علم النَّفس (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




البَحثُ الثّاني: الحقُّ وَالباطِل وَتأثيرهُما في الحَياةِ عَلى النّفسِ الإنسَانيَّة

الحق والباطل من المعاني المجرَّدة، ولا يمكننا أن نعرف فعلاً ما هو الحق، أو أن نعرف فعلاً ما هو الباطل إلاَّ بالاستناد إلى القرآن الكريم، الذي وردت فيه آيات كثيرة تبيّن مفهومي الحق والباطل، وتعطي عليهما الأدلة والبراهين والأمثلة العقلية والحسيّة. أما لماذا القرآن، فلأنَّهُ كتاب الله - عزَّ وجلَّ - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولأنَّ بين دفتيه أحكام الإسلام وتعاليمه ومفاهيمه التي تشـكـل حـقائـق ثـابتـة، أنزلـها ربُّ العـالميـن عـلى قلـب مـحمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لكي يقوم بتبليغها وتبيينها؛ وقد أدَّى الرسول الأعظم الأمانة بكمالها وتمامها، ثم أودعها في أعناق المسلمين ليصونوها، ويعملوا بهديها، لا من أجل أنفسهم وحدهم، ولا من أجل أمتهم وحدها، بل من أجل الناس جميعاً، لأنَّ الإسلام هو الدين عند الله، وقد ارتضاه سبحانه لصلاح الحياة الدنيا، والفوز في الآخرة، لذلك كان وجوباً على المؤمن الصادق أن يعرف أولاً ما هي الحقائق، لكي يستطيع من ثمَّ أن يميّز بين الحق والباطل، ويجعل الحقَّ الأساس الذي تقوم عليه الحياة بأسرها.
وإنَّ معرفة الحقائق تستدعي التفريق بين أمرين: الفكر والحقيقة. فالفكر بذاته لا يشكل حقيقة، إذ الأفكار تبقى مجرد أفكار إلى أنْ تصير حقائق، ولا تصير كذلك إلاّ إذا توافرت لها شروطها. وأهم هذه الشروط أن ينطبق الفكر على الواقع في كل شيء.. لأنَّ الفكر هو الحكمُ على الواقع، فإن طابق هذا الحكمُ الواقعَ كان حقيقة، وإن خالف هذا الحكمُ الواقعَ كان وهماً أو باطلاً. ولذلك كانت الأحكام المطابقة للواقع هي التي تعني الحقائق.
وهذه قاعدة مهمة يجب أن تظل ماثلةً أمامنا عندما نريد التمييز بين الفكر والحقيقة.
ولكن كيف يمكن أنْ نعرف أنَّ التفكير الذي يتوجه نحو واقعٍ معيّن قد اكتشف حقيقة هذا الواقع؟
الأمر في غاية البساطة: إننا عندما نفكر في شيء من الأشياء التي تحيط بنا، أو في أمرٍ من الأمور التي تعرض لنا، أو في مسألةٍ من المسائل التي تواجهنا، فإنّ فكرنا، في أي حالة من تلك الحالات، يجب أن يطابق االواقع الذي يتعلق بها ليشكّل حقيقة. وإذا جاء فكرنا مناقضاً لهذا الواقع فإنه يكون وهماً أو باطلاً.
إذاً فالحقائق هي الأفكار التي تصور واقعاً محسوساً ملموساً بكل صدق وأمانة، أي هي الأحكام الصائبة التي نصدرها على الواقع الذي نحسّه أو نلمسه. فإذا جاءت أحكامنا مطابقة لهذا الواقع تحولت إلى حقائق.
وإذا كان إدراك الحقائق، يقوم على مطابقة الأفكار للواقع المحسوس، الملموس، فكيف يكون تطبيق هذه القاعدة على الأمور الغيبيّة؟ وكيف نصل من خلالها إلى معرفة حقيقة وجود الله سبحانه وتعالى؟
الجواب سهل : إنَّ حقيقة وجود الله، جلّ وعلا، ثابتة بآثار خلقه في كل شيء، نجدها في أنفسنا، وفي عالم السماوات والأرض وكلها تدلُّ على أنَّ الله هو الخلاّق العليم، وإلاَّ فمن أين هذا الكون كله؟ ومن أين هذه الأرض التي تحتضننا أحياءً وأمواتاً؟ بل ومن أين جئنا نحن البشر؟ ومن أوجْدَ هذا النظام فينا للتوالد، وبقاء النوع البشري؟ أسئلة كثيرة، وكثيرة، والجواب واحد، هو الله الذي لا إله إلاَّ هو خالق كل شيء، وهو على كل شيء قدير..
وتظل القاعدة هي هي، ترتكز على الفكر ومطابقته للواقع. والواقع هنا هو آثاره تعالى التي تدل على حقيقة وجوده. وهذه الآثار - وهي المخلوقات جميعاً - ليست فكرة مجردة، بل هي واقع محسوس، تؤكّده حقيقته الماثلة أمام حواسنا ، ثم تنقله إلى وعينا وإدراكنا.. وهذا الإدراك هو ما يدعونا إليه القرآن الكريم بصورة دائمة، ويحثنا عليه بشتى الطرق الحسية والفكرية كما بقوله تعالى في سورة الروم: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الرُّوم: 50] وكما في «سورة الرحمن» التي تقدّم أمثل النماذج عن آلاء الله - تعالى - وتدعو الإِنس والجنَّ للتبصّر بها، من أجل إدراكها كحقائق ثابتة، غير قابلة للتكذيب بها.. فآثار رحمة الله التي تحفُّ بنا في كل شيء، وآلاء ربّنا الكريم التي نجدها في الأرض، وفي أنفسنا، وفي السماء، هي الشواهد الحيّة التي تحملنا على الحكم بحقيقة وجود الله. يقول الحقُّ تبارك وتعالى: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ *وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ *وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ *فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ *} [الذّاريَات: 20-23].
فهذه الآيات الكريمة تدل على حقائق ملموسة توصَّل إليها العقل، أو قد يتوصل إليها، وهي مثل سائر الحقائق الأخرى، سواءٌ كانت قائمةً بذاتها، أو ظاهرةً بآثارها فلا بدَّ أن تخضع للملاحظة ثم الاستنتاج، الذي هو حكم العقل أي الفكر.
ولكنْ هنالك حقائق أكيدة وثابتة نحن نجهل كنهها، كما هي الحال في أمور الغيب، التي قلنا بأنَّ الله سبحانه وتعالى قد استأثر بعلمها، وحجبها عنا وفقاً لمقتضى الحكمة الإلـهيَّة، وفي رأس حقائق الغيب، بل وأعظمها على الإطلاق، «الذات القدسية» التي تخشع لها القلوب المؤمنة، وتحنو لها النواصي المعاندة؛ فمن حيث حقيقة وجود الله - سبحانه وتعالى - فإنَّ أدلتها ظاهرة وثابتة بآثاره تعالى في خلائقه، وبآثار رحمته من مثل إنزال الماء من السماء، وإنبات النبات، ووفرة الأرزاق والخيرات، وهي أيضاً من الشواهد الحسية التي تثبت حقيقة الخالق العظيم، والصانع الحكيم، ولكن «الذات القدسية، ذات الله تعالى» وماهيتها، وكيفيتها، تبقى محجوبة عن مداركنا لأنها أجلُّ وأسمى من أن تقع تحت الحواس، لأن الله عزَّ وجلَّ لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأفكار، ولا يتوهَّمُهُ المتوهمون.. وعلمُ الناس ليس إلاَّ قَدْراً محدوداً بالنسبة لعلمه تعالى الواسع، كما يؤكده قوله تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ} [البَقَرَة: 255]،فإذا كانت قدرة عقولنا لا تستطيع الإحاطة بشيء من علم الله إلاَّ بمـا شاء!..فكيف - إذاً - بذاته القدسية التي لا ينبغي أن نفكّر بها - وذلك لمصلحتنا - كما أشار إلى ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقال: «فكِّرُوا في آلاءِ الله، ولا تُفَكِّروا في ذاتِ الله فَتَهْلَكُوا»[*] .
وما عدا «الذات القدسية»، فقد أباح لنا الخالقُ الكريم التفكيرَ في كل الأشياء، والأمور، والقضايا، بل ودعانا في قرآنه المبين لإعمال العقل، والتفكير في حقائق الوجود، ولا سيما تلك التي تهمُّ الإنسان، ويكون لها تأثير على مجريات الحياة البشرية، الفردية والجماعية على حدٍّ سواءٍ..
ولكن ويا للأسف، فقد آثرت العقول الشيطانية، وبخطة منهجية منذ مئات السنين، أن تصرف الإنسان عن التفكير بالحقائق التي تهمُّه في وجوده، وذلك بطمس بعض الحقائق أو قلبها رأساً على عقب، لأهداف خبيثةٍ ومبيّتةٍ، من هنا تبرز أهمية السؤال:
كيف يتم طمس الحقائق أو الصرف عنها؟
إن التفكير في الحقيقة - أية حقيقة - وتمحيصها، ولاسيما ما يتعلق منها بحياة الشعوب والأمم، أمر لا بدَّ منه للناس جميعاً، لأنَّ قضايا العالم مترابطة ببعضها، وعزل أية قضية هامة عن باقي قضاياه الأخرى، سوف يؤثر سلباً، إن لم يكن على العالم كله، أقلُّه على حياة هذه الأمة أو تلك، أو على حياة هذا الشعب أو غيره.. ولذلك كان التفكير بالقضايا الدينية، أو الوطنية، أو القومية، أو العالمية أو الإنسانية، وما يرتبط بها من الحقائق، واجباً حتمياً على القادة - بشكل خاص - وقبل غيرهم من الناس، وأن يكون تفكيرهم دائماً مطابقاً للواقع. لأنَّ تفكير القادة، الذين يتولون إدارة شؤون الناس، وتقع على عاتقهم التبعات العامة، إنْ لم يكن مطابقاً للواقع، فسوف يؤدي إلى طمس الحقائق، أو الانحراف بها عن واقعها، بما ينسحب بالآثار السيئة حتى على قضايا الأمم والشعوب التي ينتمي إليها من يعملون على طمس الحقائق، أو تحريفها، لأنَّ الحقيقة لا بدَّ وأن تظهر في نهاية المطاف، مهما طال عليها الزمن، ومهما ظنَّ أهل الباطل أنهم نجحوا في صرف الناس عنها!...ولا بدَّ هنا من لفت النظر إلى أمرين جوهريين، والتنبّه لهما:
الأمر الأول: ما يتعلق بالمغالطات التي تحصل من جراء تشابه الحقائق
كثيراً ما تكون بعض الحقائق متشابهة، ومتداخلة مع قضايا قريبة منها، أو متعلقة بها، إلى حدٍّ لا يمكن التمييز بينها إلاَّ بتحديد كلٍّ منها تحديداً واضحاً وسليماً.. ومن جراء هذا التشابه قد يلجأ المغرضون، أو أصحاب أهداف مبيّنة إلى المغالطات التي من شأنها طمس أو إلغاء بعض، أو كلّ هذه الحقائق، وقد يسخّرون لذلك المفكرين، والمؤرخين، وأصحاب النفوذ، ورجال المال والصحافة والدين، الذين يقومون ببذر الشك حول جوهر تلك الحقائق، ويجعلون الناس ينظرون إليها نظرة خاطئة، أبعد ما تكون عن ماهيتها وواقعها.. وهذا ما يؤدي بالنتيجة - أي من جراء تلك المغالطات - إلى طمس بعض الحقائق، وإرساء مفاهيم جديدة للحقائق المطموسة، أو لحقائق غيرها، أو قضايا أخرى!
والأمثلة التي يمكن أن نستقيها من الواقع اليوم كثيرة جداً، ولكنَّ ما يهمنا بعض القضايا الكبرى التي نرى العالم يتخبَّط بشأنها، بسبب المغالطات التي يجري التركيز عليها لإضلال الناس وتعمية عقولهم عن حقيقة تلك القضايا.. ومن قبيل ذلك:
أولاً: عداوة اليهود للمسلمين وللشعب الفلسطيني
أ - كون اليهود أعداء للمسلمين: حقيقة..
وهذه الحقيقة أثبتها التاريخ منذ ظهور الإسلام وحتى اليوم، إذ لا يزال اليهود يعملون في مختلف بقاع الأرض، وبشتى الوسائل، لإظهار الإسلام ديناً رجعياً، وإظهار المسلمين متخلّفين، وغيرَ قادرين على مواكبة العصر!!.. وهذا منتهى العداوة للمسلمين..
ب - كون اليهود أعداء للشعب الفلسطيني بالذات: حقيقة أيضاً
وهذه الحقيقة باتت جليّة أيضاً لدى كل منصفٍ، يريد الحقَّ.. فمن نافل القول أنَّ عداوة اليهود للشعب الفلسطيني متأتيّةٌ عن عقيدة خاطئة تعتبر فلسطين أرض الميعاد، ولذلك وضع اليهود استراتيجية محكمة تبدأ بإيقاع مجازر بالشعب الفلسطيني ثم تعمد إلى طرده من أرضه،لإنشاء دولة لهم على هذه الأرض!.. وبالفعل، وبمساعدة دول الغرب، وبصورة خاصة دولة بريطانيا العظمى التي كانت منتدبة على فلسطين، افتعل اليهود المجازر البشرية المروّعة بحق أهل فلسطين، بما أتاح لهم طرد غالبية الفلسطينيين من ديارهم وأملاكهم، بحيث صاروا لاجئين مشتتين في كثير من البلدان، ثم أعلنوا قيام دولة إسرائيل في أيار (مايو) عام 1948. وبعد مدةٍ أضافوا إلى هذا السجل الإجرامي، سجلاً آخر باحتلال ما تبقى من أرض فلسطين عام 1967م، وهدفهم من هذا الاحتلال هدم المسجد الأقصى، وجعل مدينة القدس عاصمة أبدية للصهيونية العالمية، باسم الدولة العبرية، أو دولة إسرائيل..
فهاتان الحقيقتان (عداوة اليهود للمسلمين، وعداوة اليهود للشعب الفلسطيني) متشابهتان ومتداخلتان، إلاَّ أنَّ الفكر اليهودي - ومن ورائه الفكر الإنجليزي، ومن ثمَّ الفكري الأميركي - استطاع أن يطمس حقيقة عداوة اليهود للأمة الإسلامية، مع أنها أعتى وأوضح اليوم من أي وقت مضى؛ وأن يرسخ الحقيقة الثانية - عداوة اليهود للشعب الفلسطيني - كحقيقة راهنة، لعلمهم الوطيد بأنه ليس من مصلحة دولة إسرائيل وشعبها إظهار العداوة سافرة ضد المسلمين والأمة الإسلامية، لأنَّ ذلك قد يؤثّر بصورة أو بأخرى على مصالح إسرائيل ومن يدعمها في الغرب، بينما معاداة الشعب الفلسطيني، وقهره بالاحتلال والتسلّط والقتل الفردي والجماعي.. بات كل ذلك على وتيرةٍ يومية ألفها الغرب، بفعل التضليل الذي ابتدعه العقل اليهودي، وحمله الحكام في الولايات المتحدة الأميركية بمثابة سمةٍ لحكمهم، أي إن الأميركيين ومن يسير في ركابهم، ما زالوا يضللون الغرب والعالم، وهم يظهرون الشعب الفلسطيني على أنه شعب إرهابي، بينما في الحقيقة أنَّ كل ما يملك هذا الشعب هو الدفاع عن وجوده ومصيره لئلا يُقضى عليه، ويُمحى عن خارطة الوجود البشري...
وفي العودة إلى استقراء التاريخ نجد أنَّ فلسطين - بالذات - كانت مستهدفة لغزوات متتالية بسبب وجود الأراضي المقدسة في ربوعها، وكان الفكر اليهودي يقف دائماً وراء تلك الغزوات، ما جعل عداوة اليهود للمسلمين حقيقة راهنة في الأذهان، فوقف المسلمون في وجه الغزاة الطامعين، واستطاعوا دحر الحملات الصليبية التي توالت حوالى مئتي عام. ولكن ما إنْ قامت دولة إسرائيل على أرض فلسطين، وباتت الأراضي المقدسة خاضعة للسيطرة اليهودية، حتى انصبَّ اهتمام معظم دول الغرب - إِنْ لم نقل بأسرها - على دعم الاحتلال اليهودي، ومدَّ دولة إسرائيل بمختلف أسباب القوة والتفوق، وهذا ما جعل الغربَ عدواً للمسلمين.. وهذه حقيقة ظاهرة، لا مجال للمسلمين لأن ينكروها، وهذه العداوة مستمرة، وسوف تبقى مستمرة وبحدّةٍ أكثر، ما دام المنطلق الفكري والثقافي لها، هو دائماً حرب اليهود، الخفية والظاهرة، على الإسلام والمسلمين في جميع بقاع الأرض!
ثانياً: امتلاك القوة النووية
أ - كون إسرائيل دولة نووية: حقيقة.
ب - وكون البلاد العربية الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط دولاً غير نووية: حقيقة أيضاً.
ولكنَّ إسرائيل استطاعتْ أنْ تخرس ألسنة العالم عن تصنيعها للقنابل الذرية وأسلحة الدمار الشامل، فلم تطالبها أية دولة أو أية منظمة أو هيئة دولية بوقف نشاطها النووي، في حين استطاع اللوبي الصهيوني، الحاكم في الولايات المتحدة الأميركية، أنْ يدفع بالعالم ليؤيد - في غالبه - الولايات المتحدة لغزو العراق بحجة امتلاكه أسلحة دمار شامل.. وعلى الرغم من افتضاح هذه الأكذوبة، وتأكيد مختلف المراجع الدولية، المعنية، بل واعتراف الرئيس الأميركي نفسه، بعدم وجود مثل تلك الأسلحة في العراق، إلاَّ أنَّ الاحتلال الأميركي لا يزال - حتى تاريخ صدور هذا الكتاب - جاثماً على أرض هذا البلد الإسلامي.. وأشنع من كذبة «أسلحة الدمار الشامل» في العراق، ما يثيره الممثل الأميركي - وحليفه التابع الإنجليزي - من الفتن الدينية بين مختلف أطياف الشعب العراقي وصولاً إلى تقسيم العراق إلى دويلات عرقية أو مذهبية، وفقاً للتفكير اليهودي المنهجي تجاه الدول الإسلامية كافة، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط[*] .
والمفارقة العجيبة بهذا الصدد تحريض إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية العالمَ على مواجهة الجمهورية الإسلامية في إيران بحجة أنها تعمل على امتلاك السلاح النووي، بل ويهدد اليهود والأميركيون بإمكانية ضرب المنشآت الإيرانية إذا لم تذعن إيران لـ«المطلب الدولي». ولقد نجحوا في عرض القضية على مجلس الأمن الدولي الذي اتخذ قراراً يلزم إيران التخلي عن نشاطها النووي السلمي، وإلاَّ لجأ إلى فرض العقوبات الاقتصادية عليها، كمرحلة أولى، ثم تليها تدابير أخرى لا يعرف العالم ما سيكون مدى آثارها!.. فأين هي الحقائق، وأين من يعرف الحقَّ والحقيقة في التعامل الدولي تجاه إسرائيل، وتجاه البلاد الإسلامية، وبخاصة الجمهورية الإسلامية في إيران؟.. كل ذلك بسبب عداوة الغرب تجاه المسلمين، لأنه يريدهم أذلاَّء ، خانعين يأمرهم فيستجيبون!!.. والمعنى أنَّ الفكر الذي يسيطر على العالم اليوم لا يتوخى الحقائق في مظانّها، بل يعتمد السياسات التي من شأنها أن تصرف الناس عن الحقائق، ودائماً لتحقيق المصالح والمكاسب المادية التي يطمع فيها أصحاب تلك السياسات!.
ثالثاً: التدخل في شؤون الدول الأخرى
أ - كون الولايات المتحدة الأميركية قوة عظمى، وتتولى مقاليد الزعامة في العالم: حقيقة..
ب - وكونها تتدخل في شؤون البلدان الأخرى، ولا سيما في بلدان العالم الثالث: حقيقة أيضاً..
وهنا كذلك نجد السياسة الأميركية واضحة في طمس حقيقة التدخل الذي تقوم به!.. فهي تريد استغلال ثروات البلاد التي تتدخل في شؤونها، وبسط نفوذها السياسي في المناطق الحسَّاسة في العالم، وإقامة قواعد عسكرية لفرض قوة تدخلها، فضلاً عن توفير كثيرٍ من النفقات على أساطيلها البحرية!.. ولكنها تخفي كل هذه الحقائق، وتطرح شعارات تلفت العالم إليها، من مثل حمل الأنظمة على تطبيق الديموقراطية، وتأمين الاستقرار، والحفاظ على حقوق الإنسان..! ولعلَّ تقرير اللجنة الدولية لحقوق الإنسان يفضح أكذوبة الولايات المتحدة الأميركية ويبطل الإدعاء الأميركي حول حقوق الإنسان. كما يشهد على ذلك سجن «غوانتينامو»، وسجن «أبو غريب»، والتأييد غير المحدود لإسرائيل بهدر الدم الفلسطيني، وليس فقط بهدر حقوقه المشروعة!..وعلى الرغم من التذرع بتلك الشعارات، فإنَّ بدعة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية كانت بما سمَّوه «الفوضى المنظمة»، التي هي، في الحقيقة، تقويض للاستقرار الداخلي في أية دولة.. ولا تزال بدعة «الفوضى المنظمة» معتمَدَةً من قبل الولايات المتحدة في أكثر من بلدٍ في العالم، تعمل على فرض هيمنتها عليه!..
الأمر الثـاني: ويتعلق بالمغالطات التي تصرف الناس عن الحقائق عن طريق الأفكار والأعمال المضلّلة والمثال على ذلك:
أ - كون الأمة لا تنهض إلا بالفكر: حقيقة
ب - وكون الأمة الإسلامية قادرة على النهوض من كبوتها: حقيقة أيضاً..
إن الأمة الإسلامية، بما تعتنق من عقيدة راسخة أرسى أحكامها ربُّ العالمين، وبيّن مفاهيمَها رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، لقادرةٌ على الأخذ بأسباب الفكر لتحقيق نهضة جديدة.. ومن أجل صرف الأنظار عن هذه الحقيقة، شجع أعداءُ الإسلام على نشر مفاهيم مغلوطة عن هذا الدين مثل الرجعية والتخلف والإرهاب إلخ.. كما سخَّروا عناصر بشرية، أفراداً وجماعات حتى من المسلمين أنفسهم، لإِصدار المؤلفات التي تسيء إلى الإسلام ونبيّه (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، أو ليقوموا بإثارة الاضطرابات، ونشر الفوضى تحت ذرائع مختلفة، وأهمّ من ذلك كله استطاعوا بذر روح العداوة والتفرقة والتناحر بين المسلمين عن طريق النعرات الطائفية، والمذهبية، والعنصرية وما إلى ذلك من الأساليب والوسائل والخطط التي تبعد المسلمين عن التفكير بمصالح أمتهم، وبالتالي صرفهم عن التفكير بالنهضة الإسلامية...
ولعلَّ أهمّ ما يؤرّق أعداء الأمة الإسلامية الخوف من أنْ تأخذَ هذه الأمة بأسباب الفكر لتحقق نهضتها، لأنها سوف تصبح، بحسب تقديرهم، قوة «عاتية» تقف في وجه مطامعهم ومصالحهم وأهوائهم، ولذلك فإنهم ينطلقون أساساً من هذه المغالطة الكبرى التي لا تمت إلى الحقيقة بصلة، لإنشاء مغالطاتٍ أدهى وأشدّ، من شأنها أن تؤدي إلى تفتيت قوى المسلمين، وإيقاعهم في التناحر بحيث لن يعود لفكرة النهضة تأثير كبير في حياتهم!..
إذاً، فلا بدَّ لنا من البحث عن الحقائق، والتمسك بها بقوة، وكشف المغالطات التي تبعدنا عن وعي قضايانا، وتفقدنا عناصر قوتنا، وتبقينا على حالتنا الراهنة من الضعف والتفكك، والتناحر، والتأخّر.. وهذه العوامل هي التي تقدّم لأعدائنا الإمكانات، والقدرات، وتتيح لهم السبل والوسائل كي يظلوا قادرين على التحكّم بنا، وبمقدّراتنا، وبمواردنا، وبالتالي التحكّم بتقرير مصير كل بلد إسلامي منفرداً، فضلاً عن ضرب كافة العوامل والعناصر التي توحّد كلمة أمتنا.
والبحث عن الحقائق يجب أن يقوم على معرفة الصواب من الخطأ، كما يستدعي معرفة الحق من الباطل..
الصواب والخطأ
الصواب يكون ضد الخطأ الذي ليس للإنسان فيه قصد. بمعنى أنَّ الصواب هو ما يدلُّ على الحق، والصدق والسداد وما شابه من المعاني. فيقال: أَتَى بالصواب، أي أصاب، وحَكَمَ له بالصواب، أي صوَّب رأيه.
وقد يدل الصواب على اللائق، والأولى، والمُرْضي والثابت.
وأما الفرق بين الصواب، والصدق والحق فهو:
أنَّ الصواب هو الأمر الثابت الذي لا يجوز إنكاره.
وأنَّ الصدق والحقَّ يدلان على المطابقة بين التصورات العقلية والأشياء الخارجية. فإذا كان التصور الذهني مطابقاً لما في الخارج، كان صدقاً، وإذا كان ما في الخارج مطابقاً لما في الذهن، كان حقاً.
والصواب والخطأ يستعملان في الفروع والمجتهدات.
والحق والباطل يستعملان في الأصول والمعتقدات.
وفي التفريق بين الحق والباطل يقول علي الجرجاني: «إنَّ الحق في اصطلاح أهل المعاني هو الحكم المطابق للواقع، ويطلق على الأقوال والقصائد، والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك».
بعد هذه التوضيحات، نبحث في الحق، ومن ثم في الباطل استناداً للقرآن الكريم.
أولاً: الحق
قلنا إن الأصل في الحقّ أن يكون مطابقاً وموافقاً للواقع. ويكون الحقّ على وجوه أربعة:
الوجه الأول : يقال لموجد الشيء بسبب ما تقتضيه الحكمة: الحقُّ المطلق.
وبما أنَّ الله سبحانه وتعالى - بحكم العقل والقلب، هو موجدُ الأشياء كلها، كانَ هو الحق المطلق، ومن آلائه الدّالة على ذلك قوله عزَّ وجلَّ: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ *} [يُونس: 31]. أجل إنَّ القادر على ذلك كله، والخالق، والمالك لكل ما في السماء والأرض هو الله ربُّكم، الحقُّ الأزليُّ أيها العباد، والحقُّ أحقُّ أنْ يُتَّبَعَ، فكان وجوباً على العباد تقديسه سبحانَه وتعالى، وعبادته، و إلاَّ فهو الضلال!.. ولأنَّهُ جلَّ وعلا هو ربُّ العباد، فهو مولاهم الحقّ، الذي يُردّون إليه لتُجازى كلُّ نفس على ما قدَّمت، يقول تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ} [الأنعَام: 62]، ويقول تعالى: {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ} [يُونس: 30].
الوجه الثاني : يقال للشيء الموجَد بحسب مقتضى الحكمة الإلهية، فكان صنع الله - تعالى - كله حقّاً، وقوله - سبحانه - كله حقّاً، وكان وجود كلّ شيءٍ منه بالحق، ثم إنَّ الخلق كله لا يمكن أن يكون على هذا النظام، وهذا التناسق، وهذه الدقة التي لا تختلف معها حركة، إلاَّ بالحق.. يقول تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} [الدّخان: 38-39]، ويقول تعالى: {مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [يُونس: 5]. فكل شيء في الوجود قوامه الحقُّ؛ والحقُّ غايته، والحقُّ ثابت راجح راسخ. وهذه الدلائل التي تشهد به واضحة وقائمة ودائمة، وهي مبثوثة في كل شيء، وفي كل مكان في السماوات والأرض، وهي دلائل وآيات يفصّلها الله تعالى لقوم يعلمون.
بل وبعث الله - تعالى - النبيين بالحقّ وأنزل معهم الكتب بالحق لقوله عزَّ وجلَّ:{فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البَقَرَة: 213].
الوجه الثالث : يقال في الاعتقاد للشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في ذاته. ومنه اعتقادنا بأنَّ الآخرة حقٌّ، وبأنَّ الثواب والعقاب حقٌّ. وبأنَّ الجنة والنار حقٌّ.
يقول الله تعالى: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} [البَقَرَة: 213]، أي إنَّ الذين آمنوا هم على اتفاق تام بأنَّ الدينَ الذي آمنوا به هو الحقُّ، ولكنْ كان اختلافهم على توضيح هذا الحق، وإدراكه في الصميم، فاختلفت سبلُ وعيهم وتنوعت أفكارهم، ولكن نياتهم كانت متجهة إلى الله تعالى، لا تبتغي إلاَّ الحقَّ الصراح ولا شيء غيره، فهداهم الله تعالى إلى ما في الكتب السماوية المنزلة من الحقّ، لأنهم كانوا صادقين في التوجّه، والنيات والسعي، وكانت هدايته - سبحانه - لهم، لأنَّهم مؤمنون.
الوجه الرابع : يقال للفعل أو القول الواقع بحسب ما يجب، وبقدر ما يجب، وفي الوقت الذي يجب، وذلك مثل أن نقول: فعلك حق، وقولك حق..
قال الله تعالى: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ *} [يُونس: 33]. وقال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَِمْلأََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *} [السَّجدَة: 13].
وعندما يقال: إحقاق الحق فيعني إثباته، قال الله تعالى: {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ؛ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ *} [الأنفَال: 7-8].وإحقاق الحق على نوعين:
- بإظهار الأدلة والشواهد، كما في قوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ *} [النّحل: 3].
- بإكمال الشريعة وبثها في الناس، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} [الشّورى: 17].
والحق يستعمل استعمال الواجب واللازم والجائز، نحو قول الله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الرُّوم: 47]. وقوله تعالى: {كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} [يُونس: 103]، وقوله تعالى: {حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِي بَنِي إِسْرَائِيلَ *} [الأعرَاف: 105]. وهو ما قاله موسى (عليه السّلام) لفرعون، أي إنَّهُ رسولٌ من ربّ العالمين، وإنه جديرٌ به، وحقٌّ واجبٌ عليه أنْ لا يقول على الله تعالى إلاَّ الحقَّ، فإنْ قال بأنه رسولٌ من رب العالمين، فهو القولُ الحقُّ، لأنه مرسَلٌ من الحق تبارك وتعالى، ولا يقول إلاَّ ما أرسل به؛ وقوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ *} [البَقَرَة: 149]. أي إنَّ الأمـرَ بـأنْ تـتوجَّه يا محمَّدُ - وأمتكَ تبعٌ لك - في صلاتك نحو المسجد الحرام في مكة للحقُّ من ربك، وما الله، الذي يأمركم بذلك، بغافلٍ عمَّا تعملون من امتثالٍ لأوامره، سواءٌ في هذا التولي، أو في غيره من العبادات وسائر ما يأمركم به.
ثانياً: الباطل
الباطل هو نقيض الحق، وهو ما لا ثبات له عند الفحص عنه. يقول الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحَجّ: 62].
الله تعالى هو الحق الثابت، قائمٌ لا يسهو، دائم لا يلهو، كما يشهد على ذلك الوجود كله الذي يقوم على سنن الحق، وقوانين الضبط، ونواميس التكامل.
وأما ما كانوا يعبدون من دون الله (سبحانه وتعالى عمَّا يشركون) فهو الباطل الزائل، وكذلك الأحكام الوضعية التي توجد التمايز، وتنشئ الأوضاع الفاسدة، وكلُّ ما لا يتوافق مع منهج الله في خلقه.. فجميعها باطل وإلى زوال، لأنها نقيضة لاطّراد سنن الكون وثباتها. وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد ترك للناس تدبير أمورهم، فإنَّ هذا التدبير يجب أنْ يأتي متوافقاً مع شرعِ الله تعالى ومناهجه لعباده {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المَائدة: 48]، تماماً كما هو الحال في توافق السنن الإلهية في الكون. أما إذا خالف التدبيرُ الشريعة والمنهج، فإنَّ المسؤولية تقع على عاتق الناس ويتحملون أوزار أعمالهم، لأنها غالباً ما تتنصَّل من الحق وتساند الباطل، فهي إذاً على الموازاة نفسها من الشرك بالله تعالى، لأن كل عمل لا يتوافق مع الحق يدخل فيه الباطل، إن لم يكن هو الباطل بعينه. يقول الله تعالى: {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *} [الأعرَاف: 118]. والمقصود هنا هو عمل السحرة الذين أتى بهم فرعون الطاغية لقهر النبيِّ موسى (عليه السّلام) وغلبته، فما كانوا يعملون هو السحر، وهو باطلٌ في الأساس لأنَّه يزيف الحقيقة في العيون، ويطمس جوهر الأشياء، فالحبل أو الخشبة - العصا - لا يمكن أن تتحول كائناً حياً بفعل الإنسان، فكان من الباطل أنْ يرى المشاهدون حبالَ السحرة تتحول إلى أفاعٍ، كما خُيِّل إليهم وهم يحضرون المواجهة بين السحرة وموسى (عليه السّلام) . ولكن عصا موسى (عليه السّلام) انقلبت فعلاً إلى حيّةٍ حقيقية تسعى وتلقف ما ألقوا من الحبال وسحروا بها أعين الناس. ولم يكن ممكناً تحوّل عصا جامدةٍ إلى كائنٍ حيٍّ إلاَّ بمشيئة الله تعالى التي أظهرت أعمالَ الباطلِ من السحرة، فبطل ما كانوا يعملون من السحر والشعوذة، وظهر الحقُّ صراحاً بإبطال سحرهم..
ويقول الله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [آل عِمرَان: 71]. وإلباسُ الحق بالباطل يكون لإخفاء الحق وكتمانه وتضييعه في غمار الباطل على علم، وعن عمد. وهو أمر مستنكر قبيح!..
ويقول الله تعالى: {وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ *} [البَقَرَة: 42].
وهذا توبيخ وتأنيب لأهل الكتاب في ما يأمرهم به ربُّهم، أي ألاَّ يخلطوا الحقَّ بالباطل، أو يغلّفوه به لكي يُخفوه، وألاَّ يكتموا الحق الأصيل الثابت، ويظهروه للناس بلباسٍ آخر حتى يروه كأنَّهُ الباطل؛ فالتجسيد هنا يعبّر عن الإخفاء، فكما يلبس الإنسانُ الثوبَ ويخفي جسدَه به، هكذا كانوا يعملون لإخفاء الحق الذي يعلمونه، وهو أنَّ القرآنَ منزَّلٌ من الله تعالى، وأنَّ محمداً هو رسول الله، وفقاً لما يجدونهم مكتوباً عندهم، وقد أنزل الله تعالى من الآيات القرآنية المبينة ما يكشف نيّات وأعمال أهل الكتاب - وخاصة اليهود - من التآمر، والخداع، والتضليل لأجل أنْ يكتموا الحقَّ الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، ويطمسوا عليه، وما ينهاهم عن ذلك، ويأمرهم بألاَّ يلبسوا الحق بالباطل، و ألاَّ يكتموا الحق وهم يعلمونه، و ألاَّ يحرفوا الكلام الذي ورد في التوراة عن موضعه، لأنَّ هذا التحريف هو الباطل، ولأنَّ ما أنزل في التوراة قبل التحريف والإِدخال هو الحق، ونزل من الحق تبارك وتعالى.
واليوم نجد اليهود - ومن يسير في ركابهم من الدول والمنظمات - لا يزالون على الوتيرة نفسها، وهم يلبسون الحق بالباطل على الرغم من نهي العلي القدير لهم عن هذا العمل القبيح، فكان من الطبيعي أن يلبس اليومَ العالمُ في أغلبه لباسَ الباطل، ما دام الذين يمدّون اليهود في غيِّهم هم أصحاب الشأن في دولهم، وفي المحافل الدولية. فها هو العالم يرى كيف يذبح اليهودُ الفلسطينيين كلَّ يوم، وها هو يرى كيف يقتل الاحتلالُ الأميركي والإنجليزي الشعب العراقي كلَّ ساعة، وها هو العالم يرى كيف تقتل الطائرات الإسرائيلية الأبرياء في لبنان، وتُهدِّم كلَّ بُناه التحتية واقتصاده في الحرب الوحشية التي تشنها على هذا البلد الصغير - خلال عدوان تموز 2006 م - من دون أن يحرك هذا العالم ساكناً.. إلاَّ أن يكون قتلُ المسلمين حلالاً كما يزعم التلمود، والناس، كل الناس، بمن فيهم كثير من المسلمين، يرضون ذلك!.. فهل بعدُ هذا الباطل من باطل؟؟.. ولذلك نحن نقول لكل إنسانٍ حرٍّ وشريفٍ إنَّ الإصغاء إلى الحق، والشهادة له، والعمل به، توصل إلى الراحة الجسمانية، والسكينة النفسية، واتباع الباطل لا ينجم عنه إلاَّ الانزعاج، والقلق، والاضطراب الجسدي والنفسي، سواء أعرف الإنسان ذلك أم لم يعرف!..
ثالثاً: أهل الحق وأهل الباطل
يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) في نهج البلاغة: «حق وباطلٌ، ولكلٍّ أهلُ. فلئن أُمِّرَ الباطلُ فقديماً فَعَلَ. ولئن قلَّ الحق فلربما ولعلَّ. ولقلَّما أدبَرَ شيءٌ فأقبَلَ».
وفي القرآن الكريم أمثال يضربها الله تعالى للناس لكي تتبيَّن لهم أفعالُ أهل الحق، مِنْ أفعال أهل الباطل، ومن هذه الأمثلة:
1 - الباطل مثل الزبد الذي يذهب هدراً
يقول الله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ *} [الرّعد: 17].
إنها معركة قائمة، لن تتوقف أبداً إلاَّ أنْ يشاء الله تعالى.. إنها معركة الصراع الضاري بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وبين الصواب والخطأ.. وآثار تلك المعركة - التي لا تزال دائرة منذ أنْ وجدَ آدم (عليه السّلام) واشرأبَّ له رأسُ إبليسَ بالعداوة والشرّ - سوف تظل تنعكس على الناس ما دام أهل الباطل جميعاً لا يخشون الله ربَّهم، ولا يدخلون في حساباتهم موتاً ولا نشوراً، ولا جنةً ولا ناراً، ولئن قلَّ المنصفون من أهل الأرض الذين يدينون أهلَ الباطل بأحكام الحق، فإنَّ الحكم الأخير والعادل سوف يبقى للعليّ العظيم الذي هو كلَّ يوم في شأن، فهو ربُّ السماوات والأرض، الذي يثيب ويجازي على الأعمال، ويحاسب ويقاضي على النيات.. ولكن من الآن وحتى قيام الساعة، سوف يظل المفسدون سادرين في غيّهم، يأتون الأعمال الباطلة، المضلّلة، التي ينصرون فيها الأبالسة والشياطين من الجنِّ والإنس على أهل الحق، وبذلك تتكاثف سُحُبُ الباطل وأستاره لتحجب الحق وتخنق صوته، فينوء الخير، من جراء ذلك، تحت لطمات الشر، ويتوارى الطيّب عند صولة الخبيث، ويخفت صوت العدالة، حتى ليظن الناس أن دولة الحق قد زالت إلى غير رجعة..
ولكن!.. مهما استفحل الشر، وتجبَّرت الطواغيت، فلا بدَّ أنْ نرى من خلال الظلام الدامس، ومن بين دخان الجَور والكفر، نوراً ينبثق، وضياءً يشع، وسناءً يتألّق.. ثم يستجمع الحقُّ قواه، ليشرق، بإشعاعه وضيائه، منيراً الدروب أمام المؤمنين الصادقين، الذين سوف يحملون مشعل هُدى الله تعالى، فلا ترهبهم الأبالسة، ولا تخيفهم الطواغيت، ولو تمنطقت بكل أسباب القوة، وبقنابل الذرة والهيدروجين والأسلحة البيولوجية والغاز السام، لأنَّ المؤمنين هم جنود الله سبحانه، وهم الغالبون حقاً، وهم أنصاره فعلاً، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البَقَرَة: 5].. ولذا نحن على يقين من أنَّ الحق ثابت وقائم، لأنه خالد بخلود أهله وحملته، وأنَّ الباطل هالكٌ فانٍ، بحكم القرآن الكريم الذي هو قولُ ربِّ العالمين: {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسرَاء: 81]. إذ مما لا شك فيه أنَّ للباطل جولة ساعة، وأن جولة الحق تدوم إلى قيام الساعة.. من هنا فإنه مهما تراءت لنا الصورُ قاتمةً محبطةً، ومهما واجهتِ المؤمنين أحداثٌ عاصفةٌ قاهرةٌ، فإنَّ الأمل يظل معقوداً على هذا الإنسان بأنْ يهتدي - بالفطرة التي فطره الله تعالى عليها - إلى طريق الحق، ومحاربة الباطل، فيؤمن عندئذٍ بما أنزل الله تعالى على عبده ورسوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) من القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم، ويبيِّنُ للناس الحقائق التي تأخذ بيد الإنسان إلى الطريق المستقيم، فـيسلكـها لطـرد الشيطان من نفسه، والعودة في النهاية إلى طاعة ربه - عزَّ وجلَّ - راضياً مرضياً، مخلصاً له الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون.
وها هو القرآن الكريم يضرب لنا مثلاً حسيّاً لتوكيد ثبات الحق وديمومته، وزوال الباطل وفنائه، (وذلك في الآية 17 من سورة الرعد) التي من استشفاف معانيها يمكننا التمييز ما بين الحق والباطل؛ إذْ لو أمعنَّا النظر وتأمَّلنا بالسيل الجاري وما يعلوه من الزبد التافه، وبالمعدن الذي يُغلى على النار وما يعلوه في ذوبانه من زبدٍ أيضاً لا نفع منه، لأدركنا معنى المثل القرآني وأهميته.. فانظر أيها الإنسانُ ماذا يريدُ الله بهذا مثلاً بقوله تعالى: {فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ} [الرّعد: 17].
إنَّ الماءَ الذي ينزله الله تعالى من السماء مطراً منصبّاً، نراه يتدفق سيولاً جارفة تمتلئ بها الأودية. والسيل يحمل كثيراً مما يقع في طريقه من الغثاء، كالقش والورق والحطب والنفايات، والزيوت وغيرها مما نراه يطفو على وجهه حتى ليغطِّيَهُ في بعض الأحيان، وهو لشدة اندفاعه وتدفُّقه، تعلو سطحَهُ الرغوةُ مختلطةً بالغثاء (أي ما يسميه القرآنُ: زَبداً).. وهي على كثرة انتفاخها لا تلبث أن تتلاشى وتنطفئ فقاقيعها، وتذهب في الهواء، كما تذهبُ هباءً على جوانب الأودية وفي قعرها جميع الأقذار التي حملها السيل الجارف، ليبقى وحده الماءُ الذي يذهـب إلى الأنهار فيغذيها - ومنه قوام حياة الناس والأنعام - وإلى الأراضي فيرويها، فيحلُّ الخصب والنماء، ويكثر الخير والجنى.. ومثل الرغوة التي نراها فوق السيل، وتختفي بلا نفع، الرغوةُ التي تطفو فوقَ المعادنِ التي يجري تذويبها فوق النار لتصاغ الحليُّ وأدوات الزينة (كالذهب والفضة)، أو لتصنع الأواني والأدوات والآلات (كالحديد والرصاص والنحاس..). فالمواد الخبيثة والأقذار التي تطفو على سطح السائل المذاب في القدر هي الزبد الذي يطرح لأنه بلا نفع، ثم يُصفَّى المعدن الباقي في القعر، ويحوَّل إلى الحلى والمتاع التي يُنتفع بها..
هكذا الحق والباطل في هذه الحياة. فالباطل قد يظهر ويعلو ويبدو رابياً، ولكنه مثل الزبد لا بدَّ وأنْ يذهب جفاءً، مطروحاً جانباً.. والحقُّ قد يُظنُّ أنه اختفى أثرُهُ أو انتهى أمره، ولكنه هو الباقي في النهاية، كبقاء المعدن الصافي لينفع الناس.
قال قتادة: «هذه ثلاثة أمثال ضربها الله سبحانه وتعالى في مثل واحد: شبَّهَ نزول القرآن بالماء الذي ينزل من السماء، وشبه القلوب بالأودية والأنهار، فمن استقصى في تدبّر القرآن وتفكَّر في معانيه أخذ حظاً عظيماً منه كالنهر الكبير الذي يأخذ الماء الكثير، ومن رضي بظاهر معانيه أدّاه إلى التصديق بالحق على الجملة وكان أقلَّ حظاً منه كالنهر الصغير.. فهذا مثل.. ثم شبَّهَ الخطرات ووساوس الشيطان بالزبد الذي يعلو فوق الماء، وذلك من خبث التربة لا من عين الماء، كذلك ما يقع في النفس من الشكوك فإنه يكون من ذاتها لا من ذات الحق. فكما يذهب الزبد باطلاً ويبقى صفو الماء، كذلك تذهب مخايل الشك هباءً باطلاً ويبقى الحق.. فهذا مثل ثانٍ.. {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ} [الرّعد: 17] إلى آخره.. فالكفر مثل الخبث الذي يطفو على المعدن وهو لا يُنتفع به، والإيمان مثل المعدن الصافي الذي يُنتفع به.. فهذا مثل ثالث»..
وعندما يضربُ الله تعالى الأمثال ويبيّنها للناس، بإلقائها على أسماعهم وعرضها لأبصارهم، فإنَّما لتهتدي بها القلوب المؤمنة النيّرة البعيدة عن ظلام الكفر.. فالمثل الذي ضربَهُ - سبحانه - بالماء الذي أنزله من السماء حتى امتلأت به الأودية بقدرها، والذي يُحيي به الأرضَ بعد موتها، كمثل القلوب التي تمتلئ بالحق والإِيمان فتحيا بهما من موت الكفر والباطل، وكما يسَعُ الوادي الكبيرُ الماءَ الكثير، كذلك القلب المؤمن يسع العلم الوفير.. وكما الوادي الصغير، فإن القلب الصغير لا يسع إلاَّ بحسبه.. فيكون معنى قوله سبحانه {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرّعد: 17]، أنَّ قلوباً احتملت من العلم والهدى بقدر ما تستطيع حمله، وأنَّهُ كما يحمل السيلُ الجارف زبداً وغثاءً من الأرض التي يمرُّ عليها، ثم يذهب ذلك كله ويختفي، فكذلك الهدى والعلم، فإنهما عندما يحلاّن في القلوب يُذهبانِ بكل ما يخالطها من آثار الشبهات والشهوات، ليستقر الإِيمان في أعماقها ويحيلها قلوباً طاهرةً، طيبةً مؤمنة..
ولكنَّ هذا التغيير في القلوب لا بدَّ أنْ ترافقه عملية استئصال حتى يأتي بالنتائج المرجوة، فقد يُظنُّ أنَّ القلوب عندما تعمى وتضلُّ لا تعودُ يُرتجى منها هدايةٌ.. وليس الأمر كذلك أبداً، بل هنالك دائماً العلاج الشافي، ويكون بإرادة الإنسان وعزمه على تغيير ما في نفسه، ثم التوكل على الله ربّه كي يمده بالعون والرحمة، وقد يصحب هذا التغيير شدةٌ وقهرٌ، ولكن لا بدَّ من الجهد. فكما أنَّ الجرّاح قد يضطر لاستئصال المرض إلى عملية جراحية، مع ما يرافق ذلك من الألم والمعاناة، فكذلك الهدى عندما ينفذ إلى القلب، لا بدَّ وأنْ يُثير لدى الإِنسان، جرّاء ما اختُزنَ في النفس من الضلال، مشاعر الضيق والحرج، حتى يتغلب نورُ الله على الشبهات ويطردها خارج ذلك القلب..
وعندما يطمئن القلب بالإيمان، وينتعش باليقين، فإنَّ آثار ذلك تنتقل إلى سائر أعضاء البدن فتنشط للعبادة وتسرع إلى الطاعة. وفي ذلك يقول الشاعرُ المؤمنُ:
وإذا حلَّتِ الهِدَايةُ قَلْباً
نَشَطَتْ للعِبَادةِ الأَعْضَاءُ
إنَّ هذا الإِيمان الصادق لينفعُ صاحبه، وينفع غيره من المؤمنين.. وعندما يكثر أهل الإِيمان، يتضاءل أهل الكفر ويقل عددهم، وكلما اتسعت رقعة الحق، ضاقت رقعة الباطل، إلى أن يمحق الله تعالى الباطل وأهله، وينصر الحق وأهله..
{كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ} [الرّعد: 17]، ليقرّب إلى أذهاننا المعاني التي تحمل مصائر الدعوات، ومصائر الاعتقادات، ومصائر الأعمال والأقوال.
2 - الكلمة الطيبة هي الحق، والكلمة الخبيثة هي الباطل
يقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طِيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ *تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ *وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ *يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ *} [إبراهيم: 24-27].
الكلمة الطيبة هي كلمة الحق.. والكلمة الخبيثة هي كلمة الباطل.. فكما أنَّ الشجرة الطيبة جذورها ثابتة قوية في التربة، وفروعها وأغصانها باسقة صلبة لا تقوى الأعاصير على اقتلاعها أو تكسيرها، وهي تعطي ثمارها في المواسم بإذن ربها، فينتفع بها الناس، كذلك كلمة الحق فإنها تظلُّ صامدةً، فاعلةً، وتؤدي دورها في الحياة، حتى ولو أحاطتها ألسنة الكذب، وتفاقمت عليها أقاويل الباطل، وخيّل للناس أنها مهدَّدة بالخطر الماحق!.. فالكلمة الطيبة لها فعلها في النفوس لأنها تنطق بالصدق والإخلاص وتكون ثمارها المحبة والألفة والتقارب، تماماً كما تعطي البذرة الصالحة شجرة طيبة، يَثبت أصلها في الأرض، وتتفرع في السماء، حاملةً ثماراً يانعةً نافعة..
وكما أنَّ الشجرة الخبيثة قد تنشط فتهيج وتتشابك فروعها وأغصانها، وتبدو فارعةً في طولها حتى ليخيَّل أنَّها تطغى على ما حولها من أشجار، إلاَّ أنها في الواقع تكون هشّةً في كثافتها، ضعيفةً في بنيتها، وجذورُها قريبةٌ من وجه الأرض بحيث تقتلعها الرياح، وتجتثها سريعاً، فلا يبقى لها قرار.. هكذا الكلمة الخبيثة، كلمة الباطل، التي تزرع الشر في النفوس، وتنشر الفتن بين الناس، وتناصر الظلم والطغيان والإلحاد... فإنها إلى زوال عند احتدام كلمة الحق واصطدامها بها، وإذا ما حصلت مواجهةٌ يُراد بها الحق، فلا بُدَّ أن تُهزم الكلمة الخبيثة، وتزول معها آثارها..
ولا يقف مَثَلُ الكلمةِ الطيبة، والكلمة الخبيثة عند حدود المثل وحسب، ولا هو مجرد عزاء للطيبين وتشجيع للمؤمنين، كما ليس هو مجرد تشنيع بالظالمين، وتسفيهٍ للملحدين. إنما هو تصوير لأصل الحياة الذي يقوم على الحق لا على الباطل، ولا سيما أن الخير الأصيل، والحق الثابت - وإن أبطأ تحققهما في بعض الأحيان - لا يفنيان أبداً، ولا يزولان مهما زحمهما الشر، وأخذ عليهما الباطل الطريق.. أما الشر فإنه لا يعيش إلاَّ قليلاً، ثم لا يلبث أن يتآكل من داخله، ويتهالك على نفسه، إلى أن يضمحل في ذهابٍ إلى غير رجعة. وأما الخير فإنه خالد باقٍ، وهو متمثلٌ بالكلمة الطيبة، المتجددة على تعاقب الأجيال، التي تحتوي دائماً على الحقائق الثابتة مثل حقيقة الرسالة السماوية الخالدة، وحقيقة الدعوة الصادقة الباقية، وحقيقة التوحيد بأن الله تعالى واحدٌ، أحدٌ، فردٌ، صمد.. وهي الحقائق التي لا وجود للكون وللحياة وللإِنسان من دونها..
والقرآن الكريم عندما يضرب المثل عن الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، فإنما يعني بالكلمة الطيبة الحقيقة الكاملة عن الإِيمان والحق، في حين يعني بالكلمة الخبيثة الواقع الفاسد عن الكفر والباطل.. وكما يكون للشجرة عروق، وساق، وفروع، وورق، وثمر، فكذلك الإِيمان تكون عروقه العلم واليقين، وساقه الإخلاص، وفروعه الأعمال الصالحة، وثماره الآثار والنتائج المترتبة على الأعمال الصالحة من صفاتٍ حميدة، وأخلاق كريمة، ومعاملات طيبة.. وغيرها من السجايا والمزايا التي يحمدها الله تعالى، وعباده الصالحون.
وعندما يضرب القرآن الكريم المثل عن الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة، فإنما يعني بالشجرة الخبيثة الكفر وما يدور في فلكه، أو يحاك في أروقته، فكما الشجرة الخبيثة مؤذية وتفتك بحياة كل من يتناول منها شيئاً أو يقربها، حتى يقيّض الله تعالى لها من يستأصلها فيخلص البَرِيَّةَ من تكاثرها، والأحياءَ من ضررها.. وكما الشجرة الخبيثة - والخبيث مذموم ملعون - كذلك الشرك والكفر فإنهما خَبَثُ أهلِ الباطل - الذين لا يتّبعون، عادةً، إلاَّ الخبيث، بينما هم يكرهون الحق وأهله، ويحاربون الخير والعمل الصالح...
سُئل رجل من أهل العلم عن معنى «الكلمة الخبيثة» فأجاب: «ليس لها في الأرض مستقر، ولا في السماء مصعد، إلاَّ أنْ تلزمَ عنقَ صاحبِها حتى يوم القيامة». وقد روي عن ابن عباس قوله: «إنَّ الشجرةَ الخبيثةَ لم يَخْلُقْها الله سبحانَه بعدُ، وإِنَّما هُوَ مَثَلٌ ضرَبَهُ بهذا الواقعِ الذي يَدُلُّ على الخُبْثِ والضَّرَر».
3 - الكافرون يتّبعون الباطل والمؤمنون يتّبعون الحق
قال الله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ *وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ *ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ *} [محَمَّد: 1-3].
نعم إن أهل الكفر هم دائماً على نقيض أهل الإِيمان، فالذين كفروا، وصدُّوا غيرهم عن هدى الله سبحانه، قد أحبط أعمالهم وأضلَّها فلا تقع على هدى أو خير، لأنها أعمال باطلة زائلة. أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وآمنوا بما أُنزِلَ على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلّم) من قرآن مبين، وأقروا بأنه هو الحق من ربهم، فهؤلاء يكفّر سبحانه عنهم كلَّ سيئاتهم الماضية - إذ الإِسلام يجُبّ ما قبله - ويريح بالهم من حمل همِّ الذنوب والخطايا، فلا يخالفون أوامر الله ونواهيه بعد صدق إيمانهم ويقينهم.
وقيل إن هذه الآية المباركة نزلت في أهل مكة وفي الأنصار. فأهلُ مكة هم الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله، أما الأنصار فهم الذين آمنوا بما أُنزل على محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) فدخلوا في الإِسلام، مخلصين صادقين بعدما تبين لهم أنه هو الدين الحق من ربهم. ولذلك فقد غَفَرَ الله سبحانه ما سلف من ذنوبهم أيامَ الجاهلية، وأصلح أحوالهم، وأراح بالهم بما وعدهم به من دخول الجنة في الآخرة...
وهذه الآية تنطبق على كل جماعة كافرة، ضالّة، كما تنطبق على كل جماعة مؤمنة مصدّقة، في كل زمان ومكان.
والله تعالى يحبط أعمال الكافرين لأنهم يتبعون الباطل، ويكفّر عن المؤمنين سيئاتهم لأنهم يتبعون الحق، ويهتدون بالقرآن المنزل إليهم من ربهم.. كذلك يضربُ الله تعالى للناس الأمثال حتى تتقرَّب بهذه الأمثال المعاني إلى عقولهم وقلوبهم، فيعرفوا الحق ويتبعوه، ويعرفوا الباطل ويجتنبوه..
ciloxan notice kobhvorlangtid.site ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB