علم النَّفس (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




الفصل التاسِع - البحثُ الأوّل: الإيمَان بالغَيب وأثره على النفس الإنسانية

يقول الله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البَقَرَة: 3].
الإيمان هو التصديق، باتفاق معظم علماء المسلمين، وقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يُوسُف: 17]، أي: وقال إخوة يوسف (عليه السلام) له: وما أنتَ بمصدِّقٍ لنا. وكذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا} [الزّخرُف: 69] معناه: الذين صدَّقوا، ووثقوا بآياتنا المنزلة في القرآنِ، وما قبله في الصحف الأولى والزبور والتوراة والإنجيل، بحيث يصاحب التصديقَ الثقةُ. قال الشاعر:
ومِنْ قبلُ آمَنّا - وقد كان قومُنا
يُصَلُّونَ للأوثانِ قبلُ - محمَّدا
«ومن قبل آمنَّا محمداً» أي ومنذ بعثه، صدَّقنا محمداً، وقد كان قومُنا يصلُّون للأوثانِ قبلَهُ.
والأمن لغةً هو ضد الخوف، والأمانة ضد الخيانة. وآمَنَ: صارَ ذا أمن على نفسه من خوف يعتريها، ولا خيانة تسوّل بها هذه النفس.
وفي الاصطلاح الشرعي: الإيمان هو التصديق بكل ما يلزم التصديق به من القضايا الغيبية أو من أمور الغيب التي لا تقع تحت الحواس، وإنَّما تدرك بالعقل والقلب، مثل: الملائكة، ويوم القيامة، والبعث والنشور، والحساب والجنة والنار.
أما الغيب فهو كل ما يغيب عن الإنسان ولم يشهده بما لا يقع تحت الحواس. أي هو كل مستور عن حواسنا ولا يقتضيه بدايةً التفكيرُ.
ولكنَّ الغيب شيء، والإيمانَ بالغيب شيء آخر،لأن الغيب إذا كان هو المستور، فالإيمان بهذا الغيب هو التصديق والوثوق بحقيقة هذا المستور، الذي وإن لم يقع تحت الحواس، إلاَّ أنه موجود فعلاً، وإنما تدركه القلوب المبصرة والعقول النيّرة. قال الله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البَقَرَة: 285]. وهذا يعني أنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) والمؤمنين من أتباعه قد آمنوا بالغيب، فصدقوا تصديقاً جازماً بحقيقة وجود الله تعالى، وملائكته التي يُخبر عنه، وما أنزل من كتبه، وأرسل من رسله..
وهذا هو الإيمان العقلي، أي الإيمان بما أيقن به العقل بعد العلم بما في كتب الله المنزلة، وتصديق رسله المبعوثين. ويستتبعه الإيمان النقلي بحقيقة وجود الملائكة، ويوم البعث والنشور، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وكلّها من غير المرئيات أو المحسوسات، إنما الإيمان بها يتأتّى من كون القرآن الكريم - الذي هو حقيقة ثابتة ومحسوسة - قد نقلها للبشر، ودعاهم للتصديق بها، فضلاً عن أنَّ اليقين قد أثبته هذا القرآنُ بالحقِّ، أي محقاً بكل ما جاء فيه من الحديث عن الأمور الحسيّة، أو أمور الغيب، ومن كل ما يتعلق بشؤون الدنيا والآخرة.
وأما المراد بقوله تعالى: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ} [ق: 33]، فهم الذين صدَّقوا وآمنوا بأنَّ الله عزَّ وعلا هو الرحمان، بخلاف المشركين والكفار الذين قالوا: وما الرحمان؟ - أي هل هو إلهٌ غير الله - بينما المؤمنون آمنوا بأنَّ لله الأسماءَ الحسنى كما بينها القرآن الكريم، والرحمان من أسمائه تعالى، فصاروا بعد العلم بمضامين ومصاديق الأسماء الحسنى لله يخشونه في غيبه، وبأيٍّ من أسمائه الحسنى قد ذُكر، بعيدين عن المراءاة، غير مريدين بإيمانهم تقرّباً لأحدٍ، غيرِ ربِّهم تبارك وتعالى الذي يخلصون له في غيبه المكنون...
ولا شك في أنَّ للإِيمان بالغيب تأثيراً قوياً على نفس الإنسان، فالإِيمان بالله تعالى، علاّم الغيوب، هو الذي يجعل الإنسان يخشى ربَّهُ في سرِّه وجهره، في يسره وعسره، في إقباله وإدباره، في حركته وسكونه، فيعمل على تصحيح مسار حياته بما يرضيه تعالى.. وهذا يعني أنَّ على الإنسان نهيَ نفسه عن الهوى، واجتناب ارتكاب المعاصي، أو الوقوع في الآثام، وعندها يحصل له الأمانُ النفسي جرّاء إخلاصه لخالقه ومولاه، وطلب عفوه ورحمته..
ومتـى بـلـغ المـؤمـنـون هـذه الدرجة من الإيمان، فلا تعود حواجز الحسّ تحول دون الاتصال بين نفوسهم، أي بين نفوس {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البَقَرَة: 3] وملكوت الله - تعالى - في هذا الكون الواسع، حيث يستقرُّ في ذهن المؤمن أنَّ الله، الذي هو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، قادرٌ على أن يقوّي في نفسه الإيمان الذي يتخطَّى به حدود المحسوس إلى ما ورائه من حقائق، وقوى، وطاقات، وخلائق، وموجودات تسير كلها بتدبيره عزَّ وجلَّ؛ وأنَّ وجودها ثابتٌ بالسنن الكونية التي لا تتحوَّل ولا تتبدَّل، حتى ولو غابت كلُّ تلك الموجودات أو الخلائق، أو بعدت عن مرمى الحواس البشرية..
ولذلك كان الغيب - بحد ذاته - بمثابة الحاجز الذي يقتحمه الإنسان، أو العتبة التي يلجها بفطرته متجاوزاً مرتبة الحيوان الأعجمي - الذي يتحرك بمقتضى غرائزه وحواسه - إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أنَّ الوجودَ أكبر، وأشمل، وأوسع بكثيرٍ من هذا الحيّز الكوني المحدود الذي يحيط به، وأنَّ إدراكه لحقيقة هذا الوجود يكون بالعقل المستبصر، وما فيه من الملكات المدركة التي هي امتداد للأبصار..
وقد استطاع الإنسان أنْ ينتقل إلى عالمٍ من العلم والمعرفة من خلال نقلةٍ نوعيةٍ، بعيدةِ الأثر في تصوّر العقل لأبعاد الوجود، والقوى المطلقة في هذا الوجود؛ وفي إحساسه بالكون، وما وراء هذا الكون من إرادةٍ، وقوةٍ وتدبير.. كما أنها نقلةٌ بعيدة الأثر أيضاً في حياة الإنسان على الأرض، إذْ ليس من يعيش الحيّز المحدود الذي تدركه حواسه، كمن يعيش في الكون الكبير الذي يترامى أمام بصيرته، وتتلقّى نفسُه أصداءه وإيحاءاته في شتى أبعاده، فيشعر بأنَّ مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يقع تحت نطاق حواسه المحدودة، بل وفي نطاق حياته، وأنَّ وراء هذه الحياة المحدودة، ووراء هذا الكون الفسيح، في ظاهره وخافيه، حقيقة أكبر من ذلك كله، وهي حقيقة وجود مصوره، أي حقيقةُ وجود الله تعالى الذي {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعَام: 103]، ولا تحدُّه العقول، {وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [الأنعَام: 103]، وقد أحاط بكل شيء علماً.
ولكنَّ جماعات الماديين، سواءٌ في الماضي، أو في هذا الزمان، الذي صاروا يشكلون غالبية أناسه، لا يعنيهم بشيء هذا «الإيمان بالغيب»، ولا يبالون بحيثياته ومفرداته، لأنَّ ما يطغى على عقولهم وقلوبهم عالَمُ المادة وحده، الذي لا وجود فيه لغير المحسوس الملموس!.. بمعنى أنهم يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى إلى دُنيا الجهل، والقصور الذهني، وهم يسمّون ذلك «تقدمية»، بينما كلُّ تصورهم ليس في الحقيقة إلاَّ النكسة التي وقى الله تعالى منها المؤمنين، فجعل من صفاتهم المميزة إيمانهم بالغيب، كما في قوله، عزَّ من قائل: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البَقَرَة: 3].
والسؤال: ولكن كيف يمكن أن ندرك ما للإيمان بالغيب من تأثير على النفس الإنسانية؟! والجواب، ببساطة تامة، لو أنَّ كلَّ إنسانٍ قد خلا إلى نفسه، وتأمل بما يعتمل فيها من الأفكار والمشاعر المتضاربة، وما يتحرك فيها من الدوافع والميول والأهواء المتنوعة، لوجَدَ أنَّ نفسَهُ معبَّأَةٌ فعلاً بالأثقال التي تكاد ترهقها، وبالهموم التي تكاد تشلُّها، لولا أنَّ الإنسانَ يُبعد عن نفسه اليأس، ويلوذ بكنف من يلهمه الصبر والاحتمال، ويقوي فيه الإرادة والعزم. وهذا الواقع الذي يعيشه الناس هو حقيقةً راهنة لا يمكنهم أن يتجاهلوه، ولا أن يتخطوه، ولاسيما عندما تنهال عليهم المصائب، وتحيط بهم المشاكل.. فلا يجدون أمامهم إلاَّ اللياذَ بالقوى الغيبية التي يعتقدون أنها قادرةٌ على أن تلهمهم الصبرَ، وتقوّي في نفوسهم مشاعر الاطمئنان؛ فالمريض مثلاً عندما يشتدُّ عليه الألم، لا يجد - مع المداواة - إلاَّ مناجاةَ ربِّه إن كانَ مؤمناً، أو مناجاة تلك القوة الغيبية التي يخضع لها بالفطرة إنْ لم يكن مؤمناً، ومثله كل غريقٍ مشرفٍ على الهلاك، أو تاجرٍ على وشك الإفلاس، أو مسافر في طلب حاجةٍ ملحَّةٍ، أو حاكمٍ يضنيه بؤسُ شعبه - وإنْ قلَّ نظير مثل هذا الحاكم في أيامنا - ولعلَّ أبرز مثالٍ على الإنسان الذي يتوجه بكليته إلى الغيب، تلك الأمّ التي تتضرع إلى ربّ الغيب، وهي ترجو الشفاء لطفلها بعد أن عجز الأطباء والأخصائيون، ولم تنفع الوصفات والعلاجات المخبرية في انتشاله من مرضه!...
أما مَن هو واجبٌ اللجوء إليه ليلهم الإنسان الاحتمال على شدّته وبلائه، فإنه في تصوّر الكافرين والملحدين هو تلك القوة الغيبية التي تهيمن على الوجود، أو هو العلم الماديّ - عند الذين لا يعنيهم الغيب بشيء - الذي يعتقدون أنه الأساس للسيطرة على كل شيء، حتى على المشاعر النفسية.. هذا بخلاف المؤمنين الذي يعلمون علم اليقين بأنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يقوّي في نفوسهم الشعور بالصبر، لأنَّ الصبر، في عرفهم، قوةٌ شعوريةٌ تتأتَّى عن إيمانهم بالله، الذي يمنُّ عليهم بما يُطمئن نفوسَهم.. ولذلك تجدهم، يستجيرون بمولاهم السميع العليم، في كل أمر فيه مشقة، ويستغيثون بربهم الكريم في كل شأن فيه شدة، ويلجأون إلى خالقهم العظيم في كل وقت فيه حرج، وتوكلهم ورجاؤهم أن يلهَموا، دائماً، الصبرَ والاحتمال، حتى يأتيهم منه تعالى الفرجُ والرحمة.
ولذلك كان من أهم مقومات الاطمئنان للنفس الإنسانية: تزاوج الإيمان والصبر، كما يشير إليه الإمام علي (كرّم الله وجهه) في قوله: «وخُذُوا الصبرَ مَعَ الإيمان، فإنَّ منزلةَ الصبرِ مِنَ الإيمانِ كمنزلةِ الرأْسِ من الجَسَد، فكما أنَّهُ لا خيرَ في جسدٍ بلا رأسٍ، فلا خَيرَ في إيمانٍ لا صَبْرَ مَعَه» .
وهذا الصبر هو وصفة العلاج الدائمة في حياة الإنسان الـمـسلم، الذي يجد دائماً في قرآنه الكريم الخبر اليقين، بحيث لا يكون عليه إلاَّ العمل بتوجيه ربّه - تبارك وتعالى - له في السرّاء والضرّاء، ولذلك يوصيه الحقُّ - عزَّ وجلَّ - بقوله تعالى: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً *} [المعَارج: 5]، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} [الطُّور: 48]، بل ويقسم الله - جلَّ شأنُهُ - إنَّ الإنـسان فـي خـسارة وهـلاك إلاَّ من آمن، وعمل صالحاً، وأشاعَ الـحقَّ والصبرَ بالعمل والتواصي، في قوله العزيز: {وَالْعَصْرِ *إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ *إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ *} [العَصر: 1-3].
وهذا الصبر الذي تركن إليه النفس بصفائها، وخلوتها، بعيداً عن مؤثرات المادة، هو الذي يُنزل السكينة على نفس المؤمن، فيجعلها تجدّد في خلاياها قوةَ الاحتمال، وتشدّ عزمها على العطاء والمثابرة في البناء.. ولذلك كان الإيمان بالله - تعالى - وغيبه أهم ما تأوي إليه النفس الإنسانية حتى يكون هنالك توافق ما بين الإيمان وكل ما يتعقَّل أو يتحرك به الإنسان.. ولولا الإيمان بالله - العلي العظيم - لما كان لنفس أن تدرك صبراً ولا اطمئناناً، وما كان لها أن تنشئ فكراً، أو تبني إعماراً.. وليعلم الإنسان - شاءَ أو أبى - أنَّ كلَّ ما بلغَ، أو وَصَلَ إليه، إنما كان بمشيئة الله - عزَّ وجلَّ - وفضله، وسواء أكانَ الإنسان مؤمناً أم كافراً، فإنَّ علمه إنما هو جزء من علم الله ربّه، الذي شاءَ أن يعلّمهُ إيّاهُ!...
ومن مزايا الإيمان بالغيب لدى المؤمن أنه يجعله يطمع برضوان الله لدخول الجنة، وأنه يجعله يخاف من سخطه للهرب من النار. أي إنَّ هذه المزايا هي التي تجعل المؤمنين يخشون ربهم بالغيب، وهي الخشية التي تعصم نفوسهم من الوقوع في الذنب أو المعصية، والإمساك عن اقتراف الجرم، كما يهدي إليه قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ *} [الأنعَام: 15]؛ وهذا الخوف، وأشدُّه الخشية من عذاب الله القاهر فوق عباده، هو الذي يمنع الرجل من الاستهانة بشرفه، والمرأة من التفريط بعفافها. وفي هذا الصدد، يُحكى أنَّ الخليفة عمر بن الخطاب (رضي اللَّه عنه) كان يتفقد شؤون الرعيّة ليلاً، فسمع امرأةً تنشد، بصوتٍ فيه حنين ورقة، أبياتاً من الشعر، وهي تقول:
لقد طالَ هذا الليلُ واسودَّ جانِبُهْ
وليسَ إلى جَنْبي حَبيبٌ أداعِبُهْ
فواللّهِ لولا اللَّهُ، أَنّي أُراقِبُهْ
لَتَهْتَزُّ مِنْ هذا السريرِ جوانبهْ
وسأل الخليفة عن تلك المرأة، فعلم أن زوجها قد غاب مدة طويلة للجهاد في سبيل الله، فأمر ألاّ يؤخَّر الجنود في الحرب عن زوجاتهم أكثر من أربعة أو ستة أشهر.
هذه المرأة العفيفة لولا إيمانها بالغيب لفرّطت بعفافها، ولولا اعتقادها بأن الله يرقب كل صغيرة وكبيرة لانزلقت مع نزواتها. ولكنها كانت تخشى الله - تعالى - في غيبه، فصبرت على ما تعانيه، وحفظت عهد زوجها من الخيانة، وصانت شرفها وكرامتها عن الابتذال.
أليس في هذا الصبر إذاً أنسٌ للنفس بخالقها، وراحة واطمئنان إلى ملهمها؟
وهذا الإمام عليٌّ (كرم الله وجهه) وبعد أن أوحشته الحياة، لم يجد لإِيناس نفسه إلاَّ اللجوء إلى الله تعالى يستجيره، ويتضرع إليه بهذا الدعاء المعبّر، قائلاً: «اللَّهُمَّ إنك آنس الآنسين لأوليائِك، وأحْضَرُهُم بالكفايةِ للمتوكلين عليك. تُشاهِدُهُم في سَرَائِرِهمْ، وتطَّلِعُ عليهم في ضمائِرِهِمْ، وتَعلَمُ مبلَغَ بصائِرِهِمْ. إنْ أَوْحَشَتْهُمُ الغُربَةُ آنَسَهُمْ ذِكْرُكَ، وإنْ صُبَّتْ عليهِمُ المصائِبُ لَجَأُوا إلى الاستِجارَةِ بِكَ، عِلماً بأنَّ أَزِمَّةَ الأمورِ بِيدِكَ، ومصادِرَها عن قَضائِك.
اللَّهُمَّ إنْ فهِهْتُ[*] عن مَسْأَلَتي، أو عَمِيتُ عَنْ طِلْبَتي، فَدُلَّنِي على مَصَالِحي، وَخُذْ بِقَلْبِي إلى مَراشِدي..».
وفي هذا الدعاء عظةٌ بالغة للمتقين {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} [الأنبيَاء: 49]، وهدايةٌ نيِّرةٌ لمن أحاطت بهم النكبات، كي يتوجّهوا إلى الله عند الوحشة فينير سُبُلهم، ويُلهمهم الصبرَ، فتشتد عزائمهم، وعند ذلك يأنسون بالله تعالى في وحدتهم، ويستسهلون كل صعبٍ يعترض طريقهم.
علم الغيب وتأثيره على الحضارة والمدنية
صحيح أنَّ التقدُّم العلمي والتقني قد حقق من المنجزات ما يصعب إحصاؤه، كما تشهد بذلك الآثار والنتائج في شتى ميادين العلم التي اقتحمها الإنسان، وكان الفضل في ذلك لأولئك الملهمين من المكتشفين والمبدعين الذين أفاض عليهم ربُّهُم الحكيم نعمة العقل والبصيرة، وعلَّمهم ما لم يعلموا، تصديقاً لقوله تعالى: {عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ *} [العَلق: 5]. ذلك أن الإنسان، قد استطاع بمواهبه وعن طريق المـلاحظة والتجـربة والاستنتاج، أنْ يحيط بقدرٍ هامٍّ مـن حقائـق الوجود، ليعود، من ثمَّ، إلى تنظيم ما توصَّلَ إليه في فروع عديدة ومتنوعة من العلوم والمعارف.. وهذا بطبيعة الحال، لأنَّ الإنسان، لديه توق إلى العلم والمعرفة، فيتولّد من رحم هذا التوق أولئك الأفذاذ من العلماء الذين أغنوا الحياة البشرية بالمواد الفكرية، والاكتشافات العلمية في مختلف تلك المجالات التي عرفتها مسيرة التاريخ البشري حتى اليوم.. ومـيـزة الـعـلماء أنـهـم يشعرون - دائماً - بتلك الدوافع التي تحثّهم على النظر والبحث، وترغّبهم في العمل والمثابرة وإن اعترضتهم الصعوبات، أو أرهقهم الإجهاد؛ ولعلّ هذا، لعمري، هو الجهاد الفكري بعينه، وهو الذي يجعل للحياة عندهم قيمة وأهميةً لهما مدلولات خاصة - ليست لدى غيرهم - فلا تجد في حياتهم رتابةً يقتلها الخمول البائس، ولا مللاً تأنفه النفس الطموح!..
والسؤال: كيف يحصل العلم لدى الإنسان حتى نقول مثلاً إنه مؤرخٌ، أو أديبٌ، أو فقيهٌ، أو عالم بالذرة، أو الفلكِ، أو الفيزياء أو أية معرفةٍ أو علم يؤدي إلى ما يعرف بالمنجزات العظيمة؟
هناك طرق عديدة يحصل فيها هذا العلم:
أولها : الإدراك الفكري أو الذهني، وبواسطته يمكن أن يكوِّن الإنسان مفهوماً جديداً لأي أمر أو شأن في الوجودِ. وقد يكون هذا المفهوم عبارة عن معانٍ مجردة مثل أنْ يكون تصوراً لأشياء قد تكون موجودة، أو لأشياء قد تكون خارجة عن ذاتيته، فيبقى في دائرة التصور والتجريد..
وثانيها : الإدراك الحسي الذي يتأتى من المراقبة والملاحظة والتجربة والاستنتاج، وهنا يكمن دور الحواس توصُّلاً إلى دور العقل.
وثالثها : الوحي الذي يتنزَّل على الأنبياء والمرسلين بالأحكام والتعاليم التي تهدي الناس إلى عبادة الله تعالى، وتأخذ بيدهم إلى طريق الحق والخير والصواب...
وقد جاء ذكر الوحي، وتعيين أشكاله، في القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ *} [الشّورى: 51].
والوحي، في اللغة، ما جرى مجرى الإيحاء والتنبيه على الشيء. كما في الإِلهام لأم موسى (عليها السلام) بقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ *} [القَصَص: 7].
والوحي، بمفهومنا الإسلامي، يأتي على ثلاثة أوجه:
1 - إما أن يكون تكليماً من وراء حجاب وهي الميزة التي اختُصَّ بها النبيُّ موسى (عليه السلام) ، قوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النِّسَاء: 164].
2 - وإما أن يكون بإرسال مَلَكٍ إلى بشر (إنسان) يبلّغه بأنَّ الله تعالى قد اختاره ليكون نبياً أو رسولاً بما يوحي إليه من الشريعة أو الرسالة.
3 - وإما أن يكون عن طريق الإلهام أو الرؤيا في المنام.
والإلهام هو علم من الله تعالى يهبه لأنبيائه أو لعباده الصالحين لمعرفة أمور غيبية قبل أنْ تحدث، وتكون الغاية إما الإِخبار عنها، أو استباقها قبل حدوثها، ومثالها في القرآن الكريم ما علَّمَهُ الله تعالى لعبدٍ صالحٍ من عباده في سورة الكهف؛ فالعبد الصالح - قد يكون مَلَكاً، وقد يكون إنساناً آتاه الله من لدنه علماً - التقاه موسى (عليه السلام) بأمر من ربه. وقـد رافقه لفترة من الزمن فشاهد خلالها من الأفعال ما لم يستطع النبيُّ موسى عليه صبراً،فأخبره العبدُ الصالحُ بتأويلها، وهي:
- أنَّ السفينة التي ركباها، كانت لمساكين مؤمنين، وكان وراءهم ملك ظالم يتعقَّب السفن ويستولي عليها بالقوة، فقام بخرقها حتى تتعطَّل، فلا يغتصبها ذلك الملك ويحرم أولئك المساكين مصدَر رزقهم وعيشهم..
- وأنَّ الغلام الذي كان يلعب مع أترابه، وجرَّهُ بعيداً عنهم، ثم قتله، كان فاسقاً، ولو قُدِّر له أنْ يكبر فسوف يرهق والديه الصالحين بكفره وجوره عليهما، فأراد ربُّهما تعالى أن يبدِلهما غلاماً خيراً منه زكاةً وبرّاً بأبويه، وبغيرهما من الناس، لأنَّ الرؤوفَ بأهله يستحيل أنْ يظلم غيرهم.
- وأمَّا الجدار الذي أقامَهُ في القرية التي دخلاها، بعد أنْ أنهكهما في تجوالهما الجوع والتعب، وأبى أهلُها أن يطعموهما، فكان تحتَهُ كنزٌ لغلامين يتيمين، وكان أبوهما صالحاً، قد خبَّأه لهما حتى يكبرا ويستخرجاه.
تلك الحوادث التي كان يراها النبيُّ موسى (عليه السّلام) ويعجب من إتيانها على يديِ العبد الصالح، إنَّما كانت من علم بالغيب الذي ألهمه إيَّاه الله تعالى، وما كان له أن يفعل ما فعل، أو أن يعلم الغيب، إلا عن أمر ربِّه كما يبيّنه إليه قوله تعالى: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82] أي وما فعلته عن رغبتي واختياري، وإنما هو ما ألهمني به، وأوحاه إليَّ، وأمرني به الله تعالى..
أمَّا هذا العلم من الغيب فهو مما علَّمه الله من لدنه العبدَ الصالحَ كما يقول تعالى: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا *} [الكهف: 65]، ولذلك يطلق عليه «العلم اللَّدُني».
وهذا «العلم اللدني»، الذي يختصُّ بأمور معينة ومحدودة من الغيب، قد أُوتيه يوسف (عليه السّلام) بتأويل المنامات أو معرفة أمور قد تحدث قبل وقوعها.. ومنها ما أخبَرَ به صاحبَيْه في السجن {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} [يُوسُف: 37]، وذلك أنَّ أحدهما كان قد رأى في الحلم بأنه يعصر خمراً: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يُوسُف: 36]، وأنَّ الآخـر كـان قـد حلم بأنه يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه: {إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ} [يُوسُف: 36]. فكان تأويل يوسف (عليه السّلام) أو تفسيره لرؤيا الأول أنه سوف يخرج من السجن بلا عقاب، ويعود لخدمة الملك يسقيه خمراً. ولرؤيا الثاني أنه سيقتل ويصلب فتأكل الطير من جسمه ورأسه. وقد صدق تأويله فعادَ الأول ساقياً في قصر الملك، وصلب الآخر كما يستنتج من السياق القرآني في قصة يوسف (عليه السّلام) .
وكذلك فإن يوسف (عليه السّلام) بعد أنْ أدخلَ إخوته عليه في مقامه بأرض مصر، وعرفوه بعد غيابٍ طويل، قام إلى قميصه وطلب أن يحملوه معهم إلى أرض بلادهم في فلسطين فيلقوه على وجه أبيه يعقوب (عليه السّلام) ، فيرتد إليه بصره ويأتيه مصرَ وهو بصير، كما يدلُّ عليه قول الحق تبارك وتعالى: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا} [يُوسُف: 93].
وهذا علمٌ من لدن الله تعالى يكشف به لأنبيائه عن بعضٍ من أسرار غيبه المكنون بما يقذف في قـلوبهم الإِلهام، أو الرؤيا التي تتداخل مع الإلهام، من حيث كونها من لدن الله تعالى أيضاً، ولكنها تحصل في المنام لتدلَّ على أمر سيحدث في الواقع، فيقال لها ـ حينئذٍ ـ الرؤيا الصادقة، كما عرفها سيدنا إبراهيم (عليه السّلام) بتمام رهبتها وصدقيتها، وذلك عندما رأى في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل (عليه السّلام) ؛ يقول الله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ *فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ *وَنَادَيْنَاهُ أَنْ ياإِبْرَاهِيمُ *قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *} [الصَّافات: 102-105].
وتستوقفنا في هذا النص القرآني عبارتان: الأولى قوله تعالى على لسان إسماعيل: {يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصَّافات: 102]، أي إن الرؤيا التي رآها إبراهيم (عليه السّلام) في المنام كانت أمراً من الله تعالى. والعبارة الثانية ما أوحاه الله لنبيّه إبراهيم (عليه السّلام) بقوله تعالى {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصَّافات: 105] أي إنَّ رؤياه في المنام كانت صادقة، فكان عليه أنْ يعمل بمصاديقها، وهو بالفعل ما قام به إبراهيم (عليه السّلام) ..
ومن الرؤى بالحق التي كان سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) يراها ما أورده القرآنُ المجيد بقوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ} [الفَتْح: 27]. فقد رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في المنام أنه ذهب هو وجمعٌ من المؤمنين إلى مكة، ودخلوا المسجد الحرام يؤدّون مناسكهم باطمئنان فنادى مناديه أنَّ نبيّكم يبشركم: لتدخُلنَّ المسجد الحرام، إنْ شاء الله آمنين فلا يطالكم أذى من قريش، وتؤدون المناسك محلقين رؤوسكم ومقصّرين، لا تخافون من عدوكم بأساً، ولا شدّة.. تلك كانت البشرى العظيمة: «لتدخلُنَّ المسجد الحرام إن شاء الله» - فاللام للتوكيد، أي إنَّ دخولهم المسجد الحرام حاصلٌ حكماً، بمشيئة من الله تعالى، لا رادَّ لها.. وأذَّن رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في الناس - مسلمين وعرباً غير مسلمين - بالحجّ، ثم خرج في ذي القعدة بنحوٍ من ألف وأربعمئة رجل، ولكنَّ المشركين في مكة أوقفوهم في الحديبية، وحالوا دون دخولهم المسجد الحرام، وبعد مكوثٍ طويل في تلك المحلّة، اضطرت قريش لأن تعقد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) معاهدة، كان من بنودها عودة المسلمين العام المقبل، والدخول إلى المسجد الحرام معتمرين.
فتلك الرؤيا التي رآها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في المنام كانت من علم الغيب، ولكنها تحققت بعد عامٍ من معاهدة الحديبية، عندما جاء الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلّم) ومن معه من المسلمين معتمرين، ودخلوا المسجد الحرام محلّقين رؤوسهم ومقصّرين، لا يخافون بأس المشركين، فكان في ذلك تصديقُ الله تعالى رؤيا نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالحق، أي بالأمر الجازم المحتوم الذي لا بدَّ وأن يتحقق في دنيا الواقع، كما حصل بالفعل بعد عام الحديبية..
إذاً فالعلم اللدني علمٌ من عند الله تعالى، يكشف به، من علم الغيب الذي لا يعلمه إلاَّ هو سبحانه وتعالى، لبعضٍ من أنبيائه أو أوليائه أو عباده الصالحين عن أحداث تتحقَّق في المستقبل، وتكون عادة غير متوقعة، ويحصل ذلك العلم عن طريق الإلهام، أو عن طريق «الرؤى الصادقة»..
ولكن ماذا عن غير أولئك الذين يختصُّهم الله تعالى بشيءٍ من «العلم اللدني»، هل يقدرون على معرفة شيءٍ من الغيب عن طريق الإلهام والرؤيا؟
مـن الـحـقائـق المـعـروفـة أن اكتساب المعرفة يتم - كما بيّنا من قبل - عن طريق الحواس والعقل، وهذا يحصل للإنسان العادي كما يحصل للعالم، مع الفارق في القدرة على تحصيل العلم واكتساب المعرفة.
ومن الثابت أيضاً في مفاهيمنا الإسلامية أنه يمكن للإنسان أن يتمتع بالإلهام أو أن يُرى رؤى صالحة، ولو كان من غير الأنبياء والمرسلين، مثل العبد الصالح الذي رافقَهُ النبيُّ موسى (عليه السّلام) وقد أمدَّنا القرآنُ الكريم بأمثلةٍ حسيةٍ على ذلك، ومنها الوحيُ لأم موسى بما ألهمَها الله تعالى وقذف في قلبها من أنْ تقذف ابنَها في اليم - نهر النيل - وألاّ تخاف عليه لأن الله تعالى رادّه إليها[*] . وكذلك الإلهام الذي قذفه - تعالى - في قلب سليمان بن داود قبل أنْ يرث أباه في الملك والنبوة، ليحكم في قضية الحرث[*] .
ومثل هذا الإلهام، أو العلم من لدن الله تعالى، ما يبيّنه الحديثُ النبوي الشريف، فقد روى أبو نعيم عن أنس بن مالك أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «مَنْ عَمِلَ بِما عَلِمَ وَرَّثَهُ الله عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ» . وعن أبي سعيد: أنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤْمِن فإِنَّهُ يَنظُرُ بنُورِ الله تَعالى» ثم قرأ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ *} [الحِجر: 75]: أي المتفرّسين[*] .
وهذا يعني أن الله سبحانه وتعالى يقذف في نفس المؤمن نوراً يمكّنه به من رؤية بعض الأمور الخفية، أو فهم ما يستعصي على غيره فهمه، بطريقة صحيحة كما يفهمها المؤمن، وتتوافق مع الحقيقة.
ويصدق هذا في واقع الحياة، إذْ كثيراً ما نسمع بأنَّ فلاناً من الناس ملهمٌ، وبأنَّ فلاناً ألمعيّ أو عبقريُّ، وما إلى ذلك من المرادفات التي تدل على الفكر المستنير وقوة الشعور.
وفي دراسات «علم النفس» ما يؤكد حقيقة الفكر المستنير أو المبدع. ويستعملون عادة لفظ «الإلهام»، كما كان يستعمل الفلاسفة من قبل لفظ «الإشراق». ولكنهم يردون ذلك إلى عوامل داخلية في الإنسان، وعوامل خارجية مؤثرة عليه. فإذا ما اعترضت الإنسانَ مشكلةٌ أو قضية هامة من دون أنْ يستطيع معالجتها أو حلَّها، فإنه يصرف تفكيره عنها إلى فترة من الزمن، يسمّونها «فترة الحضانة»، أي إن الفكر يحتضن المشكلة، ولكن يبقى هنالك نوع من الشعور الباطني بها، حتى إذا تسنَّت للعقل عوامل جديدة، أعاد تلك المشكلة من الحضانة الشعورية إلى اهتمام العقل، حتى تصبح لدى الإنسان الإمكانية لإيجاد علاج لها. والمقولة الشائعة في ثقافة الغرب، أنَّه إذا استعصت على الإنسان مشكلة من المشاكل فليتركها إلى الزمن وهو كفيل بمعالجتها...
ويعزو «علم النفس» هذا النوع من العلم المُلْهَم إلى عوامل فيزيولوجية تحدث في الدماغ وعوامل نفسية يتفاعل فيها الوعي و«اللاوعي»، حتى يأتي الإلهام في ما بعد وتحصل المعرفة المرجوة.
أما في المفهوم الإسلامي فالأمر مختلف تماماً. وهو يقوم على أنَّ الله تعالى هو السميع لأقوال عباده، العليم بفعالهم وأعمالهم، والخبير بنياتهم، فلا يعزُبُ عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بقوله الحق: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يُونس: 61]، فهو سبحانه يعلم كلَّ شيء قبل أن يكون، وبعد أن يكون، فلا يغيب عنه شيء في السماء ولا في الأرض، وهذا هو معنى العلم المطلق لله سبحانه وتعالى، أي علم الله الذي وسع كلَّ شيء في الأرض وفي السماء، وهذا يعني أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - عندما يخلق الإنسان بكل تكوينه، وكامل استعداداته، فإنَّه يعلم ما سيكونُ من أمر هذا الإنسان في حياته؛ فإذا قُدِّر للإنسان أن يسعى في سبل المعرفة، ومناكب العلم وهو ما يتوقف مع مكرمته الإنسانية - فإن التوجيه والتسديد قد يحالفه بأمر الله سبحانه وتعالى.. وما الإلهامُ إلا نوعٌ من هذا التوجيه الربانيّ أو هو فضل زائد يهبه سبحانه لعباد يختارهم لحكمةٍ إلهيةٍ لا ندري مغازيها، ولكننا نعرف أنها تهدي لخير الإنسان. فلا يقولَنَّ أحد إنَّ هذا العالم أو الأديب أو الباحث أو المكتشف مؤمن أو كافر، أو إنَّ هذا الإنسان جاهلٌ أو أميٌّ، ملهمٌ أو غيرُ فطنٍ... فالله تعالى يمدُّ من يشاء من عباده بطاقاتٍ وإمكاناتٍ قد تظهر بالوحي أو الإلهام أو الرؤيا. ولكنَّ الغالب أنَّ النفس الصافية - ومن مقوماتها العقلُ المستنير، والقلب المطمئن - تكون عادة أقربَ إلى الإلهام، وأقدر على التلقي، وأقوى على العطاء. فلا عجب إذاً أنْ يُريَ الله تعالى ملك مصر في المنام رؤيا البقراتِ السبعِ السِّمان، التي تأكلهنَّ سبعُ بقراتٍ عجافٍ، والسنابلِ السبعِ الخُضرِ، والسنابلِ السبعِ اليابسات، لحكمة يشاؤها سبحانه، وأنْ يلهم يوسف (عليه السّلام) تأويل تلك الرؤيا، بأنْ تأتيَ على مصر سبعُ سنواتٍ تفيض فيها الأرزاق والخيرات، ثم تعقبها سبعُ سنين من الجدب والقحط، تذهب بكل شيءٍ، إلاَّ ما حفظوه في سنابله، كما نصحهم به يوسف (عليه السّلام) ؛ وقد تحققت رؤيا ملك مصر على أرض الواقع - على الرغم من أنه لم يكن يؤمن بعقيدة التوحيد - وصدق تأويل يوسف (عليه السّلام) لرؤياه، وكل ذلك توكيد لأمر الله تعالى، الذي يوحي بالرؤيا، مثلما يوحي بالتأويل..
وهكذا فإنَّ الرؤيا الصادقة كما تكون للأنبياء، يمكن أنْ تكون أيضاً لغيرهم من عباد الله الصالحين، وهي تحصل - مبدئياً - في المنام، وترمي إلى إظهار أمرٍ غيبيٍّ لا بدَّ أن يحصل على أرض الواقع، وهذا ما يجعل الرؤى تختلف عن الأحلام. فالحلم، كما ذهب إليه علم النفس، هو «نشاط ذهني يحدث أثناء النوم، ويرى فيه الإنسان، وهو نائم، صوراً وأحداثاً مختلفة، ويقوم فيها بأفعال ونشاطات كثيرة قد يتذكر بعضها عند النهوض، وقد ينسى بعضها الآخر».
ويذهب المفسرون في تأويل الأحلام مذاهب شتى، وهنالك مؤلفات كثيرةٌ تتناول تفسير الأحلام، لا يعدو كثير منها أنْ يكون صفّاً من الحروف الذي لا يفيد بشيء بتاتاً.. بينما يختلف الأمر في المفاهيم الإسلامية، ففي حين هي تجعل للرؤى واقعاً محسوساً، فإنها تُبقي الأحلام في دائرة الخيالات والصور التي يراها الإنسان في منامه، ولذلك يسميها القرآن الكريم «أضغاث الأحلام»، أي الأحلام المختلطة المضطربة الغامضة، التي قد تنشأ عن مؤثرات داخلية في النفس، أو عن أحاسيس خارجية تتأثر بها الحواس أو بسبب انشغال الفكر بأمور معينة أثناء اليقظة، أو هي تعبير عن ذكريات سابقة مؤثرة. وهي في مجملها تختلف عن الرؤى الصادقة التي يريها الله تعالى لمن يشاء. وفي هذا الصدد يقول الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «لم يبقَ مِنَ النبوَّةِ إلا المُبشِّراتُ» . قالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الصالحة»[*] ؛ وقد فرَّق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بين الرؤيا والحلم، فعن قتادة أنَّه (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «الرُؤْيا مِنَ الله، والحُلُمُ مِنَ الشٌَيْطان. فإذا رَأى أحدُكُم شيئاً يكرَهُهُ فلينفُثْ عن يسارِهِ ثلاثَ مراتٍ وليتَعَوَّذْ مِنَ شرِّ رُؤياهُ فإنَّها لا تَضُرُّه»[*] ، وعن أبي سعيد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «إذا رأى أحدُكُم رُؤْيا يحبُّها فإنّما هِيَ مِنْ عندِ الله، فليحمَدِ الله وليتحدَّثْ بها. وإذا رأى غيرَ ذلك مِمَّا يكرَهُ فإنّما هِيَ مِنَ الشيطانِ فليستعذْ مِنْ شرِّها ولا يذْكُرْها لأحد فإنَّها لا تَضُرُّه»[*] .
وكذلك ميَّزَ العلماءُ المسلمون بين الرؤى والأحلام، ففسَّر ابن سينا الرؤيا الصادقة بأنها تحدث نتيجة اتصال النفس بالملكوت، أو بالملأ الأعلى أثناء النوم، وتلقي الوحي أو الإلهام. أما الحلم (أضغاث الأحلام) فينشأ عن تأثير الإحساسات البدنية.
من كل ذلك يتبين الفرق بين «العلم اللدني» الذي يعلّمه الله تعالى لأناس مخصوصين، والعلم الناشئ عن الفكر المستنير ، وهو - في الأصل - إلهام من الله تعالى أيضاً، ولكنه يستلزم معه جهدَ الإنسان بلا ملل ولا كلل، حتى يمكن للعالم أنْ يُبدعَ في الاكتشافات وإنشاء الأفكار الجديدة، التي لا يمكن اعتبارها أموراً من الغيب، بل تنشأ عن القوى العقلية عند الإنسان، وما من مخلوق في السماوات والأرض أوتي من علم الغيب إلاَّ بقدرٍ يسيرٍ جداً ولأمورٍ محدودةٍ جدّاً، حسبما تقتضي حكمة الله تعالى، بحيث يبقى علمُ الغيب لله تعالى، كما يؤكد ذلك القرآن الكريم بقوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا *إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا *} [الجنّ: 26-27]. ويتوجَّهُ النبيُّ عيسى (عليه السّلام) إلى ربه تعالى، بالقول الحقِّ المبين: {إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} [المَائدة: 109]. وقوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ *} [التّوبَة: 78].
وسواء كان علم الإنسان علماً لدنيّاً محدوداً، أو كان مما ينشئ من عقله علماً واسعاً، فإنَّ الإنسانَ لا يقدر على شيءٍ إلاَّ أن يشاءَ الله تعالى.. فها هو قد عاش منذ فجر الخليقة، والجراثيم، مثلاً، تنتشر في أجواء حياته، تصيب جسمه بالأمراض، كما تصيب الأحياء الأخرى من حوله، ومع ذلك فإنه لم يقدر على معرفة هذه الجراثيم إلاَّ منذ عهد قريب، بعدما تقدم في اكتشافه للآلات أو الميكروسكوبات التي تكبر صورة الجرثومة ملايين المرات، وبواسطة هذه الآلات استطاع معرفة حقيقة هذه الكائنات الصغيرة، وأشكالها، وكيفية تكاثرها، وكيف تصيب جسم الإنسان أو أحد أعضائه. ونتيجة لذلك أمكنه أن يوجد العلاجات المناسبة للأمراض التي كانت تفتك بأبناء جنسه، بينما كان بعض التداوي في الماضي، وقبل الاكتشافات العلمية، يتم بطرق خرافية، أو قريبة من الخرافات، مثل اللجوء إلى العرّافين الذين كانوا يوهمون الناس بأنَّ الأرواح الشريرة تدخل نفس الإنسان أو جسمه، ولا يمكن طردها إلاَّ عن طريق الضرب حتى تخرج وتذهب بعيداً، أو مثل التداوي عن طريق التنويم المغناطيسي، أو شلّ حركة المريض بأساليب وطرق أقرب ما تكون إلى الشعوذات التي لا تجدي، ولا تشفي.. والتي لا يزال كثيرون من الناس، يعتقدون - ويا للأسف - بصحتها..
وقس على المعالجة من الجراثيم سائر الاكتشافات العلمية مثل الآلة البخارية، أو الطائرة، أو السفينة، أو الهاتف، أو المذياع، وأخيراً هذه المكتشفات الحديثة التي تُسمّى العقول الإلكترونية والأقمار الصناعية، وكلها أدت خدمات جلى للإنسان في ميادين الطب والفلك والمواصلات والاتصالات، ومختلف أنواع العلوم والمعارف. ولعلَّ البثَّ المرئيَّ من أدلّ الشواهد على التقدم العلمي، إذ بواسطة الأقمار الصناعية التي تسير في الفضاء، وبواسطة محطات التلقّي، وأجهزة البث التلفزيونية، أمكننا أن نرى بأم العين سطح القمر، وكيف نزل الإنسان عليه ووطِئه بقدميه، كما بتنا نشاهد كلَّ يوم مختلف مسارات الحياة على الأرض من أحداث تحصل، أو مؤتمرات تعقد، أو مباريات تجري، أو حرب تقتل أو غزو يدمّر، أو كوارث طبيعية تهبُّ وتهلك البشر والحجر.. بحيث صار كل ما يجري في مختلف أرجاء العالم في متناول أيدينا عبر أجهزة التلفزة، أو الإنترنت أو الهاتف، وما إلى ذلك من الوسائل الأخرى المربوطة بالأقمار الصناعية، التي تتيح لنا، ونحن نقبع في حجرةٍ من بيوتنا، أو في مكتبٍ من مؤسساتنا، أنْ نسمع، ونرى، ونطّلع على كل ما يدور في الكرة الأرضية، وفي بحارها، وفي فضاء الكون الواسع.. وكل تلك المنجزات الرائعة كانت في طي الغيب، ومستورةً عن الإنسان، حتى إذا شاء الله - تعالى - علاَّمُ الغيوب أنْ يعلِّمها لهذا الإنسان، وهبه القدرة العقلية، وهداه إلى طرق اكتشافها، لتصبح من الوقائع الملموسة التي تحققت بفعل العقل البشري، وقوة الإدراك لديه.
ولكن ما تقتضي الإشارة إليه هو أن هذه المنجزات ما كانت لتتحقق لو لم تتوافر المعطيات اللازمة لإيجادها. فهذه المعطيات من أوجدها؟ أليس الله تعالى؟ بلى، إذ كما خلق الطاقة العقلية في الإنسان، مكَّن له في الأرض بما أوجَدَ فيها من الأشياء، وما يحتاجه لاكتشاف خصائصها، ومعرفة قوانينها، التي تمكّنه من تحقيق الإنجازات الكبيرة في مختلف ميادين العلم والمعرفة.. وهذا ما يؤكد المفهوم الإسلامي «للعلم اللدني» الذي هو هبة من عند الله تعالى. ولو أنعمنا النظر في القرآن الكريم، كتاب الله المبين، لوجدنا أنَّ كل شيء من خلق الله تعالى إمَّا خلقاً مباشراً، وإمّا عن طريق الإلهام للفكر البشري بالاكتشاف والإنشاء، ذلك أنَّ الله تعالى هو الخالق، وقد أحصى كل شيءٍ عدداً، وقدَّر كل شيء تقديراً، لأنه سبحانه وتعالى {عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} [البَقَرَة: 20]، وقد أحاط بكل شيء علماً كما يؤكده قوله عزَّ وعلا: {وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ *} [الأنعَام: 38]. و«الكتاب» هو المحفوظ عند ذي العرش العظيم، وفيه إحصاء دقيق، وتام لكل المخلوقات في السماوات والأرض، وما يراد بها، وما يراد منها، والأرض كمثال جزئي على هذا الخلق الكبير إن كل ما فيها من الكائنات الحية، مما يدبّ على رجليه، أو يزحف على بطنه، أو يطير بجناحيه، إن هي إلا أجناس لا تعدّ ولا تحصى وهي تختلف بأنواعها وأعدادها. والاهتداء إلى سبل عيشها كاختلاف الناس بألسنتهم، وأنماط عيشهم، وطرائق اجتماعهم وتآلفهم، أو تفرّقهم وتنازعاتهم. وقد مثِّلت الحيوانات والطيور بالأمم البشرية للدلالة على حاجتها إلى مدبِّر يدبّرها في أغذيتها، وسعيها، ونومها، وهدايتها إلى مرابعها لتستطيع العيش في مختلف الأحوال المهيأة لها.. وهذا من نعم الله تعالى وعظيم قدرته في خلقه، وتقديره، وتدبيره، وإحصائه، كما هو كائنٌ في اللوح المحفوظ، بحكمة بالغةٍ وتقدير ثابت، ففي هذا اللوح مقدر لكل كائن حي حياته، ورزقه وأجله، وكل شأن خاص به. وعندما يخبرنا العليُّ القدير بقوله العزيز: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعَام: 38]، فإنما هو الدليل القاطع على أنَّ أعمالنا ونياتنا، ومشاعرنا، وأقوالنا إنَّما هي مدرجة في الإحصاء الدقيق، الذي على أساسه يتم حسابنا يوم القيامة، وأنَّ كلَّ خلائق الأرض، وليس وحدنا نحن البشر، سوف تُحشر جميعاً، في ذلك اليوم إلى ربّها لأنَّ وراءه حياة الخلود في الجنة أو النار.. {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعَام: 38].. وقد نعرف نحن البشر لماذا يكون حشرنا، إلا أننا لا نعلم شيئاً عن حشر الأحياء الأخرى من الحيوان والطير إلاَّ ما أشار إليه الحديث النبوي الشريف بقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «لتُؤدُّنَّ الحقوقَ إلى أهلِها يومَ القيامةِ حتى يُقادَ للشَّاةِ الجلحاءِ (الملساء، بلا قرون) مِنَ الشاةِ القَرْنَاءِ»[*] . ومع ذلك فإنَّ كيفية ذلك الحشر، وزمانه ومكانه، كله من أسرار الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، إنما علينا التسليم بأنَّهُ حقٌّ يقيني، امتثالاً لقوله تعالى: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعَام: 38].
ومن حيث تأثير علم الغيب على المدنية والحضارة، فقد بات واضحاً أنَّ كلَّ شيءٍ في السماء والأرض إنما هو - وفقاً للتعاليم الإسلامية - كائن بمشيئة الله تعالى المطلقة...ومن نافل القول أنَّ آلافاً، وآلافاً من السنين، في الوجود البشري، قد عبرت، وأنَّ قوافل الملايين من الناس قد ذهبت، ومثلها مدنيات وحضارات كثيرة قد زالت واندثرت، ولم يبق من بعضها إلاَّ معالم قليلة شاهدة؛ ومع ذلك فلا يزال البشر يتكاثرون، وفي كل عصر وجيل تتمّ اكتشافات، وتنشأ علوم ومعارف جديدة تنمُّ عن توق الإنسان إلى المعرفة والعلم بعد أنْ هيَّأ الله تعالى له السبل لذلك فجعل الأرض ذلولاً، وجعل الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم مسخَّرات بأمره لمصلحة هذا الإنسان حتى يتاحَ له أنْ يطوِّع كثيراً من الأشياء التي تحيط به، وأنْ يكيّفها على هذا النحو من التكييف الذي تتوالى وتيرتُهْ علماً وتقدماً، ومدنية وحضارة عبر العصور. وهذا طبعاً بخلاف الحيوان الأعجم الذي ظلَّ على نشأته الأولى منذ وجوده، خلافاً لما قاله «داروين» من أَنَّ أصل الإنسان نوع متطور من القردة أمكنها أن تغير في نمط عيشها، والمثال بسيط على خطأ النظرية الداروينية: فهل أمكن للقردة ـ وتوكيداً هي لا تزال على حالها منذ خلقها الله - أنْ تبني قرية تسكن فيها أو تكتشف مادة تتداوى بها، إلاَّ في أذهان الخياليين والممثلين؟ أم هل نجد أنَّ قطيعاً من الغزلان عقد معاهدة مع أسود الغابة أو ذئابها بعدم الاعتداء عليها وافتراسها، إلاَّ في خيال ابن المقفع، أو لافونتين؟!
ولكن من الثابت أن الاهتداء الغريزي قد جعل النمل يعيش في مجتمع منظم بأدق تنظيم، وكذلك جماعة النحل.. كما أنه بواسطة هذا الاهتداء الغريزي تهجر جماعات من الطيور أو السمك أو بعض أنواع الحيوان أماكن عيشها إلى أماكن أخرى، في فصل معين، أو خلال موسم معين من السنة، لأغراض معينة، مثل اتقاء الحرارة أو الصقيع، أو بداعي التناسل أو الحصول على الغذاء، وغير ذلك مما يدخل في إطار البقاء والاستمرار.. ولكن ذلك يتم بفعل الاهتداء الغريزي الذي أوجده الله تعالى في هذه المخلوقات منذ بدء خلقها، من دون أن يطرأ على غرائزها تطورات تجعلها على طبيعة غير طبائعها الأصلية.
كل هذا يثبت أن الإنسان نموذج فريد في خلقه، وبمقدار ما أكرمه الله تعالى في هذا الخلق، بقدر ما كان مقدراً على هذا الإنسان أن يعمّر الأرض، وأن يتقدم في مضمار النشوء والارتقاء ما شاء الله تعالى.
ولذلك، كان على الإنسان أنْ يتفكَّر، ويتأمَّل، ويسعى ويعمل حتى يستيقن بالدليل والبرهان أنَّ كل ما خلق الله - جلَّت قدرته - هو الحقُّ، امتثالاً لقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فُصّلَت: 53]. أي إنَّ الله تعالى، وهو الخلاَّق العليم، قد نصب في أقطار السماوات والأرض من دلائل قدرته، وفي خلق الناس من بديع صنعه ما يحث العقل البشري على النظر والتبصّر حتى يتبيّن للناس أنَّ ذلك هو الحقُّ من ربهم، فلا يمترون ولا يجحدون الحقَّ المبين، وهل بعد الحقّ إلاَّ الضلال؟!..أجل، إنَّ هذا ما يهدينا إليه القرآن الكريم، وهو أنَّ كل شيء في الكون، قائم على ناموس الحق فكان حريّاً بالإنسان أن يهتدي إلى هذه الحقيقة حتى لا تضلَّ العقول، وتعمى القلوب التي في الصدور، فلا يعود الإنسان قادراً على أن ينشئ، ويبني، ويعمّر؛ وهذا ما يجعله في ضياعٍ عن معرفة السنن والحقائق، وفي تصادم مع نظام الكون بما يؤدي إلى قهره، وتخريب مدنياته، والقضاء على حضاراته!.. ولذلك جاءت مفاهيم الإسلام تختلف عن مفاهيم الأيديولوجيات التي ابتدعها الناس، سواء في الشرق أو الغرب، والتي تجعل للمدنية أو الحضارة معنىً مختلفاً عن مضامينها الحقيقية، إذ وفقاً للمفاهيم الإسلامية:
الحضارة : هي مجموعُ المفاهيم النابعةِ من وجهةِ النظر إلى الحياةِ.
والمدنية : هـي الأشكالُ المادّيةُ للأشياءِ المحسوسةِ التي تُسـتَعـمَلُ في شؤونِ الحياةِ. وغالباً ما تكون ناشئة عن العلم كما هو الحال مثلاً في الصناعة التي تنتج المُختَبراتِ والآلات الزراعيةِ والصناعية ونحوها، والأثاثِ ولوازم البيت، وغيرها. وهي أشكالٌ مدنيةٌ عالميةٌ لا يُراعى في أخذها أيّ اعتبار، لأنها ليستْ هي الحضارة بل هي مظاهر مادية للحضارة، تختلف باختلاف أنواع الحضارات وزمانها..
ومن هذا التعريف لكل من الحضارة والمدنية، نجد أنَّ الحضارة الغربية تختلف في نظرتها إلى الحياة والإنسان عن الحضارة الإسلامية.. فمن الاختلاف في المفاهيم أنَّ الغرب يعتبر التماثيل نتاجاً حضارياً ممتعاً للإنسان، ولذلك تجده يزيّن بيوته، وحدائقه وساحاته العامة بالتماثيل على اختلاف أنواعها، بما في ذلك تماثيل النساء والرجال عراةً، بينما تُعتبر التماثيل مكروهة ومحرمة في نظر الفقهاء المسلمين. وقد ورد ذمُّها في القرآن الكريم لأنها اتُّخذت وسيلة للشرك بالله تعالى، فعبدها الناس في جاهليتهم، واتخذوها آلهة تقربهم إلى الله زلفى.. فعندما يعتبر الغرب صورة المرأة العارية قطعةً فنيّة، يفاخر باقتنائها لأنها تعبّر عن ذوقه في الجمال، نجد ذلك يتناقض مع المفهوم الإسلامي الذي يعتبر المرأة عُرْضاً يجب أنْ يصان، ويُحرِّم بالتالي الكشف عن عورة المرأة والرجل سواء بسواء. ولقد ثبت أنَّ تصوير العُري وعرضه في البيوت، وفي الصالات والمعارض وعلى لوحات الإعلان، وشاشات التلفزيون من بين الأسباب التي تؤدي إلى إثارة الشهوات الجنسية، وما يستتبعها من علاقات غير شرعية بين الجنسين أشدُّها خطورة ضياع نسب النسل، وعدم الحفاظ على الشرف والكرامة، ما يعني أنَّ تحريمَ العُري - حتى بالصور - فيه وفقاً للمفهوم الإسلامي، نظريةٌ حضاريةٌ غايتها الحفاظ على الأخلاق الفاضلة، والحياة العائلية المصونة، والكرامة الشخصية الفردية..
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الزواج، فإنَّ الإسلام يبيح تعدد الزوجات حتى أربع، مع التوكيد على العدل بينهنَّ، بل ويرى القرآن الكريم أنَّ هذا العدل بين الزوجات غير مقدور عليه، ولو حرص الرجل.. في حين أنَّ الغرب، وإنْ كان يمنع تعدّد الزوجات قانوناً، إلاَّ أنه أفسح في المجال لعلاقات الزنا تحت مقولة احترام الحرية الشخصية، كما أقرَّ الزواج المدني الذي يعقده رئيس البلدية أو أي مرجع رسمي آخر مخوّل بذلك، في حين أنَّ البلاد الإسلامية لا تزال تعمل بالزواج الشرعي، ومن أركانه مهر المرأة - غنية أو فقيرة - بحيث لا ينعقد الزواج من دونه.. بل وظهرت أخيراً في بعض دول الغرب القوانين التي تتيح زواج الرجل بالرجل - أي زواج المثل - بينما يحرّم الإسلام أيّ تعاطٍ جنسي بين الأنثى والأنثى، وبين الرجل والرجل، ويعتبر التعاطي الجنسي بين الذكور لواطاً أشدَّ فاحشةً من الزنا بين الرجل والمرأة، ولاسيما أنه يخالف سنة الله في خلق الإنسان، ويخالف غريزة الحفاظ على النوع البشري.. والغريب أنْ تباح في الغرب مثل هذه العلاقات الشاذة بين الرجل والرجل، أو المرأة والمرأة، في حين لا توجد أي علاقة جنسية ما بين الذكور، أو ما بين الإناث، في عالم الحيوان، أو ما بين نوعٍ ونوعٍ غيره من الحيوان، وهو ما يجعل الزواج بين الذكور في الغرب أمراً مستهجناً، ويخالف النظام الطبيعي للخلق، وقس على ذلك اختلاف كثير من المفاهيم الأخرى بين الحضارتين الغربية والإسلامية.. فمن مظاهر الحياة الغربية قوننة وانتشار نوادٍ وكازينوهات القمار - على أنواعها - بينما يُعدُّ القمار، والمراهنات على شتى أشكالها، أنواعاً من الميسر الذي يحرّمه الإسلام. وكذلك الربا، ولا سيما الفوائد التي تعطيها البنوك الرأسمالية على ودائع الأموال، فالقرآن الكريم قد حرَّم الربا من قريب أو بعيد، مهما اختلفت تسمياته؛ كما حرَّم الشركات التجارية المساهمة التي تقوم عليها الحياة الاقتصادية في الغرب، لأنها تخالف أنواع الشركات في الإسلام، وأباح أنواعاً أخرى من الشركات التي تولي الجهد البشري شأناً هاماً في نشاطاتها، أضف إلى ذلك أن حضارة الغرب تقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة، الذي أنكر على الدين قدرته على تقديم مناهج وأنظمة تصلح للحياة، أي إنَّ هذا المبدأ - بصورة أخرى - قد جرَّد الدولة من مقوّمات الدين وهديه، فانعكس ذلك على حياة الناس إلحاداً، وماديّة صرفة، مع ما يستتبع ذلك من إبعاد الحياة الإنسانية عن كثير من المعاني الروحية... فالواضح أنَّ الهدف الرئيسي لحضارة الغرب هو المنفعة المادية، مهما كثرت الشعارات الطنانة حول الديموقراطية، وحقوق الإنسان، والحريات الفردية والاقتصادية، وما إلى ذلك من النظريات أو المبادئ التي يرى الغرب أنها الأساس لتقدّمه الصناعي والعمراني، ولمدنيّته التي تحفل بكل المظاهر المعروفة!... ولذلك كانَتِ السعادةُ في نظر الغرب، إعطاءَ الإنسانِ أكبرَ قسطٍ من المُتْعَةِ الجسدية، وتوفير أسبابها؛ أي بما جعل حضارته نفعيةً بحتةً لا تقيمُ لغيرها من الحضارات أيّ وزنٍ ولا تعترفُ إلا بنفسها فقطْ. وأما الناحيةُ الرّوحيةُ فهيَ فرديةٌ لا شأنَ للجماعةِ بها، وتكادُ تكون محصورةً بالكنيسة، أو في أماكن العبادات الأخرى؛ ولذلك نجد أنَّ غالبية الأعمال الإنسانية تابعةٌ لمنظماتٍ منفصلةٍ عنِ الدولةِ كمؤسّسةِ الصليبِ الأحمرِ، والإرسالياتِ التبشيريةِ.. وأما أخطر وأشنع ما ظهرت عليه الحضارةُ الغربيةُ فكرة قبولها باستعمار البلاد الأخرى واستلاب خيراتها، واستغلال طاقات شعوبها لمصلحة المستعمر الأوروبي والأميركي، وكانت عصبة الأمم - وهي نتاجٌ للفكر الغربي - هي التي أقرَّت نظام الاستعمار تحت شعارات زائفة، أثبت التاريخ والواقع بطلانها، بـل وكذبها الفاضح، فكل ذلك من الأدلة التي تجعل الحضارة الغربية لا تقيم كـبيـر اعـتبـار لـلـقـيم الأخـلاقية أوّ الـروحيـة أو الإنسانيـة، بـل تكـتفـي - فـي الغـالـب - بالقَيمِ الماديةِ والنفعيةِ فقطْ.
أمّا الحضارةُ الإسلامية فتقومُ على أساسٍ روحيّ هو العقيدةُ الإسلاميةُ. وتصويرُ الحياةِ في الحضارةِ الإسلاميةِ يتمثّلُ في فلسفةِ الإسلامِ التي انبَثَقت من العقيدةِ الإسلاميةِ، وهي مزْجُ المادّةِ بالرّوحِ، أيْ جعلُ الأعمالِ مُسَيَّرةً بأوامر اللَّهِ ونواهيهِ. فالعملُ الإنسانيّ مظهر مادي، وإدراكُ الإنسانِ صلَتَهُ باللَّهِ حينَ قيامهِ بالعملِ، منْ حيثُ كونُه حلالاً أو حراماً، هو أمر روحي، وبذلكَ تمتزجُ المادّةُ بالرّوحِ. وبناء على ذلكَ كانتْ أوامرُ اللَّهِ ونواهيهِ، هِيَ المحرّكَ لأعمالِ المسلمِ، وليس النفعية، والنفعية وحدها!.. أمّا القَصْدُ من القيامِ بالعملِ نفسهِ فلا يتعدّى القيمةَ التي يُراعى تحقيقها حينَ القيام بالعملِ. وقد تختلف القيمةُ باختلافِ العملِ، فقد تكونُ مادّيةً كالتجارةِ بقصدِ الرّبحِ، وقد تكونُ رُوحيةً كالصلاة والصيامِ والحج؛ وقدْ تكونُ أخلاقيةً كالأمانةِ والصّدقِ والوَفاءِ، وقدْ تكونُ إنسانيةً كإغاثةِ الملْهوفِ، والتسامح، وحب الآخرين، واحترام النفس، وإشاعة الأمن والسلام في ربوع الأرض.. وما إلى ذلك من القيم الإنسانية التي يحثُ عليها الإسلام في كل منطلقاته وغاياته.
أمّا السعادة، فإن الإسلام جعل لها معنى حقيقياً في نظر المسلمينَ؛ إذ بعدَ أن كانت السعادة عندَ الناسِ إشباعَ الجوع، وإعطاءَ الجسدِ متعَةً، صارتِ السعادةُ نوالَ رضوانِ اللَّهِ، لأنَّ السعادةَ هي الطمأنينةُ الدائمةُ للإنسان، ومقومات هذه السعادة عديدة ومتنوعة من حيث إنها تبدأ من الإيمان بوحدانية الله تعالى، والعمل على طاعته، والخشية من غضبه، والتعامل مع الناس بالحسنى.. وما إلى ذلك من المعاني والمفاهيم التي تقوم عليها الأعمال الصالحات وتتوخى الدارين..
وهكذا فإن الإسلام قد أثّر في وجهة نظر الشعوب التي اعتنقته، إنْ من حيث الاعتقاد، أو من حيث الأعمال التي يقومون بها، وغيَّر مراتب الأشياء، فرفع من مرتبة أشياء وخفض من مرتبة أشياء أخرى. إذ بعد أن كانت الحياة هي أعلى مرتبة عند الإنسان، والمبدأ هو أقل مرتبة منها، قَلَبَ الإسلامُ هذا المفهوم بأنْ جعلَ الحياةَ تقوم على المبدأ، لا المبدأ يقوم على الحياة، وجعل المبدأ هو الذي يقيّم الحياة من حيث صلاحه، لا الحياة هي التي تقيّم المبدأ من حيث صلاحه أو عدم صلاحه.. وبذلك وضعت الأشياء في المراتب اللائقة بها، فصارت الحياةُ سامية انطلاقاً من المبدأ، أي الحفاظ على الحياة وصونها جسداً وروحاً، والشعور بالطمأنينة؛ كما تغيرت المثل العليا عند تلك الشعوب التي اعتنقت الإسلام، فبدلاً من المثل العليا والمتعددة التي كانت سائدة، صار لهم مثل أعلى واحد (رضى الله تعالى)، كما تغيرت تبعاً لذلك معاني الأشياء عما كانت عليه، فتغير مثلاً مفهومُ الفضائلِ، كالشجاعة والشهامة والمناصرة العصبية، والتفاخر بالأموال والأحساب، والكرم إلى حدِّ الإسرافِ، والإخلاصُ للقوم، والقسوةُ في الانتقام، والأخذُ بالثأر، وما شاكل.. كلّ هذا كان - في معظمه - من أصولِ الفضائلِ عند العرب، وعند كثير من الشعوب غيرهم؛ فلما جاء الإسلامُ لم يتركْها كما هي عليه، بل جعلها صفاتٍ يتصف الإنسانُ بها إجابةً لأمرِ الله تعالى، لا لذات هذهِ الفضائل، ولا لما فيها من منافعَ، ولا لما تجره من مفاخرَ، ولا لأنها عاداتٌ وتقاليدُ متداولة، أو تراثٌ ينبغي أن يحافظَ عليه. ثم جعل الخضوع لله ولأوامرِهِ ونواهيهِ أصلاً لكلِّ الفضائل، فأوجب إخضاعَ منافعِ الفردِ، والجماعة، والشعبِ، والأمةِ لأوامرِ الإسلام، أي لما تقرره الأحكام الشرعية في الدين الحنيف.
وهكذا نقل الإسلامُ عقليةَ الشعوبِ التي اعتنقته إلى نضوجٍ يربط الإنسان بخالقه، كما نقل «النفسية الإسلامية» إلى صفاءٍ يوافقُ فطرة الإنسان السليمة؛ فأصبح أبناء تلك الشعوب بعد دخولِهِم في الإسلام غيرَهُمْ قبلَ ذلك. ثم صاروا يعرفون أنَّ للحياة معنىً جديداً أسمى من المتاع الزائل، وأغلى من المادّية القاتلة، بل أضحى لهم مثلٌ أعلى واحدٌ وثابتٌ، ألا وهو الحصول على رضوان الله سبحانه وتعالى. وأيقنوا أنَّ نيلَ هذا المثلِ الأعلى هو السعادةُ الحقيقيةُ. ولم تعد السعادة، بنظرهم، إشباعَ جوعِ الإنسانِ، لأنَّ ذلك لازمٌ للمحافظةِ على الذات، ولا علاقةَ له بالسّعادةِ، وهذا هوَ الأساسُ الذي تقومُ عليهِ الحضارةُ الإسلاميةُ.
أمَّا الحضارة الغربية فقد عجزت - سواء من ناحية المفاهيم، أو من ناحية التطبيق العملاني - عنْ ضمان السعادةِ والطمأنينةِ للناس، إنْ على مستوى الفرد، أو على مستوى الجماعة أو الشعب؛ لا بلْ إنها هي التي سبّبَت كلَّ هذا الشّقاء الذي يعاني منه العالمُ اليومِ، ويسيرُ فوق أشواكهِ، ويكتوي بلفح ناره.. فالحضارة التي تقفُ في وجهِ الفِطرةِ الإنسانيةِ، فَتَفْصِلُ الدين عن الدولة، ولا تُقيمُ للناحيةِ الرّوحيةِ وزْناً في الحياةِ العامّةِ، وتحصرُ الحياةَ بالمنافعِ الماديةِ، لا تُنْتِجُ إلا شقاءً وقَلَقاً دائمينِ. فما دامت المنفعةُ هيَ الأساس، فالتنازعُ عليها أمر واقع، والنضالُ في سبيلها مستمر، والاعتمادُ على القوّةِ في إقامةِ الصِّلاتِ بينَ البشرِ طبيعيّ. ولذلكَ يبقى الاستعمارُ - ظاهراً أو خفياً - قائماً في هذهِ الحضارةِ وأذهان أهلها، ما دامتِ المنفعةُ وحدها هي الهدف المنشود في هذه الحياة.
ونظرةٌ أخرى كذلك إلى الحضارة الإسلاميةِ التي سادت العالم منذُ القرْنِ السادسِ حتى أواخرِ القرنِ الثامن عشر الميلادي تُرينا أنها لمْ تكُنْ مستعمِرَةً، ولا الاستعمارُ منْ طبعِها، ولذلك فإنّها لمْ تُفَرِّقْ بين المسلمينَ وغيرِهِمْ، بل ضَمِنَتِ العدالةَ لجميعِ الشعوبِ التي خضعت للحكم الإسلامي، وأقرت لتلك الشعوب بكافة حقوقها المدنية والسياسية، وحريتها في العقيدة الدينية وممارسة شعائرها، والحفاظ على أماكن العبادة كافة.. وكلّ ذلك لأنَّ مقومات هذه الحضارة تستند إلى الأساسِ الروحيّ الذي يحقّقُ للإنسان ما يصبو إليه من القيمِ المادّية والروحية والأخلاقية والإنسانية، ولأنَّ الحضارة الإسلامية هي حضارة إنسانية بكل مفاهيمها، وليس على من يشك بذلك إلاَّ الرجوع إلى التاريخ والاطلاع على صدقية هذه الحضارة.. من أجل ذلك كان على العالم أن يتمثل بهذهِ الأيديولوجية الإسلامية الحاجات الأساسية السَّامية، وأن يعتنقَ مفاهيمها لأنها قادرةٌ على حلّ الأزَماتِ القائمةِ كلّها، وهيَ تكفلُ للناسِ جميعاً. وحتى يصل الناس إلى تطبيقها عليهم أن يعرفوا هل طبقت هذه المفاهيم الإسلامية سابقاً؟ وإذا كانت قد طبقت من قبل، فما هي العوائق التي تحول دون تطبيقها الآن؟
في رأينا أن هذه العوائق تكمن، ولا ريب، في ضعف المسلمين، لأنهم بعد الضعف الذي حاق بهم زمناً، صاروا عاجزين عن تطبيق أحكام إسلامهم تطبيقاً صحيحاً.
ولكي يمكن الوقوف على تلك العوائق التي تحول دون تطبيق الأيديولوجية الإسلامية - واستكمالاً للمعرفة - فإنَّ للقارئ الكريم أنْ يرجع إلى كتابِنا «عوامل ضعف المسلمين» فيجد كلَّ عناصر البحث حول هذا الموضوع.
وخلاصة البحث: أنَّ كل ما يحقق الإنسان من إنجازات في ميادين العلم والاكتشاف، وما ينشئ من مدنيات وحضارات، إنما هو بفعل الإلهام الذي يقذفه الله تعالى في أفئدة الملهمين من بني البشر، الذين يهتدون إلى ما في النفس الإنسانية من الأفكار والمشاعر، وإلى ما في الكون من السنن، وذلك بفضل «العلم اللدني».
ولعلَّ من أهم مزايا التعقل والإدراك ألاّ يغفل الإنسان عن حقيقة خلقه، وألاَّ يسعى في عمارة الأرض من غير أن يفكّر بما يرضي الله تعالى؛ وأنْ يتذكّر، دائماً، ما سوف يؤول إليه من مصيرٍ في الآخرة.. يقول الله تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ *} [الرُّوم: 9].




Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB