علم النَّفس (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




مجاهدة النفْس

محاسبة النفس أو مجاهدتها هو كالجهاد في سبيل الله تعالى سواء بسواء. بل هو الجهاد الأكبر. يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ *} [العَنكبوت: 69]. ويقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) لأصحابه في عودةٍ لهم من إحدى الغزوات: «انْتهيتُم من الجِهادِ الأصغرِ، وبقيَ عليكُمُ الجهادُ الأكبر» فقالوا: وما الجهادُ الأكبرُ يا رسولَ الله؟! قال (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «هُوَ جِهادُ النفس»[*] .
والجهـاد والمجـاهـدة: معناهما اسـتفراغ الوُسْـع في مدافعـة العَدُوِّ.
والجهاد ثلاثة أنواع: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس. وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحَجّ: 78]. وقولِ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «جَاهِدوا أهواءَكُمْ كَمَا تُجاهِدُونَ أَعداءَكُم»[*] وما يعنينا هنا هو جهاد النفس.
إنَّ مجاهدة النفس عامل هام في تربية الإنسان، وتحسين سلوكه وعلاقاته. قال الإمام الغزالي: «اعلم أنَّ النفس في علاجها كالبدن في علاجه، فكما أنَّ البدن لا يخلق كاملاً، وإنما يكمل بالتربية والتغذية المناسبة، فكذلك النفس تخلق ناقصة، قابلة للكمال، وإنما تكمل بالتربية، والتزكية، وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم». وقال ابن القيِّم: «... رياضة النفس لا تكون إلاَّ بالتعليم والتأديب والتعويد على الفرح والسرور، والصبر والشكر، والإقدام والشجاعة، والعفو والإحسان، وفعل الخيرات.. فلا تزال النفس ترتاض بذلك شيئاً فشيئاً حتى تصير هذه الصفاتُ عاداتٍ راسخةً وملكاتٍ ثابتةً».
ولئن كان مطلوباً من الإنسان تعويدُ نفسه وتدريبها على تلك القيم، وهذا ما يقتضي له الصبر والمجالدة والمجاهدة في كل شيء، إلاَّ أنه تبقى لعوامل الوراثة، وظروف الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه الإنسان، تأثيرها على تمكين الإنسان من مجاهدة نفسه.
وأيّاً تكن العوامل أو المسببات التي تضغط على الإنسان، فإنَّ الدوافع الذاتية هي المعوّل عليه في مجاهدة النفس، ومدِّها بالمناعة التي تقيها الوقوع في الأمراض، والهواجس المضرَّة والخطرة على الصحة النفسية. ولذلك نجد القرآن الكريمَ يولي أهميةً بالغةً للجهد الذي يقوم به الإنسان، انطلاقاً من الاستعدادات التي أودعَها خالقُهُ الكريمُ في نفسه، لقوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا *إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا *} [الإنسَان: 2-3]، وقوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا *قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *} [الشّمس: 7-10] فإذا غلّب الإنسانُ استعدادات الخير في نفسه، أتاه العون من ربه من حيث لا يحتسب، وأمدَّه بالطاقة أو الإمكانية التي تساعده وتقوده في طريق الحق والصواب.
وعلى الإنسان أنْ يعرف نفسه، ليقومَ، بإرادته واختياره، على مجاهدة ما يعتورها من السوء، وإلزامها بتحمل المسؤوليات، والابتعاد عن الانحرافات، بحيث يصبح قادراً على تنمية الأفكار الصحيحة، وتهذيب المشاعرالنبيلة، والسيطرة على الانفعالات والميول والرغبات، وتوجيهها توجيهاً سليماً يتوافق مع منهج الله تعالى، وتكامل الإنسان في حياته. وليس معنى ذلك أن يقهر الإنسان كل شعور أو رغبة أو ميل لديه، بل عليه أنْ يعمل على إشباع غرائزه وحاجاته العضوية باعتدال حتى يكون معافىً في نفسه، سليماً في جسده، سويّاً في سلوكه.
المناعة النفسية
لقد تبيّن من خلال الأبحاث في «علم النفس» أنَّ نظرية «المناعة النفسية»، هي نظرية قائمة على الفرض، وقابلة للاحتمال بين الصح والخطأ. ويقصد بالمناعة النفسية: «قدرة الإنسان على مواجهة الأزمات والكروب، وتحمل الصعوبات والمصائب، ومقاومة ما ينتج منها من أفكار ومشاعر الغضب والسخط والعداوة والانتقام، أو مشاعر اليأس والعجز، والانهزامية والتشاؤم».
وأبحاث علم النفس تشبِّه المناعة النفسية بالمناعة الجسدية، فكما أنَّ المناعة في الجسم تنشِّطه وتقوّيه، وتجعله أكثر قدرة على مقاومة الأمراض واحتمال آلامها، فكذلك المناعة النفسية تحصِّنُ النفس بالعوامل الفكرية والشعورية التي تجعلها ترفض الشرَّ، وتقبل الخير..
وقد قسَّمَ بعض الباحثين المناعة النفسية إلى ثلاثة أنواع:
1 - مناعة نفسية طبيعية: وتكون في الأصل موجودة في تكوين الإنسان النفسي، وما يحمل من عوامل الوراثة وهي التي تمنح المرء، عادةً، مناعة شديدة ضد كل الأفكار والمشاعر التي من شأنها إضعاف النفس وإحباط قواها.
2 - مناعة نفسية مكتسبة: وتأتي من تجارب الإنسان وخبراته ومعارفه، التي تكون بمثابة مقوّيات نفسية من شأنها تنشيط جهاز المناعة النفسي وتقويته. وكلما تعرض الإنسان للمشاكل والعوائق فإنها تكون أكثر فائدة في تنمية قدرته على التحمّل أو مجاهدة النفس، واكتساب خبرات وتجارب جديدة تزيد في متانة المناعة النفسية لديه.
3 - مناعة نفسية مكتسبة صناعياً: وذلك بأنْ يعرّض الإنسانُ نفسَه، بإرادته وطواعيته، لمواقف تثير فيه الاضطرابات أو تبعث لديه الشقاء والقلق، بغيةَ التمكن من السيطرة على انفعالاته النفسية المؤذية أو الجنوحة، واستبدالها بأفكار ومشاعر مفيدة وهادئة.
ومع أنَّ الدوافع والانفعالات غالباً ما تكون خارجة عن فعل الإرادة، إلاَّ أنَّ تغيير الأعمال الإرادية أو تبديلها يمكن أن يؤدي إلى تحسين الأفكار والمشاعر التي لا تقع تحت سيطرة الإرادة. ولذلك يعتبر بعض الباحثين أنَّ عملية «إكساب مناعة نفسية» تعتمد اعتماداً كبيراً على فعل الإرادة، وعلى عزم الإنسان تصحيح طريقته في التفكير، وبذل أقصى ما يستطيعه من جهد لتنمية أفكار السعادة، ومقاومة أفكار الشقاء لديه. لأنَّ غاية الإنسان في هذه الحياة نيل السعادة، والابتعاد عن الشقاء.
وهذه بعض المقوّمات التي تساعد على مجاهدة النفس لاكتساب المناعة النفسية:
1 - تحري الصدق والإقلاع عن الكذب
الصدق والكذب يكونان في القول الذي يتفوَّهُ به الإنسان متى أخبر عن شيء، أو التزم بوعد، أو أدّى شهادةً أو أمانةً، أو كتب مقالاً، أو ألَّف كتاباً، أو لفق شائعة على الإنترنت، أو نشرها بين الناس، فكل ذلك يحتمل الصدق والكذب، ولكنهما أعمّ في الخبر أو الإخبار عن غيره من أصناف الكلام؛ والصدق في الوعد توكيد لصدقية الواعد، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً *} [النِّسَاء: 122]. أي وعدهم الله تعالى ذلك ،وحقَّهُ حقاً مقدساً ثابتاً؛ ومَنْ أصدق من الله - عزَّ وجلَّ - قولاً في وعده لعباده المؤمنين، بما أنزل في قرآنه المجيد من الوعد الحق المبين... وكما أنَّ الصدقَ في الوعد توكيد لصدقية الواعد، فالصدق في التقرير إثبات لحصول الأمر الذي جرى إقراره، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا *} [النِّسَاء: 87]، أي إنَّ الله الواحدَ الأحدَ، قد جعلَ البعثَ أمراً كائناً، ليجمَعَ الناس، من شتى الأماكن التي ماتوا فيها، إلى يوم القيامة، الذي لا ريبَ أنه يومٌ آتٍ حقاً يقينياً، وعندما شاءَ سبحانه هذا الأمر، وأخبرَ عنه في قرآنه فهو الله الذي إن شاءَ كان، وإن لم يشأ لم يكن، ومن أصدق من الله حديثاً في إخباره عن جمعكم أيها البشر إلى يوم القيامة؟! لا أحد أصدق من الله حديثاً لقوم يعقلون..
والصدق في الاصطلاح هو مطابقة العمل والنيّة والمحكي عنه معاً. ومتى فقد أحد هذه الشروط لم يعد صدقاً تاماً، كما لو قال المنافق: «محمدٌ رسولُ الله»، فإنَّ قوله يصحُّ أنْ يكون صدقاً لكون المخبر عنه كذلك، ويصح أن يكون كذباً لمخالفته ما يضمر المنافق في نفسه، وهو عدم الاعتقاد برسالة محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) . قال تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ *} [المنَافِقون: 1].
وقد يستعمل الصدق والكذب في ما يختص بالاعتقاد كقولك: صدق ظني، كذب ظني..
والصدق يظهر في القول وفي العمل معاً. قال تعالى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ} [الأحزَاب: 8] أي ليسألَ الله تعالى يوم الحساب مَنْ صَدَقَ بلسانه عن صدق عمله، تنبيهاً أنه لا يكفي الاعتراف بالحقّ، من دون اقترانه بالعمل. وعلى ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزُّمَر: 33] أي حقَّقَ ما أورده قولاً بما قام به فعلاً؛ قيل: الذي جاء بالصدق، أي بالقرآن، هو محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، وصدَّق به المؤمنون، فهو حجتهم في الدنيا والآخرة، وعن ابن عباس: «الذي جاء بالصدق، وهو قول: «لا إله إلا الله»، هو محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، وصدَّق به وأبلغه للناس هو محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) أيضاً، ولو كان المصدِّق به غيره لقال: والذي جاء بالصدق، والذي صدَّق به؛ وقد تابعه المؤمنون على صدقه فكانوا من الصادقين. وأما قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ *} [الزُّمَر: 32]، أي ليس أشدَّ ظلماً على نفسه، ممن كَذَبَ على الله ونَسَبَ إليه الشريكَ والولد - تعالى الله عمّا يصفون علوّاً كبيراً - وكذَّب بالصدق أي بالتوحيد والقرآن، الذي جاءَهُ ببلاغ محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، فكل الذين ينسبون الشرك إلى الله تعالى، والذين كذَّبوا محمداً فأولئك المكذبون هم الكافرون، وإنَّ في جهنَّم مثوىً للكافرين.
ويعبَّر عن كل فعل فاضل، ظاهراً كان أو باطناً، بالصدق، فيضاف إليه ذلك الفعل الذي يوصف به، نحو قوله تعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ *} [القَمَر: 55]. ولنلتفت إلى توجيه المولى تبارك وتعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، ولأبناء أمته من بعده، لأنْ يدعوا بهذا الدعاء اللطيف الذي يحمل كل معاني الصدق، بقوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} [الإسرَاء: 80]؛ وإلى دعاء أبي الأنبياء إبراهيم (عليه السّلام) الذي يبيّنه قوله تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ *وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ *} [الشُّعَرَاء: 83-84]، إذ في هذا الدعاء نتحرّى صدق إبراهيم (عليه السّلام) أنْ يهبَهُ ربُّهُ تعالى علماً ينتفع به، وأن يجعله صالحاً، ويلحقه في الدار الآخرة بالصالحين، وأن يجعل له من يُثني عليه وعلى صلاحه ثناءً حسناً في هذه الدنيا ممن يأتون بعده إلى يوم القيامة، بحيث إذا أثنى أحدٌ عليه من بعده لم يكن ذلك الثناء كذباً، بل يكون ثناءً صالحاً، كما قال الشاعر:
إذا نحنُ أَثْنَيْنَا عليكَ بِصَالحٍ
فأنتَ الذي نُثْني وفوقَ الذي نُثْني
وصِدْقُ القولِ هو الإخبار، أو الحديث بالحقيقة، ويسمى صدق اللسان. وصدق الفعل هو الإخلاص في العمل بحيث لا يكون أي تناقض بين الظاهر والباطن.
والصِّدِّيق هو من صَدَقَ بقوله واعتقاده، وحقَّقَ صدقَهُ بعمله، قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صَدِّيقًا نَبِيًّا *} [مَريَم: 41].
والصداقة هي صِدْقُ الاعتقاد في المودّة، قال تعالى: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ *وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ *} [الشُّعَرَاء: 100-101].
والشاعر يعرّف الصديق بقوله:
صديقي مَنْ يَرُدُّ الشَّرَّ عنّي
ويَرْمي بالعَدَاوةِ مَنْ رَمَاني
ويحفَظُني إذا ما غِبْتُ عَنْهُ
وأَرْجُوْهُ لِنَائِبَةِ الزَّمانِ
وتحرّي الصدق على هذا النحو هو في صميم التعاليم الإسلامية، بل هو من الفضائل التي دعت إليها جميع الأديان السماوية.. وهو من الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة التي تبعث الاطمئنان في النفس، وتمنح الإنسانَ الكرامةَ في عيشه، والمكانة الرفيعة بين أفراد مجتمعه، ولذلك يهتم المربّون والأهلون، بتعويد أطفالهم الصدق منذ نعومة أظفارهم، حتى يشبُّوا وقد اكتسبوا هذه العادة الفاضلة، بينما الكاذب يزدريه الناس، ويكون ممقوتاً حتى من أقاربه.ولنستمع إلـى وصيَّة والـد لولـده وهـو يقـول لـه: «يـا بـنـيَّ إياكَ والكـذب، فإنَّ الكذّاب إذا قالَ حقاً لم يُصدَّق، وإذا عـمـل خيـراً لـم يوفَّق، فهو الجاني على نفسه بفعاله، والدالُّ على فضيحته بمقاله، فما صحَّ من صِدْقِهِ نُسِبَ إلى غيره، وما صحَّ من كَذِبِ غيره نُسِبَ إليه».
أما في علم النفس، فإنّ المعالجين والأطباء النفسانيين يدعون إلى الصدق في القول والعمل، لأنهم يعتبرونه وسيلة ناجعةً في العلاج النفسي، وفي حال وجوده دليلاً على الصحة النفسية السليمة لدى الصادقين؛ بخلاف الكذب الذي يعتبرونه عاملاً على الوهن النفسي. وهم يعزون الصدق والكذب إلى عمل الإرادة التي تشجع على هذا أو ذاك، بحسب الدوافع والانفعالات والغايات التي يراد تحقيقها.
وقد أثبتت الدراسات المتعلقة بالسلوك أنَّ الصدق يؤدي إلى تخفيف القلق والتوتر، ويزيل الكآبة، بينما يؤدي عدم الصدق، في التعبير عن الانفعالات النفسية، إلى ظهور السِّلِّ والسَّرطان. وتستعمل آلات كشف الكذب لأغراض كثيرة، ومنها معرفة تأثير التغيرات الفيزيولوجية التي يحدثها الكذب على الجسم، وما قد تورث هذه التغيرات من اضطرابات عصبية، وانفعالات نفسية متعددة.
والله تعالى يأمرُ عبادَهُ المؤمنين بأنْ يتقوا غضبَهُ، ويقولوا قولاً سديداً، أي قولاً صواباً ملؤه اليقين والثقة، لأنَّ في ذلك صلاحاً لأعمالهم وغفراناً لذنوبهم. يقولُ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [الأحزَاب: 70-71]. والنبراس في الصادقين هؤلاء الرجال من المؤمنين الذين أوفَوْا بعهد الله تعالى، وصدقوا بما عاهدوه عليه لقوله الجليل: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً *لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا *} [الأحزَاب: 23-24]، فالمؤمنون الذين ثبتوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) على الدين والإيمان، وجاهدوا في سبيل الله حقَّ جهاده، هم الذين صدقوا بما عاهدوا الله عليه، فمنهم من كتب الله له الشهادة، ومنهم من ينتظر الشهادة، وما بدَّلوا شيئاً من العهد الذي أخذوه على أنفسهم لربهم الكريم، ليجزيهم الله على صدقهم بأحسن الجزاء، وهو الفوز بالجنة؛ وليعذّب - بخلافهم - المنافقين الذي تحرَّوا الكذب والخداع في حياتهم، أو يتوبَ عليهم، وقد غلَّب سبحانه غفرانه ورحمته بعباده، لأنَّه هو الغفور الرحيم. والرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) يحدِّثُ عن تأثير الصدق والكذب في النفس، فيقول: «الصدقُ طمأنينةٌ والكذبُ رِيْبَةٌ»[*] . ويحثُّ على الصدق إلى ما يهدي إليه من الخير، فيقول (صلى الله عليه وآله وسلّم): «عليكُمْ بِالصِّدقِ، فإنَّ الصِّدقَ يَهدِي إلى البرِّ، وإنَّ البِرَّ يَهدي إلى الجنّة، وما يزالُ الرجلُ يَصدُقُ، ويَتَحَرَّى الصِدقَ حتى يُكتَبَ عِند الله صدِّيقاً»[*] وقال (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «تحرَّوا الصدقَ وإنْ رأيتُم الهَلَكَة فيه، فإنَّ فيه النَّجاةَ»[*] .
والقاعدة: على الإنسان أنْ يتحرَّى الصدقَ، ويُقلعَ عن الكَذِبِ.
2 - الظن واليقين
أ - الظنُّ:
«الظن هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، ويستعمل في اليقين والشك»[*] . فهو اسم لما يحصل عن علم أو أَمارة، ومتى قويت هذه الأَمارة أدت إلى العلم، ومتى ضعفت جداً، لم يتجاوز ما تدلُّ عليه حدَّ التوهُّم.
ويلاحظ أنَّ القرآن الكريم كان اهتمامه منصبّاً على حث الإنسان على الملاحظة والاستقراء، وتحرّي العلم والمعرفة. وقد كانَ أول الوحي الذي تلقَّاهُ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) من الملك جبريل (عليه السّلام) الآياتِ التي تدلُّ على أهمية العلم والمعرفة في حياة الإنسان، إذ ابتدأت الرسالة الإلهية الخاتمة إلى أهل الأرض بالحث على العلم والتعلّم، وذلك بقوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ *اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكَرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ *} [العَلق: 1-5]. وقد جاءَ في القرآن الكريم التكرارُ الذي يحثّ على التعقل والتدبر، والعلم وما إلى ذلك، من مثل: {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} [يس: 68]، {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ} [النِّسَاء: 82]، {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البَقَرَة: 164]، {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عِمرَان: 118]، {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعرَاف: 176]، {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يُونس: 24]...
وهذا الحث القرآني هو الذي دفع المفكرين المسلمين إلى الإقبال على تحصيل العلوم بعقول نيّرة منفتحة، فأوجدوا من الاجتهادات ما سهّل سبل العيش المتوافق مع الإسلام، وما أوجد من العلوم أنفعَها وأعمَّها. إلاَّ أنه ويا للأسف، لم تستمر هذه النهضة الفكرية الإسلامية، بل راحت عوامل التقهقر تفعل فعلها في عقول المسلمين ونفوسهم، حتى وصل المسلمون إلى العهد الذي فقدوا فيه فكرَهم النافع، أي الفكرَ الذي يستنير بتعاليم ومفاهيم الإسلام التي أشارت إلى بعضها، إشارةً مبدئيةً، آياتُ «سورة العلق».. وذلك الفكر المستنير كان يمكن أن يوصلهم - لو استداموا عليه - إلى اكتشاف الحقائق التي تزخر بها الحياة والكون معاً، أي الحقائق التي تعلي من شأن الإنسان، ورفعة كرامته، وتهديه إلى سبيل العيش الكريم، والطمأنينة النفسية!.. وبمقدار ما ابتعد المسلمون عن الفكر النابع من دينهم، ونهضتهم الفكرية، بمقدار ما أخذَ الغرب علومَهم وسار عليها، أو طوّر العلوم الحياتية المادية، ما جعله ينتقل من ظلمات الجهل التي كان يعيش فيها، إلى نور المعرفة، ويستخدم ما توصل إليه من علوم لإقامة العمران ومظاهر التمدّن.. كما استطاع أن يعدَّ كلَّ أسباب القوة للحفاظ على ما يعتقد أنَّه من مكتسباته، حتى باتت علومه هي التي تسيطر على العالم، وتوجّه الناس إلى ما يخدم مطامعه وأهدافه.
وبالعودة إلى البحث في الظن، نجد أنَّ القرآن الكريم قد اهتمَّ بهذا النوع من الاعتقاد لأجل تفنيده وبيان مؤثراته، فورد الظنُّ في كتاب الله بمعانٍ ثلاثة:
المعنى الأول :هو العلم بغير يقين، والذي لا يُرجَّح صدقُهُ. ومن قبيل ذلك قول الله تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ *} [الأنعَام: 116]. وقوله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً *} [النِّسَاء: 157].
المعنى الثاني : هو العلم بغير يقين، الذي يحتمل الخطأ والصواب. فهو إذاً افتراض يحتاج إلى أدلة لتأييده أو تفنيده. ويكون الظن بهذا المعنى مماثلاً للفرض العلمي الذي يقتضي التمحيص والتحرّي والتجربة حتى يصبح نظرية علمية، تكون بذاتها قابلة للتعديل أو التغيير. ومن الأمثلة على ذلك قول الله تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبيَاء: 87] فقد قيل: الأَوْلى أن يكون ظنُّ النبي يونس (عليه السّلام) من نوع التوهّم، أي ظنَّ أنَّ الله تعالى لن يُضيّق عليه عندما خرج غاضباً من بني قومه، لأنهم لم يستجيبوا لدعوته.
والمعنى الثالث : هو العلم الذي يُرجَّح صدقُهُ، أو العلم مع اليقين بصدقه. ومن أمثلة ذلك قول الله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ *الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيهِ رَاجِعُونَ *} [البَقَرَة: 45-46]. أي الذين يعلمون يقيناً أنهم سوف يموتون ،ويلاقون ربهم بالبعث، وأنهم إليه يرجعون للحساب. وقوله تعالى: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ *} [القِيَامَة: 28] أي أيقن مَنْ هو في ساعة الاحتضار أنه مفارق فراقاً أبدياً للدنيا. وقوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البَقَرَة: 249]، أي قال الذين يوقنون أنَّ الموت حتميٌّ وفيه يلاقون ربهم (وهم طالوت وجنوده) قالوا: كم من جماعةٍ قليلة قد تغلب جماعةً كثيرة إذا شاء الله ذلك، فصبرت على القتال صبرَ المؤمنين الذين يعلمون بأنهم سوف يلاقون النصر لحسن ظنهم بالله، وصدق عزيمتهم على مواجهة أعدائهم، أو سوف ينالون الشهادة، وفيها الفوز في الآخرة.
والظنّ في كثير من الأمور، مذموم. قال الله تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا} [يُونس: 36]، أي وما يتّبع أكثر الناس الذين يعبدون الأصنام إلاَّ وهماً قائماً على اعتقادهم الظنيّ بصدق عبادة آبائهم، وهذا اعتقادٌ مذمومٌ لأنَّ العقل لا يقبله، إذ كيف يَعبدُ مَنْ يعقلون من الناس هياكلَ جامدةً لا تنفع ولا تضرُّ بشيء!. وقال تعالى: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ *} [القَصَص: 39]. أي واستكبر فرعون وجنودُهُ في أرض مصر بغير حق يقوم عليه هذا الاستكبار، الذي كان فيه التعالي على بني إسرائيل واستعبادهم؛ بل وتوهَّم فرعون وجنودُهُ أنْ لا بعثَ ولا نشور، ولا حساب يرجعون فيه إلى الله، علماً بأنَّ عقيدة الفراعنة كانت تقوم على أنَّ هنالك حياة بعد الموت، فكانوا يضعون الحلى والأدوات بجانب الميت، ليستعملها بعد فواقِهِ من مماته، أي كان اعتقادهم يقينياً، وإن لم يكن متيقناً..
الشـك
الشك خلاف اليقين، أي هو مبدأ الريب، كما أنَّ العلم مبدأ اليقين، ويعتبر الشك بأنَّهُ اعتدال النقيضين أو تساويهما بحيث لا يرجح العقل أحدهما على الآخر، نظراً لوجود علامات متساوية عند النقيضين، أو لعدم وجود أية علامة أو دلالة فيهما.
والشك ربما كان في الشيء، هل هو موجود أو غير موجود؟ وربما كان في جنس الشيء أي من أي جنس هو هذا الشيء؛ وربما كان في بعض صفات الشيء، وربما كان في الغرض الذي لأجله أُوجِدَ هذا الشيء.
واشتقاق الشك قد يكون من: شككت الشيء أي خرقته، كقول الشاعر:
وشَكَكْتُ بالرمحِ الأصمِّ ثيابَهُ
ليس الكريمُ على القَنَا بمُحَرَّمِ
والشك نوع من الجهل، وهو أخصُّ منه، لأنَّ الجهل قد يكون عدم العلم بالنقيضين رأساً، ولذلك قيل: إن كل شك جهل، وليس كل جهل شكاً. قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ *} [فُصّلَت: 45]، وهذا دليل على التردّد بين التصديق والتكذيب بالتوراة من أنها أنزلت على موسى (عليه السّلام) ؛ فوقعوا في شك منه مريب، أي لا يقوم على علمٍ ولا هدى، بل على توهمٍ فيه تهمة ومكر.. وقال تعالى: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ *} [الدّخان: 9] أي الكافرون في شك من البعث، جعلهم يلهون في متاع الدنيا، فلا يعدُّون العِدَّة لحسابٍ ينتظرهم بعد البعث..
والفرق بين الشك والريب، أن الشك هو ما استوى فيه اعتقادان، أو لم يستويا، ولكن لم ينتهِ أحدهما إلى درجة الظهور، أي غلبة أحدهما على الآخر؛ في حين أن الريب هو ما لم يبلغ درجة اليقين، وإن ظهر (غلب)؛ ولذلك يقال: شكٌّ مريب، ولا يقال: ريبٌ مشكوك. فالشك إذاً بداية الريب، كما أن العلم بداية اليقين.
الحدس
الحدس في اللغة: الظن والتخمين، والتوهم في معاني الكلام والأمور، والنظر الخفي، والضرب في الأرض على غير هداية، والمضي على غير استقامة، أو على غير طريقة مستمرة..
والحدس، في الاصطلاح، هو سرعة انتقال الذهن، دفعةً واحدةً، للقواعد المرتبة في النفس، من غير قصدٍ واختيار، فيحصل المطلوب.
ب - اليقين:
اليقين هو التصديق الجازم الذي لا يعتريه شكٌّ ولا ريبٌ. فيقال: استيقن وأيقن. قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ *} [الجَاثيَة: 32]، أي وإذا قيل لكم أيها المستكبرون إنَّ وعد الله بالبعث والقيامة أمر مؤكد ويقيني، لا يعتريه أي ريب أو شك، تجاهلتم وأنكرتم معرفتكم بذلك، وقلتم إنَّ الأمرَ عندنا مجرد ظنٍّ، قد يحصل وقد لا يحصل، لأننا لسنا على يقينٍ أنه كائنٌ..
وقال تعالى: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ *} [الذّاريَات: 20] أي وفي الأرض مخلوقات كثيرة، متعددة الأنواع والأجناس ومختلفة الأشكال والألوان، ومتنوعة الخصائص والمسارات، وهي أدلةٌ وبراهينُ للمؤمنين على وحدانية الله تعالى، وأنَّه هو الخالق العظيم.
وقال تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} [النِّسَاء: 157]، أي وما قتلوا عيسى ابن مريم (عليهما السّلام) قتلاً تيقَّنوه، بل إنهم حكموا بذلك تخميناً ووهماً.
واليقين فوق المعرفة والدراية، أي العلم الحاصل عن نظرٍ واستدلالٍ، ولذلك لا يُسمَّى علم الله تعالى يقيناً، بل يُسمَّى «علم اليقين، وعلماً يقينيّاً». والعلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب. ولذلك فإنه ينبغي للعالم إذا أراد الوصول إلى اليقين أنْ ينتقد علمه، أو أنْ يفنّده، وأنْ يحرر نفسه من الأفكار السابقة، وأنْ لا يَقبل أمراً على أنه حق، ما لم يعرف أنه حق فعلاً ببداهة العقل. أي إنَّ على العالم أنْ يتجنّب التسرع، والظن، والفرض عند إعطائه الحكم، وألاَّ يُدخِلَ في أحكامه إلا ما يبدو لعقله واضحاً ومتميزاً إلى درجة تمنعه من وضعه موضع الشك أو الريب.
والقاعدة: على الإنسانِ أَنْ يعتمِدَ اليقينَ في اعتقادِهِ، ويَتَجَنَّبَ كثيراً مِنَ الظَّنِّ في تصوّره.
3 - العفو والانتقام
يقال في اللغة: عفا عن ذنبه يعفو عفواً، أي أعرض عن عقوبته وهو يستحقها. وعفا الله تعالى عن فلان: أي محا ذنوبَهُ، فالعَفْوُ ـ إذاً ـ هو التجافي عن الذنب، أو الإعراض عن العقوبة التي يستحقها المذنب. والعفوُّ هو الكثير العَفْو.
وقد يستعمل «عفا الله عنكم» في ما لم يسبق به ذنب، كما تقول لمن تُجلُّهُ وتعظّمه: «عفا الله عنك ما صنعت في أمري» أي أصلحك الله وأعزَّك.
والعفو هو المعروف، أو الفضل. أو خيار الشيء وأجوده، أو أحلُّ المال وأطيبه. قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البَقَرَة: 219]، فالعفو هنا، الفاضل عن الحاجة، والمعنى: أنفقوا ما تيسر إنفاقه لحاجاتكم، وما فضل عنها فأنفقوه صدقاتٍ وحسناتٍ، في وجوه البر والخير والتقوى.
والانتقام هو عكس العفو. تقول: انتقم الله منه أي عاقبهُ. والمنتقم من أسماء الله الحسنى، ويعني: البالغ في العقوبة.
والعفو والانتقام كلاهما: من المشاعر التي تعبّر عن الحالات التي يواجهها الإنسان في علاقاته مع الآخرين. فقد يتعرض الإنسان للضرب، للإيذاء الماديّ أو للإكراه المعنوي كالإهانة، وما إلى ذلك.. فتتولد لديه مشاعر الكراهية والانتقام، أو مشاعر العفو مع القدرة على الانتقام، أو قد يجد نفسه عاجزاً عن الدفاع أو اتخاذ موقف مواجهة، فتتولد لديه مشاعر القلق أو الإحباط أو القنوط...
والإنسان عندما يحاول الانتقام ممن أساء إليه، فإنَّ النزعة العدوانية، تكون قد غلبت عليه، وانفعال الغضب قد أخذ منه كل مأخذ، فيسلك طريق العدوانية، ويعمد إلى الردّ على الفعل السيئ بمثله، أو ربما بأشدَّ منه، كما يحصل في المجتمعات التي لا تزال عادة الثأر تسيطر على نفوس أبنائها، أو كما هو الحال مع كل إنسان يحسُّ بالضعف أو المهانة، أو الغبن أو المنافسة، وينتظر الفرصة المؤاتية كي ينقضَّ على من يعتبره مسبباً له الضرر أو الأذى. وهذا الانتقام، كما يكون من الأفراد، يكون من الجماعات والدول، ومثاله الفاضح اليوم الحرب الوحشية برّاً وبحراً وجوّاً، وبأثقل الأسلحة الفتاكة وأحدثها، التي شنّتها دولة إسرائيل على دولة لبنان انتقاماً لهزيمتها وإخراجها من لبنان ذليلة عام 2000م.
والانتقام لا يولد مع الإنسان، ولكن الظروف والأحداث الفردية هي التي تغرسه في الأنفس، كما أنَّ للتربية والعادات أثرها أيضاً في توليد الانتقام وإشاعته، ما يجعل آثاره السيئة تطال المجتمع والأفراد على حد سواء.
والإنسان المدرك لا يجعل مشاعر الانتقام تسيطر عليه، وتضعف إرادته، وتذهب برجاحة عقله، بل يحاول، عندما يتعرض لأية إساءة أو أذى، أنْ يكبح جماح غضبه ويمارس كظم غيظه. وهذا لا يتم إلا بعملية إرادية تحوِّل مشاعر الكراهية والانتقام إلى مشاعر الصبر والعفو.
وقد يجد الإنسان في نفسه، عندما يعفو عمَّن أساء إليه، شعوراً بالارتياح أكثر بكثير مما لو استجاب لردّة الفعل العدوانية. وهذا الشعور يقوّي التسامح في نفسه، ويؤمن له مناعة وقدرة على التحكم بهيجان أعصابه. ومن هنا كانت فائدة العفو والتسامح لا تدانيها فائدة، فهي تريح نفس الإنسان، وترفع من مقامه بين أترابه، ويكون عزيزاً محترماً في مجتمعه. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «ما زادَ اللَّهُ عبداً يَعْفُو إلاَّ عِزّاً»[*] .
وما من انتقام في الواقع إلاَّ وكان فيه أذىً لصاحبه بمثل ما يكون فيه أذى لغيره، وما من عَفْوٍ إلاّ وملأ النفس اطمئناناً وأماناً، وكان ناتجاً من تقدير وحكمة بالغين، لأن الحكمة حالة في النفس يتأتّى معها وضع الأمور في نصابها، وإدراك الصواب واتباعه، فهي بذلك خيرٌ كثيرٌ لأنها تنمُّ عن صواب الرأي وسداده وصحة الأمر وصلاحه. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «ليسَ القويُّ بالصُّرَعَة، ولكنَّ القويَّ مَنْ مَلَكَ نفسَهُ عندَ الغَضَب»[*] . ولا يكون للإنسان ذلك إلا إذا كانت لديه القدرة على كبح جماح غضبه، وإسكات صوت الانتقام في داخله، والامتناع عن إلحاق الأذى بالمعتدي ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
ويمكن أن يظهر العفو بحالات ثلاث:
أ - كظم الغيظ:
الغيظ يتأتى عن الغضب، بل قلنا - عند البحث في انفعال الغضب - إنَّ الغيظ هو أشدُّ الغضب الذي ينتج من فوران الدم في القلب لقوة الانفعال من الإساءة التي تولد غضباً وحنقاً وغيظاً، وهنا يأتي تدخل الإرادة لكبت هذه الانفعالات النفسية بما يسميه القرآن الكريم «كظم الغيظ». قال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} [آل عِمرَان: 134]. أي الذين يحبسون مشاعر الغضب في نفوسهم ويحوّلونها إلى مشاعر تحمُّلٍ وتقبُّلٍ للأمر، لأنَّ كظم الغيظ ليس حبساً للغضب في النفس وحسب، بل هو أيضاً منع هذا الغضب من الظهور بطريقة عدوانية، أي إنَّ الإنسان يحسّ بالغيظ والحنق، ولكنه يمنع نفسه من الاستجابة لهما، حتى يهدأ هيجانه، وتذهب عنه سَوْرَةُ غضبه.
ب - الصفح عن الإساءة:
كثيرٌ من الناس يدرك الإساءة، ولكنه يحتملها، لأنَّهُ تكون لديه القدرة على ألاّ يجعلها تؤثر في مشاعره وتثير انفعالاته وتدفعه إلى رد الإساءة بمثلها. لا بل ونجده يسيطر على انفعالاته حتى يهدّىءَ ردَّة الفعل لديه، وكأنَّما يريدُ أن يذيبَ معنى الإساءة التي وُجّهت إليه، ويستبدلَهُ بشعور الهدوء، والعفو، والعزوف عن الانتقام، ولكنَّ ذلك لا يعني أنَّ الإنسان يجب أنْ يتخلَّى عن كرامته، وأنْ يُشعِرَ المسيء بأنه يذلُّ نفسَهُ تجاهه، فهذا غير جائز لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «لا يُحْقِرَنَّ أحدُكُم نفسَهُ»[*] ، بل يتصرَّف بالسلوك الذي يُفهم هذا المسيء أنَّ العفو عنه ليس عن ضعف، بل عن قوةٍ، وحسن خلق، ونصحاً له بعدم العودة إلى الإساءة، لأنَّه قد لا يجد دائماً من يعفو عنه، فيقع في المشاكل!..
ومن الناحية النفسية يعتبر الصفح (وهو ترك التثريب، الذي يعدُّ أبلغ من الصفح) أفضل من كظم الغيظ، ولذلك قال الله تعالى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [البَقَرَة: 109]، فجعل العفو أولاً، ثم الصفح ثانياً، حتى يزيل الأثَرَ الفوري للشعور بالإساءة فلا يصاحبه هيجان أو اضطراب نفسي، باعتباره نوعاً من القبول بالأمر منذ حدوثه، والشعور بضرورة تجاوزه، والتخلص من آثاره.
ج - الإحسان إلى المسيء:
وهنا لا يقف الشعور عند حد تجاوز الإساءة وقبولها وحسب، بل والعمل على التودُّدِ إلى المسيء، وإشعاره بالمحبة، والتقرب إليه. وهذا منتهى العفو، وأعلى المشاعر الإنسانية. ولا يبلغ هذه الدرجة الرفيعة من الإحسان إلاَّ الإنسان المؤمن، عندما تكون نفسه صافية، وقلبه سليماً، وفكره ثاقباً، ما يجعل عوامل الرحمة هي الأساس في المعاملة ابتغاء مرضاة الله تعالى.
وهذا من علاجات النفس التي يدعو إليها الإسلام، لقول الله تعالى: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *} [فُصّلَت: 34]. هذا هو فضل الإسلام في نشر علاقات المحبة والأمان بين الناس، فلا يقبل بردّ السيئة بالسيئة، بل يربّي الإنسان على أنْ يبادر السيئةَ بالحسنة، والشر بالخير، والانتقامَ بالعفو، لأنَّ في ذلك إزالةً للعداوة بين الناس، وتأليفاً للقلوب، توخيّاً لعلاقات المودة، والتعاون على البرّ والتقوى، بدلاً من التعاون على الإِثم والعدوان. والرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) يسألُ الصحابةَ قائلاً: « أَلاَ أنبّئُكُمْ بما يُشرفُ البنيانَ، ويرفعُ الدرجات؟» قالوا: نعم يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «تَحْلَمُ عمَّنْ جَهِلَ عليكَ، وتَعْفُو عمَّن ظَلَمَكَ، وتُعْطي مَنْ حَرَمَكَ، وتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ»[*] .
إنَّها والله نواميس للناس في التعامل، تقرّرها آياتُ القرآن المبين، وأقوال الرسول الكريم، ولو اتُّبعت لشاعَ الأمن والأمان في الربوع، وفي النفوس، ولانتشر التحابُّ والسلام، وسادَ الخيرُ والوفاق دنيا الناس جميعاً.
والقاعدة : على الإنسان أن يتـحلّى بالعفو، ويتخلَّى عن الانتقام.
4 - الصبر والجزع
أ - الصبر:
هو الإمساك في ضيق أو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عمّا يقتضيان حبسها عنها. وقد عرَّفه ابن قيم الجوزية على أنه: «حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش».
والصبر لفظٌ عامٌ قد تختلف معانيه بحسب استعماله، فإنْ كان حبس النفس لمصيبة، سُمِّي صبراً لا غير، ويضادُّه الجزع؛ وإنْ كان قتالاً في معركة حربية سمي ثباتاً أو شجاعة ويضادُّهُ الجُبن؛ وإنْ كان في نائبةٍ مضنية سمي رحابة صدر وضدّهُ الضجر؛ وإنْ كان في إمساك الكلام سمي كتماناً وضدُّهُ البَذْلُ أو الإفشاءُ.
وقد وردت هذه المعاني للصبر في آيات كثيرةٍ من القرآن الكريم؛ ومنها ما بشَّر الله تعالى الصابرين، وأمثالهم من عباده المخلصين بأنَّ لهم أجراً عظيماً، وذلك بقوله عزَّ وجلَّ: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ؛ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *} [الحَجّ: 34-35].
كما وصف الله تعالى أعمال الصابرين في أوقات الشدّة (البأساء والضرّاء وحين القتال) بأنها من البِرّ (أي الأعمال المبرورة)، وجعلهم في عداد الصادقين والمتقين، وذلك بقوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ *} [البَقَرَة: 177].
والبِرُّ إنَّما هو التوسع في فعل الخير، ويُنسب ذلك إلى الله تعالى كما في قوله الكريم: {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [الطُّور: 28]، كما يُنسب إلى العبد، فيقالُ بَرَّ العبدُ ربَّهُ، أي توسَّع في طاعته، فالبِرُّ من الله تعالى الثواب، ومن العبد الطاعة، وذلك ضربان: ضربٌ في الاعتقاد، وضرب في الأعمال، كما تدلُّ عليهما معاني الآية المباركة، إذْ رُوي أنَّه لما سُئِلَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن «البرِّ» تلا قولَ الله تعالى في الآية 177 من سورة البقرة المتقدمة، وهو قولٌ كريم، رحب الآفاق يتضمَّنُ الاعتقاد، وحسنَ الأعمال، والقيام بالفرائض والنوافِلِ.
هذا ويوجِّهُ الحقُّ تبارك وتعالى المؤمنين إلى أنْ يستعينوا على المصائب والأزمات بالصبر والصلاة، لأنه سبحانَهُ يكون معهم في مثل هذه الشدائد، لقوله الكريم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِيْنُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ *} [البَقَرَة: 153]، وهذا التوجيهُ الربانيُّ تكونُ ثمرةُ العمل به البشارة بالجنة، لقوله العزيز: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *} [البَقَرَة: 155-156]، أي وبشّر يا «محمَّدُ» الصابرين الذين إذا أصابهم بلاءٌ، ولم يغيّروا ولم يبدّلوا بشيءٍ من إيمانهم، بل احتسبوا أنفسهم عند الله ربِّهم، لأنهم على يقين بأنَّهم إلى الله راجعون فيجازيهم بالجنة؛ وفي الحديث: «مَنْ استرجَعَ عندَ المصيبة آجَرَهُ الله فيها وأخلَفَ الله عليه خَيْراً». وفيه أنَّ مصباح النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) طُفئ، فاسترجع، أي قال: «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون»، فقالت السيدة عائشة : إنّما هذا مصباح، فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «كلُّ ما أساءَ المؤمِنَ فهو مصيبة»[*] ، وقد أثنى العزيز الحكيم على الصابرين الذين يسترجعون في كل بلاء، بقوله الكريم: {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ *} [البَقَرَة: 157]، أي أولئك المهتدون إلى الحق، والصواب، والخير والفلاح.
أمَّا كيف يوفّى الصابرون أجورَهُم في الآخرة، فيقول الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزُّمَر: 10]، والمعنى أنَّ الصابرين على الطاعات، وعلى الشدائد والبلاءات في الدنيا، يوفَّون أجرَهم «بغير حساب»، بحيث لا يوزن هذا الأجر بميزان الحساب يوم الدين، كما يبيّنه قولُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) الذي رواه العياشي عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السّلام) الذي قال: قالَ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «إذا نُشِرَتِ الدواوينُ ونُصِبَتِ الموازينُ لم يُنْصَبْ لأهلِ البَلاءِ ميزانٌ، ولم يُنْشَرْ لهم ديوانٌ، ثم قرأ: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزُّمَر: 10].
وهذه الآيات القرآنية الكريمة، وغيرها تبيِّن جملةً من معاني الصبر، وتأثيره في نفس الإنسان ولاسيما في ما يرفدُها من قوةٍ على تحمّل المشاق والمصاعب، ومواجهة المشاكل والبلاءات؛ كما تبيّن مزايا الصابرين، وأوصافهم الحميدة، وما يلاقون من الأجر والثواب في آخرتهم.
وبما أنَّ من معاني الصبر «حبس النفس عن الجزع»، فإنه يقتضي معرفة ما هو الجزع؟
ب - الجزع:
أصلُ الجزع قطع الحبل من نصفه، أو انقطاع اللون بتغيّره، ولذلك قيل للخرز المتلوّن: جزعٌ؛ ولتصوّر الانقطاع منه قيل: الجزع هو حُزْنٌ يؤدّي إلى تحوّلٍ في نفس الإنسان ليصرفَهُ عما هو بصدده ويقطعه عنه، ولكنه أبلغ من الحزن. وهذا ما يحسُّ به المستكبرون يومَ الحساب، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} [إبراهيم: 21] وتلك خلاصة المشاعر التي ينتهي إليها أولئك الذين استكبروا في الأرض مع أتباعهم الضعفاء، الذين وقعوا في إغوائهم وفتنتهم فساروا في ركابهم، إذ يقول لهم المستكبرون: سواء علينا أأمسكنا أنفسنا عن الألم والحزن والتعاسة في هذا البلاء العظيم، أم صبرنا وضجرنا فما لنا من مهربٍ أو ملجأ من العذاب...
وأما قول الله تعالى: {إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا *إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا *وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا *} [المعَارج: 19-21] فمعناه أنَّ الإنسان متقلِّب المشاعر في كل الأحوال، فإنْ أصابه فقرٌ كان ضجوراً قليلَ الصبر، وإنْ أصابه غنىً بَخُلَ، وانقطَعَ عن الإنفاق في سبيل الله، وعن العطاءِ والبِرّ للمحتاجين، من شدة خوفه على فقدان المال الذي حازَهُ. وهكذا يتبين لنا أنَّ الصبر هو بخلاف الجزع، ففي الصبر رضا واحتمال وثقة، بينما في الجزع سخط وتذمر وقلق.
وقد أثبتت بعض الدراسات في علم النفس أنَّ ما يصيب الإنسان من انهيار عصبي، أو مرض فيزيولوجي وقت البلاء أو المصيبة لا يكون انهياره أو مرضه من الشدّة التي وقع فيها، بقدر ما هو ناجمٌ عن عدم الصبر عليها، وعدم القدرة على استيعاب آثارها، فيقع في الجزع من شدة ما أصابَهُ.
والمصائب التي قد تحلُّ بالإنسان كثيرة، ومنها على سبيل المثال: فَقْد عزيز، خَسارَة مال كثير، الإصابة بمرضٍ عضال، الفشل في إنجاز عملٍ هامٍ، الإِحباط من ضياع هدف كبير، إلخ...
والإنسان أمام المصيبة إِمَّا قد يجزع ويهلك، وإِما قد يصبر وينجو. فالصبر إذاً عملية نفسية إرادية يتم فيها تحول الأفكار والمشاعر من اليأس والعجز إلى الرضا والتحمل، فتتحول ردة الفعل لديه من اليأس إلى التفاؤل، ومن الخيبة إلى الأمل. وهذا حال المؤمن دائماً الذي أوصاه الله تعالى بالصبر على الشدة لأنها ابتلاء واختبار، مثلما هو الرخاء ابتلاء واختبار له، فالإنسان مبتلى في السرّاء والضرّاء، فعندما يُؤتي الله تعالى عبداً من نعمه، عليه أنْ يعرف حق هذه النعمة ويصبر عليها، فمن أوتي نعمة الصحة فعليه ألاَّ يهدرها بتعريض نفسه للاضطراب، وجسمه للأمراض، ومن نال نعمة الغنى فعليه ألاَّ يبطرَ ويبخل، ومن حاز المنصب والسلطان فعليه ألاَّ يستكبر ويظلم، ولذلك فإنَّ مَنْ يصبر على الشدة، ولم يبطرْ في النعماء، فهو الإنسانُ المؤمن الصابر. عن أنس أنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «إذا أرادَ الله بعبدٍ خيراً عَجَّلَ له العقوبةَ في الدنيا، وإذا أرادَ بعبدٍ شرّاً أمسَكَ عنه بذنبِهِ حتى يُوافَى به يوم القيامة»[*] . وعنه أيضاً أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «إنَّ عِظَمَ الجَزاءِ مع عِظَمِ البَلاء. وإنَّ الله تعالى إذا أحبَّ قوماً ابتلاهم، فمن رضِيَ فله الرضا، ومن سَخَط فله السَّخَط»[*] . وعنه أيضاً أنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «قال الله عزّ وجلّ: وعزّتي وجلالي لا أُخرِجُ أحداً من الدنيا أريدُ أنْ أغفِرَ له حتى أستوفي كلَّ خطيئةٍ في عنقه، بسَقَمٍ في بدنه، وإِقتارٍ في رزقِه»[*] .
ومثل هذه التعاليم الإسلامية حَرِيَّةٌ بتعليم المسلمين الثبات والصبر في البلاء والشدة. وما أكثر النوائب والمتاعب والأعباء في هذه الدنيا، ولكن نفس المؤمن تتقبلها برضا، لأنَّ تصبير النفس على ما تكره، امتثالاً لأمر الله تعالى، فيه استسلام لقضاء الله تعالى وقدره، وشعور بتحمّل البلاء تكفيراً عن الذنوب في الدنيا قبل نيل الثواب في الآخرة. وحال المؤمن دائماً الثقة بربه العزيز، والصبر على ما يحلُّ به سواء أكان خيراً أم ضراً. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «عَجَباً لأمرِ المُؤمِنِ إنَّ أمرَهُ كلَّهُ خيرٌ، وليسَ ذلك لأحدٍ إلاَّ للمؤمنِ: إنْ أصابَتْهُ سرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خيراً له، وإنْ أصابَتْهُ ضرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خيراً له»[*] .
والله سبحانه وتعالى عندما طلب من عباده الصبر والمصابرة، فلكي يدرك الإنسانُ ما وهبه خالقه من طاقات وقوى كامنة فيه. فهو يملك قوة مادية في جسده تختزل جميع وظائفه العضوية، كما يملك قوة نفسية تتمثل بطاقاته الفكرية والشعورية، أما القوة الأهم فهي القوة الروحية التي تتمثل بصدق إيمانه واعتقاده.. وقد حرص الإسلام على جعل القوة الدافعة للإنسان المسلم أكثر من غيرها، قوته الروحية، التي تستجيب لها عادةً قواه المادية والنفسية، ولذلك طلب منه أنْ يصبر ويصابر إزاء المحن والشدائد بحيث لا تُقعده المصيبة، وخاصة إذا كان عمله في سبيل الله تعالى، عن متابعة مسيرته، مثل القرح الذي قد يصيبه في الجهاد؛ كما لا تبطره النعمة، فينسى حقوق الله والعباد فلا يؤدي زكاةً، ولا يتصدقُ بصَدَقة!..
والقاعدة: على الإنسان أن يستعين بالصبر على الشدة، والمصابرة في الجزع.
5 - مجانبة الرياء والإخلاص في النية والعمل
أ - الرياء:
الرياء تظاهر المرء بغير ما يبطن، أي هو إظهار الجميل ليُرى، مع إبطان القبيح.. فهو، إذاً، نوع من المراوغة أو الكذب المبطَّنِ الذي يُظهِرُ فيه المرءُ غيرَ ما يُخفي، ولذلك قيل عن المرائي إنه الذي يموِّه الحقيقة، وقيل: الرياء ترك الإخلاص للهِ عزَّ وجلَّ...
يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [البَقَرَة: 264]. إنه الخطاب الذي ينبِّهُ فيه الله تعالى المؤمنين بألاَّ يبطلوا صدقاتهم الطيبة، بالمنّ والأذى، فالمنّ في نفس الإنسان يعني الاستعلاء الكاذب، والرغبة في إذلال الآخذ، أو الرغبة في لفت أنظار الناس. والمَنُّ على هذا النحو يحوِّل الصدقة أذىً للواهب والآخذ على السواء: أذى للواهب بما يثير في نفسه من كبر وخيلاء، وبما يملأ قلبه من النفاق والرياء، والبعد عن الله... وأذىً للآخذ بما يثير في نفسه من انكسار وانهزام، ومن رد فعل بالحقد والمقت... وعليه، فإن الذي ينفق ماله رياءً، يكون إنفاقه باطلاً، وهو يبطله بيده، بسبب ريائه، وحبه للظهور، والادعاء، مما يبعد عن الإنفاق غايته التي يجب أن تكون مساعدة الإنسان، ومرضاة الله تعالى. والذي ينفق ماله رياءً، وكذباً وادّعاءً، «لا يؤمن بالله واليوم الآخر» فلو كان مؤمناً بالله، لكان أنفق ماله بالنية الخالصة التي يتقرّب فيها إليه سبحانه وتعالى.
والرياءُ لا يبطل الصدقات وحدها، بل وكلَّ وجهٍ من وجوه الإنفاق، يقول تعالى: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً *} [النِّسَاء: 38]. وأهمية هذه الآية الكريمة أنَّها تُظهرُ شدَّةَ تسلُّطِ الشيطان على الذين ينفقون أموالهم رياءً وحباً بالادعاء أمام الناس، وكذلك تسلّطه على الذين لا يؤمنون بالله ولا بالبعث والحساب، فهم جميعاً أولياء الشيطان، يصاحبهم في معتقدهم، وفي أعمالهم، حتى يصيروا مطيةً له في كل شيء، ومن كان الشيطان صاحباً له كهؤلاء، فيا لسوء الصحبة التي تودي إلى الهلاك.. ويستنكر الله سبحانه وتعالى على أولئك المرائين والكافرين بالله وبيوم القيامة ما هم عليه، ليجذب انتباههم إلى أنَّه لا ضرر عليهم فيما لو غيَّروا، وذلك بقوله العزيز: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ} [النِّسَاء: 39].
أما الصورة الحسيّة التي يبرزها القرآن الكريم للبطر والرياء فهي تتجسَّد في خروج المشركين من مكة لقتال المسلمين في ما عرف بواقعة «بدر»، وقد أتينا على ذكرها من قبل، وإنَّما تكتمل الصورة هنا عندما يستوقفنا نهيُ الله عزَّ وجلَّ للمؤمنين، بألاَّ يكونوا مثل أولئك المشركين الذين وصفهم بقوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ *} [الأنفَال: 47]. وذلك أنَّه جاءَ المشركين، لمَّا خرجوا من مكة عن قافلتهم التجارية، رجل من قِبَلِ زعيمهم أبي سفيان، يخبرهم بأنَ العيرَ التي تحمل تجارتهم قد عادَ بها سالمةً، فليرجعوا.. ولكنَّ أحد قادتهم، وكان عمرو بن هشام (أبو جهل)، رفض الرجوع، وهو يقول لهم: «لا والله لا نرجعُ حتى نَرِدَ بدراً، فنقيمَ ثلاثاً، ننحرُ الجزور، ونطعم الطعام، ونشرب الخمر، وتعزف القيان علينا حتى لا تزال العرب تهابنا أبداً»، واستجاب له غالبية الزعماء في قريش، بعدما كانوا قد أعلنوا عن خروجهم بالقيان والعزف على الدفوف، وكل مظاهر البطر، والادعاء والغرور، وبأنهم قادرون على جزر المسلمين، والقضاء على دعوتهم! ولكنَّ الله تعالى كان محيطاً بهم وبما يقولون ويعملون، فلا يفوت من علمه بهم شيءٌ، ولا يعبأ لقوتهم بشيءٍ، فألحق بهم هزيمة الذل والانكسار جزاءَ بطرهم وكبريائهم. ولذلك كان تحذير الله تعالى ألاَّ يكونوا مثل أولئك المشركين في خروجهم بطراً وصنعاً حتى يوهموا الناس بأنهم أقوياء!..
ومن قبيل الرياء المداهنة. يقال: دهن المطرُ الأرض أي بلَّها بللاً يسيراً. ومنه الدُّهن الذي يدهن به الرأس لتليين الشعر وتصفيفه. والإدهان عبارة عن المداراة والملاينة وترك الجدِّ.
قوله تعالى: {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ *} [الواقِعَة: 81].
ومعناه: أفأنتم متهاونون إلى هذا الحدِّ بهذا القرآن الذي يحدثكم عن أمور الدين والدنيا، وتكذّبون بما ينقله لكم عن البعث، والحساب؟ أم أنكم تكذّبون بهذا الحديث من الله تعالى تارةً، وتُليِّنُونَ مواقفكم تارة أخرى، وأنتم تتداورون، وتتمارون فلا تصدّقونه تصديقاً جازماً؟!.. بئس ما أنتم عليه من الرياء والمداهنة..
وتظهر المداهنة أحياناً باللين، وضدُّهُ الخشونة ويستعمل اللين في الأجسام، ثم يستعار للخُلُق وغيره من المعاني. فيقال: فلان ليّنٌ، وفلان خَشِنٌ. وكل واحد منهما يُمدَح به تارة، ويُذمُّ به طوراً، بحسب اختلاف الواقع والمواقع. فهو ليّنُ الخلق أي سمحُ الأخلاق، كريمُها، وهو ليّنٌ أي ضعيف، ففيه مدح وذم. وكذلك الحال بالنسبة للخشونة.
ولقد أتينا على ما يفيد ذمَّ المداهنة، أي الملاينة في التهاون بأمرٍ من أمور الدين وذلك من خلال قوله تعالى: {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ *} [الواقِعَة: 81].
أما اللينُ الممدوح فيبينُهُ قولُ الله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عِمرَان: 159].
أجل، على هذا النحو خاطب ربُّ العزة والجلال رسوله محمداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، أي إنها رحمة الله تعالى التي حفَّت بك يا «محمد» ونالتِ المسلمين، وبهذه الرحمة ترحَّمْتَ، ولنْتَ لهم بخلقك السمح الكريم، حتى ولو خالفوك في بعض الأمر، فقد كنت تبدي لهم اللطف والإيناس، حتى يتبين الحقُّ الذي تدعوهم إليه..
وبالفعل فقد كانت حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) مثالاً حيّاً في الرحمة واللين مع الناس: ما غضب قط لنفسه، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري. وما من أحد عاشره إلاَّ وامتلأ قلبه بحبه، لما كان يتمتع به من خُلُق عظيم، ولما أفاض الله تعالى عليه من مزايا سامية. وهذا كله رحمة من الله تعالى به وبأمته. إذ لو كان فظّاً غليظ القلب ما تألّفت القلوبُ، ولا تجمَّعت المشاعر، حوله، بل ظلوا على الفرقة الجاهلية؛ ولذلك جاءت الآية الكريمة تحمل التوكيد على أنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يكن فظاً، غليظ القلب، بل كان رحوماً، رؤوفاً بما أسبغ الله تعالى عليه من رحمته الواسعة. وفي الحديث: «لن يُدخِلَ الجنةَ أحداً عملُهُ» . قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «ولا أنا إلاَّ أنْ يتغمَّدَنِيَ الله برحمتِهِ»[*] .
وعن الذين يرتجون وعْدَ الله بالجنة، يقول الله تعالى: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزُّمَر: 23]. ويعني بذلك المؤمنين، وما يحصلُ لهم من راحةٍ في الأبدان، واطمئنان في القلوب عند قراءة القرآن، وما جاء به من وعد الله الحق لهم بالفوز في الجنة، نتيجة قبولهم بالحق وإذعانهم له، فاللّين في الجلود والقلوب دليلٌ على الخشية، والخشوع وغيرهما من المشاعر التي يثيرها ذكر الله تعالى في نفوسهم، فيرتاحون، ويأنسون، ويأملون بالفوز العظيم.
ب - الإخلاص في النية والعمل
الإخلاص، لغة، ترك الرياء. أو تخليص القلب من الشوائب المكدرة لصفائه، كأن تقول: أخلص له الحُبَّ.
وقيل: الإخلاص أن لا تطلب لعملك شاهداً غير الله تعالى (لأنه السميع الشهيد)، وأن تصفِّي عملك من الرياء والمداهنة.
والفرق بين الرياء والإخلاص في أداء العمل يكمن في الدافع لإتقان العمل.. فالمرائي لا يقوم بعمله أو يتقنه إلاَّ لأحد أمرين: إما رغبة في التفاخر، والثناء عليه من غيره، وأما خوفاً من العقاب والذم. فإذا أُعطيَ اجتهد، وإذا مُنِعَ تقاعس. وإذا خاف العقاب نشط، وإن أمن منه تراخى. فيكون الرياء عملية نفسية تتضمن أفكار الكذب ومشاعر النفاق، وعدم الثقة بنفسه وبالناس. ولذلك يحتاج المرائي دائماً إلى مراقبة من الغير حتى لا يشتط كثيراً ويؤدي شططه إلى الضرر.
أما المخلص فإنه يقوم بعمله، ويؤدي واجبه من تلقاء نفسه، ومن غير أنْ تكون لديه أفكار مسبقة عن الثواب والعقاب، أو مشاعر من الخوف والأمن: فهو يقوم بعمله لأنه يعطي لأجل العطاء، سواء أكان وحيداً أم كانت عيون الرقباء عليه، لأن غايته الإخلاص. وهذا ما يجعل الإخلاصَ روحَ العمل ومحرِّكَهُ، وسبيل القائم به إلى التفوق والابتكار.
وإنه لمن الشائع في المهن جميعاً، أنْ تكون هنالك رقابة مادية، أو أنْ يعطى العاملون الثقة، وأن يكون ضميرهم المهني وازعاً أخلاقياً في أداء الواجب؛ بل في بعض المهن أو الوظائف، ولاسيما في القضاء، والطب، وكتابة العدل، وتولي بعض المناصب العليا، قد يفرض النظام أن يُقْسِمَ الشخصُ قسماً معيَّناً قبل أن يتسلم مهامه توكيداً لحرصه على أداء مهام منصبه بإخلاص.. وقد يفيد ذلك مع البعض، ولا يفيد مع البعض الآخر، وهو الأكثر بين الناس. ومن هنا كانت تلك المساوئ التي تنتج من التخاذل في العمل، والتي تضر الأفراد والجماعات على حد سواء، حيث لا يوجد الإخلاص التام في الأداء.
وعندما يكون في الإخلاص في النية والعمل - كما في الطاعات - فهذا يعني إلهام النفس الزكية في توافقها مع الفطرة، فلا يحتاج الإنسانُ معها إلى رقابة، لأنَّه يشعر بمراقبة الله تعالى له في كل حين، في السر والعلانية، فيخلص في أداء واجباته، من دون أن يرائي أو يجامل أحداً على حساب دينه ويقينه.. ومتى أخلص الإنسان لله، لخالقه وربِّه تعالى، سرى إخلاصُهُ تلقائياً لعائلته، وأمته، ووطنه، بل وللإنسانية.. وهذا الإخلاص هو نفسه الذي يقرّب الفرد من الجماعة، ويقرّب الجماعة إليه، فتنعكس آثاره في التعامل بين الناس؛ بما يرقّي الإنسان، والحياة من حوله.
والقاعدة : على الإنسان أن ينأى عن الرياء، ويخلص لله تعالى في النية والعمل.
6 - حسنُ الحديث والنهي عن كلام السوء
أ - حسن الحديث:
يقال في اللغة: تحدَّث عن الشيء، وتحدَّث بالشيء، أي تكلَّمَ وأخبرَ؛ وحادثَه محادثةً: كالمَهُ؛ وتحادثوا بالأمر: حدَّث به بعضهم بعضاً. وعلى هذا فكلُّ كلام يبلغُ الإنسانَ من جهة السمع أو الوحي في يقظته أو منامه يقال له حديث.
ويأتي الحديث إمَّا تعبيراً عما يجول في النفس، أو ما يُرادُ به الإخبارُ عن أمرٍ وقع، أو عن تشوّفٍ بحصول أمرٍ معين بالاستناد إلى القرائن والأدلة؛ ويحتمل الحديث أنْ يكون صدقاً، أو كذباً، كما يحتمل أن يكون مجرد رأيٍ لما يراه الإنسان.
وأهمية الحديث أنه لغة التخاطب والتفاهم بين الناس، إذْ به تقوم مختلف العلاقات، والاتفاقات، وبه تجري المداولات والمعاملات.. ومن هنا كانت آثاره الحسنة أو السيئة على الإنسان نفسه، وعلى غيره ممَّن يتأثرون به، وما قد ينجم عن ذلك من صلاح وإصلاحٍ، أو ما قد يشيع من شرٍّ وفسادٍ.. وقد سمَّى الله تعالى كتابَهُ القرآن حديثاً، فقال: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} [الطُّور: 34]، وقال: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} [الجَاثيَة: 6]، أي فبأي حديثٍ بعد حديث الله تعالى، وآياته الدالّة عليه يؤمنون، لا حديث إلاَّ حديث الحقّ تبارك وتعالى لأنه الصدق الذي يعلو كلَّ صدق؛ وصدق الله العلي العظيم بقوله الحقِّ المبين: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النِّسَاء: 87]. ولمَّا كان هذا القرآن فقد وصفَهُ الله تعالى بأنَّه «أحسن الحديث» وذلك بقوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ *} [الزُّمَر: 23].
ومن المواثيق التي أخذها الله تعالى في التوراة على بني إسرائيل، وأثبتها القرآن الكريم أمرُهُ الجلل، بقوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} [البَقَرَة: 83]...
وكذلك فإنَّ من المواثيق التي اختصَّ بها أمةَ محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) قوله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ *} [العَنكبوت: 46]. وقوله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [آل عِمرَان: 64]، وقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النّحل: 125].
بل ويأمرنا ربُّ العالمين بإفشاء السلام، وأول سبله بدء التخاطب بتحية الإسلام والسلام بقوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا *} [النِّسَاء: 86]، فهو سبحانه يحاسب على كل شيءٍ، ومنه التحيّة لما لها من شأنٍ هامٍّ في التواصل الحسن، ونثر رياحين الود والمحبة؛ وفي حديث الحسن (عليه السّلام) أنه قال: «حادِثُوا هذه القلوبَ بذكر الله، فإنَّها سريعةُ الدُّثُور»[*] ، أي اجلوا قلوبكم بذكر الله تعالى، الذي فيه المواعظُ الحسنة، واغسلوا الدرن عنها بالكلام الطيب.
ب - النهي عن كلام السوء:
لعلَّ من المفيد أنْ نذكر هنا أنَّ للحواسّ - ولا سيما الأذن التي نسمع بها، والعين التي نبصر بها، واللسان الذي نتحدث به - أثراً بالغاً في إنتاج الأفكار والأحاسيس والمشاعر، التي غالباً ما تترجم بالأقوال والأفعال، وتعكِسُ الحالات التي يكون عليها الإنسان من الحركة والسكون، والقوة والضعف.
وما يعنينا ههنا هذا «اللسان» الذي نتحدث به، إذ كثيراً ما نغفل عن أهمية دوره في حياتنا، فهو قبل كل شيء أداة «النطق»، الخاصيّة التي يتفرَّدُ بها الإنسان عن سائر مخلوقات الأرض من الطير، والحيوان والجماد. صحيح أنَّ الخالق العظيم قد جعل لكل نوع أو جنس من الكائنات الحية لغةً يتحاكى بها مع أبناء نوعه وحدهم، أو مع أبناء جنسه وحدهم، فلا تفهمها الأنواع والأجناس الأخرى، إلاَّ أنه ميّز الإنسان بقدرته على أنْ يتعلّم، قولاً وكتابةً، لغاتٍ عديدة من لغات الشعوب الأخرى، أو الأجناس الأخرى من بني البشر بما ينعكس إيجاباً على الحياة الإنسانية (كما سنرى بعد قليل)...
ولكي ندرك أهمية «النطق» الذي هو من سماتنا البشرية يكفي أن نستدلَّ على ذلك من القرآن الكريم بثلاثة شواهدَ حيّةٍ:
الأول : أنَّ الخالقَ العظيم عندما خلق الإنسان، كان من مقتضى حكمته السنية تعليمه «النطق» لقوله تعالى: {خَلَقَ الإِنْسَانَ *عَلَّمَهُ الْبَيَانَ *} [الرَّحمن: 3-4]، أي الكلام ، وكذلك فقد أودع فيه خاصية علم ما في الوجود كله، ولكن ضمن الحدود التي يشاءُ سبحانه وتعالى أنْ يبلغها الإنسان، مصداقاً لقوله تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ} [البَقَرَة: 255]، وأول السبل لهذا العلم هو «النطق».. وسوف نتحدث - إنْ شاء الله - عن أهمية النطق في حياتنا، في الفصل الأخير من هذا الكتاب، أي الفصل بعنوان: خيارات ومواقف.
والثاني : أنَّ الله - جلَّ وعَلاَ - يقسم بذاته القدسية إنَّ ما توعدون به يا بني آدم من البعث والثواب والعقاب هو حقيقة ثابتة ومؤكَّدة، مثلما أنكم تنطقون، أي مثلَ هذا النطق الذي تتميزون به، والذي هو حقيقة راهنة في حياتكم كما تعلمونه، يقول تعالى: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ *} [الذّاريَات: 23].
والثالث : أنَّ الله تعالى جعلَ من آياتِهِ العظام التي تدلُّ على قدرته في خلقنا، نحن بني البشر، كثرة هذه اللغات التي تتحدث بها مختلف شعوب الأرض، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ *} [الرُّوم: 22]، إذْ في هذا التعدد والتنوع في اللغات التي تبلغ حوالى (67) لغةً، يتحدَّث بها الناسُ، شواهد حسيّة على قدرته تعالى لذوي العقول وأهل العلم، حيث إنَّ تعلم هذه اللغات هو ما يقرّب الشعوب، ويجعلهم يتعارفون، فيقيمون العلاقات التي من شأنها إغناء العلوم والمعارف، وبالتالي إعمار الأرض، يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحُجرَات: 13]. من هنا كانت قيمة «النطق» في حياة الناس، ليتعارفوا، ويتفاهموا على مختلف شؤونهم وأمورهم وقضاياهم الفردية والمجتمعية والإنسانية.
ونظراً لاختلاف طبائع الناس، فإننا نجد الكلام الذي يصدر عنهم يتّخذ ألواناً مختلفة، منها ما هو إيجابي مثل الصدق، وقول الحق والصواب، وذكر الله تعالى، والشهادة الصادقة، والكلام الذي يمتلئ بالحب، والملاطفة، والإيناس، والأماني الطيبة.. ومنها ما هو سلبي مثل الكذب، والرياء، والنفاق، والمداهنة، وقول الزور، والشتيمة، والاستهزاء، والنميمة، واللغو.. وقد جمع القرآن الكريم كل النعوت للكلام تحت مدلولين اثنين: الكلمة الطيبة، والكلمة الخبيثة.
وقد ضرب الله تعالى المثل عن الكلام الطيب بقوله الكريم: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طِيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ *تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ *} [إبراهيم: 24-25]؛ كما ضرب سبحانه وتعالى المثل عن الكلام الخبيث بقوله عزَّ وجلَّ: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ *} [إبراهيم: 26].
ومن البديهي القول: إنَّ الإنسان المؤمن يتحرّى دائماً الكلمة الطيبة، ولذلك جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) استقامة الإيمان: من استقامة القلب، واستقامة اللسان، والعمل بأركان الدين، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «الإيمانُ معرفةٌ بالقلب، وقولٌ باللسان، وعملٌ بالأركان»[*] .
والكلمة الطيبة نبراسها شهادة أنْ «لا إلهَ إلاَّ الله»، ومن ثَمَّ ذكر الله تعالى، كما في هذا الخطاب السنيّ للمؤمنين، الذي يدعوهم فيه ربُّهُم تعالى إلى الإكثار من ذكرِهِ جلَّ جلاله، وتقديسِهِ، وتمجيدِهِ في كل حين، وذلك بقوله الكريم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا *وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً *هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا *} [الأحزَاب: 41-43].. يا أيها الذين آمنوا، اذكروا الله ربّكم، وأكثروا من ذكره تعالى، بالحمد والثناء والتسبيح الذي هو أهل له، لأنه هو الذي يرحمكم، ويأمر ملائكته بأنْ يستغفروا لكم، ولماذا؟ لأجل أنْ يخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وكان بكم، أيها المؤمنون رحيماً، لا تنقطع رحمته حتى في حال الغفلة عن ذكره، أو الغفلة عن طلب مرضاته.. أما ما ينال الذاكرين - من ذكر وأنثى - من الثواب فهو مغفرة لمعاصيهم، وأجر عظيم على طاعاتهم، يقول المولى تبارك وتعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزَاب: 35].
... وكلُّ وجوه الكلام الطيب الأخرى نجد في القرآن الكريم ما يدلُّ عليها تبعاً لسياق الحديث الذي ترد فيه، وقد قدمنا بعضاً منها في الفقرة السابقة تحت عنوان: «حسن الحديث» لنعود ونبيّن الآن بعضاً من كلام السوء الذي ينضح دائماً بالخبث، ويُحذّر القرآن من عواقبه الوخيمة، ومن قبيل ذلك:
الكـذب
وهذا النوع من الكلام أتينا على آثاره الضَّارة في حياة الناس من قبل، ونشير هنا فقط إلى أنَّ الكذب إنَّما هو افتراءٌ بالقول والفعل، يقول تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [النّحل: 105]، ويقول تعالى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ *مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *} [النّحل: 116-117].
النفـاق
المنافق، في الشرع، هو من سَتَرَ كفره في قلبه، وأظَهَر إيمانَهُ بلسانه؛ بحيث يبتغي المنافقون أنْ يخادعوا الله والمؤمنين، بينما هم في الحقيقة لا يخدعون إلاَّ أنفسهم، ولكنَّ مرض النِّفاق في قلوبهم يجعلهم لا يشعرون بخداع أنفسهم، كما يقول الحقُّ تبارك وتعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ *يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ *فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ *} [البَقَرَة: 8-10]. ويخاطب الله عزَّ وعلا رسولَهُ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) بأنْ يخبر المنافقين أنَّ مصيرهم إلى عذابٍ أليم، بقوله تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا *الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَولِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا *} [النِّسَاء: 138-139]، إنّه قول الله الحق، الذي يمسك بناصية هؤلاء المنافقين - ممّن يظهرون الإسلام زيفاً وخداعاً - ليصفع وجوههم، ويحذرهم من اللهث وراء الكافرين ليتخذوهم عوناً لهم من دون المؤمنين!... ثم ليسألهم: أتريدون العزّة عند أولئك الكافرين؟ لا، فإنَّ العزّة لله تعالى، فمن ابتغى عزَّةً، فليسأل ربَّهُ الكريم أنْ يمنحها له، وهو سبحانه لا يمنحها إلاَّ لأوليائه المؤمنين الصادقين!.. والصورة الحسية التي تجسّد المنافق، هي الصورة التي تظهره على أنه مثل ذئبٍ كاسرٍ ولكن في ثوب حملٍ وديع، لا غاية له إلاَّ خدمة مآربه ونزواته وأغراضه، وقد ينافق لمجرد إيقاع الأذى بغيره، أو لمجرد مسرّة في نفسه لرؤية ضحايا نفاقه يألمون! ويحذر رسولنا الكريم أمته الإسلامية من أصحاب الألسنة الشيطانية التي تذرُّ بنفاقها الفتن بين الناس، فيقول (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «إني لا أتخوَّفُ على أمّتي مؤمناً ولا مشركاً، أما المؤمن فيحجزُهُ إيمانُهُ، وأماَّ المشرِكُ فيقمَعُهُ كفرُهُ، ولكنّي أتخوَّفُ عليكم مُنافِقاً عالِمَ اللسان يقولُ ما تَعرفونَ، ويَعملُ ما تُنكرون»[*] ، ويقول (صلى الله عليه وآله وسلّم): «أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومَنْ كانتْ فيه خِصلةٌ منهنَّ كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدَعَها: إذا أؤتمِنَ خانَ، وإذا حدَّثَ كذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ»[*] .
الاستهزاء والسخرية
يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الإِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *} [الحُجرَات: 11].. فالاستهزاء والسخرية ينمَّان دائماً عن الازدراء والاحتقار، واللَّمْز هوالعيب الذي يفتري به أحدهم على غيره افتراءً، من غير أنْ يكون له أساسٌ من الصحة، أما التنابز بالألقاب فهو تبادلُ الألقاب المكروهة كأن يقول لغيره: يا خبيث، أو يا فاجرُ، أو يا فاسق.. فهذه كلها من السخرية أو الاستهزاء أو الاحتقار الذي ينهى الله تعالى المؤمنين عنه، لأنه لا يجوز أنْ تطلق تلك الألقاب أو الأسماء على أناسٍ مؤمنين، باعتبارها فسقاً، والمؤمن محالٌ أن يكون فاسقاً.. فالذين يعتدون على المؤمنين بشيء من ذلك، ولم يتوبوا بعد هذا النهي من ربهم فأولئك هم الظالمون لأنفسهم، ولغيرهم، وعاقبة الظلم العقاب الشديد!...
بل وينهى الله تعالى المؤمنين عن مجالسة المنافقين والكافرين، الذين يكفرون بآيات القرآن الكريم ويستهزئون بها، حتى لا يكونوا مثلهم، ويكون مصيرهم معهم في جهنم، يقول تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَىءُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا *} [النِّسَاء: 140][*] . ويقول رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «مَنْ كانَ يؤمنُ بالله واليوم الآخرِ فلا يجلسُ على مائدةٍ يُدارُ عليها الخمرُ - وإنَّ مجالسةَ الفُسَّاقِ والمنافقينَ تجعلُكَ مِثْلَهُمْ لقوله تعالى: {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النِّسَاء: 140]».
السباب والشتائم
وهي أيضاً من المظاهر القبيحة والآفات المجتمعية عند كثيرٍ من الناس، إذ يعتادون على سبّ الآخرين وشتمهم لأقل زلةٍ أو خطأ؛ وأحياناً يشتمون بعضهم، وهم يتضاحكون، ويعتبرون هذا مزاحاً، وأحياناً يسبّون معتقدات الآخرين، فيتجرأ الآخرون على سبّ معتقداتهم.. أليس في ذلك كله منتهى الرعونة، بل ومنتهى القصور العقلي؟ ولإِبعاد المسلمين عن مثل هذا الجهل والضلال، فقد نهاهم ربُّهم عن سبّ الأصنام، وكل معتقدات الشرك والكفر حتى لا يتخذ المشركون والكافرون سبابهم ذريعةً فيسبّوا الله - والعياذ بالله - اعتداءً وظلماً، جهلاً منهم بعظمة الله وعزّته، وجبروته - جلَّ ذكره ـ، يقول ربنا تعالى: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعَام: 108]. ويعلّمنا رسولنا الكريم أنْ نبتعد عن السباب حتى لا نستجلبه لأنفسنا، وذلك بقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «ملعونٌ من سبَّ والدَيْهُ» ، قالوا: يا رسول الله، كيف يَسُبُّ الرجلُ والَدْيهُ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «يَسُبُّ أبا الرجل فَيَسُبُّ أباه، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أمَّهُ» . وعن أبي سفيان بن عبد الله قال: قلت يا رسول الله، حدثني بأمرٍ أعتصِمُ به.. فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «قُلْ ربّيَ الله ثُمَّ اسْتَقِمْ» ؛ قلت: يا رسول الله، ما أخوفُ ما تخافُ عليَّ؟ فأشار إلى لسانِهِ وقال: «هذا»[*] .
والسباب والشتائم قد تكون مجلبة للكفر والنفاق، لأنَّ اللسانَ عندما ينزلقُ فقد ينعكس ذلك على الأعضاء كلها، فعن أبي سعيد الخدري، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «إذا أصبَحَ ابنُ آدم فإنَّ الأعضاءً كلَّها تُكفِّرُ اللسانَ، تقولُ: اتَّقِ اللهَ فينا، فإنَّا نحنُ بِكَ، فإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقْمنا، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا»[*] .
التجسس والغيبة
التجسس المقصود هنا هو مراقبة الناس، وملاحقتهم بكشف أخطائهم وعيوبهم بحيث يقوم الجاسوس بإفشاء تلك الأخطاء والعيوب للآخرين، وقد يزيد عليها أو ينقص، تبعاً لأهوائه، وليس من يردعـه، ولاسـيما أنَّ الذين يغتابهـم يكونون غائبين بحيث لا يمكنهم الدفاع عن أنفسهم، وهذا يُعدُّ من أقبح الذنوب التي يرتكبها الإنسان، وقد وصف الله عزَّ وجلَّ المغتابَ بقوله تعالى: {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ *} [القَلَم: 11]، فالهمز هو الاغتياب، وهمزة الشيطان للإنسان دفعه بالإغواء إلى المعاصي، وهمزة الإنسان للإنسان افتضاح أمره. والنميمة هي الوشاية، التي يسعى فيها الهمّاز (المغتاب) لإِيقاع الضرر بغيره، ومثل هذه الوشاية قد تأخذ أبعاداً خطيرة، لأنَّ الغاية منها الإفساد في حياة الناس، ولذلك يتوعَّدُ الحقُّ سبحانه وتعالى الذي يسعى بالغيبة والنميمة بقوله تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ *} [الهُمَزة: 1]. وهذا الصنف من الناس الذي يمشي بالنميمة حرَّم ربُّهُ عليه دخول الجنة لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لا يدخُلُ الجنةَ نمَّامٌ»، وروى مسلم عن ابن مسعود أنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «ألا أُنْبِئُكُمْ ما العَضْه؟ هي النَّميمةُ، القَالَةُ بينَ النَّاس»[*] .
أما كراهية الغيبة، فيُبرز النصُّ القرآني صورةً حسيّةً لها، عندما يشبّه المغتاب مثلَ الذي يأكلُ لحمَ أخيه ميتاً، يقول الله تعالى: {وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحُجرَات: 12].
وقد نقل أبو داود أنَّهُ قيل لابن مسعود: هذا فلانٌ تقطرُ لحيتُهُ خمراً!.. فقال: «إنَّا نُهينا عن التجسس، ولكنْ إنْ يظهرْ لنا شيءٌ نأخذْ به»، وعن مجاهد: «لا تجسَّسُوا، خذوا بما ظهرَ لكم، ودعوا ما سَتَرَ الله تعالى»؛ وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن دجين كاتب عقبة أنَّهُ أخبره بأمرِ جيران يشربون الخمر، فأمره عقبةُ أنْ يعظهم وينهاهم، فلمَّا لم يسمعوا النصحَ، ولم يرعووا، أراد الكاتب أنْ يؤدِّبهَمِ، فقال له عقبةُ: «ويْحَكَ لا تفعلْ! إنّي سمعتُ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «مَنْ سَتَرَ عَورةَ مُؤمِنٍ فكأنَّما استَحْيَا مَوْءُودةً مِنْ قبرِها»[*] .
ويروى أنَّهُ لمَّا اعترف ماعزُ بالزنا هو والغامدية، طلبا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنْ يطهِّرهما بالرجم، فأوقَعَ الحدَّ بهما، وقد كان إصرارهما على الرجم سعياً وراء الآخرة، لعلمهما أنَّ إيقاع الحدود - أي العقوبات - تُطهِّر العاصي من جريرة فعله، كما عهد بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لأمته امتثالاً لأوامر ربِّه جلَّ وعلا.. وسمعَ النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) (أثناء الرجم) رجلين يقول أحدهما للآخر: ألم تَرَ إلى هذا - يعني ماعزَ - الذي سَتَرَ الله عليه، فلم تَدَعْهُ نفسُهُ حتى رُجِمَ رَجْمَ الكلب؟ وأسرَّها النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) في نفسه، وسارَ بالناس، فإذا بجيفةِ حمارٍ ملقاةٍ جانباً، فوقف (صلى الله عليه وآله وسلّم) وقال: «أينَ فلانُ وفلانُ، انزلا فكلاَ من جيفة هذا الحمار، قالا: غفرَ الله لك يا رسولَ الله، وهلْ يُؤكَلُ هذا؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «فلما قُلْتُما من أخيكما آنفاً أشدُّ أَكْلاً منه، والذي نفسي بيده إنَّه الآنَ لفي أنهار طُهْر ينغمِسُ فيها»[*] ، وهذا الموقف من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) للرجلين اللذين اغتابا ماعزَ فيه تبيانٌ واضحٌ لكراهية الغيبة التي قال عنها الله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحُجرَات: 12] والتي نهى عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بقوله: «إيّاكُم والغِيْبَةَ فإنَّ الغيبة أشدُّ من الزِّنَى» ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّ الرجلَ يَزْني ثم يتوبُ فيتوب الله عليه، وإنَّ صاحبَ الغِيبَةِ لا يُغْفَرُ له حتى يَغْفِرَ له صاحِبُه»[*] ، أي الذي وقعت عليه الغيبة.
اللَّغو
اللَّغو، لغةً، هو الإِثم في الحَلَفِ، ومنه قوله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البَقَرَة: 225]، وهو ما يسبقُ إليه اللسانُ من غير قصد الحَلَف، كما لو قال: بلى والله، لا والله.. وهذا اللغو لا إثمَ عليه ولا كفَّارة. واللغو في المفهوم الإسلامي هو من الكلام المنهي عنه؛ بل والقرآنُ الكريم يمدحُ المؤمنين في إعراضهم عن اللغو، وذلك بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ *} [المؤمنون: 1-3]. وقوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ *} [القَصَص: 55]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا *} [الفُرقان: 72]، فاللغو هو نوع من التشدّق بالكلام الذي لا طائل منه إلاَّ التباهي والحذلقة؛ ومن الغريب أنْ تغلبَ على مجالس كثيرٍ في مجتمعاتنا الإسلامية هذه العادة ومن إكثار اللغو للمزاح أو المداعبة، والذي قد ينقلب إلى سوء فهم، وتلاعُنٍ وذمٍّ!... لذلك كان على من ينشدون الإيمان - بل والتهذيب الاجتماعي - أنْ يُعرضوا عن اللغو لأنه منهيٌّ عنه، فإذا صار اللغو عندهم عادةً عليهم أنْ يتخلّصوا من هذه العادة السيئة حفاظاً على دينهم، وكرامتهم، وعدم ازعاج ومضايقة غيرهم.
تلك بعض الوجوه للكلام السيّئ.. لذلك ينهى الله تعالى عن الجهر بالسوء من القول، بقوله تعالى: {لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا *} [النِّسَاء: 148]، فالجهر بالسوء من القول في أية صورةٍ من صوره، قد يكون سهلاً على اللسان، ولكن عندما تشيع مقالة السوء، فإنها تؤدي إلى نوع من الانحلال الخلقي، والفساد المجتمعي.. إضافة إلى أنَّ من يجهر بالكلام السيِّئ، كأنَّما يتعمَّدُ الابتعادَ عن حبّ الله عزَّ وجلَّ له، فويلٌ له من سوء مقالته التي قد تجرّه إلى العذاب الأليم.
ولكن لننظر إلى العدل الإلهي، عندما يقول الله تعالى: {لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ} [النِّسَاء: 148]، فهذه رخصة من ربنا تعالى للمظلوم حتى يفضحَ الظالمَ بظلمه، لعلَّ في ذلك دفعاً لعدوانه عليه، وتنبيهاً لغيره ممن قد يتعرض ذلك الظالمُ لهم، بل وفي هذا تحذير للجماعة الإسلامية حتى تضربَ على يد الظالم، وتريح المجتمع من شروره...
ثم إنَّ الجهر بالكلام السيّئ هو من نزغ الشيطان، الذي يسعى لإشعال الفتنة والعداوة بين الناس.. ولكي لا يستجيب الناسُ لوساوس الشيطان، هذا العدوّ اللعين الذي يلاحقهم ، حتى وهم يحدّثون الحديث، أو يتلفَّظون بالكلم، كان توجيهُ رب العالمين لرسوله الكريم بأنْ يدعو عبادَ الله المؤمنين لأنْ يقولوا أحسن الكلام الذي يبعد عنهم نزغ الشيطان.. يقول ربُّنا تبارك وتعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِيناً *} [الإسرَاء: 53].
هذه نفحاتٌ من خُلُقية القرآن التي تأخذ بيد الإنسان لتربيَهُ تربيةً إيمانيةً من شأنِها أنْ تطهِّرَ نفسه وتخلّصها من الشوائب والمثالب - وهي كثيرة في هذه الحياة الدنيا - فالآيات القرآنية لا تحيط بكل أعمال الإنسان وتجعله مسؤولاً عنها وحسب، بل وتحيط بكل أقواله وتجعله مسؤولاً عنها ايضاً.. فأيُّ كلمة أنتَ قائلها أيُّها الإنسان، وأيُّ لفظةٍ تتفوَّهُ بها، أو كلام يصدر عنك.. كل ذلك أنتَ مسؤولٌ عنه في الدنيا والآخرة.. وإذا أردت أنْ تعلم مقدار هذه المسؤولية، نورد لك الأدلة التالية: يقول الله تعالى: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ *مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ *} [ق: 17-18] فالمتلقّيان هما المَلَكان الموكلان بالإنسان يرافقانه في كل شيءٍ، وهما قاعدان على كتفه اليمين وكتفه الشمال، يحصيان عليه أفعاله وأقواله، فلا يقوم بعمل صغير أو كبير، ولا يتلفّظ بقولٍ حسنٍ أو سيّئ إلاَّ ويحفظان له ما يفعل، وما يقول...
ويقول تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *} [النُّور: 24]، فالألسنة تشهد على ما يقول الناس، والأيدي والأرجل تشهد على ما يعملون، يوم القيامة.
ويقول تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فَاطِر: 10]، فالعزَّةُ لله تعالى وحده، ومَنْ أرادَ من العباد عزَّةً في الدنيا والآخرة فلا ينالُها إلاَّ بطاعة الله عزَّ وعَلاَ، وهو سبحانَهُ يعلَمُ الكلام الطيب فيقبله، ويقبل معه العمل الصالح الذي يقترن به. تلك بعض من الأدلة القرآنية التي تنهى الإنسان عن كلام السوء وتحثه على أحسن القول.
أما السيرة النبوية الشريفة فهي أيضاً حافلةٌ بالأحاديث عن أهمية الكلام واللسان في حياة الإنسان، فعن أبي عبد الرحمن بلال بن الحارث المزني أنَّ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «إنَّ الرجلَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ من رضوان الله تعالى ما كانَ يظنُّ أنْ تبلُغَ ما بَلَغَتْ يكتبُ الله له بها رضوانَهُ إلى يوم القيامة. وإنَّ الرجلَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ من سَخَطِ الله ما كان يظنُّ أنْ تبلُغَ ما بلغَتْ يكتبُ الله له بها سَخَطَهُ إلى يوم يَلقاهُ»[*] .
وقال أيضاً الرسول الأكرمُ: «العينان تزنيانِ واللّسانُ يَزني»[*] .
أجل يا أخي المسلم، إنَّ هذا اللسان قد يقودك إلى النار.. فحذارِ أي كلام تتفوّهُ به قد يؤذي غيرك من الناس، ويجلب لك سخط ربك تعالى.. فأنت محاسبٌ على الجهر بالسوء من القول، على أي شكل صدر عنك، إن لغواً، أو شتيمةً، أو سباباً، أو غيبةً، أو وشايةً، وحتى لو كان مزاحاً، فاحذر!.
واستمع يا أخي المسلم إلى الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم) يبيّن لك مقومات إسلامية لسلامة وجودك الدنيوي، والرجاء بفلاحك في الآخرة:
فعن معاذ بن جبل قال: قلتُ يا رسولَ الله أخبرني بعملٍ يُدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لقد سألتَ عَنْ عظيمٍ، وإنَّهُ ليَسِيرٌ على مَنْ يَسَّرَهُ الله تعالى عليه: تعبُدُ الله لا تشركُ به شيئاً، وتُقيمُ الصلاةَ، وتُؤتي الزكاةَ، وتصومُ رمضانَ، وتحجُّ البيت» ، ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): « أَلاَ أدُلُّكَ على أبوابِ الخير؟ الصومُ جُنَّةٌ، والصَدَقَةُ تُطفئ الخطيئةَ كما يُطفئ الماءُ النارَ، وصلاةُ الرجلِ من جوفِ الليلِ ثم تلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السَّجدَة: 16]؛ ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): « أَلاَ أُخبرَُكَ برأسِ الأمرِ وعَمودِهِ، وسَنامِهِ؟ قلتُ: بلى يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «رأسُ الأمر الإسلامُ، وعمودُهُ الصلاةُ، وذُروةُ سَنامِهِ الجهادُ» ؛ ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): « أَلاَ أُخبرُكَ بملاكِ ذلك كلِّهِ؟» قلتُ: بلى يا رسول الله. فأخذَ بلسانِهِ، ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «كُفَّ عليكَ هذا» ؛ قلتُ يا رسول الله: وإنّا مؤاخذون بما نتكلَّمُ به؟! فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «ثكلتْكَ أمُّكَ، وهَلْ يَكُبَّنَّ الناسَ في النارِ على وجوهِهِم إلاَّ حصائِدُ ألسنتِهِم؟»[*] .. وعن عقبة بن عامر قال: قلتُ يا رسول الله، ما النجاةُ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «أمْسِكْ عليكَ لسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بيتُكَ، وابْكِ على خطيئتِكَ»[*] .
وهكذا يتبين لنا ما للقول السيئ من آثار على حياة الإنسان في الدنيا والآخرة، وكذلك ما للحديث الحسن والكلام الطيب من مزايا إيمانية وخلقية وإنسانية تجعل الإنسان محموداً في دنياه، وراجياً رضوانَ ربه في آخرته.. وأساليب حسن الحديث كثيرة ومتنوعة، نأخذ مثالاً عنها: الإطراء والمجاملة في الحديث، وتأثيره على النفس.
الإطراء والمجاملة
يقال في اللغة: أطرى فلان فلاناً إطراءً أي أحسنَ الثناءَ عليه، وبالَغَ في مدحه؛ وعندما نقولُ: جَامَلَهُ يعني أنه أحسن معامَلتَهُ وعِشْرتَهُ، أي عامَلَهُ بالجميل.. ومن هذه المعاني اللغوية يمكن أنْ نتبيّنَ ما ينشأ عن حسن القول وصدق المعاملة، من علاقات طيبة، يكون لها تأثيرها على نفوسنا. فالحياة التي نعيشُها تطالعنا كل يوم بوجوهٍ كثيرة من الناس، منهم من هو مألوف لدينا، ومعروف نَمَطُهُ وأسلوبه في الحديث أو التعامل، ومنهم من نتعرّف إليه بحكم العمل أو بحكم الحاجة، أو نلتقيه بالصُّدْفة، أو بحكم أي ظرف أو مناسبة دونما معرفة مسبقة، فنسمع حديثهُ ونعاين حركاته وتصرفاته التي توحي أو تدلُّ على طريقة تعامله مع الآخرين.
وغالباً ما تقوم الحياة اليومية على المجاملة التي يمكن أن تعتبر فناً قائماً بذاته، لا يستطيع كل إنسان ممارسته بصورة عفوية، بل كثيراً ما يتطلب التفكير مع سرعة البداهة، أو التأنّي والتروي، لكي تأتي المجاملة دقيقةً، مقبولةً، وفاعلةً من حيث تأثيرها المقصود.
وقد يكون الإنسان مخلصاً، وفيّاً، فيدْفعُهُ وفاؤه للتنويه والإشادة بالإنسان الذي قدّم له الصنيعَ الحسن؛ والألسنة تتداول عادةً بالأعمال أو الأفعال التي يقوم بها الناس، حسنةً كانت أو سيئة، سواء أكانت تختص بالأقربين أو الأبعدين، وذلك لإظهار شدّةِ تأثيرها على الذين قاموا بها، أو لآثارها على غيرهم. يقول الإمام علي كرم الله وجهه: «قولوا للمُحْسِنِ أحْسَنْتَ حتى يزدادَ إحسانُهُ، وقولوا للمُسيءِ أَسَأْتَ حتى يَكُفَّ عن سيّئاتِهِ».
وقد يحاول الإنسان أنْ يجامل غيره، إلاَّ أنَّهُ قد يُسيءُ التصرُّف، أو قد يقع في الخطأ من حيث لا يدري، فيندم على كلمة قالها، أو ضحكة صدرت عنه، أو إشارة لاحت من يده أو طرف عينه. من هنا كانت أهمية الانتباه في المجاملة حتى تحقق الغاية المرجوة منها.
ولعل أفضل مجاملة هي تلك التي تبرز محاسن شخصية الإنسان ومزاياه الفاضلة، سواء جاءت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فالمجاملة المباشرة يكون وقعها في النفس، بما تُريح المعنيَّ بها، إلاَّ أنَّ المجاملة غير المباشرة قد تكون ذات تأثير أقوى.. فبدلاً من أنْ نقول مثلاً لفلان: أنتَ إنسانٌ مخلص في عملك، فإننا ننوِّهُ بالأعمال التي قام بها والتي تدل على إخلاصه، وصدقه، ولاسيما عندما تكون هذه الأعمال ناتجة من تحمل مسؤوليات هامة. فهنا تأتي المجاملة وكأنها أقوى من الثناء وأشد من المديح؛ أو مثلاً عندما نحاول أنْ نبرز خصلةً جميلةً لدى شخصٍ معينٍ من دون أنْ نتحدث عنه بالذات، كأنْ نتحدث عن صدق المؤمن من دون أنْ نقولَ له مباشرة إنَّك صادق.
وللمجاملة آداب يجب مراعاتها، من مثل أنْ يتّصف المجاملُ بالأدب الرفيع، والتهذيب الجمّ، وحسن استعمال الكلام في مواضعه...
ويروى في هذا الصدد أنَّ أحداً من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) سأل حمزةَ عم الرسول: أنتَ أكبرُ أم رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ؟ فأجاب حمزةُ (رضي الله عنه): «إنَّ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) أكبرُ مني، وأنا وُلِدْتُ قبلَهُ».
وآداب المجاملة مطلوبة في رجال حاشية السلطان ولاسيما الملوك، والأمراء، ورؤساء البلاد وقادة المناصب.. فحاشيةُ هؤلاء أو مساعدوهم ومستشاروهم يجب أنْ يتحلَّوا بكثيرٍ من المزايا الحسنة كاللطف، ورحابة الصدر، ورقة الكلمة، وحسن الإجابةِ، أي بما يجعل الناسَ من خلال مجاملاتهم يحمدون أهل السلطة.. ففي مجلس عبد الملك بن مروان، قيل لأحد المقربين منه: أنتَ أطولُ من الأمير! فأجاب على الفور: «لا! الأميرُ أطولُ، وأنا أبسطُ قامةً».
وواضح أنَّ عبارة «أنتَ أطولُ» جاءت من الطُّول أي امتداد القامة، وهو ضد القِصر أما عبارة «الأمير أطول» فجاءت من الطَّوْلَ في القدرة والفضل، وأما قوله «وأنا أبسط» فهي من البسطة، أي إنَّ مزاياه ناتجة من خدمة أميره، وليس مدحاً لنفسه. وهذا ما يعبّر عنه القرآن الكريم عندما يتحدث عن مواصفات طالوت الذي بعثهُ الله تعالى ملكاً على بني إسرائيل، بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البَقَرَة: 247].
والأمثال على ذوي البديهة السريعة والجواب المهذب كثيرة.. يُروى أنه كان لأحد وزراء المعتصم ولد ذكي الفؤاد، مهذب اللسان. سأله المعتصم مرة: أرأيت أحسن من هذا الخاتم؟ ومدّ إصبعه ليريه الخاتم في إصبعه، وكان دقيقَ الصنع ثميناً، على عادة ما يتختّم به السلاطين.. فأجابه ابنُ الوزير، على الفور: نعم، الإصبع التي هو فيها.
وتُروى كذلك عن هذا الولد رواياتٌ غيرُها تدل على سرعة الخاطر، وحسن الأدب في المجالسة.. طاف المعتصم يوماً مع وزيره على دارٍ بُنيت له حديثاً، وهي آية في الفن الرفيع والتكاليف الباهظة. وكان الولد برفقتهما. ثم ذهبوا جميعاً إلى دارةِ الوزير، وهناك سأل المعتصمُ ابنَ وزيره قائلاً: ماذا رأيتَ، دارُنا أحسنُ أم دارُ أبيك؟ فأجاب: ما دام أميرُ المؤمنين هنا، فدارُ أبي أحسنُ.
وهذا ما يثبت أنَّ كل ما يثير الانتباه، ويدلُّ على ميزةٍ أو خصلةٍ في شخصيتنا، أو في شخصية محبَّبة لنا، يصبح مقرباً كثيراً إلى نفوسنا، ويحظى بتقديرنا، وربما بصداقتنا الدائمة.
وتختلف مجاملة الرجل عن مجاملة المرأة، لاختلاف الطباع بينهما. ففي حين يُسرُّ الرجلُ بالحديث عن نجاحه في عمله، أو قوة شخصيته، أو ثباته في مواقفه، فإنَّ المرأة يسرها الحديث عن ذوقها الرفيع في انتقاء ملابسها وحليّها، واختيار الكتب التي تطالعها، أو الأفلام التي تشاهدها، وتصفيفة الشعر التي تناسبها...
والمجاملة الناجحة لا تتناول المألوف، والأسلوب المتعارف عليه، بل تأتي دائماً بالجديد يُطلق على مسامع الشخص الذي نمدح أو نعاشر. فقد يُسرّ هذا الشخص مِمَّنْ يقول له إنه بدا محطَّ الأنظار في ذاك الاحتفال، أو مِمَّن يسأله: لماذا لا تترشح إلى الانتخابات النيابية وعندك هذه الطلاقة في اللسان... وغير ذلك من الملاحظات التي تُشعر بالإطراء أو المجاملة غير المألوفة.
وإذا كانت المجاملة تقرب الناس بعضهم من بعض، وتقوّي العلاقات في ما بينهم، وتوفر أجواءً من اللطف والكياسة، إلاَّ أَنها عندما تصبحُ روتينية أو مبالغاً فيها، فغالباً ما يمجّها الذوق، وتبعث الاشمئزاز في النفس، ولاسيما عندما تنم عن التصنّع، أو عندما تتحول إلى نوع من الخداع أو المداهنة لتحقيق أغراض شخصية. وهذا ما يتقنه عديدون في هذا العصر، أو ما يتخذه أفراد كثيرون للوصول إلى غايات معينة، حتى ولو كان في المجاملة إذلال لكرامتهم.
وتنطبق هذه الحالة على الجماعات، كما تنطبق على الأفراد. فلو تأملنا تلك الفئات التي تداهن الطغاة، أو تجامل الظالمين، أو تطري الكاذبين، لوجدنا أنَّ عددها كثير، وأنَّها تعيش في خداع مع نفسها إرضاءً للآخرين.. هذه الفئات قد تستفيد من مداهنتها التي تجاوز حدَّ الخداع، ولكنها مداهنات تسبِّب الأذى للصادقين والأوفياء. ولعلَّ في مداهنة المتحكمين أو النافذين خير دليل على ذلك. فقد يداهن أعضاء الحكومة في بلدٍ ما، حكاماً في بلد آخر ولو كان ذلك مضراً بمصالح شعب تلك الحكومة، وهذا ما يجعل أصحاب النفوس الزكية يمتلئون غيظاً وينفرون من تصرفات تلك الحكومة التي تجامل وتداهن حكام دولٍ آخرين، ولو على حساب بلادهم، لنيل الحظوة عندهم، حتى ولو كان ذلك أيضاً على حساب العقيدة، أو ضدّ مصالح الأمة.
والحياة ملأى بأمثال هؤلاء المداهنين - كما أشرنا - إذ نجدهم حول الحاكم، أو الوزير، وحول مدير المؤسسة، أو رئيس الشركة، أو صاحب الجاه والثراء إلخ... وغيرهم مما نشاهد في واقع الحياة، حيث باتت الروابط قائمة على المصالح المادية، والعلاقاتُ على الممالأة الكاذبة، والمجاملة الزائفة، وعلى الإطراء الأجوف أكثرَ بكثيرٍ مما تقوم على الروابط الفكرية، والأخوة المخلصة، أو العلاقات الاجتماعية الصادقة، وغيرها من العلاقات الإنسانية.
والقرآن الكريم ينهى عن المداهنة أو عن الإدهان الذي يعني المداراة، والملاينة وترك الجد. يقول الله تعالى: {فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ *وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ *} [القَلَم: 8-9]، أي ودَّ الكفارُ والمشركون لو تلينُ فيلينونَ.. وقد نزل هذا النهي بمثابة تحذيرٍ للرسول الكريم - تأديباً وتربيةً لأمته من بعده - بألاَّ يستمعَ لأقوال المكذبين، وألاّ يُطيعَهم بشيءٍ مما يطرحون عليه!.. فقد كانوا يحاولون ممالأته، لعلَّه يميلُ عن جزءٍ من دينه، فيتَّبعوه.. ومن قبيله أنْ يطردَ الفقراء والمساكين من حوله، حتى يأتوه، ويجالسوه، ويستمعوا إليه.. وغايتهم من وراء ذلك أنْ يحيدوا به عن الدعوة، وعن خط مسارها الصحيح. ومعاذَ الله أنْ يفعل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلّم) شيئاً من ذلك.. ولكنْ هذا، في الحقيقة، ما كان يريده المنافقون والمكذبون في قرارة نفوسهم، إذ كانوا يبتغونَ أنْ يعقدوا صفقات مساومة معه على حساب دينه، كما كانوا يفعلون في الصفقات التجارية وغيرها من صفقات الدنيا؛ دون أنْ يدركوا الفرق الشاسع بين الاعتقاد والصفقة، بين تجارةٍ يبيعُ فيها الإنسانُ نفسَهُ مرضاة لله تعالى، وصفقاتٍ دنيويةٍ لا سعيَ فيها للآخرة!.. فصاحب العقيدة، المؤمنُ بصدق عقيدته، لا يسعُهُ إيمانُهُ أنْ يتخلّى عن شيء منها، لأنَّ التخلي عن القليل من العقيدة كالتخلي عنها بكاملها. فالعقيدة واحدة، متكاملة الأجزاء، لا يطيع فيها صاحبها أحداً، ولا يتخلى عن اليسير منها أبداً، فكيف إذا كانت العقيدة هي الإسلام، وكان الداعية هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ؟ ومع ذلك نزل النهيُ الإلهي ليكون قاعدة إسلامية ثابتة، تتعاطى مع الإنسان في كل الأزمان والأجيال، وفي كل الأمصار والأقطار، وهي تحذّر المسلم من الانصياع للمداهنة، وتدعوه لاتباع الشدّة في أمور دينه، حتى تستقيم حياته، ويكون له الموقف الصادق، والروابط المخلصة في كل شيء، سواء تعلق ذلك بأمر الدين أو بأمر الدنيا.
والقاعدة : على الإنسان أنْ يكون حسنَ الحديث والموعظة، صادقاً غيرَ مداهنٍ.
7 - الإصغاء والاستماع
الصغو هو الميل. يقال: صَغَتِ الشمسُ صَغْواً، أي مالت للغروب. وأصغيتْ إليه: ملتُ بسمعي نحوَه.
وللإصغاء أهميته في حياة الإنسان، وتأثيره القوي في نفسه؛ قال الشاعر:
وتَراهُ يُصْغي للحديثِ بِسَمْعِهِ
وبِقَلْبِهِ ولَعَلَّهُ أَدْرَى بِهِ
ويبين لنا الله تعالى في قرآنه الحكيم، وتحديداً في الآية 112 من سورة الأنعام: كيف أنَّ شياطين الإنس والجنّ يوسوس بعضهم إلى بعض زخرف القول من الباطل والكذب، والرياء، ليغترّوا بأفعالهم.. وكيف أنَّ هذا الزخرف من القول تصغي إليه قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، فيقول تعالى: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ *} [الأنعَام: 113]. فهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة ينجذبون بأفئدتـهـم إلـى مـا يغرّنهم به أبالسة الإنس والجن، حتى يصيروا من الذين مردوا على الكفر والشرك، وتاهوا في غياهب الجهل والضلال. وليس همهم إلاَّ نصبَ العداء لأولياء الله المؤمنين!.. وبعد هذا البيان يأتي وعيدُ الله القوي المتعال، لأولئك الذين تصغي أفئدتهم إلى زخرف القول وغروره، والذين ارتضوه ليكتسبوا ما يكتسبون من الآثام... فكل ذلك بحسبانٍ، وله عقابه!.
وإلى جانب الإصغاء هناك السكوت والإنصات: فالسكوت هو ترك الكلام مع القدرة عليه. ومثله الإنصات، ولكن يفترق عنه بأنَّ الإنصات هو سكوت مع استماع. ومن ضمَّ شفتيه يكون ساكتاً، ولا يكون صامتاً إلاَّ إذا طالت مدة الضَّم.
ومن حيث المعاني الفكرية يعتبر السكوت إمساكاً عن التكلّم، وقول الحق أو الباطل، بينما الصمت هو إمساك عن قول الباطل دون الحق.
وعن الاستماع والإنصات يقول الله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *} [الأعرَاف: 204]. إذ إنَّ الاستماع إلى قرآن الله المبين، والإنصات له قد يجذب حلْوُ كلامه، وطلاوتُهُ ذوي النفوس الصافية للبحث عن معاني الكلام الذي أنصتوا له، وأول ما يحصل من الوقوف على تلك المعاني التمييز بين الحق والباطل، تمهيداً لاتباع الحق وترك الباطل، قولاً وعملاً.. ثم إنه أمرٌ من الله تعالى موجّه إلى الناس، ربهم وخالقهم، يدعوهم إلى الاستماع والإنصات لهذا القرآن عند سماع تلاوته، والميل إليه بأفئدتهم، ومِنْ ثمَّ تدبُّرِ آياتِهِ البيّناتِ، لأنَّ فيها شفاءً ورحمةً للمؤمنين. أجل، إنَّ الجوارحَ إذا ما استمعت لهذا القرآن، وأنصتت القلوبُ إلى معانيه، فلا بدَّ أنْ تتفتَّحَ مداركُها لأنْ تعيَ وتتأثر وتستجيب، فكان ذلك أرجى أنْ يُرحَم الإنسانُ. وإنَّ الآية الواحدة في القرآن لتجعلُ النفسَ - أحياناً كثيرة - تتفاعل مع ألفاظها ومعانيها، بحيث تشعُرُ بالراحة والطمأنينة، وتستجيبُ لدواعي الوعي والمعرفة...
ووفقاً لمنطوق الآية الكريمة فإنَّ أمر الله تعالى لنا بالاستماع إلى القرآن والإنصات إليه لا تقف مدلولاته عند حد الاستماع للتلاوة، بل الانتباه إلى ما في الآيات التي تتلى - وما في هذا القرآن في مجمله وتفصيله، في خصوصه وعمومه - من الحكمة، والموعظة والأحكام، والأدلة والشواهد التي يجب التأنّي حتى يمكن فهمها ومقاصدها ومصاديقها. وأول المقومات لذلك الاستماع إلى القرآن والإنصات إليه لأنه حديث الله تعالى.. فأنت عندما تقرأ القرآن، أو تستمع لتلاوته فأنت تصغي إلى حديث الله جلَّ وعلا، بعقلك وقلبك، وكامل جوارحك حتى تحصل على النفع الذي تتوخاه، والرحمة التي ترجوها.. وإلاَّ ما الفائدة من تلاوة القرآن إذا لم تُصغِ إليه النفوس والأفئدة كما يحصل في كثير من المناسبات عند المسلمين، إذ تجد جمعاً كثيراً في المجلس، وهم يتحادثون، ويتناقشون في ما بينهم، بينما القارئ يتلو آيات الله تعالى، ولا يستمع أو يصغي إلاَّ من يشاءُ أن يكسب رحمة الله - تعالى - وهم قليلٌ!!.. وأعجب من ذلك أنَّ كثيراً من المسلمين يفتحون جهاز التلفزيون أو المذياع ساعة تلاوة القرآن في الصباح، وهم يحرصون على هذا الأمر، ولكن تراهم - في أغلب الأحيان - ينصرفون إلى تدبير شؤونهم الخاصة، دونما استماع أو إنصات. إنها لعادةٌ سليمةٌ ومستحبةٌ أنْ يفتتحَ المسلم نهاره بتلاوة القرآن، بعد أداء فريضة الصلاة وأن يقوم بالتلاوة بنفسه، وإلاَّ فالاستماع إلى تلاوته عبر جهاز التلفزيون أو المذياع، لأنَّ البيت الذي لا يذكر فيه الله تعالى يكون مسرحاً للشياطين.
وينصحنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بتلاوة القرآن الكريم، وتفهم معانيه، فيقول (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «اقْرَأُوا القُرآنَ فإنه يأتي يومَ القيامة شفيعاً لأصحابه»[*] ، ويقول (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «من قَرَأَ حَرْفاً مِنْ كتابِ الله فَلَهُ حسنةٌ، والحسنَةُ بعَشْرِ أمثالِها، لا أقول (ألم) حرف، لكن ألف حرفٌ، ولام حرف، وميم حرف»[*] ، ويقول (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «عليكَ بذكرِ الله وتلاوةِ كتابِ الله، فإنه نورٌ في الأرض، وذكرٌ لَكَ في السَّماء»[*] ، ويقول (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «خيرُ الدواءِ القرآن»[*] .. هذا ما يريد هُ الله تعالى ورسوله الكريم، أنْ تَحفَّنا الرحمة الربانية التي نرتجيها عندما نستمع إلى القرآن الكريم، سماع تدبّر، وعندما نقرأه قراءة فهم واتعاظ.
وقد يظن البعض أنَّ الإنصات أو الإصغاء أمر سهل، لا، ليس الأمر بهذه البساطة التي نتصورها، فقد أثبتت دراسة استغرقت شهرين، جرت في أميركا، تناولت الاتصالات الشخصية لثمانية وستين شخصاً في مختلف الأعمال، أنَّ 75 بالمائة من مواضيع النهار تتم بالاتصال الشفهي، بمعدل 30 بالمئة للحديث، و45 بالمئة للإصغاء والاستماع.. وقد قام أستاذان في إحدى جامعات أميركا طوال سنتين بدراسة وقياس القدرة على الإصغاء لدى الآلاف من التلامذة، كما قاما بدراسة تلك القدرة لدى العشرات من العاملين في حقل التجارة والمهن الحرة، فكان الشخص المتوسط هو «نصف مصغٍ»، حتى عندما يحاول، فإنه لا يحفظ إلا حوالى 50 بالمئة مما يسمعه مباشرة بعد سماعه». ولذلك يقول مدير التدريب في أحد المخازن الأميركية الكبرى: «هذه إحدى الصعوبات الكبيرة التي تعترضنا عندما يتولى البيع موظفون لا خبرة لديهم.. يدخل الشاري فيطلب سترة قياسها 38 بكِمَّيْنِ قصيرَين كتلك التي أبصرها في الواجهة. فيهرع البائع إلى الرف المعين ويتناول سترة قياسها 38، ولكن بكمين طويلين. فيكرر الشاري طلبه مشدداً على الأكمام القصيرة. ويعود البائع ليلبي الطلب.. ومثل هذا التصرّف يكلف مالاً لأنه يهدر الوقت بلا فائدة: وقت الشاري ووقت البائع، عدا ما يسببه من فوضى في رفوف السلع، ومن تكدير الشاري». ويمضي مدير التدريب قائلاً: لذا فنحن في الدروس التي نقدمها نشدد على العبارة التالية: «أصغِ قبل أنْ تتصرفَ».
من هنا تبرز أهمية الإصغاء، من حيث كونه مهارة عقلية، وليس مجرد إنصات أو استماع عابر، من دون أي تفكّر أو جهد عقلي. ولنأخذ مثالاً على ذلك الأستاذ الذي يلقي محاضرته في قاعة الكلية، فقد نجد الطلابَ أمامه مستمعين، ولكن كم عدد من يستوعب منهم ويدرك كل ما يلقيه؟! أجل، كثير من الطلاب، كما أثبتت الدراسات، الذين لا يحسنون الإصغاء، سرعان ما ينفد صبرهم، وتتحول أفكارهم إلى شيء آخر، فإذا حاولوا العودة بانتباه إلى المحاضر فإنَّ معلوماتٍ كثيرةً من الموضوع تكون قد فاتت عليهم، ولذلك يصبح من الصعب عليهم المتابعة. أو قد يصل الحال بهؤلاء، نظراً لانشغال أفكارهم بأشياء أخرى بعيدة كل البعد عن موضوع المحاضرة، أنْ يكونوا حاضرين بأجسامهم في القاعة، بينما أفكارهم في عالم آخر. بل قد يَعتبرُ - عادةً - الذين لا يحسنون الإصغاء أنْ الموضوع جافٌّ، ويكون اهتمامهم به سلبياً، على عكس من يجيدون الإصغاء فإنهم يحاولون أنْ يجدوا في أي موضوع يطرح على مسامعهم شيئاً جديداً يمكن الانتفاع به. ولذلك فإنَّ الذين ينمّون قدرتهم على الإصغاء، يتعلمون كيف يركّزون اهتمامهم على الأفكار الهامة والرئيسية، ومن خلال فهمها واستيعابها تصبح لديهم المقدرة على تذكر التفاصيل ووضعها في أطرها الصحيحة.
والإصغاء قد يبرز بمثابة حاجة ملحَّة في عصر السرعة، عصر الأقمار الصناعية، والإنترنت والتلفزيون، والهاتف، بحيث قد نحتاج عبر وسائل الاتصالات، إلى الاستماع والإِصغاء أكثرَ من حاجتنا إلى التكلم والحديث. وهو ما أشار إليه حكيمٌ: «يا بنيَّ تعلَّمْ حُسْنَ الاستماع، كما تتعلَّمُ حُسْنَ الحديث».
والقاعدة: على الإنسان أن يكون حسنَ الاستماع كثيرَ الإنصات.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB