علم النَّفس (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




الفصل التاسع عشر - خيَارات ومواقف

يقال في اللغة:
تخيَّر الشيء: انتقاه واصطفاه.
والاختيار: طلب ما هو خير أو فعله، أو أخذ ما يراه خيراً. وقد يقال لما يراه الإنسان خيراً، وإن لم يكن خيراً.
ويقال:
وقف فلان على الشيء: عاينَهُ، ووقَفَ فلانٌ على ما عندَ فلانٍ: فَهمَهُ وتبيَّنَهُ.
والموقف: الموضع الذي يقف فيه الإنسان حيث كان.
وأوقف عن الأمر الذي كان فيه: أقلَعَ عنه.
وتواقَفَ القوم في الكفاح: وقف بعضهم مع بعض. والمواقَفَة: أن يقف كلُّ واحدٍ أمرَهُ على ما يقفُهُ عليه صاحبُهُ.
بناءً على هذه المعاني، وبعد أن توضح لنا بعض من معالم النفس البشرية في ضوء الكتاب والسنة، وبقدر ما وفقنا الله - سبحانه - لأن نستقي من هذين المصدرين الرئيسين، وفيهما معين متدفق لا ينضب ولا ينفد لكل المعارف الإنسانية.. وبقدر ما مكّننا مولانا الكريم من الوقوف على التجارب والخبرات الإنسانية في أبحاثها لمعرفة النفس.. بعد ذلك كله نرى لزاماً علينا أن نضعك أيها الإنسان أمام الحقيقة التي يجب ألاَّ تغرب عنك، ألا وهي: أي اختيار ترتضيه لنفسك، وأي موقف تقفه في هذه الحياة الدنيا؟
أنت أيها الإنسان ماذا تريد؟
أتريد الدنيا مكتفياً بزخرفها، صارفاً نظرك عن الآخرة ونعيمها؟
أم تريد نصيبك من هذه الدنيا، بقيمها المادية والمعنوية، وأنتَ تبتغي، في آنٍ معاً، الدار الآخرة امتثالاً لقول الله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القَصَص: 77].
أيُّ خيارٍ أقربُ إلى نفسك؟ وأي موقفٍ أضمنُ لآخرتك التي هي أولى بعنايتك لأنَّ فيها الحياة الأبدية؟
إن الخيارات والمواقف هي التي تُظهر حقاً معدن الرجال العظام والنساء العظيمات.. وهل يبرز الإنسان إلا بما يختار، وبما يكون له من مواقف، سواء أكان هذا الإنسان رجلاً أم امرأة؟.. فإذا استعرضنا سير الأنبياء في القرآن الكريم، وجدنا أن الله تعالى لم يأتِ إلا على ذكر مواقفهم وخياراتهم. إننا نجد موسى (عليه السّلام) وهو الذي قد تربّى في قصر فرعون، يحدد موقفه منه، ومن طغيانه، باختياره هدى الله تعالى على مغريات القصور والملوك، لأنه لا يمكن لنبي الله أنْ يقبل بالطغيان لأجل مآرب دنيوية زائلة، ولذلك وقف لنصرة الحق على الباطل، والعدلِ على الظلم، غير آبهٍ لتعيير فرعون، وهو يقول له: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} [الشُّعَرَاء: 18].. وكذلك امرأة فرعون نفسه ،السيدة آسيا ابنة مزاحم، فقد حدَّدت موقفها عندما جابهت زوجَها الكافر بإيمانها غير آبهةٍ مما قد ينزل بها من العذاب الشديد، مختارةً طاعةَ الله تعالى، راجيةً منه - سبحانه - أن ينجِّيها من فرعون وعمله وقومه الظالمين. يقول الله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ *} [التّحْريم: 11].
وكذلك موقف يحيى (عليه السّلام) من هيرودوس، حاكم فلسطين في زمن الاحتلال الروماني، إذ أرادَ أن يتزوَّج من ابنة أخيه هيروديا، التي شغفته حبّاً، فأعلن النبيُّ يحيى (عليه السّلام) على خاصة اليهود وعامّتهم، أنه سيكون زواجاً باطلاً لا تقرُّه شريعةُ الله، ولا كتبُهُ التي تحرّم زواج العمّ من ابنة أخيه.. ولم يُفلح ذلك الحاكم الزّاني، وبطانتُهُ اللعينة أنْ يثنوا نبيَّ الله عن رأيه، فأمَرَ جنودَه بأنْ يقتلوا يحيى (عليه السّلام) ، ويأتوه برأسه الشريف ليقدِّمَهُ إلى عشيقته الزانية عربون حبٍّ على الإثم والفاحشة!.. وليكتب بيده وبإرادته، موقفه الذي أضحى وصمةَ عارٍ وخزيٍ في تاريخ بني إسرائيل لقتلهم الأنبياء بغير حق.. بينما يُكتَبُ موقفُ يحيى (عليه السّلام) ، على جبين الدهر، في محاربة المفسدين والفاسقين الذين لا يراعون إلاَّ ً ولا ذمةً في دين الله... وها هو خاتم النبيين محمد (صلوات الله وسلامه عليه وآله وصحبه) يأتيه عتبةُ ابنُ ربيعة سفيراً من قريش ليعرض عليه مطلبَها الوحيدَ، وهو أن يتخلَّى عن دعوته مقابل المالَ والسيادةَ والملك عليهم، فيقول عتبة:
«يا بن أخي، إنْ كنت تريدُ بما جئت من هذا الأمر[*] مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرَنا مالاً، وإنْ كنت تريد به شرفاً سوَّدناكَ علينا حتى لا نقطع أمراً دونك. وإنْ كنتَ تريدُ به مُلْكاً ملَّكناك علينا. وإنْ كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه ولا تستطيع ردَّه عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه من أموالنا حتى تبرأ منه».
وماذا كان موقفُ محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) حيالَ تلك العروض كلها؟.. لقد كان يعلم ما عليه عتبة بن ربيعة من فصاحةٍ وبلاغة وطولِ باعٍ في اللغة العربية الفصحى.. فلما طلب منه أنْ يُسمعَهُ بعضاً من الذكر الحكيم، تلا عليه آياتٍ بيّناتٍ من سورة السجدة.. ثم سأله إنْ كان قد وعى معاني تلك الآيات وآثارها على حياة الناس، لتكون جوابَهُ (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى قريش، وهو: أنْ لا شيء في الدنيا بأسرها يعدلُ دين الله تعالى، الذي أنزله ربُّ العالمين هدىً للناس، وبيّناتٍ من الهدى والفرقان، ومثاله ما أسمعه من آيات القرآن الكريم..
وتكرَّر الموقف، ولكن هذه المرة من زعامةِ قريش جميعها، عندما أتوا أبا طالب، عمَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قائلين: «يا أبا طالب! إنَّ لك سنّاً وشرفاً ومنزلةً فينا. ولقد عرضنا على ابن أخيك مالاً إنْ كان يريدُ المالَ، وجاهاً إنْ كان يسعى وراء الجاه، وملكاً إنْ كان يبتغي الملك، وإنّنا، والله، ما زلنا عند عروضنا. وقد جئناك حتى تتدبَّر الأمرَ، فلا يعيبُ محمدٌ آلهتنا، ولا يذكرها بسوء»..
وجلسَ العمُّ الحكيمُ إلى الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلّم) يتباحثان في أمر قريش، وما تريده من النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، وكان في نهاية اللقاء الوقفة التاريخية التي تشرِّف الإنسانَ في تطلّعِهِ إلى القيم السامية، والمثل العليا، والتي لا يرجو منها إلاَّ الثبات على الصدق، والعدل والحق، عندما قال رسول الهدى (صلى الله عليه وآله وسلّم): «يا عمُّ! واللهِ لو وَضَعُوا الشَّمسَ في يمِيني، والقمرَ في يَساري، على أنْ أَترُك هذا الأمرَ ما تركتُهُ حتى يُظهِرَهُ اللهُ، أو أهلكَ دونَهُ»..
... أبداً، لم يقف فكرُ النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم) عند حدود ما يرومُهُ الإنسان من متاع هذه الدنيا وزخرفها، بل ارتقى ببصيرته إلى الأعلى، إلى سماء هذه الأرض، ليُعلِنَ على مسامع أهل السماوات والأرض، أنَّهُ لو قدِّر أنْ يكون له شيءٌ في ملكوت السماء، وما في الأرض جميعاً، لما ترك الدين الذي بعثهُ الله تعالى به، حتى ولو كان في إبلاغ هذا الدين ونصرتِهِ هلاكُهُ!..
تلك هي مواقف العظام في تاريخ البشرية.. ولا يقولنَّ أحدٌ أنَّها مواقف أنبياء ورسل.. فامرأة فرعون لم تبعث بنبوةٍ أو رسالةٍ، بل هي خيارُ أصحاب عقيدة الحق، الذين لا يرتضون على عقيدتهم شيئاً مهما عظمَ.. وليست تلك المواقف إلاَّ شذراتٍ من المنهاج الربّاني ليكون على كل إنسانٍ أنْ يقتدي بها.. ويبقى على كل إنسان أن يختار بين هذه الدنيا فيكتفي بمتاعها، وبين الدنيا والآخرة معاً. ولكل إنسانٍ حظّه من خياره!...
خيار من يريد الدنيا
إن الذين اختاروا الحياة الدنيا، ولم يلتفتوا إلى الآخرة، نزل فيهم قوله تعالى: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} [البَقَرَة: 200].
.. فمن الناس من تبهره هذه الحياة الدنيا، فيطلب من ربه أنْ يؤتِيَهُ ممّا فيها من المتاع واللهو والزينة، ومن المال والجاه والسلطة!.. ويبدو أنَّ طلاّب الدنيا هؤلاء لا يفكرون بأنَّ عمر الإنسان محدود، وأنَّ أجلَهُ آتٍ لا محالة.. وقد لا يتذكَّرون، أو لا يؤمنون، بأنَّ هنالك بعد الموتِ بعثاً وحساباً في الآخرة، فينساقونَ وراء المطامع والرغبات والأهواء، ويعيشون لهذه الدنيا، حتى إذا كان يوم الدينونة، لا يكون لهم أي نصيب في النعيم الكبير في حياةٍ خالدة، لا فناءَ بعدها...
والله سبحانه وتعالى يعطي من يريد الحياة الدنيا، بل وقد يوفي له أعماله فيها، بحيث لا يبخسه شيئاً مما قَدَّر له.. ولكن ماذا وراء ذلك كله؟! يقول الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ *أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *} [هُود: 15-16].
هذا ما نراه في هذه الدنيا: أناس ملأوا وجودهم أعمالاً، وأمجاداً، ومُدّت لهم أسباب القوة، حتى لكأنَّ كلَّ ما يرغبون فيه متاحٌ لهم! ولكن مهما اتسعت أعمالهم وتشعّبت، ومهما كثر ما صنعوا وتعاظم، فليس لهم في الحياة الآخرة إلاَّ النار يصلونها، «وحَبِطَ ما صنعوا»[*] في الحياة الدنيا. وهذا بيان حسّي، وصورة معبِّرة عن أعمال طلاب الدنيا التي تُعدُّ - في حقيقتها - بمثابة أمراض مؤدية إلى هلاكهم في الآخرة، لأنَّ ما كانوا يعملون باطل، والباطلُ نقيض الحق في حسبانِ الناس، فكيف في حسبان خالق الناس، يوم لا يربو حسابٌ إلاَّ حسابُ الحقِّ، ومن الحقِّ تبارك وتعالى.. وقد يأخذ المؤمنَ العجبُ مما يُؤتاه أولئك الناس الذين يريدون الدنيا، ولكنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) يُزيلُ هذا العجبَ من النفوس عندما يوضِّحُ لنا مصير الأعمال، سواءٌ في الدنيا أو في الآخرة، فيقول (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «إنَّ الله لا يَظلِمُ مؤْمِناً حَسَنَةً يُعْطَى بها في الدُّنيا ويُجْزَى بها في الآخِرَة. أما الكافرُ فيُطْعَمُ بحسنات ما عَمِلَ به للهِ تعالى في الدنيا، حتَّى إذا مَضَى إلى الآخِرَةِ لم تَكُنْ لَهُ حسنةٌ يُجْزَى بِها»[*] .
نعم، فالمؤمنُ أعمالُهُ الحسنة محسوبة له في الدنيا، وهو أيضاً يُجزى بها في الآخرة ثواباً عظيماً. أما الكافر وإن أُعطي في هذه الدنيا، فهذا مردُّهُ إلى حكمة الله تعالى، ولكنَّ آثارَ ما يُعطاهُ تبقى في هذه الدنيا، ولا حسنة يجزى بها، أو يكافأ عليها في الآخرة..
وقد بيّن القرآن الكريم أنَّ الذين يحبون العاجلة ويصرفون كل اهتماماتهم لها، لا يعني لهم شيء اسمه يوم القيامة، على الرغم من تحذير الرسالات السماوية للناس من هول ذلك اليوم. ولذلك يحذّرهم ربُّ العالمين من حبّهم لدار الدنيا، ونسيانهم لذلك اليوم الثقيل بأحماله؛ بل ويتوعّدهم بأنه قادر على إهلاكهم - إذا شاء سبحانه - وتبديلهم بأناس يعبدونه ويطيعونه، يقول تعالى: {إِنَّ هَؤُلاَءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلاً *نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً *} [الإنسَان: 27-28].
هذا هو موقف من يريدون الدنيا، ويعملون لها؛ لقد ألهاهُمُ التكاثر، وجمع الثروات، وغرَّتهم الأمانيُّ حتى دهمهم الموتُ، فوجدوا ما عملوا في الدنيا حاضراً يومَ الحساب، وما ربك بظلاَّمٍ للعبيد. لقد ضَلُّوا عن الحقيقة فلم يروْا أنَّ للدنيا وجهاً آخر، أي أنَّها دار ممرٍّ إلى دار مقرّ، وأن إتيانهم العمل الصالح فيها هو ما يقربهم من الله تعالى في الآخرة. نسوا ذلك كله حتى غفلوا عن الآخرة كما يبيّنه قول الحق تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ *} [الرُّوم: 7].
خيار من يريد الدنيا والآخرة معاً
.. ومن الناس من يطلب الحسنة في الدارين: الدنيا والآخرة، أي عرف الدنيا على حقيقتها فعمل لها، وعرف الآخرة على حقيقتها فسعى لها؛ ولكنَّ غايته ورجاءَه كانا بأنْ يتقبَّل ربُّهُ تعالى عملَهُ، ودعاءَه بأنْ يقيهُ عذابَ النار.. فالذين يعملون للدنيا والآخرة يبيِّن القرآن الكريم توجهاتهم بقوله تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ؛ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ *} [البَقَرَة: 201-202].
هؤلاء الناس يَزِنُونَ الأمور بموازينها الحق، ويعملون وفق المنهج الذي يوفِّق ما بين الدنيا والآخرة، فلا يتركون واحدة على حساب الأخرى، ولا يصرفون أنظارهم واهتماماتهم لواحدة دون الأخرى، ولذلك يكون نصيبهم وفق ما يعملون وما يسعون له. والله سبحانه وتعالى، يترك المجالَ واسعاً أمام الإنسان وخياراته، فمن كان همُّه الدنيا يؤته سبحانه بقدر ما قسَمَ له، ومن أراد أن يوفّقَ ما بين الدنيا والآخرة بحيث لا يحرم نفسه طيبات دنياه، ولا يعصي الله تعالى في ما أمرَه لأنه يتطلّع إلى مصيرٍ حسنٍ في الآخرة - مع رجائه أنْ يقيَهُ ربُّهُ الكريم عذاب النار - يجعل الله تعالى نصيبه بقدر ما كسب من الحسناتِ والسيئات؛ ولكنَّ كثيراً من الناس، ولاسيما المؤمنون الصادقون إنَّما يتوخَّون في كل ما يعملون في الدنيا ثوابَ الآخرة، فهؤلاء يؤتيهم مولاهم الكريم من هذا الثواب ما يستحقون، بل ويزيدهم فضلاً وإحساناً من لدنه بما كتب على نفسه الرحمةَ لعباده، يقول تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عِمرَان: 145].
هذا هو العدل الإلهي، فلكلٍّ جزاءُ عمله في الآخرة.. ولكنّ الله سبحانه وتعالى، وهو يعلي من شأن هذا الإنسان فيطلق له الإرادة وحرية الاختيار، إنّما ليكون هذا الاختيار متوافقاً مع صدق الإنسان وإقراره بأنَّ كل ما آتاه الله تعالى إنما هو فضلٌ وإحسانٌ يفيضان كثيراً عما يستأهل على طاعاته وأعماله الصالحة، ويستوجبان منه الحمدَ والشكرَ؛ وبقدر ما يكون الإنسان حامداً شكوراً بقدر ما يزيدُهُ ربُّه الكريم مثوبةً، مصداقاً لقوله تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأََزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7]، ولذلك تجد المؤمن دائم التوجه بالحمد والشكر لله تعالى، لأنه يعلم أنَّ كل ما في الوجود بأسره إنما هو إنعامٌ وإحسان من رب العالمين على مخلوقاته، فكان حقيقاً عليه أن يكون دائماً وأبداً من الشاكرين، والله - جلَّ شأنه - يجزي الشاكرين.. من هنا نجد في القرآن الكريم بياناً واضحاً عن مصائر الناس في الآخرة، وذلك على أساس خياراتهم، يوم يُنصب ميزان العدل الإلهي لتُجازى كل نفس على ما كسبت، بحيث لا يكون هنالك أيُّ مجالٍ للاعتذار، ولا للجدال، أو التلاوم، أو حتى للافتداء، بل لكلٍّ من الجزاء على ما كان له من خياراتٍ ومواقف في دنياه. يقول الله تبارك وتعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا *وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا *كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا *} [الإسرَاء: 18-20].. فواضحٌ من هذه النصوص القرآنية الكريمة التوكيد على خيارات الناس في طلب العاجلة أو الآجلة، ولكن مع تبيان أمرين: الأول حال المؤمن الذي سعى للآخرة سعيها، فجعل الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله هو هاديَهُ، ومرشده.. وهذا حال المؤمن دائماً في كل ما يعمل أو يقوم به، لأنه يعلم بأنَّ الإيمان ليس كلمة تُقال باللسان، وتتحرك بها الشفتان، بل هو ما وقر في القلب وصدقه العمل. ولذلك كان سعيه للآخرة مبنيّاً على هذا الأساس المتين: على صدق إيمانه، وحسن أعماله.. ولعلّ أهم ما يبني عليه المؤمن خياراته ومواقفه هو حكم الله تعالى، وحكم رسوله الكريم في ما يبيّن من حكمٍ لرب العالمين، إذ يحرِّم المسلم على نفسه أن يختار ما يخالف أمرَ رَبه، وأمر رسوله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، بل يجعل خياراته ومواقفه متوافقةً دائماً مع كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، مصداقاً لقوله تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً *} [الأحزَاب: 36].
أما الأمر الثاني الذي تبيِّنه النصوص القرآنية فهو مشيئة الله تعالى، بحيث يعجل لمن يريدون الدنيا نصيبهم فيها، بقدر ما يشاء، ولمن يشاء منهم. إذ ليس كل من يطلبون العاجلة (الدنيا) ينالون ما يريدون؛ فمنهم من يمدّهم الله من فضله، ومنهم من لا يعطيهم إلاَّ بمقدار محدود؛ وهذا ما ينطبق على المؤمنين والكافرين، فلكلٍّ قسمةٌ ورزقٌ معلوم، والله تعالى يمدُّ كُلاَّ ً من هؤلاء وهؤلاء من عطائه وفضله، وليس لأحد الاعتراض، لأنَّ عطاء الله تعالى ليس محظوراً.. ولكن هيهات بين إنسانٍ يجزلُ لهُ ربُّهُ في عطائه، فتبقى آثار أعماله محصورة في هذه الدنيا، مهما توهم أن تلك الآثار كبيرة وعظيمة، بينما يكون مصيره إلى جهنّم، لأنه أراد العاجلة، وعمل لها فقط، دونما أيّ تفكير، أو سعي للآخرة!.. وبين إنسانٍ أعطاه ربُّهُ من فضله، فجعل هذا العطاءَ يملأ قلبه إيماناً، وشكراً وعرفاناً، ليعود ويفيض من عطاء ربّه بالخير والبركة والرأفة على حياته كلها، فيكون سعيه مشكوراً في الآخرة.. هنا إذاً التفاوت؛ ففي الأرض تفاوت في الأرزاق، والمراكز.. ولكنه يبقى تفاوتاً ضيقاً، وتبقى معه الأرض كلها لا تزن جناح بعوضة عند نعيم الجنة. فالتفاوت الأعظم والأكرم، هو الذي يرقى به الإنسان إلى درجة عالية في الحياة الآخرة، كما يوجهنا إليه رب العالمين بقوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً *} [الإسرَاء: 21].
إنه توجيه رباني للرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) : انظر يا «محمد» كيف فضَّلنا بعض الناس على بعض في الحياة الدنيا: منهم أغنياء وفقراء، ومنهم أصحَّاءُ ومرضى، وبعضهم قادة ومعظمهم جنود، وقليل منهم حكام وأكثرهم محكومون. ولكنَّ هذا التفاضل، وهو صادرٌ عن حكمةٍ وتدبير، - حتى يمكن الناس أن يعمروا الأرض ـ، لا يُقاس، ولا يُقارن بالتفاضل في الآخرة، لأن درجات الآخرة أعلى، ومراتبها أفضل، ولكلٍّ أن يبلغ درجةً في الجنة على قدر إيمانه وعمله في الدنيا. ولو تفكَّر الإنسان بهذه الحقيقة لجعل سعيَهُ للآخرة أكثر بكثير، من السعي للدنيا، إذ قد روي أنَّ ما بين أعلى درجات الجنة وأسفلها مثل ما بين السماء والأرض.
إذاً هذه هي الحقيقة، وهي أنّ مصائر الناس في الآخرة تحدّدها خياراتهم وأعمالهم في هذه الحياة الدنيا، كما يبيّنه لنا بكل وضوح القرآن الكريم، بقول الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى *وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا *فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى *وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى *فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى *} [النَّازعَات: 37-41].
والرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلّم) يبين أنَّ أحسن الاختيار هو العمل للدنيا والآخرة معاً. يقول (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «ليسَ خيرُكُم مَنْ عَمِلَ لدُنياهُ دُونَ آخِرَتِهِ، ولا مَنْ عَمِلَ لآخِرَتِهِ وَتَرَكَ دُنياهُ، وإنَّما خيرُكُمْ مَنْ عَمِلَ لهذِهِ وهذِه»[*] .
وأمَّا الذين يخافون مقام ربهم، وينهون النفس عن الهوى كما تشير إليهم الآية الكريمة، فإنَّ أقرب وصف ينطبق عليهم أنهم هُمُ المؤمنون المتَّقون، فهم أخلص الناس عبادةً، وطاعةً، وشكراً، وهم أكثر الناس عطاءً وتراحماً في الدنيا، وثواباً وفضلاً في الآخرة. وقد عرَّف أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السّلام) حقيقة مقام المتقين، لكي يعظ الناس بهم، فقالَ: «إعلموا عبادَ الله أنَّ المتّقين رَضُوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركوا أهل الدنيا في آخرتهم، سَكَنُوا الدنيا بأفضلَ ما سُكِنَتْ، وأَكَلُوها بأفضَلَ ما أُكِلَتْ، فَحَظُوا مِنَ الدُّنيا بِمَا حَظِيَ به المُتْرَفونَ، وأَخَذُوا منها ما أَخَذَهُ الجبابرةُ المتكبّرون، ثُمَّ انقلَبُوا عنها بالزادِ المبلَّغِ، والمَتْجَرِ الرابِح».
ومن الثابت أنَّ سلوك الإنسان ونهجه يتحددان وفقاً لأفكاره ومشاعره في خياراته ومواقفه، ولكنْ ما يلفت أنَّ الذين اختاروا الآخرة، لا يلتقون مع الذين اختاروا الحياة الدنيا فكراً ولا شعوراً، وحتى إن التقت مواقفهم حول مسألة معينة، فإنه يكون التقاءً ظاهرياً لا يلبث أن يتبدّد ويحصل التباعد بينهم.
من هنا كانت علاقات الناس مرتبطة إلى حدٍّ بعيدٍ بالخيارات والمواقف التي يتخذونها؛ فالذين توحَّدت لديهم الرؤية والقضية والمصلحة، لا بدَّ أن تجمعهم وحدة الموقف، التي تجعل العلاقات بينهم وثيقة، والروابط متينة، لقد جمعتهم الأفكار والمشاعر، فتوحد لديهم المنهج والهدف.. فالذين جمعتهم عقيدة التوحيد، فعملوا بإخلاص لله ورسوله تجدهم يؤثرون منهاج الله تعالى: فكراً وعملاً وسلوكاً، ولو تباعدت بينهم المسافات في مشارق الأرض ومغاربها.. ولئن لم يوفقوا في تطبيق منهج الله تعالى، فلأنَّ أعداءهم أكثر منهم عدداً، وعدَّةً، ويملكون أكثر أسباب التفوق، ولذلك نجدهم، في أغلب الأحيان، ظاهرين على أهل الإسلام.. أمَّا الذين تكون العلاقات بينهم محكومةً بالمطامع والأهواء والغايات المتباعدة، فإنَّ الروابط بينهم تكون روابط مصلحية، حتى بين أقرب المقربين.. ويضرب لنا القرآن الكريم الأمثال الدالة على ذلك التفسّخ والتضارب في المواقف والاتجاهات؛ فامرأة نوح (عليه السّلام) ، وامرأةُ لوط (عليه السّلام) اختلف خيارهما عن خيار زوجيهما، فكل واحدة منهما آثرت الكفر على الإيمان، واتخذت موقفاً في الحياة مغايراً لموقف زوجها. وكذلك كان موقف كنعان بن نوح،إذ كان مغايراً للحق الذي يدعو إليه أبوه، ودليله أنَّهُ رفض أن يركب معه في السفينة لعدم إيمانه بقدرة الله تعالى في بعث الطوفان لتطهير الأرض من الكفر والرجس، وعلى الرغم من ذلك فإنَّ نوحاً (عليه السّلام) سأل ربَّهُ تعالى أن يجعل ابنَهُ من الناجين، فجاءَه الخطابُ بأنَّ ابنه ليس من الصالحين، وأنَّ الدعاءَ له - لكي ينجو من الهلاك - {عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هُود: 46].. وكذلك موقف آزر من ابنه إبراهيم (عليه السّلام) ، إذ لم يكن إلى جانب إبراهيم (عليه السّلام) عندما أسلمه قومه الكافرون إلى النار.. ومثله موقف أبي لهب اللعين من ابن أخيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم)، فقد كان أكثر الحاقدين عليه من أبناء عشيرته الأقربين وأشدهم حرباً على دعوته.
ولا يقتصر انطباق هذه الأمور على حياة الأفراد من البشر، بل يتعدّاه إلى حياة الشعوب والجماعات. فلا عجب أنْ نرى، منذ أواخر القرن الماضي، الاهتراءَ والتفسُّخَ والتآكلَ، تصيب الأنظمة الشيوعية والأنظمة المسمّاة «اشتراكية»، فإذا بها تتهاوى واحداً بعد الآخر. وما بقي منها ممسكاً بزمام السلطة، فإنما بفعل أنظمة التسلُّط،واللجوء إلى القهر والشدة ليحمي مواقعه ويلهي شعبه عنه. وهو اليوم آخذ في التخبّط، ولاحِقٌ بغيره لا محالة، طال الزمن، أو قَصُر.
وليست الرأسمالية بأفضل من الشيوعية أو الاشتراكية، فالمبادئ التي نادى بها فلاسفة الغرب لم يكتب لها النجاح كما كانوا يظنون، وقد جاءت التطبيقات تثبت عقم المبدأ الرأسمالي الذي أورثَ التنافسَ، والاحتكارَ، والاستئثار والجاه والثروة لطبقة الحكام وأصحاب رؤوس الأموال، بينما تلهث باقي الطبقات في المجتمع وراء لقمة العيش، في ظل «مادية» رعناء كانت «أمثل نتاج للرأسمالية»!.. لقد توهمت الشعوب التي كانت تئنُّ تحت وطأة الملكية المطلقة والإقطاع في الغرب أنَّ خلاصَها في الرأسمالية، فلَّما خاب ظنُّها التجأت - في غالبيتها - إلى الاشتراكية، فإذا هذه الاشتراكية تظهر عند التطبيق، رأسماليةً بوجهٍ آخرَ، ما جعل المبدأَ الرأسماليَّ يعُمّ غالبية بلدان العالم، بل وصار ظلاًّ لاستعمار الشعوب المستضعفة، وتقييد حركتها فكريّاً وماديّاً، فكان من المحتوم ألاَّ تجد الجماعات والشعوبُ في ظلِّ الرأسمالية، ولا في ظلِّ الاشتراكية أي نوع من الطمأنينة والرفاهية في العيش، بل وجدت نفسها غارقة في لجج الظلم.. تعاني كثيراً من الفقر، والتعاسة، والقلق الدائم، والهمّ المقيم!..
فهل يمكن أنْ يكون الخلاص في نظام متكامل، يعيش الإنسان في ظلِّه آمناً مطمئناً، ترعاه دولة قوية وعادلة، تعرف قدر الإنسان، وتقدم له كلَّ مقومات الحياة الكريمة وسبلها؟
بل، وأين يكون مثل هذا الخلاص؟
نظام الإسلام وحده فيه الخلاص
إنَّ العقل البشري مهما ذهب بعيداً في البحث والتنقيب وإعمال الفكر، فلن يجد علاجاتٍ لمشكلات البشر، إلاَّ إذا طبق نظام الإسلام، لأن هذا النظام هو وحده الذي يعيد لهذا الإنسان اعتباره، ويبدِّلُه من بعد خوفه وقلقه أمناً وطمأنينة، ومن بعد فقره المدقع غنىً في المال والنفس، ومن بعد الظلم والجور اللذين نزلا به عدلاً ومساواة.
لقد غُيِّب الإسلام عن تسلم زمام مقاليد الحكم، فترةً من الزمن، وهذا وفقاً لمقتضى الحكمة الإلهية، قد يكون امتحاناً للمؤمنين، كي يغيروا ما بأنفسهم حتى يغيّر الله سبحانه ما بهم...
وها نحن نرى أنَّهُ ما إنْ لاحت بوادر الصحوة الإسلامية، حتى راحت النظم الدُنْيَوية من رأسمالية واشتراكية، تتهاوى بأصحابها والقيِّمين عليها، كما تتهاوى مفاهيمها في عقول الناس وقلوبهم.. ولن يكون هنالك ملاذٌ للشعوب المنهكة إلاَّ بالإسلام، لأنه الدين الحقّ الذي يأخذ بيدها كي تتمكّن من تغيير أحوالها، واستبدال أوضاعها بأفضل مما هي عليه بكثيرٍ، وقد بيّنا كيف يكون هذا التغيير وسبله، في فصل سابقٍ...
أجل! ما من نظام يصلح لبني الإنسان إلاَّ نظام الإسلام. إنّه النور الربّاني الهادي، يضيء لهم شعاب هذه الحياة، ويملأ قلوبهم بالإيمان والرّاحة، ويسهّل أمامهم سبل العيش الكريم...
هو الدِّين القيِّم الذي ارتضاه سبحانه لعباده، وبعث به نبيَّه المصطفى شاهداً ومبشّراً ونذيراً؛ وهو سبحانه الذي عهد في كتابه الكريم أنْ يظهره على الدين كله ولو كره المشركون.. ولو كره الكافرون.. والله بالغُ أمره، لقد قضى بذلك ولا رادّ لقضائه. ولن تُطفئ نورهَ الغامرَ أفواهُ المشركين والكافرين...
هذا عهد من الله سبحانه على نفسه... ومَنْ أوفى بعهده من الله جلّت عظمته؟
يقول تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ *هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ *} [التّوبَة: 32-33].
وهذا من عجيب بيان القرآن الكريم في تصغير شأن من يريدون أن يطفئوا نور الله، وإضعاف كيدهم. {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} [التّوبَة: 32].. ويأبى الله تعالى إلاَّ أنْ يظهِر أمر الإسلام، وأحقيَّتَهُ في دنيا الناس...
قال المقداد بن الأسود:
سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «لا يَبْقَى على ظَهرِ الأرض بيتُ مَدَرٍ[*] ولا وَبَرٍ[*] إلاَّ أدخلَهُ الله كلمةَ الإسلام، إمَّا بعزِّ عزيزٍ، وإما بذلِّ ذليلٍ، فهو إمَّا يُعِزُّهُمْ فيجعَلَهُمْ مِنْ أهلِهِ فَيَعِزُّوا به، وإمَّا يُذِلُّهُمْ فَيَديِنُوا له»[*] .
{وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التّوبَة: 33] غلبةَ هذا الدين، فإن الله تعالى لا بدَّ أنْ يظهره رغماً عنهم..
لقد حسب أولئك الذين حكموا الناس بالظلم، وتحكَّموا فيهم بالجَور، أنَّهم قد استولوا على العقول، فأقنعوها بعدالة أنظمتهم، وأنهم قد سيطروا على المصائر فلا خلاص للرعيَّة من حكمهم...
أجل! لقد اعتقدوا بأبدية أنظمتهم!... ولكن الله سبحانه رؤوف بعباده، حافظ لدينه الذي ينظِّم حياتهم ومعادهم. ويبعث الفرج بأمره تعالى من قلب الضيق، وينشر نوره السنيَّ فيعمَّ الكونَ، ويكون دينُهُ الحقُّ هو الخلاص لبني البشر في دنياهم، وفوزاً للذين اتّبعوه بحقٍّ في آخرتهم.
وتثبيتاً لقضائه سبحانه بغلبة هذا الدين الحنيف، وظهورِهِ على كل ما يريدُهُ المشركون والكفار لإطفاء نوره، وما يجهدون في تخطيطهم لطمس هداه، وإحقاقاً لمصداق آياتِ كتابِهِ البيِّنات واحتوائها كلَّ شاردة وواردة في شأن هذا الخلق، وإظهاراً لسحر البيان والبلاغة في كل كلمة مفردة، أو كل تركيب في القرآن الكريم... أجل، توكيداً لذلك كله جاءت النصوص في سورة الصف مطابقة في ظاهرها للنصوص في سورة التوبة (الآيتين 32 و33 اللتين أوردناهما) وذلك في قول الله تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ *هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ *} [الصَّف: 8-9].
إنَّ تكرار الألفاظ، في النصوص الكريمة، والتنوع في استعمال الفعل أو المصدر، والاختلاف في التوكيد وأدواته.. كله يبعث الثقة في نفوس المؤمنين، ويقوّي من عقيدتهم، ويشد من عزائمهم، فيوقنون أنَّ العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأنَّ دينه سوف يظهر ويسودُ العالمَ، والله سبحانه بالغُ أَمْرِهِ، والعاقبةُ للمتّقين...
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الإنسان إذا ما اختلى بنفسه، واستعرض ما مضى من حياته، فإنّ نتائج كده وكدحه، بل وعصارة عمره كله تتبدّى في الخيارات والمواقف التي اتخذها، فإذا شعر براحةٍ في نفسه إلى مجريات الأحداث التي مرّت عليه،فإنّ ذلك ينعكس ارتياحاً إلى ما ينتظره في مستقبل أيامه، أما إذا شعر بانزعاج وانتابه القلق، فمعنى ذلك أنّ حياته لم تكن سويّةً بالشكل الكافي، الذي كان يرغبه في أعماق نفسه، ما يستدعي منه تدارك أموره والعمل بالخيارات والمواقف التي تجعله يعوّل عليها في نيل الثواب الذي يأمله، بدلاً من العقاب الذي يحيد عنه.
وتصبح هذه الوقفة أكثر إلحاحاً كلما طال العمر بالإنسان، وأصبح على وشك الرحيل عن هذه الحياة الدنيا، إذ لا يبقى له من شيء يتذكره في الحقيقة إلا خياراته ومواقفه التي كان يحسم منها أمره، ويعزم على القيام بها. أما عندما يحين الأجل، الذي لا مفرّ منه، وعندما يكون الإنسان في آخر ساعة من دنياه هذه وأول ساعة من أخراه، فإنّ خياراته ومواقفه تنعكس على صفحة وجهه، فإذا كانت في مجملها صالحةً سُرّ واطمأن دليلاً على الرضى، وإذا كانت سيئة اغتمَّ وعبس، دليلاً على الندم، أي إنه حتى في اللحظات الأخيرة، وعندما تتأهب النفس لمفارقة هذا الجسد الفاني، والصعود إلى بارئها في حياةٍ أبدية لا موت فيها، فإنّ خيارات الإنسان ومواقفه هي التي تجعله في حالة من الحبور، أو في حالة من الحزن التي تختصر مراحل حياته كلها، وتؤشر إلى ما ينتظره في آخرته..
وخلاصة القول: أنَّ الإنسان إما يريد الدنيا، وإما يريد الآخرة.
ونيل الدنيا قد يكون بالإيمان الصادق، والعمل الصالح، ومجاهدة النفس ضد الضلال والفساد.. أو قد يكون بالكفر والعمل الطالح، واتباع أهواء النفس..
وقد ينالُ الدنيا أحياناً، أناسٌ، بلا عمل أو جهد، مثل الذين يرثون السلطان، والنفوذ، والثروة عن آبائهم من الحكام، أو أصحاب الجاه، أو الأثرياء، فيحافظون على ما ورثوا، أو يبدّدونه تبديداً!..
أما نيل الآخرة فلا يكون إلاَّ لمن عمل لها وسعى لها سعيها. والسعي للآخرة يكون في هذه الدنيا، فأعمالنا الصالحة فيها تجاه ربنا، وتجاه أنفسنا، وتجاه الناس، هي الزاد الذي نحمله، والمؤونة التي ندَّخرها لتكون لنا الجنة هي المأوى. والاعتقاد بغير ذلك يخالف التربية الربَّانيَّة لنا، ويجعلنا ننحرف عن المنهج الصحيح، والصراط المستقيم.
ولذلك كان من العجب العجاب، أمرُ هؤلاء الذين يدَّعون الزهد في الحياة، ويظنون أنَّ قيامهم على العبادات فقط، بلا أعمال صالحة تفيد أنفسهم وغيرهم، هو الذي يوصلهم إلى الآخرة. لا، إن الله تعالى يحب الإنسان العامل، صاحب الجدّ والكدح، لأنه مخلوقٌ للعمل، وعلى قيمة عمله في هذه الدنيا يتوقف مصيره في الآخرة. فمن قعد بلا عملٍ - خلافاً لما أراد الله تعالى منّا - فكيف يمكن أن يحظى بثواب الآخرة؟
والحديث الشريف يقدم لنا الحجة والبرهان، وهو يزن نيات الإنسان في تحديد خياراته ومواقفه من الدنيا والآخرة. يقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «مَنْ كانتْ نيتُهُ الدُّنيا فرَّقَ الله عليه أمرَهُ، وجَعَلَ الفقرَ بين عَيْنَيْهِ، ولم يُؤتِهِ مِنَ الدُّنيا إلا ما كَتَبَ له. ومَنْ كانتْ نيَّتهُ الآخرةَ جَمَعَ الله عليه شَمْلَهُ، وجَعَلَ غِناهُ في قلبِهِ، وأَتَتْهُ الدُّنيا وهِيَ راغِمَة»[*] .
والسؤال: ما هو السبيل الأقوم لكي يتمكّن الإنسانُ من تحديد خياراته ومواقفه؟ والجواب واضحٌ في كتاب الله المبين والسنة النبوية المبيِّنة: إنه الدين، والدين عند الله الإسلام، الذي جاءت به الرسالات السماوية كافة، وكان ختامُها باكتمال الشرعة والمنهج، وبإتمام النعمة من الله العزيز الحكيم، وذلك بالرسالة الإسلامية التي بُعث بها محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) .. نقول ذلك بثقةٍ واطمئنانٍ - بإذن الله - واعتمادنا على القرآن الذي أُنزل بالحق، ومن الحق تبارك وتعالى، بقوله الكريم الذي لم ولن يدخل عليه أيُّ تحريفٍ، أو تبديلٍ، أو تزوير لأنَّه عصيٌّ على العالمين، في حين أنَّ الكتب السماوية الأخرى من مثل صحف إبراهيم، والزبور، والتوراة والإنجيل، إمَّا أنَّها لم تعد موجودة بصورة كاملة، أو لم يعد ميسوراً - على الأقل - الاطلاع عليها كما تنزّلَت على حقيقتها، وذلك لما لحقها من التحريف والإدخال، والحذف، والإخفاء.. لغايات وعللٍ شتى هي من صنع بني البشر..
وبقي القرآن وحده، كما أُنزلَ على قلب محمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلّم) منذ ما يزيد على ألف وأربعمئة وسبعة وعشرين عاماً، وسيظل كذلك إلى أنْ يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، لأنه كتاب محفوظ من الله الذي أنزله لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *} [الحِجر: 9]. والذكر هو القرآن الكريم، كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ومن أولى الحقائق التي جاءَ بها هذا الكتاب الكريم، بل ونبراسُها عقيدة التوحيد القائمة على أنه «لا إله إلا الله» وحده لا شريك له، وعلى أنه ربٌّ واحد لجميع العالمين، فلا أرباب وهمية أو بشرية في الوجود كله إلاَّ وكانت من اختراع الناس وأوهامهم، وهذا ما يثبته الكتاب المجيد الذي يقدم منهج الله تعالى في العبادة والمعاملات، والذي يربط ما بين الأرض والسماء، كما يربط ما بين الدنيا والآخرة..
ولذلك، ولأن القرآن الكريم هو كتاب الله المبين، وليس فيه إلاَّ قول الله العليم الحكيم، فقد بقي وحده محفوظاً. وهو في متناول كل الناس يستطيعون الإمساك به، وتلاوته، والاستماع إليه في كل حين، وفي أي بقعة من بقاع الدنيا. ولذلك كان وحده هو السبيل الأقوم الذي يمكّن الإنسان من معرفة أمور الدنيا والآخرة، وبالتالي يمكّنه من تحديد خياراته واتخاذ مواقفه في ضوء قناعاته إمَّا بالتصديق الجازم لكل ما ورد في هذا الكتاب، جملةً وتفصيلاً؛ وإمَّا بالإرادة الممانعة لمعرفة ما في كتاب الله، وبالتالي عدم الاهتداء إلى حقائق الدنيا والآخرة.. ولكل جزاؤه!..
ولأنَّ القرآن يتناول حقائق الكون والحياة والإنسان، ولأنَّه أنزل للناس كافة، للاهتداء إلى معرفة مبدئهم ومعاشهم ومعادهم، كان الربط ما بين القرآن والبيان...
القرآن والبيان في حياة الإنسان
ويبرز الربط ما بين القرآن والبيان في حياة الإنسان بقول الله تعالى:{الرَّحْمَانُ *عَلَّمَ الْقُرْآنَ *خَلَقَ الإِنْسَانَ *عَلَّمَهُ الْبَيَانَ *} [الرَّحمن: 1-4].
وحيال قول الله - عزَّ وعلا - لا يسع الإنسان إلاَّ أن يوقن يقيناً قاطعاً وجازماً بأنَّ الذي خلَقَهُ هو الله تعالى، الرحمن، وأنَّ مِنْ رحمته التي وسعت كلَّ شيء، أنْ علَّمَهُ البيان، الذي يستطيع بواسطته أن يلج أبواب الحكمة، التي من شأنها أنْ تجعله يرتقي في معارج العلم والمعرفة ليبلغ ذروة الإنسانية بأروع معانيها وتجلياتها. وقوام هذه الحكمة التي يشاء الله تعالى للإنسان أن يهتدي إليها، هو هذا القرآن الذي جعلَ تعالى رحمتَهُ مقرونةً بقراءته وفهم معاني آياته وأحكامها ومقاصدها، فكلما ازداد الإنسانُ علماً بهذا القرآن، كان ذلك سبيلاً لنضوجه وارتقائه الفكري، والنفسي والجسدي، وترقياً لحياته الاجتماعية والانسانية..
وبعد أن يبين القرآن الكريم هذه الحقيقة، أي ارتباط رحمة الله بتعليم القرآن، يعطف على حقيقة أخرى، وهي خلق الإنسان وتعليمه البيان. ولن نتوقف عند خلق الإنسان، لأننا بحثناه من قبل، ولكن تستوقفنا الخارقة الكبرى، والسر الأعظم، ألا وهو تعليم الإنسان البيان. {خَلَقَ الإِنْسَانَ *عَلَّمَهُ الْبَيَانَ *} [الرَّحمن: 3-4]. فما هو البيان؟! إنه هذا النطق، الذي يتميز به الإنسان عن سائر مخلوقات الأرض. فنحن نرى الإنسان ينطق (يتكلم)، ويعبّر، ويتفاهم ويتجاوب مع الآخرين فهو يبيِّن.. ولكننا بحكم الألفة ننسى عظمة هذه الهبة، وروعة هذه الخارقة التي لولاها لما شعر الإنسان بإنسانيته.. وعظمة القرآن أنه يوقظنا من غفلتنا عن هذه الحقيقة، لنعود وندرك أهمية النطق، الذي يرتبط به عمل العقل والشعور، وسائر الملكات الأخرى في تكوين الإنسان، إذ لولا النطق لما أمكن للإنسان أن يؤدي وظيفته في دنيا الأرض، ولما أمكنه أنْ يعلم شيئاً عن الآخرة..
من هنا كان ربط القرآن بين حقيقة خلق الإنسان وحقيقة تعليمه البيان. وكلتاهما من الرحمان، ومن صنعه وتقديره. فهو خالق الإنسان، وهو سبحانه الذي علَّمه البيان.. وقد قدَّم تعليم القرآن على خلق الإنسان، لأنه لا يمكن أن يتحقق في هذا الكائن الحي، معنى الإنسان، إلا بعد تعلّمه القرآن. ولا يتأتى له تعلّم القرآن إلا بالبيان. وهكذا شاءَ الله تعالى واقتضت حكمته السنية أنْ علّم الإنسان البيان، وذلك منذ أن خلق آدم (عليه السّلام) وعلَّمه الأسماء كلها، أي مسميات الأشياء وخواصها، والحقائق الأساسية التي يدرك فيها معاني خلقه ووجوده، والغاية من جعله أباً للبشرية.
أمَّا الأدوات أو الأجهزة والملكات التي خلقها الله تعالى في كيان الإنسان كي يعلّمه البيان، فيهدي إليها قول الله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} [النّحل: 78].
واضح من النص القرآني أنّ الله تعالى يُخرجُنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً، أي إننا نولد وملكات العلم والمعرفة، والإدراك والتمييز ليس فيها إلاَّ الاستعدادات الكافية للتلقي والاكتساب، فنولد ونفوسُنا مثل الورقة البيضاء التي تخلو إلاَّ من السطور الفارغة التي يكتب عليها.. أما كيف نصبح قادرين على النطق، وعلى تعلّم العلم، وإدراك الحقائق، والتمييز بين الأشياء الحسية، والمعاني المجردة.. كلُّ ذلك إنّما مقوماته في ما جعلَ الله تعالى لنا من السمع والأبصار والأفئدة، التي هي بمثابة أجهزة الالتقاط والبث، التي نتعرَّف بها إلى عالم وجودنا وإلى ما هو مطلوب منّا..
ولو أردنا أنْ نقف على بعض جوانب خاصية «النطق» الذي يعبِّر عن حقيقة البيان، لوجدنا أن جهازَهُ يُعدُّ عجيبةً من عجائب الله تعالى في خلق الإنسان، فاللسان، والشفتان، والفك، والأسنان، والحنجرة، والقصبة الهوائية، والشُّعَب والرئتان، كلها تشترك في عملية إخراج الصوت الآلية التي هي حلقة في سلسلة البيان. وهي على تنوعها، ودقائق تراكيبها لا تمثل إلا الجانب الميكانيكي الآلي في هذه العملية المعقدة، المتعلقة بعد ذلك بالحواس الخمس، وبالأعصاب والدماغ، ثم بالعقل الذي يفكر، ويعطي الأحكام على الوقائع والأحداث؛ لأنَّ العقل هو الذي يصدر الأحكام، نعم. ثمّ تتكفل الأعصاب بإيصال هذه الأحكام عن طريق اللفظ المطلوب. وهذا اللفظ ذاته قد أودع الخالق في الإنسان خاصية تعلّمه، فكيف يجري الترابط ما بين العقل والأعصاب والأجهزة الصوتية حتى يتم اللفظ؟ يبدأ ذلك عندما تطرد الرئة قدراً من الهواء المختزن فيها، ليمر من الشّعب، إلى القصبة الهوائية، إلى الحنجرة وحبالها الصوتية العجيبة (التي لا تقاس إليها أوتار أية آلة موسيقية صنعها الإنسان، ولا مجموعة من الآلات الموسيقية المختلفة الأنغام). وفي الحنجرة يُحدِث الهواء صوتاً يتشكَّل حسبما يريده العقل: عالياً أو خافتاً، سريعاً أو بطيئاً، غليظاً أو ناعماً، حادّاً أو رخيماً.. إلى آخر أشكال الصوت وصفاته. وهو يتشكَّل بضغوط خاصة في مخارج الحروف المختلفة. وفي اللسان، خاصةً، يمرُّ كل حرف بمنطقة ذاتِ إيقاع معين، يتم فيه الضغط، ليصوّت الحرف بجرسٍ معين. ويحصل ذلك كله من أجل لفظ واحد. ومن الألفاظ تتكون العبارة الواحدة، والعبارات وما وراءها من موضوع، أو حدث، أو أفكار، أو مشاعر سابقة ولاحقة.. وكل منها يُعتبر عالماً قائماً بذاته، ينشأ في كيان هذا الإنسان الكريم بصنع من الرحمن الرحيم، فتبارك الله أحسن الخالقين، والحمد لله ربِّ العالمينَ.
محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) والقرآن
القرآن هو إمام البيان.. وهذه حقيقة تثبتها نصوص القرآن نفسها. ولقد نزل الوحيُ، بأمر الله تعالى إلى خاتم النبيين محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يقرأ قرآناً مبيناً، وذلك بقوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ *اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكَرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ *} [العَلق: 1-5]..
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *} [العَلق: 1]..فالقراءة أمثل تعبير عن البيان، وهنا لها وقع خاص لأنها أمرٌ من ربِّ العالمين إلى «محمدٍ» بأنْ يقرأ القرآن، لأنَّ من معاني القرآن اللغويّة: القراءة ، كما قال ابن عباس، فهو مصدر قرأتُ: أي تلوتُ، أو هو مصدر قرأتُ الشيء: أي جمعتُ بعضَه إلى بعضٍ، فيكون الربط واضحاً ما بين بعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، والقرآن الذي فيه كل معاني البيان اللغوي والفكري والشعوري والإيماني، ثم إنَّ الأمرَ من الله تعالى بأن يقرأ محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) القرآن باسم ربّه الذي خلق الخلائق كلها، فمعناه التوكيد على صفة من صفات الله تعالى بأنه هو الخالقُ، وبأنَّ هذه الصفة مما يقتضيها كمال القدرة الإلـهيَّة، فلا خالق غيره سبحانه وتعالى لجميع الكائنات التي خلقها على مقتضى الحكمة من خلقها، وإخراجها من العدم إلى عالم الوجود.. ومن تلك الكائنات، «الإنسان» الذي خصَّهُ التنزيل الحكيم بالذكر، تشريفاً له على سائر الكائنات الأخرى بما وهبه من ملكة البيان والعلم، علماً بأنَّ خلْقَهُ إنّما هو من نطفةٍ من ماءٍ مهينٍ يصيرُ علقةً في جدار الرحم، ثم تحوّله يدُ العناية الإلهية إلى مضغةٍ مخلّقة، حتى إذا اكتمل تكوينه، وخرج إلى عالم الحياة، كان من أهم خصائصه القدرة على النطق والتمييز.. ويعود الوحيُ ليؤكد على محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) بأن يقرأ ثانية باسم ربه، {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكَرَمُ *} [العَلق: 3] الأجلُّ والأعظم كرماً، بما حباك يا «محمد» من نعمة القراءة، أي تبيان وإدراك ألفاظ القرآن ومعانيه، وبما يعلّمك من علم البيان، وأداتُهُ «القلم» الذي به تجري القراءة والكتابة، والبيان الناطق، والبيان الفاعل «الذي علّم بالقلم».
وحتى نقف على مدلول هذا النص القرآني، يجب أن نشير إلى أن القلم - كما هو معروف - كان ولا يزال أوسع أدوات التعليم وأعمقها أثراً في حياة الإنسان. كما لا بد أن نشير إلى أن حقيقة القلم لم تكن يومَ تنزَّل القرآن على محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) بهذا الوضوح الذي نلمسه اليوم، ونعرف أثره في حياة البشرية. ولكن الله - سبحانه وتعالى - شاءَ أن يبيّن لنا قيمة «القلم»، منذ أول لحظة من لحظات تنزيل الرسالة الأخيرة للبشرية، وفي أول قرآن يحمله جبريل الأمين (عليه السّلام) إلى خاتم النبيين، ومع التوكيد على أنَّ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) الذي بعثه الله تعالى ليحمل رسالة الإسلام بتمامها وكمالها، لم يكن كاتباً بالقلم، إذاً، فما كان له (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنْ يبرز هذه الحقيقة المتعلقة بقيمة القلم لو كان هو الذي يقول هذا القرآن..
فالقلم، وبمعناه الواسع (كتابةً، وقراءةً، وتعليماً، وتعلّماً، ونتاجاً)، من أكبر النعم على الإنسان وأجلّها، لأنه تعبير عن القيمة الفكرية والعملانية التي تمكِّن الإنسان من أن يحقّق كلَّ ما يستطيع إنجازه في هذه الدنيا، فضلاً عمّا يمهّد له من مصير في آخرته..
إذاً فالقلم، وبهذا المعنى الذي يريده القرآن الكريم، هو كناية عن مجمل العلم الإنساني، والمعرفة الإنسانية، وما يقدر أن يصل إليه الإنسان من علوم ومعارف على مدار الزمان. قال قتادة: «القلم نعمة من الله عظيمة، لولاه لم يَقُمْ دينٌ، ولم يصِحَّ عيشٌ».
وبواسطة «القلم» علَّم الله تعالى الإنسان ما لم يكن يعلم من أمور الدنيا والآخرة، وممَّا يحتاج إليه من الهدى والإيمان، ومن الشرائع والأحكام، ومن العلوم والمعارف.. وكلُّ ذلك قد علمَهُ الله تعالى لهذا الإنسان، إما بالإلهام والفطرة، وإما على لسان النبيين والمرسلين، وإما عن إلجائه إلى الحاجة والاضطرار، وذلك بما نصب له من الأدلة التي تتلمَّسُها حواسه وعقله، وبما هيَّأَ له من الظروف والأسباب التي تقوده إلى العلم.
وهكذا أمكن الإنسان، بفضل الله تعالى عليه، أن يكتشف خواص الأشياء ولا سيما النافعة منها، فأنشأ من العلوم ما جعله يرتقي من عصر إلى عصر، وقد ظهر هذا الارتقاء باكتشاف الكهرباء والاتصالات السلكية واللاسلكية، والعقول الإلكترونية، وعلم الأحياء، والطب، والتعدين، والعمارة، وسائر العلوم الأخرى التي هي من صنع الإنسان أو اكتشافه، إنما مصدرها الله تعالى، لأنه - سبحانه - هو العالم، وهو الذي وهب الإنسان ملكة العلم، وعلَّمه ما لم يعلم.
ولكنْ أليس في الحياة، إلى جانب العلوم النافعة، علومٌ كثيرة أخرى يمكن أنْ تضرَّ الإنسان، وما يحيط به؟!.. فهل هذه العلوم من الله تعالى؟ كلا، بل هي ضلال من الإنسان. لأن الله تعالى أوجَدَ الأشياء جميعاً، وأوجد لكل شيء خاصيّة، وكلّف الإنسان بالعمل مع منحه ملكة التمييز بين العلم والتطبيق. فإنْ لم يُراعِ الإنسانُ حق الله تعالى في ما علَّمه، ولم يراعِ حق عباده بأن حوَّل كثيراً من الأشياء التي خلقها الله تعالى إلى علوم ضارّة بهؤلاء العباد، بل وبغيرهم من المخلوقات، فهذا من سوء توجّه الإنسان، لأنه كان بإمكانه أن يحوّل هذه العلوم ذاتها، ومن مصادرها، إلى ما يفيده ويحقق له الخير والسعادة. وإن كثيراً من الناس - الذين يعتبرون من العلماء - قد أوجدوا من المكتشفات، وصنعوا من الآلات والتراكيب ما قد يؤدي إلى محو البشرية كلها في لحظات، خلافاً لما أراده الله تعالى للعباد!...
لقد كان التوكيد القرآني على ربط القراءة، والعلم والبيان، بكرم الله تعالى، اي بما تكرَّم به على الإنسان من عقل، وفكر، وإدراك، وتمييز، وشعور، وإحساس.. لا ليضارّ به هذا الإنسانُ نفسه وعيشه، بل ليأتمر بأوامر خالقِه الذي أراده أن يكون مكرماً في علمه، حكيماً في سعيه.. ولو عرف الإنسان كرامته حق المعرفة، لامتنع عن أي علمٍ يسبب له الشقاء أو القلق أو الفناء..
والله تعالى وهو يعلِّم الإنسان ما لم يعلم، فإنه يضعه دائماً أمام الخيار بين الخير والشر، بين الحق والباطل، بين النافع والضار، ثم يتركه يتصرف وفق استعداداته، هو، لهذا الجانب أو ذاك. وهو - سبحانه - يعلّمه أيضاً، ويحذره، ويؤكد عليه أن وراء نياته وأعماله في هذه الحياة الدنيا حساباً لا بد منه، وهو ينتظره يوم القيامة ليجازى عليه {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ *} [الزّلزَلة: 7-8] ولو أبقى الإنسانُ هذه الحقيقة راهنةً، حاضرةً في ذهنه وفي عقله وقلبه، لحاسبَ نفسه كل يوم، فابتعد عمّا قد يجرّه إلى خطأ، أو ذنب أو معصية، أو ضرر أو شقاء إلخ... ولو فعل الناس ذلك، لكان الإيمان يملأ نفوسهم، بدل أن يتحوَّل كثير منهم إلى كفران النعم الربانية وجحودها كما هو حاصل للإنسان اليوم في أكثر بقاع الأرض؛ ولذلك يأتي التقريع والتوبيخ من الله العزيز للإنسان على شدة كفره وجحوده حتى ليستأهل القتل عليه، في قوله تعالى: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ *مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ *مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ *ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ *ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ *ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ *كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ *} [عَبَسَ: 17-23].
{قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ *} [عَبَسَ: 17]..
إنه بيان صريح من رب العالمين بأن هذا الإنسان يرتكب من المعاصي والقبائح والجرائم ما يستوجب عليه القتل.. فهذه المظالم التي يرتكبها بحق أبناء جنسه، فرادى وجماعات، وتلك المطامع الجامحة التي تدفعه إلى الاستغلال والاستبداد بغيره، وذلك الجنوح الذي يقوده إلى استلاب حقوق الآخرين إن بالدهاء والحيلة، أو بالعنوة والقهر.. كلها فظائع طغت على الإنسان فلم يراعِ حق الله تعالى في خلقه، وإنه ليستحق القتل عليها.
وما كانت تلك الفظائع من الإنسان إلاَّ لشدة تنكُّره لمقتضيات نشأته وخلقه، ومنْ لا يراعِ حق الله تعالى في خلقه، يكُنْ كافراً لا محالة. ولذلك يأتي تذكير الله تعالى لهذا الإنسان بأنَّ عليه أنْ يتفكَّر في بداية خلقه، في أصله المتواضع الضئيل الزهيد، وأنه من تلك النطفة من ماءٍ مهينٍ، من منيٍّ إذا يُمنى؛ إذ لو تفكّر الإنسان بذلك، لأدرك مقدار فضل الله تعالى عليه: إنشاءً، وتدبيراً وهدايةً.. ومن لطف الله تعالى بالإنسان أنْ سترَهُ في موته، فجعل مثواه الأخير في تابوتٍ مخبّأ، أو في قبر تحت الأرض، حفاظاً له وكرامةً، فلا يطلّعُ أحدٌ على ما يحل بجسده من الفناء والاندثار، حيث يتحوَّل إلى جيفةٍ نتنةٍ تأكله الديدان، وهذا ما يريد مولانا الكريم أن ينبّه إليه بقوله المبين: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ *} [عَبَسَ: 21]، فستره في قبرٍ لا تنبعث منه روائح الميت الكريهة، ولا تخرج منه ديدانُهُ الآكلة!..
بل ومن الجدير بالإنسان أن يزنَ بعقله ما قد يصير إليه في ما هو أبعدُ من القبر، إذ إنَّ الموتَ هو نهاية وجوده في هذه الدنيا، ولكنه ليس نهاية حياته، يوم يُبعث الناسُ من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصبٍ يوفضون، ليحاسبَ كل امرىءٍ على ما قدَّم في دنياه، وأخَّر لآخرته؛ وهذه الحقيقة، حقيقة الحساب، هي من مقتضيات العدل الإلهي الذي تقوم عليه الدنيا والآخرة، فكان على الإنسان أنْ يتهيَّأ لذلك الموقف الرهيب، يوم يقف بين يدَي العزيز الجبار لتوزن أعماله بميزان العدل الإلهي، الذي لا تفلت منه مثقال ذرّة من خير أو شرّ.. ولكن، ويا للأسف، يبدو أن «الإنسان» قد يعمى عن تلك الحقيقة، فلا يقوم بما أمرَهُ به ربُّهُ: {كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ *} [عَبَسَ: 23]، ولذلك يقضي الكافر عمره، عابثاً، جاحداً، سادراً لا يعبأُ ليوم البعث والحساب أيَّ حسابٍ.. وحتى المؤمن، فقد يكون مقصِّراً، في أحيان كثيرة، عن أداء واجباته تجاه الله خالقه، وكافله، وحافظه، وهاديه؛ وهذا ما لا يليق بالمؤمن الذي عليه ألاَّ يتوانى عن طاعة ربه، أو يغفل عن حسن صنيعه به، سواء في أوقات الرخاء أو الشدّة، في حالة الضعف أو القوة، ولكنَّ الإنسان - إجمالاً - مؤمناً كان أو كافراً، لم يقض في أحكامه على واقع حياته ما يتناسب وما أمرَه به الله تعالى..
وإذا كانت أعمال المؤمن تتمايز في كثير من الأشياء عن أعمال الكافر، إلاَّ أنَّ على «الإنسان» أنْ يعلم بأن الله - جلَّت عظمته - أقرب إليه من حبل الوريد، فلا يفوته شيء من عباده ولا يسبقونه بشيء من إرادتهم وفعالهم بل ومن نياتهم، لأنه سبحانه يعلم «السرّ وأخفى».. وهذا ما يستدعي من كلِّ ابنِ آدم أنْ يفيق من غفلته عن موته، وقبره، ومآله ما بعد القبر، ليعمل بطاعة الله تعالى، وسيجد الله ربَّهُ غفوراً رحيماً..
نماذج عن خيارات البشر ومواقفهم
إنَّ نصوص القرآن الكريم لا تكتفي بتصوير النماذج البشرية، وهم يتقلَّبون في واقع حياتهم، بل ونجدها تسبر أعماق النفوس لتكشف عمَّا تنطوي عليه من الأفكار والمشاعر، وما ترنو إليه من التطلعات والغايات، كما يمكن أن نتبيّن من بعض النماذج التي يظهرها القرآن على حقيقتها..
ومن تلك النماذج البشرية.
دعاء المضطر وإعراضه
يقول الله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *} [يُونس: 12].
هكذا نجد الإنسان... إنَّهُ ليظل مدفوعاً مع تيار الحياة، وهو يضج بالحركة والنشاط والحيوية ويتمتع بالصحة والقوة والغنى... وقليل هم، من لم يجنح بهم التيار، الذين يتذكرون أنَّ أوقات الراحة والرخاء لا تدوم، وأنَّ المصائب أو الشدائد لا بدَّ أنْ تقع.. على أنَّ الإنسان - عموماً - لا يجد من يلتجئ إليه إبّّان الحاجة والحرج والضيق، إلاَّ خالقه.. فيتوجه إليه بالدعاء والرجاء في كل آنٍ، وعلى أي حالٍ، أكان مستلقياً على جنبه، أو قاعداً في ركنه، أو قائماً في ابتهاله، وهو يتضرّع بخشوعٍ إلى سيده ومولاه أن يكشف عنه ما ألمَّ به من الضرّ الذي أضناه؛ والله سبحانه وتعالى وهو اللطيف الخبير، قد أخذ على نفسه الرحمة بعباده، فيستجيب للداعي إذا دعاه، ويلبي حاجة المحتاج، ويفرج كرب المكروب.. ولكنَّ المشكلة في هذا الإنسان الذي ما أن يكشف عنه ربُّهُ تعالى ضرَّه، ويزيل عنه بلاءه، وقد يزيده من العطاء والنعمة ما يجعله في أحسن حال!. حتى يعود إلى سابق عهده من الجحود والكفر، فكأنَّما لم يتضرّع إلى بارئه بلهفة، ولم يستغث به بحرقة، ولم يَدْعُهُ برجاءٍ قطّ.. لا، بل ويعرض عن ذكره تعالى كأن لا ضُرَّ مسَّهُ، ولا ربَّ - والعياذ بالله - التجأ إليه.. فما بال مثل هذا الإنسان، وبأي وصفٍ يوصف؟ إنك لو أسديت خدمةً لأحدٍ، يقرُّ - عادةً - بالفضل، لوجدته شاكراً، محاولاً أن يرد لك الجميل، بينما غيره قد يمرون على أيِّ فضل أو معروف، مرور العابر الساهي اللاهي، الذي لا يقيم وزناً لعلاقات التعاون، ولا اعتباراً لمشاعر الحدب والإغاثة، وهذه هي حال الجاحدين المنكرين الذين يكفرون برحمة الله - عزَّ وعلا - التي بها كشف ضرّهم، وأذهب عنهم الهمَّ والحزن.. فأولئك كما زُيِّن لهم الدعاء عند الضرّ،والإعراض عند الرخاء، كذلك زين للمسرفين من الكفار المشركين سوء ما كانوا يعملون، فاستوت بذلك أعمال الجاحد وأعمال المشرك أو الكافر. وقانا الله تعالى شرَّ أولئك الناس، وحمانا من غيّهم،حتى لا نتخبّط بشرور الدنيا وآثامها..
الذين ينسون الله يتخذون الأوثان آلهة
وهذا نموذج آخر من الذين ينسون ما كانوا يدعون إلى الله تعالى وقت الشدة، وما كانوا ينيبون إليه حتى يكشف عنهم الضرَّ، فمثل هذا الإنسان إذا ما كشف عنه ربُّهُ الشدَّة التي وقع بها، بل وخوَّله فوق ذلك نعمةً منه وفضلاً، إذا به ينسى كل دعاءٍ وإنابة، ثم يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير فيتخذ من دون الله أنداداً ليضل عن سبيله تعالى، كما يبيّنه قوله الكريم: {وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ *} [الزُّمَر: 8].
وهنا لا بدَّ من التوكيد، وفقاً لمنطوق هذه الآية الكريمة، على أنَّ فطرة الإنسان هي التي تتحرك، وتنطلق في أصالتها حين الضُّرّ، فتدفعه للتوجه إلى ربه في الدعاء، وتجعله يدرك بأن لا كاشف للضر عنه إلاَّ هو سبحانه؛ ولا مجيب لدعائه إلاَّ الله الرؤوف الرحيم..
ولكنَّ هذا الإنسان الذي استجابت فطرته لخالقه عندما مسَّهُ الضرُّ، سرعان ما ينسى كلَّ ما مرَّ به من شدةٍ، أو من دعاءٍ وتضرّع لله تعالى، ويغلب عليه الظنُّ بأنَّ من أعانَهُ، وسدَّدَ خطاه للخروج من محنته أو بلائه، هم أناسٌ أمثاله، بحيث يجعل من هؤلاء الناس أنداداً لله عزَّ وجلَّ، في حين أنَّه لا ناصرَ ولا مجيرَ في الأصل إلاَّ ربُّ العزة والجلال، فيكون شأن هذا الإنسان الذي يتوهم بأنّ الناس أمثاله هم الذين ساعدوه في محنته، كشأن أولئك الكفار والمشركين في عهود الظلام والجاهلية، الذين كانوا يتخذون آلهةً وهمية من الأصنام أو الأرباب المتفرقة، يلجأون إليها لتمدّهم بالعون، وذلك جهلاً وضلالاً.. بل ومثل هذا الإنسان، الذي يتنكّر لفطرته وخالقه، قد يتّبع أهواءه حتى يكون عبداً لشهواته وأطماعه.. أو قد يطغى عليه حب المال أو الولد.. أو قد يلوذ بجوار أحد الكبراء أو الحكام حتى يصير تبعاً لهم.. وكل ذلك من الأمور التي تؤدّي به حكماً إلى أن ينسى الله - جلَّتْ عظمته - في الطاعة، والشكر والامتنان عليه، حتى تصير أهواؤه هي الموجهة له في كل شيءٍ، وتصير بمثابة الأرباب التي تتحكم به وتسيّره تبعاً لما يأمل ويرتجي!.. وهذا ما يجعل في قلبه نوعاً من الشرك الخفي، قد لا يأخذ شكل الشرك المعروف، ولكنه قطعاً هو من الشرك في الصميم، لأنَّ عقيدة التوحيد - التي لو كان يدين بها هذا الإنسان - لا تحتمل شريكاً لله تعالى، لا في هوى قلبٍ، ولا في حب مالٍ أو ولدٍ، ولا في تقديس وطنٍ أو أرضٍ، فكل ذلك يكون العبور إليه من خلال حبّ العبد لله ربّه، وطاعته، والعمل بما أنزل إليه من كتاب.. أما إذا أنكر الإنسانُ دواعي الفطرة، والإيمان بالله تعالى، فإن الشرك، واتخاذ الأنداد لله، هي سبيله في الحياة، وهذا ما ينتهي بالمشرك إلى النار في الآخرة، بحيث يكون كل ما تمتَّع به في دنياه قليلاً وزهيداً - لو طال به العمر - مقابل ما سوف يلاقي كثيراً وأليماً من العذاب في آخرته..
ومن قولٍ للإمام عليّ كرم الله وجهه: «إنما مَثَلُ الدّنيا مَثَلُ الحيّةِ: ليّنٌ مسُّها، قاتلٌ سمُّها. فأعرضْ عمّا يُعجبُكَ فيها لقلّةِ ما يصحبُكَ منها. وَضَعْ عنك همومَهَا لِمَا أيقنتَ به مِنْ فراقها. وكنْ آنسَ ما تكونُ بها أَحْذَرَ ما تكونُ منها. فإنَّ صاحبَها كلّما اطمأنَّ فيها إلى سرور، أَشخصتْهُ عنه إلى محذور، أو إلى إيناس، أزالتْهُ عنه إلى إيحاش!».
هؤلاء الذين نسوا الله تعالى في الدنيا، فنسيهم سبحانَهُ من رحمته في الآخرة، هم الكفار الذين يتوعدَّهم الحقُّ تبارك وتعالى بقوله المبين: {تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [الزُّمَر: 8].. أي تمتّع أيها الكافر بكفرك متاعاً قليلاً زائلاً فأنت إلى فناء، وبمقتضى العدل الإلهي ستكون وقوداً للنار، إذ سوف تتمتع بك النارُ كثيراً في آخرتك، كما تمتعت أنت قليلاً بكفرك في دنياك.
القُنوطُ مِنْ ضيقِ الرزق
يفرح الناسُ بالنعمة والرزق اللذين لا يكونان إلاّ من الله تعالى، وييأسون من الشح والضيق اللذين غالباً ما يكونان من صنع أيديهم، يقول الله تعالى: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ *أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ *} [الرُّوم: 36-37].
يتطرق النص القرآني هنا إلى أحوال الناس النفسية، وأوضاعهم الحياتية، فيبيّن لنا أنَّ الله تعالى إذا أنعمَ عليهم نعمةً، هي رحمةٌ منه سبحانه، لم يفقهوا معنى هذه الرحمة الربانية، فيأخذهم الفرح وهم يرفلون في ثوب الصحة والعافية، أشرين في أوقات الرخاء والسعة من الرزق، بطرين في مناخات الدعة والأمن.. أما إذا حاقت بهم السيئة بما قدمت أيديهم من مثل الجهل لعدم التعلم، والفقر لعدم العمل، والمرض لعدم الوقاية؛ أو إذا حاقت بهم السيئات التي تصيب الجماعات من مثل القحط في الزروع، أو الرياح العاتية التي تذهب بالمواسم، والابتلاء بالنزاعات، وما إلى ذلك مما يشاء الله - جلّت حكمته - أن يوقعهم به بسبب الكفر والفساد، فإنهم ييأسون.. والله سبحانه وتعالى عندما قال: «بما قدَّمت أيديهم» فذلك على التغليب للأظهر الأكثر، لأن أكثر الأعمال يكون باليدين. هذا هو شأن غالبية الناس، يفرحون للنعمة، وقد يلهيهم الفرح حتى ينسيهم ربهم الكريم الذي هو مصدر النعم كلها، فلا يفطنون بأنه سبحانه وتعالى إنما يجود على عباده كرماً ورحمةً، فيتميّز من أعطى النعمة حقها فاستحقَّها، ممَّن لم يستأهلها، فهم إذاً عن حكمة الله غافلون، حتى إذا شاء سبحانه أن يأخذهم بأعمالهم وأنْ يمتحن قلوبهم إذا هم يقنطون!.. وهذه حالة أصحاب النفوس الضعيفة الذين قطعوا صلتهم بالله العزيز الحكيم، فلم يدركوا سننه في خلقه من حيث إنه وحده مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويبسط الرزق لمن يشاء، ويضيق على من يشاء من عباده، يهب أناساً ويحرم آخرين، وذلك وفقاً لتقديره في تدبيـر شـؤون خلقـه، وهم يتقلبون في شتى الحالات والأوضاع التي يعيشونها، مصداقاً لقوله المبين: {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ *} [الرَّحمن: 29]، أي يسأله أهل السماوات والأرض، بنطقٍ أو حالٍ، ما يحتاجون إليه من القوة والرزق والمغفرة.. وهو سبحانه، كلَّ حينٍ في شأنٍ من إغناءٍ وإفقار، وإعزازٍ وإذلالٍ، وإجابةِ دعاء، وإعطاء سائل.. وإنَّ في ذلك لآياتٍ لقوم يؤمنون.
تقلب الإنسان بين اليأس والتفاخر
وفي السياق نفسه يُبرز البيانُ القرآني نموذج الإنسان الذي يذيقُهُ الله تعالى نعمةً من رحمته، ثم ينزعها منه فينقلب إلى اليأس والكفر، ونموذج الإنسان الذي يذيقه الله تعالى النعمة بعد الضر فيتحول سريعاً إلى الفرح والتفاخر..
يقول الله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ *وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ *إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ *} [هُود: 9-11].
في هذه الآيات الكريمة حالتان متقابلتان:حالة الإنسان الذي يطرأ على حياته شيءٌ من التبدّل والتغيير، فيمرض مثلاً، أو يخسر بعضاً من ماله، أو نفوذه، فيصير كما يصوّره القرآن الكريم: {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} [هُود: 9]..
وحالة الإنسان الذي يحصل التغيّر في حياته، ولكن بصورة عكسية، فتنكشف عنه حالة الشدة أو البلاء أو اليأس، فيصبح كما يصوّره القرآن الكريم: {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} [هُود: 10].. وهما من الحالات التي يعيشها كثير من الناس الذين ينقلبون بسرعة على أنفسهم وواقعهم، فلا يصبرون على البلاء بعد النعمة حتى يغلب عليهم اليأس والكفر.. أو الناس الذين لا يتّعظون بما كانوا عليه من العسر أو الضيق فيأخذهم البطر بعد النعمة التي حلّت بهم فيفرحون ويتفاخرون، والأدهى أنَّ كثيراً من هؤلاء من يأخذه الغرور في نفسه فيقول: لقد ولَّت داهية الأيام عني ولن أعود إلى ما كنت عليه، لأنني صرت خبيراً بشؤون الحياة، وقادراً على تحقيق آمالي وطموحاتي بما عندي من العلم والحذلقة، وكيفية التدبّر واقتناص الفرص!.. وفي هذا منتهى البلاهة، والسفاهة في الحلم، لأنه محض إنكارٍ لله تعالى، صاحب الفضل والنعمة؛.. فهذا الإنسان الذي أعماه فرحه، وأضله تفاخره عن هذه الحقيقة، يقع في الخطأ القاتل والنكران المقيت، لأنه جاحد، ولا يعلم أنَّ من وهبَهُ النعمة التي صار بها فرحاً فخوراً، قادر على أنْ يسلبه إياها في كل حينٍ، بل وقادر على أن يوقعه بأشد البلاء حتى يعود أكثر يأساً عمَّا كان عليه!.. وفي مقابل تلك الفئات من البشر، هنالك المؤمنون الذين يتميزون عن غيرهم في كل شيء، فلا يقعون فريسة اليأس في الشدائد، ولا يفرحون بإقبال الدنيا عليهم فيتعالون، ويستكبرون.. وتبيّن النصوص القرآنية بعضاً من مزاياهم، بقوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [هُود: 11].
... إلاَّ الذين صبروا على ما أصابهم من مكروه، فلاذوا بالإنابة إلى ربهم، زيادةً في الطاعة، وطلب العفو والمغفرة، ورجاء زوال الكرب والشدة.. والذين صبروا على بلاء النعمة، فلم يأخذهم بطرٌ ولا فرح، ولا غرور، ولا استعلاء بل زادتهم النعمة حمداً وشكراً لله تعالى، كما زادتهم إقبالاً أكثر على الأعمال الصالحة، ينفقون مما آتاهم الله من فضله، فيقضون حاجة المحتاج، ويسعون لنصرة المظلوم، يرعون المؤسسات الخيرية ويقدمون لها الدعم المادي والمعنوي.. وهم لا يبتغون إلاَّ رضوان الله تعالى.. «أولئك» الذين صبروا وعملوا الصالحات {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هُود: 11]. لأن الصبر والعمل الصالح هما من الإيمان. والإيمان هو الذي يعصم النفس البشرية من اليأس، والكفر والضجر وقت الشدة، كما يعصمها من البطر، والفجور والتفاخر وقت الرخاء. وهو الذي يربط دائماً - في السرّاء والضرّاء - القلب البشري بالله تعالى. وكلا الحالين خير للمؤمن، وليس ذلك إلا للمؤمن كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «عَجَباً لأَمْرِ المُؤْمِنِ إنَّ أمرَهُ كلَّهُ خيرٌ، وليسَ ذلِكَ لأَحَدٍ إلاَّ للمؤمن. إنْ أصابَتْهُ سرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خيراً له، وإنْ أصابَتْهُ ضرَّاءُ صَبَرَ، فكانَ خيراً له»[*] .
والإنسان الذي يكون يؤوساً في الشدة، أو فخوراً في النعمة هو - عادة - الكافر، أما الإنسان الصبور الشكور فهو المؤمن؛ فالكفر والإيمان حدّان فاصلان في الحياة، فالإنسان مهما تقلبت عليه ظروف الحياة، أو ثقلت عليه الأوضاع فالشيء الذي يعنيه هو ما ينبع دائماً من نفسه، وهو الذي تصطبغ به تصرفاته، وتظهر به سريرتُهُ وسيرتُهُ، وعلى ذلك فالمؤمن مؤمن، والكافر كافرٌ، ولا خيارَ رماديّاً بين الكفر والإيمان، إلاَّ خيار النفاق، الذي لا يعدو كونُه ظلماً للنفس قد يكون أشدَّ تأثيراً من الكفر..
الإنسان القتور
من المعروف أنَّ الشائعةَ نوعٌ من المكر الذي قد يتخذه الإنسان سلاحاً للإيقاع بغيره. وهذا ما لجأ إليه المشركون في مكة لإظهار عجز النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأنَّه ليس رسولاً نبيّاً؛ فقد كانوا يجمعون الناس، ويأتونه قائلين: إنْ كنت نبيّاً كما تدّعي، فلمَ لا تفجّر من حولنا ينبوعاً في هذه الأرض القاحلة؟!.. ولِمَ لا يكون لك جنات من نخيلٍ وأعناب، تجري من بينها الأنهار؟!.. ولمَ لا تجعل بيتك من ذهبٍ وفضةٍ؟ فإنْ فعلت نؤمن لك ونتَّبع دينك!.. وذلك ما يبيّنه قول الله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا *أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلاَلَهَا تَفْجِيرًا *أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً *أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِّيِكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً *} [الإسرَاء: 90-93]..
ذلك مبلغ ما يمكن أن يصل إليه أهلُ المكر والخبث والدهاء.. فلم تقف رعونة أولئك المشركين عند حدود طلب تفجير الينابيع والأنهار، وجعل البيوت ذهباً وفضةً.. بل تجاوزوا كلَّ مألوفٍ من البشر، وهم يتحدّون النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بأن ينزل عليهم من السماء العذابَ الذي يتوعدهم به القرآن، أو {تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً} [الإسرَاء: 92]، والعياذ بالله من شرّ ما خلق، من مثل هؤلاء القوم الجاهلين..
وقد كان جواب النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): {سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً} [الإسرَاء: 93].. وحدَه سبحانه القادر على ما تطلبون أيها المشركون؛ أما أنا فما كنت إلاّ بشراً مثلكم، ورسولاً لهدايتكم.. وهل ما تقولون إلاَّ دليلٌ على سفاهة عقولكم، وبشاعة ما تنطوي عليه نفوسكم من الشرك والكفر، والحقد؟!..
ولكي تتبيّن حقيقة أولئك المشركين، وتظهر ضغائن قلوبهم فإنَّ تلك المطالب المعجزة من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) ما كانت إلاَّ أوهاماً يتخيّلونها ولا تمت إلى حقيقة الواقع بصلة، وإنّما يراد بها إبعاد الناس عنه ( (صلى الله عليه وآله وسلّم) ) فجاء النصّ القرآني ليردّ عليهم تلك المطالب، ويظهر ما كانت تحفل به حياتهم من صفاتٍ ذميمةٍ، يتبدّى بعضها في هذا الشحّ المادي حباً بالمال، وهذا الشحّ النفسي في عدم تقبّل الإِيمان الحق، فأنزل تعالى على نبيّه المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلّم) قولَه المبين: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأََمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا *} [الإسرَاء: 100].
أجل، لقد نزل الوحي يبيّن أحوال أولئك المشركين، ورسم قاعدة قرآنيةً، على مدى الزمان، تدلُّ على أهل البخل، وشحّ أنفسهم من الخير والإيمان..
يا أيها النبيّ، قل لهم: لو كنتم تملكون - فَرَضاً - الينابيع، والبساتين والأنهار، والبيوتَ من الذهب والفضة، كما طلبتموهُ مني مكراً وكيداً ليس إلاَّ .. ثم سُئِلتم من ذلك شيئاً تنفقونه، لما أجبتم عطاءً لسائلٍ!.. بل ولو أُوكلت إليكم مقاليد خزائن رحمة ربي، التي بها ينزلُ المطرُ، وتفجر الينابيع، وتتدفق الأنهار، وتفيضُ الأرزاق والخيرات، بل ولو أُوكل إليكم أن تملكوا جواهرَ الدنيا كلها.. لأبيتم أن تنفقوا شيئاً منها، وذلك لشدة الشح والبخل اللذين يستحكمان في نفوسكم، ولخشيتم أن تعطوا ولو نزراً يسيراً من رحمة الله التي تفيض خيراً وبركة على الدنيا بأسرها، خوفاً منكم - لو كنتم تملكون مقاليدها - أن تنفد من أيديكم!..
وهذا من أهم الدلائل على خواء نفوسهم من استعدادات الهداية إلى الإيمان، مثل شح نفوسهم من الاستعداد للإنفاق!.. ثم يأتي البيان القرآني ليقدم النموذج والمثال على كل الذين اكتسبوا أو ورثوا البخل حتى صار جزءاً من نفوسهم، وذلك بقوله تعالى: {وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا} [الإسرَاء: 100].. فلم يقل: «وخلق الإنسان قتوراً» بل قال: {وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا} [الإسرَاء: 100]، أي إنه يكتسب البخل اكتساباً، فإذا تملَّك البخل نفسَهُ، صار المالُ عنده يعادل الروح..
هذا في نطاق تلك المعجزات التي كان المشركون يطلبونها من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) ..
ولكنْ، نظراً لما للشحّ من تأثير على النفس، فقد جاءت معالجة القرآن الكريم لهذه الصفة الذميمة في كثير من الآيات الكريمة، حتى ليكاد يتبين لنا أن كتاب الله يدفعنا لأن يخوضَ معركةً حاميةً مع أصحاب الجشع والطمع والأهواء، والغايات المتفرقة.. هؤلاء الذين يحرصون على امتلاك المال، ولو كان فيه استلابٌ لحقوق الآخرين، كما هو ظاهر لمن يتتبع نصوص القرآن الكريم في تحذيره من الربا، ومن أكل أموال الناس بالباطل، ومن أكل أموال اليتامى، ومن الحَجْر على البنات اليتيمات، واحتجازهن للزواج الجائر رغبةً في أموالهنّ، ومن نَهْرِ السائل، وقَهْرِ اليتيم، وحرمانِ المسكين... إلى آخر ما يسوقه القرآن المجيد من حملات عنيفة على أصحاب النفوس الجشعة، الحريصة على الأثرة وحب الذات.. وما في هذه الحملات من توجيهات دائمة لعلاج النفس الإنسانية من تلك الأمراض.. لأن حبَّ المال وما يصاحبه من البخل، والجشع، والطمع.. كلها من الآفات التي تساور النفس البشرية، وتدفعها للشره، وإشباع الشهوات، أياً كانت جنسية الإنسان، وفي أي مكان وجد..
ومن التوجيهات والمعالجات القرآنية في هذا المجال قول الله تعالى: {إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا *إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا *وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا *} [المعَارج: 19-21].
وهذا من جميل البيان القرآني الذي وحدَهُ يغوص في أعماق الإنسان ليكشف خبايا نفسه، وليس ذلك إلاَّ للقرآن، عندما يبيّن لنا، في هذه الآيات الكريمة، بأدق التعابير وأجلاها وضوحاً، انفعالاً من الانفعالات التي تستحكم في نفس الإنسان، ألا وهو الهلع الذي يصيبه في حالتي الشرّ أو الخير.. فهو {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا *} [المعَارج: 20]، والجزع معناه الحزن الذي يصرف الإنسان عمَّا هو بصدده، ويقطعه عنه؛ تماماً كما هي حالة الإنسان الذي إذا ما حلَّ به الشرُّ، يحزن، ولشدة حزنه يسيطر عليه الجزع والتخبّط حتى ليكاد يشلُّ تفكيره وحركته، فكأنه يقطع على نفسه سبل التصوّر لأي مخرج أو فرج من ضيقه وشدته؛ وهذا شأن الكافر الذي لا يُوكل أمره إلى الله تعالى، ولا يرجو منه تغييراً لحاله!..
وكذلك الأمر: {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا *} [المعَارج: 21] فإذا أصابَهُ الخيرُ، حَسِبَ أنه من كدّه وكسبه وحذلقته، فيبخل ويصبح أسيراً لما ملك، وعبداً للشحّ والحرص، لأنه لا يدرك حقيقة مصدر الرزق، وأنه من فضل الله تعالى.. فالجزوع من الشر، المنوع للخير، هو صورة للإنسان البائس الذي خلا قلبه من الإيمان؛ وحين يصبح القلب خاوياً من نعمة الإيمان، التي هي من أجلّ وأعظم المقومات لصلاح الأنفس، فإن صاحبه يبيت في قلق مقيم، وخوف دائم، سواء أصابه الشر فجزع، أو أصابه الخير فمنع.
أما حين يغمر الإيمانُ القلبَ فإنه يجعل الإنسان في طمأنينة وعافية، لأنه يجعل الأمر كلّه لربه تعالى، فهو على يقين بأنّ هذا الربّ الكريم هو مصدر الأحداث، ومدبّر الأحوال. ولذلك يكون المؤمن دائماً مطمئناً إلى قدره، شاعراً برحمة ربه، مقدّراً لابتلائه، متطلعاً إلى فرجه من الضيق، ويسره بعد العسر، فإن أنفق فهو يعلم أنه منفق مما رزقه الله، وأنه مجزي على ما أنفق في سبيل الله وعباده.. وسوف يُعوَّض عن إنفاقه بخيرٍ في الدنيا، وثوابٍ في الآخرة..
الإنسان الكنود
يقول الله تعالى: {إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ *وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ *وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ *} [العَاديَات: 6-8].
وهذا ما يريد القرآن الكريم أن ينبّه إليه، ويحذّر من مغبّته، أي إلى هذه الحقيقة التي تظهر في جحود الإنسان لربه، حتى يعيده إلى جادة الصواب، فيجنّد إرادته، وكل طاقته لمكافحة هذا المرض في قلبه.. ويتمثل كنود الإنسان (جحوده) في مظاهر شتى من الأقوال والأفعال التي تقوم عليه مقام الشاهد يوم القيامة، حيث يُؤتى بكتابه الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاَّ وأحصاها عليه.. فأما أقواله فيشهد عليها لسانُهُ.. فإن هو كذب وأنكر ربط على لسانه فلا ينطق إلاَّ بالصدق والحق.. ثم يأتي دور الأيدي والأرجل التي تشهد عليه، كما يهدينا إليه قوله تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ *} [يس: 65].. وهذا في منتهى الوضوح من حيث إنّ كلّ عضو لدى الإنسان يشهد، يومَ الحساب، عمّا صدر عنه، بحيث يكون الإنسان شاهداً على نفسه بنفسه، مما يفرض عليه أن يذعن للحق، ويقرّ بما كان عليه من الجحود والكنود ساعة لا يمكنه إلاَّ أن ينطق بالحق، بلا جدال ولا محال..
«وإنه لحب الخير لشديد»، أي الخير كما يراه هو: مالاً، وسلطةً، ومتعةً، وشهوةً.. يريد أن يستأثر بها جميعاً لوحده، فتراه ينظر، على سبيل المثال، إلى من هو أكثر مالاً أو أعلى رتبةً نظرة حسدٍ وطمعٍ، لا يعرف كيف يضارُّهُ حتى ينزع ما عنده ليستأثر به. وهذا من أسوأ الأمراض النفسية التي تجعل الإنسان الكنود متبرّماً، قلقاً حتى ليحيل ما به من «الخير» إلى نقمةٍ ونكدٍ على حياته، بل وعلى حياة الآخرين من حوله.. روى أبو أمامة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «أَتَدرُونَ مَنِ الكنودُ؟ هُوَ الذي يأكُلُ وحدَهُ، ويمنَعُ رِفْدَهُ، ويَضرِبُ عَبْدَه»[*] .
الإنسان الظلوم الكفار
يقول الله تعالى: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ *} [إبراهيم: 34].
قد يسأل الإنسانُ الله تعالى أن يهبه الصحة والعافية في جسده ونفسه فيمنّ بهما عليه، ويسأله زوالَ خطرٍ أو ضيق فيستجيب له، ويسأله الغنى فيرزقه الثروة، ويسأله الولد والعزَّ فيعطاهما.. ويسأله.. ويسأله.. فيُعطى مما يشاء الله تعالى أنْ يعطي لسائله وبمقدار ما يشاء، لأنه هو سبحانه الذي يهب الخير ويبسط الرزق لمن يشاء.. وهذا معنى ورود حرف الجر «مِن» في الآية الكريمة، إذ قد دخل هنا للتبعيض، لأنه لو قال: وآتاكم (كلَّ ما سألتموه) لاقتضى أنْ يعطيَ الله تعالى للعبد جميعَ ما يسأله، والأمر بخلاف ذلك، لأن ما فيه مفسدة محال أن يستجيب الله عزَّ وجلَّ لسائله، فيكون تقديره: وآتاكم من كل ما سألتموه شيئاً محدداً، شاءَ سبحانه أن يعطيه، من أنعمِهِ وفضائِلِه وحسنِ صنائِعِه التي لا تعد ولا تحصى، لأنها أكبر وأكثر من أن يحصيها الناس، بل هم لا يقدرون على إحصائها، لأن نعم الله تعالى مطلقة، فلا يحيط بها إدراك الإنسان.. ومع ذلك {إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] فهو كثير الظلم لنفسه، وكثير الكفران لنعم ربه. كما أنه ظلوم لنفسه في الشدة، لكثرة ما يشكو ويجزع، مثلما هو كفّار في النعمة لكثرة ما يجمع ويمنع.
ولم يتناول نص الآية الكريمة الإنسان على العموم، بل «الإنسان الظلوم الكفَّار»، على وجه الخصوص، لشدة ظلمه، وكثرة كفرانه، وهذه رحمة زائدة من ربنا تعالى، لأنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم بمنأى - إن شاء الله - عن كل ظلم وكفر..
الإنسان مخلوق من عجل
وكما في فطرة الإنسان الهلع والجزع، كذلك في طبعه العجلة، فالإنسان مخلوق من عجل حتى أنه كثيراً ما يستعجل أموراً، وأحداثاً قد لا تأتي لصالحه، ومع ذلك يُلحُّ في العجلة وهذا ما يبيّنه القرآن الكريم بقوله تعالى: {خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ *} [الأنبيَاء: 37].
والعرب كانوا يستعملون هذا اللفظ عند المبالغة، يقولون لمن يصفونَهُ بكثرة النوم: ما خُلِقَ إلاَّ نُوَمَة، وبكثرة وقوع الشرِّ منه يقولون: ما خلق إلاَّ من شرّ..
فالعجلـة إذاً في طبع الإنسان وتكوينه. وهو يمد ببصره دائماً إلى ما وراء سـاعتِهِ، يريـد أن يتنـاوله بيـده، وكأنـه يرغب أنْ يحقق كل ما يرنو إليه لمجرد أنْ يخطر بباله، ويريد أنْ يستحضر كلَّ ما يُوعَدُ به، ولو كانَ في ذلك ضرره وإيذاؤه... هذا في حين أنَّ المؤمن لا تأخـذه العجلـةُ دائماً، بـل يتروّى، ويكدح، ويصبر، وهو متوكلٌ على الله تعالى في جميع أموره، فلا يتعجَّل قضاءه، مثلما لا يستبطئ قـدره.. ولعـلَّ الـمثـالَ الـذي يبـرزه القـرآن الكريـم عن جهـل الإنسان، واستعجاله ما يرغب ويتمنى، موقف الكفرة المشركين من النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، إذ كانوا يتحدّونه، عندما يتوعدهم بعذاب الله تعالى، فيقولون: ائتنا بعذاب الله إنْ كنت من الصادقين!.. ومثل هذه الرعونة، وهذا الاستهزاء يبين عواقبه الوخيمة القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُسَمّىً لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ *يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ *يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ *} [العَنكبوت: 53-55] بل وتؤكّد لهم النصوص القرآنية أنَّ إنكارهم البعث، والاستهزاء بوعيد الله تعالى على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) آتٍ لا محالة، وسوف يأتيهم بغتةً، فيحيّرهم فلا يستطيعون ردَّه، ولا يمهلون لمعذرة أو توبَةٍ، يقول تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلاَ عَنْ ظُهُورِهِمْ ولاَ هُمْ يُنْصَرُونَ *بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ *} [الأنبيَاء: 38-40].
كل إنسان يعمل على شاكلته
تلك نماذج عن الناس في أفكارهم وتصوراتهم، في أخلاقهم وتعاملهم مع الآخرين، ومن بين المقاصد التي تدلُّ عليها مصاديق القرآن الكريم، أنَّه يتوخَّى دائماً تنبيه الإنسان إلى ظلمه وكفره، على شحّه وجحده، على يأسه وعجلته، حتى يجاهد هذا الإنسان نفسه، لعله يتخلّص من الأثقال التي ترهقها وتضنيها في هذه الحياة الدنيا، وقبل أنْ يصل إلى الآخرة، حيث يجدُ كلَّ ما عمل حاضراً!.. ولذلك يجملُ القرآنُ الكريم مزايا الناس التي تظهر بأعمالهم، فيقول ربُّنا جلَّ وعلا: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً *} [الإسرَاء: 84]. وتأتي هذه الآية الكريمة لتقرر قاعدة عامة وثابتة مأخوذة من حقيقة الواقع في حياة الناس، إذ كما نسمع ونرى فإنَّ كلَّ إنسان إنما يعمل في هذه الحياة الدنيا على شاكلته، بما تزين له نفسه وأهواؤه، وبما يتخلّق من خلق، ويسلك من سلوك،وذلك في مطابقةٍ لواقع الأشياء التي يدلُّ عليها المثل القائل: «كل إناء بما فيه ينضح».. فما في دخيلة الإنسان يتبدّى، مبدئياً، على قسمات وجهه، لأنَّ الوجهَ مرآةٌ للنفس، يعكس رضا الإنسان وسخطه، فرحه وحزنه، ارتياحه واطمئنانه، ألمه وقلقه.. أي كل ما ينوي في نفسه وما تنطوي عليه سريرته.. ولكنَّ الله تعالى: {أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً} [الإسرَاء: 84]... وفي هذا التقرير منه - جلَّ وعلا - تهديد خفي بعاقبة العمل والنية والاتجاه، ليأخذ كلّ إنسان حذره، ويحاول أنْ يسلك سبيل الهدى، ويجد طريقه إلى الله تعالى خالقه ومدبره، فهو سبحانه أعلم بمن هو أكثر استعداداً للهدى، وأقوم سلوكاً في الحياة، وما على الإنسان إلاَّ أن يسلك سبيل ربه حتى ينال طمأنينة في الدنيا، وسعادة في الآخرة..
الناس والفساد
إن انصراف الناس إلى المادة، والاندفاع وراء متاع الحياة الدنيا دونما خوف من الله تعالى، ودونما وازع من ضمير أو وجدان، كل ذلك من شأنه أنْ يؤدي إلى ظهور الفساد في دنيا الأرض، برّها وبحرها.. ويحذّر القرآن الكريم الناس من ترك الفساد يستشري بسبب أفعالهم وتصرفاتهم، ومن ثم الاستدامة على الفسق والفجور، ويعظهم ويرشدهم، علَّ نفوسهم ترعوي فيقوى فيها المقت لهذا الفساد، ويدفعهم لمحاربته حتى تتطهر الأرض من الخبائث التي ملأت ديارها وعمرانها، وأفسدت هواءها وماءها. يقول الله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *} [الرُّوم: 41]. من الواضح أنَّ كلَّ ما يحيط بالناس من أحوال، وأوضاع وأحداث، إنما يكون نتيجةً لأعمالهم، فعندما تنحرف أعمال الناس عن مسارها الطبيعي، وتتجاوز الحدود المرسومة لها، فإنها تنقلب إلى فسادٍ: فساد في الأفكار والتصورات، وفساد في المفاهيم والعقائد، وفساد في الأعمال والتصرفات، وهذا ما يوقع الظلم والجور في دنيا الأرض، ويجعل الجائرين والظالمين والمفسدين يسيطرون على مقدرات الناس وأرزاقهم، ويتحكمون بتقرير مصائرهم، حتى تكون لهم الغلبة.. على ما نرى في واقع الحياة..
والفساد عندما يصبح ظاهرةً متفشيةً مع ما يرافقه من الظلم والقهر والاستكبار، لا بدَّ من عقابٍ يقع عليه كله، أو على بعضه الذي يكون أشد إيذاءً وضرراً للناس. ويأتي هذا العقابُ من الله تعالى علَّ الناس يتوبون إلى رشدهم فيتوب العاصي، ويقلع الظالم عن ظلمه، ويرتدع الفاسد عن فساده، والضالُّ عن ضلاله..
وإنّ في العقاب موعظةً للناس، لعلهم يرجعون إلى أصالة نفوسهم فيعبدوا الله تعالى، ويطيعوه، ويستبدلوا السيئات بالعمل الصالح ويسيروا على النهج القويم في الحياة، أولئك الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات. يقول الإمام علي (عليه السّلام) في هذا المقام: «إن الله تعالى يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات، وحبس البركات، وإغلاق خزائن الخيرات، ليتوبَ تائبٌ، ويقلعَ مقلعٌ، ويتذكَّرَ مدَّكرٌ، ويزدَجِرَ مزدَجِرٌ. وقد جعلَ الله تعالى الاستغفار سبباً لورود الرزق، ورحمةِ الخلقِ، فقال سبحانه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا *يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا *وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا *} [نُوح: 10-12]. فرحم الله امرْأً اسْتَقْبَلَ توبتَهُ، واسْتَقالَ خطيئَتَهُ، وبادَرَ منيَّتَه».
فالاستغفار يجلب الرزق، ويشيع الرحمة الربانية على العباد. قد يخطئ هؤلاء العباد كثيراً، ويعصون ربَّهم طويلاً، ولكنه - سبحانه - وهو الغفور الرحيم، يلطف بهم. ولو شاء أن يحاسب الناس على ما يرتكبون من الإثم والمعصية، لزلزل بهم الأرض في كل حين يعمُّ فيه الفساد، ولذلك يحذرنا تعالى بقوله الجليل: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَآبَّةٍ} [فَاطِر: 45]، لأنَّ ما يرتكبه الناس من المفاسد، التي هي مجلبة للمعاصي والشرور جميعاً، إنما يؤدي إلى الشرك بالله الواحد الأحد، والكفر بالنعم التي يهبها للناس، ويتفضل بها على العباد، فوق ما يشيع الشرك والكفر في الأرض من ظلم وطغيان وضلال وإضلال.. وهذا كله فظيع وشنيع. ولو آخذ الله تعالى الناس بما عملوا لأهلكهم كلهم، ولتجاوزهم هذا الهلاك إلى كل حيٍّ يدبُّ على ظهر الأرض، ولأصبحت الحياة معدومة فيها تماماً، حتى يشاء الله تعالى أن يبدِّل أمثال الناس تبديلاً، وينشئ خلقاً جديداً.
وقد يكون الفساد في البرِّ معروفاً.. وللتذكير فقط، فإنَّ من مظاهر هذا الفساد الحروب، واحتلال بلاد الآخرين، والمنكرات على اختلافها من تجارة المخدرات، وتعاطي المسكرات، وجعل المرأة سلعةً إعلانية، أو عارضة عري في النوادي الليلية، فضلاً عن الزنا، والمقامرة، والربا، وانتهاك البيئة البريّة بكل ما فيها من ماءٍ وشجرٍ وحجرٍ!..
أما الفسادُ في البحر، فإنَّ من أسوأ مظاهره هذه البارجات العسكرية العملاقة، وهذه الغواصات التي تحمل الرؤوس النووية، وهي تجوب البحار عرضاً وطولاً؛ وكذلك النفايات الفاسدة ولاسيما التي تحمل الإشعاعات القاتلة التي تأتي من الصناعات الثقيلة.. أما أكثرها فساداً فهي التجارب النووية التي تجريها الدول «المتقدمة» في أعماق البحار، فكم تقتل من الأحياء المائية، وكم تقضي على أجناس من تلك الأحياء!..
والقرآن الكريم عندما نزل لم يكن شيء من ذلك بعدُ قد ظهر، ولكنَّه قول الله الكريم، الذي يعلم، ومنذ خلق الإنسان، ما سوف يفعل هذا الإنسان، كما يشير إليه قول الملائكة، في ما ألهمهم ربُّهم، عندما قال لهم سبحانه وتعالى {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البَقَرَة: 30]، إذ {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البَقَرَة: 30]. وها هي أفعال الناس وأحوالهم، وبما تظهر عليه من الفساد في البرّ والبحر، تشهد على مصاديق القرآن الكريم، وتحذير ربّ العالمين من هذا الفساد، الذي يزداد، ويستفحل يوماً بعد يومٍ إلى أن يؤدي في النهاية إلى القضاء على حياتهم، وحياة سائر الكائنات من حولهم، وذلك من أجل أن تتطهر الأرض من دنس البشر!.. أي تماماً كما حصل في عهد نوح (عليه السّلام) عندما غطى الطوفان الأرض، وأخذ الظالمين أخذ عزيز مقتدر، بل وقضى على كل الكائنات الحية الأخرى، إلاَّ ما حمله نوح معه في الفُلك، ليكون فيه ما شاء الله من حفظ للنوع والجنس. وبذلك تطهرت الأرض من فساد الكفار والمشركين، وعادت إليها طهارتها، فدبت فيها الحياة من جديد، وكثرت الأنواع والأجناس الحية. وما زالت الأرض تنعم بالطهارة في قليل من بقاعها، بينما هي تميد وتترنح تحت أعباء الفساد وأثقاله في معظم أنحائها. ودائماً تغلب رحمة الله تعالى فلا يؤاخذنا على ما كسبت أيدينا، لأن بشاعة ما نتعاطى به نحن البشر في ما بيننا، وما يرتدُّ علينا من آثاره السيئة، إنما يرتدُّ أيضاً على الحيوان الأعجم، والزرع الأبكم، والحجر المدر، وكأنَّ كل ما حولنا يقول لنا: إن مظالمنا وشرورنا نحن بني البشر، فيها أيضاً ظلم وإرهاق للكائنات الأخرى، وهذا ما لا يرضاه الله تعالى، لأنه لو شاء سبحانه أن يحاسبنا في هذه الدنيا لاستحققنا العذاب المباشر، وذلك بالقضاء علينا، وعلى تلك الكائنات الأخرى لتخليصها من ظلمنا.. نعم إن ما يتعاطاه الناس في ما بينهم، وفي انقطاعهم عن ربِّهم، له آثاره المدمّرة على الحياة بأسرها فيما لو يؤاخذ الله تعالى به الناس مؤاخذة سريعة. ولكن الله الغفور الحليم لا يعجّل على الناس {وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [فَاطِر: 45]، بحيث يؤخر كلَّ نفس لأجلها المكتوب لها في هذه الحياة، ويؤخِّر كلَّ أمة أيضاً لأجلها، لأنَّ لكل أمةٍ أجلاً، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. إذ يكون لكل أمة حقبةٌ زمنيةٌ مقدَّرةٌ في حسبان رب العالمين، تأتي بعدها الأجيالُ لتحل محلَّ الأجيال التي انقضت، فتنشأ دول بأنماطٍ للعيش، ومناهج غير التي سبقت!.. والتاريخ البشري شاهدٌ على ما ذهب وهلك من القبائل والجماعات والدول، بتتابع العصور والأجيال، وتداول الأيام بين الناس.. ثم هنالك تأخير للناس جميعاً إلى الأجل المحدد لانقضاء هذا العالم، ومجيء الساعة.. وإلى أن تحين الساعة تبقى الرحمة الربانية قائمة، والفرصة أمام الناس متاحة، لعلهم يرعوون، وعن غيِّهم يرجعون، وبما يأمرهم به الدين الحنيف يعملون.
وقد وقعت مشكلة في كيفية تصوّر هذا المفهوم القرآني. إذ إن الناس ليسوا كلهم ظالمين، عادةً، إذ فيهم الأنبياء والمرسلون، وأولياء الله المخلصون، والمؤمنون الذين يعملون الصالحات.. فكيف يجوز أن يقع العذاب على كل هؤلاء، وهل يطالهم هذا العذاب أيضاً؟
والحقيقة أنه لولا وجود هذه الفئات من البشر، لكان من المحتوم أن تأتي مؤاخذة الله تعالى للناس، التي تحمل فناء الحياة على ظهر هذه الأرض. هذا من ناحية.. ومن ناحية أخرى فإن القرآن الكريم يتحدث عن عقاب دنيوي.. يتحدث عن النتيجة الطبيعية لما تكسبه أمة عن طريق الظلم والطغيان. وهذه النتيجة لا تصيب الظالمين من أبناء الأمة وحدهم، بل تعم جميع أبنائها على اختلاف أجناسهم، وأفكارهم، وأهوائهم، ومشاعرهم، وسلوكهم؛ فلمَّا وقع التيهُ على بني إسرائيل لعبادتهم العجل، لم يقع في هذا التيه أولئك الظالمون الذين عبدوا العجل وحدهم من بني إسرائيل، بل شمل أيضاً موسى وأخاه هارون (عليهما السّلام) وهما، كما هو معروف، رسولان من الله، والرسل معصومون من الخطأ، ومع ذلك وقع عليهما التيه في صحراء سيناء، كما وقع على الآخرين من بني إسرائيل الذين لم يعبدوا العجل، لأنَّ قضاء الله - جلَّتْ حكمته - أن يشمل التيهُ جميع بني إسرائيل.. فكان حكمه تعالى عاماً، وظلوا في التيه لمدة أربعين عاماً، ولم يسلم منه أحدٌ ظلَّ حياً من بني إسرائيل طوال تلك المدة..
وحين حلَّ البلاء بالمسلمين في غزوة «أحد»، طالَ هذا البلاءُ جميع المسلمين، إن بالقتل أو الجرح، أو الخوف أو الهرب، أو الهزيمة.. وقد أنزل الحكيم العليم قرآناً مبيناً، يتحدث عن ذلك البلاء، وعن الدروس والعظات والعبر التي تستفاد منه من أجل تربية المسلمين تربية إيمانية صادقة وثابتة، لما قد يترتب عليها من آثار، في ما بعد، تجاه أنفسهم، وتجاه البشر جميعاً..
والسبب الذي جعل المسلمين يُهزمون في معركة «أحد» معروف في التاريخ الإسلامي، وهو مخالفة الرماة في الجيش لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وتركهم مواقعهم على «جبل عينين» الذي يشرف على أرض المعركة، اندفاعاً وراء المغانم، ووراء الكسب الشخصي، فكان أن ارتدّت من خلفهم خيول المشركين وأوقعت بهم الهزيمة بعد النصر.. ووقع ما وقع.. وكانت العظة بأنْ عمَّ البلاءُ الجميع، حتى المؤمنون الذين صمدوا في المعركة وذبّوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد أصابهم القرح، بل والعبرة تصبح أبلغ عندما نعلم بأنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ذاته لم يسلم من ذلك البلاء،فقد رماه أحد المشركين، وهو ابن قميئة الليثي، بالحجارة حتى أصيبت رباعيته، وشجَّ في وجهه الكريم، وكلمت شفتاه الطاهرتان، ودخلت حلقتان من المغفر الذي كان يستر به وجهه الرضي، في وجنتيه الشريفتين.. بل واندفع ذلك اللعين المشرك يريد أن يقتل النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لولا أن ذبَّ عنه الصحابي مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه.
هذا بعض مما يوحي به التوجيه القرآني، ومفاده أن الفساد عندما يظهر، على الناس تداركه حتى لا يحلَّ غضب الله عزَّ وجلَّ، وأنَّ رحمته سبحانه تبقى أوسع وأجلّ مما يتصور الناس، و إلاَّ لو شاء أن يحاسبهم على نقائص نفوسهم وفساد أعمالهم لما ترك على ظهر الأرض من دابة، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى، وكلُّ شيء، يومئذٍ، عند الله تعالى بمقدار..
ومما يتميز به توجيه كتاب الله المجيد أنه يضع على عاتق الإنسان موجبات دينية ودنيوية وأجلُّها شأناً طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله الكريم، من خلال حمل عقيدة التوحيد أمانةً قدسيةً في القلوب والأعناق...
الطاعة وحمل الأمانة
يقول الله تعالى: {وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ؛ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً *} [الأحزَاب: 71-72]. هذا «الإنسان»، مدعوٌّ إلى طاعة الله تعالى ورسوله الكريم. وهي طاعة مرتبطة أصلاً بنشأته ووجوده، ولذا وجب أن تستقيم هذه الطاعة حتى يحقق الإنسان غاية وجوده.. إنها واجب ديني وأخلاقي وإنساني في آنٍ.. وهي بذاتها فوز عظيم للإنسان، لأنها استقامة على نهج الله تعالى. والاستقامة على نهج الله تعالى مريحة مطمئنة. والاهتداء إلى الطريق المستقيم هو سعادة بذاته، ولو لم يكن وراءه جزاء سواه. وليس الذي يسير في الطريق الممهد المنير، وكل ما حوله من خلق الله يتجاوب معه ويصادقه، كالذي يسير في الطريق الوعر المظلم، وكل ما حوله من خلق الله تعالى يعاديه، ويؤذيه ويصادمه. فطاعة الله ورسوله تحمل جزاءها في ذاتها، وهو فوزٌ قبل يوم الحساب، لا يجزيه إلاّ الفوز العظيم بجنات النعيم. إذ إن نعيم الآخرة هو فضل زائد على جزاء الطاعة، وهو رحمة من فيوضات رحمة الله الواسعة، التي يؤخّرها لعباده يوم الدِّين. وهذا الفضل ركنه الركين قبول الإنسان حمل الأمانة، ونعني بها اعتناق دين الله الحق، والقيام بوظائف هذا الدين، في أصوله وفروعه، ولذلك جعله الله عزَّ وجلَّ أمانةً أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، بينما هذا الإنسان، مع كل ما تراءى له من ثقل التبعة التي يضعها على عاتقه، تعهد حمل هذه الأمانة على الرغم من كل ما يتنازعه من عوامل الضعف، وقصور العلم، وقصر العمر، وحواجز الزمان والمكان، وعدم رؤية ما وراء الحواجز والآماد.
ولكن كيف كان أداؤه في حمل الأمانة التي اعتذرت السماوات والأرض والجبال عن حملها؟!
هذه السماوات التي يجهل الإنسان آفاقها، وهذه الأرض التي لمَّا يعلم عنها إلاَّ قليلاً، وهذه الجبال الرواسي التي تنتصب أمامَهُ في كل القارات وفي أعماق البحار والمحيطات.. هذه السماوات والأرض والجبال - وأين منها الإنسان بصغره وحجمه - على الرغم من أنها تدين بوجودها لخالقها، وعلى الرغم من أنها تسبّح الله تعالى وتقدسه طائعة غير مكرهة، فكل تلك الكائنات، مع عظيم خلقها، عندما عرضت عليها أمانة التبعة خافت من حملها خوفاً شديداً مانعاً، لأنها أمانة الإرادة، وأمانة المعرفة الذاتية، وأمانة المحاولة الخاصة، وهي لا تملك هذه القيم العظيمة التي يحتويها تكوين الإنسان.. {وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ} [الأحزَاب: 72]، الذي يعرف الله بارئه، بإدراكه وشعوره، والذي يهتدي إلى حقيقة وجوده - سبحانه - بتفكّره وتأملّه، والذي يطيع الله ربَّهُ بإرادته، وحمله لنفسه، ومقاومة انحرافاته ونزعاته، ومجاهدة ميوله وشهواته.. وهو مدرك، مريد، فعال لكل خطوة من خطواته.. يختار طريقه وهو عارف إلى أين يؤدي هذا الطريق.. هذا الإنسان، الذي حمل الأمانة، واختار الطريقَ محفوفاً بالأعباء والأثقال الجسام ورمى بنفسه في لجج المصاعب... {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} [الأحزَاب: 72]، كان ظلوماً لنفسه بتعرضه لارتكاب المعاصي التي تبعده عن مستوى عبء المسؤولية التي اختار حملها، وظلوماً لنفسه بعدم إعطاء الأمانة ما تستحق من العناية والاهتمام:
إذا أنتَ لم تَبْرَحْ تُؤدّي أمانَةً
وتَحْمِلُ أُخْرى أثْقَلَتْكَ الودائعُ
وهو يعني أنك إذا كنت لا تزال تقبل أمانة وتؤدي أخرى، فقد شغلتك نفسك بقبول الودائع وأدائها، فأثقلتك..
وفي اللغة العربية تأتي لفظة «عرضنا» بمعنى عارَضْنا وقابلنا، فيكون المعنى في الآية الكريمة: إن هذه الأمانة في جلالة موقعها، وعظيم شأنها لو قيست بالسماوات والأرض والجبال وعورضت، أي وقوبلت بها، لكانت هذه الأمانة أرجح وأثقل وزناً. وأما قوله تعالى: {فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا} [الأحزَاب: 72] فمعناه: ضعفن عن حملها كذلك، وأشفقن منها، لأن الشفقة ضعف القلب، ولذلك صارت كناية عن الخوف الذي يضعفُ عندَه القلب. هذه الأمانة التي هي أثقل من السماوات والأرض والجبال، تقبَّلها الإنسان مع ضعف إمكاناته، وهزال جسمه، ولكنه ما قدر على حفظها، بل حملها وضيَّعها لظلمه لنفسه، ولجهله بأثقالها، وبمبلغ الثواب والعقاب المترتبين عليها..
وفي تفسير آخر: أنه لو كانت السماوات والأرض والجبال عاقلة ومختارة مثل الإنسان، ثم عرضت عليها الأمانة - وهي وظائف الدين أصولاً وفروعاً - عرضَ تخيير، لاستثقلت ذلك مع كبر أجسامها، وشدتها وضخامتها، ولامتنعت عن حملها خوفاً من القصور عن أداء حقها.. ثم حملها الإنسان، إلاَّ أنَّه ضيَّعَ قيمة خياره في هذا الحمل الثقيل، عندما لم يخف - ظلماً وجهلاً - الوعيد المترتب على قصوره، وعدم أداء الأمانة حقها القدسي...
أما الأنبياء والرسل، وأولياء الله، وعباده المؤمنون الذين يعملون الصالحات، فهم لا يدخلون تحت مفهوم «الإنسان» الذي كان بحمله الأمانة ظلوماً لنفسه، جهولاً بأنَّ النفس البشرية قد يصعب عليها حمل هذه الأمانة والمحافظة عليها.. فالأنبياء والرسل، هم الثلة التي اختارها ربُّ العالمين لإبلاغ هذه الأمانة للناس الذين نسوْها، ولذلك نجد القرآن الكريم لا يحدثنا عن سِيَرهم، وتاريخ حياتهم إلاَّ بأشياء تدلُّ على مضامين نفوسهم التي تؤهلم لحمل الأمانة، ولذلك يركز كتاب الله دائماً على مواقفهم من المبدأ الذي يحملونه، ومواقف المؤمنين الذين يعتنقون هذا المبدأ الذي يحمله إليهم في مقابل المعارضين له، جهلاً واستكباراً فكان من الحق ألاَّ يُدخل أولئك الأنبياء والرسل، ومن اتبعهم في فئات الناس التي بعدت عن الأمانة ولم تراع حقوقها وموجباتها..
اللهم اجعلنا من الذين يحملون الأمانة ويستطيعون المحافظة عليها..

ciloxan notice ciloxan tropfen ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB