معجم الأمثال في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   845
تاريخ النشر :   2009




فصل تمهيدي-المثَلْ: نشأته - معانيه - أنواعهُ - فَوائدهُ - خصَائصهُ - أهْدَافهُ

الفقرة الأولى - نشأة المثل منذ القدم
ليست الأمثال - على كثرة المواضيع التي تتناولها - حديثة النشأة، بل هي عريقة في القدم، وقد رافقت الثقافات الإنسانية في مختلف مراحلها، وعبر تفاعلاتها مع بعضها البعض، واستمرت في هذا التفاعل على الرغم من الصراعات الفكرية والمادية التي عرفها الناس على امتداد التاريخ البشريّ الذي حفل بشتى أنواع تلك الصراعات.. واللافت في هذا السياق أن التفاعل الثقافيّ الذي نتج عنه تراث فكريّ، وكان فيه غنىً لمسيرة الإنسان، نجده قد ظهر أكثر ما ظهر في البلدان التي كانت ملتقىً لثقافات متنوعة، بسبب موقعها الجغرافيّ، وما طرأ عليها من غزو واحتلال، أو بسبب نمط وأسلوب عيشها في الحياة، وما قدّمت هي فعلاً من نتاج فكريّ وحضاريّ تلاقى مع غيره، وجعل من تلك البلدان حاضنةً لالتقاء الثقافات وتزاوجها مع بعضها البعض.
وقد أحدث ذلك التفاعل بين الثقافات تغييرات جذرية شملت الطريقة والمضمون اللذين كانت عليهما ثقافةٌ معينة، أو عدة ثقافات متنوعة، وأدى إلى قلب أنواع عديدة من الفنون الشعبية رأساً على عقب، بعدما قضى على كل صلة بين قديمها وحديثها، هذا في الوقت الذي تغيرت فيه أنواع أخرى من تلك الفنون والقوالبُ وأساليبُ الأداء، بينما بقي الجوهر محافظاً على مضامينه الأصلية.
ومن الفنون الثقافية التي حافظت على جوهرها، على الرغم من إيغالها في الزمن، كانت الأمثال، التي ظلت إحدى أهم الطرق الفكرية لتصوير معاناة الناس، أو لتجسيد أفراحهم من خلال الواقع الذي يعايشون، أو للتعبير عن تشوّف المستقبل الذي به يحلمون. وقد اتخذت أمثالهم مسمياتٍ عديدة، وأشكالاً متنوعة برزت في العبارة القصيرة، أو الجملة المفيدة، أو في المجموعة الفريدة، مروراً بالقصة والقصيدة، والخرافة والملحمة، وغيرها من ألوان الأدب التي عرفتها الشعوب القديمة والحديثة. وكل ذلك لأن المثل كان ولا يزال مظهراً من مظاهر العقلية، يعبّر بأسلوب من الأساليب اللفظية عن عادات المجتمع وتقاليده وأعرافه، تماماً كما يعبِّر عن نفسية الإنسان في مشاعره وعواطفه في ظل الوقائع والأحداث التي يعيشها، أو في ظل الظروف والأجواء التي تحيط به أو تخيّم عليه، حتى ليمكن القول بأنّ الأمثال، من الناحية الثقافية، تحتل حيزاً كبيراً في التدليل على معاني التفكير والسلوك لدى الجماعات البشرية.
وهكذا ندرك، مما جاء في الأمثال واستمراريتها عبر العصور، بأن الشعوب لم تضع أمثالها عبثاً، بل كان وراءها أسباب اقتضتها، أو أحداث أفرزتها. وكانت دائرتها تتسع أو تضيق تبعاً لما ترمي إليه من تصويبٍ لأوضاع المجتمع، ومن توجيه للناس إما للحفاظ على تلك الأوضاع، أو معالجة المشاكل التي تعترضها.
ولم يختلف العرب عن غيرهم من الشعوب التي عرفت الأمثال. بل على العكس فقد شكل المثل عندهم فناً ثقافياً قديماً، يستمد عراقته من الجذور المشتركة بينه وبين الثقافات الساميّة القديمة، ولعله من أجل ذلك كان أقدم فنون الأدب العربيّ على الإطلاق. وقد بقي هذا النوع الأدبيّ حياً بروحه إلى عصرنا الحاضر، ولم يتغيّر إلا من الناحية الشكلية تبعاً لتغير الأزمنة والأمكنة. وكان المراد به - مثل غيره من أمثال الشعوب الأخرى - تصوير الوقائع والأحداث في حياة العرب، أو استخلاص العبر والعظات من أجل التهذيب والتثقيف، وغيرها من المعاني التي تناولتها أمثالهم المختلفة.
وإن شدة اهتمام العرب بالمثل، وما كان وراءه من أسباب، أو ما توخاه من أهداف، جعلت له تلك المكانة في أدبهم، حتى صار المثل المضروب لديهم، لأي شيء، كالعلامة التي يعرف بها ذلك الشيء. وليس في كلام العرب أوجز من المثل، ولا أشد اختصاراً منه في تقريب الفكرة إلى الذهن، بما يمكِّن من استيعابها بأقصر الأداء، وأوضح البيان. فكان للأمثال ذلك الشأن الهام في ثقافتهم من أجل إبراز المعاني أو كشف الحقائق التي يريدونها، بحيث تجعل المتخيَّل يُرى وكأنه في صورة المحقَّق، والغائب وكأنه مشاهَد، والمتوهَّم كأنَّه في معرض المتيقَّن...
وتعتبر الأمثال في بعض خصائصها، من أنواع الحكمة التي عرفها العرب في الجاهلية والإسلام، والتي يمكن استخدامها كوسيلة ثقافية للتوعية والإرشاد، أو أداة تربوية للإعداد والتوجيه.
ومن الأمثال التي اتخذت خصائص الحكمة في تلك المضامين والأهداف، حديث الرسول الأعظم محمد بن عبد الله (صلى الَّله عليه وآله وسلَّم): «مَثَلُ المؤمنينَ في توادِّهِمْ وتراحُمِهِمْ وتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الجسدِ الواحدِ إذا اشْتَكَى منه عضوٌ تداعتْ له سائرُ الأعضاءِ بالسهرِ وَالحُمَّى»[*].
فهو المثل النبويّ الشريف الذي يدل على التضامن والتكافل، وعلى وحدة الشـعور والهدف بين أبناء الجماعـة المؤمنة الواحدة، أو بين أبنـاء المجتمع المؤمن الواحد. فإذا حصل الخلل في جانب من هذا المجتمع انعكس على سـائر جوانبه الأخرى، تماماً كما لو مرض أو تعطل أحد أعضاء الجسد فتأثرت سائر الأعضاء في أداء وظائفها..
وكذلك الأمر في هذا الدعاء لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (كرَّم الله وجهه) حيث يناجي ربه - عزَّ وجلَّ - قائلاً: «اللّهُمَّ اجعلْ نفسي أولَ كريمةٍ تَنتزِعُها مِنْ كَرَائِمِي، وأولَ وديعةٍ ترتَجِعُها مِنْ ودائعِ نِعمتِكَ عليَّ»[*].
وروعة هذا الدعاء هي فيما يرمي إليه من حكمة بالغة ترتقي بالنفس الإنسانية إلى مقامين رفيعين: الكرامة الإنسانية، والنعمة الربانية.
فهو الدعاء الذي يعبِّر عن نفسية المؤمن الصادق الذي أدرك قيمة خلْقه، وفضل الخالق - تعالى - عليه فيما أكرمه به من فيوض الكرامات، وإحداها هذه النفس التي تضمها جوانحه، وتحتضُنها جوارحُهُ، والتي هي - في الحقيقة - وديعة لا بدَّ وأن ترد إلى مولاها وبارئها.
ويقرب من هذا الدعاء لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ما كان لبيدٌ قد عبَّر عنه بقوله:
وما المالُ والأهلونَ إلاَّ ودائعٌ
ولا بُدَّ يوماً أَنْ تُردَّ الودائعُ
ومن الأمثال التي أراد بها العرب الحثَّ على استئصال الشر، واقتلاعه من جذوره، حتى لا تقوم له قائمةٌ بعدُ، قال أحدهم:
لا تَقْطَعَنْ ذَنَبَ الأَفْعى وتُرسلَها
إنْ كُنْتَ شهماً فَأَتْبِعْ رأسَها الذَنَبا
ومن الأمثال السائرة على شكل الحكمة:
«لا شرفَ كالعلم ولا ميراثَ كالأدب».
«ما طارَ طيرٌ وارتفعَ إلاَّ كما طارَ وقَع».
«ومِثْلُكَ لا يَبْخَلُ».
ومن القرآن الكريم: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا} [السَّجدَة: 18].
وخلاصة القول إن الأمثال، وهي تستقي المعاني التي تريدها من الواقع، فلا بدَّ وأن تلامس الحياة العصرية، مثلما لامست الحياة القديمة، في مختلف مراحلها ومظاهرها. ولذلك فإن الثورة التكنولوجية، وسائر أشكال التقدم العلميّ والتقنيّ التي وصل إليها الإنسان قد صارت حُكماً مجالاً للأمثال. وعلى هذا فإننا نجد أن المثل الذي كان يضرب بالسهم على شدة السرعة، صار يضرب اليوم بالصاروخ بدلاً من السهم، فنقول: جاء مثل الصاروخ. أو أننا نشبِّه البواخر الكبيرة (كحاملات الطائرات وأمثالها) بالجبال الراسيات. أو أننا نعبّر عن ذلاقة اللسان وحدته بمبضع الجراح فنقول: أُفٍّ له لسان كالمشرط.. وما إلى ذلك من أنواع المثل أو التشبيه، التي يمكن أن تتناول أبسط الأشياء وأصغرها في حياتنا، مثلما يمكن أن تتناول أكبر الأمور وأكثرها تعقيداً.
الفقرة الثانية - التمييز بين المثل والتمثيل والتشبيه والاستعارة
المثل في الأصل بمعنى النظير، ثم نقل منه إلى القول السائر، أي القول الشائع الممثَّل مضربُهُ بمورده. وقد يأتي المثل على صورة التشبيه بأركانه. وفي أحيان أخرى قد يكون مشبهاً مسبوقاً بلفظ «مثل».
- أما من حيث اللغة: فقد اختير للـمثل لفظ «الضرب» لأنه قد يكون مأخوذاً من أحد المعاني التالية:
- ضَرَب: بمعنى سار (ومنه: ضربَ في الأرض)
- ضَرَبَ: بمعنى صنع وأنشأ (ومنه درهمٌ مضروب أي مطبوع أو مسكوك).
- ضَرَبَ: بمعنى نصبَ وأشْهرَ (ومنه: ضرب الخيام).
- ضَرَبَ: بمعنى أبقى الشيء على مثال آخر.
وهي المعاني التي تجعل للمثل وقعه في إرادة التأثير، وهياج الإنفعال، وكأنَّ ضارب المثل يريد أن يقرع به أذن السامع قرعاً، بحيث ينفذ أثره إلى قلبه، وينتهي إلى أعماق نفسه.
وعلى هذا فإنًّ القول أو الكلام الصائب الصادر عن تجربة إذا ما كثر استعماله، وشاع أداؤه في مناسبات متعددة ومتشابهة يصير مثلاً، ويعرَّف على أنه: «القول السائر الذي يُشبَّه به حال الثاني بالأول». ولذا قيل في المثل: «ما يشبه مضربه بمورده».
وقد جاء في لسان العرب: «إن «مَثَلَ» كلمة تسوية، فيقال: هذا مِثْلُهُ ومَثَلُهُ كما يقال: شِبْهُهُ وَشَبهُهُ. وهناك فرق بين المماثلة والمساواة، لأن المساواة تكون بين المختَلِفَيْن والمتفِقَيْن، باعتبار أنَّ التساوي هو التكافؤ في المقدار لا يزيد ولا ينقص، بينما المماثلة لا تكون إلا في المتفقين بحيث نقول: فِقْهُهُ كفِقْهِهِ، ولونُهُ كلونه، وطعمه كطعمه. فإذا قيل: هو مثله - على الإطلاق - فمعناه أنه يسدُّ مسدَّه. وإذا قيل: هو مثله في كذا.. فمعناه أنه مساوٍ له في جهة دون جهة».
وفي الصحاح: ما يضرب به من الأمثال.
وإذا أَحَدٌ أطلق أو ضرب مثلاً، فيقال: تمثَّل فلان.
وإذا تمثَّل بالشيء فمعناه أنه ضَرَبَهُ مثلاً.
- وأما من حيث الاصطلاح: فقد عرَّف البلاغيون المثل بأنه «اللفظ المركَّب المستعمل في غير ما وضع له، لعلاقة المشابهة ما بين مضربه ومورده، مع قرينةٍ مانعةٍ من إرادة المعنى الأصليّ».
وهو أيضاً: «أحد أقسام علم البيان الاصطلاحيّ الهادف إلى تأدية المعنى بصورة أوضح وأتمّ، ولكن في تراكيب مختلفة».
ويستدلُّ من هذين التعريفين أنهم اعتبروا المثل: قولاً في شيء يشبه قولاً في شيء آخر بينهما مشابهة، ليبيّن أحدهما الآخر ويصوره، أي أن الْمَثَلَ هو عبارة عن تشابه المعاني المعقولة، والمِثْلُ هو عبارة عن تشابه المعاني أو الأشخاص أو الأشياء المحسوسة، وقد يدخل أحدهما على الآخر.
وقد جرى التمييز ما بين المثل وما يرمي إليه وبين بعض المعاني اللفظية التي قد تتداخل مع المثل، أو قد لا تمت إليه بصلة. ويظهر هذا التمييز بما يدل عليه كل من الألفاظ أو العبارات التالية:
- المِثال: ومعناه المقدار، وهو من الشبه. وبذلك فإن المثل ما جُعل مِثالاً، أي مقداراً لغيره يقاس عليه. والجمع: المُثُل والأمثلة، ومنه أمثلة الأفعال في باب التصريف.
والمثال أيضاً هو مقابلة شيء بشيءٍ نظيرِهِ، أو وضع شيء ما ليُحتذى به فيما يُفعل.
ولذلك يقال: تماثل العليل للشفاء أي قارب البرء، فصار أشبه بالصحيح من العليل المكروب.
- الأَمْثَل: وهو ما يعبّر به عن الأشبه «بالأفضل»، فالرجل من أماثل القوم أي من أفاضلهم، لأن أماثل القوم كناية عن خيارهم. قال الله تعالى: {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا *} [طه: 104].
وفي الحديث الشريف: «أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فالأَْمْثَل»[*]، أي الأشرَفُ فالأشرَفُ، والأفضَلُ فالأفضَلُ، والأَعلى فالأَعلى في الرُتبة والمنزلة.
وتأنيث الأمثل: المُثْلى، كما في قول الله تعالى: {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى *} [طه: 63].
1 - المُثْلَة، وجمعها مُثْلات ومَثُلات:
وهي النقمة التي تنزل بالإنسان وتجعله مثالاً يرتدع به غيره. أي أنها بمعنى العقوبة، كما في قول الله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ} [الرّعد: 6]. أي أن الكفار يستعجلونك - يا محمد - بالعذاب بدلاً من طلب المغفرة، وقد سبقت من قبلهم العقوبات التي أنزلناها على كثير من الأقوام السابقة فكيف لا يعتبرون بها؟! ومن الأقوام الذين استعجلوا عذاب الله - عزَّ وجلَّ - فحاق بهم الفناء، فصاروا أمثالاً، أو مُثْلاثٍ لمن جاء بعدهم: قوم نوح (عليه السّلام) الذين أُغرقوا بالطوفان، وقوم هود (عليه السّلام) الذين أهلكوا بريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ جعلتهم صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، وقوم لوط (عليه السّلام) الذين أخذتهم الصيحة مصبحين، فقُلبت بلادهم عاليها سافلها، ثم أُمطرت عليهم حجارةٌ من سجيل، فذاقوا العذاب الأليم.
وقد نقول: مُثِّل بالرجل، إذا نُكِّل به، أي قطِّعت أجزاءٌ من جسده، فصار مشوَّهاً. وقد نهى رسول الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) عن المُثْلة التي تؤدي إلى تشويه الممثَّل به، لأنها تحقير لخلق الإنسان، وإهدار لكرامته حياً أو ميتاً.
2 - التمثيل والتشبيه:
يقال: مثَّل الشيء أي صوَّره، ومثَّلتُ له هذا الشيء تمثيلاً إذا صوَّرتُ له مِثاله بكتابة أو غيرها. ومنه التمثال (وجمعه تماثيل) وهو الشيء المصنوع مشبَّهاً بخلقٍ معين.
وتمثَّل بمعنى تصوَّر، كما في قوله تعالى: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا *} [مَريَم: 17]. أي تصوَّر الملك جبريل أمام البتول مريم عليها السلام على هيئة بشريّ، على هيئة رجلٍ سويِّ الخلقة وحسنها.
وفي التمييز ما بين التمثيل والتشبيه نشير أولاً إلى أن المَثَل لا بد أن يكون جامعاً، شاملاً، ومتحصلاً بالتأويل، في حين أن التشبيه يكون عادةً بيِّناً، واضحاً لا يحتاج إلى تأويل، أو قد يحتاج إلى تفسيرٍ بسيط.
وعلى هذا فإن التشبيه يحصل في جملتين أو أكثر. وكلما أوغل التشبيه في أن يكون عقلياً، كانت الحاجة أكثر إلى الجمل الموضَّحة كما يظهر في قول الله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ *} [يُونس: 24].
فانظر كيف كثرت الجمل في هذه الآية المباركة حتى بلغت عشراً، ولكنها تداخلت في بعضها كأنها جملة واحدة، وقد أخذ التشبيه بمجموعها بحيث لو أردنا أنْ نفصل بعضها عن بعض، أو لو حاولنا حذف جملةٍ من موضعها، لأخلَّ ذلك بالمغزى من التشبيه.
من هنا كان القول بأنَّ التشبيه عام والتمثيل أخص منه، بمعنى أنَّ كل تمثيل يكون تشبيهاً، وليس كل تشبيهٍ تمثيلاً. ويظهر ذلك جلياً في التأليف من أجل إظهار المعاني المقصودة. ذلك لأنَّ الألفاظ - كما هو معلوم - لا تفيد حتى تكون على ضرب خاص من التأليف، وعلى وجهٍ دون آخر من التركيب والترتيب، سواء في الشعر أم في النثر. فلو عمدنا مثلاً إلى هذا البيت الذي قاله زهير بن أبي سلمى:
وعينُكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً
فَصُنْها وقُلْ يا عينُ للناسِ أَعيُنُ
وحاولنا أنْ نبعثر كلماته كيفما اتفق، أو حتى لو قلبنا تركيبه بحيث وضعنا الصدر محل العجز، لأبطلنا نظامه الذي بُني عليه، وأفرغناه من معناه الذي جرى عليه، وضاعت نسبته إلى صاحبه.
ويقرب من هذا تعريف «الشعر» عند البعض بأنه «الكلام المقفَّى الموزون» دون أن يأخذوا بالاعتبار: الخيال، والتعبير عن المشاعر، وقصد التأثير وما إلى ذلك مما يؤلف الشعر وروحه وسبب وجوده.
وكذلك الأمر في تعريف «الصلاة» على أنها عبارة «عن أقوال وحركات معينة» بحيث اعتبرت في الشكل، بينما جوهرها هو خشوع القلب، وطلب التقوى، ونيل رضى المولى عزَّ وجلَّ.
لذلك لا يجوز الاكتفاء بالصورة الظاهرة دون المعاني المقصودة، وإلا نخشى ضياع اللغة، بل وضياع المفاهيم الحقيقية للدين. فالمقصود من التشبيه أن يجعلك تتخيل صوراً متنوعة، ولكن لتأدية معانٍ متنوعة.
ومثال آخر على التشبيه المتعدد في قول أحدهم:
وكأنَّ أَجرامَ النجومِ لوامِعاً
دُررٌ نُثِرْنَ على بساطٍ أزرقِ
فالشاعر، هنا، يشبه النجوم في تلألئها وانتشارها في السماء الزرقاء بالدُّرر التي نثرت على بساط أزرق، ولا شك بأن حقيقة النجوم والسماء أبعدُ ما تكون عن الدرر والبساط، ولكنْ تأخذنا الدهشة لِمَا في هذا القول الجميل من صور متنوعة تشبع الذهن، وتستنطق القلب تسبيحاً بذكر الله تعالى الذي فرّق النجوم اللوامع في مواضعها، وزيّن السماء الزرقاء، فوقَنا، بضيائها.. فمن أين لنا بمثل هذه الصور لو أننا خرقنا هذا التشبيه المتعدد، وأزلنا عنه الجمع والتركيب؟
3 - التمثيل والاستعارة:
وهنا يمكن أن نتساءل: هل إن الاستعارة هي التمثيل على الإطلاق، بحيث لا نستطيع أن نفرق بينهما، أم أن حدود التمثيل هي غير حدود الاستعارة ولكنها تتضمَّنه وتتصل به؟
والجواب هو أنه إذا كان كل تمثيل تشبيهاً، فإِن الاستعارة يجب أن تفيد حكماً زائداً على المراد بالتمثيل. كما لو قلت: رأيت أسداً يسبح في البحر، بحيث تستعير تشبيه الأسد لهذا الرجل يسبح في البحر، لما أعجبكَ من قوته وشجاعته في مصارعة الأمواج، وهذا يفيد أن التشبيه ليس هو الاستعارة، ولكن الاستعارة كانت من أجل التشبيه.
ومع الإشارة إلى أنه ليس كل كلام يجيء فيه التشبيه الصريح بذكر الكاف - كاف التشبيه - أو نحوها، يستقيم فيه نقل الكلام إلى طريقة الاستعارة، وإسقاط ذكر المشبَّه جملة، والاقتصار على المشبّه به، ومن قبيل ذلك: قول رسول الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم): «مَثَلُ المؤمنِ كَمَثَلِ النخلة أو الخامة»[*]، (والخامة: الغضة الرطبة من النبات).
أو قول الطرماح[*]: «إنما نحن مثل خامة زرع، متى يأنِ يأتِ حصاده».
فلا يستطيع أحد أن يتعاطى الاستعارة في شيء منها.
وأما قول الله تعالى: {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} [سَبَإ: 19] فيعد استعارة، لأن التمزيق في اللغة يعني تفريق الأجزاء المتلاصقة عن بعضها البعض كـتمزيق الثوب إلى قطع متناثرة. وكذلك قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا} [الأعرَاف: 168] فيعد استعارة ويفيد نفس المعنى من حيث التفرقة والتشتت (وهو حكم رب العالمين على بني إسرائيل إذ قضى بتمزيق وحدتهم إلى فرق أو جماعات تتوزع بين أمم أهل الأرض، بحيث يكون منهم ناس صالحون، وناس كافرون، وآخرون فاسقون أو مفسدون)..
وكذلك يستعمل القرآن الكريم لفظتي «النور» و«الظلمة» بمعنى الاستعارة. فهو يستعير لفظة النور للبيان والحجة قاصداً بذلك الأخذ من محسوس إلى معقول، باعتبار أن النور هو من الأشياء المحسوسة التي يشاهدها البصر، بينما البيان والحجة من صنع العقل لإثبات حقيقة معينة أو أمر معين. وقد يستعير القرآن لفظة «النور» ليدل به على الإيمان، أو على العلم، أو على الهداية وما إلى ذلك من معاني الخير والصلاح. ومثلها عندما يستعير القرآن الكريم لفظة «الظلمة» ليدل بها على الجهل، أو الكفر، أو الضلال، وما إلى ذلك من معاني الشر والفساد.
ووجه التشبيه في استعارة لفظتي النور والظلام:
أنَّ من عَلِمَ حقيقةَ وجود الله تعالى، وامتلأ قلبُهُ بالإيمان فهو يسير على هدى من ربه كـمن يسير في طريق يشع عليه النور. أما من أعماه الجهل، وطغى عليه الكفر فهو كـمن يتخبط في ظلام دامسٍ ويسير على غير هدى أو طريق منير، فيكون مصيره التردي في الهاوية والهلاك.
ومع الإشارة أيضاً إلى أنه لا يشترط في المثل أن يكون من نوع الشيء المقصود به، بل قد يكون مختلفاً تماماً عن هذا الشيء، إلا أنه استعمل ليعطي الفكرة عنه وفقاً لما أُريد بها. فمثلاً عندما تواجه شخصاً يتحداك، مزهواً بقوته وشدة بأسه، ويشبِّهُ حالَهُ بالريح، فإنك تحاول أن تَجْبَهَ تحديَهُ، فتقول له: إن كنت أنت الريح فأنا الإعصار.
وأياً تكن المناسبة التي جرى فيها هذا التحدي، فإنه في الواقع لا يوجد ريحٌ، ولا يوجد إعصار - أي ليس لدى إنسان قوةُ الريح، أو آخر قوَة الإعصار (الريح العاتية) - حتى يكون التشبيه مماثلاً ومطابقاً، ولكنه جرى استخدام الفكرة التي تبين حقيقة ثابتة ألا وهي أن الإعصار أقوى من الريح، وأن كل قوة لا بدَّ وأن يكون هنالك قوة أكبر منها. فكان التشبيه لتقريب المعنى المقصود، وجعل السامع يفهم ما أردت من هذا التشبيه. وهكذا الحال بالنسبة لسائر الأمثال، إذ ليس من الضروري أن يُشبَّه فيها الشيءُ بالشيء عينه، ولكنها تُضرب لإعطاء المعاني المرادة منها، وتقريبها إلى العقول والأذهان، بما يعبّر عن فكرة صاحب المثل أو مَن استعمله. من جراء ذلك كان للأمثال مكانة هامة في الكلام، بما لها من وقع غريب في الآذان، وتأثير عجيب في القلوب والأنفس.
يقول إبراهيم النظام: «يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية. فهو نهاية البلاغة».
وقال العلامة أبو السعود في تفسيره للمثل: «والتمثيل ألطف ذريعة إلى تسخير الوهم للعقل، واستنزاله من مقام الاستقصاء عليه، وأقوى وسيلة إلى تفهيم الجاهل الغبيّ، وقمع سورة الجامح الأبيّ. كيف لا، وهو رفع الحجاب عن وجوه المنقولات الخفية، وإبرازٌ لها في معرض المحسوسات الجلية، وإبداء للمنكر في صورة المعروف، وإظهار للوحشيّ في هيئة المألوف»[*].
الفقرة الثالثة - معاني المثل
يمكن أن يتخذ المثل المعانيَ التالية:
1 - معنى الصفة: كما في قوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} [الرّعد: 35]، أي صفة الجنة التي وعد بها المتقون.
أو في قوله تعالى: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ} [الفَتْح: 29]، أي صفاتهم.
2 - معنى العبرة: ومنه قول الله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ *} [الزّخرُف: 56]. فمعنى «سلفاً» أنه جعلهم متقدِّمين يتّعظ بهم الخلف، ومعنى «مَثَلاً» أي عبرةً يعتبر بها غيرهم من بعدهم.
3 - وقد يأتي المثل ذكراً لحال من الأحوال مشتملاً على ما يناسبها ليبيِّن ما كان خفيّاً من حسنها أو قبحها، فيكون قولاً بديعاً فيه غرابة، تجعله خليقاً بالقبول، ولذا قالوا: «استُعير لفظُ المثل لكل حالٍ، أو صفةٍ، أو قصةٍ، لها شأن عجيب، وخطر غريب، من غير أن يلاحَظ بينها وبين شيءٍ آخر شبه». ومنها قول الله تعالى: {لِلَّذِينَ لاَ يؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} [النّحل: 60]، أي للذين لا يؤمنون بالآخرة الصفات الذميمة، ولله - عزَّ وجلَّ - الصفات العُلى، ذات الشأن العظيم والخطر الجليل؛ فتعالى الله عمَّا يصفون علواً كبيراً.
4 - معنى الحكمة، وقد سُمِّي المثلُ حكمةً لانتصاب صورها في الأذهان باعتبار أنها مشتقة من المثول والانتصاب. وفي ذلك يقول أبو هلال العسكريّ، صاحب كتاب (جمهرة الأمثال): «إن كل حكمة سائرة تسمَّى مثلاً. والكلمة إذا شاعت وانتشرت وكثُر دورانها على الألسن تكون مثلاً. أما إذا كانت صائبة وصادرة عن تجربة، ولم تدُر على الألسن، فتسمَّى حكمة». وهذا يعني أنه إذا أُريد بالمثل عبرة فقد يصح أن يكون حكمة، لأن من تعاريف الحكمة[*] أنها: «الكلام النافع، المانع من الجهل والسفه، والناهي عنهما».
5 - وقد يحتوي المثل على قصة، فيطلق عليها اسم «القصة التمثيلية»، وهي تحمل في الغالب صورةً فرضية، وأحياناً تكون حقيقةً تاريخية سيقت لمجرد التصوير وإبراز المنقول في صورة المحسوس. يقول الله تعالى عن جبريل (عليه السّلام) في سورة مريم (عليها السّلام): {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا *} [مَريَم: 17-18]
الفقرة الرابعة - أنواع المثل
يمكن تقسيم المثل، بصورة عامة، إلى ثلاثة أنواع:
1 - المثل السائر: وهو ما ينبثق عن تجربة شعبية بلا تكلّف أو تصنّع، بحيث يمليه الواقع في الحياة، فيستعمله كل من يمرّ بنفس التجربة تعبيراً عن موقفه في مناسبة معينة، أو إبرازاً لفكرة أو شعور يتملكانه. ولا يقتصر ضرب المثل السائر على التجربة الشعبية، بل قد يأتي به أهل العلم والمعرفة كما في قول رسول الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم): «إنَّ مِنَ البيانِ لَسِحْراً» [*]. أو كما في قول أحدهم: «رُبَّ أخٍ لك لم تلدْه أُمُّك».
2 - المثل القياسيّ: وهو سرد وصفيّ أو قصصيّ، أو صورة بيانية لتوضيح فكرة معينة عن طريق التشبيه والتمثيل، ويسميه البلاغيون: التمثيل المركَّب، أو التشبيه المتعدِّد.
ويكون هذا النوع من أجل تشبيهِ شيءٍ بشيءٍ آخر لتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوسَيْن من الآخر. أو قد يكون من أجل التأديب والتهذيب، أو للتوضيح والتصوير بحيث يكون فيه إطناب، ويجمع ما بين عمق الفكرة وجمال التصوير، ومن قبيل هذا المثل القياسيّ ما قاله ابن حازم في وصف النرجس، على هذا النحو من التصوير الرائع:
ونرجسٍ كـكؤوس التِّبر لائحةٌ
لهنَّ من خالص العِقْيان[*] أحداقُ
أو من قبيل القول القرآنيّ: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرْتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ *} [النّحل: 112].
فقد ذكر الله تعالى هذه القرية في حالتين: إيمانها، وكفرها.. وهو مثل يصلح لكل قرية، ويقاس على كل مدينة تكون حالُها حالَها. فهي عندما كانت تأتمر بأوامر الله - تعالى - كانت آمنة مطمئنة، يغدق سبحانه عليها كثيراً من رزقه الكريم. فلما تولَّت عن أوامر ربها، وكفرت بما أغناها بالأمس من النعم، أتاها عذاب الله وسخطه، ونزل فيها الجوع والخوف والنقمة، وكل ذلك نتيجة لكفرها بـالله - عزَّ وجلَّ - وجحودها بأنعمه. وهو المثل أيضاً الذي ضربه القرآن الكريم للكافرين من أهل مكة، لما بين قريتهم وتلك القرى من التشابه في الكفر والعناد.
3 - المثل الخرافيّ: وهو ما تنسب فيه أفعال البشر إلى الحيوان أو الطير أو الكائن الخارق. ويكون هدفه تعليمياً أو عظةً أو تحذيراً، وما شابه.. ولذلك يأتي على شكل قصص خيالية أو فرضيات، أو على شكل خرافات وأوهام، كما هو الحال مثلاً في كتاب «كليلة ودمنة» الذي وضعه ابن المقفع اقتباساً عن كتاب بيدبا (الفليسوف الهندي)، أو غيره من المؤلفات التي استبدلت أشخاصها الآدميين بمخلوقات أخرى، ولكنَّها كانت تمثَّل بهذه المخلوقات للتدليل على ما قد يصادف الإنسان في حياته من قضايا وأحداث تهمه، ويعتقد أنها مؤثرة على وجوده.
الفقرة الخامسة - فوائد المثل[*]
للمثل فوائد عديدة وجمّة بما يعبَّر به عن المعاني، ونقل الصور، حتى يتحقق الغرض المقصود.
وقد أبرز الشيخ عبد القاهر الجرجاني في كتابه «أسرار البلاغة» صوراً لفوائد المثل، فقال: «واعلم أن ما اتَّفق العقلاء عليه، هو أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أُبَّهةً، ورفع من أقدارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها»...
ويتناول الجرجاني المثل من حيث كونه: مدحاً، أو ذماً، أو حجاجاً أو افتخاراً، أو اعتذاراً أو وعظاً وفقاً لما يلي:
- «فإن كان مدحاً: كان أبهى وأفخم، وأنبل في النفوس، وأسرع للإِلف، وأغلب على الممتدَح، وأوجب شفاعةً للمادح». ومثاله في القرآن الكريم، وصفُ الرسول (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) وصحابتهِ الكرام، بقوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا *} [الفَتْح: 29].
- «وإن كان ذمّاً، كان مسُّه أَوجع، وميسمه أَلْذع، ووقعه أشدّ، وحدُّه أحدَّ». ومثله في القرآن الكريم حالُ الذي ينسلخ عن آيات الله ويكفر بها، قوله تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ *} [الأعرَاف: 176]. بل وأوجع من هذا الذم ما أحاط به الله الكافرين من مظاهر الذل، بقوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ *إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ *وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ *} [يس: 7-9].
ومن قبيل هذا التمثيل في الذم قول أحدهم:
ولو لبِسَ الحمارُ ثيابَ خَزٍّ
لَقالَ الناسُ يا لَكَ مِن حِمارِ
- «وإن كان حجاجاً: كان برهانه أَنور، وسلطانه أَقهر، وبيانه أَبهر».
ومثله في القرآن الكريم قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *} [البَقَرَة: 258].
وهذا النوع من الحجاج أو النقاش يكون في حالتَين: المدح، والذم.. فهو هنا مدحٌ بحقِ إِبراهيم (عليه السّلام)، وذمٌّ للنمرود، ذلك الملك الظالم الكافر الذي ادَّعى بأنه يحيي ويميت...
وتجد هذا النوعَ أيضاً في قول أبي العتاهية:
ترجو النجاةَ ولم تَسْلُكْ مسالِكَها
إنَّ السفينةَ لا تَجري على اليَبَسِ
وفي قول شاعرٍ آخر:
ونارٍ لو نفختَ بها أضاءَتْ
ولكنْ أنتَ تنفخُ في رَمادِ
- «وإن كان افتخاراً كان شأوُه أَبعد، وشرفُه أَجدّ، ولسانه أندّ».
وفي ذلك قول عبد المطلب جد رسول الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم):
لا يَنزِلُ المجدُ إِلاَّ في منازِلِنا
كـالنومِ ليسَ لَهُ مأوىً سِوَى المُقَلِ
ومن حيث الإفتخار، فإنَّ ما يجيء في القرآن الكريم من بيان عظمة الله تعالى وكماله، فلا يسمَّى افتخاراً، بل اقتداراً..
ومثالُه قول الله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ *} [الزُّمَر: 67]. وقوله تعالى: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ *} [الحَجّ: 74].
- «وإن كان اعتِذاراً: كان إلى القبول أقربَ، وللقلوب أخلَبَ[*]، وللسخائم[*] أسلَّ[*]». وليس في القرآن الكريم من اعتذارٍ، إلا ما حُكِي عن أصحاب المعاذير الكاذبة ليكون اعتذارهم حجةً عليهم، أي هو اعتذار في الظاهر واحتجاج في المعنى، كما يستدلُّ عليه من قول الله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فُصّلَت: 5].
وقد قال شاعرٌ في الاعتذار:
لا تَحْسَبُوا الرَّقْصَ منّي بينَكُمْ طَرَباً
فالطَّيرُ يَرقُصُ مَذْبوحاً مِنَ الألَمِ
- «وإن كان وعظاً، كان أشفى للصدر، وأدعى إلى الفكر، وأبلغَ في التنبيه والزجر».
ومثله في القرآن الكريم قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *} [البَقَرَة: 258] فالكفَّارُ هنا بمعنى الزُرَّاع، لأنهم يكفرون الحب، أي يسترونه بالتراب.
وقوله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ *} [الحَشر: 21].
الفقرة السادسة - خصائص وفنِّية الأمثال في القرآن الكريم
أشرنا من قبل بأنَّ تاريخ العرب الثقافيّ قد حفل بالأمثال المتنوعة، فكان منها ما ارتبط بأحداث تاريخية، أو ما عبّر عن أوضاع مجتمعية، أو ما صوَّر أحداثاً خيالية أو فرضية، وكانت جميعها تتوخى أهدافاً معينة تريد إيصالها إلى الناس.
ولكثرة ما شابَ تاريخ الثقافات عند العرب من اضطراب وتشويش فقد جعل تلك الأمثال التي وصلت إلينا مختلطة من الجاهليّ والإسلاميّ، لأنَّ ما كان محفوظاً منها في مصنفات جامعة، ومميزة لكل عصر على حدة، إما أنّه ضاع في طيات الزمن، وإما أنه صار أشتاتاً متفرقة، فلم يبقَ سليماً على حقيقته، وعلى شكله ورونقه، إلا ما تنزَّل به القرآن الكريم، أو ما دلَّ عليه الحديث الشريف بالإجماع..
والأمثال في القرآن الكريم قد جاءت هي الأخرى كثيرة ومتنوعة - ربما جرياً على لغة العرب، باعتبار أن القرآن عربيّ - أو الأصح للحكمة التي أرادها الله تعالى من هذه الأمثال في كتابه المبين. على أنَّ ميزة الأمثال في القرآن المجيد أنها عصيّة على فهم وإدراك مقاصدها إلاَّ لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد.. فهو المؤمن الذي تضعه هذه الأمثال في حياة الأقدمين، ولكنه قديمهم المتجدد دوماً مع تجدد أنماط العيش ومظاهر الحياة الإنسانية، ومن ثَمَّ لتحمله إلى عالم فريد من الحكمة والموعظة، والدليل الحسيّ والبرهان العقليّ على ما أراده الله تعالى مثلاً..
فأنت أيها القارئ العزيز تتخطى مع الأمثال في القرآن الكريم حدود الزمان والمكان حين ترى كل شيء في الإنسان: في خلقه وتكوينه، وفي نفسه وذاته، وفي علمه وجهله، وفي إيمانه وكفره.. وحين ترى كل شيء للإنسان: حيث سخَّر له ربُّهُ تعالى ما في الأرض جميعاً، وما يرتبط به عالمُهُ الأرضيُّ مع الكون، ولاسيما تلك الكواكب والنجوم التي تؤثر مباشرةً على الكرة الأرضية، التي جعلها خالقه الكريم صالحة للحياة البشرية من خلال تناسقها مع النظام الكونيّ الشامل.. وأخيراً حين ترى الإنسان في كل شيء: في تجربته الأولى مع أبينا آدم (عليه السّلام)، وكيف أزله الشيطانُ وزوجَهُ عن الجنة التي كانا فيها، وأخرجهما مما كانا فيه لتعيش ذريته مختلف المراحل الزمنية التي تمرُّ عليها في وجودها الأرضيّ.. ثم ترى هذا الإنسان في صراعه الدائم ما بين الخير والشر، والحق والباطل، والحسن والقبيح.. وكذلك حين تراه في تقدمه الماديّ، ونضوجه الفكريّ مثلما تراه في تقهقره الخلقيّ، ومجافاته لتكوينه الفطريّ.
ونظراً لهذه الأهمية البالغة للأمثال في القرآن الكريم فإننا سوف نتناول في هذا البحث خصائص هذه الأمثال (أولاً)، وفنّية مبناها (ثانياً)، والأهداف التي تتوخاها (ثالثاً).
أولاً: خصائص الأمثال في القرآن الكريم
للأمثال في كتاب الله المبين خصائص عديدة، ولكن أبرزها التالية:
1 - الخصيصة الأولى: المثل القرآنيّ قد يكون حقيقياً، وقد يكون فرضياً:
- ففي حال كون المثل حقيقياً، أويعبر عن حقيقة فإنه يطلق على ذات الشيء كما في قول الله تعالى: {مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ} [الأنعَام: 122]، أي كـمن هو في الظلمات، أو في قوله تعالى: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ *} [محَمَّد: 3]، أي مثل ذلك التبيين، يبيّن لهم أحوالهم، من حيث إن الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله أضلَّ أعمالهم، ومن حيث إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وآمنوا بما نُزِّل على محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) وهو الحق من ربهم، كفَّر عنهم سيئاتهم، وأصلح بالهم. أو في قوله تعالى: [{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} [آل عِمرَان: 59]، أي كما أن الله - سبحانه وتعالى - خلق آدم من تراب ومن دون أم وأب، ثم نفخ فيه من روحه فكان بشراً سوياً، كذلك خلق عيسى من غير أب، من أمه مريم (عليها السّلام)، عندما بعثَ إليها جبريل فنفخ فيها فحملت بإذن الله.. فهذا المثل الذي يدل على خلق آدم وعيسى (عليهما السّلام)، قد ضربَهُ رب العالمين للناس ليثبت لهم أنه على كل شيء قدير، وأنَّ أمرَهُ إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن، فيكون. فآدم هو حقيقة ثابتة في حياة البشر جميعاً، بل هو أبو البشر جميعاً، وكذلك عيسى هو حقيقة لا جدال فيها، وقد كان خلقهما خروجاً على النظام المألوف لدى الناس، أي على النظام الذي يقوم على اجتماع الزوجين الذكر والأنثى، بما أودع الخالق فيهما من العناصر التي تؤدي إلى إنشاء المخلوق البشريّ؛ كما كان خلقهما خروجاً على السّنن التي خلق الله - عزَّ وجلَّ - بموجبها السماوات والأرض، وجعلها سنناً ثابتة، لا يطرأ عليها أي تحويل أو تبديل. وبذلك يكون هذا المثل القرآنيّ قد قرّب إلى أذهاننا فكرة الخالق، وقدرته على الخلق من صميم واقع حياتنا البشرية.
- أما في حال كون المثل القرآنيّ فرضياً، فإنه يأتي على صورة التشبيه، كما في قول الله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجُمُعَة: 5].
أما الأسفار فهي الكتب القيمة والنادرة، والتوراة هي سِفْرٌ، لأنَّ فيها صحف موسى (عليه السّلام)، التي أنزلها الله تعالى عليه لتكون شرعة ومنهاجاً لبني إسرائيل؛ وقد أمرهم ربهم بحمل تكاليفها والعمل بما فيها. بل وأوجب عليهم أنْ يأخذوا ما آتاهم بقوة، وألاَّ يفرّطوا بشيء منه.. إلا أنهم تركوا أحكامها وراء ظهورهم، وحملوها في الظاهر، يأخذون ببعضها ويتركون بعضها الآخر، مما أدى بهم إلى عدم الانتفاع بها، فصار مثلهم كمثل الحمار الذي يحمل على ظهره الكتب القيمة دون أن يعرف ماذا يحمل، ودون أن ينتفع بما يحمل. ولذلك عقَّب القرآن الكريم على هذا المثل بقوله تعالى: {بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *} [الجُمُعَة: 5]. فبئس المثلُ مثلُ أولئك اليهود الذين كفروا بآيات الله تعالى التي أنزلت في التوراة، وجحدوا من ثم بآيات الله التي أنزلت في الإنجيل والقرآن، وهو بعينه الظلم لأنفسهم، فحق عليهم ألا يهديهم الله - عزَّ وجلَّ - لأنَّ الله لا يهدي القوم الظالمين، ولا الكافرين ولا المكذبين أو المنافقين... فهذا المثل قد حمل صورة تشبيهية من الواقع المحسوس لمعانٍ عقلية، وهو النوع من المثل الذي قيل عنه: «وأبلغه تمثيل المعاني المعقولة بالصورة الحسية وعكسه». وقد بيّنا كيف أن المثل عندما يكون غير حقيقيّ يأتي على صورة الاستعارة. وأوردنا صوراً عن التمثيل في القرآن الكريم من خلال الآيات الكريمة التي أتبعناها بفوائد المثل لإبراز هذه الفوائد في موضعها من هذا الفصل.
2 - الخصيصة الثانية: من مضامين المثل القرآنيّ: القياس التمثيليّ.
ولعل هذه الخصيصة من أهم خصائص الأمثال في القرآن الكريم التي تحتوي على القياس التمثيليّ كما في قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ *} [الحُجرَات: 12].
فمن حيث المبنى نجد أن هذه الآية الكريمة هي من أحسن وأظهر القياس التمثيليّ، لأنها تُشبِّه النيلَ من عرض الإنسان المغتاب، أو من شرفه وكرامته، بالتمزيق في لحمه وأكله. والبلاغة الفريدة فيها أنه لما كان الميت لا يسمع من يغتابه، فقد شبِّه به الحيُّ الذي يغتابُه غيُرهُ من حيث أنه لا يسمع ما يُقالُ عنه، وغيابه يحول دون دفاعه عن نفسه، وردِّ الأذى أو السوء الذي يحمل النيلَ منه!. فهو في هذه الحالة بمنزلة الميت الذي يقطّع لحمه، ولا مجال له ليدفع عنه هذا البلاء.. ولما كان من مقتضى الدخول في الإسلام أن يصبح المسلمون إخوةً في الدين، فإنَّ من معاني هذه الأخوة: التراحم، والتواصل، والتناصر، والحفاظ على الذمم والأعراض والأنفس. ونقيضُ هذه المعاني كلها أن يسيء المسلم إلى أخيه المسلم، أياً كان نوع الإساءة، كما في حال اغتيابه، وذلك بإظهار عيوبه، أو ذمّه بما ليس فيه، فكأنَّ المسلم الذي يغتاب مسلماً إنما يقطع لحم أخ له تقطيعاً ويأكله، وهو أكره شيء يمكن أنْ يتصوره الإنسان المؤمن، أو الإنسان الذي يشعر بإنسانيته.
وأما من حيث المعنى فإن هذا المثل يبيّن لنا إحدى أبرز المساوئ والمفاسد التي يتعرض لها الناس في حياتهم. إنها الغيبة، وما أدراك ما الغيبة؟! إنها الداء الوبيل، والرذيلة القاتلة التي يتعمَّد فيها أحدهم أن يسيء لغيره، بإظهار بعض العيوب التي يعرفها فيه، أو ربما باختلاق عيوب له، لا تكون موجودة فيه حقيقةً، وذلك لينال منه في الصميم أمام الآخرين.
هذه هي الغيبة، الرذيلة والفاحشة المؤذية التي قد تشيع في أوساط الناس، حتى تصبح بمثابة العادة لدى بعضهم، فلا يهنأ له عيش، ولا يقدر أنْ ينام على وسادته، ما لم يكن قد ملأ نهاره باغتياب الآخرين. والغريب أنَّ الذي يغتاب، ينسى أو يتناسى بأنَّ الله تعالى قد نهى عن الغيبة لأنها توقع في الإثم، فكان هذا القياس التمثيليّ لها في القرآن المبين عندما يشبه المغتاب بمن يأكل لحم أخيه الميت.
والرسول الأكرم محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، وتبياناً للتنزيل الحكيم، قد نهى أيضاً عن الغيبة، فعن جابر قال: «قال رسول الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم): إِيّاكم والغَيْبَةَ، فإنَّ الْغيبةَ أشدُّ مِنَ الزِّنَى، ثم قال: إنَّ الرجلَ يَزْني ثم يتوبُ فيتوبُ اللّهُ عليه، وإنَّ صاحبَ الغيبةِ لا يُغْفَرُ له حتى يَغفِرَ له صاحبُهُ»[*].
ولما سأل رسولُ الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) الناسَ: أَيُحِبُّ أحدُكُم أنْ يأكُلَ لحمَ أخيه ميتاً؟ قالوا: لا، فكان الجواب: فكرهتموه!.. أي فكما كرهتم أكل لحمه ميتاً، فاكرهوا غيبته حياً. ولذلك يقال للذي يغتاب الآخرين: فلان يأكل لحوم الناس.
وكما أنَّ العقل، والفطرة والحكمة توجب جميعها النفرة من هذا الشيء المحسوس الذي هو أكل لحم الأخ ميتاً، فكذلك هي توجب النفرة مما هو نظيره وشبيهه أي الغيبة، حتى أنَّ الشاعر عندما استوعب فهم هذا المعنى من حيث التشبيه والتمثيل، قال:
وليسَ الذِئبُ يأكُلُ لحمَ ذِئْبٍ
ويَأكُلُ بعضُنا بَعْضاً غِياباً
وقال آخر:
فإنْ أَكَلُوا لَحْمِي وَفَرْتُ لُحُومَهُمُ
وإنْ هَدَمُوا مَجْدي بَنَيْتُ لَهُمْ مَجْدا
3 - الخصيصة الثالثة: المثل القرآنيّ ذو وجهين: ظاهر وكامن.
- فالمثل الظاهر هو المصرَّح به، كما في قول الله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اُسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ *} [البَقَرَة: 17].
فهو مثل المنافقين الذين تظاهروا بالإسلام حتى يأمنوا على أنفسهم، وينالوا المكاسب والعزة، فلما ماتوا - وهم على نفاقهم - نزل بهم الخوف والعذاب فمثلهم كمثل الذي استوقد ناراً في ظلمة، فلما أنارت ما حوله، واستدفأ وأمن مما يخافه، انطفأت النار وخيَّم عليه الظلام من جديد، فانتابته المشاعر القاتلة، ووقف في مكانه لا يهتدي إلى الطريق الذي يقوده إلى الأمان.
- والمثل الكامن هو الذي لا يظهر فيه المثل، كما في قول الله تعالى: {لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البَقَرَة: 68]. فالنص وإن كان يحكي عن الأوصاف التي طلبها بنو إسرائيل في البقرة التي أُمروا بذبحها، وبيَّنها لهم ربُّ العالمين على لسان موسى (عليه السّلام) أي أنها بقرة ليست مسنّةً ولا صغيرةً، بل هي بين ذلك، أي نصف في سنِّها.. إلاَّ أنَّ هذا الوصف القرآني للبقرة يشير إلى مثل كامنٍ فيه، وكانت العرب وغيرهم يعرفونه، وهو قولهم: «خير الأمور أوساطها».
وكذلك الأمر في قول الله تعالى: {وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا *} [نُوح: 27]، وهو من دعاء[*] نوح (عليه السّلام) إلى ربه تعالى بألاَّ يذر على الأرض نازلَ دار من الفجّار الكفّار، الذين إن تُركوا فإنهم يضلون عباد الله، ولا يلدونَ إلا أمثالهم ممن يفجرون ويكفرون.. وهو ما يشير إلى المثل القائل: «الحية لا تلد إلا حية».
والمثل الكامن نجده كذلك في قول الله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} [يُونس: 39]. ويدل عليه قولُهُم في هذا المثل: «الإنسان عدو لما جهل».
4 - الخصيصة الرابعة: ومن روعة الأمثال في القرآن الكريم أن بعض أجزاء آياته قد جرت مجرى المثل الذي يعرف بـالمثل السائر، كما في قول الله تعالى: {الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} [يُوسُف: 51] أي ظهر وبان، ويمكن أنْ يضرب في كل وقت يظهر فيه الحق الصراح.
ومنه أيضاً قوله تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ *} [المؤمنون: 53]. أي أن كل جماعة تكون - عادةً - معتدَّةً برأيها ومسرورة به. وهذا القول يدل على الأضداد والمتعارضين في الرأي. فكل جماعة قد تظن أنها وحدها على صواب، وغيرها على خطأ.. وهو ما يمكن أن يصور حالة الناس بالأمس، وحالهم اليوم، وفي أي مجتمع من المجتمعات حيث توجد الأحزاب، أو الهيئات أو الجماعات وتكون على خلافٍ في وجهات النظر. فالحزب سياسياً كان أو غير سياسيّ يعتقد أن مبدأه هو الصحيح، وأنه هو الذي يجب أن يهيمن على المبادئ الأخرى التي تنادي بها سائر الأحزاب من دونه.
ومنه أيضاً قول الله تعالى: {قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ *} [يُوسُف: 41]، بحيث يضرب به المثل عند البت بأي نزاع بصورة نهائية ومحكمة، فلا يعود من مجال للتنازع والاختلاف طالما أنَّ الأمر قد قضي وانتهى، أرضيَ المتنازعون أم لم يرضوا.
5 - الخصيصة الخامسة: أمثال القرآن الكريم مطلقة.
وهذا يعني أنَّ الأمثال في القرآن الكريم تتناول الأمور بصورة كليّة وشمولية، دون أنْ تأخذ كل أمر على حدة وبصورة إفرادية.
يقول الله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا *} [الكهف: 45] فقوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 45] هو تعبير عن الحياة الدنيا كلها، دون ذكر تفاصيلها وأجزائها. فقد شبه هذه الدنيا بالنبات الذي ارتوى بالمطر فأينع وحسن، ثم صار هشيماً يابساً، فهبت عليه الرياح وفرقته أجزاءً صغيرةً متناثرةً لا نعثر لها على أثر. أَوَليس هذا واقع النبات بصورة مطلقة، مثل ما هو واقع حياة كل كائن حيّ عندما يصير في أوج القوة والعزة، ثم تعيده السنوات التي يعيشها إلى الوهن والضعف، ليأتيَ عليه الموت، أو الفناء فيتلاشى جسده إلى ذراتٍ..
والأمر كذلك بالنسبة لكل ما تتناوله أمثال القرآن. فالله - سبحانه وتعالى - يضربُ مثلاً لحالة بحالةٍ، دون تفصيل كل حالة على حدة. وهذا ما يضفي على المثل القرآنيّ صفة الإطلاق، لأن معانيه ومدلولاته لا تنحصر بالحالة التي يتناولها نص هذا المثل، بل تتسع لتشمل جميع الحالات المماثلة لها في أي زمان ومكان وجدت فيه هذه الحالات. وحتى الأقوام، أو الأشخاص الذين يذكرهم القرآن، ويصف طرق تفكيرهم وتصرفاتهم ليسوا إلا نماذج لأقوام وأشخاص على شاكلتهم ومثالهم في هذه الحياة الدنيا.. فلو أخذنا نموذجاً للمغرور، صاحب الغنى والجاه، نجده في «قارون» الذي كان يدّعي أنَّ كل ما بلغه مجدٍ، وجاهٍ وثروة إنما كان من عنده، أي حصل بعلمه وقدرته وحذاقته، كما كان يقول للناس، وهو ما يبيّنه - على لسان قارون - قول العزيز الحكيم: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القَصَص: 78]، في حين أنه في الحقيقة ليس هناك من شيء يتمتع به الإنسان من الصحة أو الخلقة أو القوة، أو يبلغه من العلم والنفوذ والسلطان، أو يمتلكه من المال والغنى والثروة إلا وهو من نعمة الله - تبارك وتعالى - عليه، لقوله الكريم: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النّحل: 53].
وعلى شاكلة «قارون»، كان سيده «فرعون» الذي بلغ من الجبروت والطغيان ما جعله يدعي «الربوبية»، بل ويفرض على قومه أن يجعلوه «ربهم الأعلى»!.. ولا نظن «فرعون مصر» في ذلك الزمان، يختلف عن «فراعنة» أيِّ مصرٍ أو عصرٍ، الذين يتحكمون في رقاب العباد، وفي مصائر الأمم والشعوب، وكانوا مثالاً لكل حاكم طاغية، مستبد وظالم، أو صاحب نفوذ جشع، فاسد وفاسق!..
هذا ولا تقتصر الأمثال التي ضربها الله تعالى على نماذجَ للكفار، والمكذبين، والمفسدين والمنافقين.. بل وتتناول أيضاً نماذجَ للمؤمنين الصالحين، والصادقين، والقانتين والزاهدين والمتقين.. أي شتى النماذج البشرية، بحيث يكون المثلُ للجنس، أي يبين جنس المنافق وجنس الصادق، وجنس الكافر وجنس المؤمن وجنس الفاسق وجنس التقي.. إلى آخر ما حفلت به الأمثال في القرآن المبين من تصويرٍ لأصناف الناس!.. ولذلك جاءت أمثال القرآن على النحو الجامع الذي يحيط بالإنسان في جميع أحواله، وبكل ما يتعلق بمسيرته على هذه الأرض منذ بدء الخليقة وإلى قيام الساعة.
ومن مجمل تلك الخصائص يتبيّن أنَّ المثل في القرآن الكريم لا يقتصر على مفهوم واحد من حيث التشخيص والتصوير والتمثيل، بل ربما تندرج تحت كل مثل مفاهيمُ لا تحصى، وهذا ما يجعل الأمثال القرآنية بمثابة قواعدَ تتفرع عنها حقائقُ كثيرة ومتنوعة.. يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ *} [الزُّمَر: 27]، بمعنى أنَّ الأمثال في هذا القرآن، وإن كانت محدودة العدد، بحيث لا تتجاوز بضع مئات، إلا أنها في حقيقتها تتناول كل ما يهمُّ الناس، وما قد يشغل بالهم، أو ما قد يتمنونه ويطمحون إليه، لا سيما وأنها تخاطب الإنسان في عقله وقلبه ونفسه، وتشعره بعبوديته لخالقه، فلعله يتذكر ما تستحق هذه العبودية لله الواحد الأحد من قدسية، وامتثال لأوامره ونواهيه عن قناعة.
ولئن كانت الأمثال التي عرفتها الشعوب لا يمكن إحصاؤها، ولا معرفةُ مختلف المواضيع التي تناولتها، فإن ما يثير الدهشة، ويثبت الإعجاز أن يكون كتابٌ واحدٌ، وهو القرآن الكريم، قد مثّل لجميع النماذج البشرية، ولشتى الأنواع والأنماط في حياة الناس، لقوله تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الرُّوم: 58]. فلفظة «من كل مثل» تحتوي على جميع نماذج الناس ومعتقداتهم وخصائصهم، وجميع أصنافهم ومزاياهم وصفاتهم، وعلى كل ما تحمل من العبر والعظات والبراهين.
فتأمل هذا البيان الإعجازيّ، والأسلوب البلاغيّ اللذين لا يمكن لغير القرآن أن يأتي بهما. فهو في ثلاث كلمات فقط: «من كل مثل» قد استوعب الحياة الدنيا بأسرها، في مختلف خلائقها من الكائنات الحية والجامدة، وما يحيط بها، ويؤثر على وجودها.. وكل ذلك بأمثال محدودة، معبّرة وصالحة لكل زمان ومكان..
ثانياً: فنّية الأمثال في القرآن الكريم
لقد جاء المثل في القرآن الكريم متميزاً بواقعيته، وبأسلوبه البلاغيّ، وبيانه الإعجازيّ ليكون غاية في الوضوح والتأثير، وهي العناصر الأساسية التي تشكل فنّية هذا المثل لإيصال المعاني التي يريدها بسهولة ويسر. وتظهر هذه الفنية في المزايا التالية:
1 - الدقة والواقعية: ذلك أنَّ المتأمّل في الأمثال التي احتواها القرآن يلحظ دقته الفريدة في صياغة الألفاظ لكي يكون وقعها في الأنفس مؤثراً وفاعلاً. فـالمثل القرآنيّ لا يمثّل - دائماً - بالغريب العجيب، وإنما يتخيّر الصورة من المحسوسات الموجودة، ويعرضها بأوصافها وخصائصها، ثم يسكبها في الألفاظ لتكون شاهداً واضحاً على ما يريد إيصاله إلى الأذهان، وذلك من دون أنْ يضع في الممثَّل به وصفاً زائداً أو ناقصاً، فتأتي الصورة صادقة ومعبّرة..
يقول الله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *} [العَنكبوت: 41].
فالوليّ (وهو مفرد الأولياء) يعني السيد الذي يأمر فيُطاع، والذي يمتلك فيتصرف، فهو يملك الاعتداد بالقوة والسلطة والأمر.. فهل يمكن أنْ تنطبق هذه المواصفات على مخلوقاتٍ زعموا أنها آلهةً، اتخذوها أولياءَ من دون الله، وهو - جلَّت عظمته - له مقاليد السماوات والأرض، وهو على كل شيء قدير، ومن جليل عظمته أنه قادر على أنْ يفعل بأولئك الأولياء ما يشاء؟! ولذلك يأتي هذا المثل ليبيِّن لنا أن الولاية لأي شيء من دون ربّ العالمين هي ولاية أو تبعية واهية، ضعيفة، لا تضر ولا تنفع بشيء. فالذين اتخذوهم من دون الله تعالى أسياداً ينصاعون لهم، هم كالعنكبوت في الضعف، وولايتهم ضعيفة وواهية مثل بيت العنكبوت في نسجه الرقيق، القابل للتمزيق والتبديد عند أدنى مسٍّ به.. ولو كانوا يعلمون ذلك ما عبدوهم، وما اتخذوهم آلهةً ينصرونهم من دون الله!.. فإنْ كانوا لا يعلمون ذلك، فإنَّ هذا المثل القرآنيّ يبين لهم وهن معتقداتهم، بحقيقة محسوسة، ماثلة أمامهم بهذه الحَشَرة الضعيفة التي هي العنكبوت.
2 - الدعوة إلى التفكّر والتبصّر: وهذه الدعوة هي أحد أهم الجوانب الفنية للأمثال في القرآن المبين، عندما نراه يترك - عمداً - للمخاطَب بتلك الأمثال، كثيراً من المجالات التي تستدعي التفكير بمعانيها ومقاصدها؛ أي أنها دعوة للإنسان لحث العقل، وقدح زناد الفكر، ورؤية الحقيقة كما هي من دون مواربة أو إنكار. وهي عوامل تقوده حتماً إلى الإيمان الصادق بحقيقة وجود الله تعالى، والتصديق بأنبيائه ورسله. ذلك أنَّ دور العقل إنما يتمحور - في الأصل - حول اكتشاف الحقائق التي يقوم عليها الوجود البشريّ، وهذه الحقائق كفيلة بأن تشدَّ الإنسان إلى طريق الحق، وتهديه إلى عبادة ربه تعالى، وطاعته والعمل بمرضاته. أما إذا جافى الإنسان تلك الحقائق، وقولبَ ما يتوصَّل إليه عقله وقلبه بمظاهر الحياة المادية البحتة، دون أن يأخذها بأبعادها الروحية، ويعطيها مراميها المعنوية، فلا يعود لديه حينئذٍ، أيُّ معنى للإيمان بربه وخالقه.. وهذا هو الكفر والضلال بعينه.
يقول المولى تبارك وتعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيْحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ *} [إبراهيم: 18].
أجل هذا هو مثل الذين كفروا بربهم، إذ مهما أتوا من الأعمال الحسنة في هذه الحياة الدنيا، فإنهم يوفَّون أجورهم عليها في دنياهم هذه، ثم لا يكون لهم نصيب منها في الآخرة، لأنها سوف تتبدّد هناك وتغيب مثل الرماد الذي تهب عليه الريح في يوم عاصف فتذروه بدداً.. وكل ذلك بسبب كفرهم الذي يجعل عملهم غير خالصٍ لوجه الله تعالى، فقادهم إلى الضلال البعيد، وجعلهم في النهاية يخسرون آخرتهم.
3 - التأثير النفسيّ: إن الأمثال في القرآن الكريم تستمد مدلولاتها من عناصر الحياة ذاتها لكي تكون قريبة من فهم الإنسان، فيعايشها ويقتدي بوحيها وإلهامها، فكانت - من أجل ذلك - ضروريةً لها روعةُ التصوير التي يكون لها تأثيرها الفاعل في النفس البشرية.
ومن أجل هذا التأثير النفسيّ فإن أمثال القرآن غالباً ما تتخذ من الطبيعة ميداناً لها، لترسم منها الصور المعبّرة:
- فمن نباتها: نجد الحبة التي تنبت سبع سنابل، والزرع الذي أخرج شطأه، والشجرة الطيبة، والشجرة الخبيثة.
- ومن حيوانها: نجد الأنعام، كما نجد الحمار والكلب.
- ومن طيرها: نجد الهدهد..
- ومن حشرتها: نجد النحلة والنملة والعنكبوت والبعوضة..
- ومن جمادها: نجد الجبل، والقيعان، والسفينة..
بل وتجمع بعض نصوص القرآن في اللفظة الواحدة أو في العبارة الواحدة معانيَ عديدةً لتعطيَ صورة أو فكرة شاملة عما يؤثر في حياة الناس، كما في قول الله تعالى: {أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ *وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ *وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ *وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ *} [الغَاشِيَة: 17-20].
على أن تلك الصور التي تستقيها الأمثال في القرآن من الطبيعة لا تعني اقتصارها على أنواع معينة من المخلوقات دون غيرها، وإنما توردها على سبيل المثال أو الذكر، لأن القرآن المبين لا يعنيه الممثَّل به، أو بتخصيصه عن غيره، بقدر ما يقصد به تقريبَ الصورة إلى نفس الإنسان، رغم شدة وضوحها وبيانها في السياق القرآنيّ.
وكما تأخذ الأمثال في القرآن من الطبيعة ميداناً لها، فإنها تأتي أيضاً بالأشياء ذات التأثير الشديد على الحياة اليومية للإنسان. ومن قبيل ذلك: النور والمصباح وشجرة الزيتون. يقول الله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَ شَرْقَيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ *} [النُّور: 35].
أجل، ويضرب الله تبارك وتعالى الأمثال للناس حتى يفهموا مقاصدها فيعتبروا، ويؤمنوا.. «والله بكل شيء عليم»، لأنَّ علمه قد أحاط بكل ما في الكون، وما في الوجود، كما أحاط بما كان وبما سوف يكون.. ومن مقتضى علم الله أنْ يهدي عباده إلى الأشياء التي تؤثر على حياتهم تأثيراً مباشراً من خلال الأمثال التي ضربها لهم كما في هذا المثل عن نور الله تعالى في السماوات والأرض.. فالنور لا يمكن لشيءٍ الاستغناء عنه، وبخاصة أنَّه لا حياة بلا هذا النور الذي يبعثه الله تعالى من الشمس ليؤديَ دوره في إيقاظ الحياة وتفاعل كائناتها. والمصباح الذي يعدُّ تمثيلاً للنار والاشتعال والإنارة، إنما هو من أهم ضرورات الحياة للإنسان، بحيث لا يستوي العيش من دونه. أما شجرة الزيتون فإنَّ الناس يعرفون مقدار ارتباط حياتهم بها لما تقدِّمُ لهم من حَبٍّ وزيتٍ للطعام، أو من خشب للوقود، أو من تأثيرٍ على البيئة سواء ما يتعلق بحفظ التربة، أو تحسين المناخ، وجلب المطر، أو ما تفيد منه الطيور والحشرات التي تعيش حيثما وجدت هذه الشجرة المباركة، وقد خُصَّت بالذكر في هذا المثل القرآني لتتوافق مع الخير الذي يبعثه النور في حياة الناس، ولتكون مثالاً لكل خير من أية جهةً أتى، سواء من الشرق أم من الغرب، ومن كل إنسان محبٍّ للخير دونما تمييز لأية بقعةٍ جغرافية أو لأية جنسية انتمى..
وفي ذلك كله ما يدل على أهمية الأمثال في القرآن الكريم وهي تعبِّر عن شؤون الناس العامة والخاصة على السواء..
الفقرة السابعة: الأهداف التي تتوخاها الأمثال في القرآن الكريم
لقد تنزَّل الكتاب المبين من لدن خبير عليم رحمة للعالمين. وقد تناول من بين ما أتى به قضيتين رئيسيتين قد ينضوي تحت لوائهما كافة القضايا التي تبحث في الكون والحياة والإنسان. وهاتان القضيتان هما: عبادة الله الواحد الأحد، وهدى الله لعباده.
أما من حيث عبادة الله الواحد الأحد، فيقول الحقُّ تبارك وتعالى:
{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ *} [هُود: 1-2].
فهذا القرآن قد أحكمت آياته بعجيب النظم وبديع المعاني، تماماً كما أحكمت بأسلوب بلاغته، وإعجاز بيانه، لتُبعد جميعها عنه أي نقصٍ أو تفاوت أو خلل؛ كما أن آياته قد فصّلت بالأحكام والقصص والمواعظ والعبر والأمثال التي تؤكد - بمزاياه الظاهرة والخفيَّة - أنه من لدن حكيم في صنعه وإبداعه، خبيرٍ بشؤون عباده وتدبيرهم، وهو الله - عزَّ وجلَّ - الذي يدعوهم لعبادته، وألاَّ يعبدوا إلاَّ إيَّاه إلهاً واحداً أحداً فلا إلهَ إلاَّ هو، ولا ربَّ يعبدُ سواه، وأنه سبحانه قد بعث نبيَّه محمداً (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) بهذا القرآن ليكون نذيراً بالعذاب لمن يكفر بعبادة الله، وبشيراً بالثواب لمن آمن بالله واتقى وعمل صالحاً..
والآيات التي تحضّ على عبادة الله - عزَّ وجلَّ - محكمة في القرآن من أوله لآخره، وجميعها تؤكد على أنه إلهٌ واحدٌ أحد، فرد صمد، وكلها تحمل الأمرَ لعبادِهِ ألاَّ يتخذوا من دونه إلهاً آخر، كما في هذه الآية الكريمة: {وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ *} [النّحل: 51].
وإن الإقرار بالألوهية والربوبية لله - جلت عظمته - هو الهدف الأعلى الذي تنبثق عنه سائر الأهداف الأخرى، سواء تلك التي تتعلق بالغاية من خلق الإنسان وارتباطه بالكون، أم الأهداف التي تتوخاها أمثال القرآن في توجيه وتربية الإنسان ليكون عبداً لله تعالى.
وأما من حيث الدعوة إلى الهدى، فيقول الحقُّ تبارك وتعالى:
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ *} [الزُّمَر: 23].
لقد نزَّل الله - تعالى - أحسن الحديث قرآناً متشابهاً، أي يشبه بعضه بعضاً في النظم والبيان، والدقة والإعجاز. وقد ثنيِّت فيه القضايا التي تهم الناس في حياتهم الدنيا والآخرة، ومنها الوعد بالجنة، والوعيد بالنار.. فالمؤمنون الذين يخشون ربهم ويخافون وعيده، تقشعر جلودهم لذكر وعيده، ثم تطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ورحمته بعباده، وما يعدهم به من النجاة والفوز..
فالقرآن هو أحسن الحديث، ومن محاسن حديث الله العلي العظيم أنَّ الذين يتأثَّرون بهذا الحديث الجليل هم المهتدون، بل وتأثّرهم إن من ناحية الخشوع والخوف من ربهم، أو اطمئنان قلوبهم إلى ذكره تعالى، هو هدى الله، الذي يهدي بكتابه الكريم، وبحديثه السنيِّ من يشاء من عباده، وهؤلاء العباد هم الذين وصفهم تعالى بقوله الحكيم: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ *} [الزُّمَر: 18]..
وأما من يضلل الله، فهم - في علمه المكنون - هؤلاء الناس الذين ليست لديهم قابلية للهداية، فما لهم من هادٍ، يعيشون في الضلال المبين، ويموتون في الضلال البعيد. فتأمل كيف نزَّل الله - عزَّ وجلَّ - ذلك الكتاب هدى ورحمة للعالمين، بما فيه من الآيات الدالة على طريق الهدى، ومنها هذه الأمثال التي يشع في كثير منها النور المبين الذي يهدي عباد الله الصالحين.
ولا ريب بأنَّ القرآن في مجمله - في آياته المحكمة والمتشابهة - يؤكد على أنَّ أهم مصاديق مقاصده الإقرار بالألوهية المطلقة والربوبية المطلقة لله تعالى؛ ومن ثَمَّ دعوة عباده ألاَّ يعبدوا إلاَّ إيَّاهُ، وأنَّ الله - تعالى - يهدي بهذا القرآن من يشاء، ويضل من يشاء.. وعلى هاتين القاعدتين، في إطلاقهما، تبنى معاني القرآن كافة، بما فيها معاني الأمثال التي قد يتوخى كل منها أهدافاً وغايات خاصة به، أو يشترك مع غيره في أهداف وغايات عامة ترد في آيات متعددة من القرآن المجيد.
وعلى هذا فإنه يمكن أنْ نستخلص - فيما هدانا الله تعالى إليه - بأنَّ من الأهداف التي تتوخاها الأمثال في هذا القرآن الأهداف التالية:
1 - الهدف الأول: إدراك الأمور الغيبية
من الواضح أنَّ الناس قد يحيط بهم كثير من الأسرار المغلقة على أفهامهم، وذلك في الوقت الذي يتوقون فيه إلى بلوغ معرفة هذه الأسرار، أو الوقوف على حقائقها، ولا سيما ما يعتقدون أنَّ له تأثيراً على حياتهم.. ولذلك كان من أهداف الأمثال في القرآن الكريم تبيانُ وإيضاحُ معاني بعض أمور الغيب - التي هي بمثابة أسرار بطبيعتها بالنسبة للناس - حتى يدركوا حقائقها، على أنْ تكون الغاية، من وراء ذلك، الإيمانَ بتلك الأمور الغيبية، ولاسيما تلك التي تشغل، في الواقع، بال الإنسان وتقضّ مضجعه، واعتبارها من ثمَّ مسلمات يقينية غير قابلة للجدال.. وعلى هذا فإننا نجد في القرآن الأمثال عن البعث والنشور، والحساب يوم القيامة، والثواب والعقاب، والجنة والنار، والإيمان والشرك وغيرها من المعاني العقلية، التي لا يمكن أنْ تستوعبها عقولنا، وتطمئن لها نفوسنا إلا بالأدلة والبراهين الحسية وبخاصة إذا كانت مستقاة من واقع وجودنا.
فلو أخذنا مثلاً الشرك بالله، نجد أنه في حقيقته من القضايا العقلية؛ أي القضايا التي قد تشكل موضعاً للاتفاق أو موضعاً للاختلاف بين الناس على ماهيتها، وتحديد نطاقها، والمرامي التي يتوخونها من الإقرار - أو عدم الإقرار - بها!.. ولكن عندما يأتي المثل في القرآن ويبيّن لنا ماهية الشرك - الذي أخذناه مثالاً على القضايا العقلية - بأدلة حسية، فلا يعود هناك من مجال لإنكار حقيقة هذا الأمر العقلانيّ، أو عدم إدراكه في صميمه، ومن جميع جوانبه..
يقول الله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ *} [الرُّوم: 28]. فهذا المثل قد ضربه الله تعالى من واقع حياة الناس، بل ومن الناس أنفسهم، في الحياة المشتركة التي يعيشونها مع بعضهم بعضاً، فإذا كان لدى بعض الناس عبيد يملكونهم (كما كان الحال في الماضي) أو خدمٌ في بيوتهم، أو مستخدمون في شركاتهم ومؤسساتهم، فهل يكونون لهم شركاء في أعمالهم وأموالهم مثل شركائهم الأصيلين في تلك الأعمال أو الأموال؟ طبعاً لا.. فهم مجرد مماليك، أو مأمورين يتقاضون أجوراً، وبالتالي فهم لا يخافون من هؤلاء أن يشاركوهم في أي شيء من ممتلكاتهم التي هي، في الحقيقة، مما رزقهم الله تعالى. فإذا كان الأمر كذلك مع أناس أمثالهم، فكيف لا يخافون أن يجعلوا بعض المخلوقات التي خلقها الله - عزَّ وجلَّ - شركاء له، سواء أكانوا من الملائكة، أو الجن، أو الأصنام، أو من الأرباب المتفرقة، في حين أن الله وحده هو مالك الملك، وله كل ما في السماوات والأرض خلقاً وعبيداً؟.. سبحانه وتعالى عما يشركون.
وبذلك دلَّ العقل - ومن خلال الواقع المحسوس الذي يتمثّل بالشراكة بين الناس - على الأمر غير المحسوس الذي هو الشرك بـالله، بحيث يستوعب كل من يعقل ويدرك أنه محالٌ على مخلوقات لله الخالق العظيم، أن تكون شركاء له في ملكه!..
ولما كانت القضايا الغيبية كثيرة في القرآن الحكيم، فقد تولت الأمثال فيه مهمةً دقيقةً تتوخى تقريب معاني تلك القضايا إلى أذهان الناس، وجعلهم يدركونها من خلال ما تقدمه لهم من الصور الحسية التي تعبِّر عنها، والتي قد تكون، غالباً، مستقاةً ومأخوذةً من واقع حياتهم ووجودهم.
فعندما يريد المثل في القرآن أنْ يبيّن لنا معنى الجنة، حيث النعيم الكبير في الآخرة، فإنه يعرِّف بها من خلال الصور الحسية والمألوفة في حياتنا من مثل: الظلال الوارفة، والأنهار الجارية، والثمار اليانعة، ولحم الطير الشهيّ، والعسل واللبن والخمر، والسرر المرفوعة، والأرائك والنمارق والزرابيّ وغيرها مما يتمنَّاهُ الإنسان لكي ينعم بالعيش الرضيّ، ويحقق الرفاهية والطمأنينة، ويرفل بالحبور والأمان... وكذلك الأمر عندما يتوخى المثل في القرآن أنْ يبيّن لنا معنى النار، وجحيمها في الآخرة، فإنه يلامس واقع حياة الناس ويستقي منها الأدلة والبراهين المحسوسة على ذلك من مثل: اللهب المستعر، والماء المغليّ الحار، والأحشاء الممزقة، والجلود المحترقة، والمياه الآسنة، والطعام الرديء وغيرها من الأشياء التي تدل على الشقاء والتعاسة، والقهر والتنكيل، والألم والعذاب..
ومن أبرز القضايا الغيبية في القرآن قضية البعث بعد الموت، وهي القضية التي اتخذ منها الكفار والمشركون مجالاً كبيراً للجحود والإنكار، ومثاراً للجدال والحجاج، ومن ثَمَّ تكذيب الرسل في أمر الإحياء بعد الموت.. ولذلك تولت الأمثال في القرآن الكريم جلاء هذه القضية، وإثبات حقيقة البعث، وذلك من خلال الحقائق التي يعايشها الإنسان كل يوم، والتي لا يمكنه إنكارها، أو الادعاء بعدم وجودها، فكان التركيز في هذه الأمثال على خلق الإنسان وموته، كـبرهانَيْن ساطعَيْن على ما سوف يعقبهما من النشور والإحياء..
فأما البرهان الأول وهو الخلق، فقد دلَّ عليه كتاب الله بآيات بيّنات عظيمة، ومنها:
قول الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *} [النُّور: 45].
وقوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ *خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ *يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ *} [الطّارق: 5-7].
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ *ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ *ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ *ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ *ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ *} [المؤمنون: 12-16].
وغنيٌّ عن البيان ما في هذه الآيات البيّنات من الأدلة والبراهين المادية والحسية على أصل الخلق الآدميّ، وعلى كيفية تكوينه، والأطوار التي يمر فيها هذا التكوين حتى يخرج الإنسان بشراً سوياً، وفي خلق آخر مختلف عما كان عليه في مختلف الأطوار السابقة.
وقد أكد العلم وأثبت حقيقة وصدقية ما ورد في القرآن المجيد حول تلك الأطوار للخلق البشري، وهو قد توصَّل إلى ذلك بالنظريات والأبحاث والتجارب التي تملأ المجلدات.. في حين أن القرآن، وهذا من إعجازه، قد بيّن أطوار الخلق البشريّ بأقل العبارات وأدقها، ليكون هذا الإعجاز بذاته برهاناً إضافياً على قدرة الله تعالى في الخلق، وأنه هو الخلاق العليم.
فهذا الخلق حقيقة راهنة وثابتة في كل إنسان. بل وفي مختلف الكائنات الحية من النبات والزرع والطير والحيوان والحشرة.. ووجودها الماديّ أكبر برهان على أنها مخلوقات للخالق العظيم. ويكفي الإنسان أن يتفكر بها ليستدل على قدرة الخالق.
وأما البرهان الثاني فهو الموت، الذي هو أيضاً حقيقة ثابتة في حياة الناس، بل وفي حياة كل كائن حيّ أياً كانت المدة الزمنية التي يعيشها، أو يعمَّر فيها! وقد دلَّ القرآن على الموت، الذي هو حقيقة لا جدال فيها، بآيات كثيرة، ومنها:
قول الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عِمرَان: 185] وقوله تعالى: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ *} [الواقِعَة: 60].
وقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ *} [المُلك: 1-2].
وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عِمرَان: 145].
وقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ *} [الرَّحمن: 26-27].
وهذه الآيات، كما آيات الخلق، هي جزء يسير من النصوص التي تتحدث عن الموت والحياة في القرآن المبين...
على أن الموت بذاته هو الحكمة البالغة التي شاءَ الخالق العظيم أن تدل بشكل أساسيّ على أمرين من أمور الغيب وهما:
- سر الحياة التي يودعها الخالق في الكائنات الحية.
- بعث الناس يوم القيامة.
ومن أجل أن يقرِّب القرآن المفهومَ الغيبيَّ لسر الحياة، ولإعادة الحياة أو البعث يوم القيامة، فقد دل عليهما بالحقيقة الحسية والمادية التي يراها الناس بأم العين، أي بالموت، الذي هو نقيض للحياة..
فماذا يحدث في هذا الموت الذي هو نقيض للحياة؟
إن أول ما يدل على موت الإنسان هو خروج الروح منه، لأنَّه بالروح يحيا في جسده ونفسه. ولئن كانت الروح هي خارج نطاق علم الإنسان، لأن الله تعالى - كما يثبت القرآن - قد جعلها سراً من أسرار خلقه، وتعزَّز سبحانه وتعالى بهذا السر، فإنه من الثابت أن الموت لا يحلُّ بالإنسان إلا عند خروج الروح منه، ففي هذه اللحظة بالذات نجد الجسد قد همد عن الحركة، وتوقف فيه كل نبض للحياة.. ثم لا يلبث هذا الجسد أن يتصلب شيئاً فشيئاً (وهذا هو الحمأ المسنون الذي ذكره القرآن في أصل خلق آدم) ثم يتعفّن الجسد الميت ويصبح طرياً كـالصلصال، ثم يصير تراباً إذا دفن في الأرض (أو هباءً منثوراً إذا جرى حرقه على طريقة بعض الجماعات البشرية).. فهذه الأشياء المادية: وقف حركة الجسد، الحمأ المسنون، الصلصال، التراب - أو الهباء المنثور - هي الأدلة الحسية على الموت، أي على فناء الجسد، وفناء الإنسان وزوال وجوده نهائياً من هذه الحياة الدنيا.
ولا ريب بأنَّ القرآن الكريم إنّما يقدم الأدلة والبراهين على حقيقة الخلق، وحقيقة الموت، ليكون خلق الإنسان وموته هما خير الشواهد على حقيقة البعث، ولا سيما من خلال الأدلة الحسية التي أتت بها الأمثال في هذا الكتاب المجيد كما في قول الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ *وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ *قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ *الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ *أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ *إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ *} [يس: 77-83].
فالشواهد الحسية، والبراهين العقلية التي يسوقها هذا المثل القرآني على البعث عديدة، ومنها:
- النطفة (المنيّ أو الماء المهين)، فالله الذي يخلق من هذه النطفة خلقاً آخر (هو هذا الإنسان الذي نعرفه)، لقادر على أنْ يبعثه، أي أنْ يعيدَ خلقه بعد النشور، كما أنشأه أولَّ مرة.
- العظام التي هي من عناصر تكوين الجسد البشريّ، والتي لا يمكن أن يكون مثل هذا التكوين من دونها، فالقادر على إنشاء هذه العظام أول مرة من الماء المهين لقادر على إعادة إنشائها مرة أخرى، وإن بليت أو رمّت. وقد أظهر الله تعالى هذا الأمر أمام ناظرَيْ العزير، وهو يعيد إحياء حماره بعد أنْ مرَّت مائة سنة على إماتته، كما يثبتها قوله تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ *} [البَقَرَة: 259]
- الشجر الأخضر الذي جعل منه الخالق العظيم للناس ناراً فإذا هم منه يوقدون. وأهمية هذا البرهان أو الدليل أنه يجمع ما بين الماء والخشب والنار - كأضداد ثلاثة - فلا ماؤه يطغى على النار الكامنة فيه. ولا المفاعل الداخلية التي تولّد النارَ في الشجر تحرق خشبه، بل يظل شجراً أخضر (على الرغم من وجود هذه العناصر الأضداد فيه) إلى أن ييبس ويصبح قابلاً للاحتراق، فالقادر على جمع هذه العناصر في الشجر الأخضر قادرٌ على بعث الإنسان بعد فنائه.
- والبرهان الأقوى هو خلق السماوات والأرض مع عظمهما، فالقادر على هذا الخلق العظيم أليس بقادر أيضاً على أن يخلق مثل هؤلاء الأناسيّ الصغار، وأن يعيد إحياءهم كيف يشاء؟ ومتى يشاء؟ بلى، وهو الخلاَّقُ (الكثير الخلق)، العليم (بما يخلق كلَّ شيء).
وقد ورد في أسباب نزول هذا المثل القرآنيّ، أن بعض المشركين في مكة، ومنهم العاص بن وائل قد جاء النبيَّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) وقد أخذ عظماً رميماً، فتَّه أمامه ثم قال له: أترى يا «محمد»، يحيي الله هذا بعدما بَلِيَ ورمَّ؟ وكان جواب النبي (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) القاطع: أجل، يحييه الذي أنشأه أول مرة، وهو بكل خلق عليم.. فكيف يعجب ذاك المشرك من البعث، وقد نسي أنه خُلِقَ من نطفةٍ من ماءٍ مهين، كما يؤكده القرآنُ المبين الذي كان النبي (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) يتلوه على مسامعهم في مكة، عندما يقول الله، وقوله الحق: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ *أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ *نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ *عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِأَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ *} [الواقِعَة: 58-61]، وقوله تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقْكُّمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فجعلناه في قرار مكين * إلى قدر معلوم * فقدرنا فنعم القادرون * ويل يومئذ للمكذبين} [المُرسَلات: 20 - 24].
وقضية البعث هذه كانت من أهم القضايا التي اتخذها المنافقون والكفار والمشركون، سبيلاً ليحاجّوا بها رسول الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) ، فكانوا يضربون له الأمثال أو يطلبون منه المعجزات من أجل غرس بذور الشك حول رسالته، فاتخذوا من قضية البعث وإنكارها، سبيلاً لذلك، إذ في حال عدم وجود براهين حسية على هذه القضية، فإنه يصعب على النبيّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) متابعة دعوته ككل، وإقناع الناس بصدقها ومصداقيتها، ولذلك تنزّلت الآيات البيّنات التي تدحض كل تكذيب أو إنكار لبعث الإنسان بعد موته، ومن ثَمَّ لجعل هذا البعث حقاً يقينياً في النفوس، وذلك بما تحمل تلك الآيات من الأدلة المحسوسة التي ترتبط بها حياة الناس، ومدار عيشهم في وجودهم الأرضيّ، ومن تلك الآيات:
قول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ *} [الرُّوم: 24].
وقوله تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ *} [الرُّوم: 19].
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ *} [النّحل: 65].
وقوله تعالى: {وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ *} [الزّخرُف: 11].
وقوله تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *} [الرُّوم: 50].
ويبرز في هذه الآيات الكريمة أمران:
- أن الله تعالى ينزل الماء من السماء فيحيي به الأرض بعد موتها.
- أن الله تعالى كما يحيي الأرض بعد موتها كذلك يحيي الموتى من الناس يوم البعث أو النشور.
فالدليل واضح، والبرهان ساطع: فلينظر الإنسان إلى الأرض كيف تكون جافة، يابسة وهامدة، فإذا نزل عليها المطر من السماء اهتزت، وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، حيث هذه الأنواع التي لا تحصى من النباتات والزروع والأزهار، بشتى ألوانها الزاهية، ومختلف روائحها الطيبة؛ ثم هذه الأزهار والأوراق التي تعود الأشجار وتكتسي بها فتنتج الثمار أو تزين الطبيعة.. أليس في ذلك كله ما يدل على إيقاظ الأرض من رقادها، وإحيائها من مماتها؟ ثم أليس ذلك من آثار رحمة الله تعالى بالإنسان حتى يمكنه البقاء على هذه الأرض، وتأمين موارد العيش التي تساعده على هذا البقاء؟!
فهل يجوز للإنسان، مع هذه الشواهد الحسية، أن ينكر البعث، وهذه الشواهد تؤكد له أنَّ الله تعالى كما يخلق ذلك كله من الماء الذي يحيي به الأرض بعد موتها، كذلك يحيي الله الموتى، ويخرج الناس من الأجداث؟!.
بل وهذا أمر يسير على الله - جلت عظمته - بدليل قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ *يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ *} [ق: 43-44].
فهذه القضايا الثلاث: الخلق، والموت، والبعث هي من القضايا الحسية والعقلية على حدٍ سواء. وقد جاءت آيات القرآن الكريم، ومنها الآيات التي وردت فيها الأمثال، تبيّن ماهية كل منها، بما يقرِّبها من أذهان الناس، وتجعلهم يفهمون معانيها، ويقرون بحقيقتها، فينجلي من ثَمَّ مفهوم البعث كقضية غيبية، ليصبح قضية عقلية، يقبلها العقل من خلال قبول الشواهد الحسية التي تدل على إعادة إحياء الأرض، كما يراه الإنسان بالعين المجردة.
2 - الهدف الثاني: معالجة النفوس
إن من سنن الهدي الإسلاميّ مراعاةَ نفس الإنسان بما طبعت عليه من كوامنَ واستعداداتٍ، بحيث يقع على عاتق كل إنسان أن يزكّيَ نفسه بالخُلُق الحسن، والعمل الصالح: من الخير والبرّ والتقوى... أو أن يُدَسِّيَها ويملأها بالخلق السيّء، والعمل الباطل: من الشر والفجور والفساد... ولذلك كانت النفوس البشرية متباينة، فهنالك النفوس المؤمنة المطمئنة، والنفوس الكافرة الفاجرة، وبين هذه وتلك تكون النفوس المنافقة الحائرة.. وقد أنزل الله تعالى في كتابه المبين الآياتِ الدالةَ على مختلف هذه النفوس جميعاً.
فأما النفوس المؤمنة فالقرآن يربيها تربيةً مثاليةً تتلاءم مع قوة إيمانها واستعدادها للعمل بطاعة ربها، والامتثال لأوامره ونواهيه، ثم الانطلاق في العمل الصالح الذي يترجم زكاتها، ويجعلها مطمئنة إلى وعد ربها - عزَّ وجلَّ - بالرجوع إليه، ونيل رضوانه.
وأما النفوس الكافرة فأكثر ما يشدِّد القرآن على إظهار انحرافها عن الفطرة السليمة، ووقوعها في الكفر والضلال، بحيث لا تملك من الضوابط ما يردعها عن الفجور والفسق، أو ما يحول بينها وبين ارتكاب الشرور والآثام. ولذلك يحاول القرآن أن يستميلها عن انحرافها، ويدفعها إلى ترك الكفر أو الشرك بـالله تعالى مع وعده - عزَّ وجلَّ - بالتوبة والمغفرة، وإلاّ فإن الوعيد بالقهر والعذاب منتصب أمامها، بل سوف يزيدها الله ضلالاً من جراء إصرارها على الكفر، فلا تهتدي من ثَمَّ إلى الإيمان أبداً..
وتبقى النفوس المنافقة، هذه النفوس الحائرة التي تتردد بين الإيمان الظاهر، والكفر الباطن، لما تمتلئ به من النفاق والتملق والخداع، وهذه النفوس يقدم لها القرآن من بالغ القول، وجميل الإرشاد، وهدي الحكمة، ورائع المثل ما هو حريّ أن يرد عنها الضعف ويخلصها من النفاق والذبذبة، ويدفعها إلى نبذ المكر والخداع، والكذب والرياء.
وبمثل هذه الغايات السامية، التي يتوخاها القرآن الكريم، فإننا نجد فيه تقويماً لجميع النفوس، ومعالجتها، وشفاءها من حالات الضعف أو الأمراض التي تعتورها. ويتبيّن علاج القرآن بقول الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا *} [الإسرَاء: 82].
أجل إنَّ من القرآن ما فيه شفاء ورحمة للمؤمنين، بينما لا يزيد القرآنُ الظالمين لأنفسهم (بالكفر، أو الشرك، أو النفاق) إلاَّ خساراً.
على أنَّ المناط في إصلاح النفوس، وردّها إلى رحاب الإيمان الخالص، إنما هو بيد الإنسان، واختياره للنهج الذي يسلكه، وذلك بما يوطّن هو عليه نفسه، وبما يسيِّرها باتجاهه، ليكون بالتالي مسؤولاً عن المصير الذي قرَّر - وهو ما يزال بكامل وعيه وإرادته - أن يختاره لنفسه: ويكون ذلك إمَّا من حيث إصلاحها وتزكيتها، وإمَّا من حيث إفسادها وإضلالها، لقول الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *} [الشّمس: 9-10].
ذلك أنَّ الله تعالى، وبمقتضى العدل الإلهيّ السنيّ، يترك الخيارَ لعباده، بل ويجعل مجالَهُ واسعاً أمامهم، لكي يتحركوا هم في دائرة هذا الخيار، فإمَّا يهتدون إلى الصراط المستقيم، أو ينحرفون إلى الضلال المبين.. ولكنه سبحانه وتعالى لا يتركهم لأنفسهم، إلاَّ بعد أنْ يبيّن لهم، من خلال كتبه ورسالاته، وعلى لسان أنبيائه ورسله، ما قد يترتب على سلوكهم وأعمالهم من العقاب الذي يتوعدهم به، أو ما يعدهم به من الغفران والرحمة لقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ *} [الأنعَام: 165]. وإذا كان سبحانه يترك لعباده أن يختاروا بين غضبه أو رحمته، إلاَّ أنه جعل - وهو الرحمان الرحيم - أبواب الرحمة والعفو والمغفرة مفتَّحة لهم، وهي رحبةٌ وفسيحة جداً، ولولاها لما ترك أحداً منهم إلاَّ أهلكه،، لقوله الكريم: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً *} [الكهف: 58]. وقوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَآبَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا *} [فَاطِر: 45].
وإنه - والله - لقول كريم، مزيج من نصح، ومن هداية، وفيهما علاج للنفوس. ومثله آيات كثيرة دالَّة ومعبرة، وفيها من الأمثال ما يشتمل على ألوان من الهدى تغري الناس بفعل الخير، وتحضّهم على البر، ولكنها بالمقابل تبيّن لهم عاقبة الضلال الذي يوقع بالمعاصي والآثام التي تترتَّب عليها الذنوب.. فحريٌّ بالإنسان أن يستفيد من العبر والعظات التي تقدمها له آيات الكتاب المبين، فيتحقق له الشفاء من جميع عوامل الضعف في نفسه، وذلك هو الفوز العظيم..
3 - الهدف الثالث: تبصرة الدعاة
والأمثال في القرآن الكريم تبصِّر الدعاة بالطرق والوسائل التي يجب أنْ يستخدموها، وبالظروف والأجواء التي يمكن للناس قبول الدعوة في ظلها، ومن ثمَّ الاستجابة للداعي فيما يقدمه لهم من التوعية، والترشيد والهدى..
فالدعاة للإسلام هم من أهل عقيدة التوحيد، وقد جعل الله تعالى حمل الدعوة الإسلامية - التي اختاروها بأنفسهم، أو هداهم بفضله لحملها - أمانةً في أعناقهم، تفرض عليهم إيصال دينه الحق إلى الناس بكامل أحكامه الشرعية البيّنة، وتعاليمه القويمة، ومفاهيمه الصحيحة...
وإنَّ هذا العمل لهو من أجلّ الأعمال وأعظمها أجراً عند ربّ العالمين، لأنَّ الداعي إلى الله (أي إلى دينه القيّم) هو هذا المؤمن المسلم الذي وصفه ربهُ بقوله تبارك وتعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ *} [فُصّلَت: 33].
ومن أهمّ وسائل نجاح الدعوة أن يعتمد الدعاةُ، في إيصال الإسلام إلى الناس، على مصدريَهْ الرئيسَيْن، قبل أي شيءٍ غيرهما، وذلك من خلال فهمهما فهماً صحيحاً، وهما:
- القرآن الكريم، فيجعلونه هدىً وسنداً وعضداً لهم في شتى شؤون الحياة، ولا سيما في دعوتهم إلى الإسلام وذلك لقول الله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ *الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ *} [البَقَرَة: 2-4].
- والسنة النبوية الشريفة، فيكون لهم الرسولُ الأعظمُ محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) القدوةَ والأسوةَ الحسنة، لقول الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا *} [الأحزَاب: 21].
ولا ريب بأنَّ من يتّبع كتابَ الله الذي فيه الهدى، ويستقي من سيرة الرسول (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، وشخصيته الكاملة، ويسير على خلقه العظيم، إنما يكون قد اهتدى إلى غاية وجوده في هذه الحياة الدنيا، واستطاع أن يقوم بالدور المؤثر على مسرح الحياة الذي يعج بالحركة الدائبة، والتي لا يمكن أن تستقيم إلا بتقوى الله.. وصحَّ ما رواه جابرُ بن عبد الله (رضي اللَّه عنه) عن أنَّ رسول الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) قال: «إنَّما مَثَلي في الأنبياءِ كَمَثَلِ رَجلٍ بَنَى داراً فَأَكْمَلَها وَحَسَّنَها إلاَّ موضِعَ لَبِنَةٍ، فكانَ مَنْ دَخَلَ فيها، فَنَظَرَ إليها قال: ما أَحْسَنَها إلاَّ موضع هذه اللَّبِنَة. فأنا موضِعُ اللَّبِنَةِ خُتِمَ بِيَ الأنبياءُ»[*].
وكون محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) خاتم النبيين، يتوافق مع ختم النبوات به، لأن الله - تبارك وتعالى - عندما بعثه بشيراً ونذيراً للعالمين، قد جعل رسالته الرسالة الخاتمة، التي أكمل فيها دينهم، وأتمَّ نعمته عليهم، ورضي لهم الاسلام ديناً، لتظل شريعته الشريعة التامة الخاتمة، ومنهاجها عن الإنسان والحياة والكون كاملاً وتاماً إلى يوم الدين. وبهذه الرسالة يمكن للإنسان أن يحقق سبل التكامل في الحياة.
وعلى هذا الأساس فإنَّ المسلم بمقدار ما يقف على حقائق القرآن الكريم، وخصائص معانيه ومقاصده، ومزايا شموليته وكماله.. وبمقدار ما يتمثل بسيرة رسوله الأكرم، محمد بن عبد الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) فإنه يكون داعياً إلى الله، ومؤهلاً لأن يضيءَ سبل الناس بمشاعل الهداية، وأن يدلَّهم على النهج القويم.
ولذلك كان من خصائص الأمثال في القرآن الكريم أنها تساهم في تبصرة الداعي بالجو العام الذي يدعو في ظله إلى الإسلام، فينصرف على ضوء فهم وإدراك القضايا والشؤون والأمور التي يحفل بها هذا الجو، إلى العمل الجديّ، متوسلاً للقيام بمهمته الجليلة التوكل على الله، والثقةَ بالنفس، ومعرفةَ الناس، والوقوف على حاجاتهم ومصالحهم، ومن ثَم محاولاً وضع، أو اقتراح الحلول التي يراها مناسبة وفقاً لأنظمة ومناهج وقواعد الإسلام التي تلبي تطلعات الناس مهما اختلفت عليها العصور، أو طالت بها الأزمنة.
4 - الهدف الرابع: تبصرة المدعوين
وكما تساهم الأمثال في القرآن الكريم بتبصرة الدعاة، فإنها كذلك تساعد المدعوين على الاستجابة إلى هدى الله، بما تحمل من معاني الترغيب والترهيب، والحكمة والموعظة الحسنة، وغير ذلك من المعاني التي تبين الرشدَ من الغيّ..
فعلى سبيل المثال إنَّ الترغيبَ بالخير والثواب، والترهيب من الشر والعقاب، قد يكون أدعى للمدعوين أنْ يتفاعلوا مع معاني المثل المضروب.. وكذلك الأمر بالنسبة للمعاني الأخرى التي تجذب هؤلاء المدعوين إلى معرفة الحقائق التي تتوخاها الأمثال القرآنية، فإنَّ من شأنها جميعاً أن تجعل تعاليمَ الدين تستقر في نفوسهم، وأنْ يصبحَ إيمانهم بحقيقة وجود الله تعالى إيماناً ثابتاً، والتصديقُ بما أنزلَ على عبده ورسوله محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم)، وما أنزل من قبله، عقيدةً راسخةً.
أما كيف يلجأ المثل في القرآن الكريم إلى الترغيب أو الترهيب - كأحد المفاهيم الإسلامية - فذلك عن طريق استعراض ما مرت به الأقوام، أو الأمم الغابرة، وما حلَّ من الهلاك بتلك الجماعات البشرية التي لم تستجب لدواعي الإيمان، مؤثرةً تكذيب الرسل والبقاء على الكفر، بخلاف الذين آمنوا وعملوا الصالحات فنجَّاهم الله تعالى من ذلك الهلاك الجماعي، وفي هذا نهج عمليّ يجعل المدعوين يتمنَّون لو يكونون من القوم الناجين، وليسوا من القوم الهالكين.
ولو أمعنا النظر في تعاليم الإسلام والحقائق التي جاء بها، لتبين لنا أن المعيار - الأول والآخر - للتمييز بين الناس هو الإيمان، حيث يفرق الإسلام بين المؤمنين فيجعلهم في جانب، والكافرين والمشركين والمنافقين فيجعلهم في جانب آخر.. ويرقى المثل في القرآن الكريم وهو يعتمد هذا التقسيم إلى ذروة البلاغة في المبنى والمعنى، وذلك عندما يقيّم كلاً من هذه الأصناف البشرية وغيرها من الأصناف الأخرى، من النواحي النفسية والسلوكية والمجتمعية، دون أن ينسى تقييم الإنسان في فرديته، وأنانيته، وعلاقاته بالآخرين.
ويبين رسول الله (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) ذلك التفريق بين مختلف الفئات من الناس، ولكن على أساس ما بعثَهُ الله تعالى به من الهدى والعلم اليقين، بما ضرب مثلاً عن أنواع الأرض التي ينزل عليها المطر، فقال (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم): «إنَّ مَثَلَ ما بَعَثَنِيَ اللَّهُ بهِ مِنَ الهُدَى والعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصابَ أَرْضاً، فكانَتْ منها طائفةٌ طيبةٌ قَبِلتِ الماءَ فأَنْبتَتِ الكَلَأَ والعُشْبَ الكثير. وكانَ منها أَجادِبُ[*] أَمْسَكَت الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ تعالى بهِ الناسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا. وكانَ مِنْها قِيْعان[*] لا تُمْسِكُ ماءً، ولا تُنْبِتُ كلأً»[*].
فهذا الحديث الشريف يدل على تفاوت الناس في تلقي الإسلام - وما فيه من الهدى والعلم اليقين اللذين تنزَّلا على سيدنا محمدٍ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) من ربه تبارك وتعالى - كتفاوت الأرض في تلقي الغيث. فالأرض الطيبة تفتح صدرها للمطر الذي أنزله الله تعالى عليها، فترتوي منه، ويختلط به نباتها فتخرج عطاءاتها بإذن الله نعمةً مباركة على جميع الكائنات. والأرض العقيم تختزن الماء في الحياض والآبار والبرك التي تنتشر فيها، فيشرب منه الناس، ويسقون أنعامهم، ويزرعون ما يحتاجون من الزروع، فكانت أرضاً ذات نفع.. أما الأرض الصلدة التي يغلب عليها الشدة والصعوبة، وكثرة الصخور والحجارة الملساء فإنها تكون سهلة انسياب الماء، فلا يستقر عليها شيء منه، بحيث لا يخرج منها أي نبات، فهذه ليس لها من غيث الله حظ في عطاء، ولا نصيب في نفع..
وهكذا هُمُ الناس في الاستجابة لهدي الإسلام والعلم اليقين به، فمن قبله - على أساسهما - بقبول الحق، فإنه يحيا به ليكون من الصالحين، الذين يمدون الحياة الإنسانية دوماً بخير زادٍ، ويأتي في طليعةِ هؤلاءِ المؤمنينَ الدعاةُ إلى الله، والمجاهدون في سبيل الله. ومن أغناه ربه الكريم بهدى الإسلام، فعلم أحكامه وحقائقه ومفاهيمه، انتفع ونفع الناس، فكان أحد العلماء أو المجتهدين. أما الذي لا ينفع معه هدىً، ولا موعظة، ولا يؤثر فيه علم ولا معرفة، فليس له في خير الإسلام أي نصيب، وهو وأمثاله هُمُ الكسالى والمتقاعسون، والمنكرون والمستكبرون.
وإنَّ سيدنا ونبينا ورسولنا الأعظم محمد (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) إنما يدعونا - في مَثَل الغيث - إلى التزود بهدى الإسلام، وطلب العلم النافع حتى نصل إلى علم اليقين في معرفة هذا الدين وحقائقه، وحتى نكون أهلاً للعمل الصالح لأنفسنا ولغيرنا، إذ لا أحد يقدر على مدِّ يد العون للآخرين إذا كان عاجزاً عن عون نفسه أصلاً؛ فلكي يكون الإنسان سوياً في التعامل مع غيره، وقادراً على التأثير في محيطه، ومصلحاً في الناس، فلا بد أنْ يكون صادقاً مع نفسه أولاً. وأما المنشق على ذاته، والكاره لوجوده، والساخط على حياته، فهيهاتَ أنْ تظفر منه جماعةٌ بأي نفع، طالما أنّ نفسه قد حُرمته، أساساً، وهي أول مكرمةٍ من مكارم الخالق عليه.
تلك هي بعضٌ من الخصائص والملامح التي تتميز بها الأمثال في القرآن الكريم، وبعضٌ من الأهداف والغايات التي تتوخاها، والتي هي - دائماً - من أجل الإنسان، وقد تنزَّلت على قدر الطاقة البشرية لتُبرز رحمة الله بعباده، وهو - سبحانه - ينشر أمامهم صفحاتٍ عن الإنسان والحياة والكون بآيات بيّنات، دالاَّت ومعبّرات، فلا يفوت الناسَ شيءٌ مما كان، ومما قد يكون.
ولما كانت أمثال القرآن على هذا القدر الكبير من الروعة، والعظمة والفائدة، فقد راع الكافرين والمعاندين والمكذبين، هذا النمط من الأسلوب القرآنيّ، وهذا اللون من معانيه العظيمة، فعمدوا إلى المواربة والتشكيك والمداهنة، مستنكرين أنْ يضرب الله الأمثال، وزاعمين أنَّ الله، إذا كان على هذا القدر من العظمة، وأنه خالق السماوات والأرض كما يقول «محمد»، فإنه أجلُّ وأعلى من أنْ يضرب أمثالاً بأشياء حقيرة، تستدعي الاستغراب والعجب، إذ أيُّ قدر للبعوضة - كما في ادّعائهم الباطل - حتى يضرب بها الله مثلاً؟! فجاءهم التوكيد الذي يدحض دعواهم الكاذبة، وجدالهم الباطل وذلك بقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ *} [البَقَرَة: 26].
ولم تكن الغاية من هذا المثل الرد على الكافرين والمنكرين وحسب، بل وللتمييز - كما يبدو واضحاً - بين المؤمنين المهتدين، والكافرين الضالين.
فأما الذين آمنوا، ومن صفاتهم الصدق والإنصاف، ومن دأبهم العمل بالعدل والسوية، ومن منهاجهم النظر في الأمور بعين العقل والحق، فيعلمون أن المثل الذي يتنزَّل على النبيّ (صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم) هو الحق من ربهم تعالى، فلا يمكن أن يحتمل أدنى شبهة أو التباس، مما قد يعتور آراء الناس وأفكارهم..
وأما الذين كفروا، وهم من غلب عليهم الكذب، وران على نفوسهم الضلال، وغطى على عقولهم الجهل، فقد استكبروا عن التصديق أنْ يضرب بالبعوضة مثلاً، فاستنكروه معاندين، وحكموا عليه بالبطلان منكرين، فقالوا: «ماذا أراد الله بهذا مثلاً؟»
والحقيقة أنه لا مجال لأي إنكار أو جحود إذا كان المرادُ من المثل والتمثيل كشفَ المعنى، وبيانَ الغرض المطلوب، ولو جاء التدليل بأضعف المخلوقات، أو بأحقر الجمادات. فكيف - والحال هذه - يستغرب هؤلاء الكفار قول الله الحق، ويدّعون بأنه لا يجوز على الله - جلَّ جلاله - أن يضرب مثلاً بهكذا مخلوقات؟ وكيف ينكرون المثل بالبعوضة في كلام الله تعالى، والناس يضربون الأمثال بالبهائم، والطيور، والحشرات، والهوام، والجماد والنبات؟.. فالعرب - الذين أنزل القرآن بلغتهم - قد تمثلوا بأضعف الأشياء فقالوا: «أجمع من ذرة»، و«أجرأ من ذباب»، و«أضعف من فراشة»، و«آكل من سوس».. وما إلى ذلك من الأمثال التي لا تختلف عند غيرهم من الشعوب بأنواعها، ومعانيها ومقاصدها، فإذا كان الناسُ يملكون ضربَ المثل بأيِّ شيءٍ، فهل يجوز لأحدٍ منهم أن ينكر ذلك على الله تعالى، وهو خالق كلّ شيء؟!
ذلك هو مفهوم المثل بأشكاله المتنوعة، أو بما يتفرع عنه من مترادفات تؤول إلى بيانه وتوضيحه، أو ما يتداخل فيه من معانٍ بيانية أو اصطلاحية، تهدف إلى تقريب المعنى، وتوضيح الفكرة بأحسن الصور، وأجملِ التعابير.
ولا بد من الإشارة في ختام هذا الفصل التمهيدي إلى أنَّ بعض الأمثال التي وردت فيه إنما أردنا الاستعانة بها للتدليل على الفكرة، أو على المعنى الذي يتوخاه المثل، وهي سوف ترد بتوضيحٍ أوسع لمعانيها في الفصول اللاحقة، وفقاً لما يتناسب مع أجواء كل فصل، وما يتناول من الأمثال القرآنية الكريمة...



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB