علم النَّفس (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




الفصل الرابع عشر - البحث الأوّل: الظروف والملابسَات

إنَّ من أهمِّ المقوّماتِ، لصِحَّةِ النّفْس أو مَرَضِها، ما تعيشُ فيه من المناخاتِ والأجواءِ، بما فيها الظروفُ والملابساتُ، والأحداثُ والوقائع. وهذه لمحةٌ موجزةٌ عن كلٍّ منها وفقاً للمفاهيمِ الإسلامية.
الظـرف
الظرف في اللغة: الوعاء، وكل ما يستقر غيره فيه؛ ومنه ظرف الزمان وظرف المكان عند النحاة. والظرف: الحال (جمعه ظروف). والظرفية هي حلول الشيء في غيره حقيقةً، مثل حلول الشراب في الكأس، ومجازاً، مثل النجاة في الصدق.
والظرف في الاصطلاح: هو الفرصة المناسبة لحدوث الشيء. ويمكن للإنسان أن يوجد ظرفاً، أي وضعاً مناسباً له، ويمكن أن يقع عليه ظرف مناسب فيستفيد من أوضاعه، أو ظرف غير مناسب فيتضرر منه.
والقرآن الكريم من بين أهدافه السامية معالجة الأوضاع التي تحيط بالإنسان أو تقع عليه. فمثلاً لو ساءت أحوال المرء الصحية وخاف على حاضره وغده، فإنَّه يفقد الطمأنينة، ويستبدّ به القلق، ولكنَّ إيمانَهُ القوي بربه سبحانه وتعالى يجعله يستيقن أنَّ له مصيراً محتوماً لا يمكنه تبديله أو تغييره بإرادته، بل بما يشاء الله تعالى. أي إنَّ هذا الاطمئنان لدى المؤمن هو الذي جعله يعتبر أنَّ تغيّر ظروفه الصحية لن يغيّر شيئاً من مصيره، أو من الأجل المكتوب له، وكذلك الأمر بالنسبة لسائر الظروف من حوله، بحيث لا يجعل القلق خلالها هو الذي يغلب عليه، ولا يجعل للأمراض سبيلاً للنيل منه حتى تذهب برجائه وأمله أن يكون من الصابرين، المهتدين ومن الذين آمنوا بما نُزّل على محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، وهو الحق من ربهم، يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ *} [محَمَّد: 2].
{وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} [محَمَّد: 2]... لأنَّ إصلاح البال هبة ربانيّةٌ لا يعلم قيمة قدرها إلاَّ من ربط على قلبه بالإِيمان، وعلى حياته بالعمل الصالح. وإذا صلح البال، استقام الشعور والتفكير، واطمأن القلب والضمير، وارتاحت المشاعر والأعصاب، ورضيت النفس واستمتعت بالأمن والأمان.
الملابسات
اللَّبس هو ستر الشيء. يقال لبَسْتُ عليه أمره، أي خلطت عليه الأمر حتى لا يعرف جهته. وألبست القوم لبْساً، إذا جعلت الأمر يُشْكِلُ عليهم.
ومعنى اللبس، في حياة الإنسان الداخلية: منع النفس من إدراك الشيء بما هو على حقيقته، كالستر له. والالتباس هو الإبهام والاشتباه والخلط بين الأشياء. قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ *} [الأنعَام: 82]. والمعنى: أنَّ المؤمنين، الصادقين في إيمانهم، الذين لم يخلطوا إيمانَهم بظلمٍ على شتى أشكاله، أولئك لهم الأمان النفسي، وهم مهتدون من ربهم.
وعندما نزلت هذه الآية الكريمة قال الصحابة: «يا رسول الله أيّنا لا يظلم نفسه؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلّم) : إنه ليس الذي تعنون. ألم تسمعوا ما قال العبد الصالحُ لقمانُ لابنه وهو يعظه، بقول الحق: {يَابُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمَان: 13]، إنه الشرك».
وقال الله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ *} [الأنعَام: 9]، والمقصود في هذه الآية الكريمة إظهارُ ما كانَ المشركون يلحّون فيه على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، وهو أن يُنزلَ الله عليه مَلَكاً يصدّقه بالنبوة {وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} [الأنعَام: 8].. وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يجهَرُ لأن يثنيَ أولئك المشركين عن تفكيرهم، وهو يبيّن لهم أنَّ الملائكة خلقٌ آخرُ غيرُ بني آدم، جُبلوا على طبيعةٍ معيّنة لا يعلمها إلاَّ الله خالقهم، وقد أشار القرآنُ الكريم إلى بعضٍ من خصائص طبيعية خلقهم بأنهم ذوو أجنحة، وأنهم يمكن أن يتحوَّلوا إلى هيئة الآدميين، كالملك جبرائيل (عليه السّلام) أمين الوحي إلى الأنبياء والمرسلين، وكالملائكة الذين أرسلهم الله تعالى إلى إبراهيم (عليه السّلام) بالبشرى، ثم ذهبوا إلى لوطٍ (عليه السّلام) ، فأخرجوه وبناته الطاهرات من قرى قوم لوط، ثم جعلوا أعاليها أسافلها وأهلكوا القوم المفسدين.. أما ما عدا تلك الحالات التي كانوا يتحوّلون فيها إلى هيئة البشر، لتنفيذ مهامَّ موكولةٍ إليهم من ربهم، فإنَّ القرآن الكريم يبيّن في أكثر من آيةٍ أنَّ الملائكة يعيشون في السماء، وأنهم لا يعصون الله تعالى ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.. ولو شاء الله عزَّ وجلَّ أنْ يرسل مَلَكاً يصدق رسوله محمداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) في دعوته لظهَرَ ذلك الملك للناس على صورة رجل - لا على صورته الملائكية - ولالتبس الأمر عليهم، إذ كيف يكون هذا مَلَكٌ من الملائكة وهو إنسانٌ مثلهم؟! أضف إلى ذلك أنه لا قدرة للبشر على رؤية الملائكة، إلاَّ الأنبياء والمرسلين، وفي حالاتٍ خاصةٍ، كما أشرنا إلى ذلك، ومن هنا كان الاشتباهُ الذي سوف يحصل للمشركين من جديد، لأنهم لو أرادوا الحقيقة لذاتها، فقد بيّنها لهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) الذي عرفوه حق المعرفة بصدقه، وهو يقول لهم: لقد أرسلني الله ربي وربُّكم، وربُّ آبائكم الأولين، بشيراً ونذيراً، بل ورحمةً مهداة للعالمين، فإذا كنتم لا تصدقونني، وقد اشتبه الأمر عليكم من بعثي نبياً ورسولاً، فكيف يكون اللبس إذا جاءكم ملك - في صورة رجل - لا تعرفونه ثم يقول لكم: أنا ملاك أرسلني الله تعالى لأصدّق رسوله؟!
أجل، لن يصدقوه وهم يرونه رجلاً كأيّ منهم!. فإذا كانوا يلبسون على أنفسهم الحقيقة البسيطة، وهي التصديق ببعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، فكيف الأمرُ إذا ما أرسل الله تعالى مَلَكاً رجلاً، فحينئذٍ سوف تلتبس عليهم الحقيقة الكبيرة، وهي أنْ لا يهتدوا أبداً إلى إيمانٍ أو يقينٍ.
وهكذا يكشف الله تعالى - في الآية المبينة - جهل الذين اختلط عليهم الأمر - أي التبس - بطبيعة خلق الله العلي العظيم، كما يكشف جهلهم في معرفة سنته تعالى في خلقه، وهي أنَّ الأنبياء والمرسلين لا يكونون إلاَّ من البشر، من أنفسهم حتى لا تختلط عليهم الأمور، وتضيع الدعواتُ التي يحملها المبعوثون في الشبهات، فالذين يؤمنون بما نُزِّل على محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) وهو الحق من ربهم، فأولئك هم المهتدون؛ بينما الذين يسيطر عليهم تعنّتهم وعنادهم بلا مبرر، ولا برهان، ولا دليل معرفة، فلا يهتدون، فأولئك هم الكفرة الفجرة..
الأحداث والوقائع
الحادث هو ما يكون مسبوقاً بالعدم. والحادث هو الواقع، وحَدَثَ الأمرُ أي وقع. والفرق بين الحادث والشيء، أنَّ الشيء حقيقة ثابتة مؤلفة من الصفات الموجودة في المكان، في حين أنَّ الحادث حقيقة متحركة منسوبة إلى الزمان. ومثال ذلك أنَّ صخرة الجبل شيء، أما سقوطها في الوادي فهو حادث. والحادث أعمُّ من الظاهرة، لأنَّ الظاهرة تدل على ما يمكنك رؤيته أو ملاحظته، في حين أنَّ الحادث يدل على ما يُرى وما لا يُرى، وله نسبة إلى الزمان كالحادث النفسي، أو إلى الزمان والمكان كالحادث المادي.
أما الواقعة فهي الحادث الذي يكون وجوده الزماني أكثر خطورة من وجوده المكاني: كالواقعة التاريخية.
ومن هذه المفاهيم يمكن أن نستشفَّ أنَّ الإنسان يمكن أنْ يعيش في ظل ظروف وأوضاع قد تكون واضحةً في أحداثها ووقائعها، وقد تلتبس عليه الأمور فلا يعرف ما يدور حوله وفي أي ظروف أو أوضاع يعيش؛ وكذلك الأمر فقد تكون حياته هادئةً رتيبةً، وقد تعصف بها الأحداث التي تضغط عليه، وكلها ترتبط بالمناخات أو الأجواء العامة القريبة والبعيدة التي تؤثر على حياة الأفراد، وعلى حياة الناس بما تكون معبَّأة به أو مرسومة له. وقد كان المسلمون الأوائل عندما يشعرون بأنَّ الأماكن التي يقطنونها لا توفّر لهم المناخ أو الجوَّ الإيمانيَّ يسارعون بالانتقال إلى أمكنةٍ أكثر إيماناً، وأكثر ملاءمةً لنفوسهم، ولتنشئة أبنائهم في أجواء إيمانية. وكانوا عندما يسألون عن سبب تركهم الديار يجيبون: إنّا مهاجرون إلى ربنا.
وقد يقع الإنسان فريسةً لما قد يطرأ على حياته، أو على محيطه من أحداث في ظل ظروف وأوضاع ومناخات معيّنة، فتجتاحه من جراء ذلك الأمراض النفسية والبدنية. وقد يستطيع التأقلم مع تلك المناخات الجديدة، ويتجاوز مصاعبَ الظروف ومتاعبها، فينجو من آثارها السيئة. ومن هنا نشأت أبحاث علماء النفس في الصحة البدنية والنفسية، أي توافق الفرد مع نفسه ومع محيطه، بل ومع العالم كله، وقدرته على تحمل أعباء الحياة ومواجهتها، ومدى تقبّله للوقائع والأحداث الخارجة عن إرادته. أي بمعنىً آخر إنَّ الصحة النفسية تتعلق بالنضج النفسي، وبالمؤثرات الحسية أو المادية التي تتقلّب فيها حياة الإنسان.
وقد وضع علماء النفس المحدثون تعريفات كثيرة للصحة النفسية، نستقي منها التعريف الذي وضعته هيئة الصحة العالمية حيث قالت عن الصحة النفسية بأنها: «تكيّف الأفراد مع أنفسهم ومع العالم عموماً، مع حدٍّ أقصى من النجاح والرضا والانشراح والسلوك الاجتماعي السليم، والقدرة على مواجهة حقائق الحياة وقبولها».
وإن مختلف التعريفات، للصحة النفسيّة، التي وضعها علماء النفس المحدثون، سواء كانوا من الغرب، والشرق، أو من المسلمين، تدور كلها حول «تكيّف الفرد وتوافقه مع نفسه ومع المجتمع، ومدى قدرته وفاعليته في القيام بشؤون حياته الواقعية، وإشباع حاجاته المادية الدنيوية». على أنَّ ذلك كله رهنٌ بالأحداث والوقائع التي تمرُّ على حياة الإنسان، وما يطغى عليها من الظروف التي قد تساعد على توفير عوامل الاستقرار، أو عوامل الاضطراب التي تؤثر في سلامة الإنسان النفسية والبدنية على حد سواءٍ.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB