علم النَّفس (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




الفصل الثامن عشر - السَعادة النفسيَّة

إنَّ علم النفس الحديث لم يُعر كبيرَ اهتمام في أبحاثه ونظرياته لمفهوم السعادة، بل انصبَّتْ جهوده على المناخات أو الطرق التي قد تجعل الإنسانَ سعيداً، فوضع كثيراً من المناهج والبرامج التي من شأنها تنمية مشاعر السعادة، وتخفيف مشاعر القلق، والتوتّر والاضطراب في نفس الإنسان. ومن الدوافع التي يستعملها علم النفس في هذا المجال تحفيز الفرد وحثه على حب الآخرين والانشغال بأمورهم، بغية إدخال السعادة على حياتهم.. ويفترض هذا الحب للناس، أن نشعرهم، قبل أي شيء آخر، بأنَّ لهم مكانةً في الحياة، لأنه ما من إنسانٍ إلاَّ ويجب أنْ يكون له دورٌ يقوم به؛ وأنْ نعمل، مِن ثَمَّ، على ما فيه خيرهم ونفعهم، حتى نجعلهم يحبوننا، ويصبح الحبُّ متبادلاً في ما بيننا وبينهم، ولذلك قيل: «حبُّ الناس إكسيرُ السعادة في الحياة».
والسعادة، بمفهومها الحقيقي، هي معاونة أمر الله للإنسان على نيل الخير، وعندما نقول «معاونة أمر الله»، لأنَّه سبحانه بيده الخير، وهو الذي يهبه للإنسان الذي يقتصر دوره على تهيئة الأسباب للحصول على الخير، ويضادّ السعادة الشقاوةُ، فما دام الإنسان يحب الخير لنفسه، فإن هدفه يكون منصباً على نوال هذا الخير، الذي يحقق له السعادة...
ولكنَّ معنى السعادة يختلف بين إنسانٍ وآخر، فقد يرى كثيرون أنَّ سعادتهم في اللذة والمتعة كيفما جاءت، وأنَّى جاءت، في حين يرى غيرهم أنَّ سعادتهم هي في تحصيل العلم، أو اكتشاف دواء جديد، أو إغاثة الملهوف والمحتاج، وما إلى ذلك من القيم الإنسانية التي من شأنها أنْ ترضي نفس الإنسان، وتريح ضميره بأنْ أدَّى خدمةً للإنسانية..
واللذائذ والشهوات لا تحقّق السعادة، عادةً، إلاَّ بصورةٍ آنيّةٍ، إلاَّ أنَّها كثيراً ما تخلّف في النفس اللوّامة الإِرهاق والمرارة، ولاسيما عندما يتعاطاها الإنسان بطرقٍ لا يألفُها الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه، أو عندما يستحلُّ بها الحرمات، أو يرتكب المخالفات والأخطاء التي ينهى عنها الشرع، أو القانون..
وإذا كانت السعادة، في عرف الإنسانيين، هي الشعور بالرضا عن الجهود التي يبذلونها لتحقيق إنسانية الإنسان، وهذا صحيح، فإنَّ هناك قواسم مشتركة، يُجمع كل الناس - مهما كانت معتقداتهم وأفكارهم وأهواؤهم - على أنَّها تحقق لهم السعادة، ومنها ما يبيّنُهُ القرآنُ الكريم بقوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46].. فهذه الزينة تعني الزينة النفسية والزينة الدنيوية معاً، لما للمال والبنين من تأثير على نفس الإنسان، وفي حياته من حيث كونهما إمَّا مجلبة لقدرٍ كبير من سعادته، وإمَّا مجلبة لقدرٍ كبير من شقائه، إلاَّ أنَّهما يعتبران - في الأصل - مصدر سعادة، لأنَّ طبيعة الإنسان مجبولة على حبّهما، والتعلّق بهما.. ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن تحصيل المال الحلال بالطرق المشروعة، وإنفاقه في سبيل البرّ والتقوى - أي بما ينفع نفسه وغيره - قد يكون من شأنه أنْ يوفر للإنسان عاملاً هاماً لسعادته؛ وكذلك تربية الإنسان لأبنائه تربية صالحة، تُعِدُّهم لأنْ يكونوا عناصرَ فاعلةً في خدمة مجتمعهم، وخدمة الإنسانية قد تؤمن للإنسان سعادةً كبيرة لأنَّه قد يقال لأحدهم: فلانٌ أفضلُ منك، فيغضب سراً أو جهراً، أما إذا قيل له: ولدُكَ أفضلُ منك، فإنه يُدخلُ على نفسه السرور؛ فحبُّ الأبناء سنةٌ إلـهيَّة في الحياة البشرية، وهي نابعة من الفطرة للحفاظ على النوع، وعلى البقاء لأنَّ الإنسان يرى استمرارية وجوده في هذه الحياة من خلال أبنائه، لأنهم خلفتُهُ من بعده..
أمَّا من جانب الأبناء، فنجد أنَّه قلَّما تكون مشاعرهم بنفس المستوى من حبِّ الوالدين لهم، ولذلك يوصي الخالقُ العظيم الأولاد بالبرّ بالأبوين في كل شيءٍ، لقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} [العَنكبوت: 8]، بل وقرنَ الله تعالى عبادته بمعاملة الوالدين معاملة حسنة حتى بالقول الكريم، وذلك بقوله الكريم: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا *وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا *} [الإسرَاء: 23-24]، ولو استجابَ الأبناء لأمر الله تعالى، الذي قضى بطاعة الوالدين والإحسان بهما لكانوا من الصالحين، ومصدر سعادة للآباء في هذه الحياة، كما يكونون ذكراً حسناً لهم بعد الممات، كما يدلُّ عليه قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «إذا مات العبد انقطع عمله إلاَّ من ثلاثٍ: صدقةٌ جاريةٌ، أو علمٌ يُنتفَعُ به، أو ولدٌ صالحٌ يدعو له»[*] . بل وأبعد من ذلك، فإنَّ الابنَ الصالح عَرْفٌ طيّبٌ لأبوَيْهِ في الجنة، كما بَشَّر رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقال: «الولدُ الصالح ريحانةٌ مِنْ رياحينِ الجَنّة»[*] والسعادة، بعد ذلك، تكون بكل ما يبعث الاطمئنانَ في النفس، والقناعةَ في العيش، فلا يصرف الإنسانُ عمره في اللهث وراء متاعِ الدنيا الغَرور، وفي التعب والشقاء من غير أنْ يترك لبدنه ونفسه قسطاً من الراحة، ولو لفترةٍ، حيناً بعد حين، لتوثَّب بعدها للعمل من جديد، بهمة أقوى، ونشاط أوفر؛ بل كيف يمكن للإنسان أنْ يذوق طعم الراحة إنْ لم يقنع بما آتاهُ الله من فضله، فلا يطمع أن يزيد، كما يفعل غالبية رجال الأعمال - على ما نسمع ونرى - من هؤلاء الطامعين في كل شيءٍ.. ولكم تؤدي مثل هذه المطامع إلى المشاكل، ولاسيما شكوى الزوجات والأولاد من غياب الزوج والأب لانهماكه في اجتماعاته وأعماله، وكم جرَّت مثل تلك المشاكل إلى ضرب العلاقات العائلية في الصميم، وذهبت بسعادتها المرجوة!. ولذلك قيل: «القناعة كنز لا يفنى» كما عبَّر عن ذلك رسولُ الهدى، وهو يدعو الله تعالى بقوله الكريم: «اللَّهُمَّ إنّي أسألُك نَفْساً مُطْمَئِنَّةً تُؤْمِنُ بلقائِكَ، وتَرْضى بِقَضَائِكَ، وتَقْنَعُ بِعطائِكْ»[*] ؛ وكفى بهذا القول الشريف لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) تعريفاً بالسعادة، ومقياساً لها..
والحقيقة أنَّ أولَّ العوامل التي تساعد على الشعور بالسعادة هو الإيمان الصادق، النابع من الإدراك العقلي والوجداني بأنَّ الله تعالى هو الخالق العظيم، وأنَّهُ لا إلهَ إلاَّ هو، ربُّ السماوات والأرض، فلا شيءَ في الكون كلّه إلاَّ ويسير وفق ما يشاءُ ويقدّر، وبمقتضى الحكمة التي يشاءُ ويقدّر.. فعندما يركن الإنسان إلى هذه الحقيقة المطلقة، فلا بدَّ أنْ يوقن بأنَّ الله ربَّهُ لن يتخلَّى عنه، بل تحيطه رعايته، وحبُّهُ لعباده - وبخاصة المؤمنين - بكل أسباب التسديد والتوفيق، مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ *} [الحَجّ: 38]، ودفاعُ الله - عزَّ وعلا - عن المؤمنين لا يكون بما ينجّيهم من غوائل الكفر والشرك فحسب، بل ومن عاديات الأيام التي تقهر عادةً العبادَ بما لا يطيقون.. وهذا الاطمئنان إلى عناية الله بعباده المؤمنين هو العروة الوثقى التي تربطهم بربهم: حبّاً، وطاعةً وعملاً.. فهم مع خالقهم العظيم، ومدبرّهم الحكيم على أيِّ حالٍ كانوا، ومَنْ يَكُنْ مع الله خليقاً به ألاَّ يُبالي بأعباء هذه الحياة مهما كانت جسيمةً.. وإنَّ في هذا التوجُّهِ الصادق راحةً للأبدان، وأماناً للأنفس.. صحيح أننا نرى في الحياة كثيراً من المؤمنين يعانون من الفقر، أو المرض، أو من هموم العمل، أو غير ذلك، ولكننا نجدهم يحتسبون أنفسهم عند ربهم، لأنَّهم يعلمون أنَّ ما هم فيه، إنَّما هو ابتلاءٌ منه تعالى لامتحان إيمانهم وصبرهم، إلاَّ أنَّ عاقبتَه - وهذا رجاؤهم وأملهم - ثوابٌ من الله ورحمة في آخرتهم..
وبالمقابل فإننا نرى أحياناً الغلبةَ للكافرين والمشركين في أكثر ميادين الحياة، حيث ينعمون بالسلطة، والغنى، والنفوذ، والسيطرة، وفرض القوانين والأنظمة!.. أي الهيمنة السياسية والاقتصادية والمالية والعسكرية والدبلوماسية، وكل ما يخطر على البال من مفاهيم التسلّط، والتحكّم، وفرض الإملاءات!... ولكن إلى أينَ، والله تعالى بالمرصاد، وقد بيّن لنا في قرآنه الحكيم أنَّ كلَّ ذلك ليس في صالحهم، فلا يحسبوه خيراً لأنفسهم، بل وبالاً عليهم، ومن أصدق من رب العالمين بقوله الحقّ: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ *} [آل عِمرَان: 178].. فالكلُّ يرون أولئك المتحكمين برقاب الناس، وأرزاقهم ومصائرهم كيف يلقون تلك الخطب الرنّانة عن إنجازاتهم و«مآثرهم»، وهم يبدون فرحين بما يعملون، وكل همِّهم إقناع الناس بأنَّ أهدافهم «السامية» خدمة مصالح بلادهم - لا خدمة شركاتهم ومطامعهم - بل ويريدون منهم أنْ يحمدوهم على مظالمهم، وعلى بعدهم عن الحق والعدل!.. فتلك أراجيفهم وأباطيلهم في هذه الحياة الدنيا، أما في الآخرة فإنَّ القادرَ المقتدرَ يتوعَّدُهم بالعذاب الأليم بقوله تعالى: {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *} [آل عِمرَان: 188].
وقد يعتقد أولئك الظالمون أنَّهم يحققون بما يفعلون السعادة المنشودة!!.. وهذا وهمٌ بوهمٍ، لأنهم تعساءُ في قرارة نفوسهم، وهم يعلمون ذلك، بكل تأكيد، لأنَّ السعادة لا يمكن أن تتأتى من ظلم الآخرين، وقهرهم. بل في الحقيقة إنَّ أهم المسببات للسعادة تكمن في تكاتف جهود البشر جميعاً، وتعاونهم على البرّ والتقوى، وليس على الإِثم والعدوان، وهذا أقرب ما يقوّي مشاعر السعادة لدى الناس؛ ولذلك يدعو المؤمن، دائماً، بهذا الدعاء الخيّر الطيب: «اللّهُمَّ لا تَجعلْ في قلبي غِلاًّ للذين آمنوا، اللَّهُمَّ ارزْقْني رِضَاكَ والجَنَّةَ»...
وما من إنسانٍ مدرك لمعنى وجوده.. وغاية وجوده إلاَّ ويجهد ليكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وسعى للجنة سعيها، حيث السعادة الحقيقية الدائمة، لقوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ} [هُود: 108].
ويقابل السعادةَ الشقاوةُ أو الشقاءْ، الذي يكون أيضاً في الدنيا والآخرة.. والشقاء في الدنيا معروف لكثرة ما يحيط بالإنسان، وما يطغى عليه من أحمالها وأثقالها، أما الشقاء في الآخرة، فلا يمكن أنْ يَستوعِبَ عظيمَ عذابه، إلاَّ كمن رأى النار فعمل ليُزَحْزَحَ عنها، باعتبار أنَّه أشدُّ مقتاً بكثير من شقاء الدنيا. وما من أحدٍ من بني البشر إلاَّ ويكون إمَّا شقياً أو سعيداً مصداقاً لقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هُود: 105]، والإنسان هو الذي يجعل بيده مقودَ الشقاء الدائم في الجحيم، أو مناطَ السعادة للفوز بالجنة..
والمشاعر التي يمكن أنْ تُحقِّقَ في نفس الإنسان قسطاً من السعادة كثيرةٌ، ومنها على سبيل المثال:
1 - الرجاء أو الأمل
الرجاء هو الأمل، لأنَّ معنى رجا الشيءَ: أمَّلَ به، يقال: «ما أتيتك إلاَّ رجاوة الخير»؛ والرجاء - في التعارف - هو ظنٌّ يقتضي ما فيه مسرَّةٌ للنفس، أو تعلّقُ القلب بحصول أمر في المستقبل يكون محبَّباً إلى النفس، إلاَّ أنَّ هنالك فارقاً دقيقاً جداً بين الرجاء والأمل، بمعنى أنَّ الرجاء هو وعْدٌ في النفس لتحقيق رغبةٍ ملحّة، أو مقصدٍ معينٍ يسمى الأمل، فالرغبة في النجاح بالامتحان هي رجاءٌ، أما الفوز بالنجاح فهو الأمل المرتجى أو المنشود.. والمشاعر التي يرتجي فيها الإنسان الخيرَ لنفسه - أو لغيره - كثيرة جداً، تبعاً لاهتماماته في هذه الدنيا، ولذلك نجد أنَّه كلما حقَّق أملاً من الآمال التي كان يرجوها، شعر بنوعٍ من السعادة التي تَسرُّ نفسه. إلاَّ أنه يقتضي الانتباه إلى عدم الانسياق وراء الآمال الوهمية، التي يجب على الإنسان أنْ يعرف أنها غير قابلة للتحقيق، أو أنَّه بحسب وضعه، وطاقاته غير قادر على نيلها، حتى لا يكون رجاؤه فراغاً...
والقرآن الكريم يوجّه عناية الإنسان إلى ما فيه خيره وفلاحه في الدنيا والآخرة، بحيث لا يجعل جلَّ اهتماماته مقصوراً على الدنيا، بل يتوخَّى أنْ يجعل رجاءَه الأخير بلقاء ربه تعالى، وقد دلَّنا كتاب الله تعالى على السبيل القويم لذلك، بقوله الكريم: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]؛ فالعمل الصالح هو ما يمتاز به الإنسانُ على سائر مخلوقات الأرض، حتى عن بني جنسه من البشر، وهو الأساس المتين لإعمار الأرض.. أما عدم الشرك بعبادة الله - جلَّ جلاله - فهو ما يبرز قيمة الإنسان العقلية، لأنَّ العقل هو الذي يهديه إلى عبادة خالق الكون والحياة والإنسان، وربّ السماوات والأرض وما فيهنَّ، وما بينهن، فوجب على الإنسان، صاحب العقل المميّز والمدرك أنْ: «لا يشرك بعبادة ربه أحداً»، لأنَّ الشرك بالله تعالى معناه اتباع الهوى والضلال، ويقود حتماً إلى ظلم الإنسان لنفسه وللآخرين، وهذا ما يعظ به لقمان الحكيم ابنَه، كما يبينه قول الحق تبارك وتعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ *} [لقمَان: 13]؛ وما أجمل أنْ نأخذ عن لقمان بعضاً آخر مما يعظ به ابنه، لأنه يشكل قواعد إيمانية وأخلاقية لا تقوّي في نفس الإنسان حبَّ الخير والعملَ الصالح وحسب، بل وتقوّي فيه عزيمة الصبر على المصائب، والتحلي بالتواضع الذي يحبّبه إلى الناس، وهذا ما يُثبتُهُ القرآن الكريم بقوله تعالى: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ *وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ *وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ *} [لقمَان: 17-19].
والإنسان المؤمن يكون رجاؤه الأسمى والأعلى رحمة الله، وهو الرجاء الذي كان يملأ نفوسَ المؤمنين في صبرهم وجهادهم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [البَقَرَة: 218]. وهذا الرجاء هو ما يحدو أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) لأنْ تسير على نهج أولئك الأبرار من المسلمين الأوائل، الذين ضحّوا بكل شيء: بالأموال والثروات والأنفس، لينالوا رضوان الله تعالى، ورحمته الواسعة..
ولعلَّ المسلمين اليوم أشدُّ ما يكونون حاجةً إلى الإصغاء لخطاب الله تعالى، وهو يدعو المؤمنين إلى عدم الاستكانة والضعف، بل المثابرة على طلب أعدائهم والتصدّي لهؤلاء الأعداء، وإنْ كان في ذلك تضحيات وآلام، لأنَّ ما قد يصيبهم من جرّاء دفع ظلم أعدائهم عنهم، لا يقل عمَّا يصيبُ أعداءَهم، إلاَّ أن الفارق عظيم بين ما يرتجي المؤمنون من النصر والثواب من الله عزَّ وعلا، وما لا يرجون هم شيئاً من ذلك أبداً، يقول تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا *} [النِّسَاء: 104]، فالمؤمنون يرتجون من الله الجنة، بينما القوم غيرهم غيّبوا بجهلهم، هذ الرجاء العظيم عن أنفسهم.. وقد ضرب القرآن الكريم المثل على أولئك الذين أفرغوا نفوسهم من أي أملٍ أو رجاءٍ بالله تعالى، بقوم نوح (عليه السّلام) ؛ فقد لبث فيهم هذا النبيُّ الكريم ألف سنة إلاَّ خمسين عاماً، وهو يدعوهم إلى عبادة الله تعالى، والاستغفار على ما سلف من أعمالهم، لأَنَّ في قبولهم لدعوته، والاستدامة على الاستغفار ما من شأنه أن يستجلب عفو الله تعالى عنهم، وأن يمدَّهم بالمال والبنين، ويغدق عليهم من الخيرات والبركات ما لا يتوقعون، ولكن لم يفلحْ معهم شيء من ذلك، إذ خاطبهم بالبرهان العقلي والدليل الحسّي، وهو يقول لهم، كما يثبته القرآن الكريم: {مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا *} [نُوح: 13]، ووقارُ الله معناه، هنا، خيراتُهُ وبركاتُهُ، وغفرانُهُ ورحمتُهُ.. وهذا ما كان نبيُّ الله يستهجنُهُ منهم، وهو يخاطبهم بنوعٍ من التوبيخ: ما بالكم، أيُّها القوم، لا تأملون، ولا ترجون كلَّ ذلك الخير إنْ آمنتم لي، وصدَّقتموني في دعوتي، التي تحمل لكم الهدى، والرغد في العيش، والأمانَ في الدنيا والآخرة!..
ولكن يبدو أنَّ قوم نوح (عليه السّلام) كانوا جاهلين، وأبعدَ ما يكون عن أيِّ تصور لحقيقة الأمور، بحيث استوت لديهم معاني الثواب والعقاب، فلم يميّزوا بين رجاءٍ لعطاء الله تعالى، وخوف من عقابه، لأنَّ الرجاء - كما قلنا - هو توقّع شيءٍ تحبّه النفس عن أَمارةٍ مظنونةٍ أو معلومةٍ، والخوف هو توقع شيءٍ تكرهه النفس، عن أمارةٍ مظنونةٍ أو معلومةٍ؛ وقد كان أولئك الملأ من قوم نوحٍ (عليه السّلام) من الأصناف الذين لم يميزوا بين رجاء محقَّقٍ، لأنه وعدُ الله على لسانِ النبيّ الذي بُعث لهم، وبين خوفٍ مما يتوعَّدهم به هذا النبيُّ من العقاب.. وماذا كانت النتيجة؟ الطوفان الذي غطّى الأرضَ وأهلك قوم نوح جميعاً، إلاَّ من حمل معه في السفينة من الذين آمنوا به واتّبعوه.. وعلى دأب قوم نوح (عليه السّلام) كلُّ جماعة، أو شعب أو أمة، لا يرجون لله - تعالى - عطاءً، ولا مِداداً، ولا رحمةً ولا غفراناً.. لا بل ولا يخيفهم العذاب الذي تتوعَّدهم به الكتب السماوية، كما في قوله تعالى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ *} [الحِجر: 3]، وهذا يعني أنَّ الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلَّم كان حريصاً على هداية بني قومه، إلاَّ أنَّهم أبَوْا ذلك طوال سنوات عديدة، فأنزل الله تعالى على قلبه الشريف الذكر الحكيم بأنْ يدَعَ هؤلاءِ القوم في ما هم فيه من متاع الحياة الدنيا في مآكلها ومشاربها، وملذاتها، وفي ما يُلهيهم من التكاثر بالنسل، والأمل بطول العمر، عن قبول الإيمان، فسوف يعلمون أنَّ ذلك كله من الآمال الكاذبة التي يمنّون بها نفوسهم، وأنَّ عاقبته سوف تكون وخيمةً يوم يقفون بين يدي العزيز الجبار، ليسألهم عمّا كانوا يعملون..
2 - التمنّي والأمنية
التمنّي «طلبٌ لحصول الشيء على سبيل المحبة وعلى الكلام الدالّ على هذا الطلب»، والمُتَمنَّيَاتُ: ما يتمَّناهُ الإنسان من الأمور، أي المرغوبات.. والتمنّي - في العرف - تقدير شيءٍ في النفس وتصويره فيها، وذلك قد يكون عن تخمينٍ وظنٍّ، وقد يكون عن رويّةٍ، وبناءً على أصل، لكنْ لمَّا كان أكثرهُ عن تخمين، صار الكذبُ أقرب إلى معناه، فأكثر التمنّي تصوّر ما لا حقيقة له. قال تعالى: {أَمْ لِلإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى *} [النّجْم: 24]، أي هل كل ما يتصوّرَ الإنسان في نفسه عن تخمينٍ أو ظنٍّ يقدرُ أنْ يحصل عليه؟ لا، ليس الأمر كذلك.. وقد عبَّر المتنبي عن ذلك فقال:
ما كلُّ ما يَتَمَنَّى المرءُ يُدْرِكُهُ
تجري الرياحُ بما لا تشتهي السُفُنُ
والأمنية: هي الصورة الحاصلة في النفس من تمنّي الشيء، وجمعها: الأمانيُّ.. ولما كان الكذب تصورَ ما لا حقيقة له وإيراده باللفظ صار التمنّي كالمبدأ للكذب، فصحَّ أنْ يُعبَّر عن الكذب بالتمنّي، وصحَّ أنْ يقال عن الأحاديث المختلقة بأنَّها لا تعدو كونها أمانيَّ وهمية، لأنها مجرد تصورات لا تستند إلى الحقيقة والواقع، فإذا رأيت من يختلق الكذبَ، فإنَّما يكون وراء ذلك دوافعُ نفسية لأَن يحقق أمنيةً معينة..
والتمنّي، بهذا المعنى، لا يوصل - مبدئياً - إلى نتائج مرجوة، أو محسوسة، فإذا تمنَّى الإنسانُ أن يمتلك الثروة والغنى، وقبع في بيته بلا سعي أو عمل، ولا بحث عن السبل والوسائل التي تمكّنهُ من ذلك.. فأيُّ مالٍ يجني، أو غنىً يأملُ؟!.. إنْ هو إلاَّ مجرد تصوّر يخادع به نفسه، ولذلك يبقى ملوماً محسوراً..
هذا من حيث المجرى الطبيعي للأمور، ومن حيث ربط النتائج بالأسباب...
ولكنْ، أليس في الحياة من يكون لديهم تصوراتهم، فيكذبوا، ويداهنوا وهم يُمنّونَ أنفسهم بالحصول على المكاسب والمطامع التي يريدون؟! بلى، فهؤلاء لا تكون تصوراتهم آتيةً من فراغ، ولا من خداعٍ لأنفسهم، بل عن دوافع إرادية، وإنَّما يستعملون، لتحقيق أمانيهم، الغشَّ، والخداع والتضليل، وغالباً ما ينجحون لأنهم يجدون من يماشيهم في خططهم، ممّن هم أمثالهم، ولأنهم يستطيعون أنْ يستغفلوا كثيراً من الحكام والمسؤولين الذين يتخذونهم مطايا لمآربهم!.. فهذا واقع قائم، وخاصة في هذه الأيام، ومثاله أولئك الذين يملكون أكبر الشركات ورؤوس الأموال في العالم، ويسخّرون كل شيءٍ لخدمة مصالحهم!.
أما المؤمن فلا تأخذه الأمانيُّ الوهمية، ولا ينساق وراء الرغبات الخيالية، كما أنه يربأ بنفسه أنْ يكون من الكاذبين والاستغلاليين الذين يخادعون أنفسهم، ويخدعون الناس.. ولذلك فهو ينطلق من واقع حياته، ومن معرفة قدرته وإمكاناته، ومن صِدْقِ سريرته، ونظافة سلوكه ليبني عليها تطلعاته، وآماله وأمانيه، وهذا يعني أنَّه بعقيدته وإسلامه قد نزع من نفسه كلَّ التصورات الوهمية، وكلَّ الأمانيّ الباطلة التي تحمل الظنَّ والكذبَ، والتي لا تعبّر، في الأصل، عن شخصيته الإسلامية، فانبرى في الحياة يسعى ويجدُّ على بصيرةٍ من ربِّه تعالى، وعلى أصلٍ ثابتٍ من دينه القويم.. وفي هذا المجال فقد رُويَ عن عثمان بن عفان (رضي اللَّه عنه) أنه قال: «ما تغنَّيْتُ وما تمنَّيْتُ منذُ أسلمتُ»؛ فقد كان عثمان (رضي اللَّه عنه) من أصحاب الجاه والثروة في قريش، فلمَّا اعتنق الإسلام لم يعدْ يغُرُّهُ شيءٌ من متاع الدنيا، أو من الخُيَلاء والتكبّر، والتغنّي بما هو عليه وما يملك، بل أشاحَ بناظريْهِ عن ذلك واقتلع من نفسه مشاعر الغرور والاعتزاز، ليكون مؤمناً، مطيعاً لله ورسوله ويكفي للتدليل على صدق ما قال، وإخلاصِهِ لدينه، ما قدَّم من الأموال الطائلة لتجهيز الجيش الإسلامي إلى غزوة تبوك، الذي عرف بجيش العسرة؛ فقد ورد في السيرة النبوية الشريفة أُنَّ عثمان (رضي اللَّه عنه) ساهم بتجهيز ذلك الجيش بألف دينارٍ من النقود، وثلاثمئة بعير، وخمسين فرساً؛ - وتلك أرقام كبيرة في ذلك الوقت - ولكنها زهيدة بمقياس صدق الإِيمان..
ومن مآثر التربية الإسلامية في القرآن الكريم النهيُ عن التمنّي الذي قد يؤدي إلى التحاسد والتباغض بين الناس، كما يهدي إليه قول الله تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النِّسَاء: 32].. ويضربُ القرآنُ المثلَ على ذلك بأولئك الجماعة من بني إسرائيل الذين كانوا يتمنّون أنْ يكونَ لهم ما لقارون من الثروات والقصور والأملاك. فقد كان قارون من قوم موسى (عليه السّلام) ، وآتاه الله من الكنوز ما يثقل على جماعة من أولي القوة حمل مفاتيحه، فلمَّا خرج موكبه، كعادته، على بني قومه في زينته، قال الذين يريدون الحياةَ الدنيا ما يبيّنه قوله تعالى: {يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القَصَص: 79]، ولكنَّ الذين أوتوا العلم حذّروهم من ذلك التمنّي بقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلْقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ *} [القَصَص: 80] أجل، ثواب الله تعالى خيرٌ من كل ما أوتيَ قارون، وأمثالُهُ في هذه الدنيا.. ويشاءُ الله القادر المقتدر أنْ يظهر حكمتَهُ للناس، فخسف الأرض بقارون ودوره وكل ممتلكاته، فهلك، ولم يبقَ له أثرٌ بعد عين؛ وهنا تجلَّت مشيئة الله تعالى، لكي يتَّعظ الناسُ الذين كانوا يتمنون أن يكونوا مكانَ قارونَ، وهم يرونَهُ بالأمس على تلك المظاهر، فيعودوا إلى وعيهم، وهم يردُّون العطاءَ، والغنى والجاه إلى الله عزَّ وعلا، يقول تعالى: {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلاَ أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ *} [القَصَص: 82].
والعظات التي يقدمها هذا النصُّ القرآنيُّ كثيرة، وعظيمةٌ بمدلولاتها.. ولكنْ أهمُّها الإيمانُ بأنَّ الله تعالى هو الذي يوسّع الرزق لمن يشاء من عباده، ويضيّق على من يشاء، للأمانيّ الكاذبة التي يوهم بها الناسُ أنفسهم، فهو سبحانه يُؤْتي الملكَ من يشاءَ، وينزعُ الملك ممن يشاءُ، ويعزُّ من يشاءُ، بيده الخيرُ، وهو على كل شيء قدير.
وقد فسَّر كثيرون التمنّي بمعنى: التلاوة أو القراءة، ولذلك يقال في اللغة: تمنَّى فلانٌ الكتابَ، أي قرأَهُ، وأنشد شاعر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) حسان بن ثابت:
تمنَّى كتابَ الله أولَّ ليلِهِ
وآخِرَهُ لاَقَى حِمامَ المقاديرِ
أي: إنَّهُ قرأَ القرآنَ أول الليل، وآخرَهُ توفَّاهُ الله، فلاقَى قدرَه الذي ينتظره..
قال الله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ *} [البَقَرَة: 78]. وقد فسَّر مجاهد {إِلاَّ أَمَانِيَّ} [البَقَرَة: 78] فقال: إلاَّ كذباً. وقال ابن جرير: إلاَّ تلاوةً..
فهذا إخبارٌ عن اليهود من حيث إنَّه كان منهم {أُمِيُّونَ} [البَقَرَة: 78] يجهلون أحكام التوراة، فلا يعلمون من هذا الكتاب إلاَّ ما كان يلقنهم إيَّاه أحبارُهم وعلماؤهم، بعد أنْ أدخلوا على نصوصه كثيراً من التحريف والتبديل بما يتوافق ومصالحهم وأهواءهم، وقد أثبت القرآن ذلك في الآية 79 من سورة البقرة، التي تلي مباشرةً الآية 78 المذكورة آنفاً؛ بما يتوعَّدهم به ربُّ العزة والجلال على التزوير الذي يدخلونه على التوراة، وذلك بقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ *} [البَقَرَة: 79].
وهذا ما يبيّن أنًّ عامةَ اليهود كانوا من الأميين، الذين لا يعلمون من كتابهم التوراة إلاَّ مجرد التلاوة السطحية، من دون فهم المعاني والأحكام والمقاصد التي تبيّن لهم أمور دينهم ودنياهم، ما جعلهم يعتمدون في ذلك على أحبارهم وعلمائهم الذين كانوا يكتبون لهم الصحائف المزورة، ويقولون هي من عند الله!.. هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، فقد يكون في تفسير مجاهد لفظة «الأماني» بمعنى الكذب، ما كان بنو إسرائيل يعتقدونه ويُمنُّونَ به أنفسهم الفوزَ بالجنة، والنجاةَ من النار، وكان ذلك اعتقاداً راسخاً في أذهانهم، مصداقاً لقوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ *} [البَقَرَة: 80].. فتلك هي أمانيُّ اليهود حول الآخرة، وهي أنَّهم لن يدخلوا نار جهنَّم إلاَّ لأيام قلائل معدودة.. ولكنْ من غير أنْ يستندوا في تلك الأماني إلى أي أساس لا بوعد من الله تعالى، أو بوعدٍ من أنبيائهم، ومن دون أن يلتفتوا في كذبهم إلى عدل الله العليم الحكيم، الذي يجعل مصيرهم - بل ومصير كل واحدٍ من الناس - مرتبطاً بتقوى الله تعالى، والعمل الصالح، وهذا ما يجعل كلَّ أمانيّهم لا تستقيم مع العدل الإلهي، ولا تتوافق مع التصور الصحيح لمعنى الثواب والعقاب.. وأفعال اليهود يحصيها عليهم القرآن المبين، وأبرزها وأعظمها خطراً: تطاولهم على العزّة الإلهية - والعياذ بالله - وقتلهم الأنبياء بغير حق، واعتقادهم بأنهم شعب الله المختار. أمَّا الكيد اليهودي، وصانعته منذ قرون، الصهيونية العالمية، بما تُحوك من المؤمرات، وما تدبّر من الفتن، فإنَّه يقع تحت سمع العالم وبصره.. ومن لم يعلم ذلك، ومن لم يصدق، فما عليه إلاَّ الاطلاع على مؤلفاتهم، ولاسيما كتاب التلمود، وكتاب «بروتوكولات حكماء صهيون»، وعلى تاريخهم في أوروبا قديماً، ونفوذهم في الولايات المتحدة الأميركية حديثاً، والإرهاب الذي يمارسونه على الشعب الفلسطيني يومياً في أرضه التي اغتصبوها بالقوة والمجازر!.. وما أضافوا على سجلهم الإجرامي في الحرب المدمرة على لبنان، وله أنْ يحكم بعد ذلك على ما يوهمون به الناس من التعاليم التلمودية التي تقدم للناس «الشخصية اليهودية» على أنها النموذج لشعب الله المختار، أما سائر الناس غيرها، فهم دونها مستوىً في كل شيء!!.. والغريب في هذا الأمر أنْ يرضخ عالم الغرب، الذي يعتبر حاله متقدماً، لهذه المقولة، ثم يتهمنا، نحن المسلمين الذين نرفض المقولات الباطلة، بأننا متخلفون!.. في كل شيء!!..
وعن التمنّي بمعنى: التلاوة، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِّيٍ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحَجّ: 52].
وهنا لا بدَّ من التذكير بالعهد الذي أخذه الشيطانُ على نفسه بأنْ يُغويَ بني آدم ويضلَّهم، بحيث يستهدف بإغوائه، قبل الناس جميعاً، كلَّ رسولٍ أو نبيٍّ يبعثه الله تعالى لهداية بني آدم، ومن ذلك أنْ يمّنيَهُ الأمانيَّ التي تبعده عن مقاصد الدعوة التي يحمل.. ولكنَّ الله تعالى غالبٌ على أمره، وهو سبحانه عاصمٌ رسله وأنبياءه، وهذه العصمة هي التي تحول دون أنْ يكون للشيطان عليهم سلطانٌ أو غلبة، أو غواية.. ولم يختلف الحالُ مع خاتم النبيين محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، إذْ وقف المشركون في مكة، وبمناصرةِ أحبار اليهود لهم في يثرب، يتصدّون للدعوة الإسلامية بكل الأباطيل المضلّلة.. حتى إذا لم يُفلحوا انقلبوا على المسلمين بالأذى والعذاب حتى يفتنوهم عن دينهم، ما جعل النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) يأمرهم بالهجرة[*] إلى يثرب (المدينة المنورة) هرباً من أذاهم وعداوتهم..
ولعل من الأمثلة التي تدل على تلك العداوة الشديدة التي كان يكنّها المشركون واليهود للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) حادثة الغرانيق التي استغلَّها أحبار اليهود، ورؤساء المشركين في بداية عهد الدعوة الإسلامية ثم توالت فصولاً من أعداء الإسلام منذ ذلك التاريخ بما شابَها من روايات ملفقة ومصطنعة كان أبطالها المستشرقون الذين يؤيّدون الصهيونية العالمية، ومن تابعهم من أصحاب دعوات الضلال، وجميعهم من الذين دأبوا على نفث سموم خبثهم ودهائهم على الإسلام، فألَّفوا حول «الغرانيق» في معرض المصنفات والمؤلفات والأبحاث التي تناصب العداء لهذا الدين وأهله، ما جعل هذه العداوة لا تشكل ثقافةً لأبناء اليهود وحدهم، بل ولأبناء الغرب بأسره، فصار الطفل يرضعها من حليب أمه كراهيةً للإسلام والمسلمين.. ونحن لا نقول ذلك جزافاً، بل نعطي مثالاً صارخاً على ذلك قد يكون أكثر شيءٍ عجباً في هذه الدنيا، فاستمعوا إلى ثقافة إسرائيل لأطفالها الصغار وهي تعلّمهم أنْ يغنّوا، في الطريق إلى المدرسة، الأغنية التي تقول: عدوي، عدوي الفلسطيني.. يأكل ثمرة شجرتي.. يشرب حليب بقرتي!.. يلبس ثوبي!. يسكن بيتي!. يعيش في أرضي التي اغتصبها منيّ.. أقتلُ، أقتلُ عدوّي، فأنام ملء جفوني!.. أرأيت إلى هذه الثقافة التلمودية؟؟!!.. ثم عودوا إلى شاشات التلفزيون على كثير من القنوات الفضائية كيف جاء حكام دولة إسرائيل بأطفالهم، ليكتبوا على الصواريخ والقذائف التي تقذفها طائراتهم ومدافعهم حمماً على رؤوس المدنيين في لبنان صيف 2006 م، العبارة التي لا يمكن أن يتصورها أحد، وهي: «هدية من ناتالي، ودايفيد ورابين.. إلى أطفال لبنان»..
وأمَّا حادثة الغرانيق فهي تتلخَّصُ بأنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان يتلو بجوار الكعبة الشريفة، وعلى مسامع حشدٍ كبيرٍ من المسلمين والمشركين «سورة النجم» التي أنزل الله تعالى في مطالعها الآيات البيّنات التي تصدّق النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) في إسرائه ومعراجه، وتؤكد حقيقتهما الكونية.. فلمَّا بلغَ من السورة الآيتين 19 و20، وتلا قولَ الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاََّّتَ وَالْعُزَّى *وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى *} [النّجْم: 19-20]، إذا بأحد المشركين ينتفض صارخاً وهو يقول: وإنهنَّ الغرانيقُ[*] العلى، وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرتجى.. أما دافعه إلى ذلك فكان خوفه أن يعيبَ «محمدٌ» (صلى الله عليه وآله وسلّم) أمام ذلك الجمع الغفير تلك الأصنام الثلاثة التي يعبدونها، جرياً على عادته (صلى الله عليه وآله وسلّم) كلما ذُكرت أصنامُهم، ولذلك وقف يمتدحها ببلاهةٍ منه ما بعدها بلاهةٌ، ولو انتظر قليلاً لسمع ذمَّها من ربّ العالمين، كما يتبين من الآيات التي تابع النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) تلاوتها، من غير أنْ يعبأ لصراخ ذلك المشرك؛ ما جعله ينكفئ، ويقعد ملوماً، مخذولاً، لا ينبس ببنت شفة بدليل أنْ لا أحد من المشركين الحاضرين، قام وسانده..
وهنا تبدأ جديّة القضية، لوضعها في إطارها الحقيقي، وهو أنَّ المشرك لما قام يصرخ بمقولته تلك، فإنما كانت بما وسوس له الشيطانُ من زخرف القول ليلقي في تلاوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ما في أذهان المشركين بعض الشأن لأصنامهم، التي لا شأن لها، ولا اعتبار إلاَّ في عبادتهم الوثنية.. فتلك كانت أمنية الشيطان التي وسوس بها للمشرك!.. ولكنْ أينَ أمانيُّهُ والله تعالى يخزيه وأتباعَهُ في محكم كتابه المجيد بما أنزل من آياتٍ محكماتٍ تبيّن وساوس الشيطان وأمانيه وما يترتب عليها من محنةٍ لأتباعه من الكفار والمشركين، قال الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِّيٍ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ *وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *} [الحَجّ: 52-54].
إنَّ معاني هذه النصوص القرآنية الكريمة واضحة الدلالة بذاتها: أي وما أرسلنا من قبلك يا محمدُ من رسولٍ ولا نبيّ إلاَّ إذا تلا آياتنا ألقى الشيطانُ في تلاوته ما يمنّي به نفسه من إدخالٍ على تلك الآيات، ولكنَّ الله - تعالى - يبطل ما يُلقي الشيطانُ، ثم يثبتُ، ويحكم آياتِهِ بالألفاظ والمعاني والمقاصد التي يعجز الشيطان عنها، لأنَّهُ أحقرُ من أنْ يقدر على ذلك، لأنَّ آيات الله إعجازٌ بذاتها للعالمين، من الناس والجن أجمعين، فلا يمكنُ أنْ يشوبها أَيُّ تحريفٍ، أو تبديلٍ، أو تزويرٍ، ولا يطالها أيُّ إدخالٍ لأنَّها الذكر الحكيم وقد حفظه العليُّ القدير إلى قيام الساعة بقوله العزيز{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *} [الحِجر: 9].
والقضية ليست فقط في إبطال أمانيّ الشيطان، بل بما يترتبُ على ما يلقي الشيطانُ - على ألسنة وأقلام أتباعه - من التبعة، إذْ تتبدَّى حكمةُ ربِّنا سبحانه وتعالى بأنْ يجعل ما يلقي الشيطان محنةً للذين في قلوبهم مرضٌ من النفاق والخداع، ومحنةً للقاسية قلوبهم عن قبول الحق، بحيث يكون الظالمون الذين يتّبعون الشيطان، من الكفار والمشركين، في نزاعٍ وخلافٍ ليس بينهم وبين المؤمنين وحسب، بل في ما بينهم هم أنفسهم على المصالح الدنيوية!... وبالمقابل فإنَّ المؤمنين ، ولا سيما أهل العلم منهم، ليعلمون أنَّ ما أنزل الله تعالى من الآيات القرآنية إنَّما هو الحقُّ من ربك يا «محمدُ»، فيؤمنون به وتطمئن له قلوبهم، فيسيرون على هدى من ربهم الذين يهديهم إلى صراطٍ مستقيم.. وليست تلك الرواية التي عرفت بـ«الغرانيق» إلاَّ حادثاً عابراً، يبيّن مقدار العداوة للنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، أمّا المدلولات القرآنية العظيمة فتتبدى بما سبقها من معجزة الإسراء والمعراج، إذ لمَّا شعر النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) كأنَّ هنالك نوعاً من العناد والإصرار على صدّ الناس عن الدين الذي يدعو إليه، هنا، وفي هذا الوقت بالذات وقعت أعظم معجزة عرفها الإنسانُ عندما أسرى الله تعالى بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماوات العلى ليريَهُ من آياته الكبرى... وسواء ركن المشركون حينئذٍ، أو ركن الناس إلى حدوث هذه المعجزة، فإنَّها حقيقةٌ لا يجوز لأحدٍ أن يخالفَ فيها ما دام أثبتَها ربُّ العالمين في القرآن الحكيم بقوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *} [الإسرَاء: 1].
... ووقعت معجزةُ الإسراء والمعراج، وعادَ النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) في الليلة نفسها إلى مكة، ومن الطبيعي أنْ يصبحَ ويخبرَ الناسَ بما جرى معه، فصدقَه المسلمون، وأبى المشركون أنْ يصدّقوه، فقدَّم لهُمُ البراهينَ الحسية، عندما وصف لهم بيت المقدس بأدق التوصيف، وإشهاد التجار الذين كانوا يذهبون إليه على صدقية وصفه، فوافقوه.. ثم أخبرهم عن عيرٍ لقريشٍ مرَّ عليها في مكان يدعى «الروحاء»، وهو في طريق العودة من بيت المقدس، فلما وصلت إلى مكة تأكَّدَ لهم أيضاً صحةُ ما أخبرَ محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن تلك العير.. وعلى الرغم من ذلك فقد ظل أهلُ الضَّلال على ضلالهم.. بل سعى رجال منهم إلى أبي بكر (رضي اللَّه عنه) ، فأخبروه بما حصل مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فصدق الخبر لتوِّه، فسماه النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) مذ ذاك «الصِّدِّيق». وليس هذا المهم، بل الأهم أنَّ الله سبحانه وتعالى أثبت معجزة الإسراء والمعراج مرةً أخرى في سورة النجم.. وإنَّ في فهم الآيات التي وردت في مطلع سورة النجم، ما يُمكنُ لكل منصفٍ عاقلٍ أنْ يضع حادثة «الغرانيق» في إطارها الواقعي الذي لا يتعدَّى صرخة مشرك وسوس له الشيطان بها، ثم تلاشت هباءً في الهواء، ثم ليعتبر الإنسان المنصف أن ما ذهب إليه أعداء الإسلام حول تلك الحادثة لا يتعدى التأويلات والأباطيل التي يدحضُها كتابُ الله جملةً وتفصيلاً.. يقول الله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى *مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى *وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى *عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى *ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى *وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى *ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى *فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى *فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى *مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى *أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى *} [النّجْم: 1-12].
من مجمل معاني هذه الآيات المباركة يمكن أنْ نفهم:
أنَّ الله تعالى، وهو ربُّ السماوات والأرض، يقسم بحادثةٍ كونيةٍ، وهي أنَّ سقوط هذه النجوم، أو إحدى هذه النجوم التي ترونها في السماء الدنيا من فوقكم.. والتي وضَعَ لها السننَ التي تسير عليها، إنَّما يكون بمشيئة الله وحده، لأنه قادر على أنْ يحرقَ أي نجم منها، فيغيب إلى غير رجعة، أو أنْ يُدخل أي نجم منها، في أحد الثقوب السوداء، فيهوي إلى أعماقٍ لا يعلمها غيرُهُ - جلَّت قدرته -.
ولكنْ لماذا هذا القسم العظيم من ربِّ العزة والجلال؟
لكي توقنوا أيُّها المشركون - ويوقن الناسُ من بعدكم إلى يوم الساعة - أنَّ صاحبكم محمداً - ومدلوله تعبير «صاحبكم» إنما يعني معرفتهم له حق المعرفة - ما بَعُدَ عن طريق الهدى، وما لابَسَ الغيَّ[*] ، وما ينطق عن هوىً في نفسه، بل إن ما يتلو عليكم من الآيات إنْ هو إلاَّ وحيٌ يُوحى إليه من ربه، علَّمهُ إيَّاهُ جبرائيلُ الأمين، الذي قد رآه لأول مرةٍ على صورته الملائكية، عندما كان معتكفاً في غار حراء، قابعاً في زاويةِ صخرةٍ من ذلك الجبل في مكة، علَّهُ يهتدي إلى حقائق ملكوت السماوات والأرض التي كانت نفسه تتحرّى البحث عنها.. ففي هذا الوقت بالذات، وهو على تلك الحالة من الاتصال الروحي بملكوت الله تعالى، رأى جبريل (عليه السّلام) بالأفق الأعلى، على صورته التي خَلَقَهُ الله عليها، وهو يسدُّ ما بين المشرق والمغرب، ثم يناديه: يا محمَّدُ! أنتَ نبيُّ هذه الأمة، وأنت خاتم النبيين، ورسول رب العالمين للناس أجمعين. يا محمَّدُ!.. أنا الملك جبرائيل، أنقل إليك الوحي من الله ربك، {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *} [العَلق: 1].. ووعى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بقلبه، وتلا بلسانه ما أقرأه إيَّاه رسولُ الوحي، ثم نزل جبرائيل من سافح الأفق الأعلى وتحوَّل، بأمر الله تعالى، من هيئته الملائكية إلى هيئة بشرٍ، ثم دنا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) حتى كان على قاب قوسين أو أدنى منه، فعاد يلقّنه أول الوحي الذي ينقله إليه: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ * اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ *اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكَرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ *} [الفَاتِحَة: 1]، [العَلق: 1-5].
ومنذ ذلك الحين ربط الله تعالى على قلبيهما بالألفة والمحبة، والأخوة، التي لا يضاهيها إلاَّ حبّهما لله العلي العظيم؛ وعلى مدار ثلاثٍ وعشرين سنة من الوحي، كان جبرائيل (عليه السّلام) يأتي النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) وهو على هيئة بشرٍ؛ ولذلك يأتي التوبيخُ من الله تعالى لكل من لا يصدّق محمداً بأنَّهُ رأى جبرائيل الأمين لأول مرةٍ على صورته الملائكية، تلك التي كان يسدُّ بها الخافقين؛ وذلك بقوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى *أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى *} [النّجْم: 11-12]... لا، ما كذب فؤاد محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ولا عقله ولا بصرُهُ وهو يتلقى الوحي من جبرائيل وهو على تلك الصورة، أفتحاجُّونَهُ أنتم على ما يرى بعينه، وما يدرك بكامل حواسه، ووعيه؟؟!! إنَّه الصادق، وأنتْم الكاذبون.. وهذا بذاته دفاع من الله - جلت عظمته - عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، فهو مصون ومسدّد من ربه منذ نعومة أظفاره، فكان حقاً وصدقاً أنَّ صاحبكم «محمداً» ما ضلَّ عن طريق الهدى، الذي هو جزء من كيانه قبل بعثه، فهل يضلُّ بعد أنْ ندبَهُ ربُّهُ العزيز الحكيم لأجلّ مهمةٍ وأقدسِها، وهي إبلاغ الإسلام للناس كافة؟! أبداً.. ما ضلَّ صاحبكم وما غوى عن طريق هداية الله وما آتاه من الرشد.. ودفاع الله عن عباده المؤمنين يثبتُهُ قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحَجّ: 38]، إذًا ليس لأحدٍ مجادلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) على ما يقول، أو ما يقرأ من قرآنٍ، لأنه لا ينطق عن هوىً، بل هو وحيٌ يوحى إليه من الله، علَّمه إياه ملك شديد القوى، وذو قوةٍ خارقة، تمكّنه من أن يخترق آفاق السماوات، وهذا الملك، وهو جبرائيل الأمين إنّما ينقل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ما يوحي به تعالى إليه..
وكلُّ ذلك كان مسبوقاً بقسم الله تعالى على ظاهرة كونية، ليأتي ضمن مفاعيل، ومصاديق هذا القسم الإلهي، بيانٌ لظاهرة كونية أخرى وهي المعراج الذي نقل النبي محمداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) من الأرض، وبالتحديد من عند المسجد الأقصى في بيت المقدس إلى السماوات العلى، وقد حمله جبرائيل (عليه السّلام) بين أطباق السماوات حتى وَصَلَ به إلى عند سدرة المنتهى مصداقاً لقوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى *عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى *عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى *إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى *مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى *لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى *} [النّجْم: 13-18]، أي لقد رأى محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) أخاه وحبيبه جبرائيل الأمين (عليه السّلام) مرةً أخرى على هيئته الملائكية، ولكنْ أين هذه المرة.. عند سدرة المنتهى، التي ينتهي إليها الملائكة المقرَّبون، عند أحد أطراف العرش العظيم، وعند تلك السدرة، الجنة التي يرتادها هؤلاء الملائكة، وتأوي إليها أرواح ونفوس الشهداء، الذين اختارَهم العليُّ الكبير لشرف الشهادة.. وعندما يخبرُ محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن ذلك فهو صادق، وعن كامل وعي وإدراك، لا بظنٍّ، ولا وهمٍ، ولا حُلُمٍ، لأنه كان في يقظة تامةٍ، وحاضراً بجسده ونفسه وروحه في ذلك العروج المبارك الذي لم يبلغه أحدٌ من العالمين، لا قبلَهُ ولا بعدَهُ، وقد رأى في ذلك العروج من ملكوت السماوات، ومن آيات الله الكبرى ما لم يرَهُ إلاَّ الملائكة المقربون وجبرائيل الأمين..
تلك هي الأحداث التي أنزل الله تعالى فيها آياتٍ بيّناتٍ لمن يتذكَّرُ أو يخشى.. وأثناء تلاوتها وقعت حادثة «الغرانيق»، التي لم تكن إلاَّ مجرد موقف عابر من مشرك، انتهى في ساعته.. إلاَّ أن أحبار اليهود في يثرب، وما إنْ علموا بتلك الحادثة العابرة، حتى اتخذوا من «الغرانيق» سلاحاً يمتشقونه هم، والمشركون في مكة، دعايةً إعلامية، بعد أن قلبوا الحقيقة رأساً على عقبٍ، حتى يوهموا الناس بأنَّ محمداً يمتدح الأصنام.. ولكنَّ تلك الدعاية لم تنفع بشيءٍ، لأنَّ المسلمين كانوا حاضرين، وسمعوا ورأوا ما حصل بأنفسهم، فلم تؤثر عليهم، لا من قريب ولا من بعيد، لأنهم، بالإضافة إلى أنهم كانوا شاهدين، فهم يعرفون الفصحى جيداً، ويفهمون تماماً ما تعنيه الآيتان 19 و20 من سورة النجم، التي تحمل التهكُّمَ والتوبيخ للمشركين في عبادة تلك الأصنام من الحجارة التي لا تنفع ولا تضرّ بشيء..
ويمكن أن نستدلّ من معاني الآيتين المباركتين بعض الأمور، وأهمها:
أفرأيتم هذه الأصنام، هذه الحجارة الجامدة، هل يمكن أنْ تفعل شيئاً ممَّا هو من قدرة الله تعالى ومشيئته؟ فهل تجعلُ نجماً يهوي أو يغيب؟ وهل تخترق قوانين الجاذبية، وتطيعها السُّنَنُ الكونية فتنقُلَ بشراً بين أطباق السماوات السبع؟ وهل تعلمون أنتم أيها البشر شيئاً عن سدرة المنتهى، التي عندها جنة المأوى، إلاَّ ما يتلوه هذا النبيُّ الأمينُ على مسامعكم من آياتٍ حولها؟
... فأي إنسان عاقلٍ، لا بدَّ وأنْ يتبيّن له أنَّ ذكر تلك الأصنام، بعد الذي سبقها من الآيات البيّنات، إنَّما كان لإيقاظ المشركين من غفلتهم، وتسفيه أحلامهم باتخاذ أوثانٍ، آلهةً يتعبدون إليها، بل وهي تخزي الشيطان وأمانيَّهُ، في كل محاولةٍ يجنِّد نفسَهُ، وقبيلَهُ من الإِنس والجن من أجل تكذيب آيات الله عزَّ وجلَّ، والصدِّ عن سبيله القويم، ليُبقي الناسَ على الضلال والشرك، أو يدفعهم إليهما!...
ذلك هو الإطار لما عرف بـ«الغرانيق»، والتي لا تتعدَّى مجرد صرخة مشرك!.. إلاَّ أنَّ أعداء محمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلّم) أرادوا أنْ يجعلوا منها حادثةً «تاريخية» تصبُّ في خدمة أحقادهم على هذا الرسول الكريم، فنسبوا إليه ما قاله ذلك المشرك من قريش، دونَ أنْ يدركوا أنَّ ذلك من شأنه أنْ يخزيهم هُم، ما دام القرآنُ حاضراً أبداً، ليبيّن الحقيقة الناصعة، ويجعل رواياتهم رخيصةً لأسبابٍ كثيرةٍ، وكثيرةٍ جداً، وتدحضُ كل مزاعمهم، ومن قبيل ذلك:
- أنَّ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) بُعث برسالة التوحيد التي تنقض الشرك بكافة وجوهه وأشكاله..
- أنَّه نبيٌّ ورسولٌ معصوم (مثل سائر الأنبياء والمرسلين) فلا يمكن أنْ يقع في غفلةٍ أو سهوٍ أو خطأ، لا في قولٍ أو عمل أو تلاوة.. أما إذا تمنَّى الشيطانُ، وألقى في تلاوة الأنبياء والرسل على ألسنة المشركين والكافرين والمنافقين، شيئاً من أمانيه، فإنَّ الله تعالى، الذي يملك ناصية الشيطان هو القادر المقتدر، فينسخ كلَّ أمنية أو تلاوةٍ يلقيها الشيطان، كما يؤكده القرآنُ الكريم في الآية 52 من سورة الحج (التي أوردنا نصَّها قبل قليل).. وقد خصَّ الله العزيز الجبار سيّدنا محمداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالحماية والحفظ والصون من الناس ومن أماني الشيطان ووساوسه. وعناية الله تعالى وصونه لكرامة خاتم النبيين شواهدها كثيرة في القرآن المبين، ومنها قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المَائدة: 67]، فإنْ تآمروا عليك ليقتلوك فتآمرهم فاشل، وإن مكروا بك، فمكرهم يرتدُّ عليهم، «وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال»، وإنْ آذوكَ بأيِّ شيءٍ من السباب والشتائم، والتقوّل عليك بالباطل، قولاً وكتابة، والتصوير بما ليس فيك، فإنَّ كرامتك مصونة عند الله تعالى، لأنهم قوم كافرون و{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المَائدة: 67].. وإنْ أغواهم كفرهم لأن يستهزئوا بك فـ«إنَّا» لهم بالمرصاد، قوله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ *الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ *} [الحِجر: 95-96]، فسوف يعلمون عاقبة استهزائهم، بما نذيقهم من العذاب في الدنيا والآخرة..
- إنَّ الله تعالى قد أنزل القرآن على قلب محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، مصداقاً لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ *} [الحَديد: 9].
- إنَّ ربَّ العالمين قد أرسل محمداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) رحمةً للعالمين، لقوله الكريم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ *} [الأنبيَاء: 107]..
وكان أحرى بأعداء محمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلّم)، خاتم النبيين وسيّد المرسلين، وحبيب ربِّ العالمين، أنْ يكونوا صادقين في تحرّي الحقيقة، ولاسيما في أبحاثهم لمطالع سورة النجم من القرآن المجيد التي كان من أولى مقاصدها التوكيد على قدرة الله تعالى، بحيث إنَّ أمرَهُ إذا أرادَ شيئاً أنْ يقولَ له: كنْ، فيكون، والتوكيد على صدق محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) في ما يبلَّغ من الوحي عن ربِّه عزَّ وعلا.. ولكنهم أرادوا أنْ يجعلوا من مقولة «الغرانيق» حادثةً «هامة»، فانقلب السحرُ على الساحر، لأنَّه كان لها مدلولات إيجابية في التاريخ الإسلامي، وفي حياة المسلمين، على عكس ما تمنَّى أعداءُ دينهم، الذين كانوا يهدفون من وراء تلك المقولة ضرب المفاهيم الإسلامية..
أجل، إنَّها كانت في إطارها الضيّقِ مجردَ أمانيّ شيطانيةٍ على لسان أحد المشركين كي يشوّهَ تلاوةَ محمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلّم) . ولكن أنَّى للشيطانِ وأعوانه أن يفلحوا في ذلك، ورسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عاصمُهُ ربُّهُ من الخطأ، والله عزَّ وجلَّ هو مُنزِلُ القرآن، وهو حافظه من أيِّ دسٍّ أو تحريف، حتى وإنْ كانت أفاعيل الشيطانِ، وتأثيرهُ على النفسِ البشريةِ متعددةَ الأشكالِ والألوان كما يدلنا عليه قولُ الله تعالى: {وَلأَُضِلَّنَّهُمْ وَلأَُمَنِّيَنَّهُمْ} [النِّسَاء: 119]: يضلُّهم عن الحق، ويمنّيهم طولَ البقاء في هذه الدنيا.. وقوله تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا *} [النِّسَاء: 120].
يعدهم الشيطان كثيراً، ويمنّيهم كثيراً.. يعدُهم باللذائذِ، والمتع، ويمنّيهم بالثروة، والجاه، وتحقيق أهدافهم بمختلف الوسائلِ والأساليبِ، حيث لا يعودُ أتباعُ الشيطانِ يميّزون بين حلالٍ وحرامٍ، وبين طاعةٍ ومعصيةٍ، وبين حقٍّ وباطلٍ، وبين صوابٍ وخطأ.. ويصبح متاعُ هذه الدنيا همَّهم الوحيدَ، فلا يعودون يذكرون بعثاً ولا حساباً، ولا ثواباً ولا عقاباً.. وينسَوْن في انشغالاتهم الدنيوية أنّ ما يعدهم الشيطانُ ويمنّيهم به ليس إلا «غروراً»، أي باطلاً لا حقيقة له ولا أصل. وهم إنْ وجدوا بعضَ آثاره في هذه الدنيا، فإنَّ نتائجَهُ الوخيمة سوف تكونُ في الآخرة ويلاً، وناراً محرقة، إذ لا مجالَ لأتباع الشيطان إلاَّ أنْ يكون مصيرُهم، مثيل مصيره، جهنّمَ وبئس المصير.
وقد جاء في الحديث الشريف: «الكيِّسُ مَنْ دانَ نفسَهُ وعَمِلَ إلى ما بعدِ الموت، والعاجزُ مَنْ أَتْبَعَ نفسَهُ هَواها وتَمَنَّى على الله الأمانيَّ»[*] ، أيْ اختلق ما يشاء إرضاءً لشهواته، وتحقيقاً لرغباته غير المشروعة..
وفي ختام هذا البحث لا بدَّ أنْ نشير إلى أنَّ الأماني ليست رغبات تخمينية دائماً، لأنَّ الأمنية قد تأتي، في مناسباتٍ كثيرةٍ، تعبيراً عن شعور أصيل في ما تحبُّهُ النفس، فالألفة والمحبة وحسن الجوار، بل ومشاعر الإنسانية تشكل دوافع للأماني الطيبة، فأنتَ عندما تزور مريضاً في المستشفى فإنك تتمنَّى له الشفاء العاجل، وعندما تدخل على قريبك أو جارك أو صديقك، أو عندما ترسل لأحدٍ بطاقة معايدة، وتتمنَّى له عيداً سعيداً مجيداً، وعندما تأمل النجاح لولد في الامتحان، أو تتمنى له السعادة في زواجه، أو عندما ترغب في رضا الوالديْنِ.. فإنك، في أيّ شيءٍ من ذلك، قد تعبّر عن صدق شعورك، ورجاءٍ بتحقيق أمانيك.. فهذه الأمنيات، وأمثالها كثير، لا بدَّ وأن تُدخل شيئاً من السعادة إلى نفسك، ونفوس الآخرين..
ولكنْ قد تكون الأماني مجاملةً، وليست نابعةً من شعورٍ صادق، ومع ذلك فإنَّ طابعها يكون التودد إلى الغير، وربما كسب رضاه لغرض معين، كما لو يتمنَّى أحدهم الفوز لمرشح في الانتخابات، أو عندما يتمنَّى المستخدم رجوع مديره بالسلامة من سفره، أو عندما يستأجر أحدهم بيتاً جديداً فيتمنى له جاره التوفيق في إجارته الجديدة.. فمثل هذه الأماني، وغيرها مما يشابهها، قد يغلب عليها طابع المجاملة، أكثر من مشاعر المحبة، وهي تشكل الحدّ الأدنى من الأماني الإيجابية..
ويجب ألاَّ ننسى أنه قد يحدث في حياة الإنسان ما يبدّل مشاعرَهُ بحيث تتحوَّل من الكراهية إلى المحبة، ومن التعصب إلى التسامح، ومن الظن إلى اليقين، وبالعكس.. وكل ذلك تبعاً للظروف والأوضاع التي يعيشها الإنسان، وتؤثر، في محصّلتها، على حياته النفسية..
وأخيراً لا بدّ أن نوجِّه هذه الدعوة الصادقة للناس، وهي ألاَّ تغرَّنهم الأماني، ولا يغرَّنهم الشيطان، لأنه لا يمنّي إلاَّ وفي أمنيَّته السوء، حتى لا يكونوا من الذين ينطبق عليهم في الآخرة قولُ الله تعالى: {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحَديد: 14]، الغرور، هنا، الشيطان..
3 - التفاؤل وعدم التشاؤم
التفاؤل: الشعور الذي يرتجي الخير، أو التمنّي الذي ينزع إلى الخير، من مثل الربح في التجارة، أو الترقية في الوظيفة، أو توقع النجاح في الامتحان، أو الفوز في الانتخاب، فهو إذاً شعورٌ حسنٌ يميل إلى حدوث شيءٍ في المستقبل، يَسُرُّ النفس.
والتفاؤل، في اللغة هو ضد الطِيَرَة، كأنْ يلتقي أحدهم بشخص، أو يرى شيئاً فيحسّ بالارتياح لرؤيته، أو أنْ يسمع كلاماً فيستبشر به بركة أو أملاً، فإذا سمع المريض قولاً طيباً مثل: يا شافي، يا سالم، أدخل ذلك الشعورَ في نفسه بتوقّع الشفاء والسلامة، أو سمع من يقول: يا واجد، إذا كان يكدّ في طلب شيء، فيتوقع الحصول عليه.. وكل واحد يقول: تفاءلت بكذا.. وفي الحديث أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان يُحِبُّ الفألَ الحسن، وقد قال: «تَفَاءَلُوا بالخير تجدوه»[*] .
والتفاؤل يصاحبه الرجاء، وهو الطمع في ما يمكن حصوله، أو ما يُراد منه تحقيق الأمل، أي توقع الخير ممن بيده الخير، وفي المشاعر يقال عن الرجاء بأنه تعلق القلب بحصول أمر محبوب في المستقبل.
وتتلاقى هذه المعاني: التفاؤل، الرجاء، الأمل، على أمر جامع وهو حب الخير وتوقع حصوله. وكل ما يفيد الإنسان، في نزوعه نحو الصلاح، هو خير له، ولذلك تقول: خيرية العمل وتعني صالح العمل، وتقول خيرية النفس وتعني تزكيتها، وتقول خيرية العلم، وتعني منفعته..
وضدُّ التفاؤل: التشاؤم. وهو من الشُّؤم أو الشّوْم الذي هو الشر، والشؤم ضد اليُمْن، أي ضدّ السعة والبركة واليسار.
وتشأَّمَ وتشاءَمَ: تَطيَّر، وترقَّب الشَّرَ. قال الله تعالى: {وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ *} [الواقِعَة: 9] أي أصحاب الشؤم والشر. وقال الله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} [الأعرَاف: 131]، أي وإنْ يُصِبْهُم جدبٌ أو بلاء يتشاءَموا بالنبي موسى (عليه السّلام) ومن معه من المؤمنين، وفي اللغة يقال: تطيَّر فلانٌ واطَّيَّرَ: أصله التفاؤل بالطير، وتطيَّر بالشيء ومن الشيء: تشاءَم، قال تعالى: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} [يس: 18]، وهي مقولة أهل انطاكية، في تهديد الرسل الذين أرسلوا لهدايتهم، أي قالوا لهم: إنّا تشاءَمْنا بإرسالكم إلينا.. والتطيّرُ عادةٌ جاهليةٌ، إذ كانوا يتطيّرون بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرها، (فالسانح هو ما والاك ميامنةً بأن يمرَّ عن يسارك إلى يمينك؛ والبارح ما يمرّ عن يمينك إلى يسارك)؛ فكانوا ينفّرون الظباءَ (الغزلان) والطيرَ، فإنْ أخذت طريقها ذات اليمين (من اليُمن) تبرّكوا بها، ومضوا في قضاء حاجاتهم، وإنْ أخذت ذات الشمال رجعوا عن ذلك وتشاءموا بها. فلما جاء الإسلام نفى أن يكون لتلك العادة أي نفع أو ضرر، فأبطلها..
وقد جاء النهي عاماً عن التشاؤم بأي شيء. عن عروة بن عامر (رضي اللَّه عنه) قال: ذُكرتِ الطِيَرَةُ عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقال: «أحسنُها الفألُ ولا تَرُدُّ مُسْلِماً، فإذا رأى أحدُكُم ما يكرَهُ، فليقُلْ: اللَّهُمَّ لا يَأْتي بالحسناتِ إلاَّ أنتَ، ولا يَدفَعُ السيئاتٍ إلاَّ أنتَ، ولا حولَ ولا قوةَ إلاَّ بك»[*] ، وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «ولا تَرُدّن مسلماً» معناه أن الإنسان المسلم إذا عزم على أمر، توكَّل على الله تعالى فيه، وحينئذٍ لا تردُّهُ طيرةٌ ولا غيرها، لأنه يعلم علم اليقين، أنَّ الأمر كله بيد الله تعالى.
وقد فسَّر النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) «الفأل» بأنه «كلمة صالحة»، فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لا طيرة، وخيرها الفأل»[*] قيل يا رسول الله: وما الفأل؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «الكلمةُ الصالحةُ يسمَعُها أحدُكُم» .
وهكذا يتبين أنَّ التفاؤل والتشاؤم يتأتَّيان، عادةً، عن أفكارٍ شائعة في المجتمع، تتسرَّبُ إلى نفس الإنسان منذ بداية علاقاته مع الآخرين، فتحصل عنده أفكار قد تراودُهُ بالخير أو الشر، أو تبعث في نفسه المشاعرَ التي يتوسَّمُ فيها البركة، أو يتوقع منها السوء..
ومما لا شك فيه أنَّ الإنسان يجب أنْ ينزع من نفسه كل ما يتعلق بالشؤم أو الشر. ويكون ذلك بفعل الإرادة التي يجعلها تقوى على بواعث الشؤم، وتستبدل بها بواعث الأمل والرجاء، أو أماني الرضا والسعادة.
والشعور بالتفاؤل قد يولّد لدى الإنسان مناعةً نفسيةً ضد الأمراض أو الاضطرابات النفسية، وذلك بما يحصّن به نفسه من أفكار ومشاعر خيّرة. وعلماء النفس يتفقون على أنَّ الإنسان - على الرغم مما قد يعترضه من مشاكل الحياة - مدفوع بألاَّ يدع الشعور بالقلق، أو الاضطراب، واليأس يسيطر عليه، وهم يدعونه للتفاؤل بصورة مستمرة، وفي أي موقف صعب قد يعترضه.
وقد اعتمد الأميركيون لطرد التشاؤم من النفس على ما يسمونه «قانون الاحتمالات» وهو يعني أنْ يضع الشخص لكل مشكلة عدة احتمالات لمعالجتها، وأنْ يتوقع حدوث أسوأ هذه الاحتمالات، ثم يكون مستعداً لمواجهته بثقة وعقلانية.
ولكن هنالك مشاكل عديدة تتخبط فيها المجتمعات، ولا تدخل تحت مفهوم التشاؤم أو التفاؤل، لأنَّها غالباً ما تنجم عن المساوئ والمفاسد التي تنتشر بين الناس، ومن ثمَّ تظهر آثارُها السيئة، وأحياناً القاتلة، على الصحة البدنية والنفسية. ولعلَّ أبرز الأمثلة على ذلك آفة المخدرات التي تغزو العالم كله، حتى طالت الأولاد في المدارس.. أو مرض «الإيدز» الذي هو آخذ بالانتشار في كل المجتمعات تقريباً، ولا سيما في بلاد أفريقيا والغرب، بصورة مطّردة، حيث بات يصيب مئات الآلاف، ويهدد الملايين من البشر، بانتقال عدواه السريعة، نتيجة هذا الاختلاط المشين في العلاقات الجنسية، والتي كانت من «مآثر» الحرية الشخصية التي يتغنَّى بها الغرب، ويريد أنْ يصدِّرها إلى سائر الشعوب بتلك المساوئ التي تضرب كرامة الإنسان، وتطيح حياته الصحية!.. فلا بدَّ، إذاً، من معالجات، إنْ للأفراد، أو المجتمعات!..
ولو أخذنا الإسلام نظاماً للحياة، لوجدنا فيه من المقومات والمناهج ما يصلح الحياة في الأرض. فهو يعالج مختلف الأوضاع الاجتماعية، والتربوية، والصحية، والاقتصادية والسياسية وغيرها في ضوء كتاب الله، وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، حيث نجد المعالجات الكافية لكل المشاكل التي تعترض حياة الناس، وإنْ تعقدت وتشابكت.. ويأتي في رأس العلاجات التي يقدمها الإسلام الإيمان الديني باعتباره العروة الوثقى التي تربط الإنسان بخالقِهِ، وتجعله يقيم علاقاته مع الناس بما يرضي ربَّه تعالى؛ فالمسلم يعلم أنَّ دينهُ يحرّم مثلاً الزنى بين الرجل والمرأة، واللواط بين الذكر والذكر، والسحاق بين الأنثى والأنثى، ويمقتضى هذا التحريم فإنَّه يمتنع عن تلك المفاسد، مما يحول - ولا ريب - دون أن تنتشر في المجتمع المسلم الأمراض الناجمة عن العلاقات الجنسية غير المشروعة، وغير الطبيعية، ومنها مرض الزهري، ومرض «الإيدز» أو غيرهما.. وتحريم الزنى، والعلاقات الجنسية الشاذّة لا يدّعيه الإسلام وحده، بل تحرّمه جميع الرسالات السماوية، ولكنَّ الفارق أنَّ الإسلام لا يزال يمسك بزمام الأمور في نفوس غالبية أبنائه، لأنَّ قواعد الحلال والحرام هي ما يقيم عليها المسلمون كلَّ معاملاتهم وعلاقاتهم، وإنْ كان منهم من يخرج على تلك القواعد، ولاسيما في عهد الرعونة والشباب، إلاَّ أنَّهم لا يلبثون أنْ يعودوا - بعد انتهاء فترة الطيش - إلى الشرع الحنيف الذي ينتشلهم من موبقات حياتهم السابقة، في حين أنَّ الغرب قد أبعَد عن أذهانِ أبنائه القوانينَ الكنسية، وتعاليم النصرانية واليهودية، عندما أرسى مبدأ «فصل الدين عن الدولة»، واعتمد القوانين الوضعية، ومنها على سبيل المثال، القوانين التي تُبيح زواجَ الذكرَيْن خلافاً لطبيعة خلق الإنسان.. وقس على ذلك سائر التشريعات المتعلقة بالمال والاقتصاد والاجتماع والسياسة، بل وتشريعات وسائل الترفيه والمتعة، التي جعلت الحياة المادية تطغى على الحياة الدينية، فصارت النفوسُ خواءً من القيم الروحية، وصار همُّ الناس تأمين المال بأية وسيلةٍ كانت، ليعيش كلٌّ على طريقته وهواه؛ بينما السيد المسيح (عليه السّلام) قال كما ورد في أناجيلهم: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان» لأنَّ للقيم الروحية شأناً، لا يقل أهميةٌ عن الخبز، في تربية الإنسان وطمأنينة قلبه، وسعادة نفسه..
أما منهج الإسلام فالأساس فيه إقامة التوازن بين الحياة الروحية والحياة المادية، الذي يعبّر عنه القول المشهور:
اعمل لدنياكَ كأنَّك تَعيشُ أبداً، واعمَلْ لآخِرتِكَ كأنَّكَ تموتُ غداً
وهذا ما يجعل الإسلامَ، بهذه المعادلة من التوازن بين متطلبات الجسد ومتطلبات النفس، أو بين متطلبات الحياة الدنيا ومتطلبات الحياة الآخرة، قادراً على مواجهة المشاكل، وإيجاد المعالجات السليمة لها، ويكفي أنَّه دين الله، دين رب العالمين، الدين الكامل، التام والشامل الذي يجد الناسُ فيه المناهجَ التي أرسى أسسها القرآنُ الكريم، ودعا الناسَ إلى اعتمادها وتطبيقها حتى يعمَّ العدلُ والسلامُ في دنيا الأرض، وتستوي حياة الإنسان كما يشاءُ العليُّ العظيم.. ونحن لا نقول ذلك جزافاً، بل ندعو العالم كلَّهُ لأنْ يطَّلع على مناهج الإسلام الصحيحة، ولا سيما تلك المنبثقة من الأحكام الشرعية حتى يستيقن من صحة المنهج الرباني، ويقتنع بجعله منهجاً للحياة الإنسانية..
إنَّ الحياة اليومَ، بكل تعقيداتها تبعث في النفوس التشاؤم، وزيادة انفعالات التوتر، والاضطرابات النفسية، لذلك عندما نركّز في أبحاث هذا الكتاب، بصورة دائمة، على الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، وعلى الاعتقاد اليقيني بأنَّ هنالك بعثاً وحساباً، وجنةً وناراً، فإنَّ تركيزنا هذا عن عمدٍ وقصد، لأنَّ من شأن هذين العاملين إصلاحَ المناهجِ الأرضيةِ، لتكون مبنيَّةً على منهاج الله تعالى..فعندما يثقُ الإنسان بخالقه ومدبّره الحكيم يسلك سبيل الحق والصواب والفضيلة، وعندها فإنَّ احتمال ارتكابه للحرام، أو الجريمة أو الفساد يصبح أقلَّ بكثير من احتمال إنسانٍ غير مؤمن، لايقيم أي وزنٍ أو اعتبار للخشية من ربه، وإيقاع العقاب به.. أي إنَّ الإنسانَ وهو يقوم بكل ما من شأنه أن يزكّي نفسه، ويعامل الآخرين بما يحبُّ أنْ يعاملوه به، ثم يؤدّي حقوق الله تعالى، فلا يبقى من مجال لأنْ يدعَ أفكار ومشاعرَ التشاؤم تسيطر عليه، لا بل على العكس، فإنَّ ذلك يبعث في نفسه الرجاء والأمل برحمة الله تعالى، ومحبته لعباده.
ثم إنَّ التفاؤل إذا ما أرادَ الإنسانُ الأخذ به، يجب أن يكون مقروناً دائماً بالعمل الصالح، الذي هو - في الاصطلاح - استقامة الحال على ما يدعو إليه الشرع والعقل، لذلك نجد خطابَ ربّ العالمين، للرسل الذين بعثهم لهداية الناس، يأمرهم بالعمل الصالح، لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ *} [المؤمنون: 51].
وفي خطابه عزَّ وعَلا للمؤمنين يبيّن لهم أنَّ من مقومات الإِيمان تقوى الله، والقولَ السديد الذي يصلح أعمالهم، بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا *يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا *} [الأحزَاب: 70-71].
بل وربُّ العزّة والجلال يعدُ المؤمنين الذين يعملون صالحاً بأنْ يحييهم حياةً طيبةً لقوله الكريم: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *} [النّحل: 97]، وهذه الحياة الطيبة هي التي تطول فيها الأعمارُ وتعمُّها البركاتُ والخيراتُ، وتمتلئُ رحابُها بالأمن والسلام..
ولا بدَّ من التذكير بأنَّ هذه الحياة الدنيا إلى زوال، وأنَّ مصيرَ الإنسان الموتُ في نهاية المطاف، فمن كان يرجو رحمة ربّه، وثوابَهُ يوم الحساب، فعليه أنْ يعمل صالحاً، ولا يشرك بعبادة ربه أحداً، كما يبيّنُهُ هَدْيُ محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) وهو يبلّغُ وحيَ الله إلى العباد، بقول الحق تبارك وتعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا *} [الكهف: 110].
وجزاءُ المؤمن الذي يعمل الصالحات دخولُ الجنة، لقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا *} [النِّسَاء: 124].. ويبشر القرآنُ الكريم المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأنَّ لهم أجراً كبيراً، بقول الحق المبين: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا *} [الإسرَاء: 9]، وهذا الأجر الكبير هو - بلا ريب - الجنة...
ولا يحسبنَّ الإنسانُ أنْ يترك سُدىً في هذه الحياة الدنيا، بل ينتظره يومُ الدينونة حيث ينتصبُ ميزان العدل الإلهي لينالَ كلٌّ جزاءه، فمن أجرم فعليه جرمه، ومن آمن وعمل صالحاً فأجره على الله ربه، كما يؤكده قولُ الحقِّ تبارك وتعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا *وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى *} [طه: 74-75] - في الجنة -.
وهذا العمل الصالح هو ما يحثُّ عليه علم النفس من أجل تقوية مشاعر التفاؤل على مشاعر التشاؤم؛ لأنَّ التفاؤلَ قد يساعد فكرَ الإنسان وجوارحه على تحمل المسؤولية، والإخلاص في العمل، ويجعله يتمسك بالجلَد والمثابرة على تهيئة الأسباب لمواجهة المصاعب في الحياة، بخلاف التشاؤم الذي غالباً ما يدفعه إلى الضعف، والتخاذل واليأس عندما تعترضه الشدائد، بحيث يذوي فكرياً وجسدياً، وتضيع حياته خيبةً وفشلاً..
4 - ترك الكبر والتواضع
ومن العوامل التي تساعد أيضاً على صفاء النفس، وخلودها إلى الراحة ترك الكبر والتواضع..
أ - تركُ الكبر:
الكبر هو الحالة التي يظهر فيها إنسانٌ من إعجابه بنفسه، كأن يرى المتكبّر نفسه أعلى شأناً، وأكثر قيمةً، وأرفع مقاماً من غيره، إمَّا بسبب منصبه، أو وجاهته أو ماله، وما إلى ذلك مما يدعوه إلى الاغترار.وأعظم الكِبَر: التكبّر على أوامر الله تعالى، من خلال التكذيب بآياته، والاستكبار عن اتّباعها، بحيث ينصرف المستكبرون عن قبول الحق الذي جاءت به الرسالات السماوية، والإذعان لله ربِّهم بالعبادة، يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} [الأعرَاف: 40].
والتكبر يكون على نوعين:
أحدهما : أنْ يتحرّى الإنسان، ويطلب أنْ يصير كبيراً، وذلك متى كان على ما يجب، وفي المكان الذي يجب، وفي الوقت الذي يجب، وهو محمود؛ ولعلَّ المثال على ذلك ما يفرضه البروتوكول من احترامٍ لرؤساء الدول، ومعاملتهم بما يليق بأعلى سلطة في دولة سيّدة، فإذا لم تحفل مثلاً زيارة رئيسٍ لدولة أخرى بمظاهر البروتوكول المتعارف عليه، فإنَّ ذلك يدعو الرئيس الزائر لأنْ يتحرَّى عن الأسباب، ويتَّخذ الموقف المناسب، ليبقى كبيراً في نظر رعاياه، بل وفي نظر الدول الأخرى...
والثاني : أنْ يكون الإنسان متكلِّفاً، متشبِّعاً، فيظهر من نفسه ما ليس فيه، وهذا مذموم، قوله تعالى: {يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعرَاف: 146]، ولذلك كان الكبر المذموم، صفةً خُلُقية ذميمة، فإنْ أدَّى هذا الكبر إلى التعالي على الناس واحتقارهم، أو إلى إذلالهم واستضعافهم، صار عملاً محرّماً شرعاً ومنفِّراً عقلاً..
ويُعَدُّ الكبرُ من أمراض القلب الخطيرة، ومن الحالات الانفعالية المكروهة، لأنه يشتطُّ بصاحبه عن الحق، ويجعله يعصي أوامر ربه عزَّ وجلَّ، فيكون مثله كمثل إبليس إذ عصى أمر ربّه أن يسجدَ لآدم (عليه السّلام) ، سجودَ انحناءٍ، تحيةً لخلقِهِ الكريم على ربه، فأبى واستكبر، وكان من الكافرين، لقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ *} [البَقَرَة: 34]؛ وسأله ربُّ العزّة والجلال عمَّا منعَهُ من السجود، إذ أمره بذلك، فأبدى كبره على أنَّهُ أعظم شأناً من هذا المخلوق الضعيف الذي هو من طين، بينما هو مخلوقٌ من نار، كما يبيّنه القرآنُ الكريم بقوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *} [الأعرَاف: 12].
وقضية الاستكبار هذه لا تزال قائمةً بآثارها المهلكة، وستظلُّ كذلك إلى يوم القيامة، إلاَّ أنَّ لها مدلولاتها من نواح عديدةٍ، ومنها:
- أنَّ الاستكبارَ مرضٌ يصيبُ قلوب الكافرين، فكان مذموماً بصورة مطلقة..
- أنَّ المستكبرين هم من قبيل إبليس، الذين يستعلون على الناس، ويسلبونهم حقوقهم..
- أنَّ الاستكبار نابعٌ من الأنفس، بادّعاء أصحابه امتلاك القوة والعنف، والسلطان والمواجهة، وكلّ ما يجعلهم، بحسب ظنّهم، أنهم «فوق البشر»!...
- أنَّ لعنة الله - عزَّ وعلا - تلحق هؤلاء الكافرين المستكبرين إلى يوم القيامة..
وهذه المدلولات يمكن استخلاصها من الآيات الكريمة في سورة «ص» من القرآن الكريم[*] .
وقد ظهر الاستكبار لدى بني إسرائيل بصورة سافرة، وعلى مدى تاريخهم، ومارسوه، ليس على الناس فقط، بل وعلى الرسل الذين كانوا يُبعثون لهدايتهم، ولذلك يسألهم العليُّ العظيم سؤال توبيخٍ وإنكارٍ بقوله تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ} [البَقَرَة: 87]، أي: في كل مرةٍ جاءكم رسولٌ من رسلي بغير الذي تهواه أنفسكم، تعاظمتُم وأنِفتم عن قبول دعوته التي يهديكم بها إلى الحق، وتكبّرتم عن اتباعه؟! وهذا ما يجعلنا نستشعر بأنَّ محاولة إخضاع رسل الله وشرائعه للهوى الطارئ، والنزوة المتقلّبة، هي ظاهرة تبدو كلما فسدت الفطرة، وانعدمت لدى الناس عدالة المنطق الإنساني؛ وليت هوى بني إسرائيل ونزواتهم وقفت عند حدّ الاستكبار على الرسل، بل ودفعهم ذلك إلى قتل بعضهم، ولذلك تكمل الآية الكريمة بقوله تعالى: {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البَقَرَة: 87].
ويصف الله تعالى المستكبرين بالمجرمين، كما كان عليه حال فرعون والملأ من أهله وبطانته، فلم يؤمنوا للنبي موسى (عليه السّلام) ، ولم يتّعظوا بما أخذهم به الله تعالى من الجدب والقحط والفيضان، ونقص الغلال وبما سلَّط عليهم من الرِّعاف والقمل، والضفادع.. بل ظلوا على دأبهم من العناد، والإِجرام بما كانوا يفعلون ببني إسرائيل، إذ فوق تسخيرهم واستعبادهم كانوا يقتلون أبناءَهم ويستحيون نساءَهم.. ولم تنفع معهم تلك الشدائد والمصائب والبلايا، بل استكبروا، وزادوا في الإجرام، يقول تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ *} [الأعرَاف: 133].. فقد نبَّهَ سبحانَهُ بقوله: {فَاسْتَكْبَرُوا} [الأعرَاف: 133] على تكبّرهم، وإعجابهم بأنفسهم، وصرفها عن الإِصغاء لنداء الإيمان، وعدم تصديق موسى وأخيه هارون (عليهما السّلام)؛ كما نبَّه سبحانه بقوله: {وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} [الأعرَاف: 133] على أنَّ الذي حملهم على الاستكبار، والتعالي على الناس، هو ما تقدم من جرمهم، فلم يكن شيئاً محدَثاً عندما جاءهم رسولٌ من الله، بل كان ذلك دأبَهم، ووتيرةَ حياتهم..
وأعظم من ذلك أنَّه لما حلَّت بهم تلك المصائب، سألوا موسى (عليه السّلام) أنْ يدعو ربَّهُ ليكشف عنهم العذاب، ولئن كشفَهُ ليؤمِنُنَّ له، ويرسلوا معه بني إسرائيل.. وهنا يتبدّى فعلاً إجرامهم، حتى بحقّ أنفسهم، إذ لما كشفَ الله عزَّ وعلا عنهم العذاب، نكثوا عهدهم، وعادوا إلى ما ألفوه من الاستكبار والإجرام، يقول الله تعالى: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ *} [الأعرَاف: 135].. ولكن ماذا حلَّ بفرعون وجنوده في الأجل الذي أجلَّهم إليه العزيز الجبّار؟ يقولُ تعالى: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ *} [الأعرَاف: 136].
وعن الذين يتخذون من دون الله أنداداً، ولا يؤمنون بيوم القيامةـ، وهم مستكبرون، يقول تعالى: {إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ *لاَ جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ *} [النّحل: 22-23]..
فيا أيها الناس، إلهكم هو الله الذي لا إله إلاَّ هو، إلهٌ واحدٌ في السماوات والأرض، وقد تفرَّدَ سبحانه بالعزّةِ والبقاء، وقهرَ عبادَه بالموت والفناء؛ فالذين لا يؤمنون بيوم القيامة والحساب، وقلوبهم منكرة لوحدانية الله، وهم مستكبرون بغياً بغير علم، لا ريبَ بأنَّ الله تعالى يعلم ما يسرّون في أنفسهم، وما يجهرون به على الملأ من حولهم، وفي نواديهم ومحافلهم استعلاءً واستبكاراً.. أجل، هو عالمٌ بكل أحوالهم، واستكبارهم، ولكنَّه سبحانه وتعالى هو {الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [الحَشر: 23]، لا يحبُّ المستكبرين.. فماذا ينتظرون إلاَّ عقابَه الشديد؟!.
والكبرياء: هي الترفع عن الانقياد، أي عن الطَّوْع أو الطاعة، ويضادُّها الإِكراه وهذا ما كان فرعون وقومه يأنفونَهُ، ولا يطيقون أنْ يدعوهم موسى وأخوه هارون (عليهما السّلام) إلى عبادة الله الذي لا إله إلا هو، ظناً منهم أنَّ ما جاء به موسى ليس له دعوة إلاَّ ليصرفهم ـ كرهاً عنهم ـ عما ألفوا عليه آباءهم ولتكون له ولأخيه الكبرياءُ عليهم، ولذلك قالوا لهما، بقول الحق تعالى: {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ} [يُونس: 78]، أي وتكون لكما الطاعة والانقياد في الأرض.
ويبين القرآن الكريم أنَّ الله سبحانه وتعالى عندما خلق السماء والأرض أمرهما أن ينقادا لأمره ومشيئته، قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ *} [فُصّلَت: 11]، ولذلك لا تكون الكبرياءُ إلاَّ لله وحده، مصداقاً لقوله تعالى: {وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الجَاثيَة: 37] والرسول الأكرم ينقل عن الحديث القدسي قول الله عزَّ وجلَّ: «الكبرياءُ رِدائي، والعظمةُ إِزاري، فَمَنْ نَازَعَني في واحدٍ منهما قَصمْتُهُ ولا أُبالي»[*] .
- ولقد عرَّف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) الكبْرَ بأنه: «بَطَرُ الحقِّ وغمطُ الناس»[*] .
ومعنى: بَطَرُ الحق: أي ردُّهُ، وعدمُ القبول به.
ومعنى: غمص الناس، أو غمط الناس: أي احتقارهم..
بحيث يكون تعريف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) للكبر على أنه: رفضُ الحقِّ واحتقارُ الناس.
وقد حذَّر (صلى الله عليه وآله وسلّم) من الكبر لأنه يودي بصاحبه إلى نار جهنم فقال: «لا يدخلُ الجنةَ من كان في قلبِهِ مثقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، ولا يدخلُ النارَ من كان في قلبه مثقالُ ذرّةٍ من إيمان»[*] ، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، إنَّ الرجلَ يحبُّ أنْ يكون ثوبُهُ حسناً، فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «إنَّ الله تَعالى جميلٌ يُحبُّ الجمال»[*] ، وقد عنى رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنَّ لله سبحانَهُ وتعالى الكمال المطلق في كل شيءٍ: في ذاته، ومشيئته، وأمره، وفي هذا الخلق العظيم الذي يعبّر عن جميل صنع الخالق.. بل وعن جميع ما تدلُّ عليه أسماء الله الحسنى من الصفات الجليلة، الحميدة المجيدة..
والكبر هو الذي يجرُّ إلى العجب بالنفس، ومن ثم الاختيال، والتفاخر، ولذلك كانت وصية لقمان لابنه وهو يعظه، كما يبرزها قوله تعالى: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ *} [لقمَان: 18].
وكذلك ذمَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) الزهوَ والعجبَ بالنفسَ، فقد رويَ عن ابن عمر أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «مَنْ جرَّ ثوبَهُ خُيَلاءَ، لم يَنْظُرِ الله تَعالَى إليه يومَ القيامة»[*] ، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «يَبْعَثُ الله يومَ القيامةِ ناساً في صَورِ الذرّ[*] ، يطؤُهُمُ الناسُ بأقدامِهِم، فيقال: ما بالُ هؤلاء في صُوَرِ الذَّرِّ؟ فيقال: هؤلاء المتكبّرونَ في الدنيا» .
ومثل التكبّر الغرور، وهو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى، ويميل إليه الطبع عن شُبهةٍ وخِدْعةٍ، ومنه الغُرَّةُ أي الغفلة في اليقظة، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ *} [الانفِطار: 6]، أي كيف اجترأت على ربك الكريم، الذي تكرَّم عليك فخلقك فسوّاك، فعدلك وأفاضَ عليك من كل هذه النِّعم والخيرات؟!
وعن وعود الظالمين لبعضهم يقول الله تعالى: {بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا} [فَاطِر: 40]، أي لا تكون وعود بعضهم لبعض إلاَّ باطلاً، لأنَّ ظلمهم يدفعهم إلى الانقلاب على بعضهم، وعلى الوعود التي تبادلوها، وذلك أكثر ما يكون عند تضارب مصالحهم، فلا يبقى للمواثيق والاتفاقات التي يعقدونها أيُّ اعتبار إلاَّ ما يؤمن المصالح التي يختلفون عليها...
أما قوله تعالى: {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فَاطِر: 5] فمعناه: ولا يأخذكم الغرور بالله تعالى في حلمِهِ وإمهاله، فالغرور هو كلُّ ما يغرُّ الإنسانَ من مالٍ وبنينَ، وجاهٍ وشهرةٍ وشهوةٍ؛ وقد فُسِّر «الغَرورُ» بأنَّهُ الشيطان، إذ هو أخبث الغارّين، ومعظم غروره لبني آدم يكون بالأمور التي تزين لهم الحياة الدنيا بأنها متاع، ولذلك قيل عن الدنيا أيضاً بأنَّها الغَرور، لأنها: تغُرُّ وتَضُرُّ وتَمُرُّ..
والآيات القرآنية التي تتحدث عن الغرور هي بمثابة الهزّة التي تمسك بتلابيب المغرورين أو المستكبرين ليعيدوا النظرَ بأفكارهم وتصوّراتهم، إذ كثيراً ما يأخذهم الغرورُ بأنفسهم، أو ما تجرُّهم إليه الوساوس الشيطانية، فيعتقدون أنَّ ما هم عليه من النعم هو من صنعهم، وهذا هو الغُرورُ بعينه، ولو آمنوا واتَّقوا، لأدركوا أنَّ كل ما بهم هو من عطاء الله تعالى، ولو شاءَ سبحانه أنْ يؤاخذهم أو يلومهم، على معاصيهم، وعلى تكبّرهم وغرورهم التي هي ظلمٌ بظلمٍ، لأهلكهم، وما ترك على ظهر الأرض من دابّة تدبُّ. يقول تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَآبَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ *} [النّحل: 61].
فهل بلَّغَ القرآنُ العبرةَ، والعظةَ فآمَنَ الظالمون، المتكبّرون، المغترون بأنفسهم أنَّ أجلَهم آتٍ، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً، ولا يستقدمون ساعةً من زمنٍ؟!.
ب - التواضع:
التواضع - في اللغة - التذلّل والتخشّع، لا عن انكسارٍ أو خضوع، بل عن إيناس وإيلاف ناجِمَيْنِ عن معرفة المتواضع للعيوب التي تعتورُ نفسه، فالفضائل ومكارم الأخلاق موزعة بين البشر بدرجات متفاوتة، بحيث إنَّ الإنسان لا يظهر بفضائله إلاَّ قياساً على فضائل غيره.. وهذا ما يجعل التواضع نقيضاً للافتخار، وللعجب أو الإعجاب بالنفس، الذي يُعدُّ ظناً كاذباً يزيّن للإنسان من الصفات ما ليس فيه، وكذلك الافتخار الذي يجعل الإنسان مختالاً، مزهوّاً بنفسه، يتباهى بالمزايا التي يراها عند غيره، فيريد أن ينسبها إلى نفسه، ومن تباهى بما ليس فيه، فإنّما يتباهى بما لا يملك و{إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمَان: 18].
وإذا كان التواضع محموداً، فإنَّ التملّق - وهـو التـواضـع الكـاذب - يعد مذموماً، وغالباً ما يتملَّق الإنسانُ إما ليمتدحَهْ الناس، وإمّا للحصول على مآربَ شخصيةٍ ممَّن يتملّق إليهم..
من هنا كان التواضع فضيلةً كريمةً، تجعل المتواضعَ يتصرف بطريقة طبيعية، بعيدةٍ عن التكلّف أو التفاخر، أو التملق أو الغرور، ومن أهم صفاته هدوء الطبع، ودماثة الخلق، ولطف المعاشرة، وأدب الحديث، والتقرّب من الآخرين، فلا يستنكف عن احترام الفقير والمسكين، ولا عن مسايرة الحدث، وحبّ الصغير، بحيث تغلب عليه دائماً مشاعر التودّد والملاطفة..
وإنَّ من مزايا المسلم أنْ يكون متواضعاً، ودوداً، طيّب المعشر، فهو عندما يعلم أنَّ ربَّه عَزَّ وعَلاَ لا يحب التطاول على الناس لما فيه من اعتداءٍ على كرامتهم، لقوله تعالى: {وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البَقَرَة: 190]، وأنه سبحانه لا يحب المفسدين، الذين من دأبهم النميمة التي تفسد الودَّ بين الناس، لقوله تعالى: {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المَائدة: 64]، وكذلك لا يحب عزّ وجلَّ المستكبرين، لقوله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} [النّحل: 23]، ولا المختال الفخور لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} [النِّسَاء: 36].. فكل تلك الصفات الذميمة التي يأنفها المسلم، بل ويحرّمها على نفسه، تفترض فيه أنْ يسلك سلوكاً مغايراً لها، وهذا ما يجعله أقربَ إلى التواضع، ولاسيما عندما يعلم بأنَّ هذه السمة الأخلاقية الرفيعة قد أمرَ بها الله - جَلَّ شأنُهُ - من عليائه، لما رُوي عن عياض النجاشعي من أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في إحدى خطبه، قال: «إنَّ الله تَعالَى أَوْحَى إليَّ أنْ تَوَاضَعُوا حتَّى لا يَفْخَرَ أَحدٌ على أَحدٍ»[*] .. وهذا الشاعرُ العربيُّ يدعو من يفاخر بماله وسلطانه أنْ يتواضع، عندما يقول:
تواضَعْ تَكُنْ كالنَّجمِ لاَحَ لناظِرٍ
على صَفَحاتِ الماءِ وهُوَ رَفِيْعُ
ولا تكُ كالدُّخانِ يَعلو بنفسِهِ
إلى طَبقاتِ الجوِّ وَهُوَ وَضِيْعُ
وعن الذي يزهو بعلمه القليل، قال الشاعر أيضاً:
إذا زادَ علمُ المرءِ قلَّ ادّعاؤُهُ
وإنْ قلَّ علمُ المرءِ أُعْجِبَ وادَّعَى
ألم ترَ أنَّ الغُصْنَ يشمَخُ فارِغاً
وإنْ ثَمَراً أَعْطَى انْحَنَى مُتَواضِعاً
ومن كان مؤمناً متواضعاً كانت الرحمةُ والرأفةُ من بعضِ صفاته.
5 - الرحمة والرأفة
الرحمة - في اللغة - هي رقة القلب وتقتضي الإحسان إلى المرحوم. أو هي الرِّقة مجرَّدةً من الإحسان، أو الإحسان مجرداً عن الرقة. نحو رحم الله تعالى فلاناً، أي أحسن الله إليه، باعتبار أنَّ الرحمة الربانية هي إحسان مجرد من أية رقة، بل وهي إنعام منه - سبحانه - وإفضال. أما من جانب الناس لبعضهم فهي الرقة والتعطّف.
وجاء عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ذاكراً عن ربه: «أنه لما خَلَقَ الرَّحِمَ قالَ له: أنا الرحمنُ وأنتَ الرَّحِمُ، شَقَقْتُ اسمَكَ مِنْ اسمي، فَمَنْ وَصَلَكَ وَصَلْتُهُ، ومَنْ قَطَعَكَ بتَتُّهُ»[*] . وذلك إشارة إلى أن الرحمة منطوية على معنيين: الرقة والإحسان، فالله - سبحانه وتعالى - ركّز في الطباع الرقة، وتفرَّد - عزَّ وجلَّ - بالإحسان. والرحمن: من أسماء الله الحسنى، ولا يطلق إلا على العزّةِ الإِلهية، من حيث إنَّ معناه لا يصلح أنْ يكون إلاَّ لمن رحمته وسعت كل شيء، فإذا أرادَ مسلم أنْ يضفيَ على اسم ولده هذه الصفة المباركة سماه «عبدَ الرحمن». والرحيم: هو الذي كثرت رحمته، وهو في الأصل اسم لله تعالى، ويمكن أن يطلق صفة على غيره سبحانه. ومن ذلك قوله تعالى في صفة الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم): {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ *} [التّوبَة: 128].
ويمتاز القرآن الكريم ببيان ما للرحمة الربانية من آثار على حياة الناس، سواء في هذه الحياة الدنيا، أو في الآخرة يوم الحساب، ولذلك لا نجد سورة من سور هذا الكتاب المبين إلاَّ وتحفل بذكر الرحمن الرحيم بعباده من حيث إنه سبحانه وتعالى هو رحمن الدنيا ورحيم الآخرة.. ولقد بيّنا من قبلُ مدلولَ الآية الكريمة بقوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعرَاف: 156]، وذلك من حيث إنَّ الرحمة الربانية الواسعة هي في الدنيا عامة للمؤمنين والكافرين، وفي الآخرة مختصة بالمؤمنين.
ومن الآيات القرآنية المجيدة التي تبيّن بعضاً من معاني «الرحمن» قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ *} [البَقَرَة: 163]، وقوله تعالى: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى *} [طه: 5-6]، وقوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ *} [الحَشر: 22]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَانُ وُدًّا *} [مَريَم: 96]، وكذلك الآيات القرآنية الكريمة التي تدلُّ على معاني «الرحيم» قوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البَقَرَة: 37] وقوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البَقَرَة: 54]، وقوله تعالى: {نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *} [الحِجر: 49] وقوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ *} [الطُّور: 28]،.. وليس من قبيل المصادفة أن تفتتح سور القرآن الكريم بالقول الحق: «بسم الله الرحمن الرحيم» للدلالة على أنَّ كل ما في هذا القرآن تغلُبُ عليه رحمةُ الله التي يستبشر بها المؤمنون إنْ في تلاوته، وإنْ في الالتزام بأوامره ونواهيه.. ولذلك تجدُ المسلمَ يفتح أيضاً صلواته، بقوله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *} [الفَاتِحَة: 1-3]، أي إنه يتعبَّدُ لله تعالى وهو يدرك، تمام الإدراك، أنَّه - جلَّ ذكرُهُ - هو «الرحمن»، البالغُ في رحمته غايتَها، التي يقصر عنها كل من سواه، والعاطف على جميع خلقه بالرزق: المؤمن منهم والكافر. وهو «الرحيم» الرفيق بالمؤمنين خاصة، يستر عليهم ذنوبهم في العاجل، ويرحمهم في الآجل.
وقد فرَّق بعض العلماء بين الرحمة والرأفة، فقالوا: «إنَّ الرحمة إيصال المسرّة إلى المرء، والرأفة دفع المضرَّة عنه». وقول الله تعالى: {وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البَقَرَة: 207] يُفَسَّر بأن رأفته - سبحانه - دليل على إرادته الخير والرحمة بالعباد.
ويختلف الشعور بالرحمة باختلاف المثل العليا التي يتصورها الإنسان، فإذا كانت تلك المثل مبنية على القوى المادية بين الناس، كانت الرحمة منقطعة، وإذا كانت مبنية على القيم المعنوية والإيمانية، كانت الرحمة أثبت وأوسع. ولا تنقلب الرحمة إلى محبة حقيقية، إلاَّ حينما يعدّ المؤمنُ نفسه أخاً لكل مؤمن، وهذا دليل على أن النفس الإنسانية إنما تنعم بفضل زائد من الله تعالى عليها وهو يهبها الرحمة والرأفة. وحريٌّ بالإنسان أن يهيّئَ نفسه لكي يكون رحوماً، رؤوفاً، فيجد في مشاعر الرحمة والرأفة مجالات رحبة من المحبة لآخرين، والعطف عليهم، ولا سيما المحتاجون والفقراء، وذوو المصائب والعاهات، ما يولِّد في نفسه مشاعر الرضى والراحة وحب الخير والتفاني.
ومن نعم الله تعالى علينا أنْ أودع فينا هذه القلوب حتى نملأها بالمشاعر الإنسانية الطيبة من المحبة، والرأفة، والرحمة، فنصونها ونبقيها سليمةً معافاة، بدل أنْ نعبّئها بالبغضاء والكراهية، والحسد والطمع، وكل ما يضر بالأنفس ويوقعها في العلل والأمراض النفسية والجسدية.
6 - العمل بصحة التوكُّل على الله تعالى
التوكل هو ثقة الإنسان بالله تعالى، والمتوكِّلُ هو الواثق بمَا عند الله - جلَّ شأنه - والمعتمد عليه وحده سبحانه. لأنه هو صاحب الأمر من قبلُ ومن بعدُ، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.. يقول تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عِمرَان: 122]. ويقول تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم: 12].
والتوكُّلُ لا يعني أبداً عدم العمل.. فالقعود عن السعي في الرزق والكسب مثلاً، وترك الأسباب وعدم الإعداد والتهيؤ للقيام بكل ما هو مطلوب في كل أمرٍ يرومه الإنسان.. فهذا كله ليس من التوكل في شيء كما يتوهم كثيرون، بل هو بالأحرى «تواكل» أو تقاعس وتخاذل، واعتماد على الله - سبحانه - في غير محله، وفي غير ما يريده تعالى منا نحن بني آدم، فالله لا يحب التواكل، لأنه ما خلقنا لنقعد بلا سعي ولا عمل، ولا لنترك الحياة تسير بنا ونحن لاهون، سادرون عن غاياتها ومطالبها.
ثم إنَّ وجودنا لا يتوافق إطلاقاً، جوهراً وغايةً، بأن نعتمد على غيرنا في جلب رزقنا أو منافعنا، ومدّنا بكل متطلباتنا، لأنَّ من شأن هذا الاعتماد، أو التوكّل على الغير، أنْ يعطّل دورنا في البناء المجتمعي، والتواصل الإنساني.. وبما أنَّ طلب القوت والرزق من أَولى مستلزماته السعي والجدّ، فلا يجوز أنْ نتصوَّر، أو أنْ ننتظر أنْ يأتينا رزقنا من السماء ونحن قاعدون، ساكنون، فالسماء لا تمطر ذهباً ولا نقوداً لكي نغذّي أولادنا، ونداويهم، وندخلهم المدارس، ولا لنبني منزلاً، أو ننشئ مصنعاً أو متجراً.. ولئن كانت آثار رحمة الله تعالى هي التي تحيي الأرض بالماء بعد موتها، وما علينا نحن إلا أن نغرس، ونبذل العرق والجهد حتى تعمَّ الخيرات والبركات من حولنا.. فكل ذلك يجعل العملَ قوام الحياة، وربنا العزيز ذو الرحمة يأمر من عليائه رسوله الكريم بأن يدعو للعمل، بقوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التّوبَة: 105]. ولكنَّ هذا العمل الذي يشرِّف الإنسان، لا تستقيم معانيه الخيرة في نفس المؤمن، بل ولا يتوخَّى أي توفيق في عمله، ما لم يصاحبه التوكل على الله تعالى. وصحة هذا التوكل تكون بربط الأسباب بالمسببات، ومن ثم ترك النتائج إلى الله سبحانه وتعالى.. وصحة التوكل تكون مبنيَّةً دائماً على الإيمان، كما يدلُّ على ذلك توجُّهُ «يوشع» و«كالب» من النقباء الذين بعثهم النبيّ موسى (عليه السّلام) لاستكشاف أمر الجبابرة في الأرض المقدسّة، وهو ما يبيّنه قول الله تعالى: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *} [المَائدة: 23]..
وتبرز صحة التوكل بصورتها الشمولية على لسان رسل الله، الذين كان أقوامهم يكذبونهم، ويطلبون منهم المعجزات لإثبات صدقهم، وهو ما يبيّنه قول الله تعالى: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأَتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ *وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ *} [إبراهيم: 11-12]. وتلك كانت شيمة الرسل في توكلهم على الله تعالى الذي بعثهم لهداية الناس، وفي دعوتهم المؤمنين إلى التوكل على الله.. والجدير بالانتباه أنَّ توكلهم لم يكن تواكلاً قطّ، بل كانوا يبلغون رسالات ربهم على الرغم من المواجهات الشديدة التي يلقونها في التكذيب، والاستهزاء، والأذى - والقتل أحياناً - وهم صابرون على ذلك كله.. وهذا ما يجب على الناس أنْ يعرفوه، ويعتمدوه في حياتهم.. فالتاجر الناجح مثلاً هو من يلمُّ بأسرار التجارة التي يتعاطاها، ويعرف ما يرضي زبائنه، وما يرافق تجارته من تقلبات في سوق العرض والطلب، أي إنه بعد أن يقوم بواجبات مهنته وأداء حقها كامل الأداء، فإنَّ عليه أن يترك الأمر لله تعالى، لاعتقاده بأنَّ التوفيق في نهاية الأمر هو دائماً وأبداً من ربه سبحانه وتعالى. وكذلك الصانع فهو يفتح المصنع ويجهّزه بالآلات والمعدات اللازمة، ويؤمن المواد الأولية لصناعته، ويأتي بالأيدي العاملة، ويستخدم الإدارة الرشيدة، وبعدها يتوكل على الله تعالى ويرجوه أنْ يوفّقه في عمله، ويكتب له النجاح في صناعته.. ومثل ذلك الفلاح فإنَّهُ يحرث الأرض، ويغرس البذور والشتول، ويوفر كل الإمكانات لنماء غرسه، ثم يترك النتائج لتدبير الله تعالى الذي يحيي الزرع، ويبعث النماء، وينشر الخير ويحلّ البركة؛ وهكذا الأمر بالنسبة لأصحاب المهن الحرة كالأطباء والمهندسين والصيادلة، أو لأصحاب الشركات والمؤسسات على اختلاف أنواعها، أو لأصحاب الوظائف العامة في الدولة، أو للأمهات في تربية أولادهن، أو للأساتذة في الجامعات، ولكل عضوٍ عاملٍ في مجتمع من المجتمعات البشرية، فإنًّ عليه أنْ يبني مرتكز حياته على أمرين جوهريين: الأول هو أنَّ العمل موكول إلى الإنسان نفسه، والثاني أنَّ التوفيق في العمل والحصول على النتائج بيد الله تعالى. فهو سبحانه يسوق لكل إنسان ما قسمه له من رزق، وما كتب له من شأن..
إذاً أساس التوكل وعماده: أنْ نكلَ الأمور بنتائجها إلى الله العلي القدير، على أنْ نهيِّئ نحن جميع الأسباب التي تُوصلنا إلى النتائج التي نرجوها ونعمل لأجلها، ولكن مع اعتقادنا المطلق بأن الأسباب كلها، وأياً كان نوعها أو شأنها، ليست هي التي تعطي أو تمنع، بل الذي يعطي ويمنع هو الله سبحانه وتعالى وحده.
روي عن عمر بن الخطاب (رضي اللَّه عنه) أنه قال: «سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «لو أنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ على الله حقَّ توكُّلِهِ لرَزَقَكُمْ كما يَرْزُقُ الطيرَ تَغْدُو خِمَاصاً وتَروحُ بِطَاناً»[*] . ومعنى هذا القول أن الله تعالى قد خلق في الطيور غريزة الاهتداء إلى معايشها، فيدفعها جوعها إلى الطيران منذ الصباح الباكر من أوكارها وهي ضامرة البطون، للبحث عمَّا يشبع جوعها، ثم تفيء للراحة في آخر النهار وهي ممتلئة شبعاً.. وما يشدُّ الانتباه في قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) تعبيره «تغدو» و«تروح»، أي إنَّ هذا هو دأبها المتواصل كلَّ يوم، تغدو منذ الصباح للبحث بلا كللٍ ولا ملل عن طعامها وتبقى كذلك حتى المساء، ولو لم تفعل الطيور ذلك، وبقيت بلا غدوٍّ، لما كان لها رواحٌ، أي شبعٌ وراحةٌ، ولماتت في أماكنها، ولكنها سعت إلى تحصيل قوتها فهداها الله خالقها إلى مواطنه.
وهذا ما يجب أن يكونَهُ نهجُ الإنسان الذي لا تسيّره غرائزه وحسب، بل وعقله المدرك الواعي الذي يمتاز به عن تلك الطيور، ثم يتوكل بعد ذلك على الله تعالى حتى يوفقه على ما بذل، وما وسعه من جهدٍ.. وهنا لا يجوز لإنسان أنْ يقول: أنا أعمل أكثر من فلان، ورزقه أكثر من رزقي، ووضعه أحسن من وضعي، ومقامه أعلى من مقامي.. أو أنْ يقول: أنا أعمل أقلَّ من فلانٍ وأكسب أكثر منه بكثير!.. لا يقول إنسانٌ ذلك إذا كان معتقداً بأن الرازق هو الله تعالى، وأنه سبحانه يرزق من يشاء بغير حساب. أما لماذا؟ وكيف؟ فهذا ما لا شأن لنا به، إنها حكمة الله عزَّ وجلَّ، فهو يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وقد وجَّهنا القرآن الكريم إلى أن نعيَ أنَّ الله تعالى عندما يوسِّع الرزق لمن يشاء، فذلك امتحان، وعندما يضيق الرزق لمن يشاء فذلك ابتلاء، وفي ذلك كله آيات واعظة لقوم يؤمنون، يقول تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ *} [العَنكبوت: 62]، ويقول تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ *} [الرُّوم: 37].. وليس لعبدٍ، بعد هذا البيان القرآني، أن يعترض على ما يشاء ربه، لأن المطلوب منه العمل أولاً والتوكل ثانياً، وليس الكسل والتواكل. وليكن لكل عبد ثقة صادقة بربه تعالى، فهو كريم، حكيم، خلق كل شيء بمقدار، وقسَّم بين الناس الأرزاق والأقدار وفقاً لعلمه الواسع، وحكمته البالغة. وإذا ربط المؤمن بين الأسباب والمسببات وترك النتائج لتدبير الله تعالى، يكون قد حقق شيئاً من السعادة في حياته، وعند وفاته، على رجاء أن يلقى السعادة الكبرى بلقاء ربه.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB