علم النَّفس (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




الفصل السابع عشر - الأمانُ النفسي

ماذا يُقصد بالأمان النفسي؟
هنالك فرق بين الأمن والأمان:
أمَّا الأمن فتحققه الدولة القوية الحازمة، سواء الأمن الداخلي أو الأمن الخارجي، وسواء اعتمدت لذلك نظاماً طابعه الانضباط والعدل، أو اعتمدت نظاماً يقوم على الشدّة والظلم، فكل ذلك قد يحقق الأمن، ولكنْ يبقى الفرق شاسعاً بين معياري العدل والظلم، وما ينطوي عليه أحدهما من الحسنات، والآخر من السيئات..
وأما الأمان فلا يحققه إلاَّ الإيمان، الذي يبعث في النفس الاطمئنان والرجاء، لأنَّ الإيمان الحق، القائم على عقيدة التوحيد، عندما يثبت في نفس الإنسان منذ الصغر، فإنَّه يُكسبه مناعة ووقاية من الإصابة بالأمراض النفسية، فشعور المؤمن بسكينة النفس هو الباعث الأكبر على الصحة النفسية، ولا يتوافر هذا الشعور إلاَّ بالإيمان الصادق، الذي يجعل المؤمنَ يتوجَّهُ إلى خالقه، وربِّه بالتسليم، والانقياد لمشيئته، وطلب العون كي يمدَّه بثوب الصحة والعافية، ويقوّي جوارحه على الطاعة، ويسدّد خطاه لكي يعمل صالحاً يرضاه.
ويقيناً أنَّ ربَّهُ تعالى سوف يرعاه ويحفظه بما يحقق له الأمانَ النفسي، يقول تعالى: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يُوسُف: 64].. ومن الغريب، بل والعجيب أنْ يصل الإنسان إلى هذا النضوج الفكري، وهذه العلوم والمعارف على غزارتها وتشعب مجالاتها، فيصعد إلى الفضاء، ويحيط بأهمِّ خصائص الإنسان، وخصائص المخلوقات من حوله، فيرى مثلاً في هذه الطيور والأسماك والحيوانات في تدبّرها لحاجاتها، وحفظ حياتها ما يذهل العقول.. ثم، بعد ذلك، يبقى هنالك الملايين من البشر الذين لا يدينون بدين الله، ولا يتعبَّدون لله، ولا يبنون معتقداتهم على حقائق الرسالات السماوية!...
ولعلَّ من أهم الأسباب لذلك ما يرى هؤلاء البشر من عدم التزام اليهود، والنصارى، والمسلمين، بصورة عامة، بتعاليم ومناهج الأديان التي يعتنقونها!... ولكنَّ ذلك لا يكفي مبرّراً لمن أرادَ أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، فأبواب الهداية الحق، تبقى مشرّعة لكل فردٍ، ولكلّ الناس، لأنْ لا شيءَ يمنع الإنسانَ من أنْ يطّلع على الأديان السماوية، ويقرأ تعاليمها، وأنْ يسألَ رجالَ الدين، والمؤمنين عن مضامينها، ثم يقرّر في ضوء ذلك ما يختار منها عقيدةً دينية.. وإنَّ من يسعى لذلك، سوف تتفتَّح بصيرتُه على نور الله تعالى، فيكون أشدَّ الناس إيماناً، وأكثرهم هدايةً، وأقومَهم سبيلاً.. وهنيئاً لمن هداه عقله، ودفعه قلبه إلى الإيمان الصادق، ليكون في عليّين، ممن أنعمَ الله تعالى عليهم بالهداية، لأنَّ النفس عندما تطمئن إلى هداية ربها، تصبح في انعتاق كليّ من كل سوء قد يشوبها، ومن كل شعور قد يؤذيها، فينصرف الإنسان، بخلقٍ حسنٍ، إلى صالح العمل، حتى يصير مثالاً يحتذى به.. وانعتاق النفس من أسرها، وانطلاقها بمشاعر الإيمان لا يقف عند حدود الاطمئنان الذاتي، والسيرة الحسنة، بل ويجعل المؤمن يرنو إلى لقاء ربه، بحيث يرى في الموتِ نفسهِ، عتبةَ الولوج إلى الحياة الآخرة، التي ترجع فيها النفس المطمئّنة إلى ربها راضية مرضية، مصداقاً لقوله تعالى: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَةً *فَادْخُلِي فِي عِبَادِي *وَادْخُلِي جَنَّتِي *} [الفَجر: 27-30]؛ وبهذا الصدد، فقد رُويَ عن أنس، أنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «مَنْ كانتْ الآخرةُ همَّهُ جَعَلَ الله غِنَاهُ في قلبِهِ، وجَمَعَ عليه شملَهُ، وأَتَتْهُ الدُّنيا وهِيَ راغِمَةٌ. ومَنْ كانتِ الدُّنيا همَّهُ جَعَلَ الله فقرَهُ بينَ عينَيْهِ، وفَرَّقَ عليه شَمْلَهُ، ولم يأْتِهِ مِنَ الدُّنيا إلاَّ ما قُدِرَ لَهُ»[*] .
وقد نُقِلَ عن عبيد الله بن مُحصَّن الخِطْمي، أنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «مَنْ أصبَحَ آمِناً في سِرْبِهِ، مُعافًى في جَسَدِهِ، عندَهُ قوتُ يومِهِ، فكأنَّما حِيزَتْ له الدُّنيا بحذافِيرِها»[*] .. ونجد في هذا الحديث الشريف ثلاثةَ أمورٍ هامةٍ: شعور الإنسان بالأمانَ في جماعته (أهله، عائلته، مجتمعه)، والعافيةُ في جسده (بخلوِّه من الأمراض) وقناعته بالاكتفاء (بقدر ما يؤمن الإشباع لحاجاته العضوية وغرائزه الفطرية باعتدال). وهي مقومات أساسية للصحة النفسية لأنها من أهم العوامل على بعث السعادة والاطمئنان.
والأمان النفسي في الحقيقة هو منتهى غاية الإنسان، ولا يحصل له هذا الأمانُ إلاَّ باتباع منهج الله تعالى، وما ينبثق منه من أنظمة، ومنها على سبيل المثال في الإسلام، نظام الشورى.
نظام الشورى في الإسلام: الشُّورى هي الأمر الذي يُتَشاوَرُ فيه، ولذلك كان التشاور والمشاورة والمشورة بمعنى واحد، أي استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض. وهو مأخوذ من قولهم: شِرْتُ العَسَلَ إذا اتخذتُهُ من موضعه واستخرجته منه، لأنَّ معنى الشَوْر: العسل المشور، أي الطيب، الذي أُعين على جَنْيِهِ، والمَشُورةُ هي استخراجُ الرأي من المستشار لأنها تُجتنى منه..
وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «ما مِنْ رَجُلٍ شاوَرَ أحداً إلاَّ هُدِيَ إلى رُشْدٍ»[*] .
وقديماً قيل: المشورة فيها بركة.
وقد نصح أحدُهم بقوله: إيَّاكَ ومشُورةَ رجلين: رجلٍ أكلَ الدهر من جسمهِ كما أكلَ من عقله، وشابٍّ مغرورٍ بنفسهِ، قليلِ التجاربِ في غيره.
وقال الشاعر:
شاوِرْ سِواكَ إذا نابَتْكَ نائِبَةٌ
يوماً وإنْ كُنْتَ مِنْ أَهلِ المَشُوراتِ
فالشورى، إذاً، مهمة في حياة الأفراد، لما فيها من نُصح وإرشاد، ولما تقوم عليه من تبادل في الرأي، وانفتاح في الأفكار، وتحديدٍ في الاتجاه، بعد سبر المسالك، واجتياز النتوءات، وملء الثغرات...
فالشورى، إذاً، مهمة في حياة الأمم أهم بكثير مما هي في حياة الأفراد لأنها ترسم طريق الأمة في العيش، والعمل، والحكم، ومختلف الشؤون العامة.
والأنظمة السياسية الحديثة، تدَّعي قيامها على «الشورى»، أي على ما يسمونه «الديموقراطية التمثيلية»، التي تزعم أنها تأخذ بآراء الشعوب لتحديد الاتجاهات، واتخاذ القرارات المصيرية الهامة بالوسائل المعروفة، وأساليب الحكم المتبعة، ولا سيما الانتخاب والاستفتاء... ولكن هنالك شك في أنْ تكون هذه «الديموقراطيات» قد حققت أهدافها، أو أنها تقوم فعلاً على الاستجابة لآراء الشعوب وآمالها، كما يدّعي المنظِّرون والحكام، وأصحابُ الشأن، في حين نرى كلَّ هذه المشاكل والأزمات التي يتخبط فيها الناس على مستوى المعمورة!..
أما الإسلام، كنظامٍ للحياة، فإنَّ من دعائمِ الحكم فيه أنْ يقوم على الشُّورى..
وقد اعتمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) الشورى في تقرير كثير من الأمور الهامة في حياة الجماعة الإسلامية، وفي ترسيخ قواعد الحكم الإسلامي، وذلك امتثالاً لقول الله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عِمرَان: 159]؛ فهذا الأمرُ الربّانيُّ قد أُنزل بمناسبة معركة «أُحُد»، التي شاءَ الله تعالى أنْ يجعلها، في ظروفها وأحداثها حافلةً بالدروس والعظات والتعاليم الهامة في حياة المسلمين، ولاسيما إرساء قاعدة الشورى، كما يتبيّن من الآيات القرآنية التي تتحدَّث عن الأجواء التي سبقت، ورافقت تلك الواقعة، والنتائج التي ترتبت عليها.. فمنذ أنْ وصل جيش المشركين - الذي أتى لغزو المدينة المنورة وقلب نظام الحكم الإسلامي فيها - إلى جبل «أحد»، على مسافة أميالٍ قليلة من أطرافها، ظهر بين المسلمين اتجاهان في الرأي: فالشيوخ والعقلاء - وهُمُ القلّة - كانوا يريدون البقاء داخل المدينة، لأنه أجدى للدفاع، وأقلُّ خطراً إذا ما تصدّوا لأعدائهم على أبواب مدينتهم... بينما الشبّان المتحمّسون - وهُمُ الكثرة - كانوا يريدون الخروج وملاقاة العدو في مواقعه.. وتفكَّر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) مليّاً، ثم عزم على الخروج نزولاً عند رأي الأكثرية، فكان ذلك أول وأهمّ الدروس لتعليم المسلمين، وإرشادهم إلى الطريق الصحيح الذي يجب أنْ يسلكوه في كل مرةٍ يعترضهم أمرٌ جلَلٌ، أو تواجههم مشكلةٌ كبيرة، إذْ عليهم العمل بالشورى، أي برأي الأكثرية.. ولكنْ لمَّا كان الرأيُ لم يؤخذ بالإجماع، فقد استغلَّ المنافقون ذلك التباينَ في الرأي، بعد الخروج، فعاد عبد الله بن أبيّ بن أبي سلول، وكانَ رأس النفاق في المدينة، بثلث الجيش من منتصف الطريق؛ فهذا الحادث كان كافياً وحدَه لأنْ يؤدي إلى زعزعة الثقة في نفوس الجيش الإسلامي، وأن تنهارَ معنوياته فيعود أدراجه، ولكنَّ الله تعالى سلّم، فتابع مسيره للقتال.. وكان في ذلك عبرة أخرى للمسلمين بأن يحذروا أعداء الداخل، فلا يشركوهم باتخاذ مقرراتهم المصيرية، لأنَّ مواقف هؤلاء الأعداء من شأنها أنْ تؤدي إلى تفتيت وحدة الكلمة، الذي يجرُّ بدوره إلى إضعاف وحدة صفوفهم، بينما يريدهم الله تعالى أنْ يكونوا كالبنيان المرصوص!...
وجرت المعركة، وهزم المشركون في الصباح، إلاَّ أنَّ مغادرة الرماة لمواقعهم، خلافاً لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) جعل المشركين يرتدُّون وينزلون بالمسلمين الهزيمة.. وبذلك انتهت معركة «أحد»، وجاءت نتائجها المادية وبالاً على المسلمين، إلاَّ أنَّ عظاها كانت بليغة للغاية، ولاسيما في ما يتعلق بقاعدة الشورى، إذْ كان من حق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، وهو رأس الدولة، وحاكمها العادل، والقائد الأعلى لقواتها، أنْ يعيدَ النظر بمفهوم «رأي الأكثرية» التي قررت الخروج إلى «أحد»، ولاسيما أنَّ أمر الله تعالى واضح الدلالة بالنسبة إليه، فعندما يقول عزَّ وجلَّ: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عِمرَان: 159] فمعناه: وشاورهم في الشؤون العامة للوقوف على مختلف الاتجاهات والآراء في الأزمات للوصول إلى الرأي الأصوب في مواجهتها، فإذا عزمتَ على رأيٍ معينٍ بعد المشاورة، فتوكل على الله في إمضائه، وثق بالرأي الذي عزمتَ عليه في التوكل على الله ربك، كي تأتي النتائج موافقةً للصالح العام.. ومن هذا المنطلق أمضى رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قاعدة الشورى سُنَّةً قائمةً، يعمل بها الحكام المسلمون من بعده، على أنْ يتبنَّوا العمل برأي الأكثرية، لأنَّ في ذلك أكثر صلاحاً لمسار أمتِهِ من بعده، ولمسار البشرية كلها، عندما ينطلق الحكام من هموم وتطلعات الناس التي تعبّر عنها الأكثرية، باعتبار أنَّ الأكثرية يجب أنْ تكون صوتَ حاجات الناس، وضمير آمالهم ومصالحهم، لا مجرَّد اصطفافات حزبية أو فئوية تقودها المطامع والأهواء.. إذاً فالشورى تعتبر من أهم دعائم الحكم الإسلامي، أما الشكل الذي يتم فيه التشاور والتحاور، والوسيلة التي تستخدم لذلك، فهذه أمور قابلة للتعديل والتطوير وفقاً لأوضاع الأمة، وظروف حياة شعوبها، إذ أي شكل أو وسيلة يمكن اعتمادهما، لا يخالفان الشريعة الإسلامية في تحقيق الغاية المرجوة من الشورى، يعتبر ذلك من الإسلام... ومن فوائد الشورى أنها تبعث الارتياح في نفوس الأفراد، والثقة لدى الجماعة، ولو جاءت النتائج بخلاف ما كان متوقَّعاً.. المهم أن يكون القرار الذي اتُخذ بنتيجة الشورى صادراً عن الشعور بالمسؤولية العامة، وأنَّ المتشاورين قد أبدوا آراءهم بحرية واقتناع، والنيات منصرفة لخدمة الجماعة.. من هنا كان نظام الشورى، أكثرَ خيراً للأمة وصالحها العام؛ وقد أثنى الله تعالى على المؤمنين الذين يجعلون أمرهم يقوم على التشاور بينهم، وذلك بقوله تعالى: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الشّورى: 36]، و{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشّورى: 38]..
فالآيتان الكريمتان تضعان قواعد أساسية هامة لبناء الحياة الإسلامية، يمكنْ تلخيصها على النحو التالي:
- اليقين بأنَّ ما يدخر الله تعالى من الثواب خيرٌ وأبقى للمؤمنين من كل متاع الدنيا.
- توكل المؤمنين على ربهم الذي يقدر النتائج لأعمالهم.
- الاستجابة لربهم إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعبادة.
- إقامة الصلاة التي تصل ما بين المؤمنين وربهم بصورة يومية مستديمة لا انقطاع فيها.
- جعل أمرهم يقوم على الشورى في ما بينهم.
وهذه القواعد، إذا ما أضيفت إلى الأحكام الشرعية، وإلى غيرها ممّا في القرآن من بيانٍ لمختلف الشؤون العامة، تكون بمثابة روح متحرّك يكيّف الأفكار والمفاهيم والمشاعر والأحاسيس ليجعل النمط الإسلامي في العيش متجدداً بصورة دائمة في أصالته ونهجه.
وتتميز «الشورى» في المفاهيم الإسلامية بأنها لا تقف عند حدود مصلحة الجماعة، بل وتتوخى أيضاً مصلحة الفرد، كما يبيّن لنا الحكيم العليم ذلك في أثر المشورة حتى على تربية الطفل الصغير، وفي أيام رضاعته بالذات، فيقول الله تَباركَ وتعَالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البَقَرَة: 233].
هنا تتجلى رعاية ربنا الكريم للإنسان منذ نعومة أظفاره بما وضع على عاتق الوالدين من مسؤولية تجاهه، فجعل سبحانه التراضي بين الوالد والوالدة بمساواة التشاور. فقال تعالى: {عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا} [البَقَرَة: 233]، أي من الأب والأم {وَتَشَاوُرٍ} [البَقَرَة: 233]، يعني عن اتفاق منهما ومشاورة، وإنما شرط تشاورهما تأمين مصلحة ولدهما، لأنَّ على الوالدة المطلقة واجباً تجاه طفلها، واجباً يفرضه الله تعالى عليها وهو إرضاعه، لئلاَّ يتركها لفطرتها وعاطفتها التي قد تفسدها المشكلات العائلية، فيقع الغرم على الصغير. فالله تعالى أولى بالناس وأبرُّ بهم حتى من والديهم، بل ومن أنفسهم. ولذلك كان التوجيه الرباني أنْ تكون الرضاعة لمدة حولين كاملين هي الواجب الأول الملقى على عاتق الأم تجاه رضيعها. وها هي البحوث الصحية والنفسية تثبث أنَّ فترة الرضاعة من الأم لمدة عامين، ضرورية لنمو الطفل نمواً سليماً من الوجهتين الصحية والنفسية..
أما من حيث العلاقة بين الأم والأب في فترة الرضاعة، فكلاهما شريك في التبعة، وإنْ كانا مطلقين، وكلاهما مسؤول تجاه هذا الصغير الرضيع: هي تمدّه بالحليب والحضانة والرعاية، وأبوه يمدّها بالغذاء والكساء وكلّ حاجاتها الضرورية التي تؤمن لها نوعاً من الاستقرار في حياتها، كي تحافظ على هذا الطفل؛ أي إنَّ كلاًّ منهما يؤدي واجبه، ولكنْ في حدود طاقته: {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} [البَقَرَة: 233]، بحيث لا ينبغي أن يتخذ أحد الوالدين من الطفل سبباً لمضارة الآخر {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [البَقَرَة: 233]، فلا يستغلُّ الأبُ عاطفة الأم وحنانها ليُرغمها على أنْ تقبل إرضاعه بلا مقابل، ولا تستغلُّ هي عطفَ الأب على ابنه، وحبَّه له لتثقل كاهله بمطالبها.
كما أنَّ الواجبات الملقاة على عاتق الوالد تنتقل إلى وارثه في حال الوفاة {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البَقَرَة: 233]. فهو مكلف تجاه الأم بالمسؤولية نفسها التي كانت تُلزِمَ الأبَ قبل وفاته، وذلك توكيداً للتكافل العائلي الذي يتحقق جانبه الأول بالإرث، ويتحقق جانبه الآخر باحتمال تبعة المورِّث. وهكذا لا يضيع الطفل أو يضارّ إنْ مات والده، فحقه مكفول، وحق أمه كذلك، في جميع الحالات.
وإذا رأى الأب والأم - أو الأم والوارث - فطامَ الطفل قبل انتهاء العامين، لأنَّ في هذا الفطام مصلحةً له، كأنْ يستدعي مثلاً سببٌ صحيٌّ لدى الأم هذا الأمر، فلا جناح عليهما - أي فلا إثم عليهما - إنْ فعلاه عن تراضٍ منهما وتشاور تكون فيه حياة الطفل مؤمنة، لأنَّ الله تعالى، وهو الرؤوف الرحيم، قد فرض عليهما رعايته وحمايته، وهذا من شأنه أنْ يوفر للطفل الأمانَ النفسي، الذي إذا ما استقرّ في نفسه منذ الصغر ساعده كثيراً في مختلف مراحل عمره اللاحقة.. فهذه واحدة من أصول التشاور الذي تتبيَّن أهميته في حياة المسلمين.
وإذا كان بحثنا عن الأمان النفسي قد تناول منهجاً واحداً من المناهج الإسلامية، ونعني به الشورى، فما هو تأثير النهج التعبّدي - أي الحفاظ على القيام بالعبادات - على تحقيق الأمان النفسي...
العبادات
الكل يعرف أن علاقات الناس تقوم على الحركة، التي تعني في حقيقتها شتى أنواع النشاطات، ومختلف أنماط السلوك الذي لا يعدو كونه مجرد ممارسة للأفكار والمشاعر، بصرف النظر عن حسنها أو قبحها...
والإسلام قد اتبع الطريقة العملية، والممارسة الفعلية للأحكام والتعاليم والمفاهيم التي يعتنقها أتباعه، كي يأتي سلوكهم منسجماً مع عقيدتهم، ولذلك نجد في الإسلام عبادات عديدة، ولكل منها خصائصه في تربية الإنسان المسلم وتكوين شخصيته.
والعبادات منها فرائض من الله تعالى، وهي من أركان الدين: كالصلاة والصيام والزكاة والحج، ومنها ما لا يدخل في الأركان، ولكنه لا يقل عنها فائدةً وخيراً للإنسان من مثل ذكر الله تعالى، والصبر، والتوبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحفظ الفروج، والوفاء بالعهود، وأداء الأمانة، والقيام بالشهادة الصادقة، وغيرها من القيم الإنسانية السامية التي يقتضي على المسلمين الالتزام بها، كالتزامهم بالفرائض، حتى يجعلوا الحياة من حولهم غيرَ مشوبةٍ بالخبائث والمفاسد. وسوف نبحث في الفرائض، ومن ثَمَّ في بعض تلك القيم الإسلامية والإنسانية...
الصلاة
ألا ترى يا أخي المسلم أنَّ في نداء الأذان «حيَّ على الصلاة»، وهـو يكـرّره المؤذن، ما يوقظك من الغفـلة، ومن مشـاغل الحياة لتقبل على عبادة ربك في فريضةٍ جعلها الله تعالى قواماً لإصلاح حياتك مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العَنكبوت: 45]؟.. وأنك عندما تقيم الصلاة في أوقاتها، وتوفّيها حقها فإنك تشعر بالأمان، لأنَّ الصلاة هي الصلة بين العبد وربه، صلة الطاعة والاستسلام والخشوع والتضرع، ورابطة الثقة والاطمئنان والشفاء؟! إنها الصلة المتينة المباشرة بين المخلوق والخالق، الصلة التي يبرهن بها المخلوق عن عبوديته للخالق العظيم. فهي إذاً صلة قدسية،يقف فيها العبد بين يدي ربه العزيز، وهو على أهبة الاستعداد، بكامل لياقته الجسدية، وفكره المدرك وشعوره الواعي، غير غافل عمّا يقول، عالِماً بما يصدرُ عنه في خضوعه لذي العزة والجلال، وفي خشوعه في حضرة الغفور المتعال.
ولو أردنا أنْ نعبّر عن جلال هيبة الموقف في الصلاة، فما علينا إلاَّ أنْ ننطلق من واقع حياتنا البشرية، فنرى كم نستعدّ ونتهيأ هنداماً، ولياقة عندما نذهب إلى صاحب سلطانٍ أو منصب أو ذي شأنٍ.. وكم نكون في حالةٍ من الانتباه والحذر في حضوره، إذ نتدارك كل نبرة تصدر عنا، وكل إشارة تبدر منا في جلوسنا، ووقوفنا، وكلامنا، أي في كل ما ينمّ عن التهيّب، والتأدّب، والاحترام.. فإنْ كان هذا شأننا مع ُأناسٍ من أمثالنا، ولكونهم فقط من أصحاب النفوذ والسلطان الأرضي، فكيف يجب أنْ يكون حالُنا وشأننا ونحن بين يدي الله العزيز الجبار: خالقنا وخالق كل شيء، مالك الملك، الذي هو على كل شيء قدير، وهو بكل شيءٍ عليم، وهو العلي العظيم؟!..
لا مجال، أصلاً، للمقارنة بين مخلوق وخالق، وحاشا لله تعالى أن نقارن وقوفنا بين يديه طائعين، ووقوفنا في مجالس هؤلاء البشر، ولو كانوا مسؤولين؛ ولا سبيل للموازنة بين التوجّه إلى الله عزَّ وجلَّ، والتوجه إلى إنسانٍ ضعيف مسكين، مهما كان له من الحول والطول.. لا مقارنة ولا موازنة أبداً.. ولكنه تذكير فقط، وعودة بالنفس إلى واقعها الذي تعايش، فلعلَّ في ذلك ما يفيد اقتناعاً واهتداءً إلى الإيمان بالله، وعبادته، كما في الصلاة، التي هي الصلة الأوثق والأمتن بين العبد وربه، حيث على هذا العبد أنْ يكون مكتملاً مظهراً في طهارة ثيابه وبدنه ورونقه، وجوهراً في وعيه لعظمة خالقه وشعوره لقدسية بارئه، وفي خشوعه لرازقه، وإنابته لمدبره، وفي توجُّهِ روحه لباعثها، ونفسه لمسوِّيها.. وكم في هذه الصلاة، وهي بهذه المعاني، من انعتاق كلي، وطلاقٍ - ولو ظرفياً - لهموم الحياة ومشكلاتها، وانصراف تام إلى نورانية تبعث في النفس هدوءاً، وفي العقل طلاقة، وفي البدن استرخاءً.. فأي علاج أعظم من هذه الصلاة للخلاص من كل هموم القلب، وأتعاب النفس.. وعندما تكرر الصلاة على فترات، في الليل وفي النهار، فإنَّ أوقات الاسترخاء والراحة والاطمئنان تزداد، وهذا أقصى ما يتمناه الإنسان، أي أن يجد في حياته فسحةً من الوقت يزيح فيها عن كاهله أثقال هذه الحياة وأعباءها، ويعيش في حالة من الانعتاق التام ممّا يكدّره ويؤرّقه، فمثلُهُ هنا كمثل السجين الذي أفرجَ عنه فانطلق إلى عالم الحرية والنور، وهو يعاهد نفسه ألاَّ يعود أبداً إلى الجريمة والسجن.. والمؤمن، بصلاته، لا يؤدي فريضةً عليه وحسب، بل ويرجو منها الخير، والبركة وعون ربه الكريم، وخاصة وهو يسمَعُ ربَّ العالمين يقول: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [البَقَرَة: 45]. والرسول الأعظم نفسه كان يلجأ إلى الصلاة كلما حَزَبَهُ أمرٌ أو اعترضته مشكلة أهمّته؛ فقد قال حذيفة: «كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) إذا حَزَبَهُ أمرٌ صلَّى». وكان (صلى الله عليه وآله وسلّم) يقول لبلال عندما يحين وقت الصلاة: «يا بلال أَرِحْنا بالصلاة»[*] . وعن أبي قتادة أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) كانَ يعهد إلينا دائماً بالحديث القدسي، فيقول: «قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: إنّي افْتَرَضْتُ على أُمتِكَ خمسَ صلواتٍ، وعَهدتُ عندي عَهْداً أنه مَنْ جاءَ يُحافِظُ عليهِنَّ لوقتِهِنَّ أدخلتُهُ الجنَّة، ومَنْ لم يُحافِظْ عليهِنَّ فَلاَ عَهْدَ لَهُ عِنْدِي»[*] .
وقد وردت أحاديث كثيرة حول أوقات معينة يثاب المرء على الصلاة فيها بمغفرة الذنوب، وبدخول الجنة. ومن هذه الأوقات: الفجر، العصر، الضحى، الجمعة، ليلة القدر، ليالي رمضان (قيام رمضان) وليلة النصف من شعبان.
وعلى الجملة، فإنَّ للصلاة فوائد كثيرة: فهي تنهى الإنسان عن الفحشاء والمنكر اللذين يعتبران المصدر الرئيسي للقلق والخوف، فعندما نقضي على مسبباتهما، فإنَّ ذلك يبعث في نفوسنا الطمأنينة، والراحة لقلوبنا؛ فضلاً عما تزوّدنا به الصلاة من النشاط والحيوية، وما تعوّدنا عليه من القيام بواجباتنا ومسؤولياتنا بأمانة، وإخلاص، فكأنَّما هي طاقة روحية لتمدَّ الإنسان بالعوامل التي تساعد على سلامة صحته البدنية والنفسية..
قال ابن القيم الجوزية في فوائد الصلاة: «وأما الصلاة فشأنها في تفريح القلب وتقويته، وشرحه وابتهاجِه ولذتِه، أكبر شأن. وفيها من اتصال القلب والروح بالله وقربه، والتنعم بذكره، والابتهاج بمناجاته، والوقوف بين يديه، واستعمال جميع البدن وقواه وآلاته في عبوديته، وإعطاء كل عضو حظَّه منها، واشتغاله عن التعلق بالمخلوقات وملابستهم ومجاورتهم، ما صارت به من أكثر الأدوية والمفرِّحات، والأغذية التي لا تلائم إلا القلوب الصحيحة. وأما القلوب العليلة، فهي كالأبدان العليلة لا تناسبها الأغذية الفاضلة؛ فالصلاة من أكبر المعونات على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ودفع مفاسد الدنيا، وهي منهاة عن الإثم، ودافعة لأدواء القلب، ومَطْرَدة للداء عن الجسد، ومنورة للقلب، ومبيضة للوجه، ومنشطة للجوارح والنفس، وجالبة للرزق، ودافعة للظلم،وناصرة للمظلوم، وقامعة لأخلاط الشهوات، وحافظة للنعمة، ودافعة للنقمة، ومنزلة للرحمة، وكاشفة للغمة».
الصيـام
الصوم في الأصل الإمساك عن الفعل مطعماً كان أو مشرباً، أو كلاماً أو مشياً. ولذلك قيل للفرس الممسك عن العلف أو السير: صائم.
قال الشاعر:
خَيْلٌ صِيامٌ وأُخْرَى غيرُ صائِمَةٍ
والصوم بمعنى الإمساك عن الكلام هو ما جاء على لسان مريم (عليها السّلام) في قوله تعالى: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مَريَم: 26].
وأما الصوم الوارد في الآية 185 من سورة البقرة، في قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البَقَرَة: 185]، فهذا الصوم في شهر رمضان لا يعني فقط الإمساك عن تناول الطعام والشراب، منذ الفجر وإلى الليل، وإنما أيضاً الإمساك أو الامتناع عن كل فعل حرام، وعن كل قول مكروه، وعن كل نيّة سوء.. فهو صوم جامع لصون الناس في أنفسهم وحقوقهم، بل هو دافع لكل خير وصلاح لبني آدم. وهذا ما هو مطلوب من المسلمين ممارسته خلال شهر رمضان المبارك من كل سنة، علَّ في مجاهدة أنفسهم خلال هذا الشهر ما يسوّيها ويجعلها أقرب للاستجابة إلى الله تعالى - نيّةً وعملاً وقولاً - طوال أشهر السنة الأخرى، بحيث تصوم الأنفس عن الشهوات والنزوات، وتقلع عن الشوائب والزلاّت، فيعمر الإيمان في القلوب، وتطيب الأنفس وترتاح الأبدان.
والصوم،في الأصل، فريضةٌ فرضَها الله تعالى على كل بني آدم، في أي بيئةٍ أو زمانٍ عاشوا، يقول تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *} [البَقَرَة: 183]، فهذه أولى بشائر الصيام {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البَقَرَة: 183]، أي لعلَّ في صيامكم ما يعينكم على التقوى، العنصر الأهم والأفعل في اتقاء المعاصي والسيطرة على الدوافع والانفعالات، وتقوية الإرادة في مغالبة أهواء النفس..
والامتناع عن الطعام والشراب في الصيام، يؤدي حتماً إلى الإحساس بالجوع والعطش، بما يحمل على مشاركة الجائعين والمساكين ويدفع إلى إطعامهم ومساعدتهم، فيقوى لديهم حسُّ المسؤولية الجماعية.
وللصيام فوائد بدنية ونفسية أخرى كثيرة: فالامتناع عن الطعام والشراب ينقي الدم ويريح المعدة، وينشّط مختلف أعضاء البدن كي تتخلص من رواسب كثيرة قد تسبِّب بعض الأمراض، ثم إنَّ الصبر على الجوع والعطش يعوّد الإنسان على احتمال المشقات، ومتاعب الحياة، وتحمل الآلام، فتقوى لديه العزيمة، والثقة بالنفس، وصلابة الإرادة.. كما أنَّ الامتناع عن المحرمات، وعن الأذى والسوء بكل الأشكال، يبعد النفس عن مسببات القلق والاضطراب، ويغمرها بالأمان الذي يجعلها مطمئنة لعدم اقتراف الأخطاء والسيئات التي تجلب، عادةً، كراهية الناس، ومقت الله تعالى..
وأهم فوائد الصيام شعور المؤمن بأدائه طاعة من طاعات الله تعالى، وأنه موعود بجزاء عظيم على هذه الطاعة. ففي الحديث الشريف كما في صحيح مسلم: «الصيامُ جُنَّةٌ (مانع من المعاصي)، فإذا كانَ أحدُكُمْ صائِماً فلا يَرفُثْ، ولا يَجْهَلْ، فإنْ قاتلَهُ امرؤٌ أو شاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إنّي صائِمٌ، مرَّتَيْنِ. والذي نفسُ محمّدٍ بيدِهِ لَخَلُوفُ فَم الصَّائِمِ أطيبُ عندَ الله مِنْ ريحِ المِسْك»[*] . وعن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنَّ الله عزَّ وجلَّ قال في الحديث القدسي: «كلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إلاَّ الصومُ فإنهُ لي وأَنا أَجْزي به، والحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أَمْثالِها»[*] .
وفي فضائل شهر رمضان المبارك ورد في بعض الروايات أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) خطب هذه الخطبة المباركة، فقال:
«أيُّها الناسُ، لقد أقبَلَ إليكُمْ شهرُ رمضانَ بالبركةِ والرحمةِ والمغفرة، شهرُهُ أبْركُ الشهور، وأيامُه أفضلُ الأيام، ولياليه أفضلُ الليالي، وساعاتُهُ أفضلُ الساعات. وقد دُعيتُمْ فيه إلى ضيافةِ الله، وجُعِلتُم فيه من أهلِ كرامتِهِ، أنفاسُكُمْ فيه تسبيحٌ، ونومُكُم فيه عِبادَةٌ، وعملُكُم فيه مقبولٌ، وَدعاؤكُمْ فيه مُستَجَابٌ، فاسْألوا الله ربَّكُمْ بِنِيّاتٍ صادقةٍ وقلوبٍ طاهرةٍ أنْ يوفّقَكُمْ لصيامِهِ وتلاوةِ كتابِهِ، فالشقيُّ من حُرِمَ غُفرانَ الله فيه، فاذكروا بجوعِكُم وعطشِكُم جوعَ يومِ القيامةِ وعَطَشِهِ، وتصدّقوا على فقرائِكُمْ ومساكينِكُمْ، وَوقِّرُوا كِبارَكُمْ وارحَمُوا صِغارَكُم وصِلُوا أرحامَكُمْ؛ وغُضّوا عمَّا لا يَحِلُّ النظرُ إليه أبصارَكُمْ، وعمَّا لا يَحلُّ الاستماعُ إليه أسماعَكُمْ؛ وتحنَّنُوا على أَيتامِ النّاس يَتَحَنَّنُ الله على أيتامِكُمْ. وتُوبُوا إلى الله من ذنوبِكُمْ، وارْفَعُوا إليه أيدِيَكُمْ بالدُّعاءِ في أوقاتِ صلواتِكم، فإنها أفضلُ الساعاتِ يَنظُرُ الله عبادَهُ فيها بالرحمة، ويجيبُهُمْ إذا ناجَوْهُ، ويُلبيّهِمْ إذا نادَوْهُ، ويستجيبُ لهم إذا دعَوْهُ.
أيُّها الناسُ، مَنْ حَسُنَ في هذا الشهر خُلُقُهُ كان له جَوازٌ على الصّراطِ يومَ تزِلُّ فيه الأقدامُ، ومَنْ خفَّفَ فيه عمَّا مَلَكَتْ يمينُهُ خَفَّفَ اللَّهُ حسابَهُ. ومن كَفَّ فيه شَرَّهُ كفَّ الله عنه غَضَبَهُ يومَ يَلقاهُ؛ مَنْ وَصَلَ فيه رَحِمَهُ وَصَلَهُ اللَّهُ برحمتِهِ يومَ يلقاهُ؛ ومَنْ تَطَوَّعَ فيه بصلاةٍ كُتِبَ له براءَةٌ مِنَ النَّارِ؛ وَمَنْ أَدَّى فيه فَرْضاً كانَ له ثوابُ مَنْ أدَّى سبعينَ فريضةً فيما سِواهُ مِنَ الشُّهور؛ ومن كَثَّرَ فيه مِنَ الصلاةِ ثَقَّلَ اللَّهُ مِيزانَهُ يومَ تَخِفُّ الموازينُ؛ ومَنْ تَلاَ فيه آيةً مِنَ القُرآنِ كانَ له أجرُ مَنْ خَتَمَ القُرآنَ في غيرِهِ.
أَلاَ إنَّ أبوابَ الجنَّةِ مُفتَّحَةٌ فِيه، فاسْأَلُوا ربَّكم أنْ لا يَغْلِقَها عنكُم، وأبوابَ النّارِ مُغَلَّقَةٌ فاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يَفْتَحَها عليكُم، والشياطينَ مغلولةٌ فاسْأَلُوا ربَّكُمْ أنْ لا يُسَلِّطَها عليكُمْ».
الزكاة
أصل الزكاة النمو الحاصل من بركة الله تعالى. ويعتبر ذلك في الأمور الدنيوية والأخروية..
يقال: زكا الزرع يزكو، إذا حصل منه نموٌّ ففاض في الخير والبركة؛ وقد ورد في القرآن الكريم الزكو بمعنى الحلال، وذلك أنَّ أهلَ الكهف بعد أنْ بعثهم الله تعالى من مرقدهم رأوا أنْ يبعثوا بأحدهم إلى المدينة ليأتيهم بالزاد من الغذاء، على أنْ يتفحص أيُّها أزكى طعاماً، كما يبيّنه قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا} [الكهف: 19]، أي فليأت منها بالحلال الطيّب لأنَّ الحلالَ لا يُستوخَمُ عقباه كما الخبيث من الطعام وغيره..
والزكاة في الإسلام، هي طاعة لله تعالى بما يخرجُ المسلم من ماله ليطهِّرَهُ به؛ وقد فُرضت الزكاة لتوزَّعَ على أصحاب الحق فيها، فقال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *} [التّوبَة: 60]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ *لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ *} [المعَارج: 24-25].
ومن هذه الآيات أو غيرها التي وردت فيها «الزكاة» نستدلُّ على أنها أداء الحق المعلوم من المال على القدر الذي فرضَهُ الله تعالى - وبيّنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) - على الموسرين حقاً لأصحابها. وقد سميت الزكاة أيضاً «صدقة» لأنها تدلُّ على صدق العبد في طاعة ربه، وعبادة خالقه ورازقه.
إذاً فالزكاة قدرٌ من المال، يؤخذ من قدر مخصوص، ويعطى لقوم مخصوصين. وقد حدَّدهم الذكر الحكيم بأنهم الأصناف الثمانية الذين أوردتهم الآية 60 من سورة التوبة وزادت عليهم الآية 25 من سورة المعارج «السائل والمحروم» أما السائل فهو الذي يسأل عن حقه ويطالب به، بينما المحروم هو الذي حرم نفسه حق المطالبة بترك السؤال.. والسائل والمحروم يمكن أنْ يُكَنَّى بهما عن جميع الناس الذين وقعوا في العسر، وغلبتهم ظروف الحياة، فجعلتهم فقراء محتاجين لا يقدرون على كسب عيشهم، فجاء الإسلام ليخلّصهم من العوز والحاجة بما فرضَ في أموال الأغنياء من حقٍّ لهم، بقدر محدّد، وهذا ما يقرّب الناس بعضهم إلى بعض، ويحافظ على كرامتهم، ويؤلف بين قلوبهم.
والزكاة جعلها الله تعالى ركناً من أركان الإسلام، نظراً لأهمية مفاعيلها النفسية والمادية على الفرد وللمجتمع على حدٍ سواء، بحيث يشعر المسلمُ الغنيُّ بأنَّ عليه لأخيه المسلم الفقير حقاً، يدفعه إلى بيت مال المسلمين أو إلى الحاكم الإسلامي الذي يتولى توزيعه على المستحقين؛ وفي حال عدم وجود بيت مال المسلمين، كما هو حاصل اليوم، في البلاد الإسلامية، فلا بدَّ أن يتلمَّس دافعُ الزكاة الوجْهَ الشرعي الذي يخوّله أن يؤتي فريضة الزكاة بحقها.. المهم أنَّ على المسلم ألاَّ يهمل أو يتغافل عن هذه الفريضة، لأنها السبيل الأمثل لروابط التكافل والتضامن بين أبناء المجتمع الإسلامي، فلا يعيش الفقير في ذلٍّ، ولا الغنيُّ في بطر.. على أن تطبيق نظام التكافل الاجتماعي لا يعني أن يكتفي النظام بتوزيع موارد الزكاة على مستحقيها؛ بل يتعين على الحاكم الإسلامي توفير فرص العمل لكل القادرين عليه لأن الإسلام يرفض التواكل ويحثُّ على العمل البنّاء الذي فيه خير الإنسان..ومن مزايا الزكاة أنَّها لا تطهّرُ المالَ المأخوذة منه وحسب، بل وتطهر أيضاً نفس المزكّي، فهي إذاً وسيلة مادية شعورية من شأنها أنْ تكبح مشاعر الطمع والبخل والشحّ لدى الغني في حرصه على المال، وأن تثير لدى المحتاج مشاعر التآلف والانتماء إلى الجماعة، من خلال الحدب عليه، والتعاطف معه، ومدِّ يدِ العون له في ضيقه وإعساره.. والزكاةُ فرضاً، كما الصدقة إحساناً، تجعل المزكي، والمتصدّق محموداً لدى الناس، أما أجره في الآخرة فهو على الله تعالى، لأنَّه سبحانه لا يضيع أجرَ من أحسنَ عملاً.. وهذا كله يعني أنَّ الزكاة إنَّما ترمي إلى أنْ يتحرَّى الإنسانُ ما فيه تطهيرُهُ، وينسب ذلك تارةً إلى العبد لكونه مكتسباً للطهر كما يدلُّ عليه قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *} [الشّمس: 9] أي من طهَّر نفسه، وتارة إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم لكونه واسطة في إيصال الطهر إلى نفوس الناس، باعتبار أنَّه هو المبلَّغُ أمرَ الله تعالى، والداعيةُ لتنفيذ هذا الأمر، وذلك بأنْ يأخذ من أموالهم النصيبَ المفروضَ الذي فيه التطهير والتزكية، لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ} [التّوبَة: 103]، وتارة تنسب لله تعالى، لكونه - عزَّ وعلا - هو الذي يطهّر الإنسانَ بالإِيمان، لقوله الكريم: {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} [النِّسَاء: 49]. أما قوله تعالى: {فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النّجْم: 32] ففيه نهيٌ وتأديبٌ عن مدح الإنسان نفسه، لأنه مذموم عقلاً وشرعاً، ولهذا قيل لحكيمٍ: ما الذي لا يحسُنُ وإنْ كان حقاً؟ فقال: مدحُ الرجلِ نفسَهُ..
والزكاة تولّد البركة في عيش الإنسان، لأنَّ البركة هي ثبوت وملازمة الخير الإلهي، في الشيء..
والخيرُ بكل أنواعه وأشكاله وغاياته مصدره الله تعالى، من حيث لا يُحسُّ، وعلى وجهٍ لا يُحصى ولا يُحصر، ولذلك قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة بأنَّه مبارك، وبأنَّ فيه بركة.
والاعتقاد الشائع عن البركة، بأنها محض خيرٍ إلهيٍ، هو تصور سليم من شأنه أنْ يشيع في النفس مشاعر التفاؤل والرجاء، ولعلَّ أبسط الأدلة على هذه المشاعر التحية عند المسلمين: السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُهُ، فهذه التحية تبعث في النفس السلام والطمأنينة المتأتّيين عن رحمة الله تعالى، كما تبعث فيها الرجاء بالخير الكبير لأنها تنطوي على الطلب بأنْ يمدَّ المولى الكريمُ الذين ألقيت التحيةُ عليهم ببركاته، أي نعمِهِ التي يفيض بها على عباده..
والبركة ذاتُ مدلولٍ حياتيٍّ عند الذين يعتبرونها من الخير الذي يغدقه الله عليهم، فإذا أصابَ أحدُهم تجارةً رابحةً اعتبرَ أنَّ المال الذي استثمره في تجارته كان مباركاً، أو إذا زادت غلالُ بستانه، في هذا العام، حَمَدَ الله على ما أفاضَ فيها من البركة، وإذا أثنى الناسُ على ولده علماً وتهذيباً قالوا عنه: إنَّه ولدٌ مبارك، وهكذا الأمر في كل شيءٍ من حياة الناس الذين يُعزون كل خيرٍ زائدٍ إلى بركات الله تعالى وعلى خلاف ذلك فقد لا يكفي راتب الموظف أو المستخدم لتأمين احتياجاته، فيقول: إنَّ هذا المال ليس فيه بركة، ويكون اعتقاده في قرارة نفسه أنَّ الله تعالى لم يطرح فيه البركة لأنه أنفقه بسرعةٍ غير متوقعة، وكذلك الأمر في التجارة أو الزراعة أو الصناعة أو غيرها ممَّا لا يجد فيها الناس وفرةً في الموارد، فإنَّهم يعتقدون أنَّ الله لم يحلَّ فيها البركة، وهذا ما يعبّر عنه القرآن الكريم: بـ«المحق» أي النقصان، لأنَّ معنى: محقَ الله الشيءَ أي أنقصَهَ وذهب ببركته، ومنه قول الله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ *} [البَقَرَة: 275-276]. فالربا هو الزيادة على رأس المال؛ فعندما تضع مالاً في أحد المصارف، فإنه يستثمره مقابل فائدةٍ تُعطاها، ومن منطلق هذا الاستثمار أقبل أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة على إنشاء المصارف لاستجلاب أموال الناس وإيداعها في مصارفهم بحيث يتولون توظيفها وفقاً للطرق والأساليب المعروفة في البنوك الربوية، التي تؤمن أرباحاً طائلة، يعطون جزءاً يسيراً منها إلى المودعين نسبةً إلى المال الذي أودعه كلٌّ منهم في المصرف.. وقد نجح هذا النظام المصرفي في العالم نجاحاً منقطع النظير حتى باتَ أسيادُهُ - مع أرباب كبريات المشاريع الاقتصادية والمالية الأخرى - هم المسيطرين على كل مقدرات الناس، من هنا يمكن أنْ تتبدّى لنا حكمة الله عزَّ وجلَّ عندما حرَّم الربا في قرآنه المبين، بل وتوعَّد الذين لا يأتمرون بهذا التحريم بأنهم من أصحاب النار هم فيها خالدون..
واليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يدل واقع الحياة على أنَّ النشاط البشري يقع في معظمه تحت مظلة النظام المصرفي الربوي ولا ريب، فالنشاطات الاقتصادية والمهنية المألوفة في حياة الناس، والنشاطات غير المألوفة ولاسيما الإجرامية منها التي تقوم على تجارة الأسلحة والمخدرات، والمراهنات، والقمار، وتجارة الرقيق الأبيض - بل والمتاجرة بالأطفال - وتبييض الأموال وما إلى ذلك.. كل تلك النشاطات عمادها المصارف في العالم، أما الآثار المترتبة على ذلك فظاهرةٌ للعيان كظهور الشمس في كبد النهار: فالأغنياء مشغولون بزيادة ثرواتهم، وتقوية نفوذهم، والمحتاجون والفقراء وأبناء الطبقات الوسطى يلهثون وراء لقمة العيش، ولا يحصلون عليها إلاَّ باستغلال جهودهم واستنفاد طاقاتهم!.. ولذلك كان التحكّم بثروات المجتمع في أيدي أولئك الأغنياء وأصحاب النفوذ!. فلا عجب إنْ كان الأغنياء والفقراء يتقاربون في المعاناة من الانهماك، والقلق، والأمراض العصبية والعقد النفسية.. فالفئة الأولى تعاني من تكثير المال، والفئات الأخرى تعاني من قلّته، وكلُّ واحدٍ من الناس يلهثُ وراء اهتماماته الشخصية، وهي كثيرة ومتنوعة، بما جعل النفوسَ خاويةً - إلى حدٍّ بعيد - من القيم المعنوية بسبب طغيان المادة.. ولعلّنا نستشفُّ من ذلك بعضاً من معاني ما ورد في النص القرآني المذكور آنفاً، عندما يشبّه الذين يشتغلون بالأموال الربوية في تصرّفهم وتحرّكهم التي تنم دائماً عن الانهماك والعصبية، وكأنَّ المرابي قد مسَّهُ المال بعقله، فصار يتصرَّف مثل الذي أصابه الشيطان بمسٍّ من الجنون في رأسه، فتراه يترنَّح ويتقلَّب.. بحيث لا يهدأ له بال!.. أليس هذا هو تماماً مشهد أصحاب الأموال الربوية في حركتهم التي لا تنقطع؟!.
أما تلك الأموال الربوية التي يريدون الحصول عليها، فالله تعالى يمحقها بالنقصان من حيث لا يدرون..
ولو سألَ سائلٌ: ولكن كيف يمحق الله الربا، في حين أنَّ المرابي، فرداً أو مصرفاً، يحصل دائماً على زيادة في رأسماله؟ هذا صحيح وفقاً للمنطق الربوي، ولكنْ لو تبصّرنا بحياة الذين يشتغلون بالربا، لوجدنا - في الغالب - أنَّ المحق الذي عناه القرآنُ الكريمُ لا يقتصر على النقود، أو العقارات، فهم يعملون في البورصات وأموالهم عرضة للخسارة مثل الربح، أمَّا الأهم، فهذا المحق الذي يطال المرابي في صحته، أو في تسليط من هو أقوى منه على مقدراته، كما قد يكون المحق في انصراف أولاده إلى الجريمة أو المخدرات، أو الشذوذ الجنسي، أو التبذير، وغيرها من الأمور التي تؤدي غالباً إلى نقصانٍ في المناعة النفسية والجسدية..
ثم إنَّ القرآن الكريم يؤكد من ناحية أخرى أنَّ الربا الذي يريدون منه زيادة أموالهم، ليس له أية قيمة أو اعتبار عند الله تعالى، وخاصة أنَّه لا يجزي صاحبه أي ثواب في الآخرة، بل يزيده عذاباً على مقدار الزيادة التي تحصّلت لديه من الربا في الدنيا..
من هنا يمكن القول إنَّ الزيادة المعقولة المعبَّر عنها بالبركة مرتفعة عن الربا، أي لا تأتي من الربا بتاتاً، ولذلك كان اعتقاد أهل الإيمان بأهمية البركة في حياتهم اعتقاداً صحيحاً، إذ في نظرهم ليست البركة في الكسب الحلال وحسب، ولا في كثرة الإنتاج ووفرة الموارد التي قد ينعم الله تعالى بها على بلدٍ دون آخر، أو على شعب دون شعبٍ، بل البركةُ أيضاً في دفع الاضطرابات النفسية، والأمراض العصبية وغيرها من الشدائد التي قد تحتاج إلى الأمان النفسي عند الناس.. وهذا ما يعوّل عليه أصحاب البركة، لأنهم يعتبرون أنَّ الله تعالى عندما يبارك شعباً من الشعوب، أو أمَّةً من الأمم فإنما يجعلها تتمتع بالمال من خلال التعاطف والتضامن والتكافل بين أبنائها، على ما فيه خيرهم ونفعهم. فعندما يحصل الإنتاج ويجري الإنفاق بما يرضي ربَّ العالمين، فإنَّه سبحانه وتعالى هو الذي يفيض البركات في الإنتاج، ويوفر الطمأنينة في النفوس بالإنفاق.. ولذلك أودع ربُّ العالمين في قرآنه الكريم أوامرَه السنية التي تفرض الزكاة، والصدقة على ذوي المال حتى تتوزَّع حواصلها على مستحقّيها، فلا يبيت جائعٌ من شَبَع غنيٍّ، ولا يُحرم سائلٌ من رأفة متصّدقٍ أو مُحسنٍ..
ويشير القرآن الكريم إلى معاني البركة في 32 موضعاً منه، وكلُّها تتجمَّلُ بالثناء على الله تعالى في تمجيده وتعظيمه وتقديسه، وبالإشارة إلى ثبوت الخير الإلهي في الإنسان المبارك، أو الشيء المبارك الذي فيه ذلك الخير، ومن قبيل ذلك:
- تنزيه الله تعالى في ملكه وسلطانه وقدرته، لقوله عزَّ وجلَّ: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *} [المُلك: 1].
- وصف القرآن بأنه كتاب مبارك، تنبيهاً إلى ما يفيضُ فيه من الخيرات الإلهية، قوله تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ} [الأنبيَاء: 50]، وقوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *} [الأنعَام: 155]، فهذا القول الكريم يحمل بالإضافة إلى كون القرآن مباركاً، دعوةً صريحةً للناس باتّباع نصوصه والعمل بأحكامه، واتّقاء محارمه من مثل الكفر والشرك والربا، رجاءَ رحمة الله تعالى...
- بشارة الوحي إلى نوح (عليه السّلام) بأنْ يهبط هو ومن معه من أصحاب السفينة، بسلامٍ من الطوفان العارم الذي غطَّى الأرضَ، وببركات من الله تعالى تتنزَّل عليه، وعلى أممٍ من المخلوقات التي حملها معه في الفلك، قوله تعالى: {قِيل يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِنَّا وبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَنْ مَعَكَ} [هُود: 48].
- وصف المسجد الأقصى بأنه مبارك من ربّ العالمين، وأنَّ المناسبة لهذا الوصف هي مباركة أيضاً، عندما أسرى الله تعالى بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ليلاً من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس الذي باركه سبحانه، وبارك حولَهُ بالأرض الطيبة وما فيها من الخير، قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسرَاء: 1].
- تشريف السيد المسيح عيسى ابن مريم (عليه السّلام) بأنْ جعله ربُّهُ تعالى مباركاً أينما كانَ، وكيفما كان، في قيامه وقعوده، في صلاته وزكاته ما دام حيّاً على هذه الأرض، قوله تعالى: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا *} [مَريَم: 31].
- مباركة الله عزَّ وجلَّ لموسى (عليه السّلام) ببعثه نبيّاً رسولاً، في وسط النار المقدسة، ومباركة من حولها من الملائكة الذين يسبحون الله ربَّ العالمين، قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} [النَّمل: 8].
- مباركة الأرض التي نحيا عليها بالخيرات الوفيرة التي تمدّنا بكل أسباب الحياة، قوله تعالى: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا} [فُصّلَت: 10].
- الوصية للمسلمين بأنَّ عليهم أن يتجمَّلوا من أدب الحياة بالتحية المباركة الطيبة التي تحمل معاني السلام، قوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النُّور: 61]. فإذا دخلتم أيها المسلمون بيوتاً لكم لا أهل فيها فقولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنَّ الملائكة ترد عليكم بهذه التحية المباركة الطيبة قائلة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وإذا كان بها أهلٌ فسلموا عليهم بالقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
كل تلك المعاني الجميلة تبيّن ما للشعور بالبركة أو التبرّك من تأثير على نفس الإنسان تجعله يطمئن إلى عناية الله عزَّ وجلَّ، ولطفه بعباده وهو يشيع سبحانه في كل شيءٍ من حولهم الأمن والسلام، ويفيض على كل شيءٍ من حولهم بالخير والبركة.. وتتلاقى المشاعرُ على معاني البركة والزكاة لترفد النفس بمقومات تطهيرها، وحبّها الخير، والالتزام بالطاعة.. ومن هنا كان حرص الإسلام على تلك القيم، ولاسيما الزكاة باعتبار أنها واجبة بضرورة الدين، ولذا قرنَها الله تعالى بالصلاة في آي من الذكر الحكيم، كما في قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البَقَرَة: 43]، وقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ} [الحَجّ: 78]، وقوله تعالى: {وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزَاب: 33].
والرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «لا يَقبَلُ اللَّهُ تعالى صلاةَ رجلٍ لا يُؤَدّي الزكاةَ حتى يجمَعَهما، فإنَّ اللَّهَ تعالى قد جمعَهُما فلا تفرِّقوا بينهما»[*] ، وعن أنسٍ (رضي اللَّه عنه) أنَّ رجلاً من تميم سألَ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) كيف ينفقُ مالَهُ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم) له: «تُخرجُ الزكاةَ مِنْ مالِكَ فإنَّها طُهْرَةٌ تُطهِّرُكَ، وتَصِلُ أقرباءَك، وتعرفُ حقَّ المسكينِ والجارِ والسائل»[*] . وروى الطبريُّ، وأبو نعيم، والخطيبُ عن ابن مسعود (رضي اللَّه عنه) أنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «حصِّنُوا أموالَكُمْ بالزّكَاةِ، ودَاوُوا مَرْضَاكُمْ بالصَّدَقةٍ، وأَعِدُّوا للبَلاءِ الدُّعاءَ»[*] ؛ كما أنَّه ورد في كتاب (وسائل الشيعة) أنَّ أميرَ المؤمنين علياً (رضي اللَّه عنه) قال: «سُوْسُوا إيمانَكُمْ بالصَّدَقَةِ، وحَصِّنُوا أموالَكُمْ بالزَّكاةِ، وادْفَعُوا أَمْواجَ البَلاءِ بالدُّعاء» .
... فكل تلك القيم التي يحث الإسلام على تدبّرها، واتّباعها: من الشعور بالبركة والخير، وتطهير النفس والمال بالزكاة، والالتجاء إلى الله تعالى بالدعاء.. كل هذه القيم جديرة بأنْ تجعل الإنسانَ يرتقي في حياته. سواء بالتخلّق بالخُلُق الرفيع، أو القيام بالعمل الصالح، ونشر الخير، فيُثني الناسُ عليه، ويحبُّونه ويقدّرونه، ما يُشيع في نفسه الرضا والاطمئنان، ويقوّي فيها مشاعر الأمل والرجاء.
ولا بدَّ، أخيراً، من الإشارة إلى التحذير الذي أطلقهُ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في وجْه الأغنياء الذين ظلموا الفقراء، فقد رُويَ عن عليٍّ (رضي اللَّه عنه) أنَّ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «ويلٌ للأغنياءِ مِنَ الفقراءِ يومَ القيامة. يقولون: ربَّنا ظلمونا حُقوقَنا التي فَرَضْتَ لنا عليهم، فيقول عزَّ وعَلا: وعِزَّتي وجَلالي لأُدنينَّكُمْ ولأُباعِدَنَّهُمْ، ثم تَلاَ (صلى الله عليه وآله وسلّم) قولَ الحقِّ تبارَكَ وتَعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ *لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ *} [المعَارج: 24-25][*] .
الحـجّ
الحجُّ - في اللغة - هو القصد بصورة مطلقة؛ أو كثرة القصد لشخصٍ أو شيءٍ تعظّمه. وأصل الحج: القصد للزيارة. والحجُّ في تعارف الشرع: قصد المسجد الحرام إقامةً للشعائر والنسك التي فرضها الله تعالى على المسلمين في شهر ذي الحجة من كل عام.
والحجُّ هو أحد الأركان في الإسلام، فقد جعل الله تعالى الكعبة الشريفة أول بيتٍ لعبادتِهِ في الأرض، إذْ ترجع في عهدها الأول إلى أبي البشرية آدم (عليه السّلام) .. حتى إذا انقضت الأزمنة، وتهدَّم ذلك البيت العتيق بفعل العوامل الطبيعية من الزلازل والأعاصير والسيول، وحتى إذا بَعثَ الله إبراهيم (عليه السّلام) نبيّاً في الدين الحنيف، نزل إليه الأمرُ الجللُ من ربه بأنْ يعيد بناء البيت، فيرجعَ إلى سابق عهده، مكاناً يقصده الناس للعبادة، قال الله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ *} [البَقَرَة: 125]. وقال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *} [البَقَرَة: 127].
وكانَ أيضاً أمرُ الله - عزَّ وعلا - لإبراهيم (عليه السّلام) أنْ يُنادي في الناس بالحج إلى بيت الله الحرام بقوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ *لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ *ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحَجّ: 27-30].
وكان لا بُدَّ أنْ يتغلغلَ نداء أبي الأنبياء إبراهيم (عليه السّلام) في أعماق الزمان، فيظلَّ دعوةً قائمةً للناس، ليقصدوا بيت الله الحرام حاجّين، طائفين، معظّمين حرمات الله عزَّ وجلَّ لأنَّ ذلك خيرٌ لهم عند ربهم.. وهذا ما أبقى الكعبة الشريفة حرمةً في النفوس، فكانوا يقصدونها، حتى في أيام الجاهلية، وهم على الوثنية والشرك، من سائر أنحاء شبه الجزيرة العربية، ليحجّوا إليها آمنين من القتال والنزاع، موفين نذورهم، مطوّفين حولها، معظمين حرمات الله تعالى (لأنهم كانوا يقرون بحقيقة وجود الله ولكنّهم كانوا يعبدون الأصنام لتقرّبهم إلى الله زلفى).
ونزل القرآن الكريم على قلب محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ليزيد الكعبة تشريفاً وتعظيماً لأنَّها أولُ بيت وضع للناس بمكة مباركاً وهدى للعالمين، وقد فرضَ سبحانه على المسلمين حجَّ هذا البيت من استطاع إليه سبيلاً، يقول تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ *فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ *} [آل عِمرَان: 96-97]. وقال تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ} [المَائدة: 97]. وبذلك كان الحجُّ أحد الأركان في الإسلام، وفريضةً على كل مسلم، ومسلمة لأداء المناسك والشعائرَ، كما علَّمها رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) للمسلمين منسكاً منسكاً، وشعيرةً شعيرة..
ولكنْ ما يلفت الانتباه في النصوص القرآنية الكريمة التي تتحدث عن الحج أنَّها لا تخاطب المسلمين وحدهم، بل تتوجه إلى جميع الناس: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً} [البَقَرَة: 125]، {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} [آل عِمرَان: 96]، {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عِمرَان: 97]،{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ} [المَائدة: 97]، {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحَجّ: 27].. فهذه الآيات من جملة النصوص الأخرى في القرآن المجيد التي تجعل الإسلام دعوةً عامة لجميع الناس، بل وديناً للعالمين، لأنَّ الدين عند الله الإسلام، فمن ابتغى غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه.. وهذا القرآنُ، كتابُ الله تعالى، مفتوح على مصراعيه لمن شاءَ أنْ يعلم ما أنزل ربُّ العالمين فيه من هدى وخير، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، وما الله بظَلاَّمٍ للعبيد..
أمَّا قدسية الكعبة الشريفة في نفوس المسلمين، فليس كونها بيتاً من حجر ومدر - كما يحلو للبعض أنْ يتوهم - بل لأنَّ الله تعالى شرَّفها، وزادها تشريفاً وتكريماً، وباركها في قرآنه المجيد، فكان عبادةً، وشرفاً للمسلمين، أنْ يزوروها حاجّين ومعتمريْن كما أمرهم ربُّ العالمين.. على أنَّه لا بدَّ أن نشير إلى تلك القدسية لكعبة الله عزَّ وجلَّ، ومن خلال النصوص القرآنية بالذات:
- فهي قبلة المسلمين لقوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} [البَقَرَة: 150]، ولذلك فهم يتوجهون إليها خمس مراتٍ في اليوم لإقامة فريضة الصلاة المكتوبة، وفي كل نافلةٍ أو عبادةٍ يتوخَّون فيها وجْهَ الله ربهم طائعين مختارين..
- وهي مثابة للناس يأتون إليها من كل فجٍّ عميقٍ، من جميع الأمصار والبلدان تجمعهم الأخوة الإسلامية، فلا يفرق بينهم جنس، أو عرق، أو لونٌ أو لغة، ويحدوهم نفس الأمل في قبول أعمالهم وغفران ذنوبهم.
- وهي أمنٌ للناس، ليس بتحريم القتال عندها أو في جوارها وحده، بل - ولعلَّه أهمُّ من القتال بكثير - وذلك بجعلها أمناً للنفوس من غوائل الذنوب التي يكون المسلم قد ارتكبها في غفلةٍ، فجاء يتضرّع إلى ربه بالتوبة والمغفرة حتى يأمن على نفسه من عذاب الآخرة؛ فالحجُّ، أو العمرة أمانٌ وأمنٌ للناس في الدنيا والآخرة، فسبحان مَنْ قضى للبيت العتيق بهذه العزّة والمكانة..
- وهي البيت الحرام، الطاهر، والمطهَّر من رجس المشركين والكافرين، فمن قصدَهُ فإنما جاءَ ليطهِّرَ نفسَهُ وجوارحَهُ طوافاً، وركوعاً وسجوداً، في عبادةٍ خالصة لرب العالمين.
- ولعلَّ أجلّ ميزة للكعبة الشريفة أنَّها البيتُ الحرامُ الذي نسبَهُ الله عزَّ وجلَّ لنفسه القدسية، بقوله تعالى: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البَقَرَة: 125]، وقوله تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحَجّ: 26]، وقوله تعالى على لسان إبراهيم (عليه السّلام) : {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37].. وبالفعل فهذه الأفئدة المؤمنة تتدفق إلى بيت الله الحرام في موسم الحج، وعلى مدار العام للعمرة، وفي نفس كل مؤمن شوق لرؤيته البيت، وشعور بالعبودية لله، واللجوء إلى كنف بيته الطاهر بنيّةِ التعبُّد والطاعة، بعيداً عن كل مشاغل الحياة، وهمومها، وأثقالها وأَعراضها، علَّ ربَّهُ الكريم يغفر له ذنوبه، ويكفر عنه سيئاته..
ومن منطلق هذه المفاهيم الإيمانية والتعبّدية، فإنَّ من مقاصد الحجِّ أنْ يحاسِبَ كلُّ حاجٍّ نفسَهُ محاسبةً دقيقةً على ما آتاه من ماضي أيامه من خيرٍ أو شرٍ، من نفع أو ضررٍ، ومن طاعةٍ أو معصيةٍ، ثم يتعهد بين يدَيْ سيِّده ومولاه، وفي رحاب بيته الحرام، وفي وقفة عرفة، وفي رمي الجمرات، وأثناء كل شعيرة يقوم بها.. أجل يتعهد لخالقِهِ وبارئه، بنيّةٍ خالصةٍ واستسلامٍ تامٍّ بالإقلاع عن المعصية، والاستقامة على الطاعة. ومثل هذا التعهد لله العلي العظيم من شأنه أنْ يريحَ النفس من أثقالها، وأنْ يسموَ بها إلى معارج الطهر والاطمئنان، ويفسح للمؤمن، بعد حجة الإسلام التي قام بها، في حياةٍ هادئةٍ، بعيدةٍ عن الاضطراب النفسي، والقلق، والتعاسة..
عن الحسن بن عليٍّ (عليه السّلام) أنَّ رجلاً جاءَ إلى رسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) يشكو حاله، وعدم احتمالِهِ المشاركةَ في قتالِ الأعداء، فقال له الرسول الأكرم: «هَلُمَّ إلى جهادٍ لا شوكةَ فيه: إلى الحجّ»[*] ، ومن موجبات الحاجّ الالتزام قولاً وفعلاً بأدب الحديث أثناء حجّه، وعدم التفكير، أو الإِتيانِ بأي خطأ مهما كان نوعه لأنَّ الله تعالى يقول: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البَقَرَة: 197]. {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البَقَرَة: 197]، فهذا النهيُ يكفي ما فيه من قهرٍ للنفس والجوارح عن الانفعالات، وكبحٍ عن الشهوات، حتى يُبعد الحاجّ من نفسه كلّ خبثٍ يكون قد علق بها من قبل، فعن عبد الله بن مسعود (رضي اللَّه عنه) أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «تَابِعُوا بينَ الحَجِّ والعُمرةِ، فإنَّهما يَنْفِيانِ الفقرَ والذنوبَ كما يَنفي الكِيْرُ خَبَثَ الحديدِ والذهبِ والفضة. وليسَ للحِجَّةِ المبرورةِ ثوابٌ إلاَّ الجنّة»[*] .
هذا فضلاً عن أنَّ الحجَّ في أيامٍ معلوماتٍ يشعر الحجيج بالمساواة التامة، وهم في ثوب الإِحرام الذي لا نظيرَ له في دنيا الناس، بحيث يرى فيه الفقيرُ نفسه بجانب الغني، والمحكومُ رفيقَ حجٍّ مع الحاكم، والمَسودُ كتفاً إلى كتفٍ مع السيد، فلا فرقَ بين شـخصٍ وآخر إلاَّ بمقـدار ما في نفسه وجوارحه من شعور بالإجلال، والإخلاص لله تعالى. ولعلَّ في ذلك ما يذهب كثيراً من غلّ النفوس، ويجعـل المسـلم يشـعر بإنسانيته، ومكرمته.. وليس ما يحول دون تلك المشـاعر من أنْ تشكل عواملَ تقويـةٍ للنفس، للتخلص من رواسب العقد التي تكون قد استحكمت فيها، وعواملَ استعدادٍ لمواجهة أعباء الحياة من جديد، بالجدّية، والصبر، والأناة، والتسامح، والمحبة..
وقد يلاقي الحجيج، من الناحية البدنية، بعض التعب والمشقة في القيام بالشعائر، والانتقال بين مواضع المناسك، وخاصة من شدة الازدحام، والتسابق على أداء الطاعات، ما يستدعي التروّي والصبر، وعدم التدافع الذي يزيد في الإِرهاق.. ومع ذلك فإنَّ تلك الصعوبات سرعان ما تتبدَّدُ أتعابها، وتزول آثارها بما يولِّد لدى الحاجِّ عزماً على اتباع نمطٍ جديدٍ في حياته، وتوجِّهٍ مختلف نحو الأفضل والأحسن، حتى ليشعر الحاجُّ بعد عودته إلى دياره بنوعٍ من الانقلاب على ماضيه، وكأنَّ كلَّ شيءٍ قد تبدَّل لديه، بحيث تغدو مشاعره مفعمةً بالأملِ لمتابعة حياته على طريق الطاعة والاستقامة، وبذل كل جهدٍ لطمأنةِ الآخرين من حوله، بل والعمل على إسعادهم ما أمكنه.. وداعيه الأوحد، في كل ذلك، قبول أعماله من ربّه عزَّ وعلا...
ولا ريب بأنَّ المعاني التي يخلّفها الحجُّ في نفس المسلم، ولاسيما الرجاءُ بغفران ذنوبه، من شأنها أنْ تحصِّنَهُ من الضلال، والانحراف وللآخرين، فيعيشَ آمناً مطمئناً...
هذا عن العبادات: الصلاة، الصيام، الزكاة والحجّ.
أمَّا بالنسبة إلى القيم الإسلامية الأخرى، وهي في أبعادها الإنسانية، لا تقلُّ أهميةً عن العبادات، فإنَّها كثيرة جداً، وقد جَعَلَ القرآنُ الكريم اتّباعها بمثابة غذاءٍ معنوي لنفوس المؤمنين لما تحملُ لهم من الشفاء والرحمة، وسوف نتبين معالم بعضٍ من تلك القيم، ولا سيما: ذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، والدعاء..
ذكر الله تعالى
يقول ربُّنا تبارك وتعالى: {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النِّسَاء: 28].
ويتبدّى هذا الضعف في حياة الإنسان، أكثر شيء، عند قصوره وعجزه عن أداء موجباته الدينية والدنيوية، بحيث يحتاج الإنسان إلى رحمة الله تعالى للتغلب على ضعفه، ومدّه بالأسباب والمقومات التي تمكنه من مواجهة أعباء الحياة الدنيا، والسعي لنيل الآخرة.. ولذلك كان خليقاً به أنْ يعظّم الله تعالى في كل شاردةٍ وواردة، الذي وحده سبحانه قادرٌ على أنْ يجعله يتجمَّلُ بالصحة النفسية والبدنية، ويجعل حياتهُ تزدان بالمال والبنين، وتزخر بالطيبات من الرزق الوفير؟!.. على أن يقوم هذا الإنسان من جانبه بالعبادة والإِنابة، والحمد والشكر، وطلب العفو والمغفرة.. وكلها ذكرٌ لله تعالى على ما هو أهله، لأنه سبحانه أهل الكبرياء والعظمة، وأهل الجود والجبروت، وأهل التقوى والمغفرة، وأهل العفو والرحمة.. فإذا جحدَ «الإنسانُ»، ولم ينصف خالقَهُ - والعياذ بالله - بما يستحق من التمجيد والتقديس، فهذا شأنه!.. أما المؤمن فإنَّ من أولى موجباته الدينية والأدبية أنْ لا يتوانى لحظة عن ذكر سيده ومولاه، لأنَّ من شأن هذا الذكر العظيم، أنْ يقوِّي كلَّ نبضةٍ من نبضات قلبه على الطاعة، ويشدَّ كلَّ عزيمة من عزائم جوارحه على فعل الخير والصلاح، يقول الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ *} [الرّعد: 28]..
وذكر الله تعالى، فوق أنه يفرض على المؤمن وجوب القيام بالعبادات والطاعات، فإنَّهُ يُعتبر من أهم عوامل الاستقرار النفسي إذا ما أنار الملك القدُّوسُ قلب الإنسان بنور الإسلام، لقوله تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزُّمَر: 22]، ومعنى شرح صدره للإسلام: وسَّع قلبه لقبول هذا الدين والثبات عليه؛ وشرح الصدر يكون بثلاثة أشياء: أحدها بقوة الأدلة التي نصبَها الله تعالى في كل شيءٍ، وهذا يختص بالعلماء، والثاني بالألطاف التي تتجدد للإنسان حالاً بعد حال، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محَمَّد: 17]، والثالث بتوكيد الأدلة وحلِّ الشبهات وإلقاء الخواطر، {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزُّمَر: 22]، أي على دلالةٍ، وهدىً، وعونٍ من ربّه تعالى؛ فقد شبَّه الأدلة بالنور لأنَّ بها يُعرف الحقُّ، كما بالنور تُعرف حقائق الأشياء.
وبهذا النور الرّباني يمتلى ءُ قلبُ الإنسان بالإِيمان الصادق، فيُقبل على طاعة ربه وعبادته، في حين أنَّ الذين ألفوا الكفر، وتعصبوا له حتى تصلبت قلوبهم فلا يعود ينفع معها وعظٌ، ولا حكمةٌ، ولا ترغيبٌ ولا ترهيب، فأولئك الذين قست قلوبهم فلا تتحرَّك عند ذكر الله عزَّ وعلا، أو عند سماع تلاوة القرآن، لا بل وكثيراً ما تشتدُّ قساوة قلوبهم من ذكر المؤمنين لله تعالى، فكأنما يجدون في هذا الذكر ما يحبط أهواءهم في مطامع الدنيا، دون أنْ يدركوا بأنَّ الله هو الذي يقلّب القلوب كيف يشاء، ولو شاءَ أنْ يؤمنوا لآمنوا رغماً عن أنوفهم وأهوائهم، ولكنَّه سبحانه وتعالى يؤجلهم إلى يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلاَّ من أتى الله بقلبٍ سليم..
وذكرُ الله تعالى من العبادات التي لا يعدلها كلُّ ما في الدنيا من مالٍ وبنين وزينةٍ، ثواباً، وخيراً يأملُهُ الذاكرُ عند ربّه الكريم، يقول تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً *} [الكهف: 46] وفسّرت «الباقيات الصالحات» بأنَّها الصلوات الخمس؛ أو أنَّها كلُّ عبادة يُقصد بها وجه الله تعالى، لأنَّ صالح الأعمال يقوم في الأساس على العبادات..
والرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان يحثُّ المسلمين على الإكثار من «الباقيات الصالحات»، إذ كان لديه (صلى الله عليه وآله وسلّم) استشفافٌ بإلهامٍ من ربه لأمورٍ كثيرةٍ من الغيب، ومن ذلك تحذيره من حكم الظالمين الذين يجورون على الناس في مقبل الأيام، ونصحه بعدم تصديقهم أو ممالأتهم، بل العمل بتقوى الله عزَّ وجلَّ لأنها زاد المؤمن في الدنيا والآخرة، كما يتبيّن من حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) بأن: سبحانَ الله والحمدُ لله ولا إلهَ إلاَّ اللَّهُ واللَّهُ أكبرُ، هُنَّ الباقياتُ الصالحات»[*] ، وكذلك قوله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «اسْتَكثِروا من الباقياتِ الصالحات. قيل وما هن يا رسول الله؟ قال: «الملة» قيل وما هي؟ قال: التكبيرُ، والتهليلُ، والتسبيحُ، والتحميد، ولا حولَ ولا قوةَ إلاَّ باللَّه»[*] ؛ ولمَّا سألوه عن ثواب «الباقيات الصالحات» شبهها (صلى الله عليه وآله وسلّم) على أنها غرسات لهم في الجنة تنمو بالطاعة، فلا يحرقوها بنار الذنوب..
إنَّها كلمات قليلة علَّمها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) للمسلمين، وهي أنْ يقدّسوا الله تعالى ويمجّدوه بقولهم: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إلهَ إلاَّ الله والله أكبر» أو بقولهم: «لا حولَ ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم» أو بقولهم: «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون» .. أجل، هي كلمات قليلة ولكنَّها في مضامينها وحقيقتها، أعمدةُ الحقِّ الذي يقوم عليها الوجودُ كلُّهُ..
ومن تعاليم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لأهل بيته أنَّ يسبّحوا الله تعالى ويحمدوه، فيقولوا: «سبحانَ الله وبحمدِهِ عدَدَ خلْقِهِ ورِضا نفسِهِ وزِنَةَ عرشِهِ ومِدَاد كلماتِهِ»...
وإذا كانَ من حق الله علينا أنْ لا نغفل عن ذكره لأنَّه خالقُنا، وبارئُنا ومدبّرنا، فإنَّ هذا الإنسانَ وهو مجبولٌ على النسيان، غالباً ما ينهمك بمشاغل الدنيا، وقد يتوانى عن ذكر ربه.. وهنا تتجلَّى ألطافه تعالى بعبده، فلا يترك مَن ينساهُ أو يغفل عن طاعته لنفسه، بل يوقظه من غفلته، ويوجهه بالأمر الجازم لأن يذكر ربَّهُ، ولاسيما في الأوقات التي لا يكون مأخوذاً فيها كليّاً بمطالب الدنيا، وذلك بقوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغَدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ *} [الأعرَاف: 205].
واذكر ربَّكَ، أيُّها الإنسان، بينك وبين نفسك، بابتهالٍ وتذلّلٍ لأنه الكبير المتعال، واذكره في نفسك خوفاً وخشيةً من عقابه لأنَّه شديدُ العقاب.. فأنت عندما ترتكب معصية أو جرماً، وتخافُ من أنْ ينزلَ بك العقابُ على ما اقترفت يداك، فإنك تلجأ إلى مولاك الكريم، مبتهلاً خاشعاً متذللاً أنْ يقبلَ عذرك، ويغفر لك زلَّتَك، فضلاً عن خوفك من أنْ يكشف سوء عملك الذي يَجرُّ عليك الخزيَ والعار.. ففي هذه الحالات التي تخشى فيها سخط الله تعالى، وتخاف من أنْ يطّلع الناسُ على قبيح عملك، لا يكون أمامك من ملاذٍ إلاَّ التضرّع بالسرِّ إلى ربك مسكيناً، ذليلاً مستكيناً، وسوف تجد ربك رؤوفاً رحيماً لأنه غافر الذنب وقابل التوب..
وكما يكون ذكر الله خفوتاً وهمساً فلا يسمعُهُ إلاَّ هو تعالى، فكذلك يمكن أن يكون دُعاءً بصوتٍ خاشعٍ فيه مناجاة العارف، المحزون، الطامع، لأنَّ المناجاة لا تكون بصوتٍ جهوري، قد يجعل الدعاءَ أقرب إلى الرياء منه إلى طلب الحاجة من المحتاج إليه، كما أنَّ ذكر الله عزَّ وعلا ليس مجرد الذكر بالشفة واللسان، بل وبالقلب والوجدان، فأنت عندما تتذكَّرُ جبّاراً من جبابرة الأرض، أو ظالماً من هؤلاء الطغاة الذين يستبدون بمصائر الناس، فإنك تخشى أنْ تذكره بسوءٍ على لسانك، لئلاّ يصل خبرُك إلى مسامعه فيطغى عليك!.. ولكن عندما تتذكّر الله تعالى فليكن قلبك مملوءاً بالرهبة من وعيده، لأنه جبار السماوات والأرض، وقد حذَّرك كتابه المبين وتوعَّدك في كثير من آياته كي لا تكون من الغافلين، أو الفاسدين، أو المجرمين أو المنافقين لئلا تقعد ملوماً محسوراً!..وفي مقابل الوعيد، جاء قرآنُهُ الكريم يعدك، أيها الإنسان، إنْ كنت من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، من هؤلاء الطائعين، العابدين، المحسنين والمتقين بالثواب والأجر العظيم.. والمجالات لوعد الغفور الرحيم واسعة وآفاقها رحبةٌ، فكان جديراً بك أيها الإنسان أنْ تكون مثابراً على ذكر ربك تعالى، وقد وجَّهكَ إلى السبل التي تأخذ بيدك إلى الخلاص، ودلَّك على الأوقات التي يكون فيها الذكر والدعاء أقرب إلى الاستجابة، فاذكر ربك {بِالْغَدُوِّ وَالآصَالِ} [الأعرَاف: 205] وعلى أي حالٍ تكون فيه، من اليسر أو العسر، اذكره في مطالع النهار وأواخره {تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} [الأعرَاف: 205]، وإنْ كان ذكر الله لا ينبغي أَنْ يقتصر على هذين الوقتين، بل يجب أنْ يبقى في القلب وعلى اللسان في كل آنٍ، إلاَّ أنَّ الإقبال على الذكر، والإكثار منه في بدء حركة السعي بالغدوّ، ووقت الرواح بعد الفراغ من الأعباء في الآصال، يكون له تأثير أقوى على نفسك وأنتَ تطالع التغيُّرَ الواضح في صفحة الكون من ليلٍ إلى نهارٍ، ومن نهارٍ إلى ليلٍ، لأنَّ القلب أقرب ما يكون حينئذٍ إلى التأثر والتلقّي، وإلى التأمّل والاتّعاظ، وهذا ما يجعل ذكر الله تعالى، الذي بيده تعاقب الليل والنهار، ألصق في القلب وأقوى في الوجدان..
بل إنَّ في دعوة الله تعالى لعباده أنْ يذكروه في الغدوِّ والآصال ما يتميَّز به المؤمنون عن الكافرين.. فالمؤمنون الذين استجابوا لربهم، يقبلون على طاعته في الليل والنهار، وخصوصاً في مطالع الصباح، وآصال الغروب.. أما الكافرون الذين نسوا خالقهم ومدبِّرهم فلا يعرفون طاعة، ولا يعترفون بعبادة إلاَّ عبادة المال والسلطان، لقد نسوا الله، فنسيهم، وسوف يلقون جزاء هذا النسيان في الآخرة مصداقاً لقوله تعالى: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ *} [السَّجدَة: 14]، أي فذوقوا العذاب خالدين فيه بسبب ما تعمّدتم من الكفر، وكذلك قوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *} [التّوبَة: 67].
والنسيانُ ليس من شرطه أنْ يؤديَ إلى الذمّ، لأنَّه من مكوّنات نفس الإنسان، ولذلك يرشدنا ربُّنا الكريم إلى أنْ نعود ونذكره إذا نسينا، وذلك بقوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيْتَ} [الكهف: 24]، ومن بين ما ورد في التفسير ما قاله عكرمة: «معنى نسيتَ: ارتكبتَ ذنباً، أي اذكر الله تعالى إذا أردتَ، وقصدتَ ارتكابَ ذنبٍ، يكن ذلك دافعاً لك لنسيانِهِ»، لأنَّ ذكرَ المؤمن لربه يحول بينه وبين ارتكاب الذنب، فيتركه وكأنَّهُ نسيَهُ. ولذلك جاء التعقيب في الآية الكريمة 205 من سورة الأعراف، التي تدعو إلى ذكر الله تعالى، وبخاصةٍ في الغدو والآصال، بقوله تعالى: {وَلاَ تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعرَاف: 205]..
ولا تكنْ أيها الإنسان من الغافلين عن ذكر الله، لأن الغفلة من الشيطان، والنسيان من الإهمال، فانزع من نفسك وسوسة الشيطان التي لا تجعلك تغفل عن ذكر ربك وحسب، بل عن الحقائق كلها، فتكونَ من الذين نهى الله تعالى عن طاعتهم، أو التخلُّقِ بأخلاقهم، لقوله المبين: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]، أو تكونَ من الذين أعرضوا عن ذكر الله فأوقعهم في البلاء الشديد، لقوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه: 124]..
والضَّنْكُ - لغةً - الضعيف من كل شيءٍ، وضَنَكَ الرجلُ ضَنَاكةً: ضعف في جسمه ونفسه وعقله ورأيه، فهو ضنِيكٌ، وعلى هذا فالذي يُعرض عن ذكر ربّه يجعل هو - بيده - حياتَهُ كلَّها ضعفاً وضيقاً بما يعتور نفسَهُ من الحيرة والقلق، والشك في الحقائق، والقضايا الجوهرية، ويملأها بالتعب والشقاء، ولاسيما لناحية حرصه على ما بيده، وجريه وراء المطامع والأهواء، ولناحية حذره من أنْ يفوته ما يرغب، وتحسّره على هذا الفوت.. وهذا بخلاف المؤمن الذي يتعلق قلبه بذكر الله تعالى، فينجلي عنه هذا الضنك، وترتاح نفسه من أثقال هذا الضيق القاتل، لا بل ويعيش الاطمئنان والأمان النفسي في هدى الله ربه، لأنَّ قلبه مطمئن بذكر الله، لقوله الكريم: {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرّعد: 28]؛ وقد جاء في الأثر عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلّم) قوله: «لا تُكْثِروا الكلامَ بغيرِ ذكرِ الله، فَتَقْسُو قلوبُكُمْ، وإنَّ القلبَ القاسي بعيدٌ من الله»[*] .
وينضوي تحت ذكر الله تعالى: تلاوة القرآن، والدعاء لله عزّ وجلَّ..
1 - تلاوة القرآن
إنَّ أفضل الذكر، ولا ريب، تلاوة القرآن..
لأنَّ القرآن كتابُ الله المجيدُ، وقولُهُ الحقُّ المبينُ، فمن ينعم بشرف هداية هذا الذكر الحكيم: قراءةً، وحفظاً، وفهماً وعظةً، فقد فاز - والله - فوزاً عظيماً؛ فهو كتابٌ كريم منزلٌ من لدن عزيز حكيم؛ فيه الهدى والصلاح والفلاح، وفيه سبلُ الخلاص من الكفر والضلال، ومن الفساد والفتن التي تظهرُ وتعمُّ حياة الناس؛ قال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «ستكونُ فتنةٌ» ، فسأله عليٌّ (رضي اللَّه عنه): «فما المخرجُ منها يا رسول الله؟»، فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «كتابُ الله، فيه نبأُ ما قبلَكُم، وخبرُ ما بعدَكُم، وحُكْمُ ما بينَكُمْ؛ هو الفصلُ ليسَ بالهَزْل، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جبَّارٍ قَصَمَهُ الله، ومن ابْتَغَى الهدى في غيرِهِ أضَلَّهُ الله. وهو حبلُ الله المتينُ، وهو الذكرُ الحكيمُ، وهو الصراطُ المستقيمُ. وهو الذي لا تزيغُ به الأهواءُ، ولا تَلْتَبِسُ به الأَلْسُنُ. ولا تَنْقَضي عجائبُهُ. ولا يخْلَقُ عن كثرة الردِّ. ولا تَشْبَعُ منه العلماءُ. وهو الذي لم تنتهِ الجنُّ إذْ سَمِعْتُهُ أنْ قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَبًا ؛ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} [الجنّ: 1-2].. مَنْ قالَ بِهِ صَدَقَ، ومَنْ عمِلَ بهِ أُجِرَ، ومَنْ حكَمَ بِهِ عَدَلَ، ومن دَعَا إليه هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم»[*] .
والحقيقة أنَّ القرآن الكريمَ إعجاز بذاته للإنس والجن ومن أرادَ أنْ يقفَ على مصاديق هذا الكتاب المبين، فما عليه إلاَّ أن يعود إلى تلك المطولات في تفسيره.. ونحن نلفت هنا فقط إلى بعض ممّا جاءَ في القرآن الكريم من المقومات الأساسية لشفاء النفس من الأمراض التي توشك أنْ تدهم أبناء البشر جميعاً، أو على وشك أنْ تستحكم في نفوسهم؛ ومَنْ أصدقُ من الله تعالى وهو يقول بأنَّ في القرآن شفاءً لما في النفوس، وهدى ورحمة للمؤمنين، بقوله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ *} [يُونس: 57]، وقوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسرَاء: 82]، وقوله عزَّ وجلَّ: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ} [فُصّلَت: 44] فهذه الآيات القرآنية واضحة الدلالة وهي تخاطب أولاً الناس جميعاً.. أجل تخاطب الناس، جميعَ الناس، لتقول لهم بأنه قد جاءتكم في هذا القرآن {مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} [يُونس: 57].
تحمل التذكير بالخير، والنصح، والحثّ، والإنذار، أو كما قيل: هي كلام الوعظ، أي الكلام الذي فيه الدعاء إلى الحسن، والزجر عن القبيح، على وجه الترغيب والترهيب، ولذلك قالوا في المثل: «السعيدُ مَنْ وُعِظَ بغيره، والشقيُّ من اتَّعَظَ به غيرُهُ».
وأما الشفاء لما في الصدور فهو دواء النفوس من الشك والحيرة، والقلق.. وهو هداية النفوس إلى الحق، والصواب، والصلاح، وأهمها على الإطلاق هداية النفوس إلى معرفة خالقها وبارئها ومعرفة معاني الإيمان، والاستقامة، وتحقيق الأمان النفسي من تلك العاهات التي تضل فيها النفوس وتشقى...
أما تخصيص المؤمنين - بالإِضافة إلى الموعظة - بالشفاء والرحمة، فدليله واضحٌ لأنَّهم أكثر الناس مواظبةً على تلاوة القرآن، فكان من حق هؤلاء المؤمنين أنْ تغشاهم رحمة الله تعالى، وأن تحفَّ بهم ملائكة الرحمة، فتستكينَ نفوسُهم بمشاعر الإيناس والاطمئنان، وتستجيب لدواعي الإِيمان، وبخاصة ساعة يقرأون القرآن، ويتدبَّرونَ معانيه وأحكامه وعظاته، ما ينعكس رَوْحاً وريحاناً عليهم في جميع حالاتهم وأوقاتهم.. يقول ابن تيمية في أثر القرآن لشفاء النفس من أمراضها: «والقرآنُ شفاء لما في الصدور، ومن في قلبه أمراض الشبهات والشهوات، ففيه من البيناتِ ما يميّز الحق من الباطل، فيزيل أمراض الشبهة المفسدة للعلم والتصوّر والإدراك، بحيث ترى الأشياء على ما هي عليه.. وفيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب، والقصص التي فيها عبرة، ما يوجب صلاح القلب، فيرغب القلب في ما ينفعه، ويعزف عما يضرّه، فيبقى القلب محبّاً للرشاد، مبغضاً للغيّ، بعد أنْ كان مريداً للغي، ومبغضاً للرشاد.. فالقرآنُ مزيلٌ للأمراض الموجبة للإرادات الفاسدة حتى يصلح القلب فتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فطر عليها، كما يعود البدنُ إلى الحال الطبيعي.. ويغتذي القلب من الإيمان والقرآن بما يزكّيه ويؤيّده، كما يغتذي البدن مما ينمّيه ويقوّيه، فإنَّ زكاة القلب مثل نماء البدن».
ولعلَّ ابن تيمية وهو يتحدّث عن القلب إنّما كان يقصد «النفس»، ليبيّن الترابط الوثيق ما بين سلامة النفس وسلامة البدن، فالصحة النفسية تنعكس حكماً على الصحة البدنية، مثلما أنَّ شفاء البدن من الأمراض العضوية ينعكس إيجاباً على شفاء النفس من مشاعر الألم، والأرق، والخوف التي كانت تهزّها وقت المرض.
وروى ابن ماجه في سننه من حديث علي (كرَّم الله وجهه) أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «خيرُ الدواءِ القرآنُ»[*] .. أما عن أثر القرآن في الآخرة، فقد نقل عن أبي أمامة أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «اقرأُوا القُرآنَ فإنه يَأْتِي يومَ القيامة شفيعاً لأصحابه»[*] ، وعن ابن مسعود أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «مَنْ قَرَأَ حَرْفاً مِنْ كتابِ الله فَلَهُ حَسَنَةٌ، والحسنةُ بعَشْرِ أمثالِها. لا أقولُ «ألم» حرف، ولكن «ألف» حرف، و«لام» حرف، و«ميم» حرف»[*] .
وعلى هذا، فقد بات من مصاديق الإِيمان أنْ نوقِن بأنَّ الله تعالى، وهو اللطيف الخبير، لم يترك نفوس الناس حيارى بلا دليل أو هداية.. بل بيّن لهم، في قرآنه المجيد، الطريق المستقيم، الذي يمكن أنْ يسلكوه إلى ربهم، وهم على بصيرة من أمرهم، ولكلٍّ أنْ يختارَ هذا الطريق فيفوز، أو أنْ يسلك غيره فيردى.. لأنَّ تبعة كل نفس لذاتها، وعلى ذاتها، وهي مجزيَّةٌ بما تكسبه من صالح الأعمال، ومرهونة بما تكتسب من الأوزار، وكل ذلك باختيار الإنسان... أجل لقد نزّل الله تعالى من القرآن ما فيه شفاء للنفوس من الأمراض والعاهات التي تعاني منها: لأن فيه الشفاء من الوساوس والقلق والحيرة التي تصيب الإنسان في معترك حياته، وفي تعامله مع الآخرين. فالوسوسة داء، والقلق مرض، والحيرة نصب.. فإذا أوكَلَ الإنسانُ أمره إلى ربه، وتوكل عليه - بعد أن يعمل بما يُرضيه - فإن قلبه يطمئن بالإيمان. والقلب المؤمن حين يتصل بربه تعالى، يسكن ويطمئن، ويستشعر الحماية والأمن، فيرضى ويستروح هذا الرضا من الله تعالى، فكان القرآن بذلك رحمةً للمؤمنين.
وفي القرآن شفاء من الهوى، والدنس، والطمع، والحسد ونزغات الشيطان. وهي آفات تصيب النفس البشرية بالسقم والضعف، والتعب، وتدفع بالإنسان إلى الانهيار ما لم يتمسك بالقرآن، فيحسّ منه الرحمة التي تصيب المؤمنين وتهديهم إلى الحق المبين.
وفي القرآن شفاء من الاتجاهات المختلّة في الشعور والتفكير. فهو يعصم النفسَ من الانحراف، والعقلَ من الشطط، فلا ينفق الإنسان طاقته الشعورية والفكرية في ما لا يجدي، بل يسير على منهج سليمٍ وبنّاءٍ، كما ينفق طاقته الجسدية باعتدال: بلا كبت ولا إسراف، فيحفظ جسده سليماً معافىً. ومن ثم كان القرآن الكريم دواءً شافياً لنفوس العالمين أجمعين.
والشدائد التي تصيب الناس، دواؤها الاحتمال والصبر، لما فيه من حبس للنفس على ما يقتضيه العقل والشرع. فإن حُبست النفسُ وقت المصيبة، وصبرت على البلاء أعانها الله تعالى، وإلاَّ وقعت فريسة الجزع والهلع. وحتى عند وقوعها فريسةً للمشاعر المحزنة المضنية، فإنَّ شفاءها لا يكون إلاَّ بالصبر. وقد بشَّرَ الله تعالى في كتابه المبين المطيعين، العابدين الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم، والصابرين على البلايا، والمحافظين على صلواتهم في أوقاتها، والمتصدقين ممَّا رزقهم الله.. هؤلاء جميعاً أمرَ الله عزَّ وجلَّ رسوله محمداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) بأن يبشرهم برحمة ربهم، والجنة، وذلك بقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ؛ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *} [الحَجّ: 34-35]. وقوله تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ} [البَقَرَة: 177]. فكان في القرآن دواءٌ للصابرين المؤمنين.
وفي القرآن شفاء من علل المجتمع التي تؤدي إلى تخلخل وتفكك علاقات أبنائه، وتذهب بتعاونهم، وأمنهم وطمأنينتهم. لأنَّ في تطبيق مناهج الإسلام على حياة الناس قضاءً على المشاكل والأزمات والأوضاع الفاسدة، فيعيش المجتمع في ظل العدالة والإنصاف، والأمن والأمان، والمساواة في الحقوق والواجبات، وكل ذلك بفضل الإيمان، فيكون في القرآن الذي يهدي إلى منهاج الله تعالى شفاءٌ ورحمةٌ للناس أجمعين..
وفي القرآن من البيان والعظة والمعرفة ما يزيل عمى الجهل وحيرة الشك، ومن النَّظم والفصاحة والبلاغة ما هو معجزة للإشارة إلى أنه من عند الله تعالى، وإلى أنَّ النبيَّ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) صادقٌ في إبلاغه للناس هذا القرآنَ المنزَّل على قلبه من رب العالمين، فالذين يصدّقونه، ويقبلون على الإسلام طائعين مهتدين تتحاتُّ عنهم أثقال الكفر والضلال، وأحمال الظلم والفساد كما يتحاتُّ الورق عن الشجرة، ولذلك كان القرآنُ رحمةً للمؤمنين.
هذا وقد أوضحنا غالبية تلك العناوين في الأبحاث التي سبقت في هذا الكتاب، فعسى أنْ ينتفع بها الناس الذين يريدون أنْ يقوا أنفسهم من الاضطرابات والعلل التي قد يتعرضون لها، ولاسيما أنَّ مسبباتها تحيط بهم من كل جانب..
2 - الدعاء لله تعالى
لا بدَّ، قبل معرفة مزايا وفضائل الدعاء لله تعالى وآثاره في النفس، من التمييز بين السؤال والدعاء..
السؤال
السؤالُ - في اللغة - استدعاءُ معرفةٍ أو ما يؤدي إلى المعرفة، واستدعاء مالٍ أو ما يؤدي إلى المال.. والسؤال عن طلب المعرفة جوابه على اللسان، وقد تنوبُ اليدُ عن اللسان إشارةً أو كتابةً. والسؤال للمعرفة تارة يكون للاستعلام عن شيءٍ غير معروف لدى المستعلم، كما في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} [الإسرَاء: 85]، أو قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ} [الكهف: 83]، وقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ} [الأنفَال: 1]. وتارةً يكون للتقريع والتبكيت كقوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ *} [التّكوير: 8-9].
والسؤال بمعنى استدعاء مالٍ يكون جوابه على اللسان واليد، كأن تطلب مبلغَ كذا من المال، فيقول: قد أُجبتَ إلى سؤلك ثم يناولك المال؛ وقد يكون الجواب بوعد كأن يقول: سأعطيك المبلغَ بعد كذا إذا شاءَ الله، وقد يكون بردٍّ، كأن يقول: آسفٌ لا أقدر على إعطائك ما طلبتَ.. وعن السؤال بمعنى استدعاء المال قال تعالى: {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا} [المُمتَحنَة: 10]، وقال تعالى: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النِّسَاء: 32]، أي واسألوا الله تعالى من فضله رزقاً لقضاء حاجاتكم فيعطِيَكُمْ؛ ويعبّر عن الفقير الذي يتوسَّلُ طلب المال بالسائل كقوله تعالى: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ *} [الضّحى: 10]؛ والسؤال الذي يعبّر عن الحاجة الشديدة التي تحرص النفس على نيلها مثاله في طلب موسى (عليه السّلام) : {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ؛ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي *وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي *يَفْقَهُوا قَوْلِي *وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي *هَارُونَ أَخِي *} [طه: 25-30]، فقد كان يحتاج إلى تقوية قلبه ولسانه، وإلى مؤازرة أخيه هارون، وذلك لعلمه ما للرسالة التي انتدبه ربُّهُ تعالى لحملها من أعباء قد لا يكون له طاقة عليها إنْ لم يؤتِهِ ربُّهُ من العون والمدد ما يجعله قادراً على تحمّل تلك الأعباء، فاستجابَ ربُّ العالمين لسؤله: {قَالَ قَدْ أُوتِيْتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى *} [طه: 36]، أي قد آتيناك ما سألت، وبه تستعين وتقوى، ولقد منَنّا عليك بذلك، وألقيت عليك محبَّةً مني، واصطنعتُكَ لنفسي..
وقد يتبادر إلى الذهن كيف يعقل أنْ يسألَ الله الكبير المتعال عباده عن شيءٍ كأنما يريد معرفته، كقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المَائدة: 116]، فالله جلَّ جلاله كان يعلم ما يجري بين السيد المسيح (عليه السّلام) وبني قومه، لأنه علاَّمُ الغيوب، بل ويعلم الجهر وما يخفى، وهو قد أحاط بكل شيءٍ علماً، لكنَّه أورد خطابَهُ لعبده عيسى (عليه السّلام) بطريقة السؤال، ليكون فيه حجَّةٌ أقوى على الناس الذين كانوا يزوّرون ما يقول السيد المسيح، ويفترون عليه كذباً وخداعاً، ولذلك كان جواب سيدنا عيسى ابن مريم (عليه السّلام) كما يبينه قوله تعالى: {قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ؛ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المَائدة: 116-117].
والسؤال غير التسويل..
لأنَّ التسويل هو تزيين النفس لما تحرص عليه، وتصوير القبيح منه بصورة الحسن، كما قال يعقوب (عليه السّلام) لأبنائه {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} [يُوسُف: 18]، وذلك لمَّا عادوا بقميص أخيهم يوسف (عليه السّلام) بدمٍ كذبٍ زاعمين أنَّه أكله الذئب، فألهمَهُ ربُّهُ أنَّ ذلك أمرٌ دبَّرُوه في ما بينهم، ولذلك قال لهم: بل زيَّنت لكم أنفسكم أمراً سوءاً فعلتموه بأخيكم، ولكنْ: صبرٌ جميلٌ، والله المستعان على ما تصفون..
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ} [محَمَّد: 25] وهذا إخبار عن المنافقين الذين ارتدّوا عن الحق من بعد ما تبين لهم الهدى بالإسلام، وكان ارتدادهم إلى النفاق والتآمر بما زيَّن لهم الشيطان من الأعمال التي كانت نفوسهم تستسيغها، حتى شاعت في حياتهم، إلى أن جاء الإسلام وحرّمها عليهم كالزنا، والربا والغيبة وما إلى ذلك من الأعمال القبيحة التي كان يدفعهم إليها الشيطان، ويغري بها نفوسهم، حتى كان منهم ذلك النفاق والارتداد!..
الدعاء
يقال: دعاهُ يَدعُوهُ دُعاءً ودَعْوى: نَاداهُ، وصاحَ به؛ ودَعَا لَهُ: رَجَا له الخير، ودَعَا عليه: طَلَبَ له الشرَّ. ودواعي الدهر: خطوبه؛ ودواعي الصدر: همومه؛ وداعي الفلاح: هو المؤذِّن، لأنه يقول: حيَّ على الفلاح. والداعي: هو الذي يدعو الناس إلى دينه. والدعاء كالسؤال، إلاَّ أنَّه سؤال فيه إلحاحٌ أكثر، وتمنٍّ صادقٌ أقوى، لأنه ينطوي على طلب الاستغاثة، مع الأمل والرجاء بتحقيقه؛ كما في الإِخبار عن بني إسرائيل، إذْ قُتِلَ منهم قتيلٌ، ولم يعرفوا المجرم، فسألوا نبيَّهم موسى (عليه السّلام) أنْ يدعو ربَّهُ كي يبيّنه لهم، فجاءَهُ الجوابُ أنْ يذبحوا بقرةً، كما يحدّث القرآن الكريم عن ذلك بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ *} [البَقَرَة: 67]. وبعد أنْ سألوه أنْ يبيّن لهم سنَّ تلك البقرة، ولونها، وكافة أوصافها، واستجابَ له ربُّهُ تعالى، أمَرَهم الله عزَّ وجلَّ أنْ يذبحوا تلك البقرة ويضربوا القتيل ببعض منها، فلما فعلوا أحيا الله القتيلَ، ودلَّ على من قتلوه.. فكان في ذلك أمران: الاستجابة لدعاء النبي موسى (عليه السّلام) ، والتوكيد على قدرة الله تعالى في إحياء الموتى يومَ البعث، ولذلك جاء التعقيب القرآني: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلونَ} [البَقَرَة: 73].
و«الدعاء هو العبادة» كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، لأنّه ما من مسلم صادق الإيمان، إلاَّ ويعبد الله ربَّه ويدعوه تضرعاً وخيفة، ودون الجهر من القول، ويسأله العفو والرحمة، ويرجو منه الأمن والأمان.. لا بل إنَّ الصلاةَ، وسائر العبادات الأخرى عند المسلمين، إنَّما تنطوي في حقيقتها على الدعاء إلى ربهم العلي العظيم، ليهديهم الصراط المستقيم، صراط الهدى والحق، والصواب والفلاح حتى تستوي أعمالهم وأقوالهم في الدنيا، وينالوا الجزاء الأوفى في الآخرة..
والله سبحانه وتعالى يحثُّ عبادَه على دعائه، وقد ضمن لهم الاستجابة بقوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غَافر: 60]، وقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ *} [البَقَرَة: 186].
أمَّا الذين يستكبرون عن عبادة الله تعالى، فلا يتوجّهون إليه سبحانه بسؤال أو دعاء، فأولئك لهم شأنٌ آخر لقوله العزيز: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غَافر: 60]، أي صاغرين، أذلاَّء لأنه لا قيمة لاستكبارهم في هذه الدنيا، يوم يقفون بين يدي العزيز الجبار للحساب، إذ في ذلك اليوم {يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ *وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ *وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ *وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ *} [المعَارج: 11-14].. فهل من يفتدي أو ينجي المجرم يومئذٍ، وجهنَّمُ تتلظَّى شوقاً إليه؟!..
وفي حياة الناس ما لا يعد ولا يحصى من الشواهد والأدلة على لجوء الإنسان إلى ربه بالدعاء، والإنابة كلما حزبَهُ أمرٌ أو مسَّهُ ضرٌّ، فهو لا يجد الأملَ والخلاص إلاّ عند مولاه الكريم، لقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ} [الزُّمَر: 8]، وقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} [يُونس: 12].
وقد يكون هذا حال الإنسان مؤمناً كان أو غيرَ مؤمن، فالمؤمن يدفعه إيمانُهُ إلى الالتجاء لربّه وقت الضرّ، أما غير المؤمن فتدفعه فطرته، وغريزة البقاء بالتوجّه أيضاً إلى ربّه، لأنَّه يعلم في قرارة نفسه أنَّه هو القادر المقتدر، ولكنَّ أهواءَه هي التي تدفعه إلى الاعتداد بنفسه، ما يدفعه إلى الإعراض عن ربه بعد أنْ يزول عنه الضرُّ وأسبابُهُ، ولذلك نجد الآية الكريمة تكمل بقوله تعالى: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [يُونس: 12].
لا! يا أيها الإنسان، ما خلقت لتكون من المسرفين.. بل خلقت لتعبدَ الله الحكيم العليم.. وهو سبحانه يدعوك في قرآنه الكريم لتقوم على عبادته، وطاعته، ودعائه، وقد ضمن لك الإجابة إذا كنت مخلصاً في الطاعة والدعاء، يقول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «إنَّ الله تعالى ليستحي أنْ يبسِطَ العبدُ إليه يَدَيْهِ يسألُهُ فيهما خيراً فيردّهما خائبتين»[*] ، وفي الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ إنّي دعوتُكَ كما أَمَرْتَ فاستجِبْ لي كما وعَدْتَ إنَّكَ لا تُخْلِفُ الميعاد».
فما أعظم ما يرشدنا إليه رسولنا الكريم، ممَّا يدخل البِشْرَ إلى وجوهنا، والطمأنينة إلى نفوسنا، ويزيل عنها ما أصابها من الكرب والبلاء.. فأية حاجة - ومهما عظمت - وأيُّ سؤال - ومهما صعب - إذا كان الدعاء إلى خير، إلاَّ ويكون ربُّنا جلَّ شأنه قريباً، مجيباً دعوة الداعي إذا دعاه.. على أنَّ الدعاء المجدي، والنافع ليس مجرد كلامٍ يصدر عن اللسان، بل لا بدَّ له من توافر شروط عديدة له..
ذلك لأنَّ الدعاء يجب أنْ يكون نابعاً عن الشعور، والإدراك بعبودية الإنسان لله عزَّ وجلَّ، من منطلق أنَّ الدعاءَ علاقةٌ وطيدة صادقة ما بين العبد ومولاه، وهي العلاقة التي تؤهل العبد لأن يقف بين يدي ربه تعالى في أيّ مكان، وفي أيِّ حينٍ، وعلى أيّ حالٍ كان.. يخاطبه، ويناجيه بخلجات قلبه وجوارحه، وهو على ثقةٍ ويقين بأنَّ سيده الذي خلَقَهُ وأحياهُ، يستمع إليه، ويستجيب له، فيتلطّف عليه بما يسرّه ويرضيه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «أفضلُ العبادةِ الدعاءُ، وإذا أذِنَ الله تعالى لعبدٍ بالدُّعاءِ فَتَحَ لَهُ أبوابَ الرَّحْمَةِ»[*] .
ومن خصائص الدعاء الذي يؤثر في علاج النفس:
- أنَّ المؤمن غالباً ما يتملّكه الخوف والألم عند اقتراف معصيةٍ، أو ارتكاب ذنب، فيأتي الدعاء ليهبَ له الأملَ في التوبة النصوح، والعفو والمغفرة من الغفور الرحيم، والدعاء في هذا المجال من شأنه أن يحيي القلب، وينعشه ويعيد إلى الداعي الثقة بنفسه لكي يقلع عن المعصية، ويستديم على الطاعة.
- أنَّ المؤمن - والإنسان إجمالاً - عندما تحيط به المكاره، وتُظلم الدنيا في وجهه يلوذ إلى ربه بالدعاء، ليقينه بأنه وحده العزيز الحكيم الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف عنه السوء، لقوله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النَّمل: 62]، فهذه الثقة بالله تعالى، والتوجّه إليه يمنح الإنسان الأملَ، فتنتعش نفسه لمواجهة المكاره، وبذل كل جهد مستطاعٍ للتغلّب عليها..
- أنَّ المؤمن - والإِنسان عموماً - وهو يعيش صراعاً نفسياً وحياتياً في مواجهة أعباء الحياة ومشاكلها بحاجةٍ إلى وقفاتٍ دائمةٍ ومتواصلة تذكّره بأنَّ هذه الدنيا - مهما طال فيها العمر - إلى فناء، وهذا ما يستدعي منه أنْ يستعين بالله تعالى لأن يجعله يعبر هذه الحياة الدنيا إلى الحياة الدائمة الأبدية بنفس مطمئنةٍ، راضيةٍ مرضية.. وكم يحتاج الحكام والمسؤولون عن رعاية شؤون الناس إلى هذه الوقفات حتى لا ينجرُّوا وراء الأمجاد الشخصية التي تحبط نتائج الأعمال، وتذهب بالأجر يوم يلقون الله تعالى..
- أنَّ الدعاء - في حقيقته وواقعه - هو لطفٌ ربَّانيٌ تفضل به الله تعالى على عباده لتربيتهم على الإِيمان والتقوى، وقضاء حوائجهم في الدنيا، ونيل الثواب في الآخرة، لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «ما مِنْ مسلمٍ يدعو بدعوةٍ ليسَ فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رَحمٍ، إلاَّ أعطاهُ الله تعالى بها إحدى ثلاث: إمّا أنْ تُعجَّلَ له دَعوتُه، وإمَّا أنْ يدّخرها له في الآخرة، وإمَّا أنْ يَصرف عَنْهُ مِنَ السّوء مِثْلَها»[*] .
والدعاء الذي نأمل به الإجابة، لا بدَّ له من شروط حتى يكون صادقاً وهادفاً. وأهم تلك الشروط:
1 - الشروط التي تتعلّق بالداعي
أ - أنْ لا يكون له رجاءٌ إلاَّ من الله تعالى، فعن علي (كرَّم اللَّه وجهه) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «أَوْحَى الله إلى بعضِ أنبيائِهِ في بعضِ وحيِهِ: وعِزّتي وجَلالي لأقطّعنَّ أملَ كلِّ آمِلٍ أمَّلَ غيري باليأس، ولأكسُوَنَّهُ ثوبَ المذَلَّة في الناس. ولأُبعِدَنَّهُ عن فَرَجي وفَضْلي؛ أيأمَلُ عبدي في الشدائدِ غيري والشدائدُ بيدي؟ ويرجو سوايَ وأنا الغنيُّ الجوادُ؟ بيدي مفاتيحُ الأبوابِ وهي مغلّقة، وبابي مفتوحٌ لمن دعاني، ألم يعلمْ أنَّ مَنْ دَهَاهُ نائبةٌ لم يملكْ كشفَها عنه غيري؟ فمالي أراهُ بعملِهِ مُعرِضاً عنّي وقد أعطيتُهُ بجودي وكرمي ما لم يسألني، فأعرَضَ عني ولم يَسألْني وسأَل في نائبتِهِ غيري، وأنا الله أبتدى ءُ بالعطيّة قبلَ المسألةِ، أَفَأُسْألُ فلا أَجودُ؟ كلاّ، أليس الجودُ والكرمُ لي؟ أليس الدنيا والآخرةُ بيدي؟ فلو أنَّ أهلَ سبعَ سماواتٍ وأَرْضِيْنَ سَأَلوني جميعاً، وأعطيتُ كلَّ واحدٍ منهم مسألتَهُ، ما نقَصَ ذلك من ملكي مثلَ جَناحِ بعوضةٍ، وكيف ينقُصُ ملكٌ أنا قيّمُهُ، فيا بؤساً لمن عصاني ولم يراقبني»..
ب - اليقينُ بأثر الدعاء، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «ادْعُوا الله وأنتُمْ موقِنُونَ بالإِجَابة» .
ج - إقبالُ القلب، فعن الصادق (عليه السّلام) أنَّهُ قال: «إنَّ الله لا يستجيبُ دُعاءً بظَهْرِ قلبٍ ساهٍ، فإذا دعوتَ فأقْبِلْ بِقلبِكَ، ثم استيقِنِ الإِجابة».
د - خشوعُ القلب والتذلل والبكاء من خشية الله عند الدعاء. عن أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) قال: «بكاءُ العيون وخشيةُ القلب من رحمة الله تعالى، فإذا وجدتموها فاغتنموا الدعاء، ولو أنَّ عبداً بكى في أمّة، لرحمَ الله تعالى تلك الأمةَ لبكاء ذلك العبد».
هـ - تركُ الداعي للذنوب، إذْ أول ما يتوجب على الداعي، أن يُقرَّ بذنبه، وأنْ يعترف بتقصيره في ما فرَّط من سوء فعله، ثم يعاهِد الله تعالى ألاَّ يعود إلى المعصية، إذْ لا نفعَ من دعاء، ولا استجابة لطلب، إنْ أصرَّ العبدُ على ارتكاب الذنوب، إذ إن الإنسان قد تسوّل له نفسُهُ أنْ يرتكبَ المعصيةَ بعد التوبة، إلاَّ أنَّ عليه أنْ يبادر فوراً إلى الاستغفار الذي قال عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «بأنه حِصْنٌ حَصِينٌ من العذاب» ، والذي أرشدنا إليه الحق تبارك وتعالى بقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ *} [الأنفَال: 33]، مما يفرض على العبد أنْ يوطّد العزم على عدم العودة إلى المعصية ثم يُقبل على الاستغفار، فهذا العزم، والإحساس بالحاجة إلى طلب المغفرة، من شأنهما أنْ يقوّيا الإرادةَ لإِبعاد النفس عن السوء، وتبقى رحمة الله الواسعة هي رجاء المؤمن في مدّه بالعونِ لئلاّ يُبتلى بالمعصية، أو يُقبل استغفاره.
2 - الشروط التي تتعلق بالدعاء
أ - تمجيد الله تعالى والثناء عليه
وهذه سنةٌ نبويَّةٌ شريفةٌ، فقد كان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلّم) يستهلُّ خُطَبَهُ وأحاديثَهُ بالحمد لله والثناء عليه؛ ثم إنَّ المسلم عندما يبدأ صلاته، أول ما يستهلها بعد تكبيرة الإحرام،بالحمد لله، فيقول: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين».
ويدخل في تمجيد الله - عزَّ وجلَّ - جميع الأدعية التي فيها الحمد، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، والتعظيم، والإجلال، والتوسّل بأسماء الله الحسنى، وصفاته العليا.. عن أمير المؤمنين عليٍّ (رضي اللَّه عنه) قال: «التسبيحُ نصفُ الميزان، والحمدُ لله يملأُ الميزانَ، والله أكبرُ يملأُ ما بين السماءِ والأرضِ».
ورويَ أنَّ رجلاً جاءَ إلى أبي عبد الله (عليه السّلام) فقال: جُعلتُ فداك، إنّي شيخٌ كبيرٌ فعلِّمني دُعاءً جامعاً!. فقال له الإمام: «احمد الله تعالى، فإنك إذا حَمَدْتَ الله لم يبقَ مصلٍّ إلاَّ دَعا لَك، وهذا معنى قولنا في الركوع: سمعَ الله لمن حَمِدَهُ».
ب - أنْ لا يكون في الدعاء إثمٌ أو قطيعةُ رحمٍ
فقد يدعو المرءُ على غيره أنْ يُصابَ بمكروه، فهذا فيه إثمٌ: إلاَّ المظلوم إذا دعا على ظالمِهِ فلا يرتكب إثماً، لأنَّ دُعاءَهُ ينطلق من رفع المظلومية عنه؛ وأمَّا قطيعة الرحم فتكون بالهجران، وقطع البرّ عن الأقارب، وهذا ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه في كتابه المجيد، بقوله الكريم: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ *} [محَمَّد: 22].
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «ما مِنْ ذنبٍ أجدر أنْ يعجِّلَ الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدَّخِرُ لصاحبِهِ في الآخرة من البَغْيِ وقطيعةِ الرَّحمِ»[*] . وجاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقال: يا رسول الله إنَّ لي ذوي أرحامٍ أصِلُ ويقطعوني، وأعفو ويظلمون، وأُحسِنُ ويُسيئونَ، أفأكافِئَهُمْ؟ - أي فهل أعملُ بما يعملون؟ - قال (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «لا، إذاً تُتَركونَ جميعاً، ولكنْ خُذْ بالفضلِ وصِلْهُمْ، فإنه لا يزالُ معَكَ ظَهيرٌ مِنَ الله عزَّ وجلَّ ما كُنتَ على ذلك»[*] ، أي ما كنت على ذلك من وصل ذوي أرحامكَ، والعفو عن ظلمهم إليك، والإحسان إليهم على الرغم من إساءتهم..
ج - عدم الدعاء بخلاف السنن الإلهية
أي بما ليس كائناً في الوجود، أو بما لا يمكن أنْ يكون، لأنَّ كل شيء في الوجود كائن بمشيئةِ الله سبحانه وتعالى، وقد جعل عزَّ وعلا لكل موجود كله سنناً لا تتحول، فكان محتوماً أنْ يضلَّ مَنْ يخرج بدعائه عمَّا ليس موجوداً، أو عمَّا يخالف السننَ الإِلهية.
د - الدعاء بالخير والبرّ الذي ينسجم مع روح الشريعة السمحاء
.. ففي كتاب الله تعالى كثير من الأدعية التي جعلَها المولى تبارك وتعالى بمثابة مناهج تأتلف وروح الإسلام، ومنها استعاذةُ النبي نوح (عليه السّلام) بربِّه تعالى أنْ يسأله شيئاً ليس له به علم، ورجاؤه أن يغفر له، ويرحمه حتى لا يكون من الخاسرين، قوله عزَّ وعلا: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ *} [هُود: 47]، واستعاذة النبيِّ موسى (عليه السّلام) بالله تعالى أن يكون من المستهزئين، الذين يجهلون على الناس باستهزائهم قولُهُ تعالى: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البَقَرَة: 67]، وأيضاً دعاءُ النبي زكريا (عليه السّلام) بأنْ يهبَ الله تعالى له ربُّهُ ابناً، قوله تعالى: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [مَريَم: 5]، أو دعاء النبي سليمان (عليه السّلام) بأنْ يغفر له ربُّهُ ويهبه ملكاً فريداً من نوعه، قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَِحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ *} [ص: 35].. إلى غير ذلك من تلك الأدعية النبوية التي يسترشد بها العبادُ، فيرجون من ربهم الكريم أنْ يحققَ لهم أمانيّهم الخيرة، التي تتوافق وصدق الإيمان، ومناهج الشرائع الإلهية..
وأمَّا الأدعية السلبية فهي كل ما يضمر فيها الإنسان السوء لغيره، ومنها على سبيل المثال أنْ يدعو التلميذُ على معلمه الذي أعطاه علامة رسوبٍ، بينما رسوبُهُ كان نتيجة الكسل، أو أنْ يدعوَ ولدٌ على والده - والعياذ بالله - لأنَّه لم يشترِ له السيارة التي يريد. أمَّا المثال البارز على هذا النوع من الأدعية فهو ما أشار إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقال: «رجلٌ قاعدٌ في بيته وهو يدعو الله أنْ يرزقَهُ ولا يخرجُ طلباً للرزق، وابتغاءَ فضل الله، كما أمرَهُ سبحانَهُ بذلك، فهذا الرجلُ يقول عزَّ وعلا له: عبدي إنّي لم أُحظِّرْ عليك الدُّنيا، ولم أرْمِكَ في جوارِحِكَ، أَفَلا تخرجُ وتطلبُ الرزقَ، فإنْ حَرَمْتُك عَذَرْتُكَ، وإنْ رَزَقْتُكَ فهو الذي تريد».
هـ - التوسل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته
يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *} [المَائدة: 35]، أي اطلبوا إلى الله تعالى القربة بالطاعات؛ فالوسيلةُ هي التوصل إلى الشيء برغبة، وحقيقة الوسيلة إلى الله: مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحرّي مكارم الشريعة، وتحرّي مكارم الأخلاق. فقد روي أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «سَلُوا الله لِيَ الوسيلةَ فإنَّها منزلة في الجنة لا تنبغي إلاَّ لعبد من عباد الله وأَرجو أنْ أَكونَ أنا هُوَ»[*] . ولذا نرى المسلمين يدعون، بعد سماع الأذان، وقبل المباشرة بالصلاة، بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ ربَّ هذه الدعوة التّامةِ، والصلاةِ القائِمةِ، آتِ سيِّدَنا محمداً الوسيلةَ والفضيلةَ، والدرجةَ الرفيعةً من الجنة، وابعَثْهُ اللَّهُمَّ مقاماً محموداً الذي وعدتَهُ إنك لا تُخلِفُ الميعاد» .
والتوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته لما لهم من مكرماتٍ عند ربِّهم، والأحاديث الشريفة التي تظهر حبَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لأهل بيته معروفة عند المسلمين، ويكفي أنْ ندلّ على ذلك بما أمرَهُ ربُّهُ عزَّ وجلَّ أنْ يسألَ المسلمين حبَّ ذوي قرابته بقوله تعالى: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشّورى: 23].. ثم إنَّ المسلمين جميعاً يصلُّون على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) في الطاعات، وفي الأدعية وفي كل المناسبات التي يُستحبُّ فيها ذكرُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وكثير منهم يُتْبعون الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالصلاة على آل محمدٍ بالقول: اللَّهُم صلِّ وسلّم، وزدْ، وبارِكْ، وأحسِنْ وتحنَّنْ على سيدنا محمدٍ وآلِ سيدنا محمدٍ، كما صَلَّيتَ وسَلَّمتَ، وزِدْتَ، وبَاركْتَ، واَحْسَنْتَ وَتَحَنَّنْتَ على سيدنا إبراهيمَ وآلِ سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيدٌ»، بل وغالبية المسلمين يضيفونَ إلى الصلاة على محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) وآله الطاهرين، السلام على أصحابِهِ الأخيار، ومن اتَّبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين..
الدعوة
ولا بدَّ في معرض البحث في «الدعاء» من الإشارة إلى أنَّ الدعاء إنَّما يعني، أيضاً، من حيث اللغة: الدعوة . مثل الدعوة أو الدعاء إلى الوليمة، ولذلك قلنا إنَّ من معاني الداعي: المؤذِّن، لأنه ينادي في الناس، أي يدعوهم إلى الصلاة؛ أو الذي يدعو الناس إلى دينه؛ و«داعي الله» عند المسلمين هو لقب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) .. بل وجميع الأنبياء والمرسلين كانوا دعاةً إلى الله تعالى، لأنهم كانوا يحملون الدعوات إلى نبذ الكفر والشرك واعتناق عقيدة التوحيد.
هكذا كانت دعوات أولئك الصالحين الذين اختارهم الله تعالى لحمل الدعوات الصالحة هدايةً للناس، وحبّاً بالعباد، فأين تلك الدعوات التي تحمل الخير، كلَّ الخير، من الدعوات التي لا ينبعث منها إلاَّ الويل، وهي أشدُّ جاهليةً ورعونةً من أيام عهود الظلام في أوروبا وأيام الجاهلية عند العرب، ولاسيما وهي تحمل سرّاً وجهراً التحريضَ على الحروب، والعداوة بين أتباع الأديان السماوية، أو زرع الفتن والشقاق والبغضاء بين أبناء الدين الواحد، أو التي تدعو إلى تجهيل الناس وحملهم على الضلال، أو التي تستهدف قهرهم واستغلالهم. ومن قبيل ذلك دعوات التمييز العنصري التي عانت منها القارة الأفريقية ردحاً طويلاً من الزمن وهي تحت الاستعمار الغربي، أو التي عانت منها القارة الأميركية، أولاً بإقدام المستوطنين البيض على القضاء على الهنود الحمر - سكان البلاد الأصليين - ثم داخل ما يعرف اليوم بالولايات المتحدة الأميركية التي طحنت فيها الحرب الأهلية، بسبب التمييز العنصري، ضد السود، مئات الآلاف من الناس ممّن كانوا يأتون بهم عبيداً للجنس الأبيض، هذا الجيش الذي لا يزال في أنظار المحرّضين والمغرضين، هو الأكثر امتيازاً على سائر أبناء مجتمعه الأميركي!!..
ومن دعوات الضلال أيضاً، الدعوة إلى عبادة الشيطان، أو اعتناق أفكار بعض الأشخاص الذين هم في الحقيقة من شياطين الإنس، الذين يغرون أتباعهم بأفعال الرذيلة، والمعصية واستباحة الحرمات!.. أو تلك الدعوات التي تحمل ظاهرياً محاربة «الإِرهاب»، بينما دعاتُها يمارسون أبشع ألوان الإرهاب الفعلي، إنْ كان بالتشريعات التي يصدرونها أو باحتلال الدول التي يريدون استغلال ثرواتها ومواردها الطبيعية، أو جعلها مناطقَ نفوذ لفرض مبادئهم وأفكارهم على الناس!.. ففي كل بلدٍ لا يخضع لسيطرتهم وهيمنتهم يثيرون المشاكل والفتن والاضطرابات وغيرها من الأساليب التي من شأنها إرهاب نفوس المواطنين حتى يستسلموا للغزو الفكري المنظم، وإلاَّ ظلّوا يعيشون في كل تلك الأوضاع القلقة التي يفرضونها عليهم..
هذا هو الطابع العام - ويا للأسف - الذي يسود غالبية بلدان العالم، وخاصة البلدان التي جعلها المستكبرون بزعامة الولايات المتحدة الأميركية مسرحاً لدعواتهم الضالّة المضلّلة، والتي لا تفتأ بسبب تلك الدعوات، تعاني من الجهل، والمرض، والفقر، والجوع، والتنازع الطائفي والمذهبي، والعرقي! حتى البلاد الاسكندينافية، التي كانت تعتبر من البلاد الراقية المحايدة، فقد ظهرت فيها قبل سنوات (من تاريخ صدور هذا الكتاب) دعوة جاهلية عنصرية لا مثيل لها من قبل، وذلك بما نشرت صحف الدانمرك آنذاك، من الصور المسيئة إلى محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) الذي بعثَهُ الله تعالى رحمةً للعالمين.. فمثل هذه الدعوة التي تسيءُ إلى قدسية الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وأشدُّ ما فيها كفراً أنها لم تراعِ حرمةً لله تعالى - القادر المقتدر - الذي بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.. ولو كره الكافرون.. كما لم تراعِ مشاعر المسلمين الذين يشكلون ربع سكان الكرة الأرضية.. وإذا كانت الدانمرك، ومن تابعها من الدول التي تبنَّت الصحف فيها تلك الدعوة الحاقدة على الإسلام وعلى نبيّه الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم ترجع عن دعوة الضلال والكفر تلك، فإننا نقول لها: هيهاتَ أنْ تصلوا إلى مآربكم الخبيثة، وأذان المسلمين يرتفع خمس مرات كلَّ يوم بشهادة «أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمداً رسولُ الله».. وهيهاتَ أنْ تحققوا أهدافكم، وأهداف الصهيونية العالمية التي تدعو لتطبيق مبدأ «فصل الدين عن الدولة» في العالم الإسلامي، وأنَّ تشيع بين المسلمين الفواحش والمنكرات كما تخططون له.. فانزعوا يا دعاة الكفر والإلحاد والفساد هذه الأوهام من رؤوسكم، لأنَّ الدين عند الله الإسلام، ولأن من ابتغى غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، ويكون مصيره إلى جهنَّم وبئس المصير!..
وإنه لمن أشدّ دعوات الضلال والفتنة أن تظهر جماعة تدّعي أنها تنتسب إلى الإسلام وتطلق على نفسها اسم «جماعة الهجرة والتكفير»، ثُمَّ تستحلُّ دماءَ المسلمين من الأطفال والنساء والشيوخ كما فعلت في الجزائر، وفي العراق مطلع القرن الحادي والعشرين الميلادي حتى وصَلَ بها الحالُ لأنْ تفجّر السيارات المفخخة لقتل المصلّين في المساجد، وقتل المؤمنين في الأسواق والنوادي الحسينية، أو في أي مكانٍ يجتمعون فيه لإقامة شعائرهم الدينية أو تدارس أوضاعهم الحياتية!!.. فأين مثل هذه الدعوات الجاهلية من أمر الله تعالى بوجوب اجتماع المسلمين، ونبذ التفرقة بين جماعاتهم بقوله عزَّ وعلا: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} [آل عِمرَان: 103]، بل ويأمرهم سبحانه وتعالى أنْ يكونوا هداةً للناس إلى الحق والخير والصلاح بقوله الكريم: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *} [آل عِمرَان: 104].. وهذا تكليف شرعي من ربّ العالمين للأمة الإسلامية، أجل هو فرض كفاية لحثّ هذه الأمة على أنْ يكون منها دعاةٌ صالحون من أهل العلم والورع والتقوى، يأخذون على عاتقهم العمل على نبذ روح الفرقة، ونزعة التشتت والكراهية بين المسلمين، بل والدعوة الصريحة إلى مقاتلة الباغين، الفاسقين، المفسدين مثل «جماعة التكفير» أو أية جماعة أخرى تعمل على هدم الإسلام، وقتل المسلمين، سواء كان ذلك عن علم، أو عن جهل، أو عن عمالة خفيّةٍ، باتَ دعاتُها معروفين؟!...
بل ومناط التكليف بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا ينحصر بالمسلمين وحدهم، بل يتعداهم إلى جميع الناس في مشارق الأرض ومغاربها حتى ينزاح عن قلوب الناس هذا القلق، وعن نفوسهم هذا الاضطراب، وتسقط عن كواهلهم هذه الأعباء من المشاكل والأوضاع الفاسدة التي تستقوي شرورها يوماً بعد يومٍ في دنيا الأرض..ولكنَّ الله تعالى اختار الأمةَ الإسلامية، لتكون منها جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهل تستجيب الأمة لأمر الله عزَّ وجلَّ؟!، أم تبقى جماعات التكفير، ومن دعمها وماشاها على ضلالها وإضلالها؟!!..
أيها المسلمون!
اسمعوا ما يقول لكم ربُّكم تبارك وتعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *} [آل عِمرَان: 105].. ثم تفكروا جيداً بمقاصد الذكر الحكيم بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ *كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ *} [آل عِمرَان: 109-110].
أمَّا الدعاة الصالحون الذين أخلصوا الدعوة لله تعالى، فنذكِّرهم بما يوليهم ربُّهم عزَّ وجلَّ من رفعةٍ، ومن شرفٍ وعزّةٍ في ما يدعون إليه بقوله الكريم: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ *} [فُصّلَت: 33].
والدعوة الأعظم إلى الحق، إلى الإِيمان، إلى الخير، إلى الصلاح.. إلى السلامة في جنّةٍ عرضها السماوات والأرض.. هي دعوة ربّ العالمين للعالمين أجمعين بقوله تبارك وتعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *} [يُونس: 25].
أجل الدعاء في رحاب الله عزَّ وعلا عبادةٌ وطهرٌ، والدعاءُ في قلب الإنسان وعلى اللسان سفينة النجاة للعبور من تلاطم أمواج هذه الدنيا إلى رحاب جنات النعيم في دار الآخرة الخالدة..
ويبقى دعاؤنا لله ربِّنا أنْ يهديَ الناس أجمعين إلى الحق والصواب، وإلى العدل والإنصاف، وإلى المحبة والتعاون، وإلى وأد الفتن والنزاعات، والقضاء على الكراهية والبغضاء، ونبذ التعصب والاستكبار.. آمين ربَّ العالمين.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB