علم النَّفس (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




الفصل السادس عشر - البحث الاول: الأمراض العصَابيَّة

يطلق علمـاء النفس على الاضطرابات التي تحدث في النفس تسمية «الأمراض العصابية»، وهي مثل أمراض الجسد تستدعي المعالجة.. وقد اعتبروا أنَّ «العصاب» هو نوع من الخللِ العقلي الناشئ عن الاضطرابات النفسية الوظيفية، كالأفكار الثابتة أو المتسلطة، والمخاوف، والشكوك، والوساوس، وفقدان الذاكرة، والحذر، واضطراب الكلام. وإضافةً إلى ما يصاحب العصاب من خللٍ في التوازن الشعوري والفكري، فقد يصاحبه، في الغالب، آلام في الجسد، إلاَّ أنه لا يغيِّر شخصية صاحبه، ولا يفقده ذاتيته.. ويُعرّف العصاب بأنه «اضطراب وظيفي، دينامي - انفعالي، وهو نفسي في المنشأ، ويتصف بأعراض عامة تؤدي إلى اضطراب في العلاقات الشخصية وحالة عدم كفاية وعدم سعادة».
وليس للأمراض العصابية، عند علماء النفس المعاصرين، سبب عضوي محدد، إلاَّ أنَّها تتصل بحياة المريض النفسية.
أما الأعراض العامة للشخص العصابي فيمكن أنْ يستدلّوا عليها من عدة مظاهر:
1 - شعور المريض بانقباض داخلي شديد، وضيق مستمر، قد يعرف من خلالهما أسباب عصابه، إلاَّ أنه لا يجد لها حلاً، ومن هنا يظهر عليه التوتر العصبي، ولكن يبقى في حالة الشعور، والإحساس بالواقع.
2 - معاناة المريض من قلق ظاهري أو خفي، وشعور بعدم الأمان النفسي، والهياج، والمبالغة في ردود الفعل السلوكية، ومحاولة جذب انتباه الآخرين، والاعتماد عليهم. ويخيم عليه الحزن والاكتئاب.
3 - قد يمكن للعصابي أنْ يساعد نفسه أحياناً، ولكنه في الغالب يطلب المساعدة من الآخرين.
4 - يعاني العصابي من اضطرابٍ في تفكيره، وبطءٍ في الفهم، وتردّدٍ في الإقدام على ما يريد القيام به.
5 - يصاحب نوباتِ القلق، والتوترَ لدى العصابي أحياناً، اضطرابٌ في الجهاز الهضمي، مع ضغط شديد على الأعصاب.
6 - يظهر سلوك العصابي بالجمود، والتكرار عملياً وذهنياً. وقد يتصف، في بعض الأحيان، بالطيش والتسرّع.
7 - يعاني العصابي من الضجر، وسرعة الملل من معظم الأشياء حوله، ومن قصر مدة الانتباه والتركيز.
8 - العصابي أناني الذات، وعلاقاته مع الآخرين تكون مضطربة.
9 - يعاني العصابي من تصورات وهمية ومخاوف لا أساس لها في عالم الواقع.
10 - العصابي سريع الغضب لأقل الأسباب، ضعيفُ الإرادة.
وعلى الرغم من كل تلك المظاهر المرضية، إلاَّ أنه يمكن معالجة العصابي نفسانياً، ويكون قابلاً للشفاء، ولكن يختلف العلماء حول تصنيف الأمراض النفسية، حيث يبدأ البعض من منطلق معين، ويرتكز على أمراض معينة، في حين يعتبرها البعض الآخر أمراضاً ثانوية من حيث الأهمية. إلاَّ أنهم جميعاً متفقون على أن (العصاب) بشتى أنواعه وفروعه هو رأس الأمراض النفسية.
ويذكر الدكتور مصطفى فهمي أن هنالك سبعة أنواع رئيسية من الأمراض النفسية، وهي:
1 - القلق المرضي العصابي أو (العصاب).
2 - الهستيريا أو العصاب التحوّلي.
3 - الشعور بالضعف والإجهاد بشكل مَرَضي (النورستانيا).
4 - الأعمال القسرية والوساوس.
5 - اللجلجة في الكلام.
6 - السلوك السيكوباتي (مضطرب الشخصية).
7 - الانحرافات الجنسية.
ويعترف كثير من علماء النفس، أو الباحثين في مجال علم النفس، بأنَّ الأسباب الرئيسية للأمراض العصابية ما زالت غير واضحة، وهي تفسر بنظريات مختلفة، ومدارس متضادة. كما أنَّ البرهان العلمي، لأيٍّ من هذه النظريات، لم يثبت بعد، وهي تتلخص في نظريتين:
1 - «النظرية التكوينية التي تعتمد على العوامل البيولوجية الوراثية والفيزيولوجية».
2 - «النظرية البيئية».
وأياً تكن النظريات حول أسباب تلك الأمراض أو طرائق علاجها، فإننا نرى أنْ لا شيء يجدي إلاَّ المعالجة النفسية القائمة على حقيقة الإيمان بالله تعالى، واتباع المنهاج الإسلامي من خلال الكتاب والسنة، بحيث تُعتمد طرائق العلاج التي قدَّمها القرآن الكريم، وبيّنها الرسولُ الأمين.
ولا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ الأمراض النفسية هي غير الأمراض العقلية أو الذّهنية، فهذه الأمراض كالذُّهان الدوري، والهلوسة الحادة والمزمنة، وانفصام الشخصية، والتخلف العقلي: الخَلْقي أو الاكتسابي (الذي يتولّد بفعل ضغوطات)، هي أمراض عضوية ناتجة من خلل في وظيفة الخلايا الدماغية، وإنْ كانت عوارضها فكرية، شعورية أو سلوكية. لذلك وجب فصلها عن الأمراض النفسية، ومعالجتها تتم بطريق الطب المعروفة، ومن الأطباء المختصين في هذا المجال.. في حين أنَّ علاجات أكثر حالات العُصاب (كعصاب القلق، وعصاب الخوف، وعصاب الوسوسة، والقلق النفسي) بمختلف مظاهره النفسية أو العضوية إنما تتم بالعلاج النفسي الإيماني، ولا سبيل إلى غيره من العلاجات الأخرى لمن أراد الشفاء.
وتأتي الأمراض النفسية نتيجة للضغوط - المادية والمعنوية - التي قد يتعرّض لها الإنسان، وتولّد في داخله صراعاً يؤدي، في الغالب، إلى اعتلالٍ في نفسه. وهذا الاعتلال هو المرض النفسي، فالشخص الذي يصبح مريضاً نفسياً، يصبح إدراكه لنفسه وللواقع إدراكاً مختلاً مشوهاً، وسلوكُه غيرَ مألوف، وربما شاذاً في نظر الآخرين. ومن هنا كان شعوره بالاضطرابات النفسية، والآلام الجسدية، فتخيم على حياته - بسبب هذا الشعور - أجواء القلق والتعاسة، وتضعف قدرتُهُ على إصدار الأحكام الصحيحة، وأداء واجباته بفاعلية، وإقامة علاقات سليمة مع الواقع، ومع الناس. وكل ذلك نتيجة للصراعات النفسية التي تتفاعل في كيانه الداخلي، وتؤدي إلى معاناته.
وأشد مظاهر هذه المعاناة الكآبةُ التي تخيم على حياته، وتكون باديةً على وجهه، وفي تصرفاته. وهذه الكآبة يكون مصدرها، في أكثر الأحيان، القلق الذي تسببه، عادة، الأوضاع السيئة.. إذ إن الأوضاع التي تحيط بنا غالباً ما تكون عرضة للتغيرات، فإذا كان التغيير في الأوضاع نحو الحسن أو الأحسن غلب على الإنسان الشعور بالاطمئنان، والارتياح إلى حاضره وغده، بما ينعكس سكينةً على نفسه.
أما إذا كان هذا التغيير يتجه من سيئ إلى أسوأ، فإنَّ أجواء القلق الناجمة عنه لا بدَّ وأنْ يكون لها آثارها على النفوس، التي تظهر في الخلل الذي يطرأ على تصرفاتهم.. فمثل هذا القلق هو الذي يولّد الكآبة، ومع الوقت تحدث الأمراض النفسية، وتتبعها الأمراض البدنية.
ولعلَّ من أهمّ المشاعر التي تقضّ مضاجع الإنسان: الغمُّ والهمُّ والقلق.
1 - الغـمُّ:
هو ستر الشيء، ومنه الغمام لأنه يستر ضوء الشمس. والغم في النفس هو ما يستتر في باطنها، ويختبئ في ثناياها بما يؤدي إلى إزعاجها واضطرابها. وهو من المشاعر المؤذية لأنها تكون دفينة، فإن خرجت زال الغمّ، وتخلصت النفس من أثقاله، ففي مخاطبة نوح (عليه السّلام) لقومه قال الله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} [يُونس: 71] أي اعزموا في معارضتكم لدعوتي، على أمر تفعلونه ثم لا يكن أمركم مستتراً، تخفونه، بل أظهروه وجاهروني به، وليكن الموقف الذي تعتزمونه تجاهي نابعاً من نفوسكم، وموافقاً لتصرفاتكم، بلا لبس ولا غموض، ولا تردد فيه ولا رجعة.
2 - الهمُّ:
هو الحزن الذي يؤثر في الإنسان تأثيراً شديداً حتى لكأنه يذيبه. يقال: رجلٌ همٌّ أي رجل كبيرٌ قد همَّه العمرُ فأذابه. والهمُّ أيضاً ما همَّت به النفس ورغبت القيام به. قال الله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} [يُوسُف: 24]، حكايةً عن امرأة عزيز مصر ويوسف (عليه السّلام) .. أي وعزمت على الفاحشة به، وهي تراوده عن نفسه، بينما هو عزمَ على دفعها عنه، بمعنى أنها طلبت منه الفعل الذي يسبب لها الهمّ في نفسها، وطلب هو إقلاعها عنه لأنَّهُ يورث الهمَّ في نفسه، باعتباره معصوماً - ذاتياً - من ربه تعالى عن ارتكاب الفاحشة... وقال تعالى: {وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ} [التّوبَة: 13] أي وعزموا على إخراج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) من مكة، إذْ كان أكبر هموم المشركين صدّه عن سبيل الله، والقضاء على دعوته في مهدها، فكان من جملة ما تشاوروا به إخراجُهُ من بلده، أو قتله!.. ويقال: أهمَّني كذا، إذا حملني على أن أهمَّ به. قال تعالى: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} [آل عِمرَان: 154]، أي وجماعة قد شغلتهم أنفسهم وحملتهم على الهمّ، وهم جماعة المنافقين الذين غلبَهم الخوفُ من الهزيمة في «أحد»، فلم يعد همُّهم إلاَّ الهرب والنجاة بأنفسهم.
3 - القـلـق:
يقال: قَلِقَ الشيءُ أي لم يستقرَّ في مكان أو على حال، فهو قَلِقٌ كريشة في مهب الريح، وقَلِقَ: اضطرب وانزعج.
ويعدُّ القلقُ أكبرَ عدوٍّ للنفس البشرية، ومعنى القلق النفساني: «الشعور بالضيق أو الانزعاج الذي يسبق الفعل الإرادي». ويكون، حسب ما ذهب إليه بعض الباحثين، على درجتين: درجة الانزعاج وعدم الرضا، ودرجة الجزع والكرب. ويعرَّف القلق في «علم النفس» على أنه «استعداد تلقائي للنفس يجعلها غير راضية بالواقع». فإذا تطلع الإنسان إلى تحسين أوضاعه مثلاً، ووجَدَ أنَّ ظروف حياته مليئةً بالأتعاب والمخاطر، وتكادُ تبعده عما يصبو إليه من نيل الراحة أو السعادة، فإنّ ذلك يؤدّي به إلى القلق والغمّ. ومَثَلُ هذا الإنسان في واقعه الصعب كمثل راكبٍ في سفينة مشرفة على الغرق، تتقاذفها الرياح والأمواج في بحرٍ هائج، لا يظهر له شاطئٌ يمكن أن يصل إليه، فتعتريه مشاعر كثيرة أقواها القلق الذي يستبد به، جرّاءَ الهلاك الذي يتراءى له.
وقس على ذلك مختلف الأحوال التي يمرّ بها الإنسان، عندما تحيط به المشاكل والمتاعب من كل جانب.. فالتبعات الملقاة، عادةً، على عاتق الإنسان، والمسؤوليات المتعددة التي يحملها على أكتافه، والمستجدات الطارئة التي تعترضه، من غير أن يكون متوقعاً حدوثها.. كل ذلك قد يجعل الواحد منا مشتت البال، موزع الذهن، متحسراً على الماضي، متوجساً من المستقبل. وهذا هو القلق - بمعناه الحقيقي - الذي يبعدنا عن راحة البال، وعن الاستمتاع بمباهج الحياة. ولذلك فإنَّ الملايين من الناس يعتبرون أنَّ ألدَّ عدوٍّ لهم هو القلق، الذي تفرضه عليهم ظروف الحياة القاسية، كما هو الحال في هذا الزمن، الذي تطغى فيه «الماديَّةُ» على كلِّ شيءٍ وتشكّل مصدر إرهاق للناس، باتوا معها يخافون على غدهم، ويخشون مما يخبئه لهم المجهول.
ومن هنا فإنَّ غالبية المصابين بأمراض نفسية يكونون من الذين يعانون إرهاقاً عصبياً أو عقلياً يأتي - في معظم الأحيان - من شدة القلق، لما يورث في نفوسهم من انزعاجٍ دائمٍ، واضطرابٍ مستمرٍ، مهما كانت مسبباتُهُ، نظراً لخوفهم من الأمراض التي قد تصيبهم، أو من عادية الزمان على الزوجة والأبناء، أو من حمل الهموم يعانيها الأقارب، أو الهواجس مما قد يتهدد الوطن من مخاطر.. إلى ما هنالك من مسببات للقلق تُفرض على الإنسان فرضاً، من دون أنْ يكون له حيلة في دفعها عنه، فتؤثر في نفسه حتى توقعه فعلاً بالاضطراب أو المرض، الذي إذا ما اشتدَّ على صاحبه، فإنَّه يُصاب بوسواس السويداء، أو باستحواذ تصوراتٍ معينة عليه، تجعله يحسُّ بالآلام، والأوجاع المبرّحة. ولذلك صار من الثابت، لدى علماء النفس، أنَّ تأثير القلق غالباً ما يتعدى كوامن النفس إلى الجسد، فيصاب الإنسان من جرّائه بأمراضٍ بيولوجية أو عضوية. وهناك شواهد كثيرة في حياة الناس على أنَّ كثيرين قد أدّت بهم الهموم إلى أنْ يصابوا بأمراض جسدية لشدّةِ تأثرهم بالحوادث التي تقع لهم، أو يصادفونها في حياتهم. وهذا هو سببُ الاعتقاد القائل بأنَّ القلق هو أهم أسباب الضعف والفشل.. ولكنَّ هذا الاعتقاد يعارضُهُ كثيرون، بل ويقولون بعكسه تماماً، بمعنى أنَّ القلق، بدلَ أنْ يكون مجلبةً للضعف، قد يكون - في أحيان كثيرة - مصدرَ قوة، وخاصة عندما يكون للإنسان هدف معين يريد تحقيقه.. كما هو حال أولئك الرجال العظام الذين أدَّوْا للبشرية خدماتٍ جُلَّى، على الرغم ممَّا كانوا يعانون في حياتهم من قلقٍ واضطراب، إلاَّ أنَّ ميزتهم كانت في وعيهم لما يعانونه، وعزمهم على التخلّص منه، وقد كان لهم ذلك، إذ استطاعوا تخليص أنفسهم من القلق، والانعتاق من إرهاقه، فاستمروا في جهودهم، وكان لهم شرف خدمة الإنسانية.
وقد بيَّنت الإحصاءات التي قام بها بعض الباحثين مقدار النسبة في الأمور التي تقلق أغلب الناس، وجاءت النتائج على الشكل التالي:
«40 بالمائة: أشياء لا تحدث مطلقاً.
«20 بالمائة: أشياء حصلت في الماضي ولا يمكن تغييرها مهما كان نوع القلق الذي ينشأ من جرائها.
«12 بالمائة: قلق لا مبرر له بشأن الصحة.
«10 بالمائة: مخاوف متفرقة.
«صفر بالمائة: مخاوف حقيقية مشروعة».
وإذا كنا نعتبر أنَّ الإحصاءات والأرقام لا يمكن أنْ تدلَّ، في كثير من الأحيان، على حقيقة الواقع التي تريد إظهاره، فكيف الحال بالنسبة لكوامن النفس البشرية، التي لا يمكن ضبطها أو تحديدها بدقة، لاختلاف النفوس وكوامنها، ولاختلاف الظروف التي يعيشها الأفراد ويتأثرون بها إلى درجة كبيرة.
وإذا كانت الظروف المادية القاسية، أو أسباب العيش الصعبة هي أكبر الدوافع للقلق، فإنَّ بالإمكان معالجة مثل هذه الأمور عن طريق القناعة، والاكتفاء بالحاجات التي تؤمن العيش الكريم.. وبهذا الصدد يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «مَنْ أصبَحَ آمِناً في سِرْبِهِ، مُعَافَى في جسدِهِ، عِنْدَهُ قوتُ يومِهِ، فكأنَّما حِيْزَتْ له الدُّنيا بحذافيرها»[*] ؛ إلاَّ أنَّ ما نراه عكس ذلك من تدافع الناس الذين يعملون، ويكدُّون في العمل من أجل الحصول على حاجاتهم الضرورية، سواء من المأكل أو الملبس أو المسكن، أو ما يلحُّون في الوصول إليه من الثراء، والنفوذ، والجاه.. فكلُّ ذلك من شأنه أنْ يرهق نفوسهم، ويسبِّب لهم القلق.. في حين لو وجدت القناعة الذاتية، لأمكن الناس أنْ يوفّروا على أنفسهم كثيراً من المعاناة، ومسببات القلق.. ولا تعني هذه القناعة أنْ يقعد الإنسان بلا عمل، أو أنْ يتخاذل، أو أنْ لا يكون لديه طموحات، ولكنْ هنالك فارق كبير بين الطموح المشروع، أو الذي يتناسب مع جهد كل منا، والإرهاق الذي نُعرّض له أنفسنا من أجل طموحنا البعيد، والذي قد يصيبنا بالملل والسأم، أو قد يُقعدنا عن تحقيق ما نصبو إليه. لذلك يجب أن يُفهم أنَّ العمل ضرورة لا غنى عنها للإنسان، وهو سنةٌ في الوجود البشري لعمارة الأرض، بل ولعلَّ أفضل علاج للقلق وأنجعه هو العمل، أو تشغيل الفكر بأشياء تبعد القلق عن النفس. وعلى الإنسان أنْ يجرب هذا الدواء الناجع، ثم يقارن بعد ذلك بين أيامه التي كان يقضيها بالبطالة والفراغ، وأيامه التي يصرفها في العمل، ليتحقق من أنَّ انهماكه بعمله كان من أهم العوامل للقضاء على القلق لديه، ولاسيما إذا كانت لهذا العمل نتائج مفيدة.
ويبقى، بعد ذلك كله، أنْ يعلَمَ الإنسانُ المؤمن الصادق، يقيناً، بأنَّ معظم ما يصيبه في حياته ليس من أمره، وإنما هو من أمر ربه، وما كتب له في اللوح المحفوظ، ولا يمكن الفرار من حكم الله سبحانه وتعالى، وعندما يثق الإنسان المؤمن بأنَّ ربَّهُ هو الحكم العدل، وهو اللطيف الخبير يرتاح كثيراً، ويطمئن إلى عدله تعالى ورحمته وهداه. وعندها تستقر مشاعره، ويتوكل على ربه حق التوكل، ويعتمد عليه - سبحانه - في كل شأن من شؤون دنياه، مهما عظم، وفي كل حاجة مهما كانت ماسّةٍ. يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «لو أنَّكم توكّلتُمْ على الله حقَّ توكُّلهِ، لرزقكُم كما يرزُقُ الطيرَ تَغْدُو خِمَاصاً وتَرُوحُ بطاناً»[*] ، وهذا الشعور الوجداني كفيلٌ وحده بأنْ ينأى بالنفس عن الغمّ، والهمّ والقلق، أو أن يقلبها من نفسٍ قلقةٍ إلى نفسٍ مطمئنةٍ، تتفاءل دائماً بالخير، وترتجي الأمان.. والرسول الأكرم يقول: «تفاءَلوا بالخير تجدوه»[*] ؛ ويقول (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «لا طيرةَ، وخيرُها الفألُ»[*] .
وخلاصة القول أنَّ المرض النفسي يأتي نتيجة تفاعلٍ خاطئ، قد يحدث تحت وطأة ضغوط معينة وظروف مؤلمة، قد يتعرَّض لها الشخصُ، ما يؤدي إلى اختلال إدراكه لنفسه ولمحيطه، وإلى اتباعه طرقاً معينة من السلوك ليست قويمة أو مقبولةً من الناس. ولو أتيحت لهذا الشخص أجواء ومناخات أكثر ملاءمة، وأكثر توافقاً لما كان قد وقع تحت وطأة الظروف والملابسات والوقائع والأحداث التي تؤدي إلى إصابته بالمرض.
amitriptylin 75 mg anmeldelsemedicin.site amitriptylin hund



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB