علم النَّفس (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




البحث الثاني: العلاج النفسي في الإسلام

إن العلاج النفسي، وفقاً للمفاهيم الإسلامية، يقوم على البناء العقائدي للإنسان، بمعنى أنَّه لا يمكن أن يفيده هذا العلاج إن لم يؤمن المسلم إيماناً يقينياً جازماً بأن الإسلام، إنما يعني الاستسلام لله: في مبدئه ومعاشه ومعاده، أي الإيمان الذي تنبثق منه كل الأفكار، والتصورات والقيم في الوجود البشري؛ وعلى هذا الأساس فإنَّ أولَ ما يجب على المسلم، أنْ يربط وجوده ومصيره كله بالله تعالى، وأنْ يجعل الصلة قائمة ومتجددة في ما بينه وبين خالقه، دون واسطة من أحد، لأنَّ صلاح النفوس، وطهارة القلوب، وصفاء العقول كلها متوقفة على العمل بكل إخلاص، ونيةٍ صادقة في طاعة الله ورسوله؛ والالتجاء إلى ربه في السرّاء والضرّاء، والتوكل عليه في كل شيء، بعد إعداد العدة، وتهيئة الأسباب اللازمة.
وهذا هو الفرق الأساسي بين علاج النفوس في الإسلام، وعلاجات النفس القائمة على نظرياتٍ وافتراضاتٍ قلَّ أنْ تصل إلى معرفة نفس الإنسان معرفةً حقيقيةً، فالإسلام يؤكدُ أنَّ علاج نفوسنا نجده في القرآن الذي فيه شفاء، كما يهدينا إليه قول الله تعالى خالق الإنسان بكامل تكوينه من جسد ونفس وروح.. بينما تلك النظريات هي من صنع الإنسان التي مهما تطاول علمه يبقى جزءاً يسيراً من علم الله تعالى الواسع.. ولذلك قلَّما تنفع وسائل التعليم ومختلف الأساليب التي يبتكرها البشر، لأنَّها غير قادرة على الغوص في أعماق النفس لانتشال الأمراض منها.
وأول ما تبدأ علاجات النفس بمعرفة الإنسان لنفسه، وبعد معرفته لنفسـه عليه أن يعمل لكي يوجههـا إلى الطريق القويم، الذي هو طريق الإيمان والعمل الصالح، كما يذهب إليه - بحقٍّ - غالبية علماء المسلمين. والإنسان الذي يريد أنْ ينمّي معرفته بنفسه، عليه قبل كل شيء محاسبتها في ضوء ما هو مطلوب منها من واجباتٍ ومندوباتٍ، وما نهيت عنه من محرَّماتٍ ومحظورات، على أن محاسبة النفس يجب أن يكون برقة ولين، وبفهم وحكمة، أي أن لا يكون الإنسان قاسياً ومتشددّاً، ولا ليّناً أو متساهلاً في إصدار أحكامه على نفسه.
ومحاسبة النفس تكون على كل صغيرة وكبيرة، وعملاً يومياً مستمراً؛ إذ كما يمسك التاجر محاسبةً يومية، فيدون كل ما يبيع ويشتري ليكون على بيّنة من موقعه التجاري، وعارفاً بمسار تجارته، فلا يفاجأ يوماً بوقوعه في خسارة لا يمكنه تعويضها، كذلك تكون محاسبة النفس بالوقوف على ما فيها من جوانب القوة والضعف، ومقدار تجاوبها مع التوجيه والتكييف، حتى يمكن للإنسان أن يصوّب أخطاءه وينتهي عن معاصيه، من قبل أن يحاسبه الناس في الدنيا، ومن قبل أنْ يأتي حسابُ الله تعالى في الآخرة، وهو حسابٌ لا محيدَ عنه. قال عمر بن الخطاب (رضي اللَّه عنه): «حاسبوا أنفسكم قبل أنْ تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبلَ أنْ توزَنَ عليكم» .
وإنَّ تخبُّطَ الناس بالأزمات والمشاكل سببه الرئيسي عدم وجود المناهج التي تصلح من شأن الإنسان، وتجعله في أوضاع يمكن أنْ تساعده على تحقيق توازنِهِ الذهنيّ والنفسيّ.. ويقيناً أنَّ البشر لن يجدوا الطريق المستقيم ولا المنهج القويم لذلك إلاَّ بالإسلام.. فها هي العلوم الحديثة على تنوعها، وها هي وسائل التكنولوجيا والتقنيّات على تشعبها وتقدّمها، وها هي صروح التربية والتعليم، وصروح الجامعات، والمستشفيات، ودور المؤسسات والأعمال.. وكل مظاهر التمدّن التي يعيشها الناس، هل أفلحت أو ساعدت في القضاء على الأمراض، والجوع والفقر والأميَّة؟!.. وهل قضت على الانحرافات السلوكية؟!.. وهل نجحت في إعادة الاعتبار النفسي إلى المجرمين في السجون؟!.. وهل ضيقت الهوة بين الطبقات الاجتماعية، فسنَّت التشريعات التي تساعد على توزيع الثروة توزيعاً عادلاً؟!.. وهل وضعت حداً للحروب والغزوات المفتعلة؟!. وهل منعت ضرب قواعد القانون الدولي، أم حالت بين الدول القوية وفرض هيمنتها على منظمة الأمم المتحدة؟ وهل منعت هذه الدول المستكبرة من تنفيذ مخططاتها العدوانية على الشعوب المستضعفة؟!... وأين الأمن الداخلي، والجرائم تزداد يوماً بعد يوم؟! وأين الأمن الدولي ومجلس الأمن الدولي عاجز عن أن يتخذ أي قرار إلاَّ بإملاءٍ من الولايات المتحدة، بحيث ينظر بمنظارين، ويكيل بمكيالين بلا ظلمٍ في السوية، ولا عدلٍ في رعاية المصالح الدولية؟!!
وفي ميدان العلاج النفسي، وعلى الرغم من تنوع النظريات، وتعدد المناهج والطرق المستعملة لمعالجة الأمراض النفسية فإنَّ ذلك كله لم يؤدِّ إلى شيءٍ يذكر للوقاية من الوقوع في هذه الأمراض، أو الشفاء منها، لا بل أثبتت دراسات كثيرة أنَّ الذين يتماثلون للشفاء من أعراضهم النفسية من دون علاجات، لا تقلّ نسبتهم عن الذين يمضون مدةً طويلة في العلاج بدون طائل، في حين أنَّ بعض المرضى كانت تؤدّي معالجتهم إلى تفاقم الحالات المرضية لديهم.. ولعلَّ السبب في ذلك، إنَّما يعود برأينا إلى عاملٍ هام جداً وهو عدم الأخذ بعين الاعتبار أنَّ داخلية الإنسان هي سرُّهُ الخاص، وموضع مشاعره وأفكاره الذاتية، وصلته بخالقه، وهذا ما يفرض أنْ يكون لذاتية هذا الإنسان احترام وقدسية، لا يجيزان التعامل معه وكأنَّه سلعةٌ، يجب أنْ تمرَّ قبل تسويقها، بالاختبارات والتجارب، والتعديل والتبديل.. لا ليس الإنسانُ عبارةً عن شيء ليكون خاضعاً للمعاينة والاختبار والتخمين، فهو كتلة من لحمٍ ودمٍ، وكتلة من المشاعر والأحاسيس والعواطف، والنوازع والميول التي يقتضي الوقوف على بواعثها ودوافعها من محيط الإنسان الذي يعيش فيه..أو من استعداد المريض عن رضىً وقناعة لعرض مشكلته على المعالج.. لا أنْ نقتحم على الإنسانِ دخيلته ونحاول أنْ نضعها تحت مبضع النظريات والآراء!.. إذْ من الثابت أنَّ من يذهبون إلى عيادات المعالجات النفسانية، لا يذهبون طوعاً، وعن قناعة، بل يدفعهم إلى ذلك أقاربهم، أو المسؤولون عنهم في المؤسسات التي يعملون فيها، ثم إنَّهم مضطرون لأن يكشفوا لمن يعالجونهم عمَّا في دواخلهم، وأنْ يطلعوهم على أسرارهم، التي قد لا يريدون البوح بها؛ ولا سيما الأسرار المتعلقة بالعلاقات الحميمة التي قد تسبب في حال كشفها للغير، أضراراً كثيرة للمريض نفسه، ولغيره ممن تربطه بهم تلك العلاقات.. وهذه واحدة من المساوئ التي قد تنجم عن المعالجات النفسية التي باتت كأنها الخبز اليومي للناس، لشدة ما يحيق بأنفسهم من القلق، والاضطراب، والشقاء، والحزن والتعاسة.
ولقد ظهرت اتجاهات لدى بعض الباحثين تقول بالوقاية من الأمراض النفسية قبل الوقوع فيها، من خلال معرفة الأزمات التي تنشأ عن العلاقات في بعض البيئات، ومحاولة إيجاد حلول لتلك الأزمات، قبل أنْ تطغى وتظهر بأعراض السلوك المنحرف، ولا سيما عند من تصيبهم بأضرارها...
ولقد ثبت أنَّ تلك المعالجات الوقائية لم تعطِ النتائج المرجوة، إنْ لم نقلْ إنها كانت عديمة الجدوى.. ومثالها تدخل رجال الشرطة، في دول الغرب عموماً، في العلاقات العائلية، حيث يمكن لأحد الزوجين، ولا سيما الزوجة، في حال التنافر بينهما، أو في حال ساءت العلاقة بين الأب وابنته، أو ابنه، اللجوء إلى الشرطة.. ويبدو أنَّ مثل تلك التدخلات تنتهي عادةً إما بالتنبيه والتأنيب، أو اللجوء إلى المحكمة لطلب تعويض، أو إبعاد الزوج عن البيت العائلي، أو عدم رؤية الأولاد إلاَّ في أوقات معينة.. وما إلى ذلك من المعالجات التي تـخلّف أثاراً نفسيـة سـيئة، ولا سيما على الأطفال، ومن شأنها أن تتفاعل وتؤدي إلى الاضطرابات النفسية، والأمراض العصابية لديهم.. من هنا يمكن اعتبار تلك المحاولات الوقائية قد تضرُّ أكثر مما قد تفيد بسبب افتضاح الأسرار العائلية قبل أي اعتبارٍ آخر، خصوصاً عندما تعرض الخلافات العائلية على المحاكم، وتتحدث بها وسائل الإعلام، ما ينعكسُ في أغلب الأحيان، سلباً على العائلة كلها.. أما مفهوم الوقاية في الإسلام فيختلف اختلافاً كليّاً عن كل المناهج المتَّبعة، لأنها مرتبطة بعوامل وجدانية، وأهمها التقوى..
الوقاية والتقوى في المفهوم الإسلامي
يقال في اللغة: وَقَى وِقايةً، والوقاية هي حفظ الشيء مما يؤذيه أو يضرُّهُ.
والتقوى: جعل النفس في وقاية ممّا تخاف، وفي تعريف الشرع: التقوى حفظ النفس مما يوقع في الإِثم، وذلك بترك المحظور والمحرَّم، أي إنَّها تقي الإنسانَ من الوقوع في المعصية، ومن غضب الله تعالى وعذابه.
يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ *وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ *الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ *وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ *أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ *قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ *هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ *} [آل عِمرَان: 130-138].
في هذه الآيات الكريمة خطاب مباشرٌ من الله - عزَّ وجلَّ - للمؤمنين يأمرهم فيه:
أولاً : الانتهاء عن الربا، بل والتعامل فيه أضعافاً مضاعفة، إذ كلمـا ازدادت نسبة الربـا ازداد العقـاب عليه، وقد عبَّـر عن أخـذ المال الربوي بالأكل، لمَّا كان الأكل أعظم حاجات الإنسان التي يحتاج فيها الى المال، والنهي عن الربا لأنه يرهق الناس بأعباء مضافة إلى أعبائهم التي اضطرتهم للجوء إلى المرابي، أو المؤسسات الربوية، ولما فيه من مضاعفة أموال المرابين على حساب المحتاجين إليهم.. لذلك كان في النهي عن الربا، اتقاء لغضب الله تعالى.. ولشدة آثار الربا السيئة نبَّه تعالى بقوله الحكيم: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} [البَقَرَة: 276] بحيث ينقص الله تعالى المال الربويَّ، ويُذهب بركته ولو اعتقد المرابي أنَّ ماله يزداد بل، ويمحقهُ الله تعالى محقاً لأنه حرام في شرعه تعالى..
ثانياً : التخلي عن كل معصية أو خطيئة مهما كان نوعها، حفظاً لأنفسهم من النار التي أعدَّت للكافرين، فلا يزجُّ المؤمنون أنفسَهم بالمعاصي التي تقودهم إلى نار الله المحرقة..
ثالثاً : العمل بطاعة الله ورسوله، لأنَّ فيه الرجاء بنيل رحمة الله؛ وطاعة الله تكون بالامتثال لأوامره تعالى ونواهيه، وطاعة الرسول تكون بما أمرنا به ربُّنا، بقوله المبين: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحَشر: 7]، فعندما يجعل المؤمنون رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) الأسوة الحسنة لهم في كل ما يقولون أو يعملون، فإنَّ ذلك يجعلهم يتقون غضب الله عزَّ وجلَّ، وعقابه الشديد.
رابعاً : المسارعة إلى مغفرةٍ من الله تقودهم إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض أعدّها تعالى للمتقين.
ومن صفات هؤلاء المتقين، التي تبيّنُها الآيات الكريمة، أنَّهم:
1 - الذين ينفقون في السرّاء والضراء.
2 - الذين يكظمون الغيظ.
3 - الذين يعفون عن الناس.
4 - والذين إذا فعلوا فاحشة، أي معصية كبيرةً مثل الزنا أو الربا أو القتل.. أو ظلموا أنفسهم بفعل قبيح دون الفاحشة.. ففي أيٍّ من ذلك تَذَكَّروا وعيدَ الله - القادر المقتدر - بالعذاب، فاستغفروا لذنوبهم كي يُذهب سبحانه وتعالى بالاستغفار عظيم تلك الذنوب، ويخلّصهم من الضعف الذي إنْ اعتراهم وقعوا في المعاصي من جديد..
5 - والذين إذا كرَّروا المعاصي - بسبب ضعفهم، ووقوعهم في الفتنة والتجربة - لم يصرّوا على الاستدامة على ما فعلوا، بل يقلعون عنه، ويلجأون إلى ربهم يمدّهم بأسباب القوة على الضعف، رأفةً منه تعالى ورحمةً، لأنه هو الرؤوف الرحيم.
6 - والذين يعلمون عن يقين أنْ لا ملجأ من الله إلاَّ إليه تعالى، وأنَّ الاستمرار في المعصية إنَّما هو استسلام للشيطان، عدو الإنسان المبين، لأنه يلاحقُ الناسَ، والمؤمنين خاصة، هو وعملاؤه حتى يوقعوهم في الغواية والفاحشة..
وبعد أنْ تبيّن النصوصُ القرآنية الكريمة تلك الصفات للمؤمنين، حتى يستمسكوا بها، ويعضّوا بها على النواجذ، تستوقفهم للتفكّر بما مضى من السنن الإلهية التي أهلك بها الله تعالى الذين كذّبوا الأنبياء والرسل والذين كانوا لا يؤمنون باليوم الآخر، ولا بالحساب، فهؤلاء كان يمهلهم ربُّ العزة والجلال، ويملي لهم، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فلا يَذرُ منهم ديّاراً.. وكلُّ ذلك ممَّا قدَّمتِ الآيات المبينة، إنما هو هدى وموعظة للمتقين، وقد خصَّهم المولى الكريم ومدهم بالذكر لعلمه سبحانَهُ أنهم العاملون على حفظ أنفسهم من الانزلاق في المعاصي، وارتكاب الذنوب، فإذا وقعوا في البلاء الذي يَمتحن به ربُّهم إيمانَهم، أو أسرفوا على أنفسهم في الوقوع في غوايات الدنيا، فإنهم سرعان ما يعودون إلى أنفسهم، ويتخلَّونَ عن اللذائذ والشهوات الفانية، التي لا تقابل بالقليل القليل من سخط العزيز الجبّار، ولا تغني الكثير الكثير من رضا الودود الغفّار..
ولأنَّ هذه الآيات الكريمة تحمل كثيراً من المعاني الجليلة، ونظراً لأهميتها في حياة الناس فلا بأس من تدبُّرِ بعضٍ من معانيها الأخرى علَّنا نتوخّى منها نفعاً زائداً إن شاءَ الله تعالى..
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} [آل عِمرَان: 134].
إنَّ وجوهَ الإنفاق في طاعة الله تعالى في اليُسْرِ والعُسْرِ، واضحةُ المعالم في الإسلام، إنْ بالنسبة إلى الزكاة أو الصدقة، أو من أجل الجهاد في سبيل الله، حتى تستقرَّ كلمة الله في الأرض، وتعلو على كلمة الكفر والضلال.. فمن أنفق على عياله، وعلى الفقراء والمساكين وابن السبيل، ومن قضى حاجةً لمؤمن، ومن جهّز مقاتلاً في سبيل الله، ومن أنفق على أهل شهيد في سبيل الله، ومن قال كلمة الحق، شفاهةً أو كتابةً، عند حاكم ظالم، وبذلَ من نفسه وماله للدفاع عن المظلومين، كلُّ ذلك هو من وجوه الإنفاق، وهو محمود عند رب العالمين...
والإنفاق من ذوي النفوس الطيبة يرتقي إلى درجة السخّاء. وبحقّ الأسخياء قال علي (عليه السّلام): «الجنةُ دارُ الأسخياء»، وقال (عليه السّلام) : «السخيُّ قريبٌ مِنَ الله، قريبٌ مِنَ الجنةِ، قريبٌ مِنَ الناسِ، بعيدٌ عَنِ النار» ..
والذين ينفقون في سبيل الله، ابتغاءَ مرضاته، على أي وجهٍ كان إنفاقُهم، وعلى أي مقدارٍ كان، قليلاً أو كثيراً - بحسب الاستطاعة - وفي أي الأحوال جرى، إنْ في السرّاء، أي في وقت الرخاء، وإنْ في الضرّاء، أي في حالة الإِعسار، وشحِّ الموارد.. فكل هؤلاء الذين يظلون مثابرين على إنفاقهم، هم من المتقين المحسنين. والله تعالى يحب المحسنين.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ هنالك من يدفعون الأموال إلى جمعيات خيرية، أو إلى منظمات أو حركاتٍ أو دول تحت ستار «مساعدة الآخرين»، فعندما يكون ذلك بدافع سياسي، أو بتوجيه إعلامي، أو من منطلق عقائد فاسدة، أو لتحقيق أغراض ومآرب شتى.. فلا شيء من ذلك يدخل في مفهوم «الإنفاق في سبيل الله»، وليس له أجرٌ أو ثوابٌ عند الله تعالى، لا، بل على العكس، إذا كان الدفع أو المساعدات لدعم قضايا عنصرية، أو دعم دول ظالمة ومعتدية، أو دعم حركات إلحادية.. فالذين ينفقون أموالهم في مثل هذه الاتجاهات سوف تكوي الأموال التي يدفعونها جباههم في نار جهنم المحرقة، لأنهم كانوا أنصار الظالمين، والمعتدين، والمفسدين، بدلاً من أن يكونوا مساعدين للفقراء، والمحتاجين واليتامى، والمساكين، والمرضى، والعجزة المسنين!..
{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عِمرَان: 134]..
وقد جرى البحث في «كظم الغيظ» سابقاً في الفصل السابق المتعلق بمجاهدة النفس.
{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} [آل عِمرَان: 135]...
الفاحشةُ من الكبائر، وظلمُ النفس قد يكون من الكبائر، وقد يكون من الصغائر؛ وفي الكبائر والصغائر من الخطايا يكونُ الإنسانُ آثماً، فماذا عليه أنْ يعمل، ليبرّئَ ذمتَهُ من سوء فعله، إلاَّ أنْ يلتجئ إلى ربِّه تعالى، نادماً مستغفراً، داعياً إياه سبحانه، بحرقة القلب، وصفاء الضمير، والتوجّه الصادق أن يعفو عنه ويغفر له ذنوبه؟ وقد يجد أصحابُ الذنوب صيغاً كثيرة للأدعية التي يتوجهون فيها إلى ربهم، وفي آثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته يجدون زاداً وفيراً من الأدعية الصالحة، كما أنْ قرائح المؤمنين الصادقين من الصحابة الكرام، بكثيرٍ من الأدعية الطيبة، وكلها مفيد، ولكنَّ أحبَّها إلى الله - عزَّ وجلَّ - ما كان صادراً عن القلب بصورة عفوية، وشعور صادق، ونيّة خالصة، بحيث يناجي الإنسانُ ربَّهُ مناجاة العبد الذليل الحقير، المسكين المستكين، المحتاج إلى سيّده ومولاه بالغوث والمغفرة والرحمة.. ففي هذه الحال، وفي أي صيغةٍ نطق بها الإنسان فعسى أنْ يستجيب الله تعالى دعاءَه..
ومن أدعية الاستغفار:
«اللّهمَّ صلِّ على محمدٍ وآل محمد، أستغفرُ الله الذي لا إلهَ إلاَّ هو الحيُّ القيوم، الرحمن الرحيم، ذو الجلال والإكرام، وأسأله أن يتوبَ عليَّ توبةَ عبدٍ ذليلٍ خاضعٍ، فقيرٍ بائسٍ، مسكينٍ مستكينٍ، مستجيرٍ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، اللَّهُمَّ إنّي أسألك العفوَ قَبْلَ العقوبة، والعافية قبلَ البلاء.
اللّهُمَّ اغفرْ لي ما لا يَسَعُهُ إلاَّ مغفرتُك، ولا يكفِّرُهُ إلاَّ تجاوُزُكَ وفضلُكَ، وبلِّغني دارَ الكرامةِ والرضوانِ بجودِكَ ومنِّكَ يا حنَّانُ يا منَّانُ. وصلِّ اللَّهُمَّ على محمدٍ وآلِهِ الطاهرين وأصحابه الأبرارِ الميامين»..
{وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} [آل عِمرَان: 135].
لأنَّهُ لا ينفعُ استغفارٌ مع الإِصرار على المعصية!.. أما الذين آمنوا واتقَّوْا، فالمعصية عندهم زلَّةٌ عن ضعف، ولذلك تجدهم يبادرون فوراً إلى الاستغفار، وعقد النية والعزم على عدم العودة إلى ما فعلوا من معصية، بل ويكرهونها كرهاً شديداً حتى تعافَها أنفسهم..
{وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عِمرَان: 135] أنَّ الله تعالى هو وحده الذي يعلم بأحوالهم، والأسباب الكامنة وراءَ فعالهم السيئة، ولكنْ فضلهم كان في مجاهدة نفوسهم، وعدم إصرارهم على ما فعلوا، وعدم العودة هو الذي يدفعهم إلى طلب المغفرة من الله تعالى، الذي وحدَه يملك العفو والمغفرة.. بل وعلمهم بأن سبحانه هو وحده العفو الغفار هو بذاته من الحكمة التي يؤتيها تعالى لعباده الصالحين.. وكل ذلك نوع من العبادة الصادقة التي تجعلهم يكرهون الشهوات المحرَّمة، إذ بسبب ضعفهم غلبت الشهوات في نفوسهم، فابتلاهم بها ابتلاءً، ثم انتشلهم من سيّئات أعمالهم، ليدركوا محجَّة الطريق قبل فوات الأوان، فيسارعوا إلى طلب المغفرة لذنوبهم.. وكان لهم، في ما أخلصوا لربهم الكبير المتعال - بعلمهم وعملهم - الأجرُ والثوابُ.
{وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عِمرَان: 136]، أي العاملين بالطاعات والعبادات، وجزاء أجرهم المغفرة وجنة عرضها السماوات والأرض.. فالمغفرة في الأصل تكون من الله تعالى لعباده بستر ذنوبهم، ومحوها كأنَّها لم ترتكب، وذلك بستر العار الذي كان يمكن أن يلحقهم في الدنيا، ودفع العقوبة التي تترتَّب على تلك الذنوب في الآخرة، وذلك هو الفضل العظيم؛ ثم إنَّ استحقاق الثواب بالمغفرة واجب عقلاً، لأنه لو لم يكن مستحقاً بالمغفرة - والتوبة - لكان التكليفُ بها غيرَ واردٍ أصلاً لما فيها من المشقّة.. وأهمُّ من ذلك أنَّ المغفرة وعدٌ من الله تعالى، فهو وعْدٌ قدسيٌّ محققُ الغاية، لأنه سبحانه وتعالى لا يخلفُ وعدَهُ، وقد وَعَدَ عباده المستغفرين بالعفو عنهم، وإنابتهم بأحسن الأجر والثواب، فنعم أجرُ العاملين..
{هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ *} [آل عِمرَان: 138].
والفرق بين البيان والهدى، أنَّ البيان إظهارُ المعنى للغير كائناً من كانَ، والهدى بيانٌ لطريق الرشد من طريق الغيّ. فالبيانُ لما في القرآن (أي كل ما ورد فيه) هو لجميع الناس، أما الهدى والموعظة فهما - هنا - للمتقين خصوصاً، دون سائر الناس، لأنَّهم هُم، بالتأكيد، الذين يكونون أكثر الناس إقبالاً على القرآن، وعملاً ببيانه، والاهتداء بهداه، والاتعاظ بمواعظه، ولو كان جميع الناس عاملين كما يعمل «المتَّقون» لما كان هنالك من حاجةٍ لتوكيد تخصيصهم بخصوصية الهدى والموعظة.
والتقوى تقضي بأنْ يكون الإنسان دائمَ التوجُّهِ إلى الله تعالى وهذا ما يحدوه، عن وعيٍ وإدراكٍ، لأنْ يبذل قصارى جهده من أجل تنمية قدراته ومعلوماته على أفضل ما يقدر، وأداء واجباته على أحسن ما يستطيع، لأنَّ في ذلك ما يقوّي عوامل تزكية في نفسه.. وبهذا المعنى فإنَّ التقوى تصبح طاقةً موجِّهةً للإنسان تجعل مشاعره الوجدانية في تناسق مع تصرفاته السلوكية، حيث ينتهج سبل الصلاح والإصلاح، وينأى عن سبل الفساد والإفساد..
ولذلك نجد الإسلام يشدِّد على التقوى بوصفها وسيلة ناجحة لوقاية النفس، فهو علاجٌ قرآنيٌّ ونبويٌّ يحصّن الأنفس قبل أن ترتمي بين أيدي المعالجين النفسانيين، وقبل أن توضع على أسرّة العيادات، أو تحت مجاهر المختبرات والتجارب.. كما يقي هذا العلاج الإسلاميُّ الأنفس من اللجوء إلى المشعوذين الذين يوهمون الناس بأنهم قادرون على «قراءة الطالع»، أي على معرفة المغيّب من أسباب أمراضهم، ومعرفة طرق معالجتها!.. في حين أنَّهم، في الحقيقة، ينفثون في العقد، ويبتدعون وسائل النار والدخان، وروائح المواد التي يستعملونها هرباً من واقعهم المأساوي الذي يعيشونه في قرارة أنفسهم، فيكذبون على غيرهم بالشعوذة والأباطيل التي لا أساس لها من الصحة إلاَّ في تخيّلاتهم وأحلامهم!..
وقد وصف الإمام علي (عليه السّلام) المتَّقين، فقال:
أَمَّا بَعْدُ،فَإِنَّ الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالى - خَلَقَ الْخَلْقَ، حِينَ خَلَقَهُمْ، غَنِيَّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهمْ، لأنَّهُ لاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ؛ فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ، وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ، فَالمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الفَضَائِلِ: مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَمَلْبَسُهُمُ الاقْتِصَادُ، وَمَشْيُهُمُ التَّواضُعُ. غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى النَّافِعِ لَهُمْ. نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي البَلاَء كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ. وَلَوْلاَ الأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ الله عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ: شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ، وَخَوْفاً مِنَ العِقَابِ. عَظُمَ الخَالِقُ فِي اَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ فيها وَالجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ. قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ، وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ. صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً[*] . تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ ربُّهُمْ. أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا.
أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لأَِجْزَاءِ القُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلاً. يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَيَسْتَثِيرونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ. فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ. وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ.
وَأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ، أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ. قَدْ بَرَاهُمُ الخَوْفُ بَرْيَ القِدَاحِ[*] يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى، وَمَا بِالقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ، وَيَقُولُ: لَقَدْ خُولِطُوا[*] !.
وَلَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ! لاَ يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ القَلِيلَ، وَلاَ يَسْتَكْثِرُونَ الكَثِيرَ. فَهُمْ لأَِنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ، وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ. إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي، وَرَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي! اللَّهُمَّ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لاَ يَعْلَمُونَ.
فَمِنْ عَلاَمَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينٍ، وَحَزْماً فِي لِينٍ، وَإِيمَاناً في يَقِينٍ، وَحِرْصاً فِي عِلْمٍ، وَعِلْماً فِي حِلْمٍ، وَقَصْداً فِي غِنىً، وَخُشُوعاً فِي عِبادَةٍ، وَتَجَمُّلاً فِي فَاقَةٍ، وَصَبْراً فِي شِدَّةٍ، وَطَلَباً فِي حَلاَلٍ، وَنَشَاطاً فِي هُدىً، وَتَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ. يَعْمَلُ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وهُوَ عَلَى وَجَلٍ. يُمْسِي وَهَمُّهُ الشُّكْرُ، وَيُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ. يَبِيتُ حَذِراً، وَيُصْبِحُ فَرِحاً. حَذِراً لِمَا حُذِّرَ مِنَ الغَفْلَةِ، وَفَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ. إِنِ اسْتَعْصَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ. قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لاَ يَزُولُ، وَزَهَادَتُهُ فِيمَا لاَ يَبْقَى. يَمْزُجُ الحِلْمَ بِالعِلْمَ، وَالقَوْلَ بِالعَمَلِ. تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ، قَلِيلاً زَلَلُهُ، خَاشِعاً قَلْبُهُ، قَانِعَةً نَفْسُهُ، مَنْزُوراً[*] أَكْلُهُ، سَهْلاً أَمْرُهُ، حَرِيزاً دِينُهُ[*] ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ، مَكْظُوماً غَيْظُهُ. الخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ، وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ. إِنْ كَانَ فِي الغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ، وَإِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ. يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ، وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ. بَعِيداً فُحْشُهُ[*] ، لَيِّناً قَوْلُهُ، غَائِباً مُنْكَرُهُ، حَاضِراً مَعْرُوفُهُ، مُقْبِلاً خَيْرُهُ، مُدْبِراً شَرُّهُ. فِي الزَّلاَزِلِ وَقُورٌ، وَفِي المَكَارِهِ صَبُورٌ، وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ. لاَ يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ، وَلاَ يَأَثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ. يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ، لاَ يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظَ وَلاَ يَنْسَى مَا ذُكِّرَ، وَلاَ يُنَابِزُ بِالأَلْقَابِ، وَلاَ يُضَارُّ بِالجَارِ، وَلاَ يَشْمَتُ بِالمَصَائِبِ، وَلاَ يَدْخُلُ فِي البَاطِلِ، وَلاَ يَخْرُجُ مِنَ الحَقِّ. إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ، وَإِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ، وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهُ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ. نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ. أَتْعَبَ نَفْسَهُ لآِخِرَتِهِ، وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ. بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَنَزَاهَةٌ، وَدُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَرَحْمَةٌ. لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَعَظَمَةٍ، وَلاَ دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وَخَدِيعَةٍ»[*] .
ولو أمعنَّا النظر بما قاله أميرُ المؤمنين عليٌّ (رضي اللَّه عنه) لتبيّن لنا أنَّ التقوى هي المظلَّةُ التي يعيش المسلم المؤمن في سترها كي يقيَ نفسه العثرات، ويحميَها من السيئات، ويدفعَها إلى التطهّر والتزكية، وذلك خيرُ وسيلة للوقاية من الأمراض النفسية، أو من الاضطرابات العصبية التي قد يتعرض لها الإنسان في حياته..
والإسلام يحضُّ العبدَ على أنْ يتدارك نفسَهُ قبل فوات الأوان، فيلجأ إلى طلب الغفران من ربِّه تعالى، رجاءَ أنْ يتوبَ توبةً خالصة، ويقلع عما اقترف من المعاصي التي أورثته الذنوب العظام كما سنرى في البحث التالي...
طلب غفران الذنوب
إنَّ الشعور بالذنب، واللجوء إلى طلب العفو والمغفرة عنه، من أهم العوامل التي قد تريح نفس الإنسان، ولعلَّ الأفكار التي تمدُّنا بها العقيدة الدينية حول هذا الأمر، أو التجارب التي نستقيها من واقع الحياة، ما يؤكّد هذه الحقيقة التي تجعل الإقرار بالفعل السيّئ، والسعي إلى التكفير عنه عاملاً جوهريّاً وفعّالاً للمساعدة على التخلص من الآلام النفسية الناتجة من الذنوب، وإعادة الرجاء والطمأنينة إلى نفس المذنب أو الخاطئ.. ففي خضم هذه الحياة قد يصادف الإنسان كثيراً من المشاكل، وقد تتعقَّدُ إحداها أو بعضها إلى درجةٍ تثير في نفسه المرارةَ والقلقَ، والخوف، وتصاحبها الهموم والآلام، ولكنْ ما أنْ يُفضي هذا الإنسان بسرِّهِ إلى شخص يثق به حتى يحسَّ بنوع من الارتياح الذي يُذهب عنه - ولو بعض الشيء - ذلك التوتر الذي يسيطر عليه. وهذا ما أخذ به علم النفس في نظرية التحليل النفسي، في ما يدعى «التداعي الحر» الذي يُتَّبع كوسيلة علاجية تجعل المريض يسرح مع تصوراته وتخيّلاته، فينساق إلى البوح بمكنونات نفسه، ممّا قد يساعد على معالجته من المرض الذي يشكو منه..
ولقد سبقت النصرانيةُ علماء النفس باتّباع هذه الوسيلة من خلال ما يعرف بـ«الاعتراف»، حيث يُسِرُّ الشخصُ لرجل الدين بالخطيئة التي ارتكبها، أو الذنب الذي اقترفه.. وهذا يعني أنَّ الخاطئ قد نقل جزءاً من التبعة التي يحسُّ بها، ووضعها على عاتق رجل الدين كي يصلّي ويطلب الغفران له من خالقِهِ، على أنْ يتوبَ هو فلا يعود إلى الخطيئة ثانيةً..
وهذا ما نجده أحياناً لدى من يرتكبون الجرائم، إذْ قد يلجأ الشخص، بعد جريمته، إلى تسليم نفسه للسلطات القضائية أو الأمنية، وذلك بدافعٍ داخليٍّ، وهو الشعور بعدم قدرته على الاحتمال في إخفاء سرّه، لما يُعاني من وخز الضمير، والقلق، والخوف، وما إلى ذلك من الانفعالات النفسية التي تدفعه للاستسلام، والاعتراف بجريمته[*]...
والإسلام يأخذ بيد الإنسان في حالات قوته وضعفه، لأنَّهُ ينظر إليه كمخلوقٍ بشريّ يجترح السيئة كما يفعل الحسنة، إلاّ أنه يدلّه على أفضل السبل التي تمكّنه من الإقلاع عن الأخطاء والمعاصي التي تلقي على عاتقه الذنوبَ والآثام، إذْ بدلاً من أن يعترف المؤمن بجرمه إلى أناس مثله، فإنه يَضَعُ اعترافَهُ بين يدي خالقِهِ، وذلك بالإقرار بالذنب ومن ثَمَّ اللجوء إلى التوبة، والاستغفار، والاستقامة على العمل الصالح، وغيرها من مقوّمات الإيمان الصادق الذي يرتجي فيه العبدُ رضا ربّه تعالى، وثقته برحمته، ويزيده ذلك اطمئناناً وهو يستمع إلى ما يعدُ سبحانه به عبادَه المؤمنين بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ *} [العَنكبوت: 7].. يا عبادَ الله!.. أرأيتم أنَّ الله العلي العظيم، لا يعفو وحسب عن سيئاتكم ويمحوها، بل ويجزيكم على أعمالكم الصالحة بأحسنها..
إنه قول الله الحق، الذي ينفتح على آفاق رحمته تعالى لتتدارك ضعف الإنسان وعجزه وتقصيره، إذ ليس من أحدٍ إلاَّ ويخطئ، وليس من إنسانٍ في قلبه ذرةٌ من الإيمان إلاَّ ويريد أنْ يعفو عنه ربُّهُ تعالى ويغفر له. ولعلَّ من مزايا الإسلام أنه يراعي مشاعِرَ الإنسان، ويتعاطف مع حالات الضعف التي تعتري نفسه، عندما يفتح له السبلَ مشرَّعةً إلى خالقه، ويحثُّهُ على ولوج باب التوبة من ربه، قبل أنْ ينقضي العمر، ولا زادَ يحملُ معه لآخرته إلاَّ إيمانهُ الصادق، وعملهُ الصالح، وتوبتهُ عن ذنوبه...
والسؤال: هل تأتي التوبة عفواً، أم يجب أنْ تسبقها يقظة؟ وبأيِّ شيء تتمثل هذه اليقظة؟
إن مغريات هذه الدنيا كثيراً ما تدفع بالإنسان إلى الوقوع في ما هو محرَّم عليه شرعاً أو قانوناً؛ وفي صحوةٍ من الضمير، وبعد فترة الغفلة - طالت أو قصرت - قد يجد الإنسانُ نفسه في حالة من الندم والحسرة التي تسبب له التعاسة، فيتساءل عمَّا يُنْجيه من تعاسته، فلا يجد إلاَّ الرجوع إلى ربِّه تائباً، منيباً، لأنه هو خالقُهُ، وهو أعلم بحاله..
من هنا كان علينا توضيح المفاهيم التي تتعلق بالندم والحسرة، ومن ثمَّ البحث في التوبة وتأثيرها على الإنسان الذي يرنو إلى تخليص نفسه من القلق، أو الحزن أو التعاسة، وغيرها من المشاعر التي ترمي على النفس بأثقالها، حتى لتكاد تسوؤها!..
1 - الندم والحسرة
أ - الندم أو الندامة:
الندمُ هو التحسُّر من تغيّر الرأي في أمرٍ فاتَ وانقضى؛ وأصلُ الندم من منادمة الحزن للنادم، أي ملازمة الحزن له. وقيل الشريبان نديمان (أي شاربا الخمر) لما يعقب أحوالهما من الندامة على فعليهما بعد الصحو من السكر، وخاصة إذا أدّى ذلك السكر إلى الضرر بشارب الخمر أو بغيره!..
وقد رأينا أنَّ أول نَدَمٍ صدر عن الإنسان كان من أبويْنا آدمَ وحوَّاءَ (عليهما السّلام) عندما أزلَّهما الشيطانُ، وأكلا من الشجرة التي نهاهما ربُّهما عن الاقتراب منها؛ فلمّا عاتبهما الله تعالى على عصيان أمره، وقع الندمُ في نفسيهما، فتوجها إليه تعالى بالضراعة، وطلب المغفرة والرحمة، كما يتبيّن في قوله عزَّ وجلَّ: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ *} [الأعرَاف: 23].
ثم ها هو ولدهما قابيلُ يقتلُ أخاه هابيل، فتكون كذلك أول جريمة قتل يرتكبها الإنسانُ بعد خَلْقه؛ ولم يدر ماذا يفعل بأخيه الميت، فحمله وراح يدور في البراري حتى بعثَ الله تعالى غراباً يبحث في الأرض ليريَهُ كيف يواري سوءة أخيه، فعندها حفرَ له قبراً، والندم يأكله على فعله، ليس بسبب تقبل الله لقربان أخيه ورفض قربانه، بل بما أجهدَ نفسه في حمله من الوزر، كما أخبرَ عن ذلك القرآنُ بقوله تعالى: {يَاوَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِي سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المَائدة: 31].
وسارت الحياة بالإنسان، وكثرت أخطاؤه، وكثر تلوّمه لنفسه، وندمه على فعله وعمله، ولا يزال هذا اللوم والندم قائمين في نفوس الناس، ما داموا يعملون ويخطئون!..
ولأنَّ الندم يجعل الحزنَ ملازماً للإنسان، كان لا بدَّ له أنْ يقي نفسه من الوقوع في الأخطاءالتي تجرّه إلى الندم، ومن ثَمَّ الحزن.
ويحذّر الله عزَّ وعلا المؤمنين من مغبّة التسرّع والحكم على الأمور قبل الاستيقان من صحتها حتى لا يصبحوا على ما فعلوا نادمين، وذلك بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ *} [الحُجرَات: 6].
ب - الحسـرة:
هي الغمُّ على ما فاتَ الإنسانَ، والندمُ عليه، كأنَّما انحسَرَ عنه الجهلُ الذي حمله على ما ارتكب؛ قال الله تعالى: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ *} [الزُّمَر: 56]. هذا ما يقوله الكافرُ يوم الحساب، إذْ يقول: يا لجهلي، وندامتي على ما قصَّرت في طاعة الله تعالى، يوم أنْ كنت في دنياي من الساخرين بدين الله وقرآنه، وها أنا انحسر عني جهلي للحقّ لما عُرِضَ عليَّ، بل وانحسرت كلُّ قواي، فلا سبيل لي إلاَّ الغمّ والتحسّر..
ويقول تعالى: {وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ *} [الحَاقَّة: 50]، أي إنَّ القرآنَ ليكون حسرةً على الكافرين إذا رأوا، يومَ القيامة، ثوابَ المصدّقين به، والعقاب الذي ينزل بهم على تكذيبه..
ويقول تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} [البَقَرَة: 167]، فالذين يريهم الله عزَّ وجلَّ أعمالهم حسراتٍ عليهم هم أولئك الناس الذين كفروا، أو أشركوا بالله، فجعلوا له تعالى أنداداً.. ومن يكفر أو يشرك بالله فقد ظلم نفسَهُ، لأنَّ الشرك ظلم عظيم، والحسرةُ تكون أشدَّ وأعمقَ أثراً على هؤلاء عندما يقادون إلى سعير جهنم، وما هم بخارجين منها إلاَّ ما شاءَ الرحمن الرحيم..
وإذا كانت السيئاتُ تورث الحسرةَ في الآخرة، فعلى الإنسان قبل أنْ يصل إلى تلك الحالة، أنْ يتدارك نفسَهُ وهو في هذه الحياة الدنيا، وأول سبيل لذلك هو الندم، لأنَّه يعبّر عن حالة انفعالية تنشأ عن الشعور بالتقصير، أو الذنب، أو الحزن بسبب الفعل الذي أوقعَ النفس في الندم.. ولعلَّ مهمة الندم تكمن في إدراك الإنسان للسوء الذي ارتكب، وعزمه على تجنّبه أو الإفلات منه مستقبلاً.. وفي هذا نوع من تقويم النفس حتى لا يبقى الإنسانُ سادراً في غيّه، مرتكباً المعاصي .. إذْ عندما تتفاعل في النفس مشاعر التحسّر والحزن على ما اقترف الإنسانُ من السوء، وتتلاقى مع مشاعر الخشية من الله تعالى، فمعنى ذلك أنها وصلت إلى حالة من اللوم الذي يمسكها عن اتباع الأهواء، التي لو ظلَّت طاغيةً عليها لقادتها إلى التهلكة..
2 - التوبة
لقد بات من الشائع في علم النفس أنَّ الأطباء النفسانيين، غالباً ما يلجأون، إلى تبصير مرضاهم بالأخطاء التي ارتكبوها، ولكن بطريقة موضوعية، سلسةٍ ومقنعة، حتى لا تحصل عندهم ردَّةُ فعل عكسية، وكي يولّدوا لديهم القناعة بالتخلّي عن لوم أنفسهم، الذي من شأنه أنْ يبقيهم في المرض، وكذلك عدم المبالغة في تحقير أفعالهم، والاشمئزاز من ماضيهم، لئلا تموتَ في نفوسهم بذور التفاؤل، والأمل بالعودة إلى حياةٍ طبيعية، خاليةٍ من مشاعر الدونيّة، إذْ إنَّ أخطاءَهم يمكن تركها وراءَ ظهورهم، واتباع منهجٍ سلوكي جديدٍ من شأنه أنْ يريحهم، ويريح من يحبونهم، ويحيطونهم بالرعاية والحنان..
من هنا يؤكد علماء النفس أنَّ ما يسوء الإنسان غالباً ما يُحدث في نفسه مشاعر القلق، والكآبة، والندم والحسرة، التي تؤدّي إلى الأعراض النفسية؛ كما يقولون بأنَّ علاج المصابين بتلك الأعراض لا ينجح إلاَّ إذا عزم المصاب على ترك كلّ ما يؤرّقه، وعدم العودة إليه ثانية، ولو رافق ذلك مشاعر الضيق، التي يمكن أن تبقى في نفسه إلى مدةٍ، ثم تذهب بفعل إرادته وتصميمه على التخلص منها..
وهذا ما ذهب إليه الإسلام وشدَّد عليه عندما جعل التوبة فرضاً على كل مسلم - كما هي الصلاة فرض عليه - بل ورغَّب في التوبة كثيراً، وذمَّ من يستكثر سيئات أعماله بدلاً من الإقلاع عنها، والالتجاء إلى ربه بالاستغفار والتوبة.
يقول الله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا *} [النِّسَاء: 17].
أول ما يأخذُ المؤمن في هذه الآية الكريمة عبارة «على الله»، فقد جعل - جلَّت عظمته - التوبة حقاً حقَّهُ على نفسه القدسية، لعباده التوابين؛ فالعبدُ الذي يتوب إلى ربه توبةً نصوحاً يجد أبوابَ التوبة مشرَّعةً له، لأنَّ خالقه هو الذي دعاه إلى التوبة.. فإذا التجأ إليه، ووقف على بابه مستغفراً، نادماً، عازماً على عدم الرجوع إلى ما اقترف من ذنب، فسوف يجد ربَّهُ رحيماً، يغفر الذنب ويقبل التوبة، كما وصف سبحانه نفسه بقوله الحقّ: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} [غَافر: 2-3]، ذلك بأنَّ الله - عزَّ وعلا - وهو العزيز في ملكه، العليم بخلْقِهِ، فلا يترك عبادَه لأنفسهم إذا جهلوا، بل يهديهم إلى سبل التوبة، بحيث تتلقَّاهم - بأمره تعالى - ملائكةُ الرحمة، مستبشرين بتوبتهم، ورجوعهم إلى مولاهم العزيز الحكيم...
قال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «لو أَخطأَ أحدُكُم حتَّى ملأَ ما بينَ السماءِ والأرضِ، ثُمَّ تابَ، تابَ الله عليه»[*]...
ومن هذه المعاني يمكنُ أن نتبيّن أنَّ التوبة الخالصة، التوبة النصوح هي رادعُنا عن كل أعمالنا السيئة، لأنَّها العهدُ الذي يأخذه الإنسانُ على نفسه أمام ربّه بألاَّ يعود إلى معصيته، وعهدُه له - جلَّ وعلا - أنْ يسلك طريق طاعته ورضاه؛ ومتى التزم الإنسانُ المؤمن هذا العهد، ارتاحت نفسه من التوتر والقلق، ومن الشعور الدائم بالذنب، وانصرفت مشاعره إلى العبادة، وعمل الخير والصلاح، وهو ما يجعل التوبة أحد السبل القويمة للنجاة من الأمراض النفسية.. إذ إنَّ الشعور الدائم بالذنب، إذا ما تفاقم، يمكن أنْ يجرَّ الإنسانَ إلى الهلاك؛ فالشعور بالذنب، في حال استمراره، قد يدفع بعض أصحاب النفوس الضعيفة إلى الانحدار أكثرَ في حمأة الخطيئة، بذريعة أنَّهم لا يقدرون على التخلّي عمَّا اعتادوا عليه، فيوغلون في سوء أعمالهم؛ أو قد يتفاعل الصراع، وتحتدم المشاعر في نفوسهم إلى حد الانتحار، وفي ذلك هلاكٌ في الدنيا والآخرة، لأنَّ أكبر معصية يرتكبها الإنسانُ هي قتل نفسه، وقد حرَّم الله تعالى قتل النفس إلاَّ بالحق، لأنَّ القتل هو التعدّي على حق الحياة التي وهبَها الخالق لعباده، ولذلك كان الانتحار، بأية وسيلة يستخدمها المنتحر، خطيئة غير قابلة للغفران، إلاَّ أنْ يشاءَ الله تعالى.. والتوبة لا تقف عند حدّ الكلمات، أو أداء الحركات، بل إنَّها إخلاصٌ في النيّة على ترك أعمال السوء التي ترتكب فيها الذنوبُ؛ ومن يغفر الذنوبَ إلاَّ الله سبحانه وتعالى؟
والتوبة النصوح تحمل الإنسانَ على أنْ يلتمس العذر والمسامحة ممن أساءَ إليه، وأنْ يعوِّضه عن خسارة سبَّبها له، أو أنْ يزيل عنه الضرر الذي ألحقَهُ به، فمعرفة المذنب ما ارتكبَ، وسعيه لإصلاحه أو التعويض عنه قد يشعره بالرضا، وراحة القلب، ويدفع عنه الهمَّ والقلق، هذا ما بين الإنسان وآخر.. وأما إذا كان الذنب في المعصية، أي في حق الله تعالى، فيكفي فيه عدم الإصرار على فعله مرةً أخرى، أي تركه نهائياً، ومن ثَمَّ الندم عليه، والعمل بما يذهب سخط الله - عزَّ وجلَّ - ويُحلُّ مكانه رضاه ومرضاته؛ فهو سبحانه الذي يبدِّل سيئات المحسن التائب حسناتٍ، ويتوب على عباده ويغفر لهم ويرحمهم، لأنه هو الغفور الرحيم. وعندما نقول بأنَّ ربَّنا - عزَّ وعلا - يبدل السيئات حسناتٍ، أو يمحو السيئات فكأنها لم تكن، فذلك من منطلق وحيه الكريم بقوله تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ *} [الرّعد: 39].. من هنا جعلَ ربُنَّا تبارك وتعالى بابَ التوبة مفتوحاً أمام التائب، مهما تكررت ذنوبه، إذْ في كل مرةٍ يتوب المذنبُ إلى الله، فذلك إقرارٌ من العبد بأنَّ الله على كل شيء قدير، وأنه وحدَهُ قادرٌ على أن يغفر له ذنوبَهُ، ويقبل توبتَهُ.. وهذا من دواعي التربية في الإسلام بما تتوخاه من إدخال الطمأنينة إلى نفس المؤمن، عندما يثق بالله، ويسلّم زمام أمره إليه جلَّ شأنُهُ. قال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «إنَّ عبداً أذنَبَ ذَنْباً فقال: ربِّ أذْنَبْتُ ذنباً فاغفِرْ لي، فقال ربُّهُ: أَعلِمَ عبدي أنَّ له ربّاً يغفِرُ الذنب ويأخُذُ بهِ؟ غَفَرْتُ لعبدي؛ ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ الله ثم أذنب ذنباً، فقال: ربِّ أذنبتُ آخَرَ فاغْفِرْهُ، فقال ربُّهُ: أعلم عبدي أنَّ له رباً يغفرُ الذنبَ ويأخذُ به؟ فغفرتُ لعبدي. ثُمَ مكثَ ما شاءَ الله ثُمَّ أذنبَ ذنباً، فقال: ربِّ أذنبتُ آخرَ فاغفرهُ لي. فقال ربُّهُ: أعلَمُ عبدي أنَّ له ربَّاً يغفرُ الذنوبَ ويأخذَ بها؟ فغفرتُ لعبدي ثلاثاً، فليعمَلْ ما شاءً ما دامتْ توبتُهُ توبةً نصوحاً»[*] ..
وهنا يجب انْ تستوقفنا مسألةٌ هامة، وهي أن نزغ الشيطان، أي وساوسه، يُعدُّ وراء كل عمل سوءٍ قد يصدر عن الإنسانْ، لأنه غالباً ما يستجيب لغواية الشيطان فينزلق في الموبقات، التي تصل إلى حد الإسراف عند كثيرٍ من الناس..
ولكنَّ لطف الباري يبقى أجلَّ وأعظَمَ، عندما يدعو عبادَهُ الذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب، ألاَّ ييأسوا، وألا يقنطوا من رحمة الله، لأنَّه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون؛ أما عبادُ الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فهؤلاء إن ارتكبوا ذنوباً كثيرةً، فإنَّ مولاهم الكريم يدعوهم إلى الثقة به، والرجاء برحمته الواسعة لأنه يغفر الذنوب جميعاً، ولو بلغت عنان السماء، وهذا من لطف الله تعالى وبالغ كرمه وإنعامه على عباده المذنبين، لأنه هو الغفور الرحيم. يقول الحق تبارك وتعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *} [الزُّمَر: 53]. إنَّه خطاب للرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) لكي يبشر الناس، وبخاصة الذين تمادَوْا منهم في ارتكاب السيئات، أن يثقوا، قبل كل شيء، بالله تعالى الذي يغفر الذنوب جميعاً، وأن يحسنوا الظنَّ بأنفسهم، فلا يهدروا أصالتها نهائياً، بالانصياع لنوازغ الشيطان الذي يصرفهم عن الالتجاء إلى ربهم بالتوبة وطلب الغفران.. إذْ عندما يوقنُ الإنسانُ أنَّ أَبواب رحمة الله مفتوحة له، عليه أن يبادر فوراً إلى الندم، والتوبة والاستغفار؛ وهذه الفرصةُ الذهبية التي يدعو الإسلامُ الإنسانَ إلى اغتنامها من شأنها أنْ تعطي الأمل للمجرم كي لا يظل منغمساً في حمأة الجريمة وظلامها، وللعاصي كي لا يصرَّ على ما فعل، وللمذنب كي يرتاح من آثام ذنوبه..
ولقد أشرنا إلى أنَّ المسيءَ قد يذهبُ إلى مَنْ أساء إليه طلباً لمسامحته والصفح عنه، فيعفو هذا إذا كان من الأفاضل، وذوي المكارم في الأخلاق، الذين يكون العفو، عادةً، من شيمهم.. بل وكثيراً ما يلجأ الضعيفُ إلى الاعتذار والتذلل رجاءَ أنْ يقبلَ القويُّ عذره، ويعفو عنه.. ولكنْ أينَ عفو الإنسان - الذي يبقى زهيداً - تجاه عفو الرحمن؟ إنَّه سبحانَهُ وتعالى يقبل القليل، ويعفو عن كثير من أعمال عباده، الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً، وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ويقولون عن يقين: ربَّنا ما خلقتَ هذا باطلاً سبحانك، فأعِنَّا على أنفسنا، وعلى جوارحنا، وألهمنا رجاء عفوك ومغفرتك، وقِنا عذاب النار، إنك أنتَ التواب الرحيم.. فهؤلاء الذين أخلصوا النية لله تعالى في القول والعمل، يعلّمهم الإسلامُ أنَّ الله سميعٌ لأقوالهم مجيبٌ لدعواتهم، وأنَّ رحمته تعالى لا تسَعُ توبتَهم واستغفارهم وحسب، بل ويتفضَّلُ عليهم ربُّهم الكريمُ بالأجر العظيم والثواب الجزيل: جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ خالدين فيها أبداً، ونعم أجر العاملين..
هذا ما يوجّهنا إليه الإسلام عندما يستحثُّ الإنسانَ على التوبة، بأنْ يجعل في نفسه إلى جانب الضعف قوةً.. وفي مقابل النزوة والشهوة والرغبة، والطمع وعياً، وخوفاً وخشية من الله تعالى.. وأنْ يكون على يقين بأنَّه سبحانه وتعالى يعطف عليه في ساعة الضعف ليأخذ بيده إلى التغلب على ضعفه، ويحنو عليه في عثرته ليرفعه منها إلى موضع الخلاص، ويوجّهه إلى الطريق السوي.. وقوام ذلك نورُ الإيمان في قلبه، وصلته بربه التي لا تنقطع عن الذكر والاستغفار وطلب العفو والرحمة.. وسوف يجد ربَّه غفوراً رحيماً، لقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا *} [النِّسَاء: 110].
ولكن هنالك مقابل رحمة الله تعالى، وعفوه ومغفرته لعباده، العقاب الشديد!. فلا يحسبنَّ أحدٌ أنَّ الأمور هينة، سهلة إلى حد الغفلة أو التغافل، وأنَّ مجرد الاستغفار قد ينيل العاصي المغفرة، لا!.. إنَّ الاستغفار، وطلب المغفرة سبيلهما التوبةُ وعدم الإصرار على عمل السوء، وأن تتوجه النيّةُ إلى عدم الرجوع إلى المعصية بقلب مؤمنٍ، خائفٍ منيب، وإلاَّ فإنَّ الله شديدُ العقاب، قال تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرّعد: 6]
وإنَّهُ لواضِحٌ كيف أنَّ الله سبحانه وتعالى يقدمُ في الآية الكريمة «المغفرة» للناس على «العقاب الشديد».. ولكنَّ هذا العقابَ الشديد قد جعله الله تعالى للمصرّين على المعاصي، كما يتبين من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «لا صَغِيرَةَ مَعَ الإِصْرار، ولا كَبيرَةَ مَعَ الاستغفار»[*]...
أوليس ما يدعو للتعجب أنْ يُصرَّ الإنسان على المعصية، وأنْ يستكبر عن التوبة والاستغفار، وهو يملك القدرة على الإدراك والتمييز؟! أجل إنَّ ما يستدعي العجب كيف أنَّ القرآنَ يبيّن للناس ما يريد بهم الله ربُّهم خيراً، وما يريدون بأنفسهم شرّاً!.. ولكنْ يبدو أنَّ عمى البصيرة هو الذي يطغى، فلا يتَّعظون بالقرآن، ولا يعملون بوحي الرحمن، {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ *} [الدّخان: 9]، وفي المعاصي يأثمون، وعلى أكتافهم من الذنوب يحملون، فهل يرتقبون إلاَّ العقابَ الشديد الذي يستحقون؟!.
وقد رفعَ الإسلامُ من شأن التوابين، وجعل توبتهم الخالصة عملاً تعبُّدياً يحبُّهُ الله تعالى، فشرَّع لهم من أبواب رحمته ما يسعُ ذنوبهم واستغفارهم، ولكن ألزمهم بالمقابل التقوى، التي من شأنها أن تسلَّ من نفوسهم نزغ الشيطان، ووساوسه..
من هنا يمكن اعتبار التوبة عملية نفسية صحية، يمكن من خلالها التخلّص من الشعور الدائم بالذنب، وتحويل أفكار العجز والتشاؤم والحطّ من شأن الذات.. إلى أفكار ومشاعر كفاءة، وتفاؤل، وإقبال على الحياة بروحٍ من التقوى والاستقامة..
ولعلَّ الإنسان عندما يعود إلى نفسه، في مكاشفتها ومصارحتها حول كلِّ شيءٍ يتعلّق بمشاعره وأقواله وأفعاله، وحول تعامله مع الناس، وبصورة خاصة حول صلته بربه تعالى، ثم يضعُ مساوئها وعوراتها على مشرحة منهجه الديني، فسوف يجد أنَّ ذلك كفيل بمعالجتها وشفائها.
وهذا ما أخذت بعض الاتجاهات الحديثة لدى علماء النفس تهتمُّ به، بتوكيدها على أهمية الدين في الصحة النفسية، وفي علاج الامراض النفسية، بعدما ظهرت أهمية الدين، وما يمدّ به الإنسان من طاقة روحية، تعينه على مواجهة مشاق الحياة، وتجنّبه كثيراً من الصراعات النفسية، وما ينجم عنها من قلقٍ واكتئابٍ وشقاء.
ومن علماء النفس المحدثين الذين نادوا بأهمية الدين في العلاج النفسي عالم النفس الأميركي (وليم جيمس)، فقد قال: «إنَّ أعظم علاج للقلق، ولا شك، هو الإيمان... والإيمان يعتبر من القوى التي لا بد من توافرها لمعاونة المرء على العيش. وفقدُهُ نذيرٌ بالعجز عن معاناة الحياة.. إنَّ بيننا وبين الله - تعالى - رابطةً لا تنفصم، فإذا نحن أخضعنا أنفسنا لإشرافه - تعالى - تحققت كل أمنياتنا وآمالنا»..
ويحاول (جيمس) أن يعطي مثالاً حسياً على أهمية الإيمان وتأثيره في أعماق النفس الإنسانية فيقول: «إنَّ أمواج المحيط المصطخبة المتقلبة لا تعكّر قطُّ هدوءَ القاع العميق ولا تقلق أمنه، وكذلك المرء الذي عمق إيمانه بالله - تعالى - خليق بألاَّ تعكر طمأنينَتَه التقلُّباتُ السطحيةُ المؤقتة. فالرجل المتدين حقاً عصيٌّ على القلق، محتفظ أبداً باتزانه، مستعد دائماً لمواجهة ما عسى أن تأتي به الأيام من صروف».
وعن أهمية الدين في مواجهة مشاكل الحياة، يقول المحلل النفسي (كارل يولج): «استشارني في خلال الأعوام الثلاثين الماضية أشخاص من مختلف شعوب العالم المتحضرة، وعالجتُ مئاتٍ كثيرةً من المرضى... فلم أجد مريضاً واحداً من مرضاي الذين كانوا في النصف الثاني من عمرهم - أي جاوزوا الخامسة والثلاثين - من لم تكن مشكلته في أساسها هي افتقاره إلى وجهة نظر دينية في الحياة. وأستطيع أنْ أقول: إنَّ كل واحد منهم قد وقع فريسة المرض، لأنه فقد ذلك الشيء الذي تمنحه الأديان القائمة في كل عصر لأتباعها، ولم يتمَّ شفاءُ أحد منهم حقيقة إلاَّ بعد أنْ استعاد نظرتَهُ الدينية في الحياة».
وهنالك كثير أيضاً من المحللين النفسيين، ومن المفكرين في الغرب الذين يُرجعون أزمةَ الإنسان المعاصر، ولاسيما الإنسان الأوروبي والأميركي، إلى افتقاره للقيم الدينية والغذاء الروحي الذي يمدّه به الدين، ويعتبرون أنَّ العلاج الوحيد لتخليص الإنسان من هذه الأزمة القاتلة لا يكون إلاَّ بالرجوع إلى الدين.
والدين الإسلامي، كما يبيّنه القرآنُ الكريم، والسنّة النبوية الشريفة، يفيض ببيان العلاجات للنفس الإنسانية. وهو يملي على الإنسان أنْ يعيش في مناخات وأجواء دينية. ويطلب من الإنسان المسلم أنْ يضع نفسه دائماً في المناخات والأجواء الإسلامية إنْ أرادَ صونَ نفسه، وحفظَ عائلته ومجتمعه، وانفتاحَهُ على مختلف القيم الإنسانية.
العلاج النفسي عند ابن القيّم
لقد قدَّم بعض العلماء المسلمين أبحاثاً عديدة في علاجات النفس البشرية، وكان لابن القيم نظرة ثاقبة في هذا المجال، من خلال الأبحاث القيّمة التي وضعها، معتمداً في معالجة النفس على الصلة بين العبد وربه، هذه الصلة التي تعتبر الدعامة الأولى لكل علاج من علاجات أمراض النفس. ومن أبرز ما ذهب إليه ابن القيِّم في هذا المجال النقاط التالية:
1 - تخفيف الآلام بالكلام الطيب: فهو يرى أنَّ بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة، كما هي الحال في فاتحة الكتاب مثلاً[*] . ومن هدى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «إذا دَخلتُمْ على المريضِ فَنفِّسُوا لَهُ في الأَجَل، فإنَّ ذلكَ لا يَرُدُّ شيئاً، وهو يطيِّبُ نفسَ الإنسان»[*] . ومن هذا الهدي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، يستنتج ابنُ القيم أنَّ «تفريح نفس المريض وتطييب قلبه بإدخال السرور عليه، له تأثير عجيب في شفاء علته.. ومن واقع التجربة الحية يَثبُتُ أنَّ الناس شاهدوا كثيراً من المرضى تنتعش قواهم، عندما يزورهم من يحبونهم أو يقدّرونهم، ولا سيما عندما يقبل الزائرُ على المريض بوداعةٍ ولطف، ويكلمهُ عمَّا به هو من أمراض، فيرتاح المريض ويندفع يحدّث زائره عمَّا يشكو من الألم.. وهذه إحدى فوائد عيادة المرضى التي تريحهم...
2 - عيادة المريض: يستشهد ابن القيِّم بما كان يفعل رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في عيادته للمريض، فيقول: «ويروى أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) كانَ يسألُ المريض عن شكواه وكيف يجده؟ ويسأله عما يشتهيه، ويضع يده على جبهته، وربما وضعها على صدره، ويدعو له الرقية، ويصف له ما ينفعه في علته.. وربما كان يقول للمريض: لا بأس عليك: طهور إن شاء الله تعالى». ثم يعلق ابن القيم قائلاً: «وقد تضمنت العيادة في هذا الحديث عناصر الكلام والدعاء واللمس فضلاً عن وصفة العلاج الخاصة»
3 - أثر شخصية المعالج: ويعتبر ابن القيِّم أنَّ نجاح العلاج النفسي يتوقف بدرجة كبيرة على شخصية المُعَالِج، وقدرته على إيجاد علاقة حميمة بينه وبين المريض، بحيث يستشعر معه الطمأنينة، ويمنحه الثقة، فيحصل نوع من التفاعل المتبادل بينهما، ويجعل للمعالج تأثيراً لتغيير بعض الجوانب الشعورية في نفس المريض. وهو يضرب مثالاً على ذلك بتأثير الرُّقْيَةِ على الملدوغ[*] ، حيث يقول: «لو لم تنفعل نفس الملدوغ لقبول الرُّقْية ولم تقوَ نفسُ الرَّاقي على التأثير لم يحصل البُرْء.. وإنَّ نفس الرّاقي لتفعل في نفس المُرْقَى، فيقع بين نفسيهما فِعْلٌ وانفعالٌ - كما بين الداء والدواء - فتقوى نفس المُرْقَى بالرُّقْية على ذلك الداء، فيدفعه بإذن الله تعالى».
4 - إزالة الألم بالضدّ: ومن قبيل ذلك اتباع هوى النفس فإنه يؤدي بصاحبه إلى إيذاء نفسه والإضرار بها، «فيتولد - من بين إيثارها للداء واجتنابها للدواء - أنواع من الأسقام والعلل التي تعيي الأطباء ويتعذَّر معها الشفاء».
والإضرار الذي يحصل هنا ينتج من غفلة قلب الشخص فلا يدرك ما يفعل.. ولذلك يرى ابنُ القيّم أنَّ اقتراف المعاصي والفساد قد يكون عقاباً للذات، وتأنيباً لها للتخفيف من مشاعر الإثم.. أو كما يقول: «إنَّ أهل المعاصي والفساد إذا قضوا منها أوطارَهم، وسئمتها نفوسُهم، ارتكبوها وفقاً لما يجدونه في صدورهم من الضيق والهم والغم». كما يحدث مثلاً لمدمني الخمر حينما يتحول الداء عندهم إلى دواء، ومن ثَمَّ فلا دواء إلاَّ باتباع الهوى - كما يتوهمون - طبقاً لقاعدة أنَّ «المرض يُزال بالضد».
5 - الإنابة: الإنابة هي الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة والإخلاص في النية والعمل، وجعل الأمور كلها بيده سبحانه، إذ فيها إقرار من العبد بضعفه، وعجزه عن الصمود أمام الشدائد، ما لم تتداركه رحمةُ الله تعالى ورأفته. وهذا الإيمان من العبد بأنَّ الله على كل شيءٍ قدير، وبأنَّهُ سبحانه يدبّر الأمر، من السماء إلى الأرض من شأنه أنْ يخفف عن المصاب حدة التوتّر والغضب، أو التحسُّر والألم، ويجلو عن نفسه ما يمكن أنْ يتولد لديه من شعور بالخيبة أو الندم أو الإثم، وما ذلك إلاَّ لأنه أوكلَ أمرَه إلى الله ربه.
6 - إعطاء المرض دلالة: فكل مصيبة تحل بالإنسان، أو شدة تطاله يجب أنْ تكون ذات دلالة ومعنى في حياة المؤمن، فما يصيبه إلاَّ ما كتب الله له فالمرض ابتلاء، والمحنة امتحان للصبر، والقبول بقضاء الله تعالى وقدره في مصلحته، فإنْ صَبَرَ ظَفَرَ، وإنْ قبِلَ نالَ الرضا والمغفرة. وبالنسبة له: «ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أبطأه لم يكن ليصيبه».
7 - التماس العوض: وهو يعني أنَّ فقدان الشيء أو امتناعه أو فواته يمكن تعويضه بمشاعر إيجابية تقوم مقامه. مثل: الثواب مقابل الصبر على البليّة، ورجاء نيل حلاوة الآخرة تعويضاً عن تحمل مرارة الدنيا، يقول ابن القيِّم: «على الإنسان أن يروّح قلبه بروح رجاء الخلف من الله» أو كما قال الشاعر:
مِنْ كلِّ شيءٍ إذا ضيَّعْتَهُ عَوَضٌ
وما مِنَ الله إنْ ضيَّعْتَهُ عَوَضُ
8 - العلاج بالتخييل: يلاحظ ابنُ القيِّم أنَّ للوهم قوةً فعليةً في الإصابة بالمرض، أو التوقِّي منه.
وهذا صحيح، لأنَّ الوهم قد يؤثر في النفس إلى درجةٍ قد تجعل الإنسان يقع في المرض، فإذا توَهَّمَ أنه مصابٌ بالسرطان مثلاً، وظلَّ هذا الوهم يخيّم عليه على الرغم من تأكيد الأطباء غير ذلك، فإنَّ شدة ذلك التوهم من شأنها التسبب له بهذا المرض بصورة فعلية، وقد ثبت ذلك في حالاتِ أشخاصٍ عديدين. على أنَّ الثقة بالنفس - بالمقابل - قد تساعد المريض كثيراً على البرء من سقمه حتى بعد الإصابة بالسقم. ويعوِّل الأطباء النفسانيون كثيراً على زوال الأعراض النفسية والعقلية من خلال إعادة الثقة إلى نفوس المرضى، واطمئنانهم إلى قواهم الذاتية في الشفاء.
9 - الإثارة الانفعالية: يقول ابنُ القيِّم: «إن القلب يحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم. وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه ويقوِّي نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي. فحصول هذا الشفاء للقلب أولى وأحرى».
وهذه الإثارة اعتمدها بعض الأطباء المسلمين - كما يروي ابن أبي أصيبعة - في نفوس مرضاهم لشفاء بعض الأمراض النفسية المستعصية، بحيث يكون لها وقع الصدمة المفاجئة التي تدفع الداء عن الأنفس.
ويمكن أن نلاحظ أنَّ ما ذهب إليه ابن القيِّم لا يعدو كونه وجهات نظر معينة تقوم على انفعالات النفس وتأثرها: إما بصورة ذاتية عن طريق الإيمان الذي يجعل العبد مرتبطاً بخالقه تعالى برابطة الإخلاص القلبي، والتوجه الوجداني، وإيكال الأمور جميعها إليه سبحانه بحيث لا يأتيه خير إلاَّ وحمده، ولا تأتيه شدة إلاَّ وصبر عليها.. وإما بصورة التأثر بالغير عن طريق الإيحاءات التي يولدها في نفسه، مثل تأثير المعالج، أو المتأسَّى به.. فيكون ابن القيِّم قد اعتمد «القلب» أساساً للداء والدواء، بما يضفي على نظرياته طابعاً إيجابياً هاماً في شفاء النفس من بعض عللها وعاهاتها.
ومن البديهي القول إنَّه لم يكن لابن القيِّم أنْ يحصّل تلك الآراء عن العلاج النفسي إلاَّ من خلال فهمه لمعاني القلب في القرآن المبين، ما يجعلنا نؤمن - وباطمئنانٍ إنْ شاء الله - بأنَّ من يعملُ بهدي القرآن الكريم، ويقتفي أثر سيد المرسلين محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم)، يجد من الزاد ما يغنيه ويُسعده في الدارين. وهذا القرآن المجيد يحتضن بين دفتيه سبيلاً قيماً لا عوج فيه من أجل معالجة الإنسان، نظراً لتأثيره الروحاني على النفس، ومن يقف على مضامينه يجد ما يهزُّ وجدانه، ويرهفُ أحاسيسه، ويوقظ تفكيره، ويجلو بصره وينير بصيرته، فإذا بالإنسان الذي فعل في نفسه القرآنُ فعلَهُ يصبح إنساناً آخر، لأنه كتاب الله تعالى، الذي ترنو إليه القلوب، وتحنو له الهامات، وتعمل برأيه الأطباء، وتطمئن إلى علاجه النفوس.

amantadin cena amantadin ratiopharm amantadin nedir



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB