علم النَّفس (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




البحث الثاني: الأجوَاء والمناخَات

لا شكَّ في أنَّ الحـالات النفسية التي يعيشها الإنسان، ومهما كانت الـدوافع والانفعـالات الكامنة وراءهـا، هي حـالات تظهـر وتتـحرك في ظل الأجواء والمناخات التي تحيط به، والتي يكون لها تأثير مباشر عليه، فهو يضحك مثلاً في أجواء السرور واللـهو، وهو يبكي في أجواء الحزن والتعاسة، بمعنى أنَّ الإنسان يعيش دائماً في ظل أجواءٍ ومناخاتٍ نابعة من واقع الحياة، وهو بقدر ما تتأثر نفسه بالأجواء والمناخات الموجودة، بقدر ما تظهر لديه الانفعالات التي تتبدَّى في سلوكياته وتصرفاته، ومن هنا نرى هذه المتضادات في حياة الناس مثل الضحك والبكاء، اللهو والخشوع، البطر والقناعة، الاستهزاء والجد، الفسوق والعبادة، الفساد والصلاح وما إلى ذلك من المظاهر السلوكية التي تحتاج إلى مصنفّاتٍ لمعرفة آثارها ودوافعها في النفس البشرية..
وقد رأينا عند البحث في الانفعالات ما يحدثه الضحك أو البكاء في النفس من تأثير يظهر على وجه الإنسان أو في تصرفاته. فما مدى تأثير الانفعالات الأخرى في ظل أجواء ومناخات معينة؟! هذا ما يوجّهنا إليه القرآن الكريم في آياته الكريمة، ومن ذلك:
اللهو والمزاح
يقول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ *} [لقمَان: 6]. وفي تفسيره ذهب كثيرون، ومنهم ابن عباس وابن مسعود (كرَّم اللَّه وجهه) ، إلى أنَّ «لهو الحديث هو الغناء، وما يتبعه من آلات اللهو»، إذ كثيرٌ من الناس قد ينفعلون عندما يكونون في مناخات الغناء والطرب، ما يبعدهم عن التفكير الرصين، فيظهرون على حالة من الطيش التي لا تليق بكرامة الإنسان، وخصوصاً إذا رافق اللهوَ والعبث تعاطي المسكرات والمخدرات، بحيث يصبح الجوُّ مشبعاً بكل ما يثير المظاهر الشهوانية، وهذا بطبيعة الحال، ما يبعد الإنسان عن سبيل الله وطاعته.
بل ومن الناس من يكفر بالدين ويعدّه ضرباً من التعاليم الخرافية التي تصرف الناس عن مسايرة الحياة، ومماشاة التقدم والتمدّن!.. فلا يترك مناسبة إلاَّ ويتناول الدين، وما أنزل الله تعالى من آياته مادةً للاستهزاء حتى يضلَّ الناس عن التمسك بإيمانهم الديني، ولكن من غير علمٍ بما في الكتب السماوية من هدى ونور، بحيث يكون الجهل والضلال بحقيقة الدين هما الدافع وراء ذلك كله، فكان من عدل الله - جلَّ جلالُهُ - أن يتوعَّدَ هذا الكافر وأمثاله الذين يضلون الناس عن سبيله القويم بأنْ يكون لهم عذابٌ مهينٌ..
وعن المزاح الذي حاول بعض الصحابة أن يتلهَّوا به يقول الله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ *اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ *} [الحَديد: 16-17].
فقد نزل هذا الذكر الحكيم، كما يقول أكثر المفسّرين، لمّا أكثرَ بعض الصحابة المزاح في أوقات الاسترخاء من أعباء الدعوة وعلى الرغم من أنه كان له بعض مبرّر، إلاَّ أنه ممَّا لا يرضاه الله تعالى لعباده المؤمنين فأنزل من الآيات ما يحمل العتاب على هذه الغفلة التي لا تليق بهم، وما يستدعي هذا العتابُ من إثارة للشعور بعظمة الله والخشوع لذكره، تعالى، وما أُنزل عليهم من القرآن، بدلاً من التلهّي بأمورٍ هزيلةٍ من المزاح أو غيره، لأنَّ الأولى بهم أن تبقى قلوبهم مرتبطة بواجبهم المقدس في صون هذا الدين، والعمل على نصرته، إذ لا يترتب عليه مصيرهم وحدهم، بل مصير الناس كافة، لأنه الدين الذي أراده الله هدى للعالمين..وقد جاءهم هذا العتاب بصيغة الغائب - وليس بالخطاب المباشر - حتى يكون تأثيره في نفوسهم أقوى، وتكون مباشرة أفعاله نابعة من إرادتهم، فيبادروا إلى تغيير مثل هذا السلوك عن قناعة، وبدون أي تباطؤ في الاستجابة للعتاب. وهذا ما نستفيده من الذكر الحكيم في الآيتين المذكورتين آنفاً، أي ما معناه: ألم يَحِنْ للذين آمنوا أن تخشعَ قلوبهم لذكر الله وما نَزل عليهم من القرآن فيجعلوا ذلك جلَّ اهتمامهم، ومقياس إيمانهم، حتى لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل هذا القرآن، من اليهود والنصارى، الذين جرفتهم تيارات الحياة بعدما طال عليهم الزمن الذي جاءتهم فيه رسلهم بالبينات، فلم تعد قلوبهم تلين لذكر الله حتى صار كثير منهم فاسقين؟!
ثم يخاطب الله تعالى المؤمنين مباشرة بعد ذلك العتاب، بموعظةٍ دالّةٍ، وعبرةٍ عظيمةٍ بما يفيد: اعلموا أيها، المؤمنون أنَّ الأمر ليس بيدكم، وأنَّ نفوسكم ليست من صنعكم، فالله تعالى هو الذي خلقكم، وزوّدكم بهذه الجوارح التي تدفعونها إلى المزاح، وقد عرفتم حلاوة الإيمان ونعماءَه، فاعلموا أنَّ الله سبحانه كما يحيي الأرضَ بعد موتها، بإنزال الماء وإنبات النبات، هو قادر على أنْ يفعل بقلوبكم كذلك، فيصرفها عن اللهو، وغيره من متاع الدنيا، ويردُّها إلى الخشوع والطاعة، ولكن يشاء سبحانه أنْ تأتي المبادرة منكم ليكون لكم الأجر على إيمانكم وخشوعكم، وقد جعل سبحانه لكم هذا الإحياءَ للأرض دليلاً في معرض تبيانه الآياتِ الدالةِ على قدرته، لعلكم تعقلون ذلك - ويجب أنْ تعقلوه - فتردعوا أنفسكم عن كل ما قد يلهي أو يبعد عن مناخات العبادة وأجواء الإيمان!...
ويقول عبد الله بن مسعود (رضي اللَّه عنه) في ذلك: «لمَّا أكثر المسلمون المزاح ما كان بين إسلامنا وبين أنْ عاتبنا الله تعالى بهذه الآيات إلاَّ أربع سنين». وهو تحذير متجدّد للمسلمين من الركون إلى أجواء اللهو والمزاح، ومن الاسترخاء في مناخات المتع الزائلة، ونسيان حياة الجد والانضباط، التي يريدها الإسلام صوناً لصلاح الدنيا، وضماناً للفوز في الآخرة.
ووفقاً للمفاهيم الإسلامية لا يعني أنَّ الملاطفة أو الفكاهة - وهما أفضل من تعبير المزاح - كلُّها مباحة، فإنه إنْ كانت خاليةً من حرامٍ أو غيبةٍ أو لَمْزٍ أو هَمْزٍ، أو غير مبالغ فيها، وكان مما يستدعيها الجو المناسب، فلا بأس عندئذٍ ممّا يلطف الجوَّ ويجعله مؤنساً.. وكذلك الأمر بالنسبة للضحك القليل، فإن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان يضحك تجمُّلاً.. ولكنه (صلى الله عليه وآله وسلّم) نهى عن كثرة الضحك لأنها تميت القلب. قال الصحابة: يا رسول الله إنك تداعبنا؟ - أي تلاطفنا - قال (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «إنّي لا أقولُ إلاَّ حقاً» . وروي عن أنس بن مالك (رضي اللَّه عنه) قال: «كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) يخالطنا - بالملاطفة - حتى يقول لأخ لنا صغير: يا أبا عمير ما فعل النُغير؟»[*] . وطلب رجل من النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يحمله على دابة فقال له: «إنا حاملوك على ولد ناقة». فقال: يا رسول الله ما أصنع بولد ناقة؟[*] ، فقال له (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «وهل تَلِدُ الإبلُ إلاَّ النوق؟»[*] .
أما المزاح بالكذب فهو حرام. قال (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «ويلٌ للذي يحدِّثُ بالحديثِ ليُضحِكَ به القومَ، فيكذِبُ، ويلٌ له، ويلٌ له»[*] . وهنالك عادة في بعض البلاد العربية تأتي في هذا السياق وهو ما يعرف «بكذبة نيسان» إذ يعتبرها كثير من الناس «كذبة بيضاء» في حين أنها قد تكون أشنعَ أنواع المزاح، إذ فوق أنها قد تؤذي أحياناً، فهي كذب.. والكذب مذموم مهما كان نوعه أو الغاية منه.
البطر والطرب
يقال في اللغة: بَطَرَ الشيء يبطِرُهُ ويَبْطُرُهُ بَطْراً: إذا شقَّه. وأصل البطـر الشق، ومنه البَيْطار، لأنه يشق نِعال الدابّة بالمبضع ويسمّرها. وبَطِرَ الرجلُ يبطَرُ بَطـراً: إذا دَهِشَ وتَحَيَّرَ في الحق، فلا يراه حقاً. وبطِرَ الشيءَ أي كرِهَهُ، وهو لا يستحق الكراهة. والبَطَرُ: النشاط، والتبختر وشـدة المـرح، وقلة احتمـال النعمة، بل والطغيـان في النعمة.
والبطر - في علم النفس - حالة نفسية من الدهش تعتري الإنسان بحيث يقوم بالتصرف بالنعمة التي أنعمها الله عليه دونما اعتدال او اتِّزان، والتهرب من القيام بحقها، وصرفها إلى غير وجوهها، كما في قول الله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} [القَصَص: 58]. أي كفرت بالنعمة وأسرفت في معيشتها، ولم تشكر الله تعالى على ما آتاها من فضل وبركة، فكان جحودها سبباً في هلاكها. وكثيرة هي القرى التي أنزل الله تعالى بها الهلاك بسبب هذا البطر والإسراف.
وقال تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ *} [الأنفَال: 47].
إنه توجيه وإرشاد للمؤمنين بألاَّ تأخذهم حالة البطر أبداً في حياتهم، لأنها تؤدي بهم إلى ما لا يرضاه الله تعالى، وإلى ما لا يريده سبحانه لعباده المؤمنين. ويعطي الدليل على ذلك ما أصاب قريشاً يوم خرجت إلى بدر {بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ} [الأنفَال: 47] أي خرجت، وقد أخَذَ زعماءَها البطرُ بادّعائهم أنهم لن يرجعوا إلى مكة إلاَّ بعدَ أنْ يجزروا المسلمين جزراً، كما كانوا يعلنون به ويتشدَّقون.. ولذلك حملوا معهم القيانَ، وآلات الطرب، والخمورَ حتى ينصرفوا، بعد انتصارهم على المسلمين، إلى نحر الجزور، والسكر والعربدة، والطرب على ضرب القيان والغناء، وما إلى ذلك من اللهو والمتع، وفي وهمهم أن العرب تتسامع بذلك فترهبهم، وتظل على اعترافها بسيادتهم في الجزيرة، فلا تتّبعُ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) أو تدخل في دينه.
ومن هنا فإن الطرب يقارب البطر، لأنَّه خفة في العقل. وهي حالة أكثر ما تعتري النفس في الفرح، فيقال طَرِبَ الرجلُ يطرَبُ طَرَباً أي فرح، وضدها حَزِن. واستطرَبَ القومُ: اشتدّ طربُهم. والمطرب الذي يَطرَبُ سامعُهُ بحسن صوته وغنائه.
والناس الذين يأخذهم الطرب، يعتبرون ذلك من مباهج الحياة التي تسرّي عن نفوسهم، وتجعلهم يستمتعون بالأصوات الجميلة، والحفلات الموسيقية الرنانة. وحجتهم أنَّ الإنسان لا يجوز أنْ يعيش في أجواء كلها كمد، وجدية، ومصانعة وأنَّ إخلادهم إلى الطرب إنما هو طلب للراحة فوق أنه تعبير عن ذوقٍ وإحساسٍ ينمّان عن حب الموسيقى والاستمتاع بها، أي إنهم يخلطون بين عدة أمورٍ، ولكنَّ ميلهم الحقيقي هو الحفلات الصاخبة.. وهذا يقتضي توضيح مفاهيم الإيقاع والذوق ليصار من ثمَّ إلى تفنيد تلك الادعاءات وإظهار بطلانها..
الإيـقـاع
يقال للإيقاع في اللغة: اتفاق الأصوات وتوقيعها في الغناء. وفي الاصطلاح: اتصاف الحركات والعمليات بالنظام الدوري. أما من حيث الموسيقى فيطلق الإيقاع على نظم حركات الألحان وأزمنتها الصوتية في طرائق موزونة تسمّى أدوار الإيقاع. ويكون الإيقاع عادة مصحوباً بنقرات مختلفة الكم والكيف تدل على بداية اللحن أو نهايته، أو على أماكن الضغط واللين في أجزائه. وهو يختلف باختلاف مراحل اللحن. وما يقال عن الإيقاع الموسيقي، يقال كذلك عن إيقاعات الألفاظ في الشعر والنثر.
الـذوق
حاسة تدرك بها خصائص الطعوم والمشارب من حلوٍ ومالحٍ، ومرٍّ، وحامضٍ، وساخنٍ وباردٍ، وخفيفٍ وحادٍّ ورطبٍ ويابسٍ.. وآلة الذوق الأعصاب الحسية الموجودة في اللسان، وعملها يقالُ له التذّوق؛ والذوق أيضاً قوة إدراكية في النفس: إنْ بإدراكها لطائفَ الكلام ومحاسنه، أو ميلها إلى بعض الأشياء التي تريحها: كتذوق المطالعة، أو الشعر، أو النثر أو الموسيقى.. وإنْ من حيث تقدير القيم الخلقية والفنية والإنسانية...
وللذوق تأثير في نفس الإنسان حتى إنّ البعض يعدّه نوعاً من الطبع، كما لو تقول: فلانٌ من الناس مرهف الذوق، أي رقيق الطبع. والذوق السليم يعبَّر به في القدرة بالحكم على الأشياء حكماً صادقاً ودقيقاً.
هذا من حيث المفاهيم العامة التي تعتبر صحيحة في تفسيرها لحقيقة الفنون مثل الموسيقى، أو تقديرها لبعض الحواس كالذوق..
ولا يعترض أحدٌ على أنَّ للفنون، عامةً، أهميتها في تربية الإنسان وصقل مشاعره، وتهذيب أحاسيسه. كما لا يعترض أحدٌ على أنَّ الله تعالى قد أودع في الإنسان من حسن الصنع وبديع التكوين والتقويم ما يؤهله للاستفادة من خَلْقِهِ، والتنعم بجمال الحياة وآثار الوجود، شرط أنْ يكون ذلك بلا مبالغة ولا إسراف حتى لا يخلَّ بسلامة النفس وصحة الجسد، وإلاَّ أدَّى هذا الإخلال إلى الاضطرابات النفسية والأمراض الجسدية.
ولذلك يجب أن يكون واضحاً أن مختلف المناخات والأجواء التي يعيشها الإنسان إنما تؤثر في النفس البشرية تأثيراً كبيراً. فمثلاً إنْ أراد الإنسانُ أن يُمضيَ بعض الوقت في مناخٍ فيه غناءٌ رصينٌ ومباحٌ، فقد يكون في ذلك ترويحٌ عن النفس، لأنه يبعده عن صخب الحياة وكثرة مشاغلها التي تؤدّي أحياناً كثيرة إلى التعب والإِرهاق، فيكون الترويح عن النفس مفيداً للإنسان كي يعاود نشاطه بهمةٍ أقوى وأشدّ. ولكنْ إذا انقلبت أجواء الغناء والطرب إلى مثل هذا الضجيج والرقص الإباحي، ومظاهر الخلع والخلاعة التي نشاهدها على شاشات التلفزة، أو في بعض الحفلات، وصاحَبَ ذلك تعاطي المنكرات، فإنَّ من شأن ذلك أنْ يثير في الناس الانفعالات التي تجرّ إلى الرذائل، وتدفعهم إلى الشهوات المحرّمة،.. من هنا كان القول بأنَّ أجواء الغناء أو الطرب - في غالبها - إنما توفر المناخات الكافية لإثارة الأحاسيس التي تنتج من المؤثرات الخارجية كالشهوة الجنسية، التي أكثر ما تأتي أسباب إثارتها من الخارج، وأبسط دليل عليه احتضان الرجل للنساء في أجواء تلك الحفلات والسهرات التي أشرنا إليها.. وهذا ما يجعل للجو أو المناخ الذي نتكيّف به، تأثيراً كبيراً على سلوكنا في الحياة. أي كما تتأثر أجسادنا بالأجواء والمناخات التي تعيش فيها من حيث الرطوبة والحرارة، أو البرودة والتدفئة، فكذلك تتأثر نفوسنا بأجواء الميوعة أو الجدّية، أو بأجواء الرعب أو الأمان.. وكل ذلك له تأثيراته على تصرفاتنا..
فحريٌّ بنا نحن المسلمين، أنْ نتحرّى ما تحدثه أماكن اللهو والعبث، وحلبات الرقص والغناء الصاخب من ميوعة في نفوس أبنائنا وبناتنا، حتى ندرك الآثار السيئة عليهم، التي تظهر بمثل هذا الفساد والانفلات من قيمنا الإسلامية - والعياذ بالله - وقد لا نشعر نحن الآباء، أننا نساهم بانتشارها، بطريقة أو أخرى، غير واعين، وربما غير آبهين، لما قد تجره علينا من عواقب وخيمة. ولو أنَّ الدعاة والمروّجين لمثل الوسائل والأساليب التي تشيع الأجواء الصاخبة، وتنشر الأفكار والمفاهيم التي تجعل مناخات المتع واللذائذ تخيِّم فوق رؤوس الناس.. أجل لو أنَّ هؤلاء يفكرون، ويمنعون التفكير بذلك، لظهر لهم جلياً ما جنوه على أولادهم، وعلى غيرهم من الناس في مثل تلك الأجواء والمناخات الانفلاتية!.. فليتهم يعلمون أنَّ استغراق «المهووس» في «هوسه» يشل نشاطه الجسدي والذهني، ويقضي على همته واندفاعه إلى العمل النافع، ويغرق عقله وقلبه في الغفلة!...
وإذا كان الإنسان في الشرق أو الغرب لا يعي ذلك، أو هو يعيه، ولكن أُفْلِتَ الزمام من يده، بعدما ترك لأبنائه «الحرية الشخصية المطلقة» في اختيار السلوك الذي يريدون، فإنما لأنه أراد ألاَّ يعمل بالروادع والزواجر الدينية والخلقية التي جاء بها الإسلام والتي فيها الحكم الصحيح على الحياة باتساقها، وتناغمها، واستقامتها، بحيث تتوافق مع طبيعة الكون بأسره في نظامه واتساقه. فنحن المسلمين لدينا القرآن الكريم، وفيه الآيات البيّنات التي تفتح أبصارنا وبصائرنا على بديع خلق الله في اختلاف الليل والنهار، وتعاقب الفصول والأزمان، وتعاقب حالات النمو والانحلال.. أليس كل ذلك مما يبعث في النفس الإنسانية عوامل النشاط والحركة، واليقظة والسكون، والإقدام والإحجام؟.. ألا يدلّ ذلك دلالة قاطعة على أنَّ هذه النفس مرتبطة بنظام الكون كله، ومتصادقة - لا متصادمة معه - في تسييره إلى غاياته؟! وهل يجوز أنْ نخالف نظام وجودنا، وأنْ نقضي على عوامل نمونا وتكاملنا بإشاعة أجواء ومناخات تغاير معايير فطرتنا، وخصائص تكويننا النفسي والعضوي؟!..
ثم إننا نسأل ونتساءل: هل نريد لأجيالنا الإسلامية أنْ تعيش في أجواء ومناخاتٍ غير إسلامية، أم أنْ تعيش الأجواء والمناخات الإسلامية التي توفر لها العلاج النفسي بالتقوى وأداء العبادات، التي تحقق للإنسان المسلم أمانَهُ النفسي؟
أسئلة تطرحُ على الحركات الإسلامية، التي تدّعي - اليوم - العمل للصحوة الإسلامية:
هل لديها البرامج ووسائل الثقافة التي من شأنها أن تربي أبناء المسلمين تربية إسلامية وفقاً للكتاب والسنة؟
هل أدركت أسباب الضعف لدى المسلمين، وأعدَّت الوسائل والسبل للقضاء على تلك الأسباب؟
هل فكَّرت بأن كثرة المحاور الحركية التي تنتمي إليها هي عوامل ضعف لا عوامل قوة؟
هل فتحت أعينَها - وقبل أي عمل آخر - على توحيد كلمة المسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها، على قضاياهم المصيرية؟
هل تعلم بأن أعداء الإسلام والمسلمين يجنّدون الجيوش الخفيّة، في مختلف الميادين الفكرية والعملانية، ويخصّصون الأموال الطائلة في سبيل غرضٍ واحدٍ، هو بذر الفتنة بين السنة والشيعة - بشكل خاص - لأنهم وجدوا في هذه الفتنة - وما تجرُّ إليه - «السبيلَ الأمثل» لضرب الإسلام والمسلمين؟! ولا نقول ذلك جزافاً، بل الواقع يصدّق هذه الفتنة، والمسلون سنةً وشيعةً - يسيرون في بعض البلاد الإسلامية، في ركاب هذه الفتنة القاتلة، خلافاً لأوامر الله تعالى، ورسوله الكريم، وخلافاً لهذا الدين الذي يؤدون فرائضه وأحكامه، ثم يجعلونها وراءَ ظهورهم ساعة يقبلون بأنْ يفتنهم أعداؤهم عن دينهم، وساعة ينفّذون هذه الفتنة بأيديهم؟!!!..
إننا نتضرع إلى الله تعالى أن يهدي الحركات الإسلامية كافة، ومن بعدها حكامنا وولاة أمورنا، أن يغلّبوا - جميعاً - رضى الله عزَّ وجلَّ على أي شيءٍ آخر، وبذلك تكون الصحوة الإسلامية قد ولجت البابَ إلى العمل لإنهاض الأمة الإسلامية من غفلتها، لأنَّ في نهضتها تتحقَّق العودة إلى إسلامنا الحق، فنربح أنفسنا، وقد يتأتَّى لنا أنْ نجعل الآخرين يربحون أنفسهم!..

amantadin cena amantadin biverkningar amantadin nedir



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB