علم النَّفس (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




الفصل العاشر - البحث الأوّل: النفس ونزغ الشيطان

»النزغ» من الشيطان. في اللغة: هو الكلام الذي يُغري به الناس، أو يكون فيه حثٌّ على المعاصي. والنزغ يعني أيضاً الغيبة، والنازغ هو المغتاب. قال الشاعر: «واحذر أقاويلَ العُداةِ النُّزَّغِ». ولذلك يقال: نزغه وينزغه نزغاً إذا اغتابه وذكره بقبيح، أو إذا استخفَّه وحرَّكه أدنى حركة.
وقد يأتي النزغ بمعنى الطعن بالرمح أو اللكز باليد. لأنَّ النزغة تعني الطعنة. أما نزغ الشيطان فيدخل في هذه المعاني جميعاً، لأن فيه وسوسة في الصدور، ونخساً في القلوب، وإغراء للنفوس، وطعناً للحقّ، واستخفافاً بالصواب. كما فيه تغييب لكل خير. أي إنَّ نزغَ الشيطان هو كل ما يسوّل به للإنسان من ارتكاب المعاصي من مثل: الفجور، والفساد، والفتنة، والإغواء، فكان من المحتوم أنْ تكون آثاره مدمّرة في حياة الإنسان..
النزغ من الشيطان
إنَّ عداوة الشيطان للإنسان قديمةٌ قِدمَ الوجود البشري؛ وذلك مصداقاً لقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البَقَرَة: 30]، ولقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ *} [البَقَرَة: 34].
هذا هو أساسُ عداوة إبليس لآدمَ وذريته، أي عصيانُ أمر ربه، فحلَّت عليه اللعنة والإِبعاد عن رحمة الله؛ وهنا استحكمت كراهيتُهُ لآدم في قلبه، ودفعته لأنْ يطلب أنْ يُنظره (يؤخّره) الله إلى يوم الدِّين، لإِغواء بني آدم، وإيقاعهم في الضَّلال والمعصية (كما يستفاد من آياتٍ عديدة في القرآن الكريم)..
ويشاءُ ربُّ العالمين - للحكمة التي يريدها ويقدّرها - أن يُجيبَ إبليس إلى سؤاله، فيكون من المنظرين، ويكون سلاحُهُ، هو وقبيلُهُ من الجن والإنس، النزغَ والوسوسة في نفوس بني آدم، ولا تزال تلك الحربُ قائمةً على أشدّها، وستظل كذلك إلى يوم الساعة؛ وهنا يأتي دور القرناء الأبالسة لإغواء الناس!..
دور القُرناء في حياة الإنسان
القرين - لغةً - هو الصاحب أو الملازم ، ولا يسمى الصاحبُ صاحباً إلاَّ من شدّةِ المصاحبة، أو من كثرة الملازمة. ولذلك يطلق لفظ «القرين» على الإنسان، أو الحيوان؛ كما يطلق لفظ (القرن) على القوم المقترنين في زمن واحدٍ، أو على كل أمةٍ هلكت ولم يبق منها أحد؛ والقرنُ، في الحساب الزمني، هو مائة عام، وجمعه قرون. وقد استعمل القرآن الكريم لفظة «القرون» تعبيراً عن الأمم الغابرة، أي الهالكة بأمر الله تعالى، لقوله العزيز: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [يُونس: 13]، وقوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ} [الإسرَاء: 17]. والاقتران: هو اجتماع شيئين أو جنسين بمعنى من المعاني، ولذلك سمِّيَ الزواجُ بالقران أو الاقتران، وسميت الزوجةُ قرينةً، وسميت النفس بـ«القرون»، لاقترانها بالجسم.
والقرين يكون عادةً محبّاً، وفيّاً، صادقاً ومخلصاً.. ولكن ليس هذا شرطاً في القرين، لأنه قد يكون خصيماً في مصاحبته، أي عدواً متخفياً متلبساً بدهائه، ومراوغته ونفاقه.. وعلى هذا فإنَّ لكل إنسانٍ نوعين من القرناء، قرناء الشر وهم من الجنِّ، وقرناء الخير وهم من الملائكة، لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «ما مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاَّ وقد وُكِّلَ به قرينُهُ من الجنِّ، وقرينُهُ من الملائِكَةِ، فالقرينُ من الجنّ يأمرُ دائماً بالشرّ، والقرينُ من الملائكةِ يوحي دائماً بالخير»[*] . وعن قرناء الخير، وهم الملائكة الذين يتعقبون الإنسانَ يقول الله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرّعد: 11]. ويقول الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام) لإبراهيم الكرخي: «يا إبراهيم! اعلم أنَّ معك ملكاً كريماً موكّلاً بك، يحفظ عليك ما تصنعُ، ويطّلعُ على سرِّك الذي تُخفيه عن الناس، فاسْتَحِ؛ لا تحقرَنَّ سيئةً فإنها ستسوؤك يوماً. ولا تحقرنَّ حسنةً، وإنْ صَغُرَتْ عندك وقلَّتْ في عينيك، فإنها سَتَسُرُّك يوماً. واعلم أنَّه ليس شيءٌ أضرَّ عاقبةً، ولا أسرعَ ندامةً من الخطيئة. وأنْ ليسَ شيءٌ أشدَّ طلباً ولا أسرعَ دَرَكاً للخطيئةِ مِنَ الحسنة، أَمَا إنَّها لَتَدْرَأُ الذنبَ العظيمَ، القديمَ، المنسيَّ عند عاملِهِ فَتَجْذُبُهُ، وتُسْقِطُهُ وتذهبُ به بعدَ إثباتِهِ، وذلك لقول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هُود: 114]».
وهذا من فضل الإسلام على الإنسان حتى يعلم أنَّ الله تعالى قد أوكل به ملائكةً يحفظونه من السوء، بما يأمرهم به ربُّهم عزَّ وجلَّ، كما أنَّهم يحفظون عنه كلَّ شيءٍ، حتى يكون حاضراً في كتابه يوم القيامة؛ فحريٌّ بهذا الإنسان، إذا ما أرادَ القيام بسوء أنْ يستحيَ من هؤلاء الملائكة، كما ينصحُ الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام) بذلك؛ بل وعليه ألاَّ يستهين أو يحقرنَّ أية سيئةٍ يفعلها، ولا أن يستهين أو يحقرنَّ أية حسنةٍ يؤديها، لأنَّ لكل من السيئة أو الحسنة تأثيرها على النفس، فالأولى تقلقها - سواء وعى الإنسان ذلك أو غاب عنه - والثانية تريحها، وتبعث فيها شعوراً بالرضى..
أما عن قرناء الجنّ، وهم الشيطان وقبيله - وهذا مدار البحث هنا - فيقول الله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ *} [الأعرَاف: 27].. فالشياطينُ من الجن موجودون فعلاً في حياة الناس، كما يثبتُهُ القرآنُ الكريم، وهم يلازمون كلَّ بني آدم بصورة لا تنقطع، حتى إنه ما من إنسان إلاَّ وقد وكِّلَ به قرينٌ من الجن، وكما يبيّنُهُ لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بقوله: «ما منكم مِن أحدٍ إلاَّ وقد وُكِّلَ به قرينُهُ من الشياطين» ، قالوا: وإيَّاك يا رسولَ الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «وإيَّايَ، إلاَّ أنَّ الله أَعانَني عليه فأَسلَمَ، فلا يأْمُرُني إلاَّ بخير»[*] . وخطَرُ هؤلاء القرناء من الجن يأتي من كونهم مخلوقين بأجسامٍ لا يستطيع الإنسانُ رؤيتها، ولذلك فهم يروننا من حيث لا نراهم، ويفعلون أفاعيلهم بنا في الخفاء، من خلال الوساوس والهواجس التي يملأونَ بها نفوسنا، ويدفعوننا بها إلى ارتكاب المعاصي، وإتيان الفواحش، لأنَّ المهمة التي أخذها أبوهم إبليسُ على عاتقه، هي إغواء البشر جميعاً، إلاّ عباد الله المخلصين، كما يبيّنها قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ *} [الحِجر: 39-40]..
والأدهى في حياة الإنسان، ليس أنْ يلاحقَهُ شياطينُ الجن وحدهم، بل وشياطينُ الإنس الذين مردوا على الكفر والشرك، وعلى حبّ الفتنة والغواية، حتى صاروا أشدَّ عتوّاً على المؤمنين، والناس الطيبين، من شياطين الجن، كما وصفهم رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، وهو ينصحُ أبا ذرٍّ الغفاري بقوله: «يا أبا ذر هل تعوَّذْتَ بالله من شر شياطين الإنس والجن؟» قال: قلت: لا يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «نعم هُمْ شرٌّ مِنْ شَيَاطينِ الجِنّ»[*] ؛ وقد بيَّن القرآن الكريم أنواعاً كثيرة من شرور شياطين الإنس، وهو يشير إليهم بقوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ *} [البَقَرَة: 14]، وقوله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيْاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَولِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعَام: 121]، وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعَام: 112].
أرأيت أيها الإنسانُ كم أنتَ معرَّضٌ للانزلاق، والسقوط في مهاوي الرذيلة والسوء من أعداءٍ خافين عنك (شياطين الجن)، وأعداءٍ قد يُظهرون لك العداوة - فلا تخافهم إنْ كنت واعياً عداوتهم - وأعداءٍ يظهرون لك من الصحبة ما يوهمك بأنهم يريدون لك الخير، بينما هم في قرارة أنفسهم لا يبغون لك إلاَّ الشرَّ.. فاحذر من هؤلاء شياطين الإنس الذين يلبسون ثوبَ الإنسان، ولكنهم يأتمرون بأوامر الشيطان، فلا يجدون سبيلاً للغيّ إلا دفعوك إليه، ولا مجالاً للسوء إلاَّ أوقعوك به، لأنهم ملأوا أنفسَهم بالحميّة الذميمة، والرغبة في الإضرار بالناس، فكانوا كما قال عنهم أبو عبيدة: «الشيطانُ اسم لكل عاتٍ متمردٍ من الجن والإنس».. بل وسُمِّي كلُّ خُلُقٍ ذميمٍ للإنسان شيطاناً، وقد ورد في الأثر: «الحَسَدُ شيطانٌ، والغَضَبُ شيطانٌ» ، ولذلك يقالُ: شيطنَ الرجلُ، وتشيطنَ أي فَعَل فِعْلَ الشيطان..
وهكذا باتَ واضحاً أنَّ الإنسان عندما يقدم على مقارفةِ الحرام، أو ارتكاب المعصية، وعندما يؤتي الأذى والضرر لغيره، فإنَّ من يقوده إلى ذلك: إمَّا شيطانُهُ من الجنّ أي قرين السوء القابع في نفسه، وإما شيطانه من الإنس الذي تخفَّى بمظاهر الصداقة أو الصحبة أو المعاشرة، فكان شرّاً من الجنيّ، قرين السوء!.. فهؤلاء لديهم وسائل للإغراء متنوعة، وأحابيل للدهاء عديدة، وطرق للإقناع كثيرة!.. وكلها تكون - عادةً - محببة إلى نفس الإنسان، وتستهويه كثيراً، حتى ليجدَ نفسَهُ أحياناً كثيرةً منقاداً إلى إيحاءات لم تكن لتخطر على باله، وإلى شهواتٍ لم تكن لتروقه، أو أهواء لم يكن ليشعر بها.. والأمثلة التي يمكن أنْ نتلمَّسها في الواقع أكثر من أن تحصى.. فقد تستهويك امرأةٌ بجمالها، أو يغرنَّك أحدٌ بمال يرشوك به في وظيفتك لمخالفة القانون، أو يعدك بمركزٍ لخيانة بلادك، أو قد يحيط بك أهلُ السوء ويجعلونك مثلهم تغتابُ الناسَ، أو تحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، أو يغرّرون بك لتوقع غيرك بالدسّ والخداع، أو يزيّنون لك الكذبَ والاحتيال حتى تتملَّص من مسؤولياتك.. فهذه الأمثلة وغيرها قد تعطيك فكرةً عمَّا يحيط بك، أو عما قد يحيق بك من السوء في حياتك إن استسلمت للغواية، وكلها في الحقيقة مجلبة للضرر في الحياة الدنيا، والعذاب في الحياة الآخرة!... من هنا كان عليك أيها الإنسانُ أن تحذر القرناء الخفيين من الجن، كما تحذر قرناء السوء من الناس حتى لا تقعد في الآخرة ملوماً محسوراً...
ولقد ورد ذكر القرناء في بعض الآيات من القرآن الكريم للدلالة على المنهج الفكري والسلوكي الذي يتّبعونه، وسواء أكان هؤلاء القرناء من الناس أو من الشياطين، والنتائج التي تترتب على عاتقهم من جراء ما يقومون به، تبيِّنها تلك الآيات، على النحو التالي: يقولُ الله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِيناً *وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً *} [النِّسَاء: 37-38].
هذه النصوص الكريمة تقدم نماذج من الناس مألوفة في الحياة.. فمنهم البخلاء الذين انطوت نفوسهم على الشحّ حتى ليبخلوا على أنفسهم وعيالهم بالمأكل الطيب، أو اللباس اللائق؛ ولقد اشتهر في الأدب العالمي من المؤلفات النثرية والشعرية، صورٌ معبّرة عن البخلاء وما يتركون من انطباعات في المحيط الذي يعيشون فيه.. ومن البخلاء من لا يكتفون بالبخل لأنفسهم، بل ويأمرون الناس بالبخل حتى يُشبعوا - بما يأمرونهم به - جوعَ أنفسهم، ونهمَهم للمال، فكأنما نفوسهم تأبى أن يروا الناس يعطون من أموالهم، فيأتونهم تارةً تحت ستار الغيرة عليهم، ونصحهم بعدم تبذير أموالهم هباءً منثوراً، وتارةً يرمونهم بالإسراف، وقلة تقديرهم لأهمية المال، وما إلى ذلك من وجوه المراوغة التي يستعملونها.. وكلّ ذلك لكي يحملوهم على عدم الإنفاق في أي سبيل كان!.. بل وأسوأ من ذلك فإنَّ مثل هؤلاء البخلاء، لشدة حرصهم على ما عندهم من المال والمتاع، يخافون عليه، ربما أكثر من خوفهم على حياتهم.. فتراهم يكتمونَهُ ويخفونَهُ حتى لا يؤدوا منه حقوق الله وحقوق العباد من الزكاة، والصدقة، والضريبة وغيرها.. وفي الحقيقة إنَّما هم يكتمون في ذلك فضل الله تعالى، ونِعمه على عباده التي لا تُعدُّ ولا تحصى، وفي هذا جحود وكفر، يتوعَّدُهُ رب العالمين بالعذاب المهين، وقد يكون هذا العذاب في الدنيا أنْ يسلبه مثلاً كلَّ ما آتاه، أما في الآخرة فالعذاب هو نار جهنَّم لا محالة.. فلا تغيبنَّ عن أحدٍ هذه الحقيقة، ولا يغفلنَّ أحدٌ عن أداء نعمة الله حقَّها في ما يرضي ربه عزَّ وجلَّ حتى لا يقع في العذاب المهين!..
ومن الناس مَنْ ينفقون من أموالهم رياءً على أعين الناس، وغالباً من أجل الوجاهة وحبِّ الظهور، لا رحمةً بالمسكين، أو رأفةً بالسائل والمحروم، أو شفقةً على الفقير والمريض، ولا طمعاً بقضاء حاجة المحتاج.. فمثل هذا الإنفاق، الذي لا تكون نيّةُ المنفقِ فيه ابتغاءَ وجْهِ الله تعالى، تبقى آثاره محصورة في الحياة الدنيا، بينما الإنفاق في سبيل الله، ومن أجل عباده، فيه حسناتٌ كثيرة، يحمدها الناس من حوله، ويُؤتَى أجرَها في الآخرة ثواباً جزيلاً.. فهؤلاء الذين ينفقون أموالهم رئاءَ الناس، ولا يؤمنون بالله تعالى، وينكرون تبعاً لذلك يوم القيامة، ويوم البعث والحساب، هم وغيرهم من البخلاء على أنفسهم، أو الآمرين الناس بالبخل، أو الذين يكتمون ما آتاهم الله من فضله.. فكل تلك الفئات من الناس إنما اتخذها الشيطانُ، وقبيلُهُ من الجن والإنس، مطايا، فصار أولئك الناس قرناء لَهُمْ في كل شيء، وصدق الله العلي العظيم بقوله المبين: {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً} [النِّسَاء: 38].
وفي الإشارة إلى قرناء السوء يعرض القرآنُ المجيد في «سورة فصلت» ما سوف يحلُّ من الخسران بأعداء الله، يوم يحشرون إلى النار في الآخرة، بعد أنْ قيّض لهم سبحانه وتعالى قرناء من الشياطين في الدنيا، يزينون لهم متاع اللهو والعبث وحبَّ الشهوات، ويغرونهم بأنْ يفعلوا ما يريدون، إذ يوهمونهم بأنه ليس بعد هذه الحياة الدنيا بعثٌ ولا حسابٌ، ولا جنة ولا نار فيقول الله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ *} [فُصّلَت: 25].
.. فالذين تعلّقت نفوسهم بمطامع هذه الدنيا، فراحوا يمارسون الأفعال الإجرامية على أنواعها، في الظاهر وفي الخفاء، غير عابئين بأية قيم معنوية أو إنسانية، كان من عدل الله - تعالى - أن يقيّض لهم قرناء يزينون لهم ما بين أيديهم من أمور الدنيا، وما خلفهم من أمور الآخرة، وذلك بأن يطرحوا كلَّ المعتقدات أو الأفكار التي تجعل حياتهم وآخرتهم تقومان على الحق، فلا شيء من ذلك أبداً - بحسب كفرهم - ولذلك يحرّضونهم على تولي مقاليد السلطة، وفرض القوانين والأنظمة الجائرة، والمتاجرة بالمحرّمات، وإنشاء مؤسسات الإعلام والدعاية، والمصانع والمعامل لصناعة المأكولات والمشروبات، الضارة والمحرَّمة والشركات على اختلاف أنواعها.. أي كل ما من شأنه أن يتحكّم بالسياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، ويجعل بالتالي قرناء السوء قابضين على كل شيء، وقادرين على إدارة الشؤون، والعبث بمقدرات الناس ومصائرهم وفقاً لأهوائهم ومطامعهم!. ولِمَ لا، وهم «أسيادُ» هذه الدنيا، ويجب أن يكون لهم ما يشاؤون فيها؟!.. ولكن ما عاقبة كلِّ هذا الذي يزيّنه لهم أولئك القرناء، إلاَّ أن يحقَّ عليهم قول العزيز الحكيم: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأََمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هُود: 119]، فيدخلهم في جملة الأمم التي قد خلت من قبلُ، والتي أهلكها تعالى في الدنيا، ثم كانوا في الآخرة من الخاسرين، الذين خسروا أنفسهم وأهليهم، وخسروا نعيمَ الآخرة مقابل ما زيَّن لهم قرناء السوء في الدنيا.
ومن الإرشاد في القرآن المجيد أن ينبّه الإنسان لأنْ تكون صلته بالله تعالى - خالقِهِ ومدّبرِهِ - صلةً وثيقةً فلا ينقطع عن ذكره، واللجوء إليه في كل أمرٍ وشأنٍ في حياته، بينما يحذِّر القرآنُ - بالمقابل - بأنَّ من يغفل عن ذكر ربه تعالى فإنَّه يقيّض له شيطاناً، فيكون له قرين يلازمُهُ، فيقول الله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ *وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ *حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ *} [الزّخرُف: 36-38].. والرحمن من صفات الله، وأسمائه الحسنى، فهو سبحانه الرحمن الرحيم بهذا الإنسان: إنشاءً، وخلقاً، وتدبيراً ورحمةً، ولكنْ كثيرٌ من الناس يعمون عن هذه الحقيقة، فيقطعون كل صلةٍ بالله ربِّهم، حتى يعرضوا عن ذكره وطاعته في العبادة، وفي الإحسان، والأعمال الصالحة..ومن يُعرض عن ذكر الله، وينسهُ، فإنَّ من العدل الإلهي أنْ يقيّض له شيطاناً فهو له قرينٌ، يلازمه في نفسه، وفي تصرفاته!..
أمَّا ما يعمل هؤلاء القرناء فأقلُّ ما فيه أنهم ليصُدُّون من يعرضون عن ذكر الله عن سبيل القويم سبيل الهدى والحق، فلا يدعونهم يتبيّنون أبداً أنهم يسيرون في طريق الضلال والفساد والجريمة، لا بل يجعلونهم يفقدون أيَّ إدراك لمعنى الهدى الحق، ويحسبون، ظناً ووهماً، أنَّهم مهتدون..
وتنقضي هذه الحياة الدنيا، ويأتي يوم الحساب، حتى إذا ادّاركوا هنالك مع قرنائهم، وراح كلُّ إنسان يشكو من قرينه، وأنَّه هو الذي أضلَّه وأغواه، والشيطانُ لا ينفي ذلك، بل يقول: لقد أغويتُهُ كما غويتُ، وما كان لي عليه من سلطانٍ إلاّ أنه كفر بربه وآياته.. في ذلك الموقف بالذات، وعندما يوقن الإنسانُ أنه من أصحاب النار، يقول للشيطانِ قرينِهِ: يا ليت كانَ بيني وبينك في الدنيا بُعْدَ المشرقين - أي ما بين طَرَفَيْ الأرض - يا ليتَ لم يكن بيننا التقاءٌ، فلا أأتمر لك بأمر، أو أُخدَعَنَّ منك بخديعة، ولكنْ أيُّ عذرٍ لي وقد أطعتك، فأغويتني حتى أوردتني موارد التهلكة، فبئس القرين السَّيِّىءُُ الذي كنتَ، وبئس الشقاءُ الذي فيه أرديتني.. وبخلاف أولئك الذين ينقادون لقرناء السوء من شياطين الجن والإنس، يروي لنا القرآن الكريم حكاية المؤمن الذي لم تَغُرَّنَهُ أفكار صاحبٍ له، من الذين ينكرون البعث والحساب، فيقول الله تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ *يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ *أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ *قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ *فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ *قَالَ تاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ *وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ *} [الصَّافات: 51-57].
ومفادُ هذه الحكاية، كما يتبيّن من النصوص الكريمة، أنَّ أصحاب الجنة، وفيما هم يرفلون في السعادة حيث النعيم المقيم، وفيما هم يتساءَلونَ، ويتذاكرون عمَّا مرَّ معهم في الحياة الدنيا، قال قائل منهم: إنّي كان لي رفيق يلازمني، ولكنه كان يُنكر البعثَ والحسابَ، فكان يقول لي: هل أنت من المصدّقين حقيقةً بذلك؟! أإذا متنا وكنا تراباً، وبقايا من عظامٍ نخرة، أإنا لمبعوثون؟ ومن يعيدنا في النشأةِ الثانية؟ وكيف يمكن أن يُحاسَبَ الناسُ جميعاً ولا يقدر أحدٌ أنْ يحصيهم عدداً؟ وهل فعلاً هنالك بعد الحساب جنةٌ ونارٌ؟! كلاَّ! لا أصدّق بذلك أبداً، إنْ هي إلاَّ هذه الحياة الدنيا نموت فيها ونحيا، وتنتهي مسيرة حياتنا بموتنا..
وأرادَ المؤمنُ من أهل الجنة أنْ يعرف مصير ذلك القرين الذي كان له في الدنيا، وهل هو من أصحاب النار، لأنَّ الله تعالى يدخل من يشاء في رحمته ويعذب من يشاء، فقال لإخوانه: هل أنتم مطّلعون معي إنْ كان ذلك القرين في النار؟.. ولا نعلم ما فعَلَ إخوانُهُ أولئك، لأنَّ النصَّ القرآني يتجاوز هذا الأمر، فيقوم المؤمن ويطّلع من على سُور الأعراف الذي يفصل ما بين الجنة والنار، ولكن يتيح لهم التخاطب في ما بينهم، فرآه في وسط الجحيم، يتقلَّب في نارها المحرقة.. فناداه قائلاً: أقسمُ بالله ربي، إنْ كِدْتَ بذاك المنطق الذي اتَّبعْتَهُ، وبالإِنكار الذي اعتقدْتَهُ، وبالأحاديث والأخبار الكاذبة التي رويتها.. إنْ كِدْتَ، لتقنعنَّي، ولتُضلّني، وتودي بي إلى موقع الردى الذي أنت فيه، ولولا نعمةُ ربي عليَّ، بما أشبعَ قلبي من الإِيمان، والتصديق، وبما ألهمني من عمل الخير والصلاح، لكنتُ من المحضرين معك في النار.. فأحْمدُ الله ربي على ما أنعَمَ عليَّ، وما رحمني فجعلني من أهل الجنة، وسبحانَ الله الذي يعلم ما تنطوي عليه نفوسُ عباده، فيقوّي فيها الإِيمان، ويشدُّ أزرها بالملائكة الحافظين؛ وسبحانَ الله الذي قضت حكمتُهُ البالغةُ أنْ يقيّضَ للكافرين قرناءَ السوء الذين يضلُّونهم عن سواء السبيل، ويبعدونهم عن الحق واليقين..
وتتوالى الآيات القرآنية الكريمة لتخبرَ عمّا يحصل يوم الحشر، بين الإنسانِ وقرينِهِ، سواء أكان من الملائكة أم من الشياطين؛ أمَّا القَرين من الملائكة، فيقدّم كلَّ ما حفظَهُ عن الإنسان الذي كان موكلاً به في الحياة الدنيا، في كتابٍ مدوَّنٍ فيه كل أقواله وأفعاله.. وأما القرين من الشياطين، فيحاول أنْ يتذرع بالحجج الواهية بأنَّهُ لم يُضلل صاحبَهُ، بل هو الذي كان في ضلالٍ كبير، وهنا يبدأ الخصام بينهما، كما يدلُّنا عليه قول الحق تبارك وتعالى: {قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ *قَالَ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ *مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ *} [ق: 27-29].. ولكنَّ الله تعالى ينهاهما عن الجدال والخصام، إذ لا فائدة من خصامٍ يلقي فيه كلٌّ من الإنسانِ وقرينِهِ الشيطان اللوم على صاحبِهِ، فكلاهما قد وقع في الضلال البعيد، لأنه لم يكن يعبأ بما كانت تنذر به كتبُ الله وأنبياؤه من الوعيد والتهديد لأهل الكفر والضلال.. إذ لا يبدّل القولُ ولا الخصام أو الجدال من العباد في يوم الدين، شيئاً من العذاب، لأنَّه لا حجةَ لمن ضلَّ عن الإِيمان الحقِّ يدفع بها العذابَ الذي كان يوعَدُ به، بل يلاقي الجزاء الذي يستحق، وما الله - عزَّ وجلَّ - بظلاّم للعبيد، فيعذبهم بغير جرم اقترفوه..
ويوم الحساب لا يُحشَرُ الجنُّ وحدهم، بل يحشرُهُمُ الله تعالى مع الخلق جميعاً، كما يبيّنه قوله عزَّ وجلَّ: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا} [الأنعَام: 128].. ففي يوم الحشر، يقال للجن: يا معشر الجن لقد أغويتم كثيراً من الناس، فانساقوا لغوايتكم!.. قالوا: أغويناهم كما غوينا.. وقال أولياؤهم من الإنس الذين أطاعوهم واتبعوهم في الإغواء: ربَّنا استمتع بعضنا ببعض، فنحن استمتعنا بما زيّنوا لنا من شهوات الدنيا وملذاتها، وهم قد استمتعوا بطاعتنا لهم، والانقياد وراءهم.. وقد بقينا على ذلك حتى بلغنا أجَلَنا الذي كتبتَهُ علينا، وأخَّرت عنَّا العذابَ حتى وصلنا إلى ما نحن فيه هذا اليوم!.. ويتحققُ العدل الإلهي، فيساق أهلُ الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، ويقول الملائكة لهؤلاء: {الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا} [ق: 26].
هذا مجملُ ما يمكن أن نستقيه من سياق الآيات القرآنية التي تتحدث عن القرناء.. فهلاَّ أعادَ الإنسانُ حساباته في ضوء نصوص القرآن المجيد، فانتفَض على قرناء السوء من الجن الذين يوسوسون في الصدور، وعلى قرناء السوء من الإنس الذين يزينون له الباطل غروراً. وهلاَّ أدرك الإنسانُ أنَّ جزاءه في الآخرة سوف يكون رهناً بأقواله وأعماله في هذه الحياة الدنيا؟!..
أجل أيها الإنسانُ، إنَّ هذا القرآن هو الحقُّ من ربك فلا تكوننَّ من الممترين، وإنَّه يهدي للتي هي أقوم، ومن جميل ما يهدينا إليه هذا الكتابُ الحقّ أن نكون دعاةً إلى الله ربّنا، وأن نعمل صالحاً، وأنْ نعاشر بعضنا بالمعروف، والقول الحسن الذي من شأنه أن يحوّل العداوة إلى مودةٍ، وألفةٍ وتعاون.. وهو الكتاب الكريم الذي يبيّن لنا أنَّ إبليسَ جاثمٌ على قلوب الذين لا يؤمنون يوسوس لهم، ويغويهم ويضلّهم.. وأنَّ السبيلَ الوحيدَ للخلاص من شره أن يستعينوا عليه بالله العلي العظيم، وهو سبحانه السميع لدعائهم، العليم بما في صدورهم. يقول تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ *وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *} [فُصّلَت: 33-36].
حقيق على الناس - جميعاً - أنْ يعلموا، وأن يوقنوا أنَّ الدين الذي ارتضاه الله تعالى للناس هو الإسلام، منذ آدم (عليه السّلام) وإلى خاتم النبيين محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم). وهذا ما جاءت به الرسالات السماوية كافة، وهذا ما يهدي إليه العقل، إذ لا يمكن، أنْ يجعل ربُّ العالمين لأمةٍ أو شعبٍ، أو جماعةٍ ديناً، ولآخرين ديناً غيره بحيث تتعدّد الأديان، وتختلف الأحكام والمصائر بما لا يتوافق والعدل الإلهي.. فالدين واحد، وهو الإسلام الذي يدعو إلى وحدانية الله عزَّ وجلَّ، إلهاً واحداً أحداً، فرداً صمداً، لا شريك له، ولم يتخذ صاحبةً ولا ولداً. والإيمانُ بالإسلام يقتضي من الإنسان أن يكون ومستسلماً بكلِّيته لربه، تعبيراً عن العبودية والخضوع والاستسلام لرب العالمين...
وقد أنزل سبحانه وتعالى هذا الدين بالشرعة والمنهج اللذين يتناسبان، في كل حقبةٍ زمنية، مع عقلية الإنسان ومدى نضوجه الفكري. وهذا ما يعبّر عنه القرآن بقوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المَائدة: 48]، أي ولو شاءَ الله لجعلكم، أيها الناس، على شريعةٍ واحدةٍ، ومنهاجٍ واحدٍ، ولكنَّ ذلك لم يكن ليتوافق وحالة الناس الذهنية في كل زمانٍ ومكانٍ.. حتى إذا حانَ الزمانُ وفقاً لتقدير العلي العظيم، بعث سبحانه محمداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأنزل على قلبه القرآن الذي يحمل الإسلام ديناً كاملاً، ونعمةً تامةً مصداقاً لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} [المَائدة: 3]؛ وكان على خاتم النبيين أن يبلِّغ الإسلام بكماله وتمامه، امتثالاً لأمره تعالى بقوله المبين: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المَائدة: 67].
ولأنَّ الإسلام هو الدين القيّم على شؤون الدنيا والآخرة، ولأنه أنزل للناس جميعاً، وفيه الخيرُ كُلُّ الخير، للناس جميعاً، فإننا نجد أنَّه كلما تقدم الزمنُ بالإنسان باتت الدعوةُ الإسلامية ضرورية وملحَّة، ولاسيما في هذا العصر الذي وصلت فيه أحوال الناس، وأوضاعهم إلى ما يعانون من الظلم والفساد، والفسوق.. وكله بسبب الابتعاد عن الله، وعدم الخشية منه تعالى.. فالناسُ، والشبابُ خاصة، ضاعوا في متاهات الإفساد والضلال، والنفوس صارت مثقلة بالأعباء - ولا سيما بالاضطراب والقلق - والفقراء يموتون من الجوع والمرض - وإحصاءات الأمم المتحدة خير شاهد - .. أما علماء السوء - بله الحكام - فلا هموم تؤرقهم أكثر من تطوير الأسلحة الفتاكة، واختراع أسلحة جديدة أشدَّ فاعلية في القتل، والإهلاك والتدمير.. فإلى أين المصير، والعالم كله يتخبط بالمشاكل والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية؟! وأين الخلاص، إنْ لم يكن في الإسلام، الذي لو اطَّلع الناسُ عليه، وعرفوه حق المعرفة، بروحية موضوعية ومنفتحة، لوجدوا أنَّهُ دين السلام، ودين المحبة والتآخي، ودين التكافل الاجتماعي، ودين الحكم بما أنزل الله تعالى.. بل ودينُ الإنسان الذي يناسب فطرة الإنسان، ودين الإنسانية بكل معانيها وآفاقها؟
ولا نغالي إذا ما قلنا بأنَّ هذه الحربَ المعلنة والخفية على الإسلام لا تخدم إلاَّ أصحابَ النفوذ والسلطان، في أي بلدٍ وجدوا.. وإلاَّ فما الفائدة من نشر هذه العداوة بين المسلمين وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى؟ إلاَّ أن تكون خدمة لمصالح أولئك الناس؟! وأين هي مصلحة الناس في مراعاة خواطر ومصالح الظالمين، وزيادة قهر المظلومين؟! وأينَ هي العدالة عندما يتّهم الغربُ المسلمين بالإرهاب - زوراً وبهتاناً - ويتغاضى عن كل أنواع الإرهاب التي تمارسها كلٌّ من إسرائيل وأميركا؟! بل وأين البحث عن حقيقة المطامع الصهيونية والأميركية حتى يُزال الإِرهاب فعلاً؟!
أجل، إنها فوضى في كل شيء: فوضى فكرية، وفوضى منهجية، وفوضى عنصرية، وفوضى طائفية، وفوضى اقتصادية، وفوضى اجتماعية وفوضى أمنية، وكلها تجوب العالم تحت ذرائع وشعارات مبرمجة سَلفاً.. لا يا «سادةَ» أهلِ الأرض، ما أرادَ الله تعالى هذا لبني البشر، وما ارتضى سبحانه الظلم لعباده، عودوا إلى ضمائركم!.. عودوا إلى التوراة والإنجيل، وكل الكتب المقدسة التي أنزلت من رب العالمين، وتحققوا من صحة تعاليمها، ونقاوة آياتها، وأزيلوا كلَّ ما لحقها من التحريف والإدخال، وستجدون فيها أنَّ الحقَّ حقٌّ، والباطلَ باطلٌ؛ وأنَّ الخير خيرٌ، والشرَّ شرٌّ.. وأنَّ إلى ربكم الرُّجعى، ولكل إنسان من الجزاء في الآخرة ما سعى في هذه الحياة الدنيا!..
ونحن، بكل محبة وإخلاص، ومن أجل الإنسانية بمعانيها السامية، نتوجه إلى الدعاة المسلمين بأنْ يحملوا الإسلام رسالة حبٍّ وسلامٍ وأمنٍ - كما أنزله الله تعالى، وهو الحقُّ من ربكم - وأنْ يقوموا بأعباء هذه الدعوة، مهما لاقوا من المصاعب والمشاقِّ.. وفي آيات القرآن المجيد يجدون السبل الواعدة، والأسلوب الأرقى في الدعوة، كما في هذا التوجيه الرباني، بقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ *} [فُصّلَت: 33].. فالدعوة يجب أن تكون بالقول الحسن والكلمة الطيبة، وأن يرافقها العمل الصالح الذي يصدّق القول، وأنْ تكون هذه الدعوة خالصة لله تعالى، كما أثبتها القرآن الكريم، وهي وحدها السبيل لأمانِ الإنسان وأمنه، وسلامه واطمئنانه.. فحقَّ أنْ لا يكون أحدٌ أحسنَ قولاً ممن دعا إلى الله، وعمل صالحاً، وقال إنني من المسلمين، المسالمين، المستسلمين لرب العالمين، العاملين بأوامره ونواهيه، السائرين على الطريق المستقيم، طريق الهدى والحق والخير.. وليس للداعية، أيُّ شأن من دعوته إلاَّ التبليغ، ويبقى جهده محسوباً عند ربه، فلا يضيع أجره سدىً، إذ لا يمكن أن يستوي داعيةٌ مجاهدٌ، مع قاعدٍ متخاذلٍ، مثلما لا يمكن أن يستوي المؤمن العابدُ الطائع، مع الكافر المنكر العاصي!..وقد يُقابَلُ الداعية بالعداء والأذى، والتآمر عليه، وقد يُساءُ إليه جهراً أو خفية.. وما عليه إلاَّ الاحتمال، ومتابعة الدعوة بالقول الحسن، والعمل الصالح والنية الصادقة في توجهه لله تعالى. وعمله هذا كلُّهُ حسناتٌ إن شاء الله، إذْ في ميزان العدل الإِلهي: «ولا تستوي الحسنة ولا السيئة»، فلكلٍّ منهما حسبانه وجزاؤه؛ وإذا ما تعرَّض الداعية إلى ما يسوؤه، فلا ييأس، ولا يتخاذل، بل يبقى مستمراً على المنهج نفسه الذي يربّيه عليه القرآن في قوله تعالى: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *} [فُصّلَت: 34]، فالسيئة التي قد تواجهه، عليه أنْ يدفعها بالكلمة الطيبة، والخلق الحسن، والأدب والكياسة.. وهذه قاعدة أصيلة في السلوك البشري، كي تردع الناس عن الولوغ في العداوة لبعضهم، ولا بدَّ أن تُؤتي هذه القاعدة ثمارها مع كل إنسانٍ يرجّح العقل على الهوى، والتروّي على الانفعال، لأنَّ نفحة الإنسانية موجودة دائماً في نفسه.. وتتأكد هذه القاعدة من وقائع الحياة التي ترينا أنَّ مقابلة الهياجِ والغضب، بالوديعة والسكينة، وخاصة بالكلمة الطيبة، كثيراً ما تعيد المهتاج الغاضبَ إلى صوابه، وتنأى به عن دوافع العداوة والبغضاء.. أما إذا قوبل بردة الفعل، فسوف تزداد سورة غضبه، وتأخذه العزة بالخطأ والإِثم، بحيث لا يعود ينفع معه قولٌ حسنٌ، ولا عملٌ صالحٌ، ولا دعوةٌ لله تعالى.. ولكي تكون قاعدة «الدفع بالتي هي أحسن» سليمةً، ومجديةً، يجب أنْ يُشعِرَ الداعيةُ الغضبانَ بأنَّ اللين معه، ليس متأتيّاً عن ضعفٍ أو تخاذلٍ، بل عن تسامحٍ، واحتكام إلى العقل، وتسوية للأمر بالحق والصواب.. على أنَّ الإساءة التي قد يواجهها الداعية يجب أن يعتبرها إساءةً إلى شخصيته، ويمكن أن يتجاوزها بكظم الغيظ والمسامحة، أما إذا تبيّن له أنَّ العقيدةَ الإسلامية هي المستهدفة، من أجل إبعادها عن ساحة الحياة وهموم الناس، فعندها تصبح المواجهة مع عدو هذه العقيدة واجباً شرعياً، لأنَّه لا يجوز له السكوت والتخاذل بشأن العقيدة حتى لا يستفحل الباطلُ، ويسود الشر.. أما إذا لم يكن بإمكان الداعية الإقدام على المواجهة، فعليه أن يصبر على الأذى، ويحتسب نفسه - بعد أنْ أوفى بواجبه بالقول الحسن والعمل الصالح - عند ربّه تعالى، والله لا يضيع أجرَ من أحسن عملاً.. إذاً فالدعوة الصادقة إلى الله تعالى، هي السبيل للقضاء على العداوة بين الإنسان والإنسان، وتحويل العدو إلى صديق حميم، وأخ كريم..
ثم يأتي البيانُ القرآني لتحذير الداعية - وتحذير كل إنسانٍ - من نزغ الشيطان، وتوجيهه إلى السبيل الحق الذي يُنجيه من شر الشيطان الرجيم، بقوله تعالى: {يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعرَاف: 200]...
وهذا ما يجب على الإنسان أنْ يفعله عندما يحسُّ بالوسوسة التي تُشبه الوخز في القلب، أي أنْ يستعين بالله تعالى لكي يقوّي إرادته، فلا ينصاع لتلك الهواجس التي تحثُّهُ على المعصية، أو تستخفُّهُ بالطيش والهوى..والاستعانة بالله من الشيطان هي من مقومات الإيمان لدى المؤمن الصادق الذي يسلّم أمرَه لربه، وهو على يقين بأنه سبحانه هو السميع لدعائه ورجائه، العليم بنفسه وحاله.. يسمع ما تتفوَّهُ به الشفاهُ، وما تبوح به الألسن؛ وما تهمُسُ به كلُّ نفسٍ، ويعلم كلَّ نبضة عرق، وكلَّ خفقة قلب، وكلَّ خلجة شعور في الصدور؛ وحسبُ المؤمن أنْ يلجأ إلى خالقه وبارئه، وأنْ يستعين به على كل ضيقٍ أو حرجٍ أو نزعة نحو السوء، وأنْ يطمئنَّ إلى استجابة ربِّه تعالى، حتى يُبعدَ عنه كلَّ ما يمكن أنْ ترميه به الوساوس السوداءُ في نفسه، ويخلِّصَهُ من كل مكروهٍ أو ابتلاءٍ..
والتوجيه القرآنيُّ لا يخاطبُ الداعية المسلمَ وحده، بل عبادَ الله جميعاً، كما في هذا التوجيه الرباني، الذي يعلّم فيه اللطيفُ الخبيرُ رسولَهُ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) كيفَ يهدي الناسَ إلى سبل الخلاص من العداوات التي قد يغري بها الشيطان فيما بينهم، فيقول الله تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِيناً *} [الإسرَاء: 53].
هذا التوجيهُ من ربّ العالمين فيه تشريف للمؤمنين؛ لأنَّ لفظة «عبادي» تختصُّ بهؤلاء الناس الذين ينسبهم ربُّ العزة والجلال إلى نفسه، من دون عباده الآخرين، ولذلك أوحى إلى رسولِهِ الكريم أنْ يربيّهم على القيم الإسلامية، والسجايا الإنسانية، ومنها أنْ يقولوا الكلمة التي هي أحسن القول، أي الكلمة الطيبة التي هي كالشجرة الطيبة أصلُها ثابتٌ، وفرعها في السماء.. ويدخلُ في هذا المضمون كلُّ حديث، أو تعليم، أو تربية، أو نقاش، أو مفاوضة.. فالعلاقات بين الناس كثيرة ومتشعبة، وإنَّ الشيطانَ حاضرٌ أبداً لأنْ يغري بينهم العداوة والبغضاء، أو أنْ يجرهم إلى الجفوة، والكراهية حتى يُذهبَ بكلّ ودٍّ ووفاقٍ جامعٍ على الخير.. إنه يلاحقهم - هو وقبيله - في كل اتجاه حتى ليفسد بين الولد وأبيه، والأخ وأخيه، والزوج وزوجته، والصديق، والشريك والحليف، وكل الناس، لأنه عدوّ للناس، وعداوتُهُ واضحة، وظاهرة في كل هذه المساوئ التي تملأ حياتهم.. فليحذر الإنسانُ هذا العدو اللدود، وليستعصِ على وسوسته وإفساده، وليردِّدْ دائماً الاستعانة بالله بقوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ *} [المؤمنون: 97-98]..
ولا بدَّ أنْ يكونَ هذا الدعاءُ نابعاً من القلب، حيث يتوجَّهُ الإنسانُ إلى ربّه بصوتٍ خاشعٍ، ونيّةٍ خالصةٍ، وهو يقول: ربِّ أعتصم بك من خَطَرَاتِ الشياطين التي تخطر ببالي وقلبي، وألوذ وأستجيرُ بك ربّ أن يحضروني في أموري لأنهم لا يحضرون إلاَّ بسوءٍ، وشرٍّ.. وعندما يتعوذ الإنسانُ بربّه تعالى من همزات الشياطين، فإنَّه لا يتعوذ من الشيطانِ وسلالتِهِ وحدهم، بل ومن هؤلاء البشر الذين يتخلَّقون بالخلقة البشرية في حين قد يكونون شراً من الشياطين، وهم يعيشون في الأرض فساداً.. ولعلَّ من أبشع الجرائم التي يرتكبونها ذلك الظلمَ الذي يلحقونه بالمؤمنين، لأنَّ هؤلاء مندوبون شرعاً للوقوف في وجه الظلم والجور بشتى أشكالهما، والتصدّي للظالمين والجائرين.. ولذلك كان الإنسان، مدعُوّاً لأنْ يستعين بالله العلي القدير من همزات الشياطين من الجن، ومن أفعال ودعوات شياطين الإنس إلى الباطل، والفساد والإفساد بين الناس؛ وأنْ يبدأ الإنسانُ، أولَ ما يبدأ، بالاستعاذة من شرورهم على نفسه، حتى يبعدَ حضورهم عنه، وقد أتاحَ له الله تعالى السبلَ التي تمكّنه من إبعادهم فعلاً عنه، فلا يحضرونه، حقاً، عند تلاوة القرآن، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج إلى بيت الله الحرام، وعند كلِّ عمل خير يقوم به، أو نصرة حق يعمد إليها.. وعلى هذا النهج من العمل الإسلامي، يجب أن يسير المؤمن - بل وكل إنسان - حتى يتخلّص من براثن الشياطين...
يقول الله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ *} [البَقَرَة: 268] ومَن أصدقُ من الله قيلاً، وهو سبحانه يحذّرنا من الشيطان ووعوده الكاذبة الخادعة، ومن نفثاته المضلّلة المفسدة.. فالشيطان يهجم على أصحاب الخير، الذين ينفقون في وجوه البرّ والتقوى لمساعدة ذوي الحاجات، ولأداء الفرائض من الزكاة والصدقات، كي يثنيهم عن ذلك، وهو يصوّر لهم أنَّ ما يدفعونه إنما يؤدّي إلى تفقيرهم، وتحويلهم إلى محتاجين؛ ومن شأن مثل هذا الوعد الشيطاني أنْ يؤثّر في النفوس الضعيفة، لما يثير فيها منِ هواجس العوز، وبالتالي الحرص على المال، والشح في إنفاقه؛ وبمعنى آخر فإنَّ الشيطان يريدُ أنْ ينزع من نفس الإنسان حبَّ الخير، ومن قلبه الرحمة، فيعزفَ عن الإنفاق في سبيل الله، والمحصّلة النهائية للوعود الشيطانية سلب المشاعر الإنسانية من نفوس الناس، وصدِّهم عن السبل التي ترضي الله تعالى..
ولا يكتفي الشيطانُ بتخويف الناس من الفقر - إنْ هُمْ أدَّوا جزءاً من أموالهم لنشر الخير والمحبة والتضامن - بل ويأمرُهم - بديلاً من ذلك - بالفحشاء؛ ومعنى الفحشاء: المعصية التي تفحش، وتتجاوز الحدَّ في فحشها، وهي تشمل جميع المعاصي من الكبائر.. وعلى هذا فإنَّ الشيطان يزيِّن للناس حبَّ الشهوات الدنيئة من مثل: الزنى، والميسر، والسرقة.. ويجذبهم إلى تعاطي المخدرات والمتاجرة بها، أي إلى أكبر الآفات التي تغزو العالم، ويتعهدها أعداء الإنسان أينما وجدوا.. ويحرّضهم على التسلّح بشتى أنواع الأسلحة، كي لا تتوقف النزاعات والحروب.. ويدفعهم إلى وضع الاستراتيجيات والمخططات التي تحقق المطامع، وتكديس الثروات لقلّةٍ من الناس!.. وكل فاحشة من تلك الفواحش الكبيرة تتطلب الأموال الطائلة أين منها أي مالٍ يُدفع في سبيل الخير!.. هذه هي وعودُ الشيطان: الفقرُ إنْ عملنا خيراً... واللذائذ والثروات إنْ عملنا الفحشاء!.. أمَّا ما يَعِدُ به الله تعالى عبادَه الذين ينفقون من المال الحلال في وجوه البرّ والتقوى فهو سَتْرُهُ سبحانهُ عليهم عند وقوعهم في الخطيئة، أو ارتكاب الذنب، وأنه سبحانه يكفّر عنهم سيئاتهم ويغفر لهم ذنوبهم، فالحسنات يذهبن السيئات، بقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ *} [العَنكبوت: 7].
والمغفرةُ والفضلُ من الله تعالى هما من أعظم النعم التي يطمح إليها المؤمن؛ وما على من يريد أنْ يتبين معاني المغفرة والفضل من ربّ العالمين، إلاَّ أن يطّلع على الآيات القرآنية التي توليهما عنايةً واهتماماً بالغين، بحيث يندفع المؤمن الذي يريد رضوان الله بصورة تلقائية إلى مواطن الأعمال الصالحة التي تؤتي ثمارها الطيبة في الدنيا والآخرة... ولا بدَّ أنْ نشير هنا إلى أنَّ الحقَّ تبارك وتعالى قدَّم في الآية الكريمة - 268 من سورة البقرة - لفظة «المغفرة» على لفظة «الفضل»، لأنَّ الإنسان إذا ما نالَ مغفرةً منه تعالى، فقد نالَ ثواباً عظيماً، فإذا زادَهُ سبحانه فضلاً من عنده، فإنَّهُ يكون من باب زيادة النعمة، وقبول الأعمال الصالحة؛ وهذا ليس بكثير على الله - عزَّ وجلَّ - لأنه واسع العطاء، يعطي عن سعةٍ من خزائنه التي لا تنقص، ومن رزقه الذي لا ينفد، ولأنَّه عليم بالعبد الذي يستحق العطاء، وعليم لماذا يعطي، وكيف يعطي حتى لمن لا يستحق من الناس، وفقاً لمقتضيات الحكمة الإلهية التي لا ندرك أسرارها وأبعادَها..وأمام هذه الحقائق باتَ على الإنسان أن يختار بين وعد الشيطان فيشقى في نفسٍ فقيرةٍ مهما كان يملك من المال والسلطان، ويتقلّب في اللذة والشهوات!، ووعد الله - تعالى - فينعم بثواب المغفرة، والفضل العظيم.. فليست هنالك شبهة ولا غشاوة؛ إمَّا طريق الشيطان وإمَّا سبيل الله، ولكل امرىءٍ أن يفاضل ويختار {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفَال: 42].
الاستعانة بالله (تعالى)
إنَّ الاستعانة بالله تعالى، هي ضرورة لا غنى عنها للإنسان، إذا ما أرادَ أنْ يلجأ إلى الولي الأقوى، والناصرِ الحقِّ؛ وهي ضرورة للنفس الإنسانية لكل من أرادَ أنْ يتّقي شرور الخلق، أو أنْ يتغلَّب على الوسواس الذي يقبع في أعماق نفسه..
ولذلك سوف نبحث في هذين الوجهين للاستعانة بالله من خلال نصوص السورتين الأخيرتين في كتاب الله المبين، أي: سورة الفلق، وسورة الناس.
الوجه الأول: الاستعانة بالله من شر مخلوقاته
يقول الله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ *وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ *وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ *} [الفَلَق: 1-5].
ولا بُدَّ من تبيان بعض المعاني اللغوية لعدد من الألفاظ الواردة في هذه النصوص الكريمة، حتى يمكننا أنْ نستدلّ على التوجيه الرباني لرسوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، وللناس أجمعين، في طلب العون منه - عزَّ وعلا - عندما يطرأ عليهم، أو يحيق بهم الشرُّ في أي وقت جاءهم وعلى أي شكل أتاهم.. ومن تلك الألفاظ:
الفلق: ومن معانيه: الصبحُ عندما يشقُّهُ الله بالنور، ويكشف عنه الظلام.
والفلق: الخلقُ المتجدّد، فعندما ينزلُ الله تعالى المطر على الأرض فإنَّ التربة تهتز، وتتشقق فيحصل الإنبات، {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعَام: 95] والفلق: كذلك هو بيان الحق بعد إشكال قد يحصل بشأنه..
الغاسق : ومن معانيه: إبليسُ، والأسود من الحيّات، والليل إذا اشتدت ظلمتُهُ، وقد يعني أيضاً ما يتدفق أو ينصبُّ بقوة...
الوقْب : يُقال وَقَبَتِ الشمس تقب وقباً إذا غابت. ووقب القمر أي دخَلَ في الخسوف، ووقب الظلام على الناس إذا دخَلَ وانتشر. والوَقْب (مصدر): هو الأحمق، وهو النذل الدنيء والوقْب أيضاً: نقرة في الصخرة يجتمع فيها الماء، أو كل نقرة في الجسد كنقرة العين والأذن..
النفاثات في العقد : وهنَّ اللواتي يمارسن الشعوذة والسحر، أي اللواتي يسمّونهنّ «الساحرات»..
أما الحسد ، فهو معروف بأنَّه انفعال نفسي إزاء نعمة أنعمها الله تعالى على أحدٍ من الناس، وينطوي على ميل الحاسد زوالها عن صاحبها، ومن ثَمَّ حصوله هو - أي الحاسد - عليها أو مثلها..
فإنَّ أول ما يطالعنا به النصُّ القرآني، هو هذا التوجيه من العزيز الحكيم لرسوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، بأنْ يكون حاضر الذهن والقلب عند وقت فلق الضياء عن الظلام في الصباح، فتعود دورة الحياة من جديد بعد السكون الذي طرأ عليها، في وجوهٍ عدة من الليل، إلى حركتها الطبيعية، وما ينجم عنها من تفاعلات بين الأحياء والأشياء ترمي إلى شق الصعاب، وفتح آفاق جديدة لاستمرارية الحياة على هذه الأرض. وكثيراً ما يطرأ خلال تلك التفاعلات من مخاطر قد لا تكون مرتقبة، أو قد تخرج عن طوع الإنسان، فهنا يأتي دور الاستعانة بالله العلي العظيم لدرء تلك المخاطر، وما ينجم عنها من أضرار، ومعالجة ما يمكن معالجته منها.. وهذا يعني أنَّ من شأن حركة الحياة أنْ تواجهَ الناس بطوارئ غير متوقعة، أو بأحداث تكون غامضة ومستورة ثم تأتي بصورة مفاجئة، تبغتهم على غير علمٍ أو استعداد، ففي مثل تلك الحالات كان لزاماً على الإنسان أن يستعيذ بالله سبحانه، وأن يركن إلى رحمته لكي يأمن غوائل الأيام التي قد تنتابه في حياته، وتوقعه في المآزق والمصائب، وليس إلاَّ ربّاً قادراً كريماً يكشف الضرّ ويعفو عن السيئات ويعين على نوائب الدهر. وكما الاستعانة برب الفلق أمنٌ للإنسان من طوارئ العاديات، فكذلك الاستعانة به تعالى من شر مخلوقاته، فيها الأمل والنجاة ممّا قد يلاقي من شرور هذه المخلوقات، إذْ كثيرٌ من الناس يألفون بطبعهم افتعال الشر، وكثير منهم أيضاً لا يعنيهم إلاَّ مطامعهم وأهواؤهم فيسعون وراءها دون وازع من ضمير، أو رادع من دين، أو مخافة من قانون، لاعتقادهم بأنَّهم قادرون على الإفلات من أحكام القوانين الوضعية!.. أضف إلى ذلك الولوع في الغيبة، والوشاية، والتآمر، والحسد، والبخل... وكلُّ ذلك ممّا يتأتَّى عنه الشر.. فإذا رافق تلك السيئات الفقر، والمرض، والجوع، والحروب، والفتن، والاضطرابات.. وكلها - في الحقيقة - شرٌّ بشرٍّ... فضلاً عما يحصل من الكوارث الطبيعية من: أعاصير، وفيضانات، وزلازل، وبراكين.. وكلها أيضاً مجلبة للشرور على من تصيبهم.. فإذا أمعن الإنسان النظر بما يحيط به من وجوه الشر، سواء من الناس، أو من الأشياء حوله، أدرك لطف الباري - عزَّ وجلَّ - وهو ينبهُهُ في قرآنه المبين، إلى أن يستعيذ بربه من «شر ما خلق»..
ثم على الإنسان ألاَّ ينسى أنه كما ينبعث الشر والضُّرُّ من المخلوقات، فقد ينبعث منها الخير والنفع أيضاً، والاستعاذة بربه تعالى إنما هي لصرفها عنه، واتقاء شرورها، والأمل بالإفادة مما يصدر عنها من خير.
أما الاستعاذة بالله تعالى: من {شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} [الفَلَق: 3]، قيل في تفسيرها: الاستعانة من شر ما يحدث في الليل إذا أظلم فلا يعود باستطاعة الإنسان أن يتبيّن ساكناً أو متحركاً قد يفاجئه بالشر؛ وبهذا المعنى فالغاسق هو كل مستورٍ أو مجهول قد يوجس منه الإنسانُ خيفةً، لئلا يأتي عليه بشرٍّ كثيرٍ.. ولعلَّ المثالَ الحسيَّ عليه يتمثل بأهل الشرّ أو السوء الذين يعملون في الخفاء حيث يحيكون المؤامرات، أو يرسمون الخطط، ويهيئون الوسائل والأدوات اللازمة لتنفيذ ما عزموا عليه، عندما يجدون الظروف مواتية لذلك!.. فكل ما يفعل مثل هؤلاء يبقى مستوراً ومخفياً إلى أن يظهر بالفواحش والجرائم التي يؤتونها!.. وقد يكون هؤلاء أفراداً، أو جماعات، أو منظمات حكومية أو غير حكومية، ولكن فعالهم، تبقى في محصلتها النهائية، شرّاً بشرٍّ.. ثم إذا أخذنا «الغاسق» بمعنى الحيّات السوداء، فإنَّ مثل أهل الشرِّ في ذلك كمثل تلك الحيات، أو الوحوش الضارية التي تتربص بطرائدها، وتستخفي عنها إلى أن تنقضَّ عليها وتقتنصها، وغالباً ما يكون قنصُها بالتخفي في النهار، أو عندما تسرح في ظلام الليل؟! وهو ما يستوجب ألاَّ يغيب عن بال الإنسان أنَّ أهل الشر كثيرون، وهم ينشطون كالأفاعي والحشرات السّامة، أو الحيوانات القاتلة، ويكون معظم نشاطاتهم على حساب الضعفاء، والمساكين، والأبرياء.. وهم دائماً يتسترون بالمظاهر الخادعة، وينشرون الأباطيل، والوعود الكاذبة، وسلاحهم دائماً القوة والاستكبار، أو الخداع والتضليل، وكل ما تنطوي عليه أعمال الشر التي تمكّنهم من الوصول إلى مآربهم الدنيئة، وتحقيق مطامعهم الخبيثة. وإلاَّ فلماذا هذا الشرُّ المستطير الذي نجده في كل مكان، ويحاصر الناس حتى وهم نيامٌ في بيوتهم؟!.. فكان حقيقاً على الإنسان أن يخاف من كل مستورٍ أو مغيّبٍ قد يفاجئه بالخطر، أو يصيبه بالضرر، وأن يلجأ إلى الله تعالى، ويستعين به حتى يأمن من غوائل المخلوقات، ودواهي الأيام والليالي...
وكذلك الاستعاذة بالله العلي القدير من شرّ الساحرات، اللواتي يزاولن أنواعاً من الشعوذة، أو السحر، لخداع البسطاء من الناس، وتلفيق الأكاذيب بتلك الحركات المريبة التي يأتينها، ومنها وضع البخور - أو غيره من المواد - في المجامر أمامهن حيث ينبعث الدخان والروائح، والنفث في العقد التي يحكمن ربطها في أقمشة مخصوصة، ثم يعطينها لمن يذهب إليهنّ، مع تعليمات مشددة بأنْ يتقيدوا بما يأمرنَ به حتى يؤتي عملُهنَّ ثماره!.. ويكفي أن نتخيَّل منظر تلك الساحرات - في لباسهن وحركاتهنَّ - حتى يتبين مدى الخداع الذي يمارسن، ويضللن به الناس، وليس فيه أي نفع لهم، بل على العكس هو مجلبة للشر والأذى وإلاَّ لما حذَّرنا منه الخالق الذي يعلم السرَّ وأخفى.. وعملُ الساحرات هو مثال لجميع المحتالين والمراوغين، الذين يرمون الناس في شباك حيلهم وأكاذيبهم الملفقة، بل هو تمثيل لكلِّ مَنْ يوهم الناس، بالقول أو الفعل، بأنه قادرٌ على أنْ يساعدهم، بينما هو في الحقيقة أعجز من أن يساعدَ نفسه، فكيف بالآخرين!.. ولذلك يجسّد لنا القرآن الكريم الدهاء والخبث، والزيف والخداع، والرياء والمداهنة - وكلَّ المعاني المماثلة - بهذه الصورة المعبّرة للساحرات، وهنَّ يمارسنْ «السحر»، وكأنَّ ما يصدر عنهن في النفث مثل فحيح الأفاعي التي لا تأتي إلاَّ بالسموم!.. أفلا يجدر بنا أن نستجيب لربنا سبحانه وتعالى، فنستعين به، ونستغيثه على كل بلاءٍ نريد التخلُّص منه، لأنه وحدَه المعين والناصر، بدل أنْ نلجأ إلى أهل الشرِّ من الناس، الذين لا يردّون بلاءً، ولا يدفعون ضرّاً، بل غالباً ما يضلّلون عقولنا، ويسلبوننا أموالنا، وبالتالي فلا نجني من ورائهم إلاَّ خيبة الآمال؟!..
والاستعاذة بالله السميع العليم من شر الحاسدين، هي وقاية أيضاً للإنسان، سواءٌ انبعث الحسدُ من الانفعال النفسي، لدى الحاسد، بصورة تلقائية، أو من نيةٍ مقصودة بزوال النعمة عن المحسود، ففي الحالتين لا يكون الدافع إلاَّ الطمع أو الحقد، الذي لا يولد إلاَّ الشرَّ الذي يصيب الشخصَ المحسودَ!...
ولا يمكن لأحد أن ينفي تأثير الانفعال النفسي المعروف بالحسد.. إذ لم يتوصل العلمُ بعدُ إلى اكتشاف سرّ هذا الانفعال، وكيفية حدوثه، بل وكيفية تأثيره على الغير عندما يصيبه فعلاً بالضرر..
والواقع أنَّ علم الإنسان لا يزال قليلاً عن أسرار النفس البشرية، ومنها الحسد، هذه القوة الفاعلة التي تحدث في النفس، وتؤثر بصورةٍ حسيّةٍ، وبشكلٍ سيّئ على الإنسان أو الحيوان أو النبات أو الشيء.. إذْ كثيراً ما نسمع عن إصابة الناس بأضرار من جراء تأثير الحاسدين عليهم، أو ربما تصيب عين الحاسد حيواناً فتقتله، أو شجرة فتهترئ ثمارها، أو مزهرية جميلة في البيت فتقع وتنكسر.. وهذه حوادث واقعية، قد يغفل الإنسان عن فهم أسبابها، ولكنه لو راقبَ الظرف الذي وقع فيه الحادث، وكل ما أحاط به من ملابساتٍ، لتبيّن له أنه لم يكن ليحصل الذي حَصَلَ، لو أنَّ فلاناً من الناس لم يكن موجوداً في ذلك الظرف.. المهم أنَّ الحسدَ أمر لا أحد يعرف كنهَهُ، ولا حقيقته، وإنّما يمكن معرفة أثره، بحيث لا يبقى أمام الإنسان إلاَّ أن يستعين بالله العلي العظيم من شر تلك القوة التي يمتلكها بعض الناس في نفوسهم، وتأثيرها الضارّ على غيرهم.. لأنه سبحانه هو الذي خلق الإنسان ويعلم ما في الصدور، وما يكمن في النفوس، وهو - عزَّ وعلا - قادرٌ على أنْ يجعل الشرَّ الذي يمكن أن ينبعث من نفس الحاسد بلا أدنى تأثير أو ضرر...
وهكذا تتجلى سورة «الفلق» في القرآن الكريم، وهي تتلألأ بنور الهداية للإنسان كي يستعين بربه تعالى في كل حينٍ وآنٍ، لاتقاء الشرّ، بشتى أنواعه وصوره قبل حصوله، أو دفع آثاره الضارة عـندما يحلُّ به..
الوجه الثاني: الاستعانة بالله من شر الوسواس في النفس
وهنا أيضاً لا بدَّ من أن نشير منذ البدء إلى أن لفظة «وسوس» قد وردت في خمسة مواضع من القرآن الكريم، وذلك بقوله تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ *} [الأعرَاف: 20] وقوله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَال ياآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ} [طه: 120]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ *} [النَّاس: 4]، وقوله تعالى: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ *مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ *} [النَّاس: 5-6].
فما معنى لفظة «وَسْوَسَ»، وما معنى «الوَسْوَاسُ»؟
يقال في اللغة: وَسْوَسَ فلانٌ لفلانٍ: كلَّمه كلاماً خفياً، وَوسْوَسَ الشيطانُ لَهُ، وإليهِ: حدَّثه بما لا نفع فيه ولا خير. ووسوستْ له نفسُهُ: حدّثته بما لا جدوى به، ولا طائل تحته..
أما الوَسْواسُ فهو مرضٌ يَحدثُ من غلبة السويداء في القلب ويختلط معه الذهن؛ ويقال أيضاً لما يخطر بالقلب من شرٍّ، ولما لا خير فيه؛ والوسواس: الشيطان، والصوت الخفي من الريح.. مما يتبين معه أنَّ الوسوسة هي من عمل الشيطان عندما يتسلّط على الإنسان، فيصيبه في قلبه بمرض الوسوسة، التي تقود إلى الغواية، والضلال، أو يصيبه في نفسه فتأمره بالسوء والفحشاء..
وقد تناول القرآن الكريم، في بعض من الآيات البيّنات، الحالات التي ينفذ فيها الشيطانُ إلى قلب الإنسان ونفسه، ليغويه، ويوقعه في الفتنة والشر، ولعلَّ أبرز تلك الحالات: الوسوسة، والنزغ، والمسّ.. ويمكن توضيحها على النحو التالي:
أولاً: الوسوسة في الصدور
يقول سيد قطب عن وسوسة الشيطان: «وسوسة الشيطان لا ندري نحن كيف تتم، لأننا لم ندرِ كُنْهَ الشيطان حتى ندرك كيفيات أفعاله، وكذا اتصاله بالإنسان وكيفية إغوائه. ولكننا نعلم - بالخبر الصادق وهو وحده المصدر المعتمد عندنا عن هذا الغيب - أنَّ إغواءَهُ على الشرّ يقع في صورة من الصور، وإيحاءَهُ بارتكاب المحظور يتمُّ في هيئةٍ من الهيئات، وأنَّ هذا الإِيحاء، وذلك الإِغواء يعتمد على نقط الضعف الفطرية في الإنسان، وأنَّ هذا الضعف يمكن اتقاؤه بالإِيمان والذكر، حتى لا يكون للشيطان سلطانٌ على المؤمن الذاكر، ولا يكون لكيده الضعيف حينئذٍ من تأثير»[*] .
ولا شك في أنَّ محاربة وساوس الشيطان لا تتأتَّى للإنسان إلاَّ إذا اعتمد على ربه تبارك وتعالى بأنْ يقوي في نفسه الإيمان، وأنْ ينصرهُ على حالات الضعف التي تعتريه أمام مغريات الحياة المادية، وبذلك يُذهب عنه كيدَ الشيطان، وإغواءه، وكلَّ ما يمكن أن يزيّن له من الخطأ والمعصية. وهذا ما يوجّهنا إليه الحق تبارك وتعالى، في خطابه لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، وللأمة من بعده، بل وللناس جميعهم، بقوله الكريم: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *مَلِكِ النَّاسِ *إِلَهِ النَّاسِ *مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ *الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ *مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ *} [النَّاس: 1-6].
إنَّهُ عدونا - عدو الإنسان - ذلك القابع دائماً في نفوسنا، المستخفي عن عيوننا، فهل عرفناه؟ أجل إنه كما وصفه ربُّ العالمين بقوله تعالى: {الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [النَّاس: 4]، الشيطان الرجيم، الذي لا يترك سانحةً إلاَّ ويحاول أن يغوينا، وأن يدسَّ السمَّ لنا حتى نبعد عن الصراط المستقيم، ونقع في المعصية.. فهل نستسلم له، أم نلجأ إلى ربنا، ونستعيذ به لكي ننجوَ من الانحراف عن الحق والإيمان، ونقع في الاندفاع وراء الانفعالات الضارة، التي تؤدي حتماً إلى فسادنا وهلاكنا؟!
أبداً لا يجوز لنا الاستسلام لهذا العدو اللئيم، وأمامنا سبيل الخلاص واضحاً، وهو الاستعانة بخالقنا، واللواذ بحماه لأنه سبحانه هو: ربُّ الناس، ملك الناس، إلـهُ الناس. والربّ هو المربّي، والموجه، والراعي والحامي؛ والملك هو المالك، الحاكم، المتصرف القادر؛ والإلـهُ هو المستعلي، العزيز، المتولي، المحيط بكل شيء؛ فهو سبحانه الحامي للناس من الشر الذي يحوكه الشيطانُ في نفوسهم، ولا يعرفون كيف يدفعونه عنهم، لأنه خفيٌّ ومستورٌ، يأتيهم من حيث لا يحتسبون، فالشيطان هو يأخذهم من حيث لا يشعرون. العدو الغادر، هو الوسواس الخناس. (والوسوسة: الصوت الخفي. والخنوس: الاختباء والرجوع.والخنَّاس هو الذي يكون من طبعه كثرة الخنوس، أي كثرة الاختباء في المكامن التي يأتيها، وكثرة الرجوع والتردد إليها).
ومن بلاغة القرآن المجيد أنه أبان لنا الصفة أولاً: {الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [النَّاس: 4]، ثم حدد ثانياً عمل هذا الخناس {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ *} [النَّاس: 5]. وأخيراً حدّد من هو: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ *} [النَّاس: 6].. وهذا الترتيب يثير في النفوس اليقظة والانتباه حتى تتبيَّن حقيقة هذا {الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [النَّاس: 4] بعد معرفة صفته، وإدراك طريقة فعله التي يتحقق بها شرُّه، تأهباً لدفعه ومراقبته. والنفس حين تعرف أنَّ ذاك الوسواس الخناس إنما يعمل في الخفاء والسر، وأنه من الجن (الذين لا نراهم) ومن الناس (الذين يؤثّرون في الأنفس تأثير الجن، ويوسوسون وسوسة الشياطين).. فالنفس حين تعرف هذا تتأهب للدفاع، وقد تبيّنتْ عدوها، وطريقة عمله، والأماكن التي يضرب فيها، فلا يعود قادراً على أن يفعل فيها، كما لو بقيت غافلة، جاهلة، لا تعرف الدفاع، ولا تلجأ إلى الناصر والمعين..
وشياطين الإنس والجن هم عدوٌّ للإنسان، بدليل قول رب العالمين {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ *} [الأنعَام: 112]؛ عن جعفر الصادق (عليه السّلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «ما مِنْ مُؤْمِنٍ إلا ولقلبِهِ في صدرِهِ أُذُنان: أُذُنٌ يَنْفُثُ فيها المَلَك ]وهو أحد ملائكة الله أوكله سبحانه بالإنسان[ وأُذُنٌ ينفُثُ فيها الوَسواسُ الخنَّاسُ، فيؤيّدُ الله المؤمِنَ بالمَلَك وهو قوله سبحانه: {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجَادلة: 22]» [*].
أما اتّباع {الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [النَّاس: 4] فأسبابه عديدة ولاسيما شهوات الأنفس ورغباتها، لأنَّ الشهوة هي مظهر من مظاهر غريزة النوع كالميل الجنسي، والرغبة هي مظهر من مظاهر غريزة النوع كالميل الجنسي، والرغبة هي مظهر من مظاهر غريزة البقاء، كالرغبة في الحصول على المال والسلطة وما إلى ذلك..
والجان (أو الجنة) لا ندري كيف تتم وسوستها، وكيف تدخل إلى النفوس وتؤثر فيها. ومع ذلك فإن آثارها تظهر في حياة الناس، وكثير هم من يتصرفون بإيحاء خفي، لا يعرفون مصدره وكيف أتاهم، ولكنهم ينساقون وراء إيحاءاتهم، فتبرز تصرفاتهم على نحوٍ مشين.. وقد أخبرنا القرآنُ الكريم عن العداوة التي افتعلها، والحرب الشعواء التي شنَّها، إبليس على آدم وذريته إلى يوم القيامة.. ولكنَّ العليم الحكيمَ لم يترك الإنسان في هذه المعركة مجرداً من العدّة، فقد جعل له من الإيمان جُنَّة، ومن ذكر الرحمن عوناً، ومن الاستعاذة برب الناس، ملك الناس، إله الناس، سلاحاً أقوى، لأنَّ من يستعين بالله وهو مؤمن، واثق من ربه تعالى، متوكل عليه، كان ربُّهُ عوناً له وناصراً،فإذا أغفل الإنسان جُنَّتَهُ وعونَهُ وسلاحَهُ، فليس له أي عذر إذا وقع في حبائل الشيطان؛ ولا يقع اللوم إلاَّ على نفسه، وعليه وحده.. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «الشيطانُ جاثمٌ على قلبِ ابْنِ آدمَ، فإذا ذَكَرَ الله تَعالى خَنَسْ، وإذا غَفِلَ وسْوَسْ»[*] ..
وأمَّا شياطين الإنس فإنَّ من وسوستهم ما يُعدُّ أدهى من وسوسة الشياطين من الجنّ.. وهذه نماذج عن بني آدم من الفاسدين، المفسدين:
رفيق السوء الذي يزين الشرَّ لصاحبه، حتى يدخله إلى عقله وقلبه من حيث لا يحتسب، ومن حيث لا يحترس، لأنه غافل عن حقيقته، ويعتبره الرفيقَ المأمون، يقول الشاعر:
فلا تَصْحَبْ أَخَا السُّوْءِ
وإيَّاكَ وإِيَّاهُ
فكَمْ مِنْ جَاهِلٍ أَوْدَى
حَكِيْماً حِيْن آخاهُ
يُقاسُ المرءُ بالمَرْءِ
إذا ما المَرْءُ مَاشَاهُ
وللشّيءِ على الشّيءِ
مَقَاييْسٌ وأَشْبَاهُ
حاشية النفوذ وبطانة الشر التي توسوس لكل ذي سلطان حتى تجعله طاغيةً، جباراً، مفسداً في الأرض، يسعى ليهلك الحرثَ والنسلَ..
النَّمَّام الواشي الذي يوحي زخرف القول غروراً، حتى ليبدو كأنه حقٌّ لا مرية فيه، بينما لا يعدو في حقيقته أن يكون من القول المنمّق الذي يخفي الخبث، والنفاق والفتنة..
يقول الشاعر:
في زُخْرُفِ القولِ تزيينٌ لباطِلِهِ
والحقُّ قدْ يَعْتَريهِ سوءُ تَغْييرِ
تقولُ هذا مِجاجَ النَّحلِ تَمدحُهُ
وإنْ ذَمَمْتَ فقُلْ قَيءَ الزَّنابيرِ
مَدْحاً وَذَمّاً وما غيَّرتَ مِنْ صِفةٍ
سِحْرُ البَيانِ يُري الظُّلماءَ كالنُّورِ
بائع الشهوات الذي يغري المهووسين، وينفذ من منافذ الأهواء، والميول والرغبات الذميمة.
طالب المناصب وأسير المطامع الذي يُداهن، ويرائي، ويَرشي لينال الرضى والحظوة عند أصحاب القرار..
هؤلاء النماذج، وأمثالهم كثيرون، هم من البشر الذين في قلوبهم مرض لا يمكن علاجُهُ إلاَّ بيقظة العقل والقلب، وعون الله تعالى ورحمته، فمن شاء أنْ يخلِّص نفسه، فإنَّ الله تعالى سميعٌ عليمٌ، حاضرٌ أبداً لنصرته. والاستعاذةُ به سبحانه هي خيرُ معينٍ وناصرٍ للنفوس البشرية في كل شيء.
إنها إذاً معركة كتبت على الإنسان أن يصارعَ فيها نفسه من غواية الشيطان وقبيله، وهي لا تنتهي أبداً؛ فالخناس قابع خانس، مترقب للضعف والغفلة عند بني آدم. واليقظة قد لا تُغني، في أحيان معينة، عن الغفلات المستمرة.. لأنَّ الحربَ سجال بين الناس والأبالسة إلى يوم القيامة، كما بينه قول الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً *قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأََحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً *قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا *وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا *إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً *} [الإسرَاء: 61-65].
فهذا العهد من الله تعالى لعباده، بألاَّ يكون للشيطان عليهم تسلّطٌ، يُشعِرُ الإنسان بأنه ليس متروكاً في المعركة وحده، وأنه ليس مغلوباً على أمره فيها.. ولكنْ عليه هو ألاَّ يتخاذلَ في هذه المعركة عن حماية نفسه والدفاع عنها، لا بل عليه أنْ يؤمن بثقة واطمئنان بأنَّ ربَّه تعالى، هو القادر، المقتدر، المهيمن عليه وعلى مخلوقاته جميعاً، فلا يصيبنَّ أيَّ مخلوق في هذه المعركة أذىً أو شرٌّ إلا بمشيئته تعالى: {لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الرُّوم: 4]. وإذا أذِن سبحانه بتلك المعركة التي تدور رحاها على بني آدم، لحكمةٍ أرادها، إلاَّ أنه - جلّت قدرته - آخذٌ بناصية إبليس وقبيله، فلا يدع لهم مجالاً للتسلّط إلاَّ على الذين يغفلون عن ذكر ربّهم، أولئك الذين ينسون الله تعالى فينساهم ويتركهم لأنفسهم. فأمَّا من يذكرون الله تعالى، ويسلمون له - سبحانه - مقاليد أمورهم وشؤونهم، خاضعين طائعين، فهم في نجوة من الشر ودواعيه الخفية، سواء أكان هذا الشر من شياطين الجنِّ أو من شياطين الإنس.. والخير يستند دائماً إلى القوة التي لا قوة سواها، وإلى الحقِّ الذي لا باطلَ معه أبداً.. إنَّه يستند إلى ربِّ النّاس، ملكِ النّاس، إلهِ النّاس. والشرُّ يستند إلى الوسواس الخنَّاس الذي يضعف عن المواجهة، ويخنَسُ عند اللقاء، وينهزم عند الاستعاذة بالله العلي العظيم.
ومن نوازغ الشيطان أنه يزين للناس الفاحشة، ويحثهم على ارتكاب الحرام في كل شيءٍ حتى في المأكولات، وذلك عندما يأمرهم أنْ يحلّلوا ويحرّموا من عند أنفسهم، ضاربين عرض الحائط بشرع الله تعالى الذي يحرّم عليهم الخبائث، ويحلُّ لهم الطيبات من الرزق، يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ *إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ *} [البَقَرَة: 168-169].
ولعلَّ من البديهي القول بأنَّ الله تعالى هو الرازق لعباده، وهو سبحانه الذي شرَّع لهم في صحف إبراهيم وموسى، وفي إنجيل عيسى وقرآن محمد (صلوات الله عليهم جميعاً) الحلال والحرام. وقد أباح للناس أن يأكلوا مما في الأرض حلالاً طيباً - إلاَّ الشيء القليل الذي حرَّمه عليهم شرعاً - وأمرهم بأن يتّبعوا شرعَهُ في الحل والحرمة، وأنْ لا يتّبعوا ما تُملي عليهم شياطين الإنس والجن، لأنَّهم هُمُ العدوُّ، فلا يأمرونهم بخير، وإنّما بالسوء والفحشاء وأنْ يقولوا على الله ما لا يعلمون وهذا الأمر من الله تعالى بالإباحة والحل لما في الأرض - إلاَّ المحظور القليل الذي ينص عليه الشرع نصّاً - يمثل طلاقة العقيدة الإسلامية السمحاء وتجاوبها مع فطرة الإنسان.إذ إنَّ الله تعالى خلق ما في الأرض للإنسان، ومن ثمَّ جعله له حلالاً طيباً، إلاَّ بعضاً قليلاً حرَّمه عليه لما فيه من مضارّ ومساوئ كثيرة على صحته البدنية والنفسية.. والطيّبات دائماً هي الحلال، الذي تطيب به النفس، والخبائث دائماً هي الحرام الذي لا تستسيغه النفس، وتشمئزُّ منه.
ثانياً: فتنة الشيطان
إن لفظة «الشيطان» قد وردت في عددٍ من سور القرآنِ الكريم حتى بلغت ثماني وثمانين مرة، والشيطان مرادف لفعل الشر. فهو الذي يتلبَّسُ الإنسانَ، وينفذ إلى أعماق نفسه، كي يغويَهُ ويحول بينه وبين أعمال الخير والبرِّ، وكل ما يمكن أن ينفع هذا الإنسان أو يهديه إلى الحق والصواب.
ويبيِّن لنا القرآن الكريم أنَّ غواية الشيطان متنوعة الوجوه والأساليب، ليستجلب أكبر عدد ممكن من الناس، ويجعلهم ينحرفون وينحدرون إلى مهاوي المعاصي، وارتكاب الذنوب...
هذا باختصار كُلِّي ما يريده الشيطان من بني آدم، أي اتّباعُهُ والعملُ بما يأمرُهُ به!... والله سبحانه وتعالى يحذرنا من الوقوع في فتنة الشيطان وذلك بقوله الحق المبين: {يَابَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ *} [الأعرَاف: 27].
لقد كان من أمر الله - سبحانه وتعالى - أنْ جعلَ لبني آدمَ الأرضَ مستقراً، وأوجد لهم المعايش واللباس، من بينِ مُجمل النعم التي تمكّنهم من العيش الكريم، فلا ينصاعون لغواية الشيطان حتى لا يتحول عيشهم إلى عيش مليء بالمنكرات والشهوات المحرَّمة التي تميل إليها النفس البشرية، لأن النفس أمّارة بالسوء إلاَّ من رحم ربي. وقد بيّنَ لهُمُ ربُّهم تبارك وتعالى المثل الواضحَ على ذلك بما فعله الشيطان بأبوَيْهم آدم وحواء - (عليهما السّلام) - عندما أزلّهما، ودفعهما إلى أن يأكلا من ثمرةِ الشجرة الوحيدة التي نهاهما ربهما عن أنْ يقرباها.. وقد نفذ إلى نفسيهما، بأول عمل عدواني، عن طريق ملامسة الضعف البشري فيهما، عندما زعم لهما أنَّ تلك الشجرة هي شجرة الخلد. وانطلقت الحيلة الخبيثة، ونجحت الكذبة الكبرى، فصدَّقاه، فكان في هذا الإغواء - وسببه الكذب والفتنة - إخراجهما من الجنة[*] .
أما أنَّ النصَّ القرآني قد نسب الإخراج للشيطان «كما أخرج أبويكم» فمعناه أنه كان بسببه، أي إنه بسبب إغوائه أُخرج أبوانا (عليهما السّلام) من تلك الجنة التي عاشا فيها ردحاً من الزمن لا يعلم مدّته إلاَّ الله تعالى.
وأما قوله: {يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا} [الأعرَاف: 27]، فهو أيضاً التعبير المجازي الذي يصور الحالة النفسية التي أصبحا عليها عند وقوعهما في الفتنة!.. فقد كانت المشاعر والميول، وكل ما تنزع إليه النفس من الرغبة أو الشهوة في حالة كمونٍ داخلي في نفسيهما؛ حتى إذا وقعت التجربة التي كان لا بد من وقوعها، تفتحت كل تلك الكوامن على مظاهر الحياة الخارجية لتمزّق الغشاء الذي كان يغلّفها، وهو ما «يشبّهه» النص القرآني بـ«اللباس» حتى تكون الصورة الحسية عنه معبّرة ومؤثرة، فثارت عندها النزعة البشرية إلى الجماع، والشعور بالخجل والحياء - وهما من آداب النفس الإنسانية - وكان اندفاعهما إلى تغطية سوآتهما، (أي أعضاء التناسل)، بحيث لم يعد أحدهما يهتم إلاَّ بستر السوأة أو العورة، حفاظاً على مكرمته الإنسانية.. ما يعني أنَّ فتنة الشيطان هي دائماً وراء طغيان مشاعر الرغبة والشهوة على المشاعر الصافية الخالصة في النفوس، ما يوحي أيضاً أنَّ أثر الشيطان يتمثل في إبعاد الإنسان عن القيم السامية، والمضامين السلوكية الرفيعة، والتوجهات العالية، لأنَّ همَّه أن يشدَّ الإنسانَ إلى الميول الدونيّة، وأن يثيرَ فيه الدوافع المضلِّلة.. والقرآنُ الكريمُ وهو يبين لنا شَرَكَ تلك الفِتنة فإنّما ليحذِّرنا من الوقوع في كل أنواع الفتن، وبالتالي لندرأ الغواية عنّا من أية جهة أتت؛ ولاسيما أنَّ المخاطر على أنفسنا، وعلى حياتنا، لا تأتي من شياطين الجن وحدهم، بل ومن شياطين الإنس الذين يتفرقون في كل مناحي الأرض، ويتوزعون بين مختلف فئات الناس..
وينصبُّ التحذير القرآني - بشكلٍ أساسيٍّ - على شياطين الجنّ، لأنهم يستخفون على الناس، ويلاحقونهم من كل حدبٍ وصوبٍ، بحيث يقعدون لهم في كل مكانٍ، ويتصدّون لهم في كل وقتٍ.. والناس في غفلةٍ عنهم، لأنهم لا يرونهم، فلا يقدرون على معاينة شرّهم، وكيدهم ومكرهم بصورة حسيّةٍ؛ قال ابن عباس: «إنَّ الله تعالى جعلهم (الشياطين) يجرون من بني آدم مجرى الدم في عروقه، فجعلوا من صدور بني آدم مساكن لهم كما قال تعالى: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ *مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ *} [النَّاس: 5-6]، فهم يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم»!.. وهذا أخطر على حياتنا، لأننا لو كنا نراهم، لكنّا ربّما حاولنا أنْ ندرأ عنّا أخطارَهم، وذلك كما قال قتادة: «والله إنَّ عدواً يراك من حيث لا تراه لشديد المؤونة إلاَّ من عَصَمَ الله».. وهذا صحيح لأننا إذا كنا عاجزين عن رؤية أولئك الأعداء، فإنَّ التصدي لهم يكون صعباً. والعمل على محاربة الفتنة التي يبيّنون لنا، يكون أكثر صعوبة، ولكنَّ أجهزة دفاعنا تبقى موجودة في نفوسنا، وهي قادرة، بعون الله تعالى، على الشياطين الذين جعلهم ربُّ العالمين أولياءَ للذين لا يؤمنون، بحيث ينقادون للوساوس، والأوامر التي يلقونها عليهم، وينفذون الأساليب الإغوائية التي يحشونَ بها أفئدتهم ومشاعرهم، وفقاً لما نفهمه من قوله تعالى: {جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأعرَاف: 27]، أي إنَّا قضينا، وقضاء الله - عزَّ وجلَّ - عدلٌ وحقٌّ، بأنْ يكون ما بين الشياطين من الجنِّ، أي الذين لا يؤمنون، أي الكافرين، والظالمين، والفاسقين، والفاسدين، والناكرين - ومن يماثلهم - موالاة ونصرةً، لأنهم يتناصرون، ويتعاونون في ما بينَهم، وكأنهم جميعاً موكولون بالمهمة التي أخذها وليُّهم الأول، إبليسُ اللعين، على نفسه بالإِغواء والإفساد!.. وقد خصَّ {الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعَام: 113]، تنبيهاً إلى أنَّ الشياطين مع اجتهادهم في الإغواء، محكومٌ ألاَّ يتمكّنوا من خيار المؤمنين، ومن الذين عصم الله تعالى عن الخطيئة، لأنَّهم عبادُ الله المخلصين.. أمَّا خطورةُ الموالاة ما بين الشياطين والذين لا يؤمنون، فهي أنَّها قابلةٌ لتطال الوجودَ البشري برمته، نظراً لطغيان مفاهيم المادية على النفوس، التي تدفع بالأجيال شيئاً فشيئاً إلى الإِلحاد، لقلة الاهتمام بالدين، وهو القيمة السامية التي أرادها ربُّ العالمين أنْ تبقى أقوى رادعٍ للإنسان عن السيئات والرذائل..
ثالثاً: مسُّ الشيطان
يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ *} [الأعرَاف: 201]. ومعناه أنَّ هؤلاء الناس الذين يخشونَ ربَّهم تعالى، إذا ما أصابَهم مكروهٌ، أو ألمَّ بهم ضررٌ وأدركوا أنَّه من فعل الشيطان، تذكَّروا الله - عزَّ وجلَّ - فسارعوا إلى اتّقاء غضبه وسخطه وذلك بتفادي ما قد يوقعهم به الشيطان من الخطيئة والرذيلة، أو بالرجوع عما أوقعهم به، وذلك بالتوبةِ، والإنابة إليه تعالى.. من هنا كانت تقوى الله من أكبر العوامل المؤثّرة في النفس، والتي من شأنها أنْ تُوقظ المتقين من الغفلة، وتجعل قلوبهم متصلة بخالقهم وبارئهم، فيتذكرون عفوَهُ ومغفرته، مثلما يتذكرون عقابَهُ وعذابه، فلا يجدون لهم متنفّساً من الضيق والكرب إلاَّ باللجوء إلى ربِّهم تبارك وتعالى.. ولجوء المتّقين إلى الركن الركين، والحصن المنيع، إلى الله العلي العظيم، هو ما يجعلهم مبصرين للهدى والحق.. وليس أعظم تأثيراً في نفوسهم، فضلاً عن التقوى، من الهدى والحق، لإِبعاد مسّ الشيطان عنهم.
وهذه الحقيقة، هي حقيقة إيمانية، لا لبس فيها ولا غموض: إنَّ مسَّ الشيطانِ عمىً للأفئدة، وإنَّ تذكر الله تبصرةٌ للقلوب.. إنَّ طائف الشيطان ظلمة، والخشية من الله نورٌ.. إنَّ مسَّ الطائف من الشيطان كما تجلوه الهداية واتباع الحقّ، تجلوه كذلك تقوى الله تعالى، فما للشيطان على المتقين من سلطان.
الاستمرار في المعصية استسلام للشيطان
أَنَا لا ألوم الذينَ يُذنِبونَ، ولكنّي ألوم الذين يُصرّونَ على ذُنوبهمْ ولا يتوبُونَ إلى بارِئهمْ. ولا ألوم الذينَ يُكرّرونَ الذنْبَ بِدَافع ضَعْفِهِم المُركّب، ولكنّي ألوم الذينَ لا يُحاولون أن يتخلّصوا منْ عوامل الضعف التي تجرُّ إلى الآثام، وقد بيّن لهم القرآنُ السبل التي تمكّنهم من مغالبة ضعفهم، وتصحيح انحرافاتهم.. والسؤال الذي ينبغي أنْ يُسْأَلَ: كَيْفَ تكون المحاولة للتخلص من الضعف بعدَما وَقَعَ الإِنسان في شَرَك الشّيطان، وأصبَحَ مسُّهُ، أو وسوستُهُ بمثابة مادةٍ امتزجَتْ بدمه وطغت على حياته اليوميّة؟ والجوابُ: المُنْقِذُ هو الله سُبحانَهُ وتعالى: فعليكَ أيُّها الإنسانُ أنْ تدعوهَ خَوْفاً وتضرّعاً لأنَّهُ هوَ الملجأ الوحيدُ، وعليكَ أنْ تَستعمِلَ الإِمكانيّات التي وهَبكَ إيّاها، ومكّنكَ مِنْها خالقُك الكريم، وستتغَلَّبُ بعدها بحول الله وقوّته، إلى قَطْع الشِّراك التي نَصَبَها لكَ الشيطان ونَسَجها بالمُغريات التي تؤدي إلى الضلال والإِضلال.. وسَيَثْبُت إخْلاصُكَ لله - عزَّ وجلَّ - في طاعته وعبادته، وسيثبت إخلاصك لنفسك بتهذيبها من الشوائب التي دسَّها فيها الشيطان فاثبت ولا تتراجع!..وإيّاكَ أنْ تَيْأَس من رَوْحِ الله، أو ترْتَميَ نهائياً في أحضـان الشّـيطان، حتى يصبح قرينـاً لك، لأن الرجْعَة تكون صَعْبةً عليك، {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً} [النِّسَاء: 38].



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB