - وحده - هو الخالق العظيم، والمدبر الحكيم لكل شيء في الوجود، وأن البراهينَ والأدلةَ على الخلق والتدبير كائنة في السماوات والأرض: من أكبر الأجرام في الكون، إلى أصغر حشرة في باطن صخرة.
وإن الأمثال الدّالة على حقيقة وجود الله تعالى، وعلى تفرُّده بالألوهية والربوبية، والتي تستدعي من الإنسان الإيمان المطلق بهذه الحقيقة، يمكن أن نستخلصها من الآيات القرآنية التي وردت فيها على النحو التالي:
أولاً - اللَّهُ هو الخالق العظيم
1 - الله خالق السماوات والأرض «ليس كمثله شيء»
يقول الله تبارك وتعالى: {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *} [الشّورى: 11].
الله «فاطر السماوات والأرض»، أي خالق السماوات والأرض، قد أبدعهما ابتداءً، وأنشأهما إنشاءً، ولا مجال لعباده أنْ ينكروا هذه الحقيقة أو يجادلوا فيها... فإذا قال (عزَّ وعلا) بأنه فاطر السماوات والأرض، فقوله الحق، لأنَّه (جلَّ جلاله) هو الحق.. وكما أوجد الله هذا الخلق العظيم (من السماوات والأرض) فقد جعل لنا من أنفسنا أزواجاً، إذ خلق الإنسان (آدم) من تراب، ثم من صلصال كـالفخار، وخلق زوجَهُ (حواء) من ضلعٍ في صدره، أي من نفس آدم؛ ثم أودع في آدم وحواء (عليهما السّلام) نظاماً للخلق البشري، الذي يتولد عن اجتماع الزوجين الرجل والمرأة، من خلال سكن الزوج لزوجه، وما يتآلفان فيه على المودة والرحمة اللتين جعلهما الخالق آصرة للزواج والإنجاب، يقول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ *} [الرُّوم: 21].. وكذلك الشأن في الحيوان (ومنه هذه الأنعام التي لنا فيها منافع كثيرة) بأن جعل الله لكل نوع من الحيوانات نظاماً خاصاً يقوم على التزاوج بين الذكر والأنثى للتوليد. وبمقتضى هذا النظام، سواء في الإنسان أو الحيوان يكون التكاثر، واستمرارية تلك الكائنات الحية في أجناسها، وفي أنواعها وألوانها ونشاطاتها.. بل وانقراض أجناس من الحيوان أو الطير، هو بذاته دليل إضافي على تقدير الله، وحكمته في خلقه.
والخالق للأنفس البشرية، والخالق للأنعام وغيرها من الحيوان، والطيور، والنباتات، والأشياء جميعاً؛ والذي يملك أنّ يخلق ما يشاء غيرهم - ودون أن يكون لأحدٍ من مخلوقاته قدرة على الخلق - لأنه لا يملك سرّ الخلق والإحياء، إلا هو سبحانه: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ *كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ *} [غَافر: 62-63].. إذ مع قيام الأدلة والبراهين على أنَّه تعالى خالق كل شيء، فكيف تصرفون عن الإيمان، إلاَّ أن يكون الإفك هو الذي جعلكم تصرفون!.. ومثل افتراء هؤلاء المنكرين لحقيقة الخالق العظيم، كذلك افتراء الذين كانوا بآيات الله يجحدون...
وانطلاقاً من الحقيقة الثابتة والأكيدة، التي لا تقبل أي شك أو جدال، من أنَّ الله تعالى هو وحده «الخالق»، وحتى لا تكون هنالك أية شبهةٍ حول ما ورد في الآية 49 من سورة «آل عمران»، من حيث إنَّ السيد المسيح عيسى ابن مريم قد خلق طيراً، فإنَّ النَّص القرآنيَّ واضحٌ في المبنى والمعنى على أنَّ ذلك الأمر كان بإذن الله تعالى، حيث يقول الحقُّ تبارك وتعالى: {وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائيِلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *} [آل عِمرَان: 49].
فالنصُّ يحمل بنفسه المدلولات على:
- أَنَّ الله تعالى قد بعث المسيح عيسى ابن مريم رسولاً إلى بني إسرائيل، وقد أيدَّه بالمعجزات لتكون آياتٍ دالّةً من ربهم على خصوصيَّة السيد المسيح (عليه السّلام) في خلقه خلافاً للنظام الزوجي، وخصوصيته في الإِتيان بتلك المعجزات بما لا يقدر عليه غيره من البشر، فيصدقون، بمقتضى هذه الأدلة - المعجزة، أنه نبيُّ الله ورسوله، إنْ كانوا مؤمنين.
- أَنَّ تلك المعجزات هي شواهد وبراهين حسيّة كانوا يرونها بأم العين، وما كان للسيد المسيح (عليه السّلام) أنْ يجيء بها إلاَّ بإذن الله تعالى.
- أَنَّ تلك المعجزات، بما في ذلك خلق الطير، أو إحياء الموتى، لم تكن إلاَّ رخصة مؤقتة من ربّه تعالى، وليست صفة من صفات السيد المسيح (عليه السّلام) ، إذ من صفات الله (عزّ وعلا) أنه هو الخالق العظيم، فإذا أعطى عبداً من عبادة مِكْنَةً على الخلق، فإنَّ ذلك يكون من أمره تعالى، وبمشيئته، وبالقدر الذي يريد أن يمكّن لعبده من أمره الرّباني..
- أنَّ النص قد استعمل لفظة «كـهيئة الطير» ولم يقل «طيراً» للتدليل على الرخصة المؤقتة في خلق طير، وقد أشارت إلى هذه الرخصة بعض التفسيرات[*]، من حيث إنَّ السيد المسيح (عليه السّلام) قد خلق لهم الخفاش، لأنه أكمل الطير خلقاً، فكان يطير وهم ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً..
ولعلَّ في هذه الدلالات ما يكفي لاستنتاج أمور كثيرة، ومنها علم الله تعالى بما تنطوي عليه نفوس بني إسرائيل من الشك حول بعثة نبيِّهم الكريم عيسى ابن مريم (عليه السّلام) فشاء سبحانه أنْ يؤيّد رسوله إليهم، بتلك الآيات الربانية «المعجزة» حتى يروها بأم العين، فيصدقوا هذا الرسول، ويؤمنوا بما جاءهم به من شرعةٍ ومنهاج.. إلاَّ أنَّ أجلَّ الأمور بشأن الخلق، يبقى الإيمان - المؤيَّدُ بالأدلة الساطعة - بأنَّ الله هو الخلاَّق العليم، فكان، حكماً، أنْ «ليس كمثله شيء»..
ثم إنَّ البرهان العقلي الذي تقود إليه الحكمة والمنطق يثبت أنّ من يوجد الأشياء يكون مختلفاً حكماً في «ذاته» عن الأشياء التي يوجدها، بحيث لا يمكن أنْ تكون هذه الأشياء مثله، لأنها - بداهةً - من صنعه وإيجاده. فالإنسان الآليّ يبقى آلياً من غير لحم ودم مهما أوجد فيه صانعه من القدرات والإمكانيات. والنسخ الذي يدَّعونه بين كائن حيِّ وكائنٍ حيٍّ آخر، يبقى الناسخ فيه مقصِّراً عن أنْ يدرك سر الخلية التي استعملها، والتي على أساسها أجرى استنساخه لحيوان آخر، أو لشجر أو زرع آخر.. وهنا تتجلى قدرةُ الله الخالق العظيم، الذي يملك سرَّ الخلق، وسرَّ ما أودع في الخلايا من مقومات للخلق، فكانت هذه الصفة - الخلق - وحدها كافية للبرهان على أنَّ الله تعالى «ليس كمثله شيء»... وبما أنه هو الله العزيز الحكيم، وأنه ربُّ السماوات والأرض، وربُّ العباد والخلائق جميعاً، فقد دلَّ ذلك على أنه هو السميع لما يُقال، البصير لما يُفعل، بل هو السميع لجميع المسموعات والمبصر لجميع المبصرات.. وقد نفى - جلَّ جلاله - أن يكون له نظير أو شبيه، فحكم العقل، وحكمت الفطرة بنفي هذا النظير أو هذا الشبيه..
فسبحان من ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.. ويقول الله تبارك وتعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ *} [النّحل: 17].
إنَّ هذا التوجيه من الله تعالى، وهذه الدعوة من ربّ السماوات والأرض للتذكّر بعظمة الخالق هما للوعظ، والتربية والتدليل على أنَّ من يخلُقُ لا يمكن أنْ يكون كـمن لا يخلُقُ.. فهذه مقاربة يحكم العقل بصدقها وأحقيتها، دون مواربة أو افتراء أو بهتان.. ومثل هذا التذكير والدعوة يأتيان في «سورة النحل»[*] بعد استعراض آيات الخلق، وآيات النعمة، وآيات التدبير التي تدلُّ على أنَّ الله تبارك وتعالى هو وحده الخالق المدبّر، والذين يعبدون من دونه لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون.. ويتجلَّى هذا الاستعراض بما ملخصه:
- أنَّ إنذار النبيين والمرسلين للناس إنَّما كان ليؤمنوا بأنه «لا إلهَ إلاَّ الله»، فاتَّقوا يا عبادَ الله غضبَ الله..
- أنَّ الله قد خلق السماوات والأرض بالحق، فتعالى اللهُ عما يشركون به علواً كبيراً..
- أنَّ الله قد خلق الإنسان من نطفةٍ فإذا هو خصيم مبين لربه الذي خلقه، ومنكرٌ لبعثه بعد موته وفنائه..
- أنَّ الله قد خلق الأنعام وفيها منافع للناس، وجمال للاستمتاع بها، فهل يشكرون هذه النعمة العظيمة، أم يجحدون فضلها عليهم؟!.
- أنَّ الله قد خلق من غير الأنعام أنواعاً أخرى من الحيوان للركوب والزينة، وهي أيضاً من نعم المولى على عباده..
- أنَّ الله قادر على أن يخلق غير ذلك مما لا تعلمون أيها الناس، أفلا توقنون؟!
- وأنَّ الله قد أنزل من السماء ماءً منه تشربون، ومنه ينبت الشجر والزرع على اختلاف أجناسه، وكثرة أنواع ثماره وألوانه، فهل تقدرون هذا الفضل الكبير من الخالق العظيم؟
- أنَّ اللهَ قد سخَّر لكم الليل والنهار والشمس، لتستوي حياتكم على الأرض، مثلما سخَّر لكم كل ما في هذه الأرض جميعاً لمنافعكم ومصالحكم، وسخَّرَ لكم البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً، وتستخرجوا منه حليةً تلبسونها، وأجرى لكم الفلك في مياهه لتطلبوا الرزق، وتقيموا أواصر التعارف والعلاقات، كما سخر لكم النجوم من فوقكم وجعلها علامات تهديكم إلى تحديد الجهات وسبل الأسفار التي تنقلكم إلى ما فيه خيركم وصلاح أحوالكم..
- أنَّ اللهَ قد ألقى في الأرض جبالاً تحفظ توازنها من الاهتزاز، وجعل فيها الأنهار والطرق التي تهديكم إلى مقاصدكم..
ثُمَّ وبعد هذا الاستعراض في آفاق السماء ورحاب الأرض يأتي التعقيب الذي هو حريٌّ بأن يؤثر في النفس وهي مهيأة له: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ} [النّحل: 17]..
فالعاقل المنصف، أياً كانت درجة تفكيره وتقديره، يدرك، ولا ريب، بأنَّ مَن يَخلُق ليس كمثل من لا يَخلُق، بل ولا سبيل إلى المقارنة على الإطلاق، لا سيما وأنَّ في تلك الآيات القرآنية التي تستعرض ذلك الخلق يأتي دائماً التنبيه على أنَّها آياتٌ لقوم يتفكَّرون، ولقوم يعقلون، ولقوم يذّكرون.. إذ لعلَّ من خلال التفكير، والتعقل، والتذكير يهتدون إلى أنَّ الله - جلَّ جلاله - وحده خالق كل تلك الأشياء، وأنَّه وَحدَهُ له صفة الخلق، خصوصاً، وأن واقع حياة الناس تثبت عجزهم عن خلق مثل السماوات والأرض، أو مثل البحر أو النهر، أو مثل الشمس أو القمر، أو مثل الليل أو النهار، أو مثل الخلية التي منها ينشأون... فهذا العجز هو الدليل القاطع على أنَّ الخلق لله تعالى، وأنَّ الخالق هو أحق بالعبادة، فسبحانه وتعالى عما يشركون به من خلائق وضيعة، مهينة لا تقدر على شيء. ولذلك كان التأكيد على التذكير بهذه الحقيقة، وعلى هذا النحو من الاستفهام التقريريّ: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ *} [النّحل: 17] أي أفلا تتذكرون ذلك بالبديهة، والفطرة فتعتبرون، وتؤمنون بـالله الخالق العظيم؟!..
وقد يأتي تفسير قوله تعالى على ثلاثة أوجه:
الأول : أنَّ الذين يعبدونهم، أو يدعونهم من دون الله، وسواء أكانوا من الكواكب أو من الأصنام أو من الأناسيّ أمثالهم، فإنهم لا يخلقون شيئاً، بل هم يُخلقون. وإذن، فلا خالق إلا اللَّهُ وحده.
الثاني : أنَّ المقابلة بين من يَخلُق ومن لا يَخلق جديرة بأن تُظهر هَوانَ تلك المخلوقات التي يعبدونها، ويدعونها من دون الله تعالى. بل وهي خليقة بأن تظهر مقدار فقر تلك المخلوقات لخالقها.
الثالث : أنْ يدرك العالم والجاهل، العاصي والطائع، المهتدي والضالُّ هذه الحقيقة التي لا تحتاج إلى برهان وهي أنَّ «من يخلق ليس كـمن لا يخلق»، فيكون هذا الإدراك بمثابة هزة عنيفة لهم جميعاً.. فيراجعون حساباتهم في تصور مَنْ هو أحق بالعبادة والتقديس، ومن له الفضل عليهم في تلك النعم التي يدعوهم للتفكير بها، وإدراك معانيها من حيث إنَّ حياتهم تقوم عليها، وأنه بدونها - أو بدون نعمة واحدة منها - لا يستطيعون حياة، ولا يدركون منالاً. ولذلك فإنَّ نصوص القرآن تنبِّه، بعد استعراض تلك الحقائق، التي أتت على ذكرها في «سورة النحل»، إلى شيء هام في حياة الناس، وهو أنَّ كل ما خلق الله (تعالى) إنما هو نعمة لهم، وأنَّ هذه النعمة أبعد من أنْ تعد أو تحصى، كما يدل عليه قوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34]. مما يتقرَّر معه، بعد معرفة كل تلك الحقائق ضرورة الإيمان بحقيقة وجود الله تعالى الذي ليس كمثله شيء.
2 - ما خلق الناس ولا بعثهم إلاَّ كـنفس واحدة
يقول الله تعالى: {مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ *} [لقمَان: 28].
... ماذا لو حاول الإنسان أن يحصي عدد الخلق البشريّ، عبر العصور المتطاولة في الزمن، فهل يقدر على ذلك؟ مستحيل هذا الأمر لكثرة ما مرَّ على هذه الأرض من الأنفس، وآخرها هذه المليارات الستة التي يعدّدونها اليوم.
أما الاستحالة فلا تحتاج إلى دليل، لأن النظام الطبيعيّ الذي أوجده الخالق في بني البشر، والذي يقوم عليه وجودهم، يحكمه أمران: الحياة والموت، فهذه أعداد تخلق كل يوم، وهذه أعداد تموت كل يوم، وعجلة الزمان تدور، ونظام الحياة والموت، كما هو مقدر لبني البشر، سائرٌ لا يحول ولا يزول.
وسنة الخلق في الجنس البشريّ قد بيّنها القرآن الكريم في آيات كثيرة، ومنها الآية 28 في «سورة لقمان» التي تثبت أن خلق الناس جميعاً كـخلق نفسٍ واحدة، وأن بعثهم جميعاً بعد الموت كـبعث نفسٍ واحدة. ومن هذه الآية نستدلُّ على أن الخلق البشريّ قد بدأ من نفس واحدة، هي النفس الأولى، وأن تلك النفس (كما تهدينا إليه آيات أخرى، في بضع سور من القرآن) كانت آدم (أبا البشر جميعاً)، وقد كان خلقه - كما تخبرنا به نصوص القرآن، في سور أخرى عديدة - من طين الأرض، من «صلصال كالفخار»، ثم نفخ فيه الله تعالى من روحه فصار بشراً سوياً. وحواء هي من نفس آدم، وبضعة منه، أي هي من تراب هذه الأرض كزوجها آدم.. وقد قضى أمر الله تعالى أن يودع فيهما سنةً ثابتة، لا تتغير ولا تتبدل، وهي سنة الاجتماع والإنجاب، والتي من جرائها تكاثرت ذريتهما، عبر الزمان.. فهذه هي حقيقة خلق البشر جميعاً، أي من نفس واحدة في الأصل.. وإنَّ القادر على خلق النفس الأولى، لقادر على أنْ يخلق مثلها بقدر ما يشاء، ودونما أي حسبان للأعداد والأرقام، ولا لتواريخ الولادة وتواريخ الوفاة.. فالأمر كله كائن، ولكنَّ سرَّ الخليَّة التي تنشأ منها الحياة هو من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، إنما وبمقتضى هذا السرّ كان خلقنا ووجودنا نحن البشر، وسيظل سرُّ خلق الخلية هذا مغلقاً على الإنسان طالما هو كائن على هذه الأرض، وإلى يوم القيامة.
ثم إنَّ من صفات الله (جلت عظمته) أنَّه هو الذي يحيي ويميت، وقد بيّن لنا القرآن أنَّ الله يحيي الموتى يوم القيامة، ويبعث من في القبور، كما يثبته قوله المبين: {وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ *} [الحَجّ: 7]. ويسوق القرآن شواهدَ حيةً - عايشها الناس وشهدوها وقائع حسيّةً في أزمانهم - على إحياء الله تعالى للأموات، ومن الأمثلة على تلك الشواهد الحية: بعث جماعة من بني إسرائيل، وإحياء قتيلٍ من بني إسرائيل، وفتية الكهف.
- فأما بعث تلك الجماعة من بني إسرائيل بعد موتهم، فقد جرى عندما ذهب موسى (عليه السّلام) لميقات ربّه واصطحب معه سبعين رجلاً من بني قومه، ليعتذروا إلى الله تعالى، عن عبادة العجل.. وفي الطريق طلبوا من نبيهم، حتى يؤمنوا له، أن يَرَوُا اللّهَ جهرة، فأخذتهم الصاعقة فإذا هم خامدون، ثم بعثهم الله من بعد موتهم لعلَّهم يشكرونه على إحيائهم من جديد. ولكنهم لم يفعلوا، بل لجّوا في الكفر، ونكران النعم التي أنعمَ بها الله تعالى عليهم، فظلموا بذلك أنفسهم، وذلك لقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ *ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ *} [البَقَرَة: 55-57].
- وأما إحياء القتيل من بني إسرائيل، فقد ورد في الرواية أنه قتل فيهم رجلٌ، في ظروف غامضة، فاختلفوا وتخاصموا فيه حتى كادت الفتنة أنْ تندلع بينهم، فدعا النبيُّ موسى (عليه السّلام) ربَّه أنْ يظهر القاتل حتى يدفع تلك الفتنة عن بني قومه، فأمره ربُهُ تعالى أنْ يذبحوا بقرةً، ذات أوصاف معينة، وأنْ يضربوه بشيءٍ منها، وما كادوا يفعلون حتى أحياه الله تعالى، فدلَّ على ابنيْ عمِّ له، هما اللذان قتلاه طمعاً في ميراثه، فكان احياؤه دليلاً حسيّاً على قدرة الله عزَّ وجلَّ في إحياء الموتى، يقول تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ *فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلونَ *} [البَقَرَة: 72-73]، أي كما أحيا الله تعالى هذا القتيل، كذلك يحيي الله الموتى، وقد جعلكم تشهدون هذا الإِحياء بالعين المجردة ليريكم دلائل قدرته، لعلكم تعقلون فتوقنوا أنَّ القادر على إحياء نفسٍ واحدةٍ، قادر على إحياء الأنفس جميعاً..
- وأما فتية الكهف فهم الذين أماتهم الله ثلاثمائة وتسع سنين لقوله تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا *} [الكهف: 11]، وقوله تعالى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا *} [الكهف: 25]، ثم بعثهم الله بعد تلك المدة الزمنية، ليكون بعثهم آيةً شاهدةً على أنه قادر على البعث، مثل ما هو قادر على خلق الموت والحياة، وذلك لقوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا *} [الكهف: 12]، وكذلك قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ} [الكهف: 19]..
إذاً فالبعث من الأمور الغيبية التي تشكل حقائق ثابتة، يسوقها القرآن الكريم عبر أحداث جماعية أو فردية عاشها الناس، وعاينوها بحواسهم المجرّدة، كما هو الحال في الصاعقة التي أرسلها الله تعالى على تلك الجماعة من بني إسرائيل فأهلكتهم جميعاً، ثم أحياهم القادر المقتدر بأمره.. أما عددهم فقد ورد في الروايات أنهم كانوا سبعين رجلاً، ولكن لا يعلم عدَّتهم إلا هو سبحانه وتعالى؛ وكذلك الأمر بالنسبة إلى فتية الكهف الذين أماتهم الله، ولا يعلم عددَهم غيرُهُ جلَّ وعلاّ، وإنْ وردت الرواية عن ابن عباس (رضي اللَّه عنه) أنهم كانوا سبعةً وثامنهم كلبهم..
وما إحياء ذلك الرجل الواحد، أو إحياء تلك الجماعة من بني إسرائيل، وكذلك إحياء فتية الكهف، إلاَّ من البراهين التي تهدينا إلى حقيقة البعث يوم القيامة، وأن هذا الأمر يسير على الله العزيز الحكيم، إذ كما هو قادر على أنْ يبعث نفساً واحدة، فـكذلك هو قادر على أنْ يبعث كل الأنفس التي أماتها، لأنَّ القادر على النشأة الأولى، قادر على النشأة الثانية، وهي أيسر وأسهل عليه لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *} [الرُّوم: 27].. وليس الأمر على الله تعالى هو قضية اليسر أو العسر، بل الأمر أنَّه - جلَّت قدرته - هو الخالق، وهو كما يخلق النفس الواحدة يخلق جميع الأنفس، وأنه هو الذي يحيي ويميت، فـكما يميت ويبعث النفس الواحدة كذلك يميت جميع الأنفس التي خلقها ثم يبعثها من بعد موتها، وليس في ذلك شيء من اليسر أو العسر، وإنما مرده إلى مشيئة الله تعالى المطلقة في الإنشاء، والإحياء، والإماتة والإفناء.. وهذا هو الحق من ربك، فلا تكونَنَّ أيها الإنسان من الممترين، الذين يشكون في حقيقة البعث، أو يكذبون بهذه الحقيقة، لأنه تعالى سميع لما يقول لسانك من الكذب، بصير بما تختلج به جوارحك من الإنكار.. فكنْ أيها الإنسان على يقين بأنَّ {اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ *} [الحَجّ: 61]: يسمع كل مسموع، ويبصر كلَّ مبصَر، لأنَّ من مقتضى صفاته في الخلق أنه سميع لكل شيء في الوجود، وأنه بصير بكل شيء في الوجود، فلا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء، فسبحان من يملكُ السمْعَ والأبصارَ والأفئدة، {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ *} [المُلك: 14].
وإذا عدنا إلى خلق الإنسان فإنَّ القرآن يبيّن لنا أنَّ أصله من تراب الأرض، بينما خلق الله الجان من النار
يقول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ *} [الرُّوم: 20]، ويقول تعالى: {خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ *وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ *فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *} [الرَّحمن: 14-16].
أجل، هذا هو أصل الخلق للإنسان والجان، وإنشاؤهما من العدم..
أما الإنسان فأصله من تراب هذه الأرض، أي من الطين اليابس، وهو الصلصال الذي تسمع له صلصلة إذا ضرب بشيء. وهذا الصلصال يشبه بعد يباسه الفخار الذي هو من طين يطبخ على النار حتى يصير خزفاً. والمعنى أنه كما يصير الطين اللازب (التراب المجبول بالماء) بعد أن يشوى على النار فخاراً، هكذا جُبل آدم - أبو البشرية - من طين الأرض، ثم نَفَخَ فيه خالقُهُ من روحه، فاستوى على متانته وصلابته في هذا التكوين من الجسد والنفس والروح..
ولا يملك الإنسان أنْ يناقش أصل خلقه من الصلصال كي يدّعي إنكار ذلك أو استهجانه لأنَّ العلم الحديث جاء يؤكد هذه الحقيقة القرآنية، بعدما ثبت أنَّ جسم الإنسان يحتوي على عناصر كثيرة من عناصر الأرض - إن لم تكن جميع عناصره منها - وبخاصة الماء الذي يؤلف حوالي ثلاثة أرباع مساحتها، والتراب الذي يؤلف اليابسة على سطحها..
وبعد ذلك الخلق الأول لآدم، ومن ثم خلق حواء، بضعةً منه، أودع الخالق العظيم في آدم وزوجه حواء، نظاماً للتوالد، فكان هذا الوجود البشريّ بأسره، وبما يحفل من العظات الدالة على قدرة الخالق، على الرغم من أن أصله من طين، ونسلَهُ من ماءٍ مهينٍ يقول تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ *} [السَّجدَة: 4].. {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ *الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ *ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ *ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ *} [السَّجدَة: 6-9].
وأما الجان فَخَلَقَهُ الله تعالى من مارج[*] من نار، فيكون أصل الجان من النار. وخاصّيته قوة الحركة وسرعة الانتقال تماماً كما اللهب الذي ينبعث من النار صعوداً في حركته..
ونحن، في الحقيقة لا نعلم عن مكنون خلق الجان وخصائصه غير ما دلَّنا عليه القرآن في سورة «الحجر» و«الرحمن» أو في غيرهما من السور الكريمة التي تبيّن قدرات الجن وطاقاته من قبيل: إمكانية استراق السمع في السماء، والغوص في البحار، وإنشاء الأبنية والمحاريب، وغيرها من الأشياء التي كان الجان يصنعونها وهم يعملون بين يدي النبيّ سليمان (عليه السّلام) عندما كان يبني الهيكل في بيت المقدس.
وإذا كانت حياة الإنسان أكبر شاهد قائم على ما يتمتع به من المدارك والأحاسيس التي أودعها فيه خالقة الكريم، والتي أهّلته للاستخلاف في الأرض وإعمارها، فإن الخصائص المودعة في الجان، والقوى الخارقة التي يملكها هي أيضاً من الشواهد التي تثبتها آيات القرآن الكريم لتكونَ أيضاً من الأدلة على عظمة الخالق، وعلى أنَّ هذا الخلق للناس والجان في الأرض - وإن كنا لا ندري أين يسكن الجان أو يقيمون - لدليلٌ إضافيّ على نعمة الوجود بأسره...
{فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *} [الرَّحمن: 61].. فهذه الآيات أو هذه المخلوقات وكلها شواهد قائمة، وهذه الطاقات والقدرات التي اختص بها الخالق كلاًّ من الإنس والجان، هل يمكن تكذيبها وأنتم تدركونها بالبصر والبصيرة، سواء في الأرض أو في السماء، أو تهديكم إليها آيات القرآن، وكلها من الحقائق الثابتة التي لا تحتاج إلى دليل؟! وإذا كان الأمر كذلك فبأي من الآلاء، أو الخلائق التي خلقها ربكما أيها الأنس والجان تكذبان؟! أبداً لأنّ كل ما في الوجود شاهد على أنَّ الله - جلَّت قدرتُهُ - هو الخالق العظيم، وهو المدبر الحكيم؟
3 - ليس الذكر كـالأنثى في الخلق
يقول الله تعالى: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *} [آل عِمرَان: 35] * ! " £ $ % × ' }.
..كانت حنة، زوجة عمران، عقيماً، فلم تلد. وتقدَّم بها العمر، وهي على تلك الحال، حتى بلغت سنَّ اليأس - أي سنَّ عدم الإِنجاب عند المرأة - بحيث لم يعد لديها أمل بالولادة.. ولكن ما يشاء الله تعالى وما يريد لعباده، فإنَّ علم العبد يقصِّر عنه، ولا يدركه أبداً. ولذا فإنَّ امرأة عمران لم تكن لتدري بأن ربَّ العالمين قد قدَّر لها أنْ تنجب مولودة ستكون سيدةً في نساء العالمين، فعاشت على تقواها وعبادتها، طاهرة القلب، صافية النية، صادقة الإيمان، دون أنْ يؤثّر عقمها على صلتها بربها الكريم، لا بل وزادها سنُّ اليأس الإكثار من الصلاة، وذكر الله والتعبِّد لخالقها السميع العليم.
وقيل: إنها كانت تستظل ذات يوم تحت شجرة، فحركت في نفسها عاطفةَ الأمومة رؤيةُ عصفورةٍ ترفُّ حول فرخها، فدعت الله تعالى أنْ يهب لها الولد، دونما شعور منها - في تلك اللحظة - بما هي عليه من العقم واليأس، لأنَّ المؤمن، وفي الوقت الذي يكون اتصاله بربه مفعماً بالصدق والإخلاص، قد ينسى واقع حياته كلها، إلاَّ بغيةً واحدةً كان يرومها على مدى العمر، فيتوجَّهُ بناظريه إلى مولاه الكريم داعياً، وراجياً أن يحقّق له تلك الأمنية الغالية التي طالما أمِلَ بها.. هكذا كان حال امرأة عمران، فقد تاقت نفسها إلى الولد، في لحظة إشراقٍ مع خالقها، فأتاها الإلهام بالدعاء - النابع من صميم القلب إلى الله ربها - أن يهبها مولوداً، ثم لتفيق على استجابة الدعاء، وتحقيق الرجاء..
فلما أحسَّت حنَّةُ بالحمل، لم تأخذها الدهشة، إنَّما وجدت نفسها تجثو على الأرض، غارقة في السجود لله تعالى، وهي تحمده وتشكره على ما أفاض عليها من نعمة عظيمة. ولم تَرَ، في تلك الآونة بالذات، خيراً من التعبير عن الاعتراف بفضل الله عليها، إلاَّ النذر بأنْ يكون ما في بطنها محرراً من أوضار الأرض وقائماً على عبادة ربه بصدقٍ وإخلاص، إذ قالت: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} [آل عِمرَان: 35]..
لقد كانت نية تلك المرأة منصرفةً لأن يكون حملها ذكراً، ومحرراً من أعباء الدنيا، إلا الإخلاص في طاعة الله، والقيام على خدمة بيت المقدس، جرياً على العرف في زمانها، إذ كان يوضع المولود الذكر، الذي نُذر لأن يكون محرراً، في بيت المقدس، أو في أي بيت آخر للعبادة، فلا يبرحه حتى يبلغ الحلم، فيُخيَّر بين الإقامة في المعبد، وتكريس نفسه لعبادة الله، أو الخروج إلى الحياة، والعيش مثل سائر الناس. هكذا كانت نية حنة امرأة عمران، إذ نذرت أن يكون ما في بطنها ابناً صالحاً، مؤمناً، تكرّس نشأته على العبادة لله تعالى، بل ودعت ربَّها أنْ يتقبل منها نذرها، لأنها على يقين بأنَّه تعالى السميع لكل دعاء، العليم بكل نية...
وحان الوقت ووضعت حملها، «فلما وضعتها، قالت: ربي إنّي وضعتها أنثى»! أي أنها لم تضع ذكراً كما كانت تأمل. وهذا يعني أنها لا تستطيع الوفاء بنذرها، وأنَّ عليها أنْ تعتذر لربّها، علَّه يقبل اعتذارها، فليس الأمر بيدها بما حملت، وما وضعت، بل الأمر لله وحده، فهو الذي صوَّر الأنثى في رحمها، وهو الذي خلقها ومنحها الحياة، وهو الذي يقبل العذر من أَمةٍ مؤمنةٍ صادقة.. ولذلك تابعت من خلال اعتذارها - وبعفوية تامة - فقالت: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} [آل عِمرَان: 36] للوفاء بالنذر، وحمل هذه الوليدة إلى بيت المقدس.. إذ وفقاً للأعراف والتقاليد السائدة يومئذ، فقد كانوا يرون في الأنثى مخلوقاً ضعيفاً، ولا تحتمل مثل الذكر مواجهة الأعباء، ولا سيما ما تتطلب الخدمة في بيت المقدس من إقامةٍ بعيدةٍ عن الأهل، ومن مشاق العبادة، والالتزام بالفروض والطاعات. هذا فضلاً عن قدسية هذا البيت التي قد لا تتوافق مع إقامة أنثى فيه، لما يلحقها من حيضٍ، وبالتالي من عدم إمكانية الطهارة الدائمة بعد البلوغ.. فتلك العادات الموروثة التي لا تجيز الالتحاق في بيت المقدس إلاَّ للذكور دون الإناث، والوهن الذي خلقه الله تعالى في المرأة، ونية امرأة عمران بأنْ يكون ما في بطنها قائماً على عبادة الله في بيت المقدس بالذات.. كل تلك الأمور قد حدت بها للاعتذار من ربها، ورجاؤها أنْ يَقبل ربها الكريم عذرَها، وأن يتقبَّل منها نذرها، لأنها على يقين بأنه تعالى هو السميع العليم.
وعلى هذا الأمل، وبمثل هذا الرجاء سمَّت ابنتها «مريم»، أي العابدة أو الخادمة - على لغة ذلك الزمان - وكأنَّ إلهاماً يقول لها بأنَّ هذه المولودة سوف تنشأ فعلاً للعبادة في الهيكل، وسوف تكون ملتزمة بكامل فروض العبادة، وأداء مهام الخدمة في رحاب المعبد الكبير..
واستكمالاً للنذر الذي قطعته على نفسها، وترجمة للعهد الذي التزمت به مع ربها أنْ يكون ما في بطنها محرراً من شوائب الدنيا، فقد ظلت على نفس التوجّه في الإخلاص وطلب العون من الله أنْ يحفظ وليدتها، وأن يصونها وذريتها - في الحياة الدنيا - من الشيطان الرجيم، فقالت: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *} [آل عِمرَان: 36].
ومثل هذه الاستعانة بـالله العليّ الكبير، إنما تنمُّ عن إلهامٍ تستبق فيه تلك المؤمنة الزمن، وهي تتطلع إلى وليدتها تنعم، وذريتُها، بغدٍ مشرق ملؤه الإيمان، والطاعة والرضى، وهي عطاءات من الله لا تتحقق إلاَّ أنْ يحفظ سبحانه وتعالى هذه الوليدة وذريتها معها، من غواية الشيطان الرجيم، المطرود من رحمة الله، فتكون وإيَّاهم بمنأى عن الوساوس التي يدسّها الشيطان في نفوس بني آدم، وتدخل معهم في زمرة المؤمنين الصالحين، في ظلال رحمة ربِّ العالمين.
ولذلك يأتي التعقيب القرآنيّ الذي يؤكد هذه الحقيقة، بقوله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَناً} [آل عِمرَان: 37] أي أنَّه سبحانه تقبَّلها - وهي أنثى - بقبول حسنٍ، هو قبول الرضى والنعمة، وأنشأها ورعاها رعاية حسنةً تتوافق مع قبولها الحسن، فكانت - كما يروى - تكتمل في اليوم بقدر ما يكتمل غيرها من المواليد في الأسبوع.. وذلك كله جزاءٌ للأم على الإخلاص الذي عمر قلبها، وعلى تجرّدها الكامل في نذرها.. ومن ثمَّ إعدادٌ للمولودة فيما اختيرت له من دون نساء العالمين.
ويبين القرآن الكريم حقيقة هذا الاختيار بقول الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيًّا *فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا* قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} [مَريَم: 16-19]، أي واذكر - يا محمد - ما أثبتناه في هذا القرآن من خبر مريم بنت عمران، إذ اعتزلت أهلها، حتى بعد بلوغها الحلم، لتقوم على عبادة الله تعالى في المحراب الذي أعده لها كافلها زكريا (عليه السّلام)، في ناحيةٍ شرقية من بيت المقدس، بحيث تكون بعيدة عن أقاربها، وفي مكان محجوب عن عيون الناس، فلا يراها فيه أحد، ولا يقتحم عليها خدرَها أحد. إذ إنَّ في الحجاب ما يحجب ويخفي عن الآخرين، وما قد يقطع التعامل معهم، كما كانت عليه الحالة التي نشأت فيها مريم بنت عمران. وبالفعل فقد كان زوج خالتها، النبيّ زكريا (عليه السّلام) هو الذي تكفَّل رعايتها، وتحمل مسؤولية إقامتها في بيت المقدس، وفقاً لما أعدَّ الله له من دورٍ يؤديه في حفظ تلك المولودة، وعزلها عن أي سوء، فمنع أيَّ إنسان من الدخول عليها في محرابها، فلا يصعد إليها أحد إلاَّ هو، وقطع عنها الخدمَ والكهَّانَ فلا يطعمها، أو يقوم على خدمتها غيره.
وهكذا كانت تربية مريم، في رحاب بيت المقدس، وفي أحضان النبوة، تُنشَّأُ وحيدةً في محرابها على الطهارة، والعفاف والعبادة حتى جاء الوقت لتلقّي النبأ العظيم، فأرسل إليها الله العزيز الحكيم «روحاً» من الأرواح الطاهرة التي خلقها، وأعدَّها لمهمات جليلة قضى بها سبحانه في علمه المكنون، وكان ذلك «الروح» الملك جبريل الأمين (عليه السّلام) الذي عبَّر عنه النص القرآنيّ بلفظ «روحنا» لأنه مخلوق ملائكيّ، روحانيّ، ولأنه حملَ نفحةً من روح الله لينفخها في هذه الإنسانة البتول الطاهرة حتى يتحقق أمره تعالى بما قدَّر في سابق علمه. وزيادة الضمير «نا» تعظيماً لنفسه (جلَّ جلاله)، وأنه هو الذي بعث هذا الروح لينفذ أمره في خلقه كما يشاء ويريد. وكذلك كانت زيادة الضمير تأكيداً على جلالة الأمر الذي يريده ربُّ العالمين من بعث هذا الرسول ليكون الوسيلة في تحقيق مشيئة الله تعالى المطلقة، في نفاذ الأمر الذي يريد، ودون أي أمرٍ آخر ولذلك قال: «فأرسلنا إليها روحنا»، لإثبات أنَّ الأمر الذي أرسل به جبريل شأنٌ إلهيٌ، ومنسوب إلى ذاته القدسية.. (ومثاله أن نقول: فؤادنا، عقلنا، كتابنا.. تأكيداً على ما في ذاتنا أو فيما يخصّنا دون غيرنا)..
وجاءها الملك جبريل فتمثل لها بشراً سوياً، على هيئة إنسانٍ، سويّ الخَلْق، بهيّ الطلعة، وذلك وفقاً لمقتضى التكليف الذي حمله من ربه.. وهنا يمكن أن نتمثَّل في خيالنا، مشاعرَ تلك العذراء الطاهرة، البريئة من الدنس، والتي نشأت في جو الإيمان، والإخلاص في العبادة، كيف يكون حالها، وقد دخل عليها هذا الإنسانُ فجأة، ومن غير استئذان كفيلها زكريا (عليه السّلام)، فماذا يمكن أنْ تقول له؟ وبماذا يمكن أنْ تشعر أو تفكِّر؟
كان من الممكن أنْ تأخذها الدهشةُ - مثل أي عذراء غيرها - لمرآه. وكان من الممكن أنْ يتملكها الخوف أو الذهول، بل والغيبوبة لو أنَّ جبريل (عليه السّلام) ظهر أمامها بصورته الملائكية، فتنهار عزيمتها، ولا تعود قادرة على محادثته، أو سماع ما يقوله لها، فيفقد التكليف غايته. ولكنَّ هذا في عرفنا، ووفق قصورنا نحن الآدميين. أما عند الله، فكل شيء يخضع لما يشاء، ولما يدبِّر، ويُحكم العزيز الحكيم. فأرسل إلى مريم بنت عمران الملك جبريل على صورة إنسان يكلمها بلغتها - لا إيماءً فتنفر، ولا إيحاءً فتجفل - ويوصل إليها الرسالة بجلالها.. ولذلك فإننا نجدها، وعملاً بما زوَّدها به ربها من التقوى، التي تحمل معاني القوة، والشجاعة، ومواجهة المواقف - بالعزة والحق - تبادره بما ينمُّ عن طهرها وعفافها، فقالت له: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا *} [مَريَم: 18]؛ فالله هو الرحمن الذي يعصم من الزلل، وهو الرحمن الذي يستعانُ به، ويُلاذُ إليه في وقت الشدة، ولذلك كانت استعاذة مريم بالرحمن من هذا الزائر، وهي تقول له: إني أعوذ بالرحمن منك، ومن دخولك عليَّ إن كنت تخاف الله تعالى، وتتقي غضبه ونقمته. (وقد استعملت لفظة «تقياً» لأن التقيّ إذا ذُكِرَ الله أمامه خشع قلبه، فزادت تقواه، وزاد حذره وخوفه من الله، لأنه أصلاً لا يعمل إلا بما يرضي الله، وبما يبعد عنه سخطه)..
وأجابها جبريل الأمين: {قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَِهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا *} [مَريَم: 19] طاهراً، مطهّراً من ربه تعالى؛ وليجعله آيةً للناس، وكان أمراً مقضياً!.
ويمكن أنْ يتمثَّل خيالنا، مرةً أخرى، ما قد تشعر به فتاة عذراء مثل مريم (عليها السّلام) من خوفٍ، وخجلٍ وهي تسمع من هذا الإنسان ما تسمع في خلوتها، بعيدة عن الأعين، لأنه في العادة لا يمكن أنْ يهب رجلٌ لامرأة غلاماً إلا بملامستها.. أما مريم وهي طاهرة مقدسة، فإنها ترفض أصلاً ملامسة أي رجل لها، لأنها قد نُشِّئت على العبادة والطاعة، ونذرت لها نفسها منذ أن تفتحت مداركها على وجودها في بيت المقدس. ولذلك كان جوابها واضحاً، ومعبراً عمَّا هي عليه، فقالت: {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا *} [مَريَم: 20]، أي فكيف تهب لي غلاماً وأنت لن تمسَّني، ولن تجرؤ على ملامستي، مثلما لم يمسسني بشر من قبل، لأنني لم تكن لي يوماً بغيةٌ لا في رجل، ولا في غلام، وحياتي قائمة على الطهارة، وعبادة الله ربي الذي يعصمني منك، ومن أي بشرٍ غيرك!..
وجاءها الاطمئنانُ: {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا *} [مَريَم: 21]، أي مثل ما قال ربّك أقول؛ فالأمر إذاً ليس ملامسةً، بل نفخةً من روح الله فتحمل منها، وهو أمر هين على الله تعالى، حتى يتم أمره المقدر، كما شاءَ في سابق علمه.
وكان أمر الله تعالى الذي يقول للشيء: كن، فيكون، ونفخ فيها جبريل، فحملت مريم، وولدت عيسى (سلام الله عليهم جميعاً).
4 - خلق اللَّه سبع سماوات ومن الأرض مثلَهُن.
يقول الله تبارك وتعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا *} [الطّلاَق: 12].
إن الجو الذي توحي به هذه الآية المباركة هو، في الحقيقة، جو الدعوة الإسلامية التي تخاطب أولي الألباب، كي يسيروا على منهج القرآن الذي يوحيه الله تعالى، إلى نبيِّهِ محمدٍ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) ليهدي الناس إلى الإسلام، ويخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور؛ وهذا يعني أنَّ القرآنَ هو من عند الله، وأنَّ النبيّ إنما يبلّغ عن الله تعالى هذه الآيات المبيّنات في كتابه الكريم، لتخاطب أولي الألباب، وتبيّن لهم أنَّ الله تعالى هو الذي خلق سبع سماوات، ومن الأرض مثلهن، وهو الذي أوجب أن يتنزَّل أمره الجليل بينهنَّ بالحق، ليعلم المؤمنون أنَّ الله على كل شيء قدير فيما خلق، وفيما أنزل، وفيما قدَّر ودبَّرَ في السماوات والأرض؛ وليعلموا كذلك أن الله قد أحاط بكل شيء علماً، فلا يغيب عن علمه شيء - ولو بمقدار ذرة - في السماوات والأرض، مما كان، ومما يكون..
هذا ولا بد من الوقوف على ما يدلُّ عليه ظاهرُ الآية المباركة، وهو أنَّ الله تعالى قد خلق سبع سماوات، ومن الأرض مثلهن (أي في المِثْلِيَّة على القدرة في الخلق، لا في العددية). وليس في القرآن الكريم آيةٌ أخرى تشير إلى خلق سبعٍ من الأرضين. ولا خلاف في أنَّ السماواتِ هي سماءٌ فوق سماء. أما الأرضون فتحدث عنها ابن عباس (رضي اللَّه عنه) فقال: «إنها سبع أرضين ليست بعضُها فوق بعض، يفرق بينهنَّ البحار، ويُظِلُّ جميعهن السماء». وقد يكون ابن عباس (رضي اللَّه عنه) قد قصد بسبع أرضين أقسام اليابسة على هذه الأرض.. والله تعالى أعلمُ بمصاديق ما استأثر به علمُه، واشتبه على خلقه، فلا يعلم معنى {وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطّلاَق: 12] إلا هو سبحانه، إذ لم يميّز أحدٌ حتى الآن بين وجود سبعٍ من الأرضين، كما لم يميّز أحدٌ بين وجود سبعٍ من السماوات، بما يؤدي إلى تحديدٍ لهذه السماء أو تلك، وإن كانت اكتشافات علم الفلك تتحدث عن الكواكب، والأجرام والنجوم، والمجرات الكبيرة التي لا تحصى في الكون العظيم..
وهذا ما يوحي بأنَّ كل شيء في الوجود إنما كان بأمر الله، ومن خلق الله؛ كما يوحي بأنَّ الكون - بخلقه الهائل وسعته العظيمة - غير متروكٍ بلا تدبير، بل هو محكوم بنظام دقيق، محكم وقويّ، لم يتطرق إليه الخلل، ولا أصابَهُ العطل، وفقاً لسنن الله التي لا تتبدل، ولا تتحول... وهذا بحد ذاته أعظم دليل على أنَّ الله على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء - في السماوات والأرض - علماً، فسبحان الله العليّ القدير، وسبحان الله العليم الحكيم!.
5 - اللَّهُ الذي خلق السماوات والأرض قادر على أنْ يخلُقَ مثلهم.
يقول الحقُّ تبارك وتعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُورًا *} [الإسرَاء: 99].
وهنا العجب العجاب من الذين كفروا بآيات الله، وأنكروا حقيقة خلقهم، وحقيقة بعثهم فقالوا: {أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا *} [الإسرَاء: 98].. فجاءهم الجواب القاطع، على شكل استفهام تقريريّ: «أَوَلم يروا أنَّ الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم»؟! أي أنه قادر على أنْ يخلق مثل هؤلاء الناس - وهم ما عليه من الصغر - لأنَّ من قدر على خلق ما هو أكبر منهم بكثير في هذا الكون - كما في هذا الخلق العظيم للسماوات والأرض وما فيهنَّ وما بينهنَّ - لقادر على أن ينشئ الناس، بعد فنائهم، وأن يخلقهم من جديد كما خلقهم أول مرّة...
ثم أَوَلم يتفكروا أنَّ الذي خلقهم قادرٌ على أنْ يبدّلهم بغيرهم، ويأتي بأناس يكونون على مثالهم في الهيئة والتكوين، فيعبدوه ويتَّقوه بخلاف ما هم عليه من الجحود والكفر؟!..
بل وكيف ينكرون قدرة الله تعالى على إعادة إحيائهم، وبعثهم للحساب، وهو الذي قد جعل لكل واحدٍ من بني البشر أجلاً محدداً لا بدَّ أنْ يبلغه بالموت الذي لا مفرَّ منه في حياة الناس أجمعين، بل ولا أحد قادر على أنْ يفلت منه بحكم وجوده البشري؛ وأن موعد هذا الأجل - من ثَمَّ - لا يعلمه إلا الله تعالى؟!
إذاً فالبراهين ساطعة على أنَّ الذي خلق هذا الكون الكبير الواسع، بما فيه من السماوات والأرض، لقادر على أن يخلق مثل هؤلاء الأناسيّ، لأنَّ القادر على الإنشاء ابتداءً قادر على إعادة هذا الإنشاء، بل وهو أهون عليه. فأية غرابة إذاً في البعث والحساب؟!.. لا غرابة في ذلك أبداً عند ذوي الألباب. ولكنَّ الظالمين لأنفسهم - بالكفر والجحود - يأبون الإقرار بهذه القضية، ويصرون على أن ينكروا حقيقة البعث، مثلما يصرون على الكفر الذي هو منتهى ظلم الإنسان لنفسه، طالما أنَّ عاقبته سوف تكون وخيمة، وهي، حتماً، الخسران المبين، حيث يساقون يوم الحساب إلى جهنم، وبئس المصير..
6 - الوعد بالحساب والثواب والعقاب حقٌّ مثل حقيقة النطق.
يقول الله تبارك وتعالى: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ *وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ *وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ *فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ *} [الذّاريَات: 20-23].
في هذه الآيات الكريمة إيقاظ للإنسان من مألوف العادة فيما يرى، ويسمع؛ وحثٌّ له على ألاَّ ينظر إلى الأشياء من حوله دون تبصّر، وتذكّر، واعتبار.. فما على الأرض من البحار والأنهار، ومن الجبال والأودية، ومن الأشجار والنباتات، ومن الحيوانات والطيور والحشرات.. هذه كلها براهين حسيّة على حقيقة وجود خالق عظيم، وأنه على كل شيء قدير فيما يخلق، وفيما يَهَبُ هذه المخلوقات من أنماط الحياة، وفيما يسنُّ لها من السنن التي تربطها بخالقها، وهو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد..
والله - تعالى - يخصّ الموقنين بالذكر هنا، لأنهم عباده الذين صدّقوا، وآمنوا بما أنزل إليهم من ربهم على لسان رسله، واعتقدوا بجوارحهم اعتقاداً يقينياً بأنه «لا إلهَ إلاَّ الله»، إله واحدٌ في السماوات والأرض، وأنه خلق كل ما في الوجود بالحق، لأنه هو الحق، فكان اعتقادهم هو التصديق الجازم الذي يوافق الفطرة، ويناسب الإدراك، ويلامس الشعور، ويقوِّم السلوك.. ولذلك كانوا على يقين أنَّ كلَّ ما هو كائن في الأرض من حولهم، أو في السماوات من فوقهم، هو من خلق ربهم تبارك وتعالى. وإنّ إيمانهم الصادق هذا، هو الذي يرفعهم إلى مرتبة «الموقنين»، الذين يرون أنَّ كل ما في الوجود من آيات (مخلوقات) هي الأدلة الساطعة على حقيقة وجود الخالق العظيم، والمدبّر الحكيم.
وقد أيقن قلبُ الشاعر هذه الحقيقة، فقال معبّراً عنها:
وفي كل شيء له آيةٌ
تدل على أنه واحدُ
هذا في الأرض، وما يحيط بالناس من الأحياء، والجمادات والأشياء.. ولكن أليس في أنفسنا أيضاً آيات دالةٌ على قدرة خالقنا الكريم؟ إنَّ لفظة «أنفسكم»، كما وردت في التعبير القرآنيّ، هي إشارةٌ لكل إنسان، في تكوينه من جسدٍ ونفس وروح.. لأنَّ في خلق الإنسان من الصنع والإِحكام، ومن الخصائص والصفات الذاتية التي أودعها الخالق فيه، هو الذي يجعله بشراً سوياً، وفي أحسن تقويم.. فلو أدركنا ما في أنفسنا، أي ما في خلقنا كله، من دقيق الصنع، وعجيب التركيب، وعظيم التآلف والتناغم بين ما تنطوي عليه ذاتنا في الداخل، وما تظهر عليه صورتنا في الخارج، لأيقنَّا أن ذلك الخلق ليس عبثاً، وأن القادر على هذا الخلق لا يمكن أن يكون إلا الله العزيز الحكيم.
وإنَّ في القرآن المبين كثيراً من الآيات التي تدل على أصل الخلق البشريّ. وتلك الآيات جميعاً تدعونا إلى التبصّر بخلقنا حتى نستدلَّ على الخالق العظيم، ومنها قول الله تعالى: {أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً *أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى *ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى *فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى *} [القِيَامَة: 36-39]. فهنا تبيان لبعض أطوار الخلق البشريّ. وفي مواضع أخرى من القرآن الكريم آيات تدل على أطوار غيرها من مثل تكوينه جنيناً في بطن أمه، ثم ولادته طفلاً لا يعلم شيئاً، ثم نموّه شاباً قوياً يملأ الحياة بالحركة، ثم صيرورته كهلاً وقد دبَّ فيه الضعف، ثم يُردُّ في النهاية إلى أرذل العمر فلا يعلم من بعد علم شيئاً.. وهذا كله قد اكتشف العلم منه شيئاً كثيراً، وسوف يزيده اكتشافاً، يوماً بعد يوم، مما يذهل العقول في دقة الإنشاء، والتركيب والتنظيم للهيكل البشريّ، وما تنطوي عليه نفس الإنسان من الملكات والقدرات والطاقات، التي تجعله - جميعها - بشراً سوياً.. وهذه الألطاف الربانية في الخلق البشري تنطق كلُّها بأن الله تعالى هو الخالق العظيم، فتبارك الله أحسن الخالقين.
أما لماذا جعل الله تعالى رزقنا في السماء لقوله الكريم: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ *} [الذّاريَات: 22].. فلأنَّ الماءَ ينزل من السماء بأمر الله تعالى، ولأنَّ الله جعل من الماء كلَّ شيءٍ حيٍّ، فالأحياء على الأرض البرية، والأحياء في تجاويف الأرض المغطاة بالماء من الأنهار، والبحار والمحيطات.. تلك الأحياء قد جعل منها ربنا الكريم أرزاقاً وأقواتاً للناس، ولغيرهم من الكائنات الحية.. وتلك الأنواع التي تؤكل من النبات والطير، ومن الحيوان البريّ والمائيّ، هي مما لا يُعدُّ ولا يحصى.. وقد سخَّرها الخالق غذاء لا يمكن بدونه للإنسان أنْ يحيا، أو أنْ تستمر حياته على هذه الأرض.. بيد أنَّ أمر هذه الأرزاق هو بيده تعالى وقد قسمها لعباده بما قدَّر وشاءَ، وما قد يزيد فيه، أو ينقص منه (مما هو مكتوب في اللوح المحفوظ)، لأنه سبحانه هو اللطيف بعباده ومخلوقاته، الخبير بأحوالهم وحاجاتهم، فيرزقهم، بهذا المقدار أو ذاك، لأنه هو الرزاق الوهاب، والغنيّ المغني، يقول تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ *} [العَنكبوت: 62].
والناس يجهدون، عادةً، ويكدون في الحياة طلباً للرزق، وهذا أمر مشروع وشرعيّ، بل وواجب عليهم، لأنه لا يجوز للإنسان أنْ يكون عالَّةً على غيره، طالما أنه قادر على العمل، وجني الرزق من الكسب الحلال. على أن الميلَ في طبع هذا الإنسان لنيل خيرٍ أوفرَ، ورزقٍ أكثرَ، هو ما يجعله يعِدُ نفسه بالاستزادة منهما؛ وهنا عليه أن يعيَ بأن العمل والأمل مباحان له، ويمكن أن يعمل، ويجتهد بقدر ما يستطيع، ثُمَّ يترك الأمر لله سبحانه وتعالى، لأنَّ النتائج دائماً بيد الله، لأنه مالك الملك فلا شريك له في ملكه، ولا حسيب له في رزقه، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، وعطاؤه لعباده لا يكون إلاَّ عن حكمة واقتدار وفقاً لما تقتضيه مصالح هؤلاء العباد.. والعبرة في الأساس أنَّ الأرزاق في الدنيا، وما توعدون به أيها الناس من البعث والحساب والثواب كله مقدر ومكتوب في كتاب لا يمسُّهُ إلاَّ المطهرون.. وفي ذلك آيات للموقنين.
{فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ *} [الذّاريَات: 23]..
وهذا القسم من الله تعالى - وهو ربُّ السماوات والأرض - لعباده من هؤلاء الناس، الذين يملك أنْ يتصرَّف بهم، وبحياتهم وأرزاقهم ومصائرهم كيف يشاء.. لقسم عظيم تقشعر منه أبدان المؤمنين، الموقنين بآيات الله، وجليل قدره عزَّ وعلا.. فعندما يقسم ربُّ العزة والجلال لعباده، من هؤلاء الناس، بأنه ربّ السماوات والأرض، وأنه ربُّ هذه المخلوقات كلها جميعاً، وأنه هو الذي قدَّر لها ما في السماء والأرض من الأرزاق... فكل ذلك حقٌّ يقين، لأن المُقسِمَ هو الله العلي العظيم، وقد أقسم بذاته القدسية على أنَّ بعثكم هو آتٍ لا ريب فيه، وهو حقيقة ستجدونها، مثل ما هي حقيقة نطقكم، أيها الناس، بهذا الكلام الذي يخرج من أفواهكم، إذ كونكم تنطقون حقيقة لا جدال فيها ولا مواربة، وغير قابلة للشك، فكذلك بعثكم وحسابكم هو حقيقة لا مراء فيها.. لا بل وكلُّ ما أتى به القرآنُ، وهو كتاب الله المجيد، هو حقائق ثابتة وأكيدة، ولا تقبل الشك.. والإيمان بكتاب الله، وما أُنزل فيه، يرقى لدى المؤمنين إلى مرتبة الإيمان الصادق الجازم، فهلاَّ توقنون، أيها الناس، بذلك حتى تكتبوا مع الصادقين، الموقنين؟!.
ثانياً - إنَّ الله يعلم أنْ لا مَثَلَ له، فلا تجعلوا له أشباهاً
يقول الحق تبارك وتعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ *فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون * وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} [النّحل: 73-76].
من الثابت أنَّ المشركين والكافرين كانوا يعبدون من دون الله تعالى بعضاً من مخلوقاته التي خلقها في الأرض وفي السماء، وأنهم كانوا - وما يزالون - ينقادون لأناس أمثالهم، حتى يصيروا بمثابة آلهةٍ لهم، يسيّرونهم وفق الأهواء والمطامع .. ليكون اتِّبَاعُهُم لهم بمثابة عباداتٍ .. ولكنها عباداتٌ ضالّةٌ، مضلّلةٌ، وأولئك المعبودون - من دون الله تعالى - ليسوا إلاّ كائناتٍ أو أشخاصاً لا شأن لهم، ولا اعتبار إلاَّ بمقدار ما قدّر لهم خالقهم العلي القدير .. ومن هوان شأنهم أنهم لا يملكون لمن يعبدونهم رزقاً، ولو شيئاً يسيراً منه، لأن كل رزق من السماوات إنما يأتي من المطر الذي ينزله الله تعالى، ولأنَّ كل رزق من الأرض - من النبات والحيوان والمعادن، وغيرها مما قد يكون مورداً للخير والعيش - هو أيضاً من الله تعالى. إذاً فكان أكيداً - ودونما حاجةٍ إلى برهان - أنَّ ما يعبدون من دون الله لا يستطيعون أنْ يرزقوهم شيئاً، بل وهم محتاجون أصلاً لمن يهب لهم الرزق - مثل ما هم محتاجون لمن يهبهم الوجود - فإذا كان فاقدُ الشيء لا يعطيه، كما يدلُّ عليه الواقع في حياة الناس، فمن باب أولى أنْ لا يملك الذين يعبدونهم من دون الله رزقاً لهم: ولا يستطيعون أنْ يأتوهم بأي رزق لأنهم مفتقرون بذاتهم إلى من يرزقهم، واللهُ تعالى وحده الذي يملك الأرزاق ويعطي منها من يشاء، ولمن يشاء ..
ولذلك يأتي التقرير الحاسم - وهو على شكل الأمر للعباد جميعاً، كافرِهِم ومؤمِنِهم - بألاَّ يجعلوا لله عزَّ وجلَّ أشباهاً يشركونهم به في العبادة، أو في سواها، لأنه سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن التشبيه والمثال. فأمَّا المؤمنون فيعلمون أنه الأمر الحق من ربهم، وهم أصلاً يقومون على عبادة ربهم العليّ الكبير، ولا يشركون بعبادة ربهم أحداً.. بينما الكافرون، أو المشركون لا يعلمون هذه الحقيقة، أي أنه لا شريك لله في ملكه، ولا مثيل له في كينونته، ولذلك يعبدون من دون الله آلهةً مزيفةً، يشبّهونها بالله تعالى في العبادة، ويشركونها معه في أرزاقهم وأموالهم، فتعالى الله عما يشركون علوّاً كبيراً!!..
وعندما يحذّر الله جلًّ جلالُهُ الكفار والمشركين ألاَّ يضربوا له الأمثال فذلك لأنه يعلم أنَّ لا مثل له، وأنهم، هُمُ، لا يعلمون ذلك، وبالتالي فلا يعلمون عاقبة العبادة الباطلة - لتلك الأشباه - من دونه تعالى.. والفارق كبير، بل لا مجال للمقارنة بين علم الله تعالى الذي أحاط بكل شيء، وبين جهل أولئك الكافرين والمشركين، الذي لا يزيدهم إلا ضلالاً، مثلما لا تزيدهم عبادتهم الباطلة إلاَّ كفوراً، فكان لا بد من الأمر الحاسم والجازم بألا يضربوا لله تعالى الأمثال، وألاّ يجعلوا له - في تصوّرهم أو خيالهم، ولا في تفكيرهم أو شعورهم - شبيهاً أو نظيراً أو مثيلاً.. لأنَّ التشبيهات، وأياً كان نوعها، فما هي إلا ضلالٌ، وكفرٌ وصدٌّ عن سبيل الله.
ولكي يكون لهذا الأمر مدلولاته، وتأثيراته فإنَّ الله عزَّ وعلا يضرب في كتابه المجيد مثلين يقرِّب بهما إلى العقول، والأذهان والمشاعر، الحقيقة التي غفل عنها الكفار والمشركون، وهي أنه ليس لله تعالى مثال ولا شبيه، وأنه ليس من الجائز أنْ يساووا في العبادة بين الله الخالق، وأشياءَ وأشخاص من خلقه، وكلهم عبيد له..
- أما المثل الأول فقد ضربه الله تعالى للتمييز بين العبد المملوكِ - ويُبدَّل منه الأجير، أو المستخدم أو الخادم - الذي لا يملك شيئاً من الرزق، أو من حرية التصرف .. وبين السيد الحر، أمثال صاحب العمل، أو المؤسسة، أو مالك الأرض أو الدار، أو الغني صاحب الثروة وغيرهم ممن يرزقهم الله رزقاً حلالاً فهم ينفقون منه في السر والعلانية، ومن دون قيود، قد تمنعهم من هذا الإنفاق، سواء أكان في سبيل الله، أم في سبيل عباد الله. فهل يتماثل، إذاً، العبد والسيد ويتساويان في حرية الإرادة، وفي حق الملكية، والتصرف في هذه الملكية؟ وهل يعقل أنْ يكون هذا الحر المالك مثل ذلك العبد المملوك؟ أبداً لأنَّ الفوارق بينهما كبيرة في كل شيء، ولذلك لا يمكن أنْ يتماثلا، لا حالةً، ولا وضعاً، ولا إرادةً.. وقد عبَّر سبحانه وتعالى عن تلك الفوارق بينهما بعبارة {هَلْ يَسْتَوُونَ} [النّحل: 75]، ولم يقل: هل يستويان؛ لأنه أراد بالعبد المملوك «الجنس» وليس التخصيص، كما أراد بعبارة: {وَمَنْ رَزْقْنَاهُ} [النّحل: 75] الكل، وليس الفرد.. فإذا كان هذا التفاضل موجوداً فعلاً بين إنسانٍ وإنسانٍ، بحيث لا يتشابهان أبداً، فهل يجوز أنْ يُماثَل ويُشابَهَ بين الله جلَّ جلاله مالك الملك، وبين عبيد له قد يكونون جماداتٍ لا تنفع ولا تضرُّ بشيء، أو قد يكونون أناساً، عباداً لله، ولكنهم لا يملكون إلاَّ ما رزقهم ربّهم، وقد يكون بقدر كفايتهم، أو زيادةً عن تلك الغاية وذلك لمقتضى حكمة الله تعالى في عطائه أو منعه..
فالحمد لله أنْ ليس له - سبحانه - مثيلٌ في الخلق، والحمد لله أنْ ليس له - سبحانه - شريكٌ في الملك؛ فهو «الله الذي لا إله إلاَّ هُوَ»، وعبادته وحده حق على عباده، وإقرارهم بالعبودية لربهم نعمة تستحق الحمد والثناء، إلاَّ مَنْ كان جهولاً فلا يعلم جليل قدر خالقه، أو من كان ضالاً فلا يقدِّر فضل ربه عليه!
والجاهلون - أو المتجاهلون - لهذه الحقائق اليومَ، كما كان عليه العهدُ عند بعث محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، هم كثيرون... لأنَّ أكثر الناس قد لا يعلمون أنَّ الله - جلت عظمته - لا مثل له، فكانوا مثل ذلك العبد المملوك الضالِّ عن معرفة الحقيقة، وعن الاهتداء إلى ما يريد، فلا يقدر، بالتالي، على شيء.. بل ولعلَّ الذين يضلّون عن معرفة حقيقة وجود الله تعالى، وحقيقة الألوهية والربوبية لله تعالى، أو الذين «ما قدروا الله حقَّ قدره» هم أضلُّ من ذلك العبد المملوك الذي ضربه الله تعالى مثلاً للكافر أو المشرك، ممَّنْ عميَ عن هدى الله، فضلَّ السبيل، وأضلَّ غيره!...
- وأما المثل الثاني فقد ضربه ربنا تعالى لرجلين: أحدهما أبكم (أخرس اللسان) لا يفهم ما يقال له، لأنه لا يسمع أصلاً - باعتبار أن حاسة السمع تكون عادة مفقودة عند الأبكم - ولا يُفهِمُ ما يريد لأنه عاجز عن النطق. وهذا الرجل ثقيل العبء على وليّ أمره، الذي لا ينتفع منه بشيء، «أينما يوجِّهْهُ لا يأت بخير» بل يضلّ عن وجهته، ولا يهتدي إليها أبداً، فكان محكوماً أنْ يرجع من المكان، الذي استطاع الوصول إليه، دونما فلاحٍ، أو جدوى منه...
والآخر رجل عاقل ومدرك، اعترف بفضل الله تعالى عليه، وما وهبه من الجوارح، وبخاصة النطق، وما حباه من الحكمة والهدى، فقام بين الناس يأمر بالعدل والإحسان، ويرشدهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم. وهذه كلها من مزايا الاستقامة التي وطَّن النفس عليها، ومن صفات الخُلُق العظيم الذي يأبى على مثل هذا الإنسان إلاَّ أنْ يكون على صراطٍ مستقيم في كل ما يقول، وما يفعل..
فهل يستوي هذا العادل المصلح، مع ذاك الأبكم القاصر؟ أبداً لا يستويان مثلاً، ولا يتساويان قيمةً وقدراً.. إذاً فأين إدراك المشركين بالله تعالى، الذين يجعلون له أنداداً من التماثيل، والأحجار والأشجار، أو يشركون في عبادته الكواكب أو الملائكة، أو من هم عباد أمثالهم؟ وكيف عُقلت عقولهم ونفوسهم عن الادراك وأُغلقت عن معرفة الحقائق، حتى غفلوا، وتاهوا عن عبادة الله الواحد الأحد، وهو الحاكم العادل، والهادي إلى الصراط المستقيم؟ عن ابن عباس أنه قال: «إنه مثل الكافر والمؤمن، فالأبكم هو الكافر، ومن يأمر بالعدل هو المؤمن».
وإذا كانت حقائق الوجود جميعاً تثبت أنْ لاَ مَثَلَ للَّهِ سبحانه وتعالى، فقد كان جديراً بالبشر أنْ يعتنقوا عقيدة التوحيد الخالصة، وألاَّ يجعلوا لله شبيهاً أو مثيلاً في أي شيء من صفاته العليا، وأسمائه الحسنى التي تدل على تفرده سبحانه بالألوهية المطلقة، والربوبية المطلقة.
ثالثاً - مَثَلُ نور الله تعالى في السماوات والأرض
يقول الله تبارك وتعالى:
{وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ *اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَ شَرْقَيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ *} [النُّور: 34-35].
لقد أنزلَ اللَّهُ تعالى القرآن وضرب فيه الأمثالَ، وقصَّ القصص عن الشعوب والأقوام الذين سبقوا من قبل، لتكون سبل هداية للمتقين، وأداة زجرٍ للعاصين.. كما حملت آياتُهُ الأحكام لحماية المجتمع الإسلاميّ مِنْ أنْ تشيع فيه الفاحشة والمنكر، صوناً لكرامة الأسرة، والحفاظ على البيت المؤمن، فيظل طاهراً، نظيفاً، لا تُنتهك أعراضه، ولا يُعتدى على حرماته.
وفي آيات القرآن كذلك تربية لنفوس المؤمنين على الطاعة، والأدب، واللياقة، والتحلي بالأخلاق الفاضلة، والاستعفاف عن الشهوات، أي أنها، إجمالاً، تدعو إلى التحلي بالفضائل التي ترفع من قيمة الإنسان، وتبعده عن مهابط الإغواء، والانقياد وراء المتع والاْهواء.. وهذا كله فضل من الله لهداية عباده الصالحين، هذه الهداية التي ترتبط بنور الإيمان في القلوب، بما يتوافق مع النور الذي في السماوات والأرض، والذي هو من أمر الله تعالى.. فهو - جلَّ سناؤه - منوِّرهما كي يسير كلّ ما فيهما وفق الانتظام العام الذي يحكمهما، بحيث لا يتعثر كوكب أو جرم في دورانه، ولا يتخبط في مصادفة عمياء تحيده عن مساره، وكذلك لكي تهتدي المخلوقات إلى سبل وجودها. وطرائق وظائفها، ومعاشها، فلا تضلّ عن غاية خلقها...
والإنسان، هذا المخلوق على الأرض، ماذا يريد غيرَ نور الله ليشعر باطمئنان القلب، وراحة الضمير؟ وماذا يبغي غيرَ نور الله ليحرك طاقاته الشعورية، وينمي مداركه العقلية، بل ويستخدم كلَّ ما جُبل عليه، كي يكون قادراً على العطاء لحياة أفضل؟!
ومن يقف على دلالة النور الذي يريده النص القرآنيّ، يتجلى له ذلك النور الوضيء، الهادي الذي يفيض حتى يغمر الكون كله، فلا تحيد أجرامه عن مساراتها، بل تبقى على نفس الضبط والإيقاع في ذواتها، وفي حركاتها المرسومة لها.. ثم من لا يتجلى له النور الذي يضيء هذه الأرض وهو يشعر به حقاً، بحيث ينفذ إلى الجوارح، ويحرك الحنايا، ويوقظ الحواس، فيتجرَّدُ ناسوت الإنسان من كثافته وثقله، ليستحيل روحانيةً وانطلاقاً، ومعرفة وعلماً، وراحة وحبوراً نفسياً. فإذا الكون كله، وبمثل هذه الهالة النورانية، وبكل ما فيه ومن فيه، نور طليق من القيود والحدود، تتصل فيه السماوات بالأرض، والأحياء بالجماد، والبعيد بالقريب، وتلتقي فيه الشعوب والدروب، والطوايا والظواهر، والحواس والقلوب..
{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [النُّور: 35].
ومن هذا النور كان قوام وجودها ونظامها، وكان جوهر سننها ونواميسها.. ولقد أمكن للإنسان أنْ يكتشف بعضاً من خصائص هذا الضوء الذي ينبعث في كل ناحية من الكون الفسيح، فقال العلماء بأنه يسير أو ينتشر بسرعة ثلاثماية وستين ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، وأنَّ مراصدهم تلتقط بعض الأضواء التي تحتاج إلى ملايين السنين الضوئية حتى تصل إلى الأرض، بل وبعض النظريات الحديثة تقول بأنًّ بعض الأضواء قد التقطت وهي آتية منذ مليارات السنين الضوئية، وأنَّ في الكون من المجرات والأجرام والنجوم والكواكب ما لا يمكن عده ولا إحصاؤه، وكلها ينبعث منها الضوء. وكذلك فإنَّ العلماء قد أدركوا طرفاً من حقيقة النور في الكون عندما استحال في أيديهم - بعد تحطيم الذرة - ما كان يسمى بالمادة إلى إشعاعات منطلقة لا قوام لها إلا النور، ولا مادة لها إلا النور. فذرة المادة مؤلفة من كهارب وألكترونات تنطلق عند تحطيمها في هيئة إشعاع قوامه النور.. وعلى الرغم من كل ما توصَّل إليه علم الإنسان حتى الآن، فإنه لا يُعدُّ إلا دليلاً جزئياً، ويسيراً على أنه هو {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [النُّور: 35].. والإنسان، في الحقيقة، عاجز عن أنْ يتدبَّر سرَّ هذا التنوير في السماوات والأرض، ومدى تأثيره على انتظام الكون، وتسييره وتدبيره؛ ولكن، ولكي ندرك بعضاً من معاني هذا النور، وبما يمدّنا به مِنْ مقومات الحياة، وبما يملأ به قلوبنا من الإيمان، فقد ضرب الله تعالى لنا مثلاً عليه بالمشكاة والمصباح والزجاجة، وهي من الأشياء المادية المحسوسة، التي من شأنها، في تفاعلها مع بعضها، أنْ تقرب إلى أفهامنا كيفية تفاعل الكون بأسره من جراء نور الله تعالى. وعلى هذا يمكن أن نفهم المشكاة على أنها عبارة عن كوة في الحائط، وقد أحيطت بالزجاج البلوريّ الصافي، وفي وسطها وضع مصباح للإضاءة هو عبارة عن الفتيلة، وهذا المصباح وضع في زجاجة هي عبارة عن القنديل، وهذه الزجاجة كأنها كوكب من الدرّ (اللؤلؤ) الذي يدرأ الظلام من شدة نقاوته. أما وقود المصباح فمن زيت شجرة مباركة، «زيتونةٍ» لا يعلم ماهيتها إلاَّ الله - وحده - لأنها ليست من شجر هذا الزيتون الذي ينتشر في شرق الأرض وغربها، بل إنَّ لها خصائص ذاتية، يكاد زيتها يُضيء ولو لم تمسسه نارٌ، هي التي تبعث - عادةً - على اشتعاله وإضاءته. فإذا أشعلنا المصباح فإنَّ النور يملأ الكوة، وينعكس على الزجاج البلوريّ حتى يبدو متوهّجاً، متألقاً بالضياء.. فهذه الصورة الحسية مثال على النجوم والكواكب التي تملأ السماوات، وكلها تشع بالنور وهي تتحرك في مساراتها، وتنتظم في مداراتها، بما فيها الأرض التي تنعم بضوء الشمس ونور القمر وهما يتجليان على سطحها في النهار والليل مصداقاً لقوله تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا *وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا *وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا *وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا *} [الشّمس: 1-4].
ومثل ذلك النور الذي يضيء الكوة، كذلك نور الهدى الذي يملأ القلوب فيحييها بالإيمان الذي يحرِّك طاقات الإنسان الشعورية، وينمّي مداركه الفكرية فلا يعبد إلاَّ الله، ولا يسير إلا على هدى النور المبين من الله، وهو دينه القويم، الإسلام ..
وهكذا يصل التعبير القرآنيّ ما بين الحقيقة والمثل، فيرتقي من الزجاجة الصغيرة إلى الكوكب الكبير كي لا ينحصر التأمل في النموذج الصغير الذي ما جعل إلاَّ لتقريب الأصل الكبير إلى الفهم. ويبقى - دائماً - الضوء الذي يسطع بالأنوار المتلألئة التي تنبعث من نور الله في السماوات والأرض.
ومما قاله المفسرون في التأويلات المعنوية للشجرة المباركة:
- أنها مثلٌ ضربه الله تعالى لنبيه محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) .. فالمشكاةُ هي صدرُهُ، والزجاجةُ قلبُهُ، والمصباحُ نبوَّتُهُ.. وهي لا شرقية ولا غربية، أي لا يهودية ولا نصرانية، توقد من شجرة النبوّة التي هي إبراهيم (عليه السّلام). يكاد نور محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، الذي يحمل النبوّة، يبين للناس ولو لم يعترف به أهل الكتاب، مع العلم أنهم دُعُوا في التوراة والإنجيل ليبشِّروا بمجيئه، والتحدث عنه قبل بعثه.
- أنها مثل عن شجرة النبوّة. فالمشكاة هي إبراهيم (عليه السّلام)، والزجاجة ابنه البكر إسماعيل (عليه السّلام)، والمصباح محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) الذي هو من نسلهما. وهي لا شرقية، أي لا نصرانية لأنَّ النصارى كانوا يصلُّون إلى الشرق، ولا غربية، أي لا يهودية لأنَّ اليهود كانوا يصلون إلى الغرب. «يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار» يعني أنَّ محاسن صفات وأفعال محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) تظهر للناس قبل أنْ يوحى إليه، ومن قبيل ذلك أنَّ بني قومه كانوا يلقبونه «الصادق الأمين» مذ عرفوه في مكة ذلك الشاب الفاضل، الذي يتمتع بالخلق العظيم، والسلوك المستقيم... و«نور على نور» أي أنَّ محمداً (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) هو نبيٌ من نسل نبيّ.
- إنها تعبير عن القرآن بنور هدايته. فالقرآن يهدي للتي هي أقوم، ويكنَّى عن القرآن بالنور. فكما أن المصباح (المشبَّه به) يستضاء به، فكذلك القرآن يهتدى به، ويعمل به، وهداه لا ينتهي إلى مدى محدود. فالمصباح - إذاً - يُعنى به القرآنُ الكريم، والزجاجة قلب المؤمن، والمشكاة لسانه وفمُهُ، والشجرة المباركة هي شجرة الوحي الذي حمل آيات القرآن بحيث تتضح حججه وبراهينه للناس حين تدبّر معانيها، والتفكر بدلائلها العظام.
«نور على نور» ومعناه، على إطلاقه، أنَّ أصله من نور، وضوءَه من نور، وهو يسري في كل شيء خلقه الله تعالى حتى يهب له الحياة والوجود. وهو نور دائم في السماوات والأرض: لا ينقطع، ولا يحتبس، ولا يخبو؛ فحيثما توجه إليه القلب رآه، وحيثما تطلع إليه الحائر هداه، وحيثما اتصل به المؤمن وجَدَهُ..
وهكذا يظهر المثل في النص القرآنيّ حاملاً أسمى المعاني والدلالات، موحياً بما للإيمان من عظيم الأثر والفعل في قلب المؤمن، لأنَّ أمره منوط بالله تعالى الذي يهدي لنوره - أي لدينه - من يشاء، ويوفقه في إصابة الحق بالنظر، والتدبر، فلا يضلّ عن الصراط المستقيم.
أما من لم يتدبَّر، ولم يؤمن، فـمثله كالأعمى سواء عليه جَنْح الليل الدامس، أو ضَحوَةُ النهار الشامس، فهو في هذه الدنيا أعمى عن النور الذي يضيء قلبه وبصيرته، وفي الآخرة أعمى، وضالٌّ عن الصراط المستقيم الذي يقود إلى الجنة، فلا هداية له في الدنيا والآخرة، والله لا يهدي القوم الظالمين.
{وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} [إبراهيم: 25] من أجل أن يقرِّب لهم معاني هذا القرآن وما فيه من الآيات البيّنات، فتنفذ إلى عقولهم ومداركهم، وتستقر في قلوبهم ونفوسهم، فيهتدوا بنور الله الحق.
«والله بكل شيء عليم».. عليم بالإنسان، وبطاقاته على الإدراك والاستيعاب؛ وعليم بما يُنزِّل إليه فيقرِّب الحقائق إلى ذهنه حتى يكون قادراً على التمييز بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وعليم بأهل الإيمان الذين يعبدون الله الذي هو نورُ السماوات والأرض، وهو العليم بأهل الكفر الذين يعبدون آلهة مزورة لا تعدو عبادتها أن تكون بمثابة الظلام للنفوس، والعتمة للقلوب، وبسبب هذا الظلام العقليّ والقلبيّ ابتعد الكفار والمشركون عن نور الله تعالى، فلم يعبدوه بما يستحقُّ من العبادة والتقديس ...
إذاً فهذا القرآن يبين لنا، بالمثل المحسوس، أنَّ الكون كله نور على نور. وأنَّ هذا النور يسري في كل شيءٍ حتى يهب له الوجودَ أو الحياة. وهذا ما يجعل المثل في القرآن سبيلاً لتبيان ما للإيمان من أثر فعّال في قلب المؤمن، باعتبار أنَّ المثل القرآني مستوحًى من نور الله تعالى الذي يهدي لنوره من يشاء.. ومن أحق بهذا الهدى من النبيّ الأعظم (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) الذي أدرك حقيقة نور الإِيمان بـالله تعالى، ففاض به قلبه وهو عائد من الطائف، حيث خذله أهلُها، فنظر إلى السماء عائذاً بنور وجْه ربِّه الكريم، في هذا الدعاء النبويّ الشريف: «أعوذُ بنورِ وجهِكَ الذي أشْرَقَتْ له الظلماتُ، وصَلُحَ عليه أمرُ الدنيا والآخرة»[*].
وهو نفسه هذا النور الذي فاض به قلبه المؤمن في رحلة الإسراء والمعراج، فحينما سألته السيدة عائشة: «هل رأيتَ ربَّكَ؟ قال (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم): «أنَّى أراه، نورٌ على نور؟».
رابعاً - مردُّ القوى للَّهِ جميعاً
1 - ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كـحب الله.
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ *} [البَقَرَة: 165].
كثيراً ما تعتري الإنسانَ حالاتٌ من القوة والضعف، فتراه، أحياناً، يمتلك من مشاعر القوة ما يجعله يظنُّ أنْ لا شيء يُدانيه، وأحياناً أخرى، قد تجده واهناً، وتتملكه من مشاعر الضعف ما يجعله يشعر بأنه لا يقدر على شيء مما حوله.. وهذه الحالات نابعة من تكوينه وطبيعته ككائن من عظامٍ ولحمٍ ودمٍ وعصب، وكتلةٍ من العواطف والمشاعر والميول والأهواء، التي لا يعلم حقيقة وكيفية تفاعلها في دخيلته إلا خالقه وحده.
وعلى الرغم من ذلك فإن الناظر في التاريخ البشريّ يعجب، حقيقةً، مما ظهر من هذا المخلوق «القوي - الضعيف» من حنكة فاعلة، استطاع بها أنْ يتكيَّف مع عوامل الطبيعة، وأنْ ينتصر على وحوشها الكاسرة، وحشراتها القاتلة، لينتصب سيداً عملاقاً في دنياه، وعماده دائماً ادّعاء القوة، يتخذها حجة على نزعته في الامتلاك، والسيطرة، والتحكم في الأشياء كلما وجد إلى ذلك من سبيل.
هذا من حيث الواقع، الذي طغى فيه على الإنسان حُبُّهُ لامتلاك القوة، التي استطاع، عبر القرون، إثباتها بمظاهر شتى، كان من أهمها: التقدم العلميّ، وامتلاك المال..
وغنيٌّ عن البيان ما حققت الاكتشافات العلمية في الفضاء، أو على سطح الأرض أو في أعماق البحار من تقدم ومعرفة، وما ظهر للمال من سلطان وتأثير على النفوس.. ولن ندخل في تفصيلات مظاهر هذين العنصرين: العلم والمال، لأنها معروفة، ولكن نشير إليها لما تقود إليه من استنتاج وهو: أن القوة كانت دائماً في جانب، والضعف في جانب آخر على ساحة الحياة البشرية بأسرها.. إن على مستوى الأفراد، أو على مستوى الدول والمجتمعات. ومن جراء القوة، في ذلك الجانب، كانت الدول العظمى والدول الغنية والمتقدمة، في مقابل الدول الضعيفة والدول النامية والفقيرة، في الجانب الآخر، التي تلتمس العون والحماية من «أخواتها» الكبرى، بل وكان الأقوياء والضعفاء، وما يزالون يعيشون إلى جانب بعضهم بعضاً في البلد الواحد، والمجتمع الواحد..
ولعل منطق هذا التوزيع لمظاهر القوى، ولاسيما في عالم اليوم، إنما يمكن ردُّه إلى ما يُسمى «شريعة الغاب» أي الشريعة التي قادت إليها غريزة البقاء عند الحيوانات لتأمين عيشها، والحفاظ على حياتها.
ولكن إذا كان لشريعة الغاب عند الحيوان ما يبررها، في فهمنا البشري، فما حاجة الإنسان لأنْ يستنَّ لنفسه مناهج تقوم على التمييز بين الناس على أساس العرق أو اللون أو الجنس، أو أنْ ينظر إليهم وفقاً لمقاييس الثروة أو الجاه أو السلطة؟! بل وما حاجة الإنسان لأنْ يستعمل قواه المادية والمعنوية، وعلى هذا النحو الذي نراه من الحدة، لكي يقتل أو يظلم أو يستغلَّ غيره، وكل ذلك من أجل مآرب دنيوية ليس إلاَّ .. إذ لو أنَّ كل إنسانٍ قد عقل فعلاً، لوجد أنَّ كل شيء من حوله زائل، بل ولاستدرك أنه هو نفسه إلى زوال عن هذه الدنيا، وليس معه شيء إلا رصيدُهُ من الإيمان والعمل الصالح!..
أما نحن فنؤمن، ومن منطلق مفاهيم إسلامنا القويم، أن خالقنا العظيم، وربنا الكريم هو الذي رفع الناس بعضهم فوق بعض درجات: بالصحة والجمال، والمال والجاه، والقوة والضعف... وذلك مصداقاً لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ *} [الأنعَام: 165]، ولكنَّ ابتلاءَنا ما كان إلاَّ لأنَّ ربّنا العزيز الحكيم إنما شاءَ أنْ نكون على مستوى ما أمدَّنا به، وأعطانا من إنعامه وفضله، بحيث نقيم لكل نعمة وزنَها واعتبارَها، فلا نستخدمها في المعصية، ثم لا نظلم، أو نستكبر، أو نستعلي بتلك النعمة على غيرنا.. فكل ما نملك من صحة وقوةٍ، أو من مالٍ وجاهٍ إنما هو من فضل الله تعالى لكي نوفّي حقه علينا بالطاعة فيما آتانا، وحق أنفسنا بما يقوّمها ويزكيها، وحق العباد بما نقيم معهم من العلاقات المجتمعية والإنسانية السليمة..
وهذا الابتلاء، بأنْ جعل الله تعالى بعضنا فوق بعض درجات، هو الاختبار الحقيقي، والشاهد الحقّ، ليقيم الحجة على عباده بأنفسهم على أنفسهم، إذ يظهر فيهم، وعلى رؤوس الأشهاد، من لا يقبل أنْ تمتليء الدنيا بالجياع والمرضى والفقراء والأميين، بينما غيرهم يعيش على التخمة واللذة والفساد والفجور.. ويظهر فيهم أيضاً، وعلانيةً، من سعى، وعمل، وسخّر، لإِقامة الأنظمة السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية الجائرة، التي لم تراعِ قيمة الإنسان في ذاته، ولم تحفظ كرامته وحقه في وجوده!.. فهذه الأنظمة بجورها في المبدأ، والغاية والتطبيق، هي التي أوقعت الناس جميعاً، حتى صانعيها وأسيادها، في المشاكل والمصاعب، وفي الهموم والأمراض النفسية، فلم يسلموا من أذاها الذي طالهم مثل غيرهم - وربما أكثر من غيرهم - في حقيقة الأمر والواقع..
ومن هنا كان اليقين، وفقاً لنظرة الإسلام الشاملة إلى الحياة البشرية، بأنَّ الإنسان هو الذي أوقع نفسه في المأزق، لأنه بَعُدَ عن الإيمان الصادق، فنسي أو تجاهل الحقيقة المطلقة التي تحكم الوجود بأسره، وهي أن القوة لله جميعاً. فهو - سبحانه - الذي خلق القوى، وهو الذي يملكها، ويسخرها كما يشاء، وكيفما يشاء، وما قوة هؤلاء الذين نحسبهم أقوياء إلا منه جلَّ وعلا، ولو شاء لبدَّل قوتهم بالضعف، وعزتهم بالذل، بل لو شاء لأهلكهم وخلق بدلاً منهم في هذه المعمورة.. وذلك مصداقاً لقوله تعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً *} [الإنسَان: 28].
ولذلك فإنَّ الإنسان الذي يدّعي امتلاك القوّة، عليه أن يتروّى، ويعيد تفكيره وحساباته فيجد أنه لم يتملك من القوّة إلاَّ مقداراً محدوداً قضى له ربه تعالى أنْ يظهر به.. أما لماذا؟ وكيف؟ فهذا ليس من شأن الإنسان، لأنه يتعلق بحكمة الله السنية، التي لا مجال للنقاش فيها.. أما القوة، في الحقيقة، ومهما كان نوعها ومقدارها، فهي لله القوي المتين، والقادر المقتدر..
وإنَّ إغفال الإنسان لهذه الحقيقة المطلقة - أو ربما جهله بها في أزمان معينة - هو الذي قاده إلى أنْ يتخذ أولياءَ يعبدهم من دون الله، ويستمد منهم القوة، والنفع والضرر.. وقد تمثل هؤلاء الأولياء لدى الناس بتصورات مختلفة عن قوى الطبيعة، أو الكواكب، أو الأصنام أو غيرها.. ولكنَّ أعتى تلك التصورات، وأشدّها شراً على الإنسان، كان الإنسان نفسه، وهو يعتقد أنه يملك قوىً ذاتيةً، وطاقات فاعلة تجعله قادراً على أنْ يفكر، ويعمل ويقول ما يحب ويشاء، وأنه يستطيع أنْ يسيّر هذه القوى الذاتية، وأنْ يتحكم بها وفق هواه حتى ظنَّ بعض البشر أنهم آلهة! ونحن نحيل مثل هذا الإنسان، الذي جعل قواه الذاتية هي وليّه الذي يتعبّد إليه، إلى حالةٍ من الوهن أو الضعف أو المرض الذي قد يصيبه، ليقرر على ضوء تلك الحالة إن كانت قواه تملك أنْ تساعده، أو أنْ تخلصه مما هو فيه، إلا أن يشاء له ربه ذلك! يقول الله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ *لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ *} [يس: 74-75]، فلا يستطيعون نصرهم في الدنيا، حيث يتوهمون بأنهم جندٌ لهم يستقوون بهم على غيرهم، ولا يستطيعون نصرهم في الآخرة، بدفع العذاب عنهم، لأنهم محضرون معهم في النار..
أما {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *} [العَنكبوت: 41].. فيقود إليه الدليل العقليّ، والبرهان الحسيّ. ذلك أن بيت العنكبوت عبارة عن نسيج من خيوط دقيقة، شفافة وواهية لا يكاد اللمس يقاربها، أو الريح تهب عليها إلاَّ وتتقطع وتتبدد، فلا تحمي العنكبوت ولا ترد عنها غائلة العوارض.. ومثل «المتانة» التي يتمتع بها بيت العنكبوت، هو ما ينطبق على القوة التي يستمدها الناسُ من الناس، أو من القوى الأخرى التي يتوهمونها في الآلهة المدعاة، أو في قوى الطبيعة.. ولذلك يجعلونها عوناً لهم لتمدَّهم بأسباب القوة. ولكن لو كان الذين يتخذون أولياء من دون الله، يعلمون أن القوة التي يستمدونها منهم هي عرضة للزوال في كل حين، وذلك عندما يأتيها أمر الله القوي المتين.. أجل لو كانوا يعلمون ذلك لما طلبوا العون إلاَّ من الله، ولما استنصروا إلاَّ بالله، ولما لجأوا إلاَّ إليه سبحانه وتعالى، ومن ثمَّ فما عبدوا إلاَّ الله الذي هو ولي الأمر والتدبير.. والله يعلم أنَّ ما يعبدون من دونه من معبودات زائفة لا تملك شيئاً من قوة، ولا تقدر على شيء من سدِّ حاجة؛ ولكنه - جلّت عظمته - وهو العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه، لو شاء لبدَّدهم ومعبوداتهم وأولياءهم جميعاً، إِلاَّ أنه يؤخرهم إلى أجل مسمًى ليكون مصيرهم مرهوناً بالشرك الذي كانوا عليه، وبما اتخذوا من دونه أنداداً له - جلَّ شأنه - يحبونهم، كحب الله، إنْ كانوا يؤمنون بحقيقة وجود الله، أمَّا إنْ كانوا من الكافرين بالله، فالويل لهم من عذاب الجحيم!..
وهكذا يتبين أن الله تعالى قد ضربَ للناس المثل ببيت العنكبوت، ليكون دليلاً حسياً لهم على الضعف والهوان لسائر القوى التي يلجأون إليها، وبالتصوير الصادق لكي يعتبر الناس بـالمثل، فلا يلتجئون إلى قوة ولا يطلبون حماية إلاَّ من الله، لأن سائر القوى تبقى هزيلة، وضعيفة، وبلا أدنى فائدة إن لم يشأ الله تعالى أنْ يمدها بالأسباب التي تجعلها قوىً ظاهرة.
وهذه الحقيقة التي تردّ القوى لله جميعاً، جديرة بأنْ يعلمها الإنسان ويعمل بهديها، وإلاَّ ظلت البشرية تتخبط بمشاكلها ومآسيها، وسوف تزداد أحوالها سوءاً، كلما بعدت عن سنن الله، حتى تصل في النهاية إلى ما ينذر الناس بالعذاب، دونما فرق بين من يدَّعون القوة، أو من يسيطر عليهم الضعف.
والحقيقة الأخرى، التي يؤكدها القرآن الكريم، هي أن اللجوء إلى قوىً بشرية أو غير بشرية، وطلب العون والحاجات من الذين يتخذونهم أولياءَ من دون الله، أو أسيادَ منقادين لهم، إنما مردُّه إلى جهل الإنسان بالله القوي المتين، وامتلاكه وحده تعالى للقوى جميعاً. وهذا الجهل هو ما يدلُّ عليه قوله المبين:
{مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ *} [الحَجّ: 74]
وقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ *} [الزُّمَر: 67].
2 - المعجزات براهين على أنَّ القوة لله جميعاً.
المعجزات هي ما يُعجز الإنسان، ويستحيل عليه أنْ يأتي بمثله، لذلك كانت من البراهين الدَّالة على قدرة الله تعالى في صنعه، لأنه هو الله، وهو على كل شيء قدير.. وقد جاءت المعجزات التي يذكرها القرآن الكريم، لتؤكد هذه الحقيقة، وتدلل في الوقت نفسه على ضعف الإنسان، وقلة حيلته أمام ما يريده الله القويُّ الجبار، فلا يقدر الإنسان مثلاً على أنْ يجعل الطيور تفتك بجيش جرار؛ أو لا يقدر الإنسان على أنْ يفلق البحر ويجعلَ أمواجه كالجبال العالية ثابتة في مواضعها، ثم يعيدها إلى ما هي عليه أمواجاً منسابة أو متلاطمة.. فهذه خوارق أرادها الله تعالى أنْ تكون بأمره. والإنسان يصفها بالمعجزات، لأنها مُعجِزةٌ له حقاً، ولا يقدر على الإتيان بمثلها أبداً. فكانت من الشواهد على ضعف الإنسان، وعلى أنَّ القوة لله جميعاً.
وتبرز حقيقة مثل تلك المعجزات بالآيات القرآنية المبينة التالية:
أ - جعل الله أصحاب الفيل كعصفٍ مأكولٍ
قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ *أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ *وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ *تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِن سِجِّيلٍ *فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ *} [الفِيل: 1-5].
فنحن نرى في هذه الآيات الكريمة توجيهاً من الله تعالى لنبيِّه الكريم محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، وتنبيهاً له على عظمة المعجزة التي حققها يوم جاء أبرهة الحبشيّ بجيشه لهدم الكعبة الشريفة، وكان معهم فِيَلةُ اليمن، فأبتِ تلك الفِيَلَةُ وفي مقدمها كبيرها ورائدها، التقدمَ باتجاه الكعبة عندما صاروا على مشارفها، مما أوقع أبرهة في ورطة شديدة. ولكنَّ الأعجوبة التي حدثت لم تكن فقط بامتناع ذلك الحيوان الأعجم عن التوجه صوب بيت الله الحرام، وإنما كانت فيما حلَّ بأبرهة ومعه جيشه بأسره، عندما جاءَهُم أمر الله سبحانه، ليبطل كيدهم ويذهب بمكرهم، إذ بعثَ فوقهم أفواجاً من الطير، تتتابع فوجاً بعد فوج، كأنَّما ينطبق عليها وصف أمرئ القيس لكتائب جيش مدجَّج بالسلاح حيث يقول:
تراهمْ إلى الداعي سِراعاً كأنَّهم
أبابيل طيرٍ تحت داجنٍ مُدْجنِ
أما لماذا بعثَ الله تعالى تلك الأفواج من الطير، فلكي تذيق أبرهة وجيشه الموت الزؤام، إذْ كانت تحمل حجارة من سجيل (أي من الطِّين المجفَّف الذي صار كالزجاج المخروط) ترميهم بها، فيدخل الحجرُ في رأس الرجل ويخرج من جسمه فيقع قتيلاً في الحال، حتى صاروا جميعاً مثل الزرع الذي جُزَّ وأُكِلَ، أو كمثل العصف (التبن) الذي أكلته الدواب ثم راثته، وديست من بَعدُ أجزاؤه فتفرَّقت.. وأما العبرة فهي ما حلَّ بأولئك الظالمين من الهلاك، إذ لم يكن الحجر ليصيب جسمَ أي فرد منهم إلا ويعرّضه للاهتراء من فوره، وتساقط اللحم عن عظامه حتى يُقضى عليه ويهلك. فكانت هي المعجزة التي أرسلها الله تعالى على أبرهة وجنوده ليهزمهم ويعذّبهم، لمَّا أرادوا هدم بيته الحرام - الكعبة الشريفة - في مكة..
ب - انفلاق البحر بضربةٍ من عصا موسى، «فكان كل فرقٍ كـالطود العظيم»
وهذه معجزة أخرى قد تكون أشدَّ عظمة وعبرة من معجزة الفيل، يسوقها القرآن الكريم من جملة المعجزات التي حفظها عبر الزمان للتدليل على قدرة الله تعالى، وامتلاكه وحده القوة. وهي قوله تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ *قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ *فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ *وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ *وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثم أغرقنا الآخرين * إن في ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين} [الشُّعَرَاء: 61-67].
فمتى، وكيف حصلت تلك المعجزة؟
لقد دأب فرعون مصر - وقيل إنه كان «رمسيس الثاني» وقيل إنه كان الفرعون «منفتاح» على ظلم بني إسرائيل، الذين ظلوا على عهد الإيمان منذ أيام النبي يوسف (عليه السّلام)... وقد تمثل ظلم فرعون باضطهادهم واستعبادهم، حتى وصل به الحال إلى أنْ يستحيي النساء، ويقتل الرجال، والأطفال، من غير أن يُبقي على أحدٍ منهم، إلاَّ على الذين يستعملهم هو والملأُ من قومه، سخرةً، للقيام على خدمتهم، وتنفيذ أشغالهم..
وإزاء ذلك الظلم العظيم نزل الوحي على النبي موسى (عليه السّلام) أنْ يسري ببني قومه ليلاً، بما يمكّنهم من الهرب، والخلاص مما يحيق بهم في تلك الديار الجائرة!.. وبالفعل فقد خرج موسى (عليه السّلام) ببني إسرائيل، كما أمره ربّه تعالى؛ إلاَّ أنَّ فرعون سرعان ما اندفع وراءهم، وهو يقود جيشه الكبير، حتى تراءى الجمعان على مشارف البحر الأحمر، فقال أصحاب موسى - والخوف يكاد يقتلهم -: ماذا نفعل الآن وقد أدركنا فرعون وجنوده؟ وإلى أين نفرُّ منهم؟ وها هُم وراءنا، وليس أمامنا إلا البحر؟
قال موسى (عليه السّلام): كلاَّ، يا بني إسرائيل! لن يدركونا، ولن يبطشوا بنا كما تتوهمون، فالله ربّي معي، وسيكفيني شرَّهم، ويرشدني إلى طريق النجاة، فلا تخافوا ولا تحزنوا..
وسرعان ما نزل الوحيُ على النبي موسى (عليه السّلام): «أنِ اضْرب بعصاك البحر».. وكانت المعجزة الكبرى، إذ ما أنْ ضرب نبيُّ الله البحر بعصاه، حتى انفلق - أي انشقَّ - وظهر فيه اثنا عشر طريقاً يبساً، انتصبت الأمواج على جوانبها، وكل موجة تشكل قطعةً لوحدها، كالجبل العظيم في السماكة والارتفاع، وقد أمسكها الله تعالى على تلك الحالة حتى سلك بنو إسرائيل بينها، وانتقلوا بيسرٍ إلى الضفة الأخرى، ونجَوْا من بطش فرعون وجنوده..
ونتوقف قليلاً عند هذا المشهد قبل متابعة القصة - المعجزة:
فها هُمُ بنو إسرائيل أمام البحر، وليس معهم سفن ولا مراكب، وبدونها لا يستطيعون خوضه.. ولا هم بمسلَّحين حتى يدافعوا عن أنفسهم.. وفي المقابل، ها هُمُ فرعون وجنوده قد قاربوهم، يشهرون السلاح وهم يطلبونهم، ولا يرحمون.. فكل الدلائل تشير أنْ لا مفرَّ من هلاك بني إسرائيل، والبحرُ أمامهم والعدو وراءهم..
وبلغَ الكربُ ببني إسرائيل مداه: فمن خوفٍ واحتقان، إلى لوعةٍ ومأساة! وربما كانت تتمُّ كلُّها في دقائق، ثم يهجم عليهم الموتُ الذي لا مناص منه!..
وها هو نبيُّ الله موسى، لا يشكُّ لحظةً بأنَّ ربَّهُ على كل شيء قدير، وهو تعالى الذي أوحى إليه أن يخرج ببني قومه من مصر فلماذا لا يكون ملء قلبه الثقة برحمته، واليقين بعونه، والنجاة كائنة لا محالة، وما عليه إلا التريث، والصبر لما يوحي إليه ربّه تعالى.. فبادر يطمئن بني قومه، على الرغم من حراجة تلك اللحظات العصيبة، قائلاً: {كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ *} [الشُّعَرَاء: 62]..
قالها (عليه السّلام) بشدّةٍ وتوكيدٍ. «كلاَّ»، لن نكون مُدْرَكِين. « كلاَّ»، لن نكون هالكين. وبهذا الجزم، والتأكيد واليقين ينشق الشعاع المنير في ليل اليأس والكرب، وينفتح طريق النجاة من حيث لا يحتسبون.. إذ نزل أمرُه تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ} [الشُّعَرَاء: 63].
ولا يتمهل السياق القرآنيّ ليقول إن موسى (عليه السّلام) قد ضرب بعصاه البحر، فهذا مفهوم.. وإنما يعجل ليأتيَنا بنبأ المعجزة غير المتوقعة: {فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ *} [الشُّعَرَاء: 63].
ووقعت المعجزة، وتحقق الذي يقول عنه الناس إنه مستحيل.. لأنهم يقيسون سنَّة الله تعالى على المألوف من قدراتهم ومقاييسهم.. والله الذي خلق السنن، هو القادر على أنْ يجريَها وفق ما يشاء، لأنَّ كل ما في الوجود خاضع لأمره، ولمشيئته المطلقة، وقد أمر سبحانه وتعالى مياه البحر أنْ تنتصب على شكل الجبال العظيمة، فامتثلت لتكون بينها طرق النجاة، فيتمكن بنو إسرائيل من العبور وسط البحر إلى الشاطئ الآخر على حافة صحراء سيناء، ويفوزوا بالخلاص والسلامة..
ووقف فرعون وجنوده مبغوتين، مشدوهين بالمنظر الخارق، والحدث العجيب.. ولكنَّ فرعون سرعان ما أعادَهُ ظلمُهُ إلى طغيانه، فأصدر الأوامر لجيشه بأن يسلكوا مسالك بني إسرائيل، ويعجّلوا في القضاء عليهم.. ولم يَدُرْ في خلده أنَّ ما يحدث أمامَهُ لا بدَّ أنْ يثير فيه التفكير والتروي، لأنه شيء غير مألوف، بل وهو خارق للعادة.. ولكنه لم يفعل، بل أصرَّ على جنوده بالنزول في تلك الفجوات البحرية التي ظهرت فجأة، واللحاق ببني إسرائيل.. حتى إذا صاروا جميعهم داخل تلك الفجوات، جاءَ أمرُ الله تعالى فأطبق عليهم البحر بمياهه، وأغرقهم..
وهذا الذي حصل في ذلك اليوم من أيام النبوة التي يمثلها موسى (عليه السّلام)، وأيام الكفر الذي يمثله فرعون مصر، وذلك منذ حوالي ثلاثة آلاف عام، على ما يرجّح بعض المؤرخين، من أنَّ خروج بني اسرائيل من مصر على عهد نبيهم موسى، قد حدث في مطلع القرن الثالث عشر قبل الميلاد، حدود سنة1230 ق.م. على عهد الفرعون منفتاح[*].
ومضتْ هذه الآية على الزمان تتحدث عنها القرون، فهل آمَنَ بها المستكبرون؟
إنها لآية معجزة حقّاً، وبرهان ساطع فعلاً على عظمة الله الذي أمَرَ البحر فانفلق ليَعبره عبادُه وينجوا من القتل، ثم أعادَه إلى حالته الأولى حين عَبَرهُ أعداؤه، ليُغرقَ أولئك القوم الظالمين. ومع ذلك لم يؤمن أكثرُ بني إسرائيل، على الرغم من أنهم عاشوا تلك المعجزة الخارقة بالواقع والشعور .. لم يؤمن أكثرهم، لأنهم سارعوا إلى عبادة العجل، من بعد تلك المعجزة .. وهذا ما يوحي بأنهم أهل عناد وضلال؛ ومثلهم كلُّ مستكبر، معاند، ضالّ..
فهذه أحداث غابرة يسوقها القرآن الكريم شواهِدَ على أنَّ الله - جلّت قدرته - على كل شيء قدير، وأنه وحده القوي، ووحده الذي يملك القوى جميعاً.. فإذا لم يؤمن كثير من الناس بتلك الشواهِدِ فإنَّ هنالك شواهدَ أخرى ليست أقل دلالةً وإظهاراً للحقيقة.. فاستمعْ إلى دليلٍ آخر من أدلة القرآن، وهو تحويل الجامد إلى كائن حيٍّ، كما في عصا موسى (عليه السّلام).
ج - معجزة تحويل العصا الجامدة إلى حية تهتزُّ كأنها جانٌ.
قال الله تعالى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ *} [القَصَص: 31].
ولو أمعنَّا النظر في آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن النبيّ موسى (عليه السّلام)، لوجدنا أنَّ قصته تتكرر في أكثرَ من سورة، تقريراً للحجة على أهل الكتاب، واستمالةً لهم نحو الحق الذي يدعوهم إليه محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) .. على أنَّ كل موضع من مواضع التكرار لا يخلو من زيادةٍ في الفائدة علماً وبياناً، حتى يبقى للقصة أثرها القويّ في النفس، فلا يضيع هذا الأثر مع الإعادة والتكرار.
ومن العود إلى بعث النبيّ موسى (عليه السّلام)، فإنَّ آيات القرآن تهدينا إلى أنه كان عائداً بأهله من مدينَ إلى مصر، عندما أتاه التكليف من ربِّه. ويبدو أنَّ عودتَهُ تلك كانت عن طريق صحراء سيناء، وقد أظلم الليلُ واشتدَّ البردُ، فرأى ناراً على جانب الطور، {فَقَالَ لأَِهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى *إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً *وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى *إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي *} [طه: 10-14].
وأُخِذَ موسى وهو يستمع إلى هذا النداء العلويِّ. وكانت بيده عصاه التي يستعين بها على بعض حاجاته، فأرادَ ربّه - سبحانه وتعالى - أنْ يبيِّن له أول برهانٍ على بعثه، فسأله تبارك وتعالى بقوله الكريم: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى *} [طه: 17].
فأجاب: {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى *} [طه: 18].
فأمره ربّهُ تعالى:{قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى *} [طه: 19].
وأطاع موسى (عليه السّلام) الأمر الجلل، وألقى عصاه، فإذا بها تتحول إلى أفعى حيَّةٍ تتحرّك وتهتزّ بسرعة عجيبة، كـأنها جانّ، فاستولى عليه الخوف، وولَّى هارباً لا يدري ماذا يفعل، كما يهدي إليه قول الله تعالى: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} [النَّمل: 10]، إذ أخذته الدهشة أمام تلك المفاجأة التي روَّعته، وخاصةً في ذلك الجو الذي تحيط به الرهبة، والقدسية من كل جانبٍ، وهما - بذاتهما - كافيتان لإثارة الخوف في النفس، فكيف إذا اجتمع إليهما عنصر رعبٍ مفاجئ؟! فكان محكوماً أنْ يولّي موسى (عليه السّلام) الأدبار فراراً، دونْ أنْ يعقب بأية كلمةٍ، لولا أنَّ قول ربّه تعالى قد أعاد إلى قلبه الإطمئنان، وإلى نفسه الأمانَ، وهو يناديه: {يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ *} [القَصَص: 31]؛ وعادَ موسى (عليه السّلام) فقال له ربُهُ تعالى: {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُوْلَى *} [طه: 21]..
وكـلمحٍ بالبصر عادت تلك الأفعى إلى سابق عهدها، العصا الخشبية، كما عهدها، التي يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، ويعلّق بها زادَهُ، ويحمي بها نفسه من الحيوان والزواحف... وبذلك الأمان والاطمئنان اللذين أعادهما الله تعالى إلى قلبه، تلقَّى سيدنا موسى (عليه السّلام) الوحيَ، بعد أنْ أصبح لديه البرهان الحسيّ على بعثه من ربّه رسولاً، ليبدأ المهمة التي ندبَهُ إليها إلى فرعون مصر..
تلك هي عصا موسى (عليه السّلام) التي استحالت حية تسعى.. وهي المعجزة التي أرادها الله - جلَّت قدرته - برهاناً على أنه وحده الذي يملك تغيير الأشياء شكلاً وروحاً، وإحالتها أشياءً أخرى مختلفة تماماً في تكوينها وطبيعتها ووظيفتها، كما في هذه العصا التي أراد القادر المقتدر أنْ تكون آيةً تدعم موقف نبيّه، وتقوّي حجته في مواجهة أهل الطغيان الذين بُعثَ إليهم، في الدعوة إلى الإِيمان والهدى.. فهل ثمَّةَ مجالٌ بعد لأي تأويلٍ للحقيقة المطلقة، وهي أنَّ الله تعالى على كل شيءٍ قدير؟ وأنَّ عصا موسى (عليه السّلام) ، وغيرها من البراهين المعجزة، التي أمدَّه بها ربُّهُ تعالى، ستكون الحجة على فرعون {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى *} [طه: 44].
3 - السفن العائمة في البحار كـالجبال آياتٌ على أنَّ القوة والعزّة للَّه جميعاً
يقول الله تعالى: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ *} [الرَّحمن: 24].
ولا يملُّ التردادُ بأنَّ كلَّ شيءٍ في الوجود يدلُّ على أنَّ الله تعالى هو القوي المتين، وأنَّ القوى في الكون، أو القوى التي يدَّعيها الناس مردها لله جميعاً، لأنه هو الذي يملك خلقها وأسبابَ وجودها.. ولكي ندرك هذه الحقيقة فقد ضرب لنا القرآنُ مثلاً بالسفن الكبيرة التي نصنعها بأيدينا، حتى لنحسبها وهي تجري في البحر، كالجبال الكبيرة العالية التي اقتلعت من أماكنها، لتعوم فوق سطحه.. ولكنَّ العبرة ليس في صنعها، وإعطائها كافة قوى الدفع اللازمة - وكله ممَّا علم الله الإنسانَ ما لم يعلم - إذْ مَنْ غيرُ الله بقادرٍ على أنْ يجعل للماء خواصه حتى يحمل تلك الأثقال الكبيرة؟ أو أنْ يجعل للسفن نفسها خواصها حتى تكون صالحة - مع شدة ثقلها، وكبر حجمها، وكثرة حمولتها - لتمخر عباب اليم؟! ومن غير الله بقادر على أنْ يجعل الرياح والأمواج تتلاءم مع جريانها، فلا تطغى عليها فتغرقها أو تدمرها؟! ألا إنه هو الله القويّ المتين، وإنه على كل شيء قدير.. وهو كما أودع في المياه، وفي السفن، خواصها الذاتية، فقد وهب للإنسان العقل، وهداه إلى العلم، حتى يضع المعادلات والمقاربات، ويسنَّ النظم الصناعية التي بفضلها كانت هذه المنشآت من السفن، والطائرات، والجسور، والمباني، والمراصد والآلات إلخ...
ولنا أنْ نتصور بعد ذلك ما يدلّنا عليه هذا المثل في القرآن من قدرة للإنسان على الإنشاء والصنع والتسيير... فهذه الأساطيل من السفن الحربية أليست كل بارجة منها - وهي تحمل الطائرات، والصواريخ، والمدافع، والدبابات، وسائر الأعتدة العسكرية الأخرى، بالإضافة إلى مَن يركب فيها من الناس - كالجبل الشامخ؟ ومثلها هذه الأساطيل من السفن التجارية - وما تحمل من البضائع والأشخاص والأثقال - أليست كل واحدة منها كالطود العظيم؟!.
إنها شواهد حسيّة على ما تحمله البحار فوق سطح مياهها من القوى الظاهرة التي يظن الإنسان أنه يملكها، بينما، في الحقيقة،إنَّ مالكها جميعاً هو الله «الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير». وهذا ما يريد القرآن أن يعيده إلى أذهاننا، ويكرّسه في نفوسنا، فالله تعالى - وحده - مالك الملك في السماوات والأرض، وهو - وحده - خالق وموجد القوى والطاقات في الإنسان وفي الأشياء.. ونلاحظ أن التدليل على أن الله ربنا هو المالك حقاً لتلك السفن العملاقة، إنما يأتي باللفظ البسيط - في الآية 24 من سورة الرحمن - بقوله تعالى: {وَلَهُ} [البَقَرَة: 266]، أي وله وحده السفن الجواري في البحر كـالاعلام، وله وحده كل ما تملكون، وما تنشئون ، وما تقيمون أيها الثقلان: الإنس والجان.
ثم يأتي التعقيب: {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ *} [الرَّحمن: 25-27].. فالأمر لا يستدعي الكذب ولا الإنكار. لأنَّ كل هذه الأشياء التي تحيط بكم، سواء أكانت من صنعكم، أم من غير صنعكم، فهي لا تعدو، في واقعها وحقيقتها، أنْ تكون آياتٍ وأدلةً، وشواهدَ على أنها وجدت بمشيئة الله، إذ أنتم لا تملكون أنْ تحيطوا بشيءٍ من علمه إلاَّ بما شاء، فإنْ كانت دعواكم أنَّ كثيراً من الأشياء كان بالعلم والجهد الإنساني، فهنالك من الأشياء ما لا يُعدُّ ولا يحصى غير ما آتيتم أنتم، كما تشاهدون في هذه الخلائق جميعاً، وهي كلها آيات تشهد وتدلُّ على أنها من صنع الله تعالى، فبأي من تلك الأشياء التي خلقها ربكما - أيها الأنس والجان - تكذبان؟! وعلى الرغم من كثرة هذه المخلوقات، سواء التي أنشأها ربكما ابتداءً، أو أحدكم بشيءٍ من علمه حتى تنشئوا ما أنشأتم على هذه الأرض، فكلها فانٍ، بما فيها أنتم جميعاً، لقول الله الحق: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *} [الرَّحمن: 26] فلايبقى شيء على هذه الأرض، لا السفن العملاقة كـالجبال الرواسي، والتي لا تعدو كونها مثالاً لجميع المنشآت الصناعية والتجارية والزراعية والسكنية على اختلافها، فكلها - جميعاً - سوف يصيبها القدم، والانهيار والاندثار، مهما تكن عليه من المتانة والقوة. ومثل ذلك، الأشياء كلها، والقوى كلها، فإنها إلى فناء، لأن الأرض أصلاً التي تقلُّها هي إلى فناء، وكذلك أنتم أيها الإنسِ والجان فإنكم جميعاً إلى فناء.. ولذلك كان تعبير القرآن: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *} [الرَّحمن: 26] تعبيراً بليغاً وشاملاً. وقد غلَّب العاقل في «من» لأن الإنسان محسوبٌ من هذا الفناء. بل وكان فناء الإنسان، من هذه الدنيا، أكبر نعمة عليه من خالقه، باعتبار أنَّ الموت يشكل التسوية الحقيقية بين الناس جميعاً، ففيه يتساوى الكبير والصغير، والغنيّ والفقير، والملك والمملوك.. وباعتبار أنَّ حياة الإنسان إذا استمرت في هذه الدنيا، فإن مصيره سوف يكون في الابتلاء والشقاء، أو المرض والوهن، بينما في الحياة الآخرة - وبعد الموت والفناء والنشور - قد يفوز الإنسان بالنعيم الأبديّ حيث يجد ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. وهنا الحكمة البالغة التي تقودنا إليها النصوص القرآنية فلا يكون تعلق الإنسان بالحياة الدنيا جلَّ اهتمامه، بل وعليه أنْ يسعى للحياة الآخرة سعيها، حتى يفوز بذلك النعيم المقيم..
{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ *} [الرَّحمن: 27].
وبعد فناء الأرض ومن عليها، وبعد فناء السماوات ومن فيها، لا يبقى إلا الله الحيُّ القيوم، الذي تعزّز بالقدرة والبقاء، وقهر عباده بالموت والفناء..
وليس التعبير بـ«وجه ربك» إلا للتدليل على أنَّ ربَّ السماوات والأرض قد ظهرت حقيقة وجوده لنا من آياته في الخلق، ظهورَ الإنسانِ في وجهه. إذ تعالى الله عن التشبيه والتجسيد، فهو ذو الجلال، تجلُّه الخلائق وتنزِّهُهُ، لأنه هو الله الملك القدوس العزيز الحكيم. وهو ذو الجلال والإكرام، الكريم في عزّته وجلاله، الجواد في إنعامه على خلائقه، يسبح له ويحمده كل ما في الوجود، لأنه ربّ الوجود، ومالك الوجود، والباقي بعد فناء الوجود..
ويلفت ربنا تبارك وتعالى أنظارنا وبصائرنا في آية أخرى، إلى أهمية السفن في حياتنا، إذْ بعد أنْ ضربَ لنا مثلاً، على عظيم صنعها وإحكام هذا الصنع تشبيهاً لها بالجبال الكبيرة العالية، وبعد أن بيّن لنا أهمية هذه المنشآت في تسخيرها للناس وهي تعوم على مياه البحر، كذلك يبيّن لنا القرآنُ الكريم أنَّ اهتداءنا إلى بنائها قد كان بفضل الله ورحمته، عندما هدى نبيه نوحاً إلى بناء أول سفينة على الأرض، وذلك بقوله تعالى:
{وآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ *وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ *وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنْقَذُونَ *إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ *} [يس: 41-44].
ولقد جاء هذا التأكيد على أهمية السفن، وعلى أنها آية من آيات الله التي تشهد على عظيم خلقه، في معرض تبيان خواص وحقائق بعض الأشياء التي وضع فيها من السنن والأنظمة ما يجعلها تسير بهذا الانتظام الذي هي عليه، فلا يتعدى شيء منها على شيء آخر، بل كل يسير باتجاهه المرسوم له كما قدَّر له الصانع القدير.. وكل ذلك مرتبط بحياتهم، وبتأثيره الهام على هذه الحياة، ولولا خلق هذه الأشياء على ما هي عليه، لما كان لهم مجالٌ للحياة والبقاء على الأرض..
وتلك الأشياء التي ينبِّه إليها القرآن المجيد (في سورة يس)[*] والتي كل منها آية على أنَّ الله تعالى هو الخالق، وهو وحده القادر على مثل هذا الخلق. بإمكاننا أنْ نتبيّنها كما يلي:
- آية الأرض التي يُنزل الله عليها المطرَ فيحييها بعد موتها، ويخرج منها الأرزاق التي منها يأكلون..
- وآية خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض، ومن الناس أنفسهم، ومما لا يعلمون (مما خلق في السماوات والأرض)..
- وآية الليل عندما يسلخ منه النهار فيحل الظلام..
- وآية الشمس وهي تدور في فلكها، وتجري لمستقرٍ لها..
- وآية القمر في تقدير سيره خلال الشهر الواحد..
- وآية الإحكام والدقة في التسيير بحيث لا الشمس ينبغي لها أنْ تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يدورون، ويسبحون في هذا الفضاء الواسع.
- ومن ثَمّ آية الفلك المشحون التي حُمِلَ فيها المؤمنون، وقت الطوفان..
..ففي كل شيء آية تدلُّ على أنه الخالق. ودلالتها شرط على العاقل أنْ يتّبع هدى ربّه، وأنْ يؤمن بأنه القادر على الخلق، وأنه القادر على تسيير الفلك في البحار، مثلما يسيّر الكواكب في الكون، فهذه تسبح في جريانها إلى مستقر لها لا يعلمه إلا هو (جلَّ وعلا)، وتلك تسبح فوق الماء بأحمالها وأثقالها لتبلغ البلد الذي تقصده بأمره تعالى..
وقد جعل ربنا هذا المثل في هذا المقام، ليذَّكَّرَ أولو الألباب الطوفانَ الذي حلَّ في الأرض، فيكون في التذكّر عظةٌ للرجوع عن الغفلة إلى الإيمان والطاعة والعبادة.. ذلك أنَّ الطوفان كان بعضاً من غضب الله، وسفينة نوح (عليه السّلام) بعضاً من رحمته بعباده، إذ بعد أنْ ملأ الكفرُ الأرضَ، وأبى قوم نوح تصديقه بما يدعوهم إليه، أوحى له ربُّهُ أنْ يصنع سفينةً، فاتخذوا عمله هذا سخريةً واستهزاءً.
وحان الموعد، فحمل نوح (عليه السّلام) في السفينة بعضاً من بني قومه، أولئك الذين آمنوا به وصدقوه، كما ملأها بالأزواج من الحيوان والطير والزواحف، حتى تتوالد هذه المخلوقات وتكثر، فتكون مصدراً للرزق لمن نجوا من غضب الله، وحفظاً لأنواعها من الزوال، حتى تعود الحياة على الأرض بكامل رونقها. ثم حلَّ الطوفان الذي غطَّى الأرض كلها بالماء، وغسل سطحها من أدران الكفر والشرك، فأغرق الكافرين والمستكبرين ومحا وجودهم من هذه الحياة الدنيا. بينما نجا المؤمنون الذين ملأت ذرياتهم الأرض من بعد الطوفان..
..فآيةٌ للناس، وعبرةٌ وعظةٌ في التاريخ البشريّ، كان ذلك الفلك المشحون. ومن أبرز دلالاته أنْ جعله المولى القدير تذكرةً لأهل العلم حتى يطرقوا بابَ صناعة السفن، فتكون لهم هذه السفن العامرة التي تمخر عباب اليم، وهذه الأساطيل العملاقة التي تجوب المحيطات، وهي تحمل منافع للناس، تماماً مثل ذلك الفلك الذي ملأه نوح (عليه السّلام) بالناس، وشحنه بالمؤن والمعدات، وبالطير والحيوان.. ثم ألا يوحي لنا التعبير القرآنيّ {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ *} [يس: 42]، بأن الخالق العظيم هو الذي أمدَّ العقل البشريّ بالطاقات التي أهَّلته لاكتشاف العلوم التي أدت إلى صناعة السفن، والطائرات، والقطارات، والغواصات، والسيارات وغيرها من وسائل النقل التي يركبها اليوم الإنسان، مثلما ركب نوح، والمؤمنون معه، تلك السفينة التي صنعها قبل الطوفان؟
على أنَّ هذه السفن التي تسير على سطح الماء وفقاً للسنن التي قدَّرها الخالق لتسييرها، تبقى خاضعة لأمره تبارك وتعالى، إذ لو يشاء لأغرقها بموجٍ عاتٍ، أو عاصفةٍ هوجاء، أو بأي سبب آخر هي ومن عليها، فيغرقون في الأعماق لا يسمع لهم صريخ ولا بكاء، ولا يقدر أحد على إغاثتهم، بعد أنْ يبتلعهم الماء في جوفه، أو أنْ يمدَّ لهم يد العون إلا أنْ يشاء ربّهم تعالى ذلك، فيبعث من وسط البحر - أو من وسط المحيط الواسع - سفناً لتنقذ تلك التي شارفت على الغرق، وهو ما يحصل في أغلب الأوقات، فتكون هذه النجاةُ رحمةً من الله تعالى وعبرةً لمن يعتبر.. فلا مهارة ولا قدرة من العباد للإنقاذ إلا أنْ يشاء ربّ العالمين. وهذه الرحمة منه - عزَّ وجلَّ - تجعل الذين شارفوا على الموت، يحيون إلى أجلهم المقدَّر، فيتمتعون في هذه الحياة الدنيا ونعيمها طوال المدة الباقية من حياتهم، بدلاً من أن يلفهم الموت، ويأخذهم العدم بالغرق، وذلك كله مصداقاً لقوله تعالى: {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنْقَذُونَ *إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ *} [يس: 43-44] فسبحان الله الذي جعل لنا الآيات كلها لنهتدي إلى الحق المبين، فندرك ما أحاطنا به ربّنا الكريم من النعم - ومنها هذه الفلك المشحونة - وما تفضل علينا به من تسهيل سبل حياتنا، وما سخَّر لنا في السماوات والأرض، فنعبده حق العبادة، ونحمده ونشكره على ما هدانا، وما رحمنا..
خامساً - لا يكفي ماءُ البحار حبراً لكتابة علم الله الواسع ولو جئنا بمثله مدداً
يقول الحقُّ تبارك وتعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا *قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا *} [الكهف: 109-110].
قد نقترب من فهم ما يعني هذا النص الكريم، إذا تصورنا مقدار أحجام المياه التي تحويها البحار - كبيرها وصغيرها - فإذا مثّلنا كل تلك المياه بالحبر الذي يُكتب به، واستعملناها لكتابة علم الله، فإنَّها لا تكفي، وحتى لو جئنا بمثلها ومقدارها من الحبر. وما ذلك إلاَّ لأنَّ علم الله غير محدود، وتقصر العقول عن إدراكه، لأنه العلم الذي وسع كلَّ شيءٍ في السماوات والأرض!.. وواضح أنَّ هذه النصوص تحمل خطاباً من الله تعالى لنبيّه محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) إبَّان معركة الجدل والحجاج التي كان الكفار والمشركون يفتعلونها للوقوف في وجه النبيّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، كما تشير إلى ذلك أسباب التنزيل، وخاصة عند إعلان الدعوة، وعرض الإسلام على الناس في مكة وما حولها. ولذلك نجد في سورة الكهف - وهي مكية - التي ختمت بهاتين الآيتين (109 و110 من سورة الكهف)، كثيراً من الأدلة والبراهين التي تدحض كل الافتراءات والدعاوى التي كانوا يكذّبون بها النبيّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، والتي كانوا لا يريدون من ورائها إلا إظهاره في مظهر العجز، ولا سيما عجزه عن الإتيان بالأشياء التي كانوا يطلبونها - والتي تشكل معجزاتٍ - حتى يؤمنوا له أنَّه رسول الله!..
وكان النبيّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) يواجه معركة التشهير والاستهزاء به، ومعركة التكذيب والافتراء عليه، بالوحي الذي يتنزَّل عليه قرآناً فيه قول الله الحق، وفيه من علم الله الواسع ما لا تقدر عقولهم القاصرة، والمنحرفة عن الحق والهدى، استيعابه وإدراك مراميه، إلا بتقريب معاني الآيات المنزلة إلى أفهامهم، كما هو الحال في هذا التشبيه المأخوذ من البحر، بما يشكل من واقعٍ ماديٍ، ومحسوسٍ في حياتهم، ولديهم تصورٌ كافٍ عن عمقه واتساعه، وعن كميات المياه التي يستوعبها والتي لو كانت مداداً - أي حبراً - نحاول أن نكتب به عن علم الله تعالى، وعن أنواع وأجناس الكائنات التي خلقها، وعما يتميّز به كل نوع أو جنس منها من الخصائص الذاتية، وما قدّر الخالق العظيم لها من السنن الخاصة بها، وكيف ربطها بالسنن العامة في الحياة والكون، التي تؤثر بها.. أجل، لو حوَّلنا مياه البحر (والمقصود مياه البحار جميعها في الأرض) إلى حبرٍ للإحاطة ببعضٍ من ذلك الخلْق العظيم، لأفرغنا البحر، وما قدرنا على تلك الإحاطة، ولو جئنا ببحرٍ مثله مدداً.. والسبب أنَّ علم الإنسان ضئيلٌ، ومحدود جداً بالنسبة لعلم الله الواسع، لأنه سبحانه وتعالى بكل شيء عليم، ومصداقه قوله الحقُّ المبين: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ *} [البَقَرَة: 29].. فهل بعدُ، أجلُّ، وأعظمُ مما يوحي به الله تعالى من آياتٍ بيّناتٍ، ليكون لها ذلك التأثير القوي والشديد في النفس، وذلك عندما يعلم الإنسان بأنَّ ربَّه، وربَّ هذا الكون بأسره، هو الله العليم الحكيم، وقد أحاط بكل شيءٍ علماً، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ولا يفوته شأنٌ من شؤونها؟ ثم بعد ذلك نتساءل: ما هي قدراتنا نحن بني البشر، وما هي طاقاتنا التي نملك حتى نكون مؤهلين لأنّْ نبلغ من علم الله إلا ما يعلِّمنا هو سبحانه وتعالى؟
ولذلك يقف المؤمنون مشدوهين أمام قوله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا *} [الكهف: 109].. وقد يكون القصد كذلك من هذا التعبير القرآنيّ: {كَلِمَاتُ رَبِّي} [الكهف: 109] ما في الكون كله من مخلوقات.. وهذا محال أنْ يصل إليه علم الإنسان مهما بلغ من العلم والمعرفة، ومهما جاء به من الاختراعات والاكتشافات..
وقد يكون القصد من قوله «كلمات ربّي» ما في آيات القرآن المبين من المعاني.. وهذه بدورها بعيدة عن متناول الإنسان لأنه عاجز فعلاً عن الإحاطة بكل مضامين هذا الكتاب الذي فيه تبيانٌ لكل شيء.
إذاً فماذا يريد الكفار والمشركون بعد؟! فهل يدّعون علماً ومعرفة؟ ولكن أين ما يدّعونه من علم ربّهم السميع العليم؟ أم هل يريدون إظهار عجز هذا النبيّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) الذي يبلّغهم عن ربِّه ما يُعجز سادتَهم وبلغاءَهم؟! فكيف الحال بهم والقرآن يمدّه بالبراهين، والأدلة، والقصص والعظات التي تجعلهم هم العاجزين حقاً؟ أم هل يريدون البقاء على كفرهم، والنبيّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) يرشدهم إلى سبل الهداية التي فيها النور المبين لظلمات نفوسهم؟!.
فقد أخرج الحاكم وغيره عن ابن عباس في أسباب نزول هذه الآية الكريمة: أنَّ عتاة المشركين في قريش لما سألوا اليهود عن أشياء يمكن أنْ تضعف حجة «محمد» (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، قالوا لهم: سلوه عن الروح، فنزلت الآية الكريمة: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً *} [الإسرَاء: 85]. فقالت اليهود: أوتينا علماً كثيراً: أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً؛ فنزلت الآية: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا *} [الكهف: 109]، وهذا يعني أن علم الله لا تحيط به التوراة ولا الإنجيل، ولا القرآن نفسه، لأنَّ مضامين هذه الكتب السماوية - على شموليتها - تبقى يسيرة وقليلة مما يحيط به علم الله الواسع، لا بل والبشر لا يحيطون بشيء من علم الله إلاَّ بما شاء لهم من الإحاطة، فيبقى علمهم محدوداً في مقابل علم الله اللامحدود...
أما عن المعجزات التي كانوا يطلبونها، فكان النبيّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) يقول لهم دائماً ما مؤدّاه: إنَّما أنا بشر مثلكم، وما أبلّغكم إلاَّ ما يوحى إليَّ من ربي الكريم، الذي اختارني نبياً ورسولاً، وهو أعلم أين يضع رسالته، فليس لي أنْ آتيكم بمعجزات وخوارق مما تطلبون. ولكن ألا ترون بأن هذا القرآن الذي يُوحى إليَّ هو المعجزة بذاتها، وقد ثبت لكم إعجازه لأنكم لم، ولن تستطيعوا، أن تأتوا بشيء من مثله؟!
وكذلك فإنَّ من مضامين هذا الوحي إلى النبيّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) أنْ يقول لهم ما معناه: إنَّما إلهكم إلهٌ واحد، فمن كان يأمل بلقاء ربّه فليعمل عملاً صالحاً، ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً، يغفر له من ذنوبه ويدخله في رحمته التي وسعت كل شيء..
وهذه الأمور هي من الحقائق المطلقة التي يقوم عليها كل الوجود البشريّ، وذلك بأن يكون إيمان الإنسان بوحدانية الله تعالى، وألوهيته وربوبيته، إيماناً مطلقاً فلا يشرك بعبادة ربّه مثل تلك الآلهة المدعاة الباطلة من الأصنام والأوثان والتماثيل، أو غيرها من الأشياء الأخرى التي لا قيمة لها، ولا معنى تستحق عليه العبادة. وعدم الشرك من الإنسان بعبادة ربّه أحداً، هو الحق اليقين لأنه هو الله الذي لا إلهٌ إلا هو، إلهٌ واحدٌ في السماوات والأرض. ثم ليعمل بعد ذلك عملاً صالحاً، مع ما يستوعب معنى «العمل الصالح» من أمور الخير والبر، والتقوى والصلاح، إلى آخر الباقيات الصالحات التي أشارت إليها الآية الكريمة بقول الله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً *} [الكهف: 46] وقوله تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا *} [مَريَم: 76].
ولعلَّ الربط بين الآيات التي سبقت مباشرة الآيتين (109 و110) اللتين اختتمت بهما «سورة الكهف» ما يؤكد تلك الحقيقة المطلقة التي يتعلق بها مصير الإنسان في الحياة الآخرة، يقول الله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرَينِ أَعْمَالاً *الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا *أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً *ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا *إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً *خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً *} [الكهف: 103-108]، فهذه الآيات تبين سبل الأعمال إلى الضلال والخسران، وسبل الأعمال إلى الإيمان والصلاح، والمصير الذي يتقرر للإنسان على أساس تلك الأعمال التي يتولاها في حياته الدنيا.. أجل تلك الأعمال التي يقوم بها الإنسان هي التي تقوده يوم القيامة إما إلى جهنم وساءت مقرّاً ومقاماً، وإما إلى جنّات الفردوس، وحسنت نزلاً ومستقراً. وتلك الأعمال التي يقوم بها الناس جميعاً - لا تشكل، في الحقيقة، إلاَّ بعضاً من كلمات الله، وهو يأمر سبحانه ملائكته بتدوينها في سجلات الناس.. إذ لو حاولنا أنْ نحصي فقط ما يقوم به الناس من الأعمال، دون شيء آخر، لاستحال علينا هذا الأمر، فكان حقيقاً على الناس أنْ يؤمنوا بأنَّ كلمات الله في القرآن لا قبل لهم على استنفاد معانيها، وكان حقيقاً على الناس أن يؤمنوا بأنه «لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ»، وأنه وحده يستحق العبادة، فلا شريك له في خلقه، ولا شريك له في ملكه، ولا شريك له في عبادته، بل وكان حرياً بكم أيها الناس أَنْ تتزودوا من علم الله الذي أودعه قرآنه المجيد، وتجسّدوه من ثَمَّ عملاً صالحاً.. ولئن فعلتم، وأتممتم ذلك، فهو - والله - توفيقٌ من ربّكم الذي يهديكم إلى الصراط المستقيم، والفوز بجنات النعيم.
سادساً - أمرُ الله تعالى نافذٌ ومحقَّقٌ كَلَمْحٍ بالبصر
يقول الله تبارك وتعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ *وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ *} [القَمَر: 49-50].
{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ *} [القَمَر: 49].. فهو الله الخالق البارئ المصوِّر. خالق كل شيء، بلا استثناء، فلا يكون أيُّ شيء في الوجود كله، إلا من خلق الله تعالى. بل وكل شيءٍ كان خلقه بقَدَرٍ مقدَّر، وفقاً لما قضت به حكمة المولى السنية، ليكون في جنسه، ونوعه، وهيئته، وصفاته وخصائصه على النحو الذي جعلَه به أمر الله، بلا زيادة ولا نقصان.. وبحيث يقوم بوظيفته، أو بعمله، وفقاً لما هو مقدر له تماماً.. وبحيث يرتبط في وجوده، وفي تأثيره وتأثّره بغيره من المخلوقات بالسنن والقوانين والأنظمة التي قدَّرها الخالق للوجود بأسره..
ولعلَّ في هذا النص القرآنيّ: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ *} [القَمَر: 49] ما يجيب على تفكير الإنسان في أمر خلقه، أو في أمر خلق السماوات والأرض، والأسئلة التي قد تشغل باله: كيف كان هذا الخلق العظيم، ولِمَ كان، وعلى أي شيء كان؟ ومن حق الإنسان، وقد حباه خالقه بملكة العقل والإدراك، أن يفكر ويقدِّر، ولكن بشرط أنْ يأتي تفكيره متوافقاً مع الفطرة التي فُطر عليها، فلا يُجافي سلامة هذه الفطرة، ولا يجعلها تنحرف عن أصالتها، وإلا قادَهُ تفكيره وتقديرُهُ إلى الضلال، والضياع عن الحقيقة التي يطمئن إليها قلبُهُ، ويهديه إليها عقله. فالمهم أن يكون الإنسان منصفاً مع نفسه، ومستقيماً في صلته بخالقه العزيز الحكيم، وإلا ابتعد عن التقدير السليم.
والحقيقة أن انصراف الإنسان إلى التفكير في سر خلقه وإيجاده، إنما هو بحكم ما في طبعه من ميل للمعرفة، والتعلم، والاكتشاف، وبخاصة محاولاته في استشفاف المجهول، وما قد يحيط به من الأسرار.. والخالق العظيم لا ينهى الإنسان عن التفكير بما يهمُّهُ أو بما قد يشغل باله. لا بل يدعو سبحانه عبادَهُ إلى التأمل للاهتداء إلى الحقائق، وحضَّهم على التفكير والتأمُّل، لأنَّه جَبَلَ تبارك وتعالى في طباعهم ملكة التعلّم والمعرفة وهو عليم بهم، وخبير بنوازع نفوسهم لأنه هو الذي خلقهم، إذاً: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ *} [المُلك: 14]؟..
ولكي يكون الناسُ على بصيرةٍ من أمر الخلق فقد أنزل إليهم ربهم الكتب السماوية التي تدلهم على حقيقة هذا الخلق، وتبين لهم سبل العلاقة التي تربطهم بخالقهم، ليعلموا بأنَّ الله هو خالقهم، وهو ربّ السماوات والأرض، وأنَّ وجودهم يقوم على العبودية لله وحده، وأنَّ من شأن ذلك أنْ يزيح الغشاوة عن بصائرهم فلا يقعون في الشك، والحيرة، وفي التردد بين عبادة الله الواحد الأحد، وعبادة مخلوقاتٍ له.. فإذا قُدِّر للإنسان أنْ يهتدي إلى هذه الحقائق، التي تدله عليها الكتب السماوية، فإنه يؤمن حينئذٍ بأنَّ كل شيء هو من خلق الله العليّ العظيم، وأنه - سبحانه وتعالى - قد خلق كل شيء بقدَرَ من أصغر حشرةٍ، أو ذرة في الأرض، إلى أكبر الأجرام والمجرات في السماء. وبمقتضى هذا التقدير السنيّ كان التناسق الكامل في الوجود، وكان الانتظام الشامل في الكون..
والقرآن الكريم يبيّن كثيراً من الأدلة على حقيقة التقدير الإلهي، ومن الأمثلة عليها:
قول الله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى *وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى *} [الأعلى: 1-3]. وقوله تعالى: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ *مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ *مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ *} [عَبَسَ: 17-19]. وقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدر تقديرا} [الفُرقان: 1-2]. وقوله تعالى: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *} [الأنعَام: 96].
فسبحان الذي خلَقَ كلَّ شيءٍ بقَدَر، وبأمره النافذ الذي لا يتعدّى المرَّةَ الواحدة في الخلق والتقدير: {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ *} [القَمَر: 50].
يقال في اللغة: لمَحَ البصرُ، يَلمَحُ لَمْحاً: امتدَّ إلى الشيء.
ولمَّح إلى الشيء: أشار.
واللَّمْحَة: النظرة العجلى، وهي اسم من اللَّمْح.
فيكون المعنى: وما أمرنا لشيءٍ نريد خلقه إلا أنْ نقول له مرةً واحدةً: كن، فيكون، أي كائناً في وجوده، وحالاًّ في كينونته مثل لمح البصر، أي بقدر هذا الزمن القصير الذي تستغرقه النظرة العجلى عندما تلمح الشيء..
وهذا هو أساس الخلق، وسنَّةُ الله تعالى في خلقه: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *} [يس: 82].
أجل إنما هي كلمة واحدة: «كن».. هذه الكلمة هي «أمر» يصدر لمرةٍ واحدةٍ، فلا يحتاج إلى إعادة، ولا تكرار، ولا تتابع، ولا فسحة في الزمان والمكان. إنه مجرد الأمر الواحد، في المرة الواحدة ويوجد الشيء على الكينونة التي يريدها الخالق.
ولا يعني «لمح البصر» تحديداً زمنياً، إنما هو تشبيه لتقريب المعنى إلى حسّ البشر. فالزمن هو مقياس بشريّ، ينظِّم به البشر أوضاعهم وحالاتهم، وحركاتهم وسكناتهم، حتى لا يعيشوا في فوضى، أو في فراغ، أو في تقلبات لا تخضع لقواعد ضابطة، ومقاييس معينة..
أما بالنسبة إلى الخالق العظيم فلا زمن، ولا حدود، ولا مقاييس لأمره في الخلق والإيجاد.. بحيث لا يمكن أنْ نتصور فارقاً زمنياً بين الأمر وتحققه، فهما: أمرٌ فخَلْقٌ، أمرٌ فوجودٌ، أمرٌ فتدبيرٌ، أمرٌ فحياة، أمر فموتٌ.. فكل شيءٍ خاضعٌ لأمر الله عزَّ وجلَّ إذا أراد شيئاً أنْ يقول له: كن فيكون. فكل شيء محكوم في خلقه إلى أمر الله، وكل شيء محكوم في تدبيره إلى أمر الله، فلا يكون لمخلوقاته شأن من الشؤون إلا بأمره، فإذا شاء: كان، وإذا لم يشأ: لم يكن، {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا *} [الطّلاَق: 3]. وكما هو أمر الله تعالى في الخلق، إذ يقول للشيء: «كن فيكون» كـلمحٍ بالبصر، كذلك أمر الله عندما يتنزل بهلاك الكافرين، إذ جاءت الآية الكريمة {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ *} [القَمَر: 50]، بعد تبيانٍ لصور العذاب الخاطف الذي أهلك، ودمَّر على قوم نوح، وعادٍ، وثمود، ولوطٍ، وآل فرعون[*].. ثم أتبع صور ذلك الإهلاك بقوله تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ *يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وَجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ *} [القَمَر: 47-48] وهذا يعني أنَّه كما بيّن لنا العذاب الذي حلَّ بهم في الدنيا، يبيّن لنا كذلك العذاب الذي سوف يحيط بهم في الآخرة.. فهل من يتذكر ويتّعظ، وقد يسَّر ربُنا تعالى القرآن للقراءة وإدراك ما حلَّ بأولئك الأقوام، والاتعاظ بهم من كل معتبرٍ ومتّعظ، مصداقاً لقوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ *} [القَمَر: 17].
وهكذا يتبيّن لنا - من الفقرات السابقة - أنّ مثل تلك الصفات العليا والجليلة هي لله سبحانه وتعالى:
من حيث كونه الخالق العظيم (أولاً)،
ومن حيث إنه لا مَثَلَ له (ثانياً)،
ومن حيث إنه نور السماوات والأرض (ثالثاً)،
ومن حيث إنَّ مرد القوى لله جميعاً (رابعاً)،
ومن حيث إنَّ علم الله واسع ولا ينفد (خامساً)،
ومن حيث إنَّ أمر الله نافذ كـلمحٍ بالبصر (سادساً)..
أجل، إنَّ هذه الصفات التي يتفرد بها رب السماوات والأرض حرِيّة بأنْ تزرع الإيمان وتوطِّنه في القلوب والعقول، فيوقن الإنسان بحقيقة وجود الله تعالى، وبأحقية عبادته وتقديسه، ولذا كان الاعتقاد بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا من أواصر الإيمان الحق.
الفقرة الثانية - الإيمان بملائكة الله وكتبه
يقول الله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البَقَرَة: 285].
وانطلاقاً من التوجيه القرآنيّ الذي يبيّن الأركان الأساسية لعقيدة التوحيد، يبدو لنا جلياً أن الإيمان بحقيقة وجود الله تعالى يستتبع - حكماً - الإيمان بملائكته وكتبه..
أما من حيث ملائكة الله فيرد ذكرها في مواضِع متفرقة من كتابه المجيد، ولا سيما في الحديث عن معتقدات أولئك المشركين الذين توهموا بأن الملائكة بناتٌ لله، وقد نزَّه تعالى نفسه عن أنْ يتخذ صاحبة، ولا ولداً، أو أن يكون له شريك في الملك.. ولذلك لم نفرد نبذة خاصةً للملائكة، لا سيما وأنه لم يرد عليها المثل في القرآن الكريم، فانحصر بحثنا في كتب الله باثنين: اللوح المحفوظ، والقرآن الكريم، دون أنْ نتطرق للبحث في التوراة والإنجيل لسببين:
الأول: عدم الإلمام بنصوصهما بصورة كافية، مما قد يوقعنا في الخطأ الذي نخشاه.
والثاني: وهو ما يرتبط بالـسبب الأول، إذ أنَّ ما لحق بالنصوص، التي أنزلها الله تعالى في هذين الكتابين الـسماويين، من التحريف، والـتأويل والـدسَّ، فأضاع بعضاً من قداسـتها التي أنزلت بها من عند الله تعالى، يجعل تناولها بدقةٍ وصدقٍ أمراً صعباً، إلاَّ ما يتوافق منها والقرآن، بصفته من الكتب الـسماوية الـمقدسة، وهو الكتاب الذي حفظه الله تعالى من أي إدخالٍ أو تحريف!..
هذا مع التوكيد على أنَّ إيمان المسلم لا يكتمل ما لم يؤمن بصدق التوراة، وصدق الإنجيل وسائر الزبر التي أنزلت من الله تعالى على رسله الكرام، وهذا الإيمان بكتب الله ورسله هو ما تهدي إليه الآية 285 من سورة البقرة، التي أوردناها في مطلع هذه الفقرة.
أولاً - ماهية اللوح المحفوظ
اللوح المحفوظ، كما يقول بعض المفسّرين، هو كتابٌ كبير الاتساع والشمول، كائن في السماء السابعة، وقد أحصى فيه الله تعالى كل مخلوقات الأرض من حيث إنشائها، وتسييرها، ووظائفها، ومصائرها، وما يمحو الله تعالى ويثبت في هذا الكتاب، من شؤون مخلوقاته ..
وقد عبَّر القرآنُ الكريم عن «اللوح المحفوظ» بعبارة «أم الكتاب»[*]، أو بلفظة «الكتاب»[*].
ولم يرد النص على «اللوح المحفوظ» مباشرة إلاَّ في آية واحدة من القرآن، بقول الله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ *فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ *} [البُرُوج: 21-22].
ويتبيّن لنا معنى «اللوح المحفوظ» من حيث شموليته لشؤون الخلائق في الأرض بقول الله تعالى: {وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ *} [الأنعَام: 38].
ونكرّر بأنَّ هذا الكون واسع فوق حدود التصوُّر، كما تدلّ على ذلك اكتشافات علم الفلك الحديثة. وكلما توغَّل الإِنسان في أعماق هذا الكون، تبين له أنه ما يزال بعيداً جدّاً عن إدراك حدودٍ له أو نهاية.. إذ من الواضح عجز علم الإنسان عن معرفة أين تقع نهاية الكون التي لا يعلمها إلاَّ الله تعالى وحده.. ومن المعروف أنه في مدارٍ ما من هذا الكون الشاسع، كتلة كروية صغيرة هي الأرض التي احتوت إلى جانب الجنس البشريّ أجناساً كثيرة ومتنوعة من الحيوان والطير والدَّابة، وكلٌّ يعرف فيها معاشَهُ، ويسعى إليه... وهذه المخلوقات كلُّها قد أحصيت جميعها في «الكتاب»، أي اللوح المحفوظ بلا أدنى تفريط، كما يبيِّن لنا ربُّ العالمين ذلك بقوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعَام: 38]..
وإذا كان الله تعالى قد جعل الناس شعوباً وقبائل متفرقة، فإنه جعل من تكاثرها تلك الأمم التي تملأ الأرض في شرقها وغربها. ومثل هذه الأمم من الناس، فإنَّ القرآن الكريم يبيِّن لنا أنَّ الكائنات الحيّة الأخرى هي أمم أمثالنا، أي أنَّ كلَّ ما خلق الله من دوابَّ تدبُّ على الأرض برجليها، أو من زواحف تزحف على بطنها، أو كل ما خلق من طير يطير بجناحيه.. إن هي إلا أجناس متعددة، وأصناف متنوعة، تختلف في أشكالها وأنواعها، مثل اختلاف الناس في تعدد أجناسهم وألوانهم ولغاتهم، وطرائق عيشهم. وتلك الدواب على تعدد أصنافها، وأعدادها الغفيرة من كل صنف، تُعرف بسمات معيَّنة، وبخصائص تميّزها عن بعضها البعض، لتكون مثل الناس، في خَلْقها من حيث الإِبداع في الخلق، وجميل الصنع في الهيئة والتكوين، وليكون كل جنس منها بمثابة أمةٍ، ولو تنوعت إلى جماعات متعددة.. وقيل إنما مثَّلت الدوابُّ والطيور بالأمم من الناس نظراً لحاجتها إلى مدبِّرٍ يدبرها في أغذيتها، ونومها، ويقظتها، وهدايتها إلى منافعها، وإلى آخر ما لا يُحصى من أحوالها ومصالحها!.
وهذا التنوع في الكائنات الحية: من الناس، والحيوان، والطير والحشرات، وما يختصُّ به كل جنس من خصائص مميزة عن غيره من الأجناس الأخرى، بل وما في الجنس الواحد من تنوع كثير، إنْ في فئاته وأشكالها، أو في سبل عيشها في البر والبحر، واهتدائها إلى طرائق هذا العيش.. كل ذلك خير دليل، وأكبر برهان على أنَّ الله هو الخالق العظيم، وأنه على كل شيء قدير؛ فقد قدَّر لكل كائنٍ حيٍّ حياتَه، ومماتَه، ورزقَهُ وعملَه، مثلما قدَّر له تكوينه البيولوجي والنفسي.. وهذا كله محفوظ بأمر الله في «اللوح المحفوظ»، كما هو مقدر في علمه الأزليّ.. فما من شيء يتعلق بحياة الإنسان، سواء بصورته وحركته، أو أفعاله وأقواله، أو ما تنطوي عليه نفسه من النوايا، والمدارك والمشاعر، بل وحتى النفَس الذي يتنفَّسه، إلا وهو محصيّ عليه، ومحفوظ في كتاب المخلوقات كلها، الذي هو اللوح المحفوظ.. وهذا ما يثبته القرآن المجيد عندما يبيّن لنا أنَّه ما من إنسانٍ إلاَّ ويوكل به الله تعالى ملائكةً تدوِّن كل شيء عنه، من قولٍ أو فعلٍ، مهما كان صغيراً أو كبيراً، حتى ولو كان عمله مثقال ذرة من خيرٍ أو شرٍ، فهو مدوَّن، ومحصيّ عليه. وأما الغاية فلكي يكون كتاب كل إنسانٍ حاضراً يوم الحشر، وعلى مضمون هذا الكتاب يكون حسابُهُ وجزاؤُهُ.
والحشر لا يكون للناس وحدهم، بل إن الكائنات الحية الأخرى من الحيونات والطيور والحشرات سوف يكون لها حشرٌ أيضاً مثلنا نحن بني البشر، بدليل قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ *} [الأنعَام: 38]؛ أما لماذا حشر تلك الكائنات، وهي ليست عاقلة ولا مدركة، فإنَّ عقولنا تقصِّر عنه، ولا نقدر على إدراك كنهه. وقد روي عن أبي ذر الغفاريّ (عليه السّلام) ما يبيّن الغاية من قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ *} [الأنعَام: 38]، إذ قال أبو ذر: «بينا كنا مع رسول الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) إذ انتطحت عنزتان، فقال لنا: أتدرون فيما انتطحتا؟ قلنا: لا ندري يا رسول الله. قال (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم): «لكنَّ الله تعالى يَعلَمُ، وسَيَقْضي بينَهُما»[*]. ومن قبيل ذلك أيضاً أن رسول الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) قال: «لتُؤَدُّنَّ الحقوقَ إلى أهلِها يومَ القيامةِ حتَّى يُقادَ للشّاةِ الجَلْحاءِ من الشَّاةِ القَرْناءِ»[*].
وما تجدر الإشارة إليه أنَّ جماعةً من أهل التناسخ قد استدلت من قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ *} [الأنعَام: 38] بأنَّ البهائم والطيور هي مثل البشر في التكليف.. وهذا لغوٌ باطلً، لأن القصد من عبارة: {أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعَام: 38] هو إفهامنا بأنَّ الدواب، والبهائم، والطيور على سطح الأرض، وكذلك حيوانات البحر، هي في كثرة أجناسها، واختلاف أحوالها مثل الجماعات البشرية من الناس في تنوعها وتعددها..
أما جعل الناس بمثل هذا التنوع من الشعوب والقبائل[*] فمن أجل الغاية التي أرادَها الخالق لهم، وهي التعارف فيما بينهم، أي التعارف الذي يؤدي إلى اجتماع جهودهم، وتضافر قواهم لإِعمار الأرض. فهذا الإعمار يقتضي له التنوع في الذهنيات، والطاقات، وفي الخصائص والمميزات عند الناس، كما يقتضي له أيضاً التعدّد في الأجناس والألوان والمواطن.. وكل ذلك يعتبر غنىً للناس، بما تغنى به عمارة أرضهم.. وأما الكائنات الأخرى من غير الجنس البشريّ، فإن وجودها كان حتمياً كما قضى الله تعالى منذ الأزل، وذلك لاستمرارية الحياة، وإقامة التوازن بين الأحياء في الأرض نظراً لما جعل الله لتلك الكائنات من منافع للناس، تساعد على بقاء الجنس البشريّ، إلى أنْ يرث الله تعالى الأرض ومن عليها..
إذاً فالأمر لا يعدو كونه إفهاماً لعقولنا بأن المخلوقات والكائنات الحية على اختلافها، هي في تنوع أجناسها مثل الناس، ولا يتعلق بأي تكليفٍ لتلك الكائنات، لأنها في قوام خلقها ووجودها، هي كائنات تفتقر إلى ملكة العقل والتمييز، والتكليف لا يصح، بل ولا يكون أصلاً، إلا مع كمال العقل، والقدرة على التمييز..
صحيح أنَّ الحيوانات والطيور والحشرات هي من الأحياء التي أوجد فيها خالقها الغرائز التي تهديها إلى مساراتها، وإلى ما فيه نفعها، ولكنها - قطعاً - لم تخلق لتكون موضع تكليف، ويكون حشرها على أساس هذا التكليف.. فالتكليف هو الذي يميّز بني البشر عن غيرهم من الكائنات الحية الأخرى.. ثم إنَّ هنالك أمراً آخر شديد الأهمية ترمي إليه الآية (38) من «سورة الأنعام» وهو أنَّ خلق أي كائنٍ، ومهما كان نوعه، لم يكن خلقاً عبثاً، بل هو مقدر في «اللوح المحفوظ» منذ أنْ خلَقَ الله السماوات والأرض، وبمقتضى الحكمة الإلهية من هذا الخلق، ولا نملك نحن البشر أيَّ شيء عن حكمة الله تعالى، وعن تقديره في خلائقه. ولكننا بعد القرآن، وما أتى به من البيان والتبيين، أصبحنا نملك المعرفة التي تؤكد لنا بأنْ ليس في وجودنا البشريّ، والأرضيّ أية مصادفة أو عبثية، بل كل شيء محكوم بعلة خلقه، وسبب وجوده، وأنَّ أمر هذا الوجود من حيث كيفية التسيير، والتدبير، والانقياد في الحياة والممات، إنما يخضع لما يشاء الله ويريد.. والأدلة على ذلك الآيات المبثوثة في الكون، من فوقنا ومن تحتنا، وفي أنفسنا، ومن حولنا، وكلها تبرهن، وتؤكد على الحقيقة الساطعة، حقيقة وجود الله تعالى، وبأنَّهُ هو الخالق العظيم، والمدبر الحكيم {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى *وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى *} [الأعلى: 2-3].. لذلك فكلُّ ما في الوجود - مما علم الانسان وما لم يعلم - من الكائنات الحية والجامدة، قد أحصيت في «اللوح المحفوظ» الذي ما فرَّط الله تعالى في هذا الكتاب من شيء يتعلق بمخلوقاته.. فحريّ بالإنسان النظر بآيات الله - أي مخلوقاته - نظر عظة واعتبار، والتفكر بها تفكير تدبّر واستدلال، فيؤمن بالله، وبأنه على كل شيء قدير..
ثانياً - الإيمان بحقيقة القرآن
لقد حملت رسالةُ الإسلام، التي بُعِثَ بها محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، في خاتمة مطاف الرسالات السماوية إلى دنيا الأرض، عقيدةَ التوحيد بكمالها وتمامها، لتكون العقيدة الحق، وعقيدة الإخلاص لله ربّ العالمين، وهي - بالطبع - نقيضةٌ للكفر والشرك والضلال، لأنَّ قوامها عبادة الله الواحد الأحد، والإيمان بما أنزل الله من كتب، والتصديق بأنبيائه ورسله، وأنَّ الجنة حق، وأنَّ النار حقّ، وأن الله يبعث من في القبور، وإليه النشور.. وهذا ما كان يستدعي من المسلمين مجابهة الأنظمة الجاهلية القائمة على الشرك، والفساد والفسق، والفجور، والظلم في حياة الناس، ليكون الحكم بما أنزل الله تعالى، فتستقيم سبل الصلاح والإصلاح، وتعتمد المناهج القيّمة للدين والدنيا.. ولكنّ الكافرين والمشركين لم يرضوا - ولن يرضوا - بذلك، فقام شياطينهم يتصدون للدعوة الإسلامية في شبه الجزيرة، شأنهم شأن أمثالهم من السابقين الذين وقفوا في وجه دعوات النبيين والمرسلين، يشنون عليهم حروب التكذيب والاستهزاء، ويتعرَّضون لهم ولأتباعهم بحملات الأذى والتعذيب والقتال؛ بل ولم يتورع بعض الأقوام، مثل اليهود عن قتل النبيين بغير حقٍّ، إلاَّ أن يقولوا: «ربُّنا الله».. والأسباب وراء ذلك واضحة، ويأتي في طليعتها صرف الناس عن تلك الدعوات، والحؤول بينهم وبين الدخول في دين الله، لأنه لو أتيح لتلك الدعوات المجال، وانتصرت بتعاليمها السماوية، لكان خليقاً بها أنْ تسقط عروش السلاطين والملوك، وتذهب بسلطانهم الجائر، وتزري بجبروت المستكبرين، والظالمين والمفسدين، لتقيم، من ثَمَّ، بديلاً عن ذلك كله، موازين الحق والعدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حياة الناس.. وعلى هذا فإننا لا نجد، وعلى امتداد التاريخ البشري، أنَّ نبيّاً قد سَلِمَ من تكذيبٍ أو أذىً في بني قومه، أو خلت دعوةٌ رسوليةٌ من مواجهة طواغيت زمانها.. فكان من المحتوم ألاَّ يكون خاتمُ النبيين محمدٌ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) أفضلَ حالاً من ثلة المختارين الذين سبقوه في حمل دعوات ورسالات الله إلى عباده، إذ ما إنْ أعلن نبوته ورسالته، وظهرت دعوته للإسلام، حتى هاج عنفوان الكفر والشرك في قلوب الأميين في مكة، واليهود من أهل الكتاب في يثرب، فانبروا لمناهضته، ومنع الناس من الدخول في دين الله... ولكنَّ القرآنَ الذي كان يتنزّل عليه وحياً من ربّه العزيز الحكيم، لم يسكت عن الكفَرَة الفجرة، وأعداء الله والإنسانية، فحملت عليهم آياته المبيّنات حملةً شعواء، تسفّه أحلامهم، وتصفع وجوههم التي كانوا يتعبدُّون بها للأصنام، وتدين انصياعهم لأرباب متفرقة اتخذت الأطماع الدنيوية آل