علم النَّفس (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




البحثُ الثالِث: الهُدَى والضٌّلال والخَطَأ وأثرهُمَا عَلى النّفسِ الإنسَانيَّة

الضلال والخطأ
الضلال هو العدول عن الطريق عمداً أو سهواً، كثيراً أو قليلاً، ويجيء بمعنى الغي، والفساد، والخطأ، والخسار، والزلل، والبطلان، والجهالة، والنسيان.
والفرق بين الضلال والخطأ، أنَّ الخطأ هو فعل الإنسان من غير قصد - كما قلنا سابقاً - في حين أنَّ الضلال هو سلوك طريق لا يوصل إلى المطلوب عمداً أو سهواً. فالضلال أعم إذاً من الخطأ. وهو ضربان: ضلال في النظر، وضلال في العمل.
وقد يطلق لفظ الضلال على سبيل الفعل، أو على سبيل الانفعال، فإذا أُطلق على سبيل الفعل، دلَّ على الحكم الفاسد، أو العمل الباطل، وإذا أُطلق على سبيل الانفعال، دلَّ على الحالة النفسية غير السويّة التي يكون عليها الفاعل عند عدوله عن الطريق المستقيم.
وقد قيل أيضاً إنَّ للضلال وجهين: أحدهما أن يضلَّ عنك الشيء، كما في ضلال الحواس عندما لا تستطيع تبيُّن هذا الشيء، والآخر أن تحكم به أو عليه حكماً فاسداً، كما في ضلال النظر والعمل.
أما الإضلال فهو أن تدفع غيرك إلى العدول عن الحق، وهو على وجهين: أحدهما أن يكون شبيهاً بالضلال، والآخر أن يكون سبباً له. وهذا الإضلال لا ينسب إلى الله سبحانه وتعالى، لأنَّ الله سبحانه لا يُضِلُّ عبادَهُ. وإذا كان بعضُ علماءِ الكلام ينسبون إليه الإضلال، فإن هذه النسبة نسبةٌ إلى عموم مشيئته وإرادته، لا إلى رضاه ومحبته. قال سبحانه: {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزُّمَر: 7]. وقال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيمًا} [النِّسَاء: 107].
والضلالة (على وزن فعالة) من الضلال، وهي ضد الهدى وجمعها ضلالات.
الهدى والضلال
إنَّ الإِنسان - مهما كانت المثل التي يؤمن بها، أو القيم التي يسعى إلى تحقيقها - قد يخطئ في القول، وقد يخطئ في التصرف، وقد يكون ذلك عن قصدٍ - أحياناً - أو عن غير قصد.. فالمهم أنَّهُ يخطئ، لأنه محكوم بتصرفاته البشرية، إذ العصمة هي من عند الله تعالى يهبها لأنبيائه ورُسُله في دنيا الأرض.. على أنَّ الإِنسانَ، وفي محاولة تبرير أخطائه - إن كُشِفت له - يحبُّ أنْ يُسند كل خطأ ارتكبه إلى غيره، أو إلى ظرف خارج عن إرادته، في حين أنَّه لو كان منصفاً لأقرّ بفعله وقد تدارك الأسباب التي جعلته يخطئ، واعتذر إذا كان ثمَّة من يجب الاعتذار إليه، والتعويض عن الضرر الذي ألحقه به بسبب خطئه.. وإنّما يفعل ذلك لتوقِهِ إلى تأمين الراحة الجسدية والاستقرار النفسي، ولأنه يحبُّ أنْ يبتعدَ عن كل ما يظنُّ أنَّهُ يسلُبُه راحَتهُ واستقراره...
ولعلَّ النزعة التي تدفع الإنسانَ لتبرير أعماله، إنما تعود إلى الظنِّ الذي يغلب عليه، وهو أنّه لا إرادة له في ما يقوم به من عمل غير مَرْضيّ. وهذا ما يبدو واضحاً لك عندما تبدأ محاورته كي تصل به إلى طاعة الله سبحانه، والعمل بما يأمره به، والانتهاء عما ينهاه عنه، إذ إنَّه قد يجيبك من غير تروٍّ، ومن غير أنْ يحسبَ أَيَّ حساب لقوله: أنا على ذلك، حتَّى يهديَني الله.. فتقول له: ولكنَّ الله تعالى هداكَ ودلَّكَ على طريق الرشـد، عندما بعث سـيدنا محمـداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، وأنـزلَ عليه القـرآن الذي يتضمن الهـدايـة والإِرشـاد، ومِنْ قبلـه بعـثَ غيـرَهُ من النبيين والمرسلين مبشّرين ومنذرين، فيجيبك على الفور: الهدايةُ من الله كما يقولُ في القرآن الكريم: {فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [فَاطِر: 8]؟!...
ومنعاً لمثل هذا الالتباس الذي يقع فيه الإِنسان، يجب أن يعرف معنى الهدى والضلال مؤيّداً بقرائن عقلية وقرائن شرعية...
يبدو أنَّ جميع الآراء توزعت حول الهدى والضلال في اتجاهين:
الأول : هو القائل بأنَّ الإِنسانَ مسيَّرٌ بمشيئة الله تعالى وقدره، وأنَّ كلَّ ما يأتيه أو يقع عليه يكون محكوماً به، من غير أنْ تكون له إرادة أو اختيار فيه.
والثاني : هو القائل بأنَّ الإنسان يملك زمام أمره في تيسير شؤون حياته، وإلاَّ فلماذا أُعْطِيَ هذا العقل الذي يقوم جوهرُهُ على سلطان الإرادة وقوة الإدراك والتمييز؟ وعليه فالإنسان هو الذي يختارُ سلوكهُ وتصرفَهُ بوحيٍ من نفسه، ودافع من ملكاته وطاقاته...
وبمقتضى الاتجاه الأول، فإنَّ هدى الإِنسان وضلالَهُ أمران من مشيئة الله تعالى، بينما هما، بحسب الاتجاه الثاني، حادثان من الإِنسان، ونابعان من نفسه...
والحقيقة أنه وردت في القرآن الكريم نصوص كثيرة على الهدى والضلال، والتنسيق بين مدلولاتها جميعاً يبيِّن المدى الذي يكون فيه الإِنسانُ خاضعاً، شاءَ أو أبى، لقدر الله تعالى فيه. وفي الوقت نفسه يدلُّ هذا التنسيق أيضاً على المدى الذي تُرك فيه للإِنسان أن يعمَلَ، ولكن ضمنَ ذلك القدر وحتميته، أي وفقاً للمشيئة الإلهية المطلقة، بحيث لا يمكن أنْ يَحدُثَ شيءٌ في الوجود البشري، بلْ وفي الكونِ كلِّه إلاَّ أنْ يشاءَ الله تعالى.
ويقف الإنسان حائراً أمام حقائق كثيرة، منها ما يختص بخَلْقِهِ وكيانِهِ وحياتِهِ، ومنها ما يتعلق بنظم الكون والوجود، وهو يحتاج فيها كلّها إلى هدى الله تعالى، وبهذا الهدى يمكن أن ينظِّم واقع حياته، وأن يكتشف بعضَ ما في الكون من عوالم وأسرار، وأن يعمل بالتالي للقاء ربه راضياً مرضياً...
وقد قضى الله سبحانَهُ بأن يُعَرِّفَ الإِنسان قيمةَ خَلْقِهِ، وقيمة ما منحه له من عطاءات، وأهمية تخصيصه بالاستخلاف. وإلاَّ فما الفرق بين إنسان لا يدرك معاني هذه القيم وغاياتها، وإنسان آخر أدركها وعرفها، فعمل بوحيها؟ وما الفرق أيضاً بين إنسانٍ مهتدٍ وإنسانٍ ضالّ؟...
من هنا كانت مشيئة الله وإرادته أنْ يكون الإِنسان مخلوقاً باستعداده المزدوج للهدى والضلال، حتى يكونَ عدلُ الله سويّاً، فلا يؤخذ الجميع بمبرَّة الهدى، ولا يؤخذ الجميع بمضرَّة الضلال، بل يكون لكل إنسان ما سعى...
على أنَّ ذلك لا يعني أنَّ الإِنسان مسؤولٌ عن خلق الأشياء والأفعال، لأنَّ خلْقَ الفعل هو من الله سبحانه وتعالى، ولا يسأل الإنسان عن هذا الفعل إنْ كان خيراً أم شراً.. إلا أنَّ مباشرته للفعل هي التي تجعله مسؤولاً عنه: عن خيره أو شره.. فالأمر - في الأصل - يعود كلُّهُ إلى ما يشاءُ اللَّهُ ويريد، بحيث لا يقع شيءٌ إلاَّ أنْ يوقعه قدرُ الله، لأنه ليس في الوجود مشيئة أخرى يجري وفقها أيُّ شيءٌ في هذا الوجود إلاَّ مشيئة الله، وليس هنالك أية قوة إلاَّ قوة الله التي تنشئ الأحداث، وتسيِّر كلَّ شيء.. وفي إطار هذه الحقيقة يتحرك الإنسان، ويباشر الأعمال والأفعال بنفسه، ليكون مسؤولاً عنها أمام الله ربِّه قبل كل شيء، ثم أمام الناس لتترتَّب المسؤولية مِن ثَمَّ على عاتقه، بحيث لا يُعذر إنِ اتّبَعَ فعلَ الشر، وتخلَّى عن فعل الخير.. قال الله تعالى: {بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ *وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ *} [القِيَامَة: 14-15].
وانطلاقاً من الإيمان بأنَّ الله - عزَّ وجلَّ - هو الخالق، وهو المدبّر الحكيم، وأنه هو الذي خلق الإنسان، فقد جعل للحياة البشرية - كما جعل للكون بأسره - سنناً ثابتة لا تتحوَّل ولا تتبدل، وبمقتضى هذه السنن أعطى للإنسان حرية الاختيار، أي حرية مباشرة الأعمال والأفعال، بعد أنْ أودعَ فيه هبة العقل ليكون قادراً على الإدراك، والتمييز بين ما هو خير أو شر، حسن أو قبيح، حق أو باطل، صلاح أو فساد.. ليأتي عمله، أو فعله، ضمن نطاق حريته في الاختيار والمباشرة - ويكون الحساب الذي ينتظره على مقدار اختياره ومباشرته - بمعنى أنَّ الإنسان هو الذي تقع في عنقه مسؤولية اختياره، وإنْ كان في اختياره لا يخرج عن مشيئة الله - تعالى - التي تحكم خيارَه، مثلما تحكم كلَّ شيء، سواء في حياة الإنسان، أو في الكون.. وعلى هذا الأساس - أي ضمن مشيئة الله تعالى، واختيار الإنسان - تأتي الهداية.. فإنْ قام الإنسان بالعمل الطيب، أو نطق بالقول الصادق، أو أخلص في النية والعمل، أو اتَّبَعَ الحقَّ، أو رفض الفسادَ والإفسادَ، وإيذاءَ الناس والمخلوقات، وتصدّى للظلم والجور.. فكلُّ ذلك يكون من اختياره، ويصدر عن مباشرته، وكلُّهُ يصبُّ في اتجاه الهداية... وعلى العكس، إنّ قام الإنسان بالعمل السيّئ، أو تقوَّل الكذبَ، أو ناصَرَ الباطل، أو انساق وراء الشهوات بنزواتها، أو تسبب بالأذى للناس وحتى للحيوان والجماد من حوله.. فذلك أيضاً كان من اختياره ومباشرته له بجوارحه التي خلقها الله له، وأدواته التي مكّنه منها، وكلُّهُ يدلُّ على اتجاه الضلال.. فاختيار الإنسان هو واقع، وراهن، ولكن ما يقع منه في دائرة الهداية يكون محكوماً بجزاء الثواب، وما يقع في دائرة الضلال يكون محكوماً بجزاء العقاب.. قال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البَقَرَة: 286]؛ وقال تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *وأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى *ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى *} [النّجْم: 39-41]، ما يعني أنَّ المولى تبارك وتعالى قد راعى خلق الإنسان، وما جعل فيه من حالات الضعف والقوى، فكلّفه القيام بما يطيق ويقدر عليه، ثم أوكله إلى نفسه في كل ما ينوي أن يقوم به، وفي كل ما يمكن أن يفعل، بحيث ليس له من عمله إلاَّ ما سعى في سبل الخير والهداية، وهو ما يجازَى عليه بالثواب؛ بينما كل فعل يقوم به بخلاف ذلك يُرتهن الإنسان به، ويؤخذ بجريرته إلى العقاب، قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ *} [المدَّثِّر: 38] أي هي مرهونة لكل ما تؤتي من فعال السوء والشر والظلمِ...
وعلى الرغم ممَّا خصَّ به الخالقُ الإنسانَ من طاقات وقدرات، إلاَّ أنَّ هذا الإنسان لا يملك أن يكون قادراً وفاعلاً إلاَّ أنْ يشاءَ الله تـعالـى، فهـو مـحـكومٌ بمـختلف الظروف والأقدار التي تسيّرها مشيئة الله - عزَّ وعلا - والتي كثيراً ما تخرج عن إرادته - كإنسان - لأنه لا يقدر على التحكّم بها؛ فلا يستطيع أن يقول بأنه فاعل لشيءٍ غداً، ويجزم، أو يطمئن على الأقل، إلى أنَّ بوسعه تنفيذه، وذلك لسبب بسيط، وهو أنَّ أمرَه، وغَدَه، بل ومصيرَه كله بيد الله سبحانه وتعالى، وقد يتوفّاه في أي لحظة، أو قد يصيبه بمرضٍ يقعده، أو قد يسبِّب له أي طارئ يحول بينه وبين قيامه بما عزم عليه، أي إنه يمكن أن تتبدَّل كافة المعطيات التي بنى عليها تصوراته، وتحول بينه وبين ما كان ينوي القيام به، وهذا ما يجعله غير قادر على التسيير والتحكّم بما هو آتٍ ومستقبل.. ولكنْ، وإنْ كان الإنسان لا يستطيع الجزم بأنه فاعل لشيءٍ لا في يومه، ولا غده، إلاَّ أنه يملك إمكانية الاستعداد لأنْ يكون فاعلاً للشيء، وحتى في هذه الإِمكانية، فإنه لا يضمن النتائج التي يتوخاها إلاَّ أن يشاء الله تعالى؛ من هنا كان توجيه العلي العظيم لرسوله الكريم، تنبيهاً له وتعليماً للناس بقوله تعالى: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا *إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيْتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَِقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا *} [الكهف: 23-24].
ومثل هذا الإِيمان بمشيئة الله تعالى المطلقة التي يتعلق بها كل فعل، وكل أمر، وكل شأنٍ وكل شيءٍ يدخل في صلب هداية الإنسان التي تنير عقله ووجدانه للتسليم بأمر ربّه الحق، والتوكل عليه في النية والفعل، حتى يوفقه مولاه الكريم إلى ما فيه صلاحه وخيره، وذلك بخلاف من يدّعي أنَّ كل ما يفعل هو من عنده، ولذلك تراه يسير في دروب الضلال، وقد يخدع الناس في كثير من المظاهر في حياته، وإنْ كان في الحقيقة لا يخدع إلاَّ نفسه - دون أن يعيَ بأنَّ فوقه ربّاً يرقبه، وعلى نياته وأفعاله يحاسبه، وإنْ خال أنَّ فعاله قد خفيت على الناس، فـإنها لا تخفى على رب الناس ومثل هذا الإنسان هو - بلا ريب - الذي اختار الضلالَ، فزاده الله - تعالى - ضلالاً.. إذاً فما على الإنسان إلاَّ أن يتَّقي ربَّهُ فيهديه إلى الصراط المستقيم، ويبعده عن الضلال المبين!...
أوجه الهدى
يقال لغةً: الهداية هي الدلالة بلطف، ومنه الهدية.. وقد جرى التمييز بين تعبير «هديت» لما كان دلالة، وتعبير «أهديت» لما كان إعطاءً، كأن تقول: هديت فلاناً إلى منزلي، وأهديت له هدية. وهداية الله - تعالى - للإنسان، لما فيه خيره وصلاحه في الدنيا والآخرة، تتجلى في أربعة وجوه:
الوجه الأول: الهداية التي عمَّ بها الخالق العظيم جميع خلقه
وهذه الهداية هي ما جعل الله - تعالى - لكل جنس من مخلوقاته خصائص ومميزات تدلُّهُ على الوظيفة التي وجد لأجلها، وعلى ما قدَّر له وهداه إليه، فخصَّ سبحانه أنواع الجمادات بقيم مادية تتفاوت درجاتها تبعاً لنوع الجماد وأهميته، فخصَّ الشمس مثلاً بالنور، والقمر بالضياء، ومدَّ الأرض بأسباب الحياة، كما خصَّ الحيوان - في البرّ والبحر - بالغرائز ليهتدي إلى معاشه ويذود عن بقائه، بينما خصَّ الإنسان بالإِضافة إلى الغرائز والحاجات العضوية، بمزايا كثيرة ومتنوعة، وأبرزها ملكة «العقل» الذي بمقتضاه جعله سيداً على مخلوقات الأرض كلها.
وهـذه المعانـي يـدلُّ عـليهـا الـحـوار الذي جـرى بيـن الـنبـيِّ مـوسـى (عليه السّلام) وفـرعـون حـاكـم مـصـر، عـنـدمـا سـألَهُ هـذا الأخير {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى *} [طه: 49]، فأجابه النبي موسى (عليه السّلام) بهدي ربه تعالى: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50].
ولا يخفى ما تحمل هذه النصوص القرآنية من المعاني والدلالات...
إنَّها تبيِّن قبل كل شيء، أنَّ ربنا هو خالق كل شيء في الوجود، وأنه هو الذي أعطى كلَّ شيء خَلَقَهُ الصورةَ التي أوجده عليها، ثم دلَّ، أي هدى كل شيء إلى وظيفته التي خلقه لها، وأمدَّه بما يناسب قيامه بهذه الوظيفة، ويعينه عليها. وهذا ما يسمى هداية الدلالة أي التي تدلُّ كل مخلوق على ما قدَّر له خالقه منذ البدء؛ وفيها توكيد على قدرة الله - تعالى - وحكمته في تدبيره لكل كائن في الوجود، من الذرَّة المفردة إلى أكبر الأجسام، ومن الخلية الواحدة إلى أرقى أشكال الحياة الذي يتمثل في خلق الإنسان في أجمل صورة وأحسن تقويم، وما ينطوي عليه خلقه من طاقاتٍ وإمكانات أهَّلته لأن يجعله الله - عزَّ وعلا - خليفة في الأرض.. وما حقَّق الإنسان من إنجازات في ميادين الحضارة والمدنية، إنْ هو إلاَّ توكيد لهداية الله - تعالى - له إلى وظيفة الاستخلاف. هذا هو الوجه الأول من هداية الخالق العظيم لكل شيءٍ خلقه.
الوجه الثاني: الهداية إلى الإِيمان
إنَّ الأصل في فطرة الإنسان أن يهتدي، من تلقاء نفسه، إلى حقيقة وجود خالقه، حقيقة وجود الله تعالى، وأن يؤمن بأنه سبحانه إلهٌ واحد في السماوات والأرض، لا شريك له في خلقه وفي ملكه، فلا يداخله بالتالي أي نوع من أنواع الشرك، أو الكفر الذي يقوده إلى الفسوق والعصيان. ولذلك زوَّده خالقه العظيم بالاستعدادات الكامنة في نفسه، التي من شأنها أن تمكّنه من الضلال في فجوره، أو الهداية في تقواه، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا *} [الشّمس: 7-8]، ولذلك كان على الإنسان - وبمقتضى فطرة الله التي فطر الناس عليها - أن يهتدي إلى الإيمان بحقيقة وجود الله تعالى، ومن ثَمَّ أن يختار - بمقتضى استعداداته النفسية - بين طريق الشر (الفجور) أو طريق الخير (التقوى)...
وعلى الرغم من ذلك، فإنَّ الله - تعالى - لم يوكل الإنسان إلى نفسه، بل زيادة منه تعالى في الهداية، ورحمة بعباده، بعث منهم الأنبياء والمرسلين دعاةً لهدايتهم إلى الإِيمان الحق، أي الإِيمان بحقيقة وجود الله تعالى، وملائكته وكتبه ورسله، وما ينبثق من هذا الإِيمان بأنَّ الجنة حق، وأنَّ النار حق، وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث من في القبور، وإليه النشور، لتوفَّى كل نفس جزاءها بما كسبت من خير، أو اكتسبت من شر.. ولذلك كانت الرسالات السماوية تترى على مرّ العصور، من آدم (عليه السّلام) إلى خاتم النبيين وسيد المرسلين محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) .. فكان جميع الأنبياء والمرسلين دعاةً إلى الله تعالى، مبشرين بالجنة، ومنذرين بالنار - مع ما تحمل دعواتهم من البراهين والأدلة العقلية والحسية - ليؤمن من آمن عن بيّنة، ويكفر من كفر عن بيّنة، وليكون مردود الكفر أو الإيمان على الإنسان نفسه، وقال تعالى: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَِنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ *} [الرُّوم: 44].
ومن منن الله - تعالى - على الناس، وعظيم فضله، وواسع رحمته، أنَّهُ وَعَدَ بألاَّ يُعذِّب في الآخرة بني آدم حتى يبعث في كل أمة، أو في كل قوم رسولاً هادياً إلى الحق الذي لا مراء فيه، فقال تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً *} [الإسرَاء: 15].
أجل إن الله تعالى هو الرحمن الرحيم، واللطيف الخبير، فقد بعث النبيين والمرسلين أئمة يهدون بأمره إلى الإِيمان الحق، قال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبيَاء: 73]، وقال تعالى: {قَوْمٍ هَادٍ} [الرّعد: 7]، والهداية هنا، هي الدعوة التي أرسل بها رسوله محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، وهو يخاطبه من عليائه على لسان جبريل الأمين (عليه السّلام) بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا *وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا *} [الأحزَاب: 45-46]، والتوكيد عليه بأنه (صلى الله عليه وآله وسلّم) يهدي إلى سبيل الله - تعالى - القاصد القويم بقوله المبين: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقَيمٍ} [الشّورى: 52].
وبالفعل كان محمد رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أولَ المسلمين في عصره، وقد آمن بما أنزل الله - تعالى - عليه من آياتٍ كريمة في قرآنٍ مبين يهدي للتي هي أقوم، كما هدى الله - عزَّ وعلا - المؤمنين ليؤمنوا بما آمن به رسولهم الكريم، قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البَقَرَة: 285].
وكانت الميزة التي تفرَّد بها محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) على سائر الأنبياء والمرسلين عندما بعثه ربه تعالى رسولاً للناس كافة، وليس لقوم دون غيرهم، ولا لأمة واحدة، ولا لشعب معين، بل لجميع القبائل والشعوب والأمم والجماعات والأقوام على حدٍّ سواء، قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سَبَإ: 28]، بل وأرسله رحمةً للعالمين، أي للثقلين من معشر الإنس والجن، قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ *} [الأنبيَاء: 107]..
ولأنَّ محمداً رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد بُعث بتلك الميزة والخصوصية، أي رسولاً للناس كافة، فإنَّه لم يُبلِّغ الإسلام إلى العرب وحدهم في شبه الجزيرة فحسب، بل توجَّه بالدعوة الاسلامية إلى الأباطرة والملوك والأمراء والحكام في بلاد الروم وفارس والبحرين ومصر، وكافة القبائل المحيطة بأطراف الجزيرة العربية، بحيث أوفى بما عاهدَ الله - تعالى - عليه من الإِيمان والتبليغ.. وهو في ذلك كله يهدي إلى الله - عزَّ وجلَّ - بإذنه حتى كان مثله كمثل السراج المنير الذي يُهتدى به للخروج من الظلمات إلى النور.. وكيف لا، وهو يهدي إلى الدين القيم، الدين الحق، إلى الإسلام الذي ارتضاه العزيز الحكيم لعباده، دين الفطرة، دين العقل، دين الخلق، الدين الذي يدعو للتأمل والتَّفكُّر والتَّدبُّر والانقياد والاستسلام للَّه الواحد الأحد، الذي لا شريك له ولا ولد، لا إلَهَ إلاَّ هو ربّ السماوات والأرض وما فيهنَّ، وما بينهنَّ وما تحت الثرى..
ولقد ظلَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يتلقَّى الوحي من ربه تعالى على مدى ثلاث وعشرين سنة، فيبلِّغ ما أُنزل إليه، ويبيِّن معاني ومقاصد الآيات القرآنية المنزلة بالسنة النبوية الشريفة هدىً، وتعليماً، وتثقيفاً.. وبالفعل، والقول، والإقرار - بحسب مقتضيات الحال - حتى ختام الوحي الإلهي، الذي اكتمل فيه الدين شرعة ومنهاجاً، فجاءه رضا المولى الكريم بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} [المَائدة: 3]، وبذلك صار الحلال - حلال محمد - حلالاً، والحرام - حرام محمد - حراماً إلى يوم القيامة، ولم يعد لدى أحدٍ من الناس أيُّ عُذر إنْ لم يهتدِ إلى دين الله، أو يعمل بوحي الرسالات السماوية كما أنزلها الخالق العظيم بكامل مصداقيتها هدىً ونوراً، كما يدلُّ عليها القرآنُ الكريم بقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} [المَائدة: 44]؛ وقوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ *} [المَائدة: 46]. ثُمَّ كان ختام تلك الرسالات بأكمل صورها كما يتبيَّن من خطاب الله - عزَّ وجلَّ - لرسوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) بقوله العزيز: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ *} [المَائدة: 48].
ذلك هو الوجه الثاني للهداية، أي هداية الله للإنسان ببعث الأنبياء والمرسلين دعاةً إلى دين الله، الذي يهدي إلى الصراط المستقيم. ولئن كان إبلاغ الدعوة يقع على عاتق تلك الثلة المختارة مـن بني البشر، إلاَّ أن مسؤولية الاهتداء هي مسؤولية كل فردٍ ـ وحده ـ من الناس. فالأمانة التي يحملها كلُّ مكلّف - بالغٍ عاملٍ - هي الإقرار بألوهية الله المطلقة، وربوبيته المطلقة، والإيمان بحقيقة بعث كل الأنبياء والرسل من غير تفريق بين أحدٍ منهم، والتصديق بما جاؤوا به من الحق.. وسبل الهداية متاحةٌ ومفتوحةٌ أمام جميع الناس، إذْ يَسر الله - تعالى - كثيراً من الدعاة، والعلماء والمفكرين من المؤمنين الصادقين، وكلَّ أهل الذكر الذين يهدون الناس مباشرة أو بآثارهم الفكرية في مشارق الأرض ومغاربها، ولاسيما بعد انتشار وسائل الإعلام المرئية والمسموعة؛ وقد خصَّصَ القيِّمون على تلك الوسائل إذاعات أو قنوات تلفزيونية فضائية لبث التعاليم الدينية ونشرها، - بصرف النظر عن الأهداف أو السياسات الخلفية لأولئك القيِّمين - المهم أنَّ سبل الهداية ميسورة، وإذا تعثرت - افتراضاً - بالإنسان كلُّ تلك السبل، فقد يَسَّر ربُّ العالمين كتابه المبين - القرآن - ليكون في متناول أيِّ إنسان - خصوصاً بعد ترجمة معانيه إلى لغات حيّةٍ عديدة - فيغرف من منبعه الذي لا ينضب ـ وعلى قدر وسعه وطاقته - كل معاني الهداية، وبمختلف وجوهها الدينية والفكرية والخلقية والسلوكية؛ وهذه حقيقة راهنة أمام الناس جميعاً، فلا يخالجنَّ أحداً أيُّ شعور أو تفكير بعدم توافر سبل الهداية له، إذ على كل واحدٍ من بني البشر أنْ يبحث عن الحق والحقيقة حتى يكتب عند الله ربه من {الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فُصّلَت: 30].
ونحن ننصح الإنسان، أينما وُجد على سطح هذه الكرة الأرضية، أن يجهد فعلاً للاهتداء والإيمان بالله الحق، وخصوصاً أنَّ خالقه منحَهُ هبةَ العقل، الذي ميّزهُ عن سائر المخلوقات لمعرفة الحقائق في مظانّها، وإنَّ حقائق القرآن هي أصدق، وأسمى وأفضل الحقائق على الإطلاق، لأنها كلام الله خالق الكون والحياة والإنسان {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النِّسَاء: 87]، من هنا كان نصحنا للإنسان، حبّاً به، وطمعاً بهدايته إلى سبيل الله القويم، أن يقرأ القرآن الكريم، ويفهم معاني آياته البيّنات، وأنْ يطَّلعَ على تفسير هذه الآيات من أهل الفكر الذين يخافون الله، فلم يحرّفوا كلِمَهُ عن مواضعه، ولم يفسّروا آياته تبعاً للأهواء والمصالح لأنَّ حكمة الله - عزَّ وعلا - قضت بأنْ يكون القرآنُ الهادي للإنسان.. قال تبارك وتعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ *الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ *أُولَئِكَ عَلَى هُدَىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *} [البَقَرَة: 2-5]. فإذا كان ربُّ الكون، ربُّ العالمين، وربُّ الناس هو الذي يقول لنا إنَّ القرآن هو هدى للمتقين؛ وهو سبحانه الذي يهدينا بقوله الصادق الحق إلى اتباع الدين الحنيف: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *} [آل عِمرَان: 95]، فهل بعدُ من عذرٍ للإنسان بألاَّ يتَّبع ما أمرَهُ ربُّهُ به؟!
الوجه الثالث: الهداية إلى العمل الصالح
من الطبيعي أن يتلقى الإنسانُ المؤثرات الخارجية في مختلف مراحل حياته، وأن يتأثر بها في تفكيره وشعوره، وفي حركته وتفاعله مع الحياة، ومن هنا كانت الطاقات والاستعدادات الكامنة في نفسه هي التي تستقبل كل المؤثرات من الخارج وتحدد مساره في نزوعه نحو الخير أو الشر، بمعنى أنَّ الإنسان هو الذي يباشر - كما قلنا سابقاً - بالعمل الصالح، أو يؤثر عليه العمل الصالح، فإذا كانت استعدادات الخير في نفسه أقوى غلبت على حياته الأعمال الصالحة، ولكن تحت رعاية الله تعالى ورحمته به، فالله - تعالى - خالقُ الإنسان، هو مع الإنسان أينما كان، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، ويرقب كل نَفَس ينبعث منه، وكل حركة تصدر عنه، وكل سكنة يلجأ إليها، وهدايته إلى الأعمال الصالحة لا بدَّ وأن ترتبط بالوجهين الأولين للهداية، أي إن الله - سبحانه وتعالى - قد هداه إلى سبل حياته، وبعث له الأنبياء والمرسلين ليأخذوا بيده إلى حقيقة الإيمان، فإنْ لم يخالف فطرة الله التي فطر الناس عليها، وآمَن بما أنزلَ الله تعالى من الدين الحق، كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لأنه لا يمكن للمؤمن إلاَّ أن يعمل صالحاً، فهو إنْ مرَّ في حالات من الضعف التي توقعه في النسيان أو الخطأ - باعتبار أنه خُلق ضعيفاً - إلاَّ أنَّ الإِيمان لا يلبث أن يقوى في نفسه، ويردُّه إلى جادة الصواب، فيعود - بعد الاستغفار - إلى عمل الخير والصلاح.
والحقُّ يقال أنّه لا إيمانَ بلا عملٍ صالحٍ، ولا عملَ صالحاً بلا إيمان، فهما صنوان لا يفترقان، ومن لم يكن إيمانه صادقاً زلَّ عن محجّة الصلاح، وسار في طريق الضلال، فلا يعود يميِّز بين عمل ينفعه وينفع الآخرين، وعمل يضرُّه ويضرُّ الآخرين، لأنَّ ما يطغى عليه - حينئذٍ - هو مصالحه الخاصة، ومطامعه التي تزيِّن له كلَّ شيء، وتجعله يستبيح كلَّ شيء، دونما تفكير بالحلال أو الحرام، ودونما اعتبار لرضى الله - تعالى - أو سخطه!...
لا أيها الإنسان، ما لهذا خُلقتَ، ولا لذلك جُبلت!.. إذْ مثلما أنت مسؤول عن صلاح نفسك وأهل بيتك، فأنت مسؤول أيضاً عن صلاح الناس في مجتمعك، ومطالبٌ بألاَّ تقوم بأي عمل يمكن أن يؤذي أو يضرَّ الناس، في أي بقعةٍ وجدوا، وإلى أي جماعة أو أمةٍ انتموا، لأنك مستخلف من الله - عزَّ وجلَّ - على هذه الأرض، واستخلافك يلزمك أن تبتغي خيرَ الناس، كلِّ الناس، حتى ترضي الله تعالى، لأنه لا فائدة - في نهاية المطاف - من أعمال لا تبتغي فيها وجه الله - تعالى - ورضاه. ولعلَّ الخطأ المهلك الذي يخسر فيه الإنسانَ كلَّ شيء، هو ظنُّه أنَّ ما يملك من أسباب القوة، والغنى، والنفوذ يبيح له أنْ يفعل ما يريد، بل والأسوأ أن يتوهم، أو أنْ يوهمه مَن حوله، أنَّ أفعاله وأعماله كلها صوابٌ، وأنه محق في ما يفعلُ.. بينما لا يكون ما يقوم به إلاَّ وبالاً وشراً، ولا سيما على الآخرين! وإنَّ أهمَّ الأسباب لذلك هو الابتعاد عن الإيمان الحق، وعدم الخوف من الله تعالى، ونحن لسنا في معرض تعداد مظاهر الظلم والفساد، والغرور والاستكبار، ومناصرة الباطل والشر التي تستشري في دنيا الأرض، على حساب المستضعفين والمقهورين من الناس جميعاً، وأصحاب تلك المظاهر يظنون أنهم يعملون لمصلحتهم، ومصلحة بلادهم! لسنا في معرض ذلك، لأنه يحتاج إلى مجلدات. إنما قصدنا التوصل إلى أيسر السبل التي تقودهم إلى الهداية وتبعدهم عن الضلال.. أجل، هذا همُّنا الأول والأخير، وعسى أن يوفقنا الله تعالى في ذلك...
من هنا كانت مطالبة الإنسان - على أي مستوى اجتماعي كان، وعلى أي منصب يتربَّع - أنْ يكون من المؤمنين الصادقين، وإيمانه هـذا كـفيل بأن يـهديه إلى العمل الصالح.. ويجب أن يوقن الإنسان بأن الله - تبارك وتعالى - هو وليُّ التوفيق، بما يفيض عليه - حينئذ - من نعمة الهداية، وينشر في حياته من واسع الرحمة، بما يُدخله في عباده {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البَقَرَة: 25]، وهـذا التوفيق هو ما يهدينا إليه نور القرآن المجيد، يقول العزيز الحكيم: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محَمَّد: 17] وقوله تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التّغَابُن: 11]، وقوله تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً} [مَريَم: 76] وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العَنكبوت: 69].
إنها حقائق قرآنية تدلُّ الإنسان على أنَّ عليه أن يهتدي أولاً في نفسه، وهذه الهداية هي السبيل إلى هداية ربه، الذي يزيد - سبحانه - عبدَهُ هداية فوق هداية، فكلما اهتدى العبدُ زاده ربه - تعالى - هدى، وسارَ في الطريق الذي يرتقي فيه إلى حقيقة إنسانية...
الوجه الرابع: الهداية إلى الجنة
وهي آخر صور الهداية وأعظمها شأناً، لأنها تأتي تتويجاً للهدايات الثلاث السابقة عليها.. إذ إنَّ كلَّ شيء في الوجود يجب أن يكون له منتهى وغاية، وغايات الإنسان شتى، وقد لا تحصى، ولكنَّ العاقل الحكيم من غلَّبَ رضوان الله - تعالى - والفوز بالجنة على كل غاياته الأخرى.. فلا يظنَّنَّ أحدٌ من بني البشر أنه خُلق عبثاً في هذه الحياة، وأنَّ بمفارقته لهذه الدنيا سوف ينقضي كل وجود له.. فهذا الظنُّ هو منتهى السذاجة، ومنتهى الضلال عن الحقيقة التي أكدت عليها جميع الرسالات السماوية، وهي أنَّ الإنسان ككائنٍ حيٍّ سوف يموت لا محال، ليرحل من دار فناء إلى دار بقاء.. بمعنى أن مصيره لن يكون نهائياً لمجرد موته، بل هنالك حياة أخرى تنتظره، كما يثبتها القرآن الكريم بقول الله تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العَنكبوت: 64].. ولكنَّ تلك الحياة الدائمة والأبدية تتوقف كيفيتها - ولا ريب - على أعمال الإنسان في هذه الحياة الدنيا، فهو إن اختار الكفر، والنفاق، واتبَعَ طريق الباطل والضلال بدلاً من الحق والصواب، كان محتوماً أن يدخلَ النار خالداً فيها، وكثيرة آيات القرآن الكريم، التي تبيِّن صفات أهل النار، وأفعالهم، والمصير الذي ينتظرهم يوم الدين...
وأما إن اختار الإنسانُ سبلَ الهداية، وكان من المتقين الذين يخشون ربهم في الغيب، بحيث يكونون في نياتهم وأعمالهم يريدون وجه الله - تعالى - ولا يخافون في الله لومة لائم فيكون مكتوباً ممن أدخلهم ربهم - عزَّ وجلَّ - برحمته التي يتغمَّدهم بها، الجنةَ خالدين فيها أبداً...
وطرق الهداية والاستقامة التي تقود إلى الجنة واضحة أمام الإنسان وضوح الشمس في كبد النهار، ولكنَّ أعظمها، وأجلَّها شأناً، القتلُ في سبيل الله، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ؛ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ *وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ *} [محَمَّد: 4-6].. وهذا يعني أنَّ كلَّ من يقتل في سبيل الله - تعالى - هو الشهيدُ حقاً. ومن عظيم محبة الحق تبارك وتعالى للشهداء وعده لهم بدخول الجنة نظراً لمآثرهم في الحياة الدنيا، فهم الصفوة من بني البشر الذين تخلوا عن الحياة الدنيا بكل متاعها، وزخرفها وشهواتها، ووضعوا نصبَ أعينهم حقاً الجهاد بأموالهم وأنفسهم في سبيله، مثل نصرة دين الله، ورفع الجور والظلم عن عباده، ومحاربة الفساد والشر والباطل بكل الأشكال التي تظهر في دنيا الأرض، وما إلى هنالك من المآثر والفعال الطيبة التي يحمدها أهل السماوات والأرض.. ومن سمات هؤلاء الشهداء أنَّ جهادهم يكون مبنياً على الإِيمان الصادق، والخلق الحسن، والعمل الصالح، وعن القناعة والرضى بأنهم ما اختاروا سبيل الجهاد إلاَّ لرضى الله - تعالى - وهديهم للثبات على الحق حتى ينالوا النصر أو الشهادة.. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «يُعطى الشهيد ست خصال: عند أول قطرة من دمه يكفَّر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده في الجنة، ويزوج من الحور العين، ويؤمَّن من الفزع الاكبر، ومن عذاب القبر، ويحلّى حلَّة الإِيمان..»[*] من هنا كانت الشهادة في سبيل الله أعلى الهدايات درجة وكمالاً.. ومن الطبيعي أن تكون هذه الهداية مطمح ورجاء كل مؤمن صادق، مجاهد في سبيل الله - تعالى - وكذلك كلُّ إنسان يتولاَّه ربُّهُ - تبارك وتعالى - بالهداية، ويجعله من {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البَقَرَة: 25] فهو ممَّن تغمَّدهم الله برحمته الواسعة، وأدخلهم جنة الخلد، حيث يجدون فيها، كما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في الحديث القدسي: «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»[*] ، وحيث يطمئن أهلها إلى نعيمها الدائم، وهم يحمدون ربهم الكريم على ما هداهم إليه، كما يبيّنه قول الحق تبارك وتعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعرَاف: 43].
تلك هي حالات الهداية التي يمر بها الإنسان، وهي تتناسق بشكلٍ مطّردٍ، بحيث تقوم حياة الإنسان على الفطرة التي فطره الله تعالى عليها، ومن ثم الإِيمان بالله، وتصديق أنبيائه ورسله، وهي السبل التي تقوي في نفسه الاستعدادات للعمل الصالح، الذي ينفع العبادَ ويرضي الله تعالى، ليكون مآبُ المؤمنين الصادقين الذين يعملون الصالحات إلى الله ربهم، وهو سبحانه يجزيهم على ما كانوا يعملون. ولا بدَّ أن ننبّه هنا إلى قضية هامةٍ جداً، وهي ما يعتقده كثيرٌ من الناس بأنَّهم يؤمنون في قرارة أنفسهم بحقيقة وجود الله تعالى وأنَّ إيمانهم هذا كافٍ بذاته بحيث لا يحتاجون لأي شيء آخر.. وكذلك لا يفكرون بأوامر الله تعالى ونواهيه، بل ويُعرضون عن العبادة، وعن الالتزام بالفرائض المطلوبة بسبب ذلك الوهم القاتل، وهو أنَّ إيمانهم في قلوبهم يكفيهم!..
لا، وألف لا... إنَّ مثل هذا الإيمان ناقص لا محالة، لأنه لا يقترن بصلاة وصيام وزكاةٍ وحجٍّ، وحتى لو اقترن إيمان هؤلاء بالعمل الصالح، فإنَّه يبقى إيماناً خلواً من المضامين الحقيقية للعمل الصالح، لا بدَّ للمؤمن أنْ يضع على عاتقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فضلاً عن الجهاد في سبيل الله، ومجاهدة النفس للابتعاد عن المعاصي، وارتكاب الفواحش.. فالهداية الحق هي هداية القلب والجوارح على حد سواء، ولا يكفي أن يقول الإنسانُ إنه مؤمن بربه تعالى، ويهمل عبادته، أو أنْ يعتقد بأنَّهُ مؤمن ولا يلتزم بأوامر الله تعالى ونواهيه كلها... وإلاَّ فقد ضلَّ الإنسانُ، وأضلَّ غيره...
ومن قضايا الهداية الأخرى، أنَّ الإنسان المهتدي قد يحب أن يهدي غيره، ويدله إلى طريق الله تعالى؛ ولكن مهما عمل الإنسان في هذا المجال، فإنَّ عليه أن يوقن بأنَّ التوفيق إلى الهداية هو من أمر الله، وهو - سبحانه - يهدي من يشاء هدايته، لعلمه السابق بمن يستحق الهداية من عباده، يقول تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ *} [القَصَص: 56]، ويقول تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} [البَقَرَة: 272]، وهذا يعني أنَّ واجبك - يا محمد - البلاغ المبين، أما هداية الناس فلا تقع على عاتقك، لأنَّ الله هو الذي يهدي من يشاء، وهو - سبحانه - أعلم بمن يتوخى الهداية، ويسعى لها سعيها.. وما ينطبق على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، ينطبق على جميع الأنبياء والمرسلين، فقد حملوا الدعوات الربَّانيَّة إلى الهداية، وكانوا من الدعاة إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وهم - صلوات الله وسلامه عليهم - أَحَبُّوا أنْ يهتدي الناسُ إلى ما كانوا يدعونهم إليه، ولكن هل كان الناس يصدقونهم، ويؤمنون بما أنزل إليهم من ربهم؟!
من الناس من يَسَّرَ الله - تعالى - لهم سبل الهداية، وزيَّنَ الإِيمان في قلوبهم وهداهم إلى الحق المبين..
ومن الناس من أبت نفوسهم هدى الله ربهم، ورغبت عن الإِيمان، فأبعدهم الله - عزَّ وجلَّ - عن رحمته، إذْ لم يدلهم على طريق الهداية، ولم يوفقهم إليها، وذلك بسبب ظلمهم وكفرهم، قال تعالى: {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البَقَرَة: 258]، وقال أيضاً: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ *} [النّحل: 107]، فكان من الطبيعي أنْ لا يؤمنوا بما جاء به النبيون والمرسلون!... مما يتبين معه أنَّ أول سبل الهداية تقع على عاتق الإنسان نفسه، فإنْ أبى الناس إلاَّ أن يكونوا من القوم الظالمين، أو أبوْا إلاَّ أن يكونوا من القوم الكافرين، فقد حقَّ الحقُّ عليهم ألاَّ يهديهم الله تعالى؛ لأنَّ الأصل هو اتباع هدى الله، فمن تبعَ هُداهُ - سبحانه وتعالى - فلا يضلُّ ولا يشقى، قال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى} [طه: 123]، ما يعني أنَّ دعوات الأنبياء والمرسلين كانت تحمل هدى الله إلى الناس، الذين يقع على عاتقهم - وعلى أنفسهم وحدهم - أمر الاهتداء بما آتاهم ربهم من الهدى بواسطة تلك الثلة المختارة من عباده، أي الذين اقتصر دورهم على أن يكونوا الوسيلة إلى الله بالبلاغ المبين، قال تعالى: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} [النّحل: 35]، ولذلك كان توجيه رب العالمين لرسوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، وهو يراه يجهد في تزيين الإيمان للناس، بل ويضني نفسَهُ كي يستجيبوا له ويدخلوا في الإسلام، بألاَّ يتعب ولا يشقى وأن يكتفي بالتبليغ والتذكير بآيات القرآن الذي نزَّله على قلبه وحياً صادقاً لا ريب فيه، كما يدلُّ عليه خطابُهُ له بقوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ *لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ *} [الغَاشِيَة: 21-22]، وقوله تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يُونس: 99]، وقوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ *وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ *} [النَّمل: 80-81]. وهذا كله يعني أنَّ دور الأنبياء والمرسلين كان مقصوراً على دعوة الناس إلى الإيمان، والاهتداء بآيات الله تعالى، وأنَّ الهداية هي توفيق من الله يهدي إليها قلب المؤمن فيكون مهتدياً، لأنَّ من يعمل صالحاً ويطلب الهدى ويتحرّاه فلا بدَّ أن يوفقه ربُّهُ في طلبه وسعيه؛ بخلاف من تحرَّى طريق الضلال أو الكفر أو النفاق، فابتعد عن هدى الله ربه، فأبعدَهُ - سبحانه - عن رحمته، وسبل هدايته..
وهكذا فإنَّ من اهتدى إنما يكون قد تحرَّى - باختياره - الهدى، وهدايته تكون لنفسه، مصداقاً لقوله تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [الإسرَاء: 15] وأن من ضلَّ هو من عدل عن المنهج القويم - أي عن طريق الهدى - إلى الضلال، قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اُشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ *} [البَقَرَة: 16].
ولا بد أخيراً من الإشارة إلى أن الهدى والهداية، في موضوع اللغة، واحد. ولكن خصَّ الله عز وجل لفظة الهدى بمن تولاه وأعطاه نحو: {هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ} [البَقَرَة: 2] {هُدىً لِلنَّاسِ} [البَقَرَة: 185].
وليس هذا البيان للهدى والتأكيد عليه بآيات دالّة، ومعبِّرة إلاَّ رحمة بالإِنسان، وحباً بهدايته، إذ لعلَّهُ بعد الضلال أن يثوبَ إلى الله، ويعودَ إلى خالقه، إنَّ رحمة الله تعالى قد وسعت كلَّ شيء، وهو سبحانه يحثُّ الفرد والجماعة على الرجوع إليه، والعودة إلى توجيهه واللجوء إلى رحمته، وذلك بدليل قوله تعالى: {وَإِنْ عُدْتُّمْ عُدْنَا} [الإسرَاء: 8]، {وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ} [الأنفَال: 19]، {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [الذّاريَات: 50]، {لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ} [التّوبَة: 118]، {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرّعد: 11]. فإذا عاد الإنسان عن ضلاله، وابتعد عن الغيّ، وغيَّر مفاهيمه، فإن سلوكه سيتغيَّر حتماً. وإن هو نهى نفسه عن الهوى، فإنه يكون قد غيَّر ما تكنّهُ هذه النفس.. وعندها يرسل الله سبحانه وتعالى له أولياء من الملائكة يكونون له عوناً، وأخلاَّء أصفياء في الدنيا والآخرة. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [فُصّلَت: 30-31].. فهل بعد ذلك رحمةٌ أوسع من رحمة الله، وإرشاد أكبر، وهداية أشمل؟!.. إنها دعوة صريحة واضحة للإنسان، كي يكون من المهتدين، وإن هو ضَلَّ يوماً أو أضَلَّه غيرُه، فإنَّ أبواب رحمة الله مشرعةٌ أمامه كي يعود إلى الهداية، والاستقامة، فتتنزَّل عليه الملائكة تأخذ بيده إلى سبيل الرشد والفلاح..
وبعد ذلك كله، أوليس الإيمان بحقيقة وجود الله تعالى هو سبيلَنا الوحيد لكل ما فيه خيرُنا وصلاحُنا، إذ كم يكون عظيماً إيمانُنا بالله تعالى، ونحن ندرك أنّه لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، ولا ملجأ منه إلاَّ إليه، ولا تدبُّ نملةٌ سوداء على حجرٍ أصلدَ في نهار أو ليلٍ إلاَّ وهو يراها وييسِّر أمرها.. ولا ينبض عرق في جزء من كائن إلاَّ بأمره.. والله - سبحانه - لا يغفل عن شيء بآخر.. ولا يشغله شأن عن شأن، ولا تقوم الحياة إلاَّ بأمره، وإذا أراد شيئاً فإنَّما أمرُهُ أنْ يقُولَ لَهُ: «كن... فيكون..». إنَّ هذا الإيمان الذي يدعو إليه الإسلام، لكفيلٌ بأنْ يمسَّ شغافَ القلب، وأنْ يملأ شعاب العقل، وأنْ يملك على المرء حواسه ومشاعره، فيعيش في رحاب الهداية والاطمئنان..
وهكذا نصل في النتيجة إلى أنَّه ليس من مشيئة تجري وفقها حياة الإنسان - بل وكل شيء - إلاَّ مشيئةُ الله وقدَرُهُ. وقد قضت حكمته السنية أن يكونَ في خلق الإنسان الاستعداد للهدى والضلال، بحيث يكون لهذا الإنسان الاختيارُ الحرُّ الطليق بأن يسيرَ إما على هدى الله، وإما على طريق الضلال - أي وفق إرادته هو في إضلال نفسه - وصدَقَ الله العظيم حيث يقول: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29].
وأما قوله تعالى: {مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعَام: 39]، وقوله: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعرَاف: 43]، وقوله: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القَصَص: 56] فمنطوق هذه الآيات يشير في ظاهره إلى أنَّ الهداية والإِضلال هما من العبد، وهذا يعني انَّ العبدَ، لا يهتدي مِنْ نفسِهِ إِلاَّ إذا هداهُ الله تعالى، ولا يضل إلاَّ إذا أضله الله تعالى، إلاَّ أنَّ هذا التأويل الظاهري لمعاني الآيات قدْ جاءت قرائنُ تصرفُ مضمونَهُ عنْ جَعْلِ مباشرة الهداية والضلال من الله تعالى، إلى معنى آخَرَ، هوَ جَعْلُ خلق الهداية وخلق الضّلال من الله تعالى، وأما المباشر للهداية والضلال والإِضلال فهوَ العبدُ. وهذه القرائنُ شرعيّةُ وعقليّةٌ.
القرينة الشرعية
لقد ورد فـي الـقـرآن الكريم آياتٌ كثيرةٌ تنسب الـهـدايةَ والـضـلالَ والإِضـلالَ إلـى العبد. قالَ تعالى: {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [يُونس: 108]، وقال تعالى: {لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المَائدة: 105]، وقالَ: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البَقَرَة: 157]، وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا} [فُصّلَت: 29]، وقال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعَام: 144]، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي} [سَبَإ: 50]، وقال تعالى: {وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} [طه: 85]، وقال : {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} [آل عِمرَان: 69]. وقال تعالى: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ} [النِّسَاء: 60]. فمنطوق هذه الآيات، فيه دَلالةٌ واضحةٌ على أنّ الإِنسانَ هو الذي يَفْعلُ الهدايةَ والضلالَة، فيُضلُّ نفسَه ويُضِلّ غيرَه، والشيطانُ يقوم هو أيضاً بالإِضلال - كما سنرى - فتلك الآيات المبينة فيها القرينة الشرعية على أنّ نسبة الهداية والإِضلال إلى الله تعالى ليستْ نسبةً مباشرة، (مباشرة فعل الهدي أو الإِضلال) بلْ هيَ نسبة خَلْق. فإنّكَ إذا وضعتَ الآيات معَ بعضها، وفهمتَها فَهْماً تشريعياً يتبيَّنُ لكَ انصرافُ كلّ منها إلى جهة غير الجهة التي هي للأخرى، كالآية التي تقول: {قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ} [يُونس: 35] والآية الأخرى التي تقول: {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} [يُونس: 108]. فالأولى تدلّ على أنّ الله تعالى هُوَ الذي يهدي، والثانية تدلّ على أنَّ الإِنسانَ هو الذي اهتدى. وهداية الله في الآيةِ الأولى هيَ خَلْقٌ للهداية في نفس الإِنسان، أي إيجاد قابليّة الهداية فيه، ثم تركه يباشر الاهتداءَ بنفسه. والآيةُ الثانية تدلّ على أنّ الإِنسان هو الذي يباشر ما خَلَقَه الله في نفسه من قابليّة الهداية.
فهذه الآيات التي تنسب الهدايةَ والإِضلالَ إلى الإِنسان قرينةٌ شرعيّةٌ دالَّةُ على صَرْفِ مباشرة الهداية عن الله - سبحانه - إلى العبد.
القرينة الشرعية والعقلية
من المعلوم شرعاً وعقلاً أنَّ الله يحاسب الناسَ على مباشرتهم للأعمال، فيثيبُ المهتدي ويعذِّبُ الضّالَّ. قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ *} [فُصّلَت: 46]. وقالَ تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَِنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسرَاء: 7]. وقالَ تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ *} [الزّلزَلة: 7-8]. فيكونُ الذي فعل الاهتداء أو الإضلال هو العبدُ، ولذلك يُحاسَبُ على ما قام به من الأعمال إنْ لنفسه، أو لغيره..
وأمّا من ناحية الآيات التي تدل على أنَّ الهداية والإضلالَ يدخلان في مشيئة الله المطلقة فإنَّه يظهر من مضمون معانيها أنَّه لا يهتدي أحدٌ، ولا يضلُّ أحدٌ جبراً، بل يهتدي مَنْ يهتدي، ولكن بإرادة الله ومشيئته، ويضلّ من يضلُّ، ولكن بإرادته ومشيئته سبحانه. وكانَ السلف الصالح يفهَم هذا المعنى ويُدْرِكُهُ إدراكاً حِسيَّاً. ومما ذُكِرَ أنَّ علياً كرَّم الله وجهه، بعدَ رجوعه من صفين سأله رجلٌ: هلْ كانَ ما حدثَ في صفّينَ بمشيئةِ الله وقضائه؟ فأجابه سلام الله عليه: «إنَّ اللَّه أمرَ تخييراً ونَهَى تحذيراً وكَلَّفَ يسيراً، فلمْ يُطَعْ مُكْرهاً، ولم يُعْصَ مغلوباً، ولمْ يُرْسل الرسلَ عَبَثاً، ذلكَ ظَنُّ الذين كَفَروا؟».
والدليل قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ} [الأعرَاف: 155]، فقد وردت هذه الآية على لسان موسى (عليه السّلام) في معرض اعتذاره لربه تعالى عمَّا فعل السفهاء من بني إسرائيل عندما عبدوا العجل أثناء غيابه، إذ إنَّ تلك العبادة هي ضلالٌ من بني قومه، ولكنَّ هذا الضلال كما عبَّر عنه موسى (عليه السّلام) : إن هو إلاَّ ابتلاؤك يا ربَّنا. ولكنك لا تظلم أحداً من عبادك.. كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ *} [البَقَرَة: 6]، وقوله: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [المطفّفِين: 14]، وقوله: {وَأُوْحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ} [هُود: 36]، فهذه الآيات إخبارٌ من الله لأنبيائه عنْ أُناسٍ مخصوصينَ بأنَّهُمْ لن يُومِنوا، وهذا داخلٌ في علم الله، وليس معناه أنّ هناكَ فئة قد خلقت مؤمنة فظلت على إيمانها، أو فئة خلقت كافرة فاستدامت على كفرها، بل كلّ إنسانٍ قد خلق الله في نفسه قابليّة الإيمان، فإمَّا أن يقوّي هذه القابلية فيهتدي، وإما أن يضعفها أو يميتها فيضل...
وأمَّا قوله تعالى: {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [المَائدة: 108]، وقولُه {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البَقَرَة: 258]، وقولُه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ} [الزُّمَر: 3]، {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غَافر: 28].. إنّ هذه الآيات تعني عدمَ توفيق الله تعالى لهمْ بالهداية، إذ التّوفيق للهداية هو منَ الله تعالى. والفاسق والظالم والكافر والضّال والمسرف الكذّاب.. كل أولئك يتصفونَ بصفاتٍ تتناقضُ وتتنافرُ معَ الهداية، والله - عزّ وجلّ - لا يُوفِّق للهدايةِ مَنْ كانتْ تلك صفاتهم. لأنَّ التوفيقَ للهداية تهيئةُ أسبابٍ للإنسان، ومَنْ يتَّصف بهذه الصفات لا تتهيأُ له أسبابُ الهداية، بل أسبابُ الضلال. ونظير هذا قوله تعالى: {وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} [ص: 22]، وقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *} [الفَاتِحَة: 6]، أيْ وفقنا لأنْ نهتديَ، بمعنى يَسّرْ لنا أسبابَ هذه الهداية.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB