علم النَّفس (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




الفصل الحادي عشر - الدوافع والبواعث

يقال في اللّغة: دَفَعَهُ يدفَعُهُ دَفْعاً: نحَّاهُ بقوة وأَزالَهُ؛ ودفع عنه الأذى: حماهُ منه، ودفعَ الشيءَ في آخَرَ: أدخلَهُ فيه؛ ودفعَ فلاناً إلى الشيء: اضطره إليه أو حمله على فعله؛ «والدوافعُ: أسافلُ الأرض السهلة حيث تدفع فيه الأودية أسفل كل أرض؟»[*] ؛ وهذا كُلُّهُ يعني أنَّ الدفع يشتمل على الحركة، وأنَّ الدافعَ هو المحرِّك.
وفي «علم النفس» يطلق لفظ الدوافع على القوى الانفعالية التي تحرك نشاط الإنسان وتوجهه نحو هدف معين. والدافع إما أنْ يرجع إلى النفس، وإما أنْ يرجع إلى الجسم. بمعنى أنَّ الدوافع هي ما تنطوي عليه فطرة الإنسان من حاجات عضوية وغرائز وما يختزن عقله من أفكار وتصورات.. فإذا خضع الإنسان لدوافع الحاجات والغرائز كان مسيراً بالأهواء، وإذا خضع لدوافع الأفكار والتصورات كان مسيراً بالعقل. ولذلك يفرق بين الدوافع والبواعث، فإذا رجعت أعمال الإنسان لأسباب غريزية أو حاجات عضوية سُمِّيت هذه الأسباب الدوافع أو الحوافز، أما إذا كانت الأسباب عقلية فإنها تسمى البواعث. فالدوافع هي التي تحرك، والبواعث هي التي توجه، ولا يمكن للإنسان أنْ يتجرد منهما أبداً. وبمعنى آخر إنَّ البواعث ما ينشأ عن العقل، والدوافع ما ينشأ عن الفؤاد. وإذا كان بعض المؤلفين يستعملون البواعث والدوافع بمعنى واحد، فمردّ ذلك إلى أنَّ الأفكار لا تُحمل على الفعل في معظم الأحيان، إلا إذا كانت مصحوبة بالانفعالات والعواطف. وهذا ما جعل البعض يستعملون أيضاً الدوافع والغرائز بمعنى واحد، ويعرّف الغرائز بأنها «قوى موروثة لا عقلانية تجبر السلوك على اتجاه معين، وهي تشكل بصورة جوهرية كل شيء يفعله الناس، ويشعرون به أو يفكرون فيه».
ولكن سرعان ما ظهر خطأ هذا الاتجاه الذي يُطلِقُ على «الدافع» أو على الفعل اسم «الغريزة»، بحيث يعتبر كلَّ فعلٍ يأتيه الإنسان صادراً عن غريزة، وهذا خطأ بذاته لأنه يُبعِدُ عن الفهم الحقيقي للسلوك، ولذلك كان هذا الاتجاهُ موضعَ انتقاد واسع.
ومن تلك الانتقادات ما عبّر عنه أحدهم بسخريةٍ، عندما قال: «يقال إنَّ الغرائز تجبر الإنسان على فعلٍ ما. فإذا كان المرء دائم التنقّل مع أقرانه فإنَّ «غريزة التجمع» هي التي تدفعه. وإذا سار بمفرده فإنها «غريزة اللااجتماع». وإذا تشاجر مع شخص آخر فإنها «غريزة المشاكسة». وإذا شعر باختلافه عن الآخرين فإنها «غريزة تحقير الذات». وإذا عبث بأنامله فإنها «غريزة تضييع الوقت».
وهكذا تمّ تفسير كل ما يحدث في حياة الإنسان بسهولةٍ ويسرٍ يدلاَّن على ضحالةٍ في التفكير وسطحيةٍ في الفهم.
ويمكن القول إنَّ الدوافع بوجه عامٍ: إما أنْ تكون دوافع ترتبط بحاجات الجسم، وتدفع الإنسان إلى إشباع حاجاته العضوية كالجوع والعطش والنوم، أو إشباع غرائزه من أجل بقائه وحفظ نوعه.. وإما أنْ تكون دوافع نفسية وهي التي تُكْتَسَبُ إجمالاً بالتعلّم، وبتأثير البيئة وعواملها على حياة الإنسان.
الدوافع الفطرية
إن حكمةَ الخالق العظيم قد أودعت في الإنسان - بل في كل كائن حي - من الخصائص والميزات ما تجعله قادراً على تنمية وجوده وأداء وظيفته. ولعلَّ الدوافع الفيزيولوجية هي من الخصائص الأساسية في تكوين الإنسان نظراً لما هي ضرورية لبقاء الفرد، وبقاء الجنس البشري على حدٍّ سواء. وميزةُ هذه الدوافع أنها تعمل على أداء وظائف بيولوجية هامة جداً؛ فهي التي تساعد على تلبية حاجات الجسم، وسدِّ ما قد يطرأ عليه من نقص كيميائي، ومقاومة ما قد يطرأ عليه من خلل أو اضطراب أو فقدان توازن، ولذلك فهي تؤدي دور المحرك لإنتاج الوظائف التي تعمل على الاحتفاظ للجسم بقدر معين من التوازن الحيوي؛ فإذا قلَّ الغذاء في الدم مثلاً، أو قلَّ الماء في الأنسجة، أو ازدادت حرارة الجسم عن حدّها الطبيعي، واعتراه من جراء ذلك الإرهاق، فإنَّ تلك الدوافع تتحركُ بسرعةٍ، وتوجِّهُ الأعضاء والخلايا المعيَّنة للقيام بالنشاط اللازم لإعادة التوازن إلى الجسم؛ وهذا ما ذهبت إليه الدراسات البيولوجية والفيزيولوجية، أي إنَّ في جسم الكائن البشري ميلاً طبيعياً إلى الاحتفاظ بدرجة معينة من التوازن، فإذا اختلَّ هذا التوازن قامت الدوافع الفطرية أو الطبيعية بتحريك العناصر التي من شأنها إيجاد نشاط توافقي يعيد إلى الجسم توازنه. وقد يتم هذا النشاط التوافقي إما بصورة لا إرادية، مثل تصبب العرق في حالة ارتفاع درجة الحرارة في الجسم لدى قيامه بنشاط قوي، ويكون من شأنه خفض درجة الحرارة، أو كما يحصل عندما تدمع العين في حال ملامسة جسم غريب لها، فتتحرك خلاياها، وتُنزل الدموعَ لتطرد هذا الجسم الغريب، وإما أنْ يتم هذا النشاط التوافقي بصورةٍ إراديةٍ، كأنْ يقدم الإنسان على تناول الطعام في حالة الجوع، أو على شرب الماء في حالة العطش، أو الإخلاد إلى النوم في حالة النعاس.. وهكذا الحال بالنسبة لمختلف النشاطات العضوية التي تؤمِّن التوازن في الجسم عن طريق الإشباع المعتدل..
وفكرة التوازن الحيوي هذه، التي اكتشفها العلماء حديثاً، يشير إليها القرآن الكريم في آيات كثيرة لا تتناول الإنسان فحسب، بل ومكونات الكون كله. ومنها قوله تعالى: {وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ *} [الحِجر: 19].
وعن التوازن في خلق الإنسان يقول تعالى: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ *} [الانفِطار: 7]. ومعنى «عدلك» أنَّ الذي خلقك جعلك معتدلاً، متوازناً، سويَّ الخَلْق، وهذا الاعتدال أو السواء يدخل في كامل تكوين الإنسان، سواء في هيئته الخارجية أو في تركيبته النفسانية. وفي أداء سائر أعضائه لوظائفها المختلفة، أي إنه يتضمن مفهوم التوازن الحيوي اللازم لحفظ الإنسان وبقائه.
ويمكن أن نستدل على الدوافع الفطرية بقول الله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَال ياآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَى *} [طه: 120]، فهنا نجد أنَّ الشيطان قد وسوس لآدم (عليه السّلام) بفكرة الخلود في حياةٍ دائمة لا موت فيها، ولكنَّ الذي تحرَّك في نفس آدم هو غريزة حب البقاء، وهي التي جعلته يستسلم لإغواء الشيطان، فيأكل هو وزوجُهُ من تلك الشجرة التي نهاهما ربهما عن الاقتراب منها، ويقعان في المعصية. ولعلَّ في تلك التجربة - وكانت أول تجربة يقع فيها الإنسان - ما يدل على تأثير وأهمية الدوافع في حياة بني آدم.. فإذا كان هذا تأثيرها في آدم نفسه، وهو أبو البشرية، فكيف ببني آدم، هؤلاء البشر الضعاف الذين تؤثر في حياتهم جميع الدوافع والبواعث، وتحرك انفعالات نفوسهم بشكل سريع، فيسعون في الأرض جاهدين، لاهثين، على ما نراه في حياة الناس؟!..
الدوافع النفسية
وكذلك الأمر بالنسبة إلى النفس، أي إنها مثل الجسم تتحرك بالدوافع، بمعنى أنَّ الإنسان غالباً ما يشعر بدوافع مثيرة من شأنها أن تحرّك بعض ميوله ورغباته، فيقدم على أمور لا يرتضيها عقله، فإن عمل بتوجيه هذا العقل، مستبعداً تلك الأمور من حياته، فإنَّ ذلك يؤدي إلى كبت مشاعره حيالها، أو طرد الدوافع المحركة لها، فتكمن في الباطن.
ولكن قد تقوى الدوافع النفسية، في أحيان كثيرة، بحيث لا يقدر الإنسان على ضبطها، أو التحكّم فيها، وعندها لا بد أنْ يظهر تأثير الدوافع بطريقة غير مقصودة تعبيراً عما يجيش في النفس. ومن قبيل ذلك ما يظهر على الوجوه أو في زلاّت اللسان، كما في قول الله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ *وَلَوْ نَشَاءُ لأََرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ *} [محَمَّد: 29-30]. وقوله تعالى واضح من حيث إنَّه يدلُّ على انفعالات النفس التي تظهر على الوجوه، وفي أقوال الذين تحبل قلوبهم بالضغائن والأحقاد، وذلك بصورة غير إرادية نتيجةً لقوة الدوافع الكامنة في نفوسهم.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «ما أَسَرَّ أحدٌ سريرةً إلا كَسَاهُ الله جِلْبَابَها: إنْ خيراً فخيرٌ، وإنْ شراً فشرٌ»[*] . وروي عن عثمان بن عفان (رضي اللَّه عنه) أنه قال: «ما أسرَّ أحد سريرةً إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتاتِ لسانِهِ».
وكذلك الأفعال والأقوال المعبِّرة عن الدوافع، فإنها مثل سمات الوجوه، تظهر في حالة انعدام ضبط الدوافع، وتتخذ أشكالاً من مثل الأذى، والسرقة، والقتل، والظلم، والتكبّر، وذرّ الفتنة الخ...
الصراع بين الدوافع
إنَّ الإنسان، في تفاعله مع الآخرين، ومع الحياة ككل، كثيراً ما يشعر بالصراعات داخل نفسه، وعادة ما ينتج الصراع عن تعارض الدوافع لديه، إذ قد يجذبه بعض مشاعره لأمرٍ معين، وتدفعه مشاعر غيرها عنه، وبهذا التعارض بين الجذب والدفع، يحصل الشعور بالعجز والقلق والحيرة، حتى لا يعود الإنسان قادراً على اتخاذ قرارٍ، أو موقفٍ حاسمٍ حيالَ الأمر الذي يشغله.
وفي حياة الإنسان أمثلة حيَّة عن هذا الصراع: فقد يشتهي أحدهم امرأةً محرَّمةً عليه شرعاً أو قانوناً، فيقف له بالمرصاد الوازعُ الديني، أو الأخلاقي أو الاجتماعي، وهي جميعها دوافع شعورية، تحول بينه وبين ما يشتهي، فيقع في الألم والحسرة.. وقد يرغب في اقتناء أو تملك شيء معين، ولكنَّ إمكاناته المالية لا تتيح له ذلك، فتسوّل له نفسه الحصول على المال بطريقة غير شرعية أو غير قانونية. وينشأ الصراع في داخله بين الحصول على المال الحرام لاقتناء ذاك الشيء الذي يرغب فيه، والعزوف عنه.. أو قد يُدْعى المرء إلى حفلةٍ ساهرةٍ في مكان للّهو والمتعة، فيتردَّد بين الذهاب وعدمه لاعتبارات كثيرة .. وقس على ذلك أموراً كثيرة تواجه الإنسان وتسبب له الصراعات النفسية!...
ويصور القرآن الكريم حالة هامةً من الصراع النفسي لدى كثير من الناس الذين تتجاذبهم دعوات الكفر والإلحاد من ناحية، ودعوات الإيمان والهدى من ناحية ثانية، وكيف يقعون في الحيرة والتردد، يقول الله تعالى: {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعَام: 71].
إنها صورة حسيّة، يرسمها القرآن الكريم، للإنسان الحائر المتردد: فالشياطين من الإنس والجنّ تعمل جاهدة كي تفتنَ من يكون خاصةً هَوِيَّ الفؤاد، فتهجمَ عليه، وهي تدعوه لاغتراف اللذائذ، وإشباع الشهوات، لأنَّ عمره فانٍ - كما يزينون له - وعليه اقتناص الفرص قبل فوات الأوان.. بينما - بالمقابل - قد يكون لهذا الإنسان أصحاب مؤمنون، يدعونه إلى الهدى، والتخلّي عن كل ما يمكن أن يوقعه في أحابيل الشياطين، لأنَّ ذلك يقوده إلى الضلال، وسخط ربه عليه، وهذا ليس من مصلحته بشيء، لأنَّ أعماله ستكون ويلاً عليه في الآخرة!...
وبين إغواء الشياطين، ودعوة المؤمنين يقف مثل هذا الإنسان حيرانَ، متردداً، تتوزعه الأفكار والمشاعر المتضاربة حتى يصيرَ مشتَّتَ الفؤاد، لا يعرف إلى من ينقاد، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، وقد ينعكس ذلك على حياته حتى يشلَّ تفكيره وأعماله، فلا يستطيع أن يتخذ قراراً، أو أن يغلّب موقفاً، وكأنه لا يقدر على شيءٍ في حياته.. فهذا نموذج لما قد يخالج الإنسان من صراعٍ بسبب دوافعه النفسية. ولا تقف أدلَّةُ القرآن الكريم عند حالات الصراع النفسي لدى الأفراد، بل تتعداها إلى حالاتٍ أكبر شمولية، فيما قد تواجه الجماعات من أوضاعٍ مستجدة تجعلها حائرة في اتخاذ القرار بشأنها. يقول الله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ} [النِّسَاء: 90]... وتلك الجماعة كانت تتمثل ببعض قبائل المشركين، التي عقدت تحالفاتٍ مع المسلمين - في طور تأسيس الدولة الإسلامية - بألاَّ يكون قتالٌ بينها وبينهم؛ فكانت تلك القبائل تقفُ حائرة بين حفاظها على مواثيقها مع المسلمين، وقتالهم في كل مرةٍ تدعوها قريش وحلفاؤها لهذا القتال، وخصوصاً أنَّ عدم قتال المسلمين فيه إحراج شديدٌ لتلك القبائل في بيئةٍ تقوم على القبلية والعشائرية. ولذلك كان رؤساء تلك القبائل وشيوخها يجيئون إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وقد امتلأت صدورهم بالضيق، لما يعانون من الصراع الدائر في تلك الفترة، والذي كان ينعكس سلباً على مشاعرهم وحياتهم... وكذلك الأمرُ اليومَ في العلاقات الدولية، إذ من المعلوم أن الخلافات والمنازعات قد تنشب بين الدول المتجاورة أو البعيدة، وقد يكون لبعض رعايا هذه الدولة أو تلك مصالح خاصة من مثل القيام بالتزامات أو تعهدات مشاريع معينة، أو مؤسسات منشأة لدى دولة أخرى، ثم ينشأ النزاع بين دولة هؤلاء الأشخاص، والدولة التي تقوم مشاريعهم ومؤسساتهم على أراضيها، وقد ينعكس ذلك عليهم صراعاً نفسياً مريراً، بين ولائهم لدولتهم، وحرصهم على مصالحهم في حال اتخاذ الدولة المضيفة إجراءات ضد دولتهم، بحيث يتحول الصراع النفسي لدى هؤلاء الناس إلى آلام، دافعها أو محرّكها الضرر الذي قد يحصل لهم أو ربما لدولتهم من جراء النزاع!..
ويُبرز أيضاً القرآنُ الكريمُ حالةً من الصراع النفسي الحادّ لدى المنافقين، الذين دخلوا ظاهرياً في الإسلام، حرصاً على حياتهم وأموالهم، بينما كانوا يبطنون أشدَّ العداوة للمسلمين، يقول الله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً *مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً *} [النِّسَاء: 142-143].
فهل أدلُّ على حدة الصراع النفسي من تلك الأحوال التي كان يعيشها أولئك المنافقون في المدينة المنورة؟.. لقد رأوا الإسلام يزدادُ عزَّة يوماً بعد يوم، بينما يذوي أهل الشرك من حولهم تباعاً، فدخلوا في الإسلام وهم يوطّنون أنفسهم على التريث والانتظار لمن ستكون الغلبة، فإنْ عادت شوكة المشركين إلى سابق عهدها، ارتدّوا عن الإسلام مطمئنين.. ومن سوء إدراكهم، كان ظنُّهم الواهم أنَّهم يخادعون الله عزَّ وجلَّ، بإظهار دخولهم في الإسلام خلافاً لما أبطنوه من الكفر.. وفي هذا منتهى السفاهة لأحلامهم، إذْ لم يفكّروا بأنَّ الله تعالى يعلم أسرارهم، وما يبطنون من الكفر، وأنه قادر على أن يكشف نياتهم.. وإن من الآيات القرآنية ما يُخزي خداع أولئك المنافقين ويزري بهم بين الناس، لأنَّ الخداع والكذب يمقته الأحرارُ والشرفاء إلى أي عقيدة دينية انتموا.. ومن المظاهر الخبيثة التي كان يراوغ بها أولئك المنافقون، أنهم كانوا يأتون إلى الصلاة مع المسلمين متثاقلين، فلا يصلّون، ولا يذكرون الله تعالى إلاَّ رياءً ودجلاً!. فتلك الحالات التي كانوا يعيشونها جعلتهم مترددين بين الكفر والإيمان، لا ينتسبون إلى الكفار، ولا إلى المؤمنين، وفي ذلك أشدُّ المعاناة على النفس من جراء ذلك الصراع الذي ينتابها أو يجعلها في حالة دائمة من القلق وعدم الاستقرار..
إثارة الدوافع
إن الأهداف التي نسعى لتحقيقها، أو الحاجات التي نحتاج لإشباعها، هي التي تكمن وراء الدوافع التي تحرّكنا باتجاهها.. فعندما يحدد الإنسان هدفاً معيناً، فإنَّ هذا الهدف هو الذي يثير في نفسه الدافع، وعندما يحققه فذلك يعني إشباعاً للدافع. وغالباً ما يترافق هذا الإشباع مع مشاعر الرضا والسرور واللذة، بخلاف الفشل في تحقيق الهدف فإنه لا يؤدي إلى عدم إشباع الدافع وحسب، بل يوجد في النفس ألماً وسخطاً؛ والإنسان يميل بطبيعته إلى الأشياء النافعة أو التي تبعث في نفسه مشاعر الطمأنينة والسعادة، ويتجنب الأشياء الضارة أو التي تثير في نفسه مشاعر الاضطراب والتعاسة. ولذلك كان الإنسان ميالاً إلى تعلم الاستجابات أو الأفعال التي تحقق له النجاح أو المكافأة، ومجافياً للاستجابات والأفعال التي تؤدي إلى الفشل أو العقاب، كما تثبت ذلك معظم التجارب الحياتية.
وتتمثل دوافع المكافأة في القرآن الكريم بالترغيب في الثواب مثل ترغيب المؤمنين في نعيم الجنة، بينما تتمثل دوافع العقاب بالترهيب من الجزاء، كما هو الحال بترهيب الكافرين والمشركين من جحيم النار.. فالآيات القرآنية التي ترغِّب في نعيم الجنة تحرّك في نفوس المؤمنين الدوافع للتمسك بالتقوى، والإخلاص في أداء العبادات، والقيام بالأعمال الصالحة، بينما الآياتُ القرآنيةُ التي تخوِّف من جحيم النار تتعمَّد إثارةَ الرهبةِ في النفوس، وما ينتظرها من العذاب الأليم، لكي تردعها عن ارتكاب الذنوب والمعاصي، وهذا ما يثيره القرآن من الدوافع بوجهٍ عامٍ؛ وهذه الدوافع هي التي تجعل المسلم في حالة استعدادٍ تام، وتهيؤ كامل للعمل بتعاليم الإسلام وفقاً لأحكام القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وفق سلوك إيماني قويم، ومنهاج للحياة أصيل.
وعظمة القرآن الكريم أنه يتناول إثارة دوافع الترغيب والترهيب معاً، لأنَّ استخدام الترهيب وحده قد يؤدي إلى طغيان الرهبة على الأنفس فتعيش في الخوف والقلق واليأس من رحمة ربها، ولأنَّ استخدام الترغيب وحده قد يؤدي إلى سيطرة مشاعر التواكل، والتراخي، والغفلة فتركن الأنفسُ إلى رحمة ربها متمنية على الله ما ليس لها؛ وبهذا المعنى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «ليسَ الإيمانُ بالتمنّي ولكنْ ما وَقَرَ في القلب وصدَّقَهُ العملُ. إنَّ قوماً أَلْهَتْهُمْ أمانيُّ المغفرةِ حتى خَرَجوا مِنَ الدنيا ولا حسنةَ لهم، وقالوا نُحْسِنُ الظّنَّ بالله، وكَذَبُوا، لو أَحْسَنُوا الظَنَّ بالله لأَحْسَنُوا العملً له»[*] .
ومن الآيات القرآنية الكريمة التي تجمع ما بين الترهيب والترغيب قولُ الله تعالى: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ *مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ *لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ *} [آل عِمرَان: 196-198]، فالكافرون مهما نالوا من متاع الحياة الدنيا فإنَّ مصيرهم إلى النار، أما المؤمنون فإنَّ تقواهم وصالح عملهم هي سبلهم إلى الجنة..
وكذلك فإنَّ من العوامل التي تساعد على إثارة الدوافع، ما قد يحصل من أحداث هامة تهز ضمائر الناس وتشدُّ اهتماماتهم. وهذا ما يشير إليه القرآن الكريم في الآيات التي كانت تتنزّل لتعليم المسلمين وتلقينهم الدروس والعبر المفيدة في التفكير والسلوك، بعد أنْ تثير في أنفسهم دوافعَ الشعور بالمسؤولية، وتحمُّل الأعباء، التي تستلزمها الدعوة، غير متخاذلين، ولا مطمئنين إلى بعض التصورات التي لا تتوافق مع وقائع الحياة، ومشيئة الله تعالى المطلقة. ومن الأمثلة على ذلك، الآيات التي تنزَّلت في أعقاب غزوتي «أُحُدٍ» و«حُنَيْنَ». فالآيات القرآنية التي تناولت معركة «أحد» تتضمن من الدروس البالغة، ما من شأنه أنْ يعلّم المسلمين وجوبَ الامتثال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، وطاعته، وأنَّ النصر لا يكون إلاَّ بأسباب، كما أنَّ الهزيمة لا تكون إلا بأسباب، فإنْ هيَّأَ المسلمون كلَّ أسباب النصر، فعليهم تركُ النتائج إلى الله تعالى الذي بيده الأمر، وهو ينصر من يشاء، ويخذل من يشاء. وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ *} [آل عِمرَان: 152].
أمَّا الآيات الكريمة التي أعقبت غزوة «حنين» فقد توخَّتْ أنْ يَثْبُتَ في الأذهان عدم إعطاء الأولوية لعنصر الكثرة، لأنَّها وحدها لا تُفضي بالضرورة إلى النصر، وأنَّ الركونَ إلى الكثرة وحده قد يكون مدعاة للهزيمة، لأنَّ من شأنه أنْ يؤدي إلى التواكل البعيد عن التوكل الصحيح على الله تعالى الذي بيده وحده النصر، وهذا ما نستدلُّ عليه من قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ *ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ *} [التّوبَة: 25-26].
تلك هي أحداث فاصلة في حياة المسلمين، كانت لها آثارها الهامة على حياتهم وفي نفوسهم.. وهي لا تزال بظلالها الندية تلامس قلوبَ المسلمين في كل حين، ليأخذوا منها العبر والعظات، فيستفيدوا منها في حياتهم، ويعملوا على تهيئة الأسباب التي تساعدهم على التخلص من عوامل الضعف التي تطغى على أوضاعهم.
ومن الأسلوب القرآني أنَّه يكرّر بعض الأحداث، أو بعض الحقائق في عدة سور منه، ليعطي في كل موضع من السورة آفاقاً جديدة للحدث نفسه، أو صيغة جديدة للحقائق، كما هو الحال في الأمور المتعلقة بالغيب من مثل الإيمان بيوم البعث والحساب، والجنة والنار.. أمَّا لماذا هذا التكرار، فلأنَّ من عموم مقاصد القرآن أن يعلّم الناس بالأسلوب البياني والبلاغي الذي من شأنه تثبيت معاني الأحداث، أو الحقائق في الأذهان بما يحيلُها إلى ملكاتٍ تحمل الدوافع لدى الناس، لكي يعملوا بما يرضي الله تعالى ورسوله الكريم، وفق منهج الإسلام وتعاليمه السامية.
ولأهمية هذا التكرار، فطنت إليه دراسات علم النفس الحديثة، فأَوْلَتْهُ عناية زائدة في عملية التعلّم، كما فطنت إليه المؤسسات التجارية والصناعية فأقرَّت موازنات خاصة للإعلان عن منتجاتها، تكرره دائماً من أجل التأثير في اتجاهات الجمهور، وجذب انتباهه إلى السلع التي تروّج لها.
انحراف الدوافع
الانحراف هو الميل أو العدول عن الشيء. ويطلق في مجال العلوم على انحراف إحدى الظواهر الكونية عن قانونها العام كانحراف القمر عن مساره وقت الخسوف؛ أما في علم النفس فالانحراف هو تحوّل إحدى الوظائف عن غايتها الطبيعية كالشذوذ الجنسي، أو الاضطراب الذهني الذي يوقع في الخطأ والتناقض أو النسيان. وبصورة عامة إنَّ الانحراف هو الخلل الذي يصيب بعض الوظائف العضوية أو النفسية فيحرفها عن بلوغ غايتها الطبيعية.
والانحراف في الدوافع يحصل عندما تتحكم هذه الدوافع بالإنسان بحيث لا يعود قادراً على السيطرة عليها، ويظهر هذا الانحراف مثلاً في السعي لإشباع حاجة عضوية أو إشباع غريزة من الغرائز بأيّ أسلوب يوصل إلى هذا الإِشباع، سواء كان هذا الأسلوب مالوفاً أو غير مألوف، طبيعيّاً أو غير طبيعيّ، كأنما يصبح اتباعه غايةً بحد ذاتها. وبذلك ينحرف الإنسان عن الكسب الحلال مثلاً، فيقوم بأعمال الاختلاس أو الرشوة أو السرقة وما إلى ذلك.. ومن قبيل ذلك أيضاً الإسراف في حب السيطرة والتفوق على الغير في كل شيء: في الإثراء، أو المنصب، أو الجاه، والنفوذ وما إلى ذلك مما يثير الحسد، والكراهية والتنازع بين الأفراد.. أو الإسراف في طلب الراحة، والانصراف إلى الدعة، والخلود إلى السكينة، مما يؤدي إلى الخمول وعدم الشعور بالمسؤولية لدى الإنسان سواء تجاه نفسه أو تجاه أفراد أسرته أو أبناء مجتمعه.. أو الإسراف في الحذر وعدم الثقة الذي يثير مشاعر العدوان في العلاقات بين الناس.. وما إلى ذلك من الانحرافات التي تنتج من تنوّع السفهات النفسية وتعددها عند الناس.
وهذه الانحرافات في الدوافع من شأنها أنْ تعوق استمرار حياة الفرد، والجنس البشري بشكل طبيعي، لا، بل إنَّها تُبعدُ الناس عن الغايات النبيلة والقيم العالية التي تتألَّقُ بها حياتُهم إيماناً وتقوى، وصلاحاً وإصلاحاً..
وكما هو الحال في انحرافات الدوافع النفسية فقد يصيب الانحرافُ الدوافع الفيزيولوجية أيضاً، والأمثلة على ذلك كثيرة كالإسراف في تناول الأطعمة والأشربة الذي يؤدي إلى الأمراض، والإسراف في النوم الذي يؤدي إلى الكسل والخمول، والإسراف في تناول المنشطات الجسدية التي تُحدِثُ في ما بعد ردة فعل، وتوقع الجسم في الوهن والضعف.
ولعلَّ من أهم الدوافع الفيزيولوجية، المعرضة للانحراف، الميلَ الجنسي؛ إذ إنَّ الشعور الجنسي يرمي، في الأصل لإشباع مظهر من مظاهر غريزة النوع، وفقاً لفطرة الإنسان أو طبيعته. ولكنَّ الإنسان قد ينحرف في علاقاته الجنسية، عندما يمارسها بطريقة شاذة، كاللواط ما بين الرجل والرجل، وقد ذمَّ القرآن هذا الشذوذ وقبَّح أهلهُ، وهم قومُ لوطٍ الذين شاع فيهم مرض الشذوذ الجنسي، بحيث كانوا يمارسون اللواط علناً حتى صار فاحشةً ما سبقهم بها من أحدٍ من العالمين، كما يدلُّ عليه قول الله تعالى: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ *وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ *} [الشُّعَرَاء: 165-166]. وقال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ *إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ *} [الأعرَاف: 80-81] ولكن ماذا كانت عاقبة قوم لوط؟ لقد أذاقهم الله تعالى أشدَّ العذاب في الدنيا قبل الآخرة، عندما قلب قراهم رأساً على عقب، وأهلكهم عن بكرة أبيهم، فلم يبق أحدٌ منهم إلاَّ لوطٌ (عليه السّلام) وبناتُهُ الأطهار..
ومن عجب أنَّ هذا الشذوذ الجنسي قد تفشى في المجتمعات إلى حدٍّ جعل بعض دول الغرب تصدر القوانين التي تشرّعه، تحت ستار الحفاظ على الحرية الشخصية، مخالفة بذلك سنة الله تعالى في خلقه لبني آدم، الذين شرَّع لهم الزواج ما بين الذكر والأنثى، وحرَّم أية علاقة جنسية ما بين الذكران، أو ما بين الإناث.. فإن خالف الإنسان الناموس الطبيعيَّ لخلقِهِ، فمعنى ذلك أنه أذهب الجمالَ المعنويّ الذي جعل الإنسان أحسنَ مخلوقات الأرض، وأكرمها على خالقها، وسفَّ به إلى مرتبة أدنى من البهائم، التي لم يعرف العلم، قديماً وحديثاً، صوراً عن تزاوج ذكرانها، أو أناثها في ما بينها..
من هنا كانت نظرة الإسلام إلى الدوافع تقوم على التحكم فيها، والسيطرة عليها، وعدم الإسراف في إشباع الحاجات العضوية والغرائز حتى لا تؤدي إلى الانحراف؛ فالمنهج الإسلامي يقرُّ الاعتدالَ في كل شيء، الاعتدال الذي يتوافق مع الطبيعة البشرية ويبتعد بالإنسان عن أي إسراف، يقول الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعرَاف: 31]. ويقول تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا *} [الفُرقان: 67] فسبحان الله الذي يهدينا إلى ما فيه تأمين مصالحنا الفردية والجماعية والإنسانية بطريقة الاعتدال والمنهج الحق.
وعلى هذا فإنَّ إدراك الإنسان لحقيقة تكوينه، ووعيه لمسؤولياته، وقيامه بواجباته، يُعَدُّ من أهم العوامل لتدارك الانحرافات أياً كان نوعها، فيزيولوجية أو نفسانية. وهذا ما يساعد الإنسان كثيراً على أنْ يكون صحيح البدن والنفس. ولكن إذا انحرف الإنسان في حياته الشخصية وفي أداء واجباته الاجتماعية، فإنَّ ذلك يؤدي إلى الإخلال بموازين الحياة التي تقوم على التوازن والاعتدال في الحقوق والواجبات. من هنا اقتضت الصحة النفسية التزام الإنسان القيام بواجباته، وتعويد نفسه على تحمل أعباء مسؤولياته وفقاً للقواعد والأصول التي تفرضها مصالح الفرد والجماعة على حد سواء...
والانحراف في الدوافع قد يصيب الإنسان في معتقده الديني، عندما يتحوَّل المتديّن - إلى أي ديانة انتمى - إلى متعصّب، حاقد، همُّهُ أن يكفِّر الآخرين كي يجد ذريعة لقتلهم.. وهذا ما يُعدُّ انحرافاً عن غريزة التديّن أو غريزة التقديس التي خلقها الله في الإنسان، ثم بعث سبحانه وتعالى الأنبياء والمرسلين لتصحيح مظاهر الانحراف الذي قد يصيب الناسَ في معتقدهم الديني، ولذلك كانت أيّ دعوةٍ للحرب أو الامتثال أو التفرقة باسم الدين، انحرافاً عن الحق، ودعوة إلى الظلم والفساد.
وإلزام النفس بالواجبات - الدينية والدنيوية - عملية نفسية إرادية، من شأنها أنْ تشعر الإنسان بقيمته وكفاءته، وبما أودع الله تعالى فيه من استعدادات للهدى والخير، فيشغل نفسه بالطاعات والمسؤوليات، ويطرد الدوافع إلى العصيان وعدم الالتزام بالموجبات، وإلاَّ فإن الأفكار والمشاعر قد تنحرف، وتطغى عليه، فينأى عن الحياة الطبيعية السليمة.
ولعلَّ من أهم دوافع الانحراف الفراغ الذي يعتري النفس ويشعرها بعدم أهميتها وقدرتها على التفاعل مع الحياة. فكما أنَّ الطبيعة لا تقبل الفراغ - كما يقال في علم الفيزياء - كذلك الطبيعة البشرية لا تقبل الفراغ الذي يوهنها ويؤدِّي بها إلى الضعف والانحلال. وهذا ما عَنَاهُ الخليفةُ عمرُ بن الخطاب (رضي اللَّه عنه) عندما كان يوصي أحد الولاة، وهو يقول له: «إنَّ الله خَلَقَ الأيدي لتعملَ. فأَشْغِلْها بالطاعةِ قبلَ أنْ تَشْغَلَكَ بالمَعْصِية» . وهذا ما يدلُّ على صدق النظرة إلى سلوك الإنسان الطبيعي، الذي لا يكون فيه مجال للانحراف عن أداء الواجبات، والالتزام بالطاعات.
وقد يظن البعض أنَّه يقع على عاتق الإنسان وحدَهُ عبءُ الاختيار بين الالتزام بواجباته أو التخلي عنها، لأنه في النهاية هو المسؤول عن خياراته.. أبداً ليس الأمر كذلك، فالإنسان لا يمتلك حريةً مطلقة في كل شيءٍ، حتى يتوهم أنه قادر على انتهاج السلوك الذي يريد، ووفق ما يريد، أي إنّه يمكن أن يتبع سلوكاً قويماً أو سلوكاً منحرفاً، بل هو يتحرك بمشيئة الله، وبعونٍ منه ومددٍ، بحيث يتمكن من خلال ألطاف خالقه به من تحقيق سلامته البدنية وأمنه النفسي.. ولذلك كان على الإنسان أنْ يعي واجباته نحو خالقه، ونحو نفسه، ونحو أسرته، ونحو الناس، وعليه أداء هذه الواجبات دون إفراط أو تفريط. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «إنَّ لنَفسِكَ عليكَ حقّاً، ولربكَ عليك حقّاً، ولضيفِكَ عليك حقّاً، وإن لأهلِكَ عليكَ حقّاً، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ»[*] .
السيطرة على الدوافع
يتبين لنا مما تقدَّم أنَّ الدوافع الفيزيولوجية، كالدوافع النفسية، إنما هي كائنة في صميم تكوين الإنسان، أي إنَّها تشكّل الدوافع الطبيعية، لتكون عاملاً هاماً يساعده في وجوده. فكان من الضرورة مراعاةُ هذه الدوافع لإشباع الحاجات العضوية والغرائز وفقاً لما تقتضيه الفطرة البشرية بالذات كما يؤكد ذلك القرآن الكريم في مواضع كثيرةٍ منه.
وإذا كانت الدوافع الفيزيولوجية والنفسية لها مثل هذه الأهمية في حياة الجنس البشري، فإنَّ مراعاتها، ومراقبتها والإقرار بتأثيرها، كل ذلك يفرض على الإنسان عدم التنكر لها أو كبتها. ولذلك نجد أنَّ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة - المبيّنة للقرآن - يدعوان إلى السيطرة على الدوافع، ولكن ضمن قاعدة الاعتدال التي تقوم على عدم الإفراط أو التفريط - كما أشرنا إليها، التي تضبط قدرتها على أداء وظائفها، وضمن المساحة التي تؤمن مصلحة الفرد، ومصلحة الجماعة التي ينتمي إليها، على حد سواء.
وهنالك فارق ما بين القمع والكبت للدوافع، فالقمع قد يعني عدم الاستجابة، بصورة إرادية، لدافع ما، أو لرغبة ما، ومقاومة إشباع هذه الرغبة، أي إنه لا يعني إنكار هذه الرغبة على الإطلاق، بل عدم إشباعها آنياً، وترك هذا الإشباع إلى ظروف أخرى أكثر ملاءمة. أما الكبت فهو إنكار الدافع أو الرغبة، بسبب الشعور بحقارتها، أو الخوف منها، ومحاولة إبعادها عن دائرة الاستجابة الفورية، وهذا ما يؤدي إلى كبت الرغبة وحبسها، وبالتالي إهمالها وطمرها. ولكنَّ وجود هذه الرغبة، ولو مطمورة في أعماق النفس - وليس في مَحْبَسةِ اللاوعي أو اللاشعور كما يدّعي بعض علماء النفس - تتحيَّنُ الظروف المؤاتية للظهور، وقد يكون ذلك بطرقٍ وحيلٍ لا إرادية، وهذا ما يسبب نشوء بعض الأعراض، أو حصول اضطرابات في السلوك، نتيجة للإزعاج أو القلق النفسي.
والقرآن الكريم يحذّر الإنسانَ من كبت دوافعه الفيزيولوجية والنفسية، وفي الوقت نفسه يبيّن له السبل التي من شأنها تنظيمَ دوافعِهِ والسيطرة عليها كي يأتي توجيهها توجيهاً سليماً يتوافق مع فطرته، ومع منهجيةٍ للسلوك قويمةٍ.. أي بما يجعل الإنسان قادراً على السيطرة على دوافعه، موجهاً لها، بدل أنْ يترك تلك الدوافع تتحكم فيه، وتصبح هي الموجِّهة له والمسيطرة عليه. ومن قبيل ذلك ما نستوحيه من قول الله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ *قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ *} [الأعرَاف: 31-32].
فالقرآن يدعو الإنسان إلى عدم التنكّر لدوافعه الفطرية، أو إنكارها وكبتها، حتى يجنّبه الوقوع في الصراع النفسي، وفي الوقت نفسه يحذّره من ألاَّ يُطلقَ العنان لدوافعه، ويتركها على حالها، حتى لا تتحكَّم فيه وتسيطر عليه.. أما السبيل الذي يفتحه القرآنُ أمام الإنسان، للتخلُّص من الصراعات الداخلية، فيظهر في دعوته إلى تنظيم الدوافع، وإشباع الحاجات العضوية والغرائز بطريق الحلال، والمباح شرعاً، وبشرط عدم الإسراف في هذا الإشباع إسرافاً يتنافى مع الفطرة والشرع؛ ومن قبيل ذلك اهتمام النصوص القرآنية بالمظهر الخارجي للإنسان بقدر اهتمامها بالحفاظ على صحة بدنه، وبالتالي على صحته النفسية لما بين البدن والنفس من ترابط وتفاعل.. وهذا ما تدلُّنا عليه نصوص الآيتين الكريمتين التي تحثُّ بني آدم على الكياسة والنظافة في اللباس الذي تسميه «زينة» لكي يكون مظهر الإنسان لائقاً، ولا ينفِّر الآخرين، أو يبعدهم عنه. ومثل هذه الكياسة مطلوبة، وخاصَّة من المؤمن عند القيام بالصلاة، والطاعات لله تعالى، كي يتجمَّل العبدُ بالآدابِ في صلته بخالقه، وتقدير هذا الخالق حقَّ قدره في جلاله، وقدسيته وعظمته.. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الطعام والشراب، فالنصوص القرآنية تدعو الناس لأن يأكلوا ويشربوا ما طاب لهم من المأكولات والمشروبات - إلاّ ما حرَّم الله تعالى عليهم، وهو قليل قليل بالنسبة إلى ما أحلَّ وأباح لهم، وهو كثير كثير - ولكن باعتدال، ودون إسراف حتى لا يؤدي ذلك إلى الإضرار بصحتهم؛ كما أنَّ هذا الاعتدال ضروري ليكون هنالك توافق وانسجام في تنظيم كافة الدوافع الفيزيولوجية والنفسية. فمثلاً، إنَّ تنظيم دافع الجوع لا يستدعي إشباع الحاجة العضوية بتناول المأكولات والمشروبات أيّاً كانت، بل يجب أن تكون من «الطيبات»، أي من الرزق الحلال، مما يتلذَّذُ به البدنُ، وتستسيغُهُ النفس، وبالتالي عدم تناول المأكولات، أو تعاطي المشروبات التي حرَّمها الله تعالى، والتي لم يكن تحريمها إلاَّ لأنَّها مضرة بالصحة البدنية والنفسية، من مثل الخمر الذي يؤدي تعاطيه إلى أمراض جسدية، وإلى فقدان التوازن العقلي وقت السُّكر.. وكذلك الأمر بالنسبة إلى تنظيم الدافع الجنسي، بحيث يحصل إشباع اللذة الجنسية عن طريق الزواج، وعدم تعاطي الزنا أو السفاح، لما فيه من أضرار صحية واجتماعية وإنسانية.. وهذه المسألة يوليها القرآن الكريم عناية خاصة، لما للزواج الشرعي - السليم والحلال - من آثار في تكوين العلاقة النفسية والجسدية بين الزوج والزوجة؛ بحيث يكون قوامها المودة والرحمة، والتفاهم والانسجام والسكينة.. وفي تكوين الأسرة التي تكتنفها أجواء المحبة، والعطف والحنان، والتضحية في سبيل الأولاد.. وفي بناء المجتمع الإنساني الذي يقوم على أواصر الفضيلة، والشرف والكرامة، وعلى رابطة العقد الاجتماعي ما بين الناس والسلطات الحاكمة، وأهم مقوماتها مراعاة قواعد العدل، والمساواة،وصون حقوق المواطنين.. وكل ذلك من شأنه أن يشيع مناخاً من الأمن الاجتماعي والصحي والنفسي.. وهذه الآثار الهامّة للزواج الشرعي المقدس هي ما يبينه قول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ *} [الرُّوم: 21].
أمَّا إذا لم تسمح ظروف الإنسان له بالزواج، فعليه أنْ يستعفف وأنْ يسيطر على شهواته حتى تواتيه ظروفٌ أفضل يتمكّن خلالها من الزواج. وقد ثبت «أنَّ المرضى العصابيين الذين كان (سيغموند فرويد) يعالجهم، نشأوا في الأغلب في مجتمعات أوروبا المسيحية التي كانت في ذلك الوقت تنظر إلى الجنس باعتباره دافعاً غير مقبول ويجب كبته. ولذلك لم يكن غريباً على (فرويد) أنْ يلاحظ وجود علاقة بين كبت الدافع الجنسي والأمراض العصابية. وتجدر الإشارة إلى أنَّ بعض تلاميذ (فرويد)، مثل (أدلر)، أو غيره من المحللين النفسيين الآخرين أمثال (كارن هورني) و(إريك فروم) لم يوافقوا (فرويد) «على اهتمامه الزائد بالدافع الجنسي، وبتفسيره للأمراض العصابية على أساس أنَّها جميعها ناشئة عن الكبت». ونحن نعتقد أنَّه حتى إذا كانت النتائج التي وصل إليها (فرويد) صحيحة بالنسبة إلى بعض الحالات في تلك المجتمعات الأوروبية، فليس من الضروري أنْ تكون صحيحة في مجتمعات أخرى، تختلف في ثقافتها عن المجتمع الذي عاش فيه (فرويد).
ولعلَّ من خلال عرضنا لنظرة الإسلام إلى الدافع الجنسي، ما يمكّننا من القول بأنَّها نظرة إنسانية عندما تدعو إلى إقامة التوازن ما بين الدوافع النفسية والدوافع العضوية بحيث لا تتنكَّر لدوافع الحاجة الجنسية، ولا تنظر إلى العلاقة الجنسية على أنَّها شيء معيب أو مستقذر، ما دامت بعيدة عن الشذوذ، وعمَّا حرَّم الله تعالى على عباده، لا بل تعتبر أنَّ العلاقة الجنسية هي من العلاقات الطيّبة التي أحلَّ الله لعباده، مصداقاً لقوله الكريم: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النُّور: 26] أي الطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء.. ولا غرو بأنَّ هذا الوصف من ربّ العالمين إنَّما هو خاصٌّ بالناس الذين يتعاشرون بالعلاقات الطيبة، ويأتون الأعمال الطيبة، وفي طليعتها العلاقة الزوجية الطيبة، التي تقوم على الحلال. من هنا كان على المجتمع الإسلامي أنْ يقوم على أواصر التربية الإسلامية السليمة، ومن مآثرها تشجيع شبابه على الزواج المبكر، والدعوة إلى إزالة كافة الأسباب الاجتماعية التي تعوق مثل هذا الزواج.. وحيئنذٍ لا نتوقع أنْ نجد في مجتمع إسلامي كهذا أثراً لكبت الدافع الجنسي.. كما أنَّ من مقوّمات التربية الإسلامية أنْ يعيَ الشبابُ المسلمُ أنَّ منْ شيمتِهِ وفضيلته أنْ يكونَ عفيفاً، وهذا العفاف كافٍ بذاته لأنْ يجعله يتحكم بدوافعه الجنسية بطريقة لا تؤدي إلى الإضرار بصحته النفسية أو الجسدية، إذا ما أقبل الشباب على العبادات بأبعادها القرآنية، وخاصة القيام بالصلاة والصوم لما لهما من تأثير في تقوية الإرادة، وبالتالي السيطرة على انفعالات الطاقة الحيوية التي تتمثل في الغرائز والحاجات العضوية.
وكذلك فإنَّ إقبال شبابنا على تحصيل العلوم والآداب والفنون، وإسهامهم في النشاطات الإنسانية التي يقوم بها عادةً المجتمع الأهلي، من مثل: الجمعيات الخيرية والثقافية، والنوادي الرياضية، وممارسة شتى أنواع النشاطات الأخرى التي تؤمّن علاقات إيمانية صادقة، وعلاقات إنسانية طيبة.. فكل ذلك يُعدُّ من السبل التي تبعد عن الشباب حالات السأم والضجر، وتحميهم من المفاسد على اختلافها، ولاسيما من مخاطر البطالة التي قيل بأنّها «أم العيوب».. إذ من واجبات المسلم أنْ يكون عاملاً في الحياة، لا متواكلاً، كما من واجباته المساهمة، بكل إمكاناته وطاقاته، في بناء وتقدم المجتمع الذي يعيش فيه، مما يبعد عنه شبح البطالة، وغيرها من عوامل الضعف والتأخّر...
ومن قواعد التربية الإسلامية أيضاً الحؤول دون اختلاء الرجل بالمرأة، إلاَّ وفقاً للأصول المحددة شرعاً، وبحسب التعاليم الإسلامية، التي تؤكد على النساء أن يكنَّ عفيفاتٍ - حتى في نظرات عيونهنَّ - وأنْ يكنَّ حافظات لفروجهنَّ - بالعفة الجسدية والطهارة القلبية - وأنْ يكنَّ ملتزماتٍ - بالمظهر اللائق من اللباس وعدم إبداء زينتهنَّ بما يحفظ حرمة أجسادهنَّ - وكل ذلك حتى لا تتعرض المرأة المسلمة للغواية والإغراء، ولاسيما أنَّها مدعوَّةٌ لمشاركة الرجل في بناء المجتمع، من خلال العمل في أية مؤسسة للدولة، أو مؤسسة خاصة أو في أية مهنة حرة، أو تجارة أو صناعة يمكن أنْ تتعاطاها، بشرط ألاَّ يكون ذلك على حساب وظيفتها الأصيلة كزوجة، وأمّ وربة بيت، لأنَّها إذا أهملت هذه الوظيفة، ولم تعرها كامل انتباهها، فقدت المرأةُ فاعليتها الاجتماعية والإنسانية.. وهذه القواعد التربوية هي بعضٌ ممّا نستدلُّهُ من قول الله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زَينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ولاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} [النُّور: 31].




Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB