علم النَّفس (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




الفصل الثاني عشر - البحث الأول: الانفعَالات

الإنفعالات هي حالات شعورية طارئة تبعثها في النفس مجريات الأمور والأحداث في حياة الفرد. وهي في الحقيقة لا يمكن التحكم بها فوراً، أو السيطرة عليها وعلى تأثيرها في السلوك، لا بل إنَّ محاولات السيطرة على الانفعالات قد تزيدها إثارة أو تهيجاً. وهي تبرز بأفعال مضطربة، لا واعية وغير منظمة. ويطلق عليها أيضاً تعبير الوجدانيات. وقد عرَّف البعض الانفعالات بأنها «حالات داخلية تتصف بجوانب معرفية خاصة، وإحساسات، وردود أفعال فيزيولوجية، وسلوك تعبيري معين. وهي تنزع للظهور فجأة ويصعب التحكم فيها».
ومن الأمثلة على الإنفعالات: مشاعر القلق، والغضب، والسعادة، والحزن، والخوف، والحسد، والغيرة، والندم.. وتوجد علاقة قوية بين الدوافع والانفعالات، لأنَّ الدوافع غالباً ما تكون مصحوبة بحالة وجدانية انفعالية، فمثلاً قد يشتد الدافع إلى السفر لدى التاجر بسبب نقصان البضاعة أو فقدانها، وهذا ما يجعله يحس بشعور من التوتر يدل على حالة وجدانية مكدرة، أما إذا سافر، وأمّن البضاعة التي يحتاجها، فإنَّ شدة الدافع تزول، ويشعر التاجر - حينئذٍ - بحالة وجدانية مريحة...
والانفعالات تقوم بتوجيه السلوك مثل الدوافع، فانفعال الخوف يدفع إلى الهرب أو الاضطراب، وانفعال الغضب يدفع إلى العدوان، وانفعال الحب يدفع إلى لقاء الحبيب.
وحكمة الله تعالى التي قضت بإيجاد الدوافع في نفس الإنسان، قضت أيضاً بأن يكون وراء تلك الدوافع الانفعالات التي تحرِّكها بصورة تلقائية، في كل مرة قد يواجهه واقع معين أو يؤثر عليه ظرفٌ طارئ.
والانفعالات كثيرة ومتنوعة بحيث لا تقع تحت حصر. وهي تختلف باختلاف الأفراد، وظروف البيئة، والأوضاع التي يعيشها كل واحدٍ منهم؛ فلو أُجري اختبار على انفعالٍ معينٍ لدى بضعة أفراد، لتبين من نتيجته أنَّ ردود الفعل الفيزيولوجية قد جاءت متباينة، ومتنوعة، وما ذلك إلاَّ لأنَّ الانفعالات إنّما ترتبط بمكونات فيزيولوجية، وإدراكية، ومعرفية وسلوكية خاصة لأنَّها تشكل جميعها عناصر يتفاعل بعضها مع بعض في الذات الواحدة.
وقد ورد في القرآن الكريم كثير من الآيات التي تبيّن ما قد يطرأ على النفس مِنَ الانفعالات، منْ مثلِ: الخوف والقلق والغضب، التي تتبّدى عادةً بمظاهرها المعروفة، والتي لا تعدو كونها مظاهرَ للحاجات العضوية، وللغرائز الثلاث: - حب البقاء، وحفظ النوع، وغريزة التدين - لدى الإنسان.
والانفعالات غالباً ما تنتج آثاراً هامةً في حياة الإنسان، فالخوف مثلاً قد يشعرُهُ بالأخطار، ويحثُّه في الوقت نفسه على تداركها، فلا يدعها تهدد وجوده، ما يجعل من الخوف عاملاً مساعداً للحفاظ على حياته، والغضب كذلك من الانفعالات التي تعتري النفس، وقد ينشأ عن أشياء بسيطة مثل التوبيخ أو الإهانة، أو عن أشياء كبيرة كالتهديد أو الاعتداء، وهو قابلٌ لأنْ يتحول إلى شعور عدواني، فإذا لم يجرِ التحكم به، فقد يؤدي إلى نتائج ضارة لا تُحمدُ عقباها.
ويصاحب الانفعالات بعض التغييرات الفيزيولوجية في الجسم، كما يظهر ذلك على ملامح الوجه، وفي تزايد ضربات القلب نتيجةً لزيادة تدفق كمية الدم إليه بسبب الانفعال، وكما يحصل من تقلصٍ للأوعية الدموية في الأمعاء، والأحشاء الأخرى، أو اتساع الأوعية الدموية في الأطراف.
والحالات الانفعالية التي تتحدّث عنها الآيات القرآنية كثيرة، ومنها نماذج فردية أو جماعية لما يكون عليه الناس في هذه الدنيا، ونماذج أخرى عمَّا يكون عليه فئات منهم يوم يقوم الناس لرب العالمين.. ومن تلك النماذج في الحياة الدنيا:
الكافرُ الذي يقلّب كفّيه حسرة
كثيراً ما يُلاحظُ أنَّ التعبير عن الانفعال يكون بحركات اليدين، وقد أشار القرآن الكريمُ إلى هذا الأمر بـ (تقلُّب الكفين) دلالة على الندم. يقول الله تعالى: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا *} [الكهف: 42].
فهذه الآية الكريمة قد وردت في سياق المثل الذي ضربه الله تعالى لرجلين:
أحدُهما يحسن الظنَّ بربّه عزَّ وجلَّ، فيرى أنَّ كلَّ ما أوتيه في حياته كان فضلاً منه سبحانه؛ والآخر كان كافراً، يتوهَّمُ أنَّ جهودَه وحدَها هي التي جعلته يملك بستانين عظيمين، تملأهما الأشجار المثمرة، والزروع النضرة.
وتدور حكاية هذين الرجلين وهما يطوفان في أرجاء البستانين اللذين يملكهما الكافر وقد راح بكل إعجابٍ وخُيَلاءٍ، يتشوَّف على صاحبه وهو يغلو في وصفهما، حتى وصَلَ به الوهم لأن يقول لصاحبه: ما أظنُّ أن تبيدَ وتهلك هذه الجنائن، وهي على هذا الزهو والعطاء.
إلاَّ أنَّ صاحبَهُ شاءَ أن يحذّره من مغبة ادّعائه، فقال له: أكفرتَ بالله الذي خلقك من تراب، ثم من نطفةٍ، ثم سوّاك رجلاً قادراً على أن تعملَ، وتنشئ من الجنائن ما تشاء؟! لا يا صاحبي، لا يغُرَّنَّك كفرُك بالله تعالى، ولولا إذ دخلت جنتك قلت: ما شاء الله لا قوة إلاَّ بالله، فهو الذي شاءَ أن يعطيك فأعطاك، لأنَّهُ وحده القويُّ القدير، الذي يهبُ القدرة والرزق، لمن يشاء، وكيفما شاء، ولو شاءَ لحرمك، فيرسل على هذه الثمار والزروع صواعق فتبيدها، أو يفور ماؤها، فيذهب إلى غير رجعة!
وكما كانَ مقدراً، فقد أرسلَ الله تعالى الصواعق فأحرقت كلَّ ما في الجنّتين نتيجة لكفر صاحبهما بالله تعالى، فلما عادَ في الصباح ورأى ما صار عليه من الاندثار أخذته الحسرة، وأكله الندمُ على ضياع جهوده، حتى باتت أرضه ملساء كأنها لم تُغْنَ بالأمس، وكان تعبيره عن ذلك بأنْ راح يقلّب كفيه، وهو يتلوَّم على نفسه، ويقول: «يا ليتني لم أشرك بربي أحداً».
زيغان أبصار المؤمنين وانتفاخ قلوبهم من شدة الخوف
لقد شاءت قريش أنْ تغزو المدينة، فأعدَّت لذلك العدة، وخرجت بالقبائل والعشائر وغايتها استئصال شأفة المسلمين، والقضاء على الإسلام وأهله.
ويصوّر القرآن الكريم حالة المؤمنين، في تلك الغزوة التي سميت (غزوة الخندق أو غزوة الأحزاب) وما اعتراهم من الخوف الشديد حتى زاغت أبصارهم، وبلغت قلوبُهم الحناجر؛ يقول الله تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا *هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا *} [الأحزَاب: 10-11].
إذ من الثابت في علم الطب التشريحي أنَّ القلب يقع تحت القصبة الهوائية بحوالى سنتيمتر واحد ونصف سنتيمتر، وأنَّهُ في حالة التأثّر والانفعال يزداد خفقانه، وتتسارع ضرباتُهُ بما يجعل الدم يتدفق بكمية أكبر إليه، حتى يمتلئ، فينتفخ؛ ويكبر حجمه حتى يكادَ يلامِسُ القصبة الهوائية، وقد يدخل فيها قليلاً حتى ليسدَّ مجاري التنفس فلا يعود الهواء يسري ما بين الحلق والرئتين بشكل طبيعي، وهذا ما يعبّر عنه القرآن الكريم بقوله: {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} [الأحزَاب: 10].
وبالفعل فقد جاءت أحزاب المشركين تضرب حصاراً على المسلمين بطوقٍ من جيشها، كان يحيط بهم من فوق مواقعهم خلف الخندق، ومن أسفلها، بما لا قبلَ لهم على مواجهته، ومن شدة الخوف على دينهم ومدينتهم أثناء تحرك ذلك الجيش نحوهم، كان ذلك التأثر الشديد الذي جعل أبصارهم تزوغ فكأنها لا تُبصر ولا ترى، وقلوبهم تنتفخ حتى تبلغ الحناجر، فكأنها تكاد تتوقف لعدم إمداد الدماء فيها بالأوكسيجين.. وهذا الابتلاء الذي ابتلي فيه المسـلمـون فـي تـلـك الغـزوة، كـان بـمثـابـة عـاصفـة عـاتيةٍ مـن الانفـعالات التي هبّت على نفوسهم، حتى جعلتهم في حالـةٍ من زلـزالٍ شـديـد..
القشعريرة في الأبدان
ليس أحدٌ منّا، إلاَّ ويحسُّ في حالة التأثر الشديد بشيء من الرجفة التي تصيب أطرافه، ولا سيما يداه، وركبتاه، أو بالقشعريرة التي تنتاب جسمَهُ كلّهُ كما هي الحال عند سماع خبر محزن، أو رؤية مشهد مؤلم أو كما هي حال المؤمنين عندما يتذكَّرون وعيدَ الله (تعالى) الذي يحمل العقاب الشديد، إذ تأخذهم الرِّعدةُ، وتقشعرُّ جلودهم من خشية الله - عزَّ وجلَّ - وذلك لأنَّ الخشية تأتي من الخوف الشديد الذي يشوبُهُ تعظيم؛ وتعظيم المؤمنين لله في عليائه، يتفاعل في نفوسهم بتلك الخشية التي تنعكس على أبدانهم، وبخاصة على جلودهم، باعتبار أنَّ الجلد، فوق أنه يغطي الجسم كله، فإنه أكثر شيء حساسية في تكوين هذا الجسم، لأنه يعكس التأثرات الداخلية والخارجية، بل ولعلَّه يُعَدُّ مركز الإحساس للألم، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النِّسَاء: 56]، وتبديل الجلود إنما يعني أن تكون فاعلية الألم مستمرة في العذاب الذي أوقع فيه الكافرون أنفسهم؛ في حين أنَّ المؤمنين يكونون بمنأى عن هذا العذاب، وذلك الألم، لأنَّ جلودهم كانت تقشعر وهم في الحياة الدنيا لمجرد تذكرهم عذاب الآخرة، يقول الله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزُّمَر: 23]، لأنَّ حديث ربهم هو أحسن وأصدَق الحديث الذي يأخذون منه العظات البالغة، عندما يستمعون إلى تكرار أخبار الأمم الغابرة التي أهلكت، لأنها لم تصدّق الأنبياء والمرسلين، ولم تكن تخشى الله بسبب إصرارها على الكفر والشرك.. كما تقشعر جلودهم عند الإنصات للقرآن المجيد وهم يستمعون إلى الآيات التي تتحدث عن عظمة الله تعالى، وجبروته، وعزته وكبريائه التي لو أنزلت على جبلٍ لخشع وتصدع من خشية الله، لقوله جلت عظمته: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحَشر: 21].
هذا عن بعض الانفعالات التي تحصل للناس في الدنيا.. أما في الآخرة فالأمر أشدُّ وأدهى، ومن قبيل ذلك:
شخوص الأبصار يومَ القيامة
يقال: شَخَصَ من بلدِهِ: إذا نفذَ وسارَ في ارتفاع؛ وشَخَصَ بصرُهُ: إذا فَتَحَ عينيه وجَعَلَ لا يطرف.
يقول الله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ *مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ *} [إبراهيم: 42-43].
... فقد يسرح الظالمون في هذه الدنيا ويمرحون، وقد يتجبَّرون، ويستكبرون، ويتمَلَّكون ويُمَلِّكُونَ!.. وهم في غفلةٍ عمَّا ينتظرهم!.. ولكن هل تَحسبُ الله - جلَّ جلالُهُ - غافلاً عمَّا يعمل هؤلاء الظالمون؟ أبداً.. وحاشا للَّه سبحانَه أنْ يغفل، إنَّما يؤخّرهم ليوم القيامة، ليوم الفزع الأكبر، حيث يكونون في حالةٍ من الرهبة والهلع - كما يصوّرهم التعبير القرآني - تجعلهم يسرعون إلى الحشر، وعيونهم مفتوحة، متسعة الحدقات، حتى لا تعود تقوى على الإغماض وهم مسرعون إلى الحشر، رافعي رؤوسهم، وأبصارهم شاخصة نحو الأعلى فلا تطرف، كأنَّما أصابَ جفونَها الجمودُ لما يلازمها من النظر إلى ما تقع عليه من هول المشهد. أما أفئدتهم فهي خواءٌ إلاَّ مما يتأجج فيها من مشاعر الرعب التي تملأُها، كما يملأ الهواءُ الإِناءَ الأجوف!.. وفي موضعٍ آخر من القرآن الكريم، تبرز نفس الصورة لخشوع الأبصار، مع ما يصاحبها من الذل والإرهاق؛ يقول تعالى: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ *خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ *} [المعَارج: 43-44].
تغيّر ملامح الوجوه يوم القيامة
يقول الله تعالى: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ *تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ *أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ *} [عَبَسَ: 40-42].
فالغبرة - معروفة - هي الغبارُ المثار. والقَتَرة هي من الكَدَرَة، أي من الطين الذي يعلوه طحلب ومَدَر؛ والكُدْرَة من الألوان ما يشوبه السواد.
والمعنى أن وجوه الكفار الفاجرين إنَّما يغشاها سوادٌ قاتمٌ يومَ القيامة بسبب ما يشعرون به من الخزي والمذلة والهوان، فكأنَّما طليت وجوههم بطين كدرٍ، تعلوه غبرة داكنة حتى صارت على تلك الحالة من السواد.. وهذا ما يوحي بشدة المعاناة، والقهر، والعسر الذي يصيبهم يومئذٍ، فانعكس ذلك الإرهاقُ الذي لا يطيقونه على وجوههم.. ويُلاحظُ أنَّ البيانَ القرآني قد وصفهم بأنهم «هم الكفرة الفجرة»، أي الذين جمعوا ما بين الكفر والفجور، بمعنى أنَّهم لم يكتفوا بكفرهم في الحياة الدنيا، بل أضافوا إليه الفجور الذي فيه تمزيق الدين، وتسخير كل شيء لأهوائهم ومطامعهم .. ونحن متى علمنا ذلك أدركنا ما للتعاليم التلمودية، والتعاليم التوراتية المبتدعة - وليس كما أُنزلت في صحف موسى (عليه السّلام) - من تأثير على عقول الذين اتخذوها عقيدة دينية، توحي إليهم أنَّهم هم أسيادُ العالم، وأنَّهم مخوَّلون بأنْ يقدّموا للأمم والشعوب الأفكارَ والمبادئ والنظمَ التي يريدون، وما على العالم - بكل أممه وشعوبه - إلاَّ الرضوخ، والقبول بما يقدّمونه، وإلاَّ كان الذين خرجوا على تلك الطاعة «إرهابيين، وعلى العالم - بأسره - أن يسحقَهم!!»... وهذا تماماً ما تقوم به الولايات المتحدة الأميركية اليوم، بسبب ما يتحفُ به المحافظون الجدد إدارتها من النظريات، والمبادئ التي تجعلُ الناسَ - جميعاً - عبيداً للفكر الصهيوني العالمي، الذي يجري تنفيذه على أرض الواقع بسياسة الخداع، والكذب، وإلاَّ فقوة السلاح، وأقربُ الأمثلة في حاضرنا: أفغانستان، فلسطين، العراق، لبنان، وما يجرُّه بسببه الصهاينة والأميركيون والإنجليز على شعوب هذه البلدان من النكبات والويلات.
ومن الأمثلة كذلك على الانفعالات التي تصاحب النفس البشرية:
- انفعال الضحك والبكاء.
- انفعال الغضب.
- انفعال الحب.
1 - انفعال الضحك والبكاء
الضحك انبساط في الوجه مصحوب بزفير متقطع، وصوت مسموع، ناجم عن سرور في النفس. ومنه: القهقهة، وهي ضَحِكٌ تبدو معه النواجذ، ولذا سميت مقدمات الأسنان الضواحك. ومنه التبسُّمُ: وهو ضحك بلا صوت. ويستعار الضحك للسخرية فيقال: ضحكتُ منه. والضُّحَكة عندما تضحك من الناس بسخرية أو هزء، بينما الضُّحْكة عندما يضحك الناسُ عليه ويسخرون منه. قال تعالى: {وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} [المؤمنون: 110]. والأضحوكة كل ما يُضحَكُ منه.
والضحك ضده البكاء، فكما ينجم الضحك عن السرور، فالبكاء ينجم عن الحزن، كما في قوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى *} [النّجْم: 43]، أي أوجد سبب الضحك من السرور، وسبب البكاء من الحزن. والله تعالى موجد الأسباب حقاً، ولكن مباشرة الضحك والبكاء تكون بفعل إرادي من الإنسان.. كما يبيّنه قوله تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} [التّوبَة: 82] أو قوله تعالى: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ *وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ *} [النّجْم: 59-60] أي إنه - سبحانه - نسب الضحك إليهم... ويأتي الضحك بتفتح أسارير الوجه عن سرور، وعجب في القلب، فإذا أصاب الإنسانَ منه ما لا يمكنه دفعه، فهو من الله تعالى.
أمَّا البكاء الذي يصحبه عادةً جريانُ الدمع من العيون، فيكون سببُه غمّاً في القلب، وقد يكون عن فرحٍ يمازجه تأثرٌ بأمرٍ معينٍ، فكأنه عن رقّةٍ في القلب.
وهكذا نجد أنَّ الله سبحانه وتعالى أودع في تكوين هذا الإنسان خاصيَّةَ الضحك، وخاصيَّةَ البكاء، وهما من أسرار التكوين البشري، فلا يدري أحد ماهيتهما، ولا كيف يقعان في هذا الجهاز النفساني المعقد، الذي لا يقلّ تركيبه وتعقيده النفسيعن تركيبه وتعقيده العضوي، والذي تتداخل المؤثرات النفسية، والمؤثرات العضوية فيه، وتتفاعل لإحداث الضحك أو إحداث البكاء. وكل ما يتبدَّى من هاتين الخاصيتين هو مظاهر لحالات نفسية وعضوية ناتجة من تفاعل المؤثرات في الكائن البشري.
2 - انفعال الغضب
إنَّ الغضب يُعَدُّ من العاهات النفسية، لأنه يعطّل الفكر، ويفقده القدرة على إصدار الحكم الصحيح، أو تقدير النتائج التي تؤدي إليها ردَّةُ الفعل الغضبية، وهذا ما يورث الشر، في معظم الأحيان.
والخطر الناجم عن الغضب يجب تلافيه بالتحكم في انفعالاتنا أثناء الغضب. لأنَّ من شأن هذا التحكم أنْ يعيد إلى الإنسان وعيه، ويجعله قادراً على التفكير السليم، فلا يتورّط في قول أو فعل قد يندم عليه في ما بعد، كما أنَّ من شأنه أنْ يحفظ توازن الجسد، فلا ينتابه التوتر الذي ينتج من زيادة الطاقة الحيوية نتيجة لإفرازات الكبد كمية أكبر من السكر. وبالسيطرة على التوتر الناجم عن الغضب لا يندفع الإنسان إلى أعمال عدوانية كالأذى المعنوي والمادي الذي يصيبُ به الغضبانُ غيرَهُ... ثم إنَّ عدم مواجهة الغير بعمل عدواني، بل التصرّف معه بهدوء واتزان قد يذهب بالبغضاء والمشاحنة، ويورث الصداقة والمحبة بين الناس، كما يوجّهنا إلى ذلك قول ربنا تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فُصّلَت: 34]. وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ *} [الشّورى: 37].
ولعلَّ أهم السبل التي نقدر بها على التحكم بأنفسنا في حالة الغضب هو كظم الغيظ؛ يقول الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ *الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ *} [آل عِمرَان: 133-134] فالغيظ هو أشدُّ الغضب، ويقال له: «سَوْرة الغضب» التي تأتي من حرارة فوران الدم في القلب. أما كظم الغيظ فهو حبسه؛ وقد وصف الله تعالى هؤلاء {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} [آل عِمرَان: 134] بأنهم من المتقين. كما ورد في الحديث الشريف أنَّه: «إذا أوقف العباد نادى منادٍ: ليقم مَنْ كانَ أجرُهُ على الله وليدخلِ الجنةَ، قيل: من ذا الذي أجرهُ على الله؟ قال: العافون عن الناس، فقام كذا وكذا ألفاً فدخلوا الجنةَ بغيرِ حساب»[*] .
3 - انفعال الحب
قد يكون من حسن التذكير أنَّ الإنسان كلما امتلأ قلبه بالحب غنيت حالاته النفسية، وحياته الاجتماعية، بالراحة والاطمئنان، لأنَّ هذا الحبّ هو الذي يجعله يشيع في ما حولَهُ الأنس، والطيبة، ولذة العيش والسرور.. ويبيّن القرآنُ الكريم أنَّ الإنسان اكثر ما يحب من الناس: الآباء والأبناء، والأخوة، والأزواج، والأقرباء من أبناء العائلة في النسب، والأصدقاء. كما أنَّ أكثر ما يحبُّ من الأشياء: الأموال التي يجنيها، والتجارة التي يديرها، والمساكن التي يشيدها.. وذلك كما نفهم من قول الله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ *} [التّوبَة: 24]. ولكنَّ هذه النصوص تحذرنا من الإفراط في حبّنا، إنْ كان للبشر من ذوي القربى، وإنْ كان للأشياء التي نملك، لأنَّ مثل هذا الإفراط قد يجعلها أحبَّ إلينا من الله ورسوله، والجهاد في سبيل الله، وهذا مدعاةٌ لغضب الله، يأتي الوعيدُ الذي قد يعقبه أمره تعالى بالعذاب الذي ينزله بنا.. بل قد يكون في الحب لتلك الشهوات ما يصرف عن طاعة الله تعالى، أو العمل بما يرضيه. فنقع في المحظور الكبير، الذي يدخلنا في فئة الفاسقين - لا سمح الله - فلا نهتدي بعدَه أبداً..
السيطرة على الانفعالات
ولقد بات معروفاً أنَّ الانفعالات، قد تساعد الإنسان في المحافظة على حياته، وحياة الآخرين من بني جنسه؛ إلاَّ أنَّ شدة الانفعالات وكثرتها قد تسبب للإنسان أضراراً نفسية وفيزيولوجية متنوعة.. وقد أثبتت الدراسات الحديثة في الطب النفساني أنَّ نشوء كثير من الأعراض الجسدية إنما يكون ناجماً عن اضطرابات نفسية. وقد يتردد كثيرون على العيادات وهم يشكون من بعض الأمراض، فيكتشف الأطباء أنَّ العلاجات الطبية لا تفيدهم، لأنهم يعانون من عوارض نفسية قد تسببها في الغالب المشكلات التي تواجههم في حياتهم.
ويحرص القرآن الكريم على توجيه الناس إلى السيطرة على انفعالاتهم في كل ما قد يقع أو يحصل معهم لما فيه من فوائد جمة لهم؛ وتكون السيطرة على الانفعالات سواء في الفرح أو الحزن، في الجرأة أو الخوف، أو في الحب للأبناء والأموال، وما إلى ذلك... حتى يبقى الإنسان في حالة توازن نفسي، فلا يندفع وراء انفعالاته التي قد تقوده إلى التهوّر ويحصل ما لا تحمد عقباه. ولذلك فإن المؤمن الصادق غالباً ما يسيطر على الانفعالات الضارة التي قد تعتريه، فهو مثلاً يكظم غيظه بحيث لا يصبُّ جام غضبه على من أساء إليه؛ ولكنه يغضب لله تعالى، أي لكلِّ ما يغضب المؤمنين، لأنَّه جلَّ وعلا إنَّما يغضب لغضب أوليائه، وعباده الصالحين، وسبيله إلى ذلك القرآن المجيد والسنة النبوية الشريفة، حيث لا يجد المعالجات اللازمة في حالات الانفعال وحسب، بل لكل ما يثير الاضطرابات ويسبب الأمراض النفسية، و إلاَّ عاش الإنسان في القلق والضياع.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB