علم النَّفس (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




البحث الثاني: الجدّيَّة والتغيير

الواقع أنَّ حياة الناس مليئة بالمشاكل، إذ على مستوى الأفراد ما من إنسان إلاَّ وتصادفه مشاكل متنوعة في حياته، حتى السؤال الذي يطرحه على نفسه، ولا يجد الإجابة عنه قد يشكل له مشكلة، ومِثْلُهُ كل أمر يريد تحقيقه ولا يعرف السبُلَ التي توصله إليه، ومن الطريف أنَّ ربةَ المنزل عندما تقع في الحيرة لاختيار الطبخ اليومي فقد تجد في ذلك مشكلة.. هذا على الصعيد الفردي، فكيف الأمر على صعيد المجتمع من حيث توفير فرص العمل، وزيادة مستوى الدخل الفردي والدخل العام، والانتباه إلى مؤشر الغلاء، وتكلفة النقليات.. أي كل ما يتطلّب معالجة الأوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية والسياسية والأمنية وغيرها من المشاكل التي يتخبط فيها المجتمع! من هنا كان تشعب المشاكل التي تحتاج إلى معالجات، والمسائل التي تحتاج إلى حلول.. ومن هنا كانت ضرورة التفكير لإيجاد تلك المعالجات والحلول..
أما بالنسبة إلى علماء النفس فإنهم يرون أن التفكير لمعالجة المشكلة، أية مشكلة، لا بد أن يمر بمراحل. وقد قاموا بدراسة وتحليل مراحل التفكير هذه، ووضعوا لها القواعد التالية:
أولاً: التفكير بوجود مشكلة
يقولون: ليس هنالك شيء يمكن اعتباره مشكلة إلاَّ إذا قرَّر التفكير أنه مشكلة، فإذا فكرنا بأي أمر من الأمور ولم يعطنا التفكير طريقةً للوصول إليه وتحقيقه، عندها يكون فكرنا قد حكم بوجود مشكلة. ثم نشعر بعدها بدافع ملحٍّ إلى معالجتها. وتختلف قوة هذا الدافع بحسب نوعية المشكلة ومدى صعوبتها. والمشكلة تختلف بين شخص وآخر، فالمعوز قد تعترضه مشكلة تأمين القوت لعياله، بينما قد تعترض المزارع مشكلة تصريف إنتاجه، في حين يرى الطالب في الدروس والمحاضرات التي لم يدرسها، أو لو يفهمها، مشكلة تعترضه لاجتياز امتحانه.. وهكذا الحال بالنسبة لجميع الناس. ولذلك كان التفكير بالمشكلة أولى المراحل لمعالجتها..
ثانياً: جمع المعلومات عن المشكلة
بعد أنْ يتأكد الإنسان من وجود مشكلة لديه، ويقلّب هذه المشكلة من جميع جوانبها، ويتفحَّص مختلف وجوهها، فإنه يعمد إلى تقصّي المعلومات عنها، وهنا يبدأ بتجميع الأفكار حولها أو أنّ الأفكار ذاتها هي التي تتداعى وتتوالى، فيقارن في ما بينها، ويختار منها ما هو أكثر ملاءمة للمساعدة على توضيح المشكلة، وفهمها، وتحديدها بدقة.
ثالثاً: وضع الفروض
أثناء جمع المعلومات المتعلقة بالمشكلة قد تطرأ على الذهن بعض المعالجات المحتملة لها، أو بعض الفرضيات التي قد تساعد على معالجتها فينظم هذه الفرضيات ويرتبها، ثم يختار بعضها ممَّا يراه أكثر صلاحية للمعالجة، وبعد ذلك يعمد إلى مناقشة أول الاحتمالات التي اختارها فإذا وجدهُ غير كافٍ استبعده وانتقل إلى الاحتمال التالي في الترتيب. وقد يقوم بمناقشة عدة احتمالاتٍ وتمحيصها في ضوء المعلومات المتوافرة لديه، إلى أن يقع أخيراً على الاحتمال، أو الفرض الذي يراه أكثر ملاءمة وانطباقاً، وأكثر صلاحية لمعالجة المشكلة.
رابعاً: أفكار جديدة ومعلومات طارئة
بعد اختيار الفرض الأخير قد تطرأ على ذهن الإنسان أفكار جديدة أو قد تتوافر لديه معلومات إضافية، فيقوم في ضوئها، بتحليل المشكلة من جديد. وقد يجري الاستشارات ويقوم ببعض التجارب، وكل ذلك للتأكد من صحة الفرض الذي اعتمده، حتى ينتهي أخيراً إلى المعالجة التي توافقه، فيضعها موضع التنفيذ.
تلك هي المراحل التي تمر بها عملية التفكير عادةً في معالجة المشكلات التي تعترض الإنسان، ما لم يكن الإنسان متهوراً فيقدم على عمله من دون أي استعداد أو سابق تفكير، وقد يصطدم في مثل هذه الحالة بصعوبات، ومآزق تحول بينه وبين تحقيق أهدافه، ولذلك كانت الجدية في التفكير والعمل من أهم العوامل التي قد تساعد الإنسان على قلب المعادلات في حياته، وسلوك منهج جديد عنوانه الجديّة في التفكير..
وسوف نبحث معنى الجدية، ثم التغيير..
الجـديـة
إنَّ التفكير في الأعمال العادية التي نقوم بها في حياتنا اليومية لا ينطبق عليه وصف «التفكير الجدّي»، لأننا نقوم بتلك الأعمال عن طريق العادة وبحكم الاستمرار، بينما جدية التفكير لا بدَّ أن تُقصد قصداً، والقصد هو أساس لها؛ بمعنى أنَّ الجديّة التي نعنيها هي التي تتطلب، للقيام بفعل ما، أو عمل شيءٍ ما، مستوىً معيناً من التفكير، فإنْ كانت درجة الجدية دون هذا المستوى من التفكير فلا تعتبر جديّةً - بالمعنى الكامل - بل يكون الفعل عبارة عن حركة آلية، تتمُّ بصورة عفوية وتلقائية مثل مضغ الطعام، وإغلاق الجفون من النعاس، وقيادة السيارة في طريق سالك ليس فيه ازدحام، وما إلى ذلك...
والجدية في التفكير لا تستلزم قصر المسافة أو طولها بين الفكرة والعمل الذي يتأتَّى عنها، فقد يفكر المرء بالسفر إلى الخارج وقد تطول المسافة الزمنية بين هذا التفكير والسفر فعلياً، أو قد يفكر أحدنا بتناول الطعام فيقدم عليه فوراً، أو قد تنقضي بضع ساعات قبل أنْ يأكل؛ وقد يفكر صاحب صناعة في تطوير صناعته، فيعمد إلى تنفيذ مشروع التطوير خلال بضعة أشهر،أو قد تمرُّ سنة، وربما بضع سنين قبل ذلك؛ وقد يفكر النخبة من أبناء الأمة بإنهاضها، ويقصر الزمن أو يطول بين تفكيرهم وقيام النهضة.. فالمسألة ليست بالمسافة، أو المدى الزمني بين التفكير والفعل، فهذا ليس هامّاً، بل المهم أن يوجَدَ العملُ من جرّاء التفكير، سواء قام بالعمل المفكّرُ نفسُهُ، أو قام به سواه من الآخرين، الذين أخذوا أفكاره وترجموها إلى أعمال.. ومثل هذا التفكير الجدي الذي يترجم إلى أعمال، قد يأتي نتاجُهُ كلاماً عاديّاً نتفوه به، أو إنتاجاً أدبياً من الشعر أو النثر، أو نتاجاً في أبحاث الفلسفة، والفلك، والطب، والعمارة، أو قد يكون أعمالاً تطبيقية مثل التجارب التي يجريها العلماء في المختبرات أو خارجها.. أو قد يكون الإنتاج الفكري نوعاً من الخطط التي يضعها علماء السياسة، والقادة العسكريون، وما إلى ذلك من الأفعال والأعمال التي يقوم بها الأفراد أو الجماعات بشكل عادي، أو استراتيجي، ثمرة للجهود الفكرية التي يبذلها أصحاب الأفكار الجديّة.. من هنا، يمكن القول إنَّ الجدّية مطلوبة، بل وضرورية في التفكير الذي يتوخى تحقيق الأهداف، سواء نجح أو أخفق بذلك؛ وإلاَّ ، أي بدون الجدية، يكن التفكير عبثيّاً، أو تخيّلاً غير قابل للتطبيق، أو رتيباً يسير على وتيرة واحدة بحكم العادة أو التقليد، ومثل هذا التفكير الرتيب قد يؤدي بصاحبه إلى أن يستمرئ الحياة التي يكون عليها، أو يألف ما تكون عليه حياةُ الناس، ما يبعده عن استهداف التغيير، أو بلورة أية فكرة لديه عن التغيير.. أي بتعبير آخر إنَّ التفكير الجديّ هو الذي يؤدي إلى التغيير، كلما وجدناه ضرورياً.
فما هو التغيير، ومتى يكون ضرورياً؟
التغيـيـر
لا بدَّ من التوكيد، مجدداً، على أن التغيير هو نتاج التفكير الجدي، مثل أي عمل أو هدف يرومه الإنسان؛ ولعلَّ التفكير بالتغيير هو من سمات الإنسان الاجتماعية، بمعنى أنه لا بدَّ أن يوجد لدى كل إنسان نوعٌ معين من التفكير بالتغيير بوصفه كائناً اجتماعياً؛ وقد يكون هذا التفكير كامناً في نفس الإنسان بالقوة، ثم يظهر بالفعل، أي بأن يباشر الإنسان عملية التفكير بالتغيير أثناء خوضه معترك الحياة. وهذه المباشرة قد تكون حالة فردية، أو حالة جماعية، لأنَّ التغيير أمر ضروري في حياة الناس، كلما كانت الأوضاع التي يعيشونها تستدعي التغيير، أي نقلها من حالتها الراهنة إلى حالةٍ أفضل لمصلحتهم، أو كلما كان من شأن التغيير أن يأتي أكثر توافقاً مع قيمة الحياة التي وهبها الله تعالى للبشر؛ فالفرد الذي يعيش في أوضاع سيئة من الفقر، والجهل، والمرض والتعاسة، وغيرها من الأوضاع المزرية، لا بدَّ أن ينشد التغيير في حياته؛ وكذلك الأمر بالنسبة إلى أي شعب - أو أية أمةٍ - يُعاني المشاكل السياسية أو الاقتصادية أو المالية أو الاجتماعية، أو كانت غالبية أبنائه تتخبط بالأزمات الأخلاقية أو السلوكية، إذ يكون على المعنيين، وهم عادة القادة أو النخبة في المجتمع، أن يباشروا عملية التغيير بوضع القوانين والبرامج والخطط التي تكفل بتخليص الشعب من مشاكله وأزماته، باعتبار أنَّ التغيير لا يكون بالأماني، أو الحسرات، أو التقاعس، أو بالاعتماد على الغير، بل بالأعمال الجديّة التي بنيت على أفكار وتصورات جديّة، تضمن عملية التغيير.
والتغيير لا بدَّ من أنْ يُبنى على الأساس القوي المتين لكي يكتب له النجاح في تحقيق أهدافه؛ وهذا الأساس لا يمكن أن نجده إلاَّ في العقيدة العقلية التي تنبثق منها جميع المفاهيم، والأفكار، والتصوّرات، والمشاعر، التي تتجاوب مع فطرة الإنسان، فهذه العقيدة هي وحدها التي تكون صالحةً لإيجاد الفكر التغييري في أوضاع الأفراد، وأوضاع المجتمعات، ومتى وُجِدَ الأساس الصالح الصادق كان هو المقياس الأساسي لجميع المقاييس، والمفهوم الأساسي لجميع المفاهيم، والقناعة الأساسية لكل القناعات، وبه تتغيّر القيمُ كلها: قيم الأشياء، وقيم الأفكار، وكل القيم التي ترفع من شأن الإنسان، وتوفر له حياةً أفضل.. فعندما يكون الأساس، إذاً، هو العقيدة العقلية التي تتجاوب مع فطرة الإنسان، فليس ثمّة من حاجة إلى التغيير في الأصل؛ لأنَّ التغيير إنَّما يُفترض حيثما تكون الأوضاع غير مستقرة، والأمور غير مستقيمةٍ، أي حيث يكون الخطأ ماثلاً للعقل، ويمارَسُ بصورة فعلية.. أما إذا كان العقل موقناً يقيناً جازماً بصحة الأوضاع، وصلاحية الأمور والقضايا التي تهمُّ الناسَ، فإنَّ فكرة التغيير تنعدم كلياً، لأنَّ البناء العقائدي القويم، هو الذي يصحح الأخطاء بصورة ذاتية وتلقائية، لا تحتاج معها حركات التغيير الإصلاحية إلى الظهور.
والتفكير بالتغيير، وإنْ كان ينبع من الأنفس، وتدفع إليه وقائع الحياة، فإنَّه لا بدَّ أن يستهدف الروابط المجتمعية التي تقول بضرورة العيش في حياة كريمة، تقوم على قواعد العدل والإنصاف، وعلى اتباع الحق، وعمل الخير.. بحيث لا يبقى نطاق التغيير محصوراً في مجتمع من المجتمعات ولا مقصوراً على تغيير الذهنية لدى شعب معين أو أمة معينة، بل تتعدى المشاعر بالتغيير كل حدود المجتمعات، لتطال الوجود الإنساني برمته، وما ذلك إلاَّ لأنَّ الإنسان هو الإنسان، وخاصِّيتُهُ الإنسانية إنما تعني أن الناسَ جميعاً أبناء آدم وحواء، وأنَّ الله تعالى خلقهم من نفس واحدة لتجمع بينهم المشاعر الإنسانية، ولذلك تقع على عاتق الإنسان، الذي يشعر بإنسانيته، مسؤولية التغيير في كل مكان، وفي كل شيءٍ يحتاج إلى التغيير حتى تتناسق أمور الحياة، وتتناغم المسيرة الإنسانية في جميع المجالات، فلا يعود التنافر أو التنابذ أو التخاصم قائماً بين الأفراد، ولا تعود المطامع والمنازعات والهيمنة مسوغة بين الدول، بل تسود بين الناس روح المحبة والتسامح، ويعمّ السلام والأمن والتعاون بين الأفراد، والجماعات والدول!... ولا نقول ذلك بدافع من التفكير المثالي، أو الخيالي، بل لأننا نؤمن بأنَّ الإنسان قادر على أنْ يغلّب مشاعر الإنسانية في نفسه، ولا يتطلب ذلك منه أكثر من التخلي عن بعض الأنانيةِ، والأَثَرَةِ، والطمعِ، وما شاكل ذلك من المشاعر التي تفرّق عادة بين الناس.. فإنْ فعل - وعليه أن يفعل ذلك - تحققت إنسانية الإنسان، في مختلف مجالاتها الرحبة...
ولكن، من جهة ثانية، قد يصطدم التغيير بأنواع من العقبات التي تحول دون تحقيقه، وتكون وراءها القوى التي تشعر بأنَّ التغيير خطر عليها؛ إلاَّ أنَّ ذلك لا يكون إلاَّ لزمنٍ محدود، باعتبار أنَّ هذه القوى، سوف تنادي هي بالتغيير، ولاسيما عندما يتأكد لديها أنَّ مقاومتها للتغيير لا بدَّ أن تنعكس عليها سلباً.. بل وأكثر من ذلك، فإنَّ تلك القوى بالذات قد تطرح هي، الأفكار والشعارات التي تعبّر عن مظاهر التغيير، لأنَّ الحاجة إلى التغيير حتميّة، وقد تتولَّد عن كون الناس يفكرون بالتغيير إمَّا بالاقتناع أو بالقوة، ولكن متى حصل التغيير بالفعل، وأدرك الناس قيمة هذا التغيير في حياتهم، أصبح لديهم التفكير بالتغيير أسهل وأيسر، لأنه يعيد إليهم مشاعرهم الإنسانية التي تعبِّر عن كل ما فيه خير الإنسان وصلاحه.
التغيير في المفهوم الإسلامي
لو ألقينا نظرةً على الواقع الذي يعيشه المسلمون اليوم، لظهر لنا جليّاً أنه واقعٌ سيّئٌ - جداً - فقد وصلوا إلى أدنى مستوى، عبر تاريخهم، في توجهاتهم الفكرية، إنْ لم نقل وصلوا إلى الحضيض في الانحطاط الفكري، بل والتخلّف المادي!.. فلا تغرَّنَّك هذه المظاهر من العمران، والتخطيط المدني، وركوب أغلى السيارات ثمناً، أو شراء الملابس الأنيقة والحلى والجواهر، وأدوات الزينة (التي أثبتت الإحصاءات أنَّ البلاد العربية الإسلامية أكثر البلاد استهلاكاً لهذه المواد والأدوات).. فهذه المظاهر، وإنْ كانت تعبّر عن انفتاحهم على المدنية المعاصرة، إلاَّ أنَّها في الوقت نفسه تدلُّ على عدم اهتمامهم بالقيم الحضارية التي توفّرها العقيدة الإسلامية في نظرتها إلى الحياة والإنسان.. كما أنَّها تدلُّ على عدم أخذهم بالسبل الآيلة إلى التقدّم العلمي، مثل غيرهم من الدول التي تفاخر بالنهضة العلمية والتقنية التي وصلت إليها، وبصرف النظر عن الآثار التي تخلّفها مثل هذه النهضة على نفوس الناس!...
أما لماذا وصَلَ المسلمون إلى ما وصلوا إليه، فالأسباب باتت معروفة، ولعلَّ أهمها وأكثرها تأثيراً هذه التبعية السياسية للغرب، التي جعلتهم يَضلُّون عن المسارات التي توفرها لهم عقيدتهم، لا بل جعلتهم يقعون في فخّ العداوة إلى حدّ القطيعة، أو الاقتتال أحياناً!..ومثل هذا الواقع الأليم يستدعي التحذير من مخاطره الوخيمة التي تفرض عليهم ضرورة العمل على تغييره لاستعادة دورهم الفعّال على الصعيد الإسلامي والعالمي، الذي لا يمكن استعادته إلاَّ بالتغيير الإسلامي.. بل لا بدَّ أن ننبِّهَ إلى أن القيام بمهمة التغيير هو تكليف شرعي، لا يجوز القعود عنه، أو التهاون فيه، أو التنصّل من مسؤوليته حتى لا نكون مأثومين عند الله تعالى؛ ونحن لا نقول بهذا التكليف جزافاً، بل استناداً إلى ما نبَّهنا إليه ربُّنا تبارك وتعالى، من أنَّ الأمة الإسلامية - مثل كل أهل دين - مسؤولة أمام الله تعالى عن أعمالها مجتمعة، أي كأمة، وذلك بقوله تعالى: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ *} [الجَاثيَة: 28]، ولعلَّ من أبرز الأدلة على الواقع المأساوي للمسلمين هذا التعصّب الطائفي الذي يُعدُّ ضرباً لوحدة المسلمين، جملةً وتفصيلاً، لأنه دخيل على الروحية الإسلامية الإيمانية، وهذه الانقسامات الفكرية التي جعلتهم يتوزعون في ثلاث فئات، وهي:
1 - فئة ضلَّت عن الإسلام في كل شيءٍ، فلا تقيم اعتباراً أو وزناً لصلاةٍ أو صومٍ أو زكاةٍ أو حجٍّ..
2 - وفئة مسلمة، تؤدي الفرائض والطاعات، ولكن في الشكل دون المضمون، لأنها مشتتة بين يائسٍ، ومشكّكٍ، وتائهٍ عن مقاصد الشريعة، ومهادنٍ أو موالٍ لغير أهل الإسلام، أو محاولٍ للتوفيق بين المفاهيم والأفكار الإسلامية، والمفاهيم والأفكار الغربية..
3 - والفئة التي تنتهج في حياتها نهجاً إسلامياً، بصرف النظر عن نظام الحكم الذي تعيش في ظله. فهذه الفئة هي التي تظهر جادّةً في العمل الإسلامي الذي يرضي الله تعالى، ورسوله الكريم، وهي المؤهلة لحمل الفكر التغييري، وعلى عاتقها يقع عبء التغيير المنشود، الذي يقوم على أساس العقيدة الإسلامية، باعتبارها العقيدة العقلية التي تتجاوب مع فطرة الإنسان ومصلحته..
إذاً فهذا الواقع للمسلمين هو الذي يفرض عليهم النهوض من كبوتهم، أو غفلتهم، ومباشرة عملية التغيير؛ وعندما نقول بضرورة التغيير الإسلامي، فلا يعني ذلك أننا نأتي به من فراغ، بل لأن المنهج الإسلامي هو بطبيعته منهج تغيير يتناول الإنسانَ والحياةَ والكون بنظرة شمولية، متناسقة ومتكاملة، لا مجالَ فيها للترقيع أو الاقتباس عن غيرها؛ إذ إنَّ العقيدة الإسلامية كلٌّ كامل متكاملٌ، لا تحتاج إلى غيرها في شيءٍ، سواء في الأصول والأحكام، أو في المفاهيم والتعاليم، أو في الطريقة والأسلوب والمنهج، التي تتكاثفُ جميعها وتتكفَّل بعملية التغيير، ولذلك وجب أن يكون تطبيقها كاملاً متكاملاً، بحيث تؤخذ كُلاَّ ً بلا أدنى تجزئة، فلا يجري تطبيق الأحكام الإسلامية مثلاً في مجالات دون مجالات، ولا تطبيق المنهج الإسلامي في مسائل دون أخرى، فإمَّا أن تكون العقيدة شرعاً ومنهاجاً هي الإسلام، والإسلام هو العقيدة وكل ما ينبثق منها يكون إسلامياً صرفاً، وإمَّا أن تكون العقيدة غير إسلامية، وكل ما ينبثق منها غير إسلامي، ولا هوادة في ذلك. أما لماذا إيماننا بأنَّ العقيدة الإسلامية هي وحدها سبيل الخلاص، فلأنها عقيدة ربانيّة، أنزلت من لدن الله تعالى - خالق الإنسان والحياة والكون - وهو أعلم بما يصلح لعباده، فأنزل لهم الإسلام عقيدةً، ومبدأ، ومنهاجاً، ليقيموا حاكمية الله في الأرض؛ فهل يجوز بعد ذلك أن نتبنَّى عقيدة أو عقائد هي من صنع الإنسان، ونرفض أو نتخلَّى عن عقيدة هي من صنع الله تعالى؟!.. شتَّان.. وهيهات.. ولذلك قلنا إنَّ التغيير يجب أن يكون نابعاً من العقيدة الإسلامية ولا خيارَ آخرَ على الإطلاق.
ومن المعلوم أنَّ المسلمين لم يصلوا إلى هذا الواقع المأساوي سواءٌ اليومَ، أو في ما سبقَ من عهود إلاَّ لأنهم اعتمدوا أنصاف الحلول التوفيقية، مقتبسين من الأنظمة والمناهج الوضعية لتطبيقها في مجتمعاتهم الإسلامية، فضاعوا، وتاهوا عن صوابية التفكير، وابتعدوا عن السبيل السويّ، أي عن منهجهم الأصيل، المنهج الرباني الذي لا يستوي معه منهج آخر من جميع المناهج التي هي من صنع الإنسان.. نعم لقد ابتدع الإنسان أنظمة وتشريعاتٍ، أقل ما يقالُ فيها أنها لم تراعِ حاكمية الله تعالى، لأنها لم تحكم بما أنزل الله، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المَائدة: 44]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المَائدة: 45]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المَائدة: 47].
هذا قول الله - عزَّ وجلَّ - وهو يصف الذين لم يحكموا بما أنزل سبحانه من الأحكام والتشريعات بأنهم كافرون، ظالمون، وفاسقون.
وها هو العالم بأسره يشهد على ما وصلت إليه الأنظمة والتشريعات الدنيوية من نتائج، لم تعد تَخفى على كلّ ذي بصيرة: تخبّط في الأزمات السياسية والاقتصادية والمالية، واستغلال للثروات والموارد الطبيعية لمصلحة الشركات والمؤسسات الاحتكارية.. وسيطرة للفساد في أوضاع المجتمعات.. وتزايد في الخلافات الفكرية، وتنكر لقواعد العدل والإنصاف في تطبيق قواعد القانون الدولي.. وهدر لحقوق الإنسان السياسية والمدنية، ما أدّى إلى ضياع الإنسان نفسياً وجسدياً، وتياهِهِ في تيارات المادية والإلحاد، لأنَّ كل ما يحيط به تجاهلٌ للمعاني التي تحافظ على كيانه الإنساني، وعلى صون وجوده البشري.
من هنا كان على المسلمين، وهم يعتنقون الشريعة السمحاء، ويدينون بالمبدأ الحق الذي أنزل من الحقِّ تبارك وتعالى، أن يدركوا بابتعادهم - هم أنفسهم - عن دين الله، وانصرافهم - هم أنفسهم - عن إحقاق حاكمية الله في بلادهم، وأن يلاحظوا - في الوقت نفسه - إنكار غيرهم بصدقية إقامة الحاكمية الحق في دنيا الأرض.. ومتى أدرك المسلمون ذلك، صار لزاماً عليهم أنْ يوحدوا كامل جهودهم من أجل وحدة المسلمين أولاً، ومن ثم أنْ يبادروا إلى تغيير الأوضاع السائدة في مجتمعاتهم، لينطلقوا إلى استئناف الحياة الإسلامية، وتطبيق منهج الله تعالى في كافة ميادين الحياة، امتثالاً لقول الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عِمرَان: 19]، وقوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *} [النِّسَاء: 65]، وقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ *} [الشّورى: 10].
والتغيير الإسلامي ليس مجرد تغيير جانب من جوانب الحياة الإنسانية: الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو الأمنية.. بل هو بحكم كونه قائماً على القرآن والسنة، يتناول جوانب الحياة الإنسانية كلها - بما في ذلك انسجامها وتناسقها مع سنن الله تعالى في الكون - فلا يترك صغيرة ولا كبيرة إلاَّ ويكون معنيّاً بشأنها، لأنَّ المصدر الذي يستقي منه لم يترك شاردةً ولا واردةً إلاَّ أحصاها، وجعل لها حكمها..
والتغيير الإسلامي المنشود، سواء كان تغييراً لما في نفوس الأفراد وأحوالهم، أو تغييراً لأوضاع الشعوب والمجتمعات، فإنه يجب أن ينطلق - دائماً - من الأساس الذي تقوم عليه مقومات حياة الإنسان، ولاسيما ما يتعلق منها بالحفاظ على حياته من المرض، والفقر، والجهل، والقتل؛ وعلى صون كرامته من أي اعتداءٍ أو افتئات، وعلى حفظ حقوق شعوبه في الاستقلال وعدم التبعية، وتأمين سبل العيش الكريم لهم، وتوثيق عرى الوحدة والتضامن في ما بينهم.. إلى آخر المقومات التي يقوم عليها الحكم الإسلامي سواء في داخل المجتمع أو العلاقات مع الخارج..
ولذلك كان لزاماً على المسلمين أنْ يُحدثوا التغيير أولاً في نفوسهم، حتى تعود أفكارهم ومشاعرهم متوافقةً مع عقيدتهم، وأن يحدثوا، من ثَمَّ، التغيير في أوضاع مجتمعاتهم، من خلال تطبيق الإسلام شرعة ومنهاجاً، وبهذا التطبيق، يمكنهم أنْ يلقوا الحجة على الناس في دعوتهم للاستجابة إلى التغيير الإسلامي، انطلاقاً من حقيقة إيمانية ثابتة، وهي أنَّ أفكار الناس وشرائعهم لا يمكن أن تستقيم مع الناموس الشامل في الحياة الإنسانية، إلاَّ بالإِيمان بحقيقة وجود الله تعالى وألوهيته المطلقة، وربوبيته المطلقة تصديقاً لقوله عزَّ وجلَّ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *اللَّهُ الصَمَدُ *لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ *} [الإخلاص: 1-4].. ولا شيءَ يُغيّر في حياة الناس نحو الأفضل، ويرفع عنهم الغبن والأذى والسوء والظلامة إلاَّ إذا أقرّوا بهذه الحقيقة، واعتنقوا الإسلام عقيدةً دينيةً، دنيويةً وأخرويةً، ومن ثَمَّ طبقوا مناهجَهُ في مجتمعاتهم.. وحتى إذا لم يُردِ الناسُ اعتناقَ الإسلام عقيدةً، فليس ما يضيرهم أن يجرّبوا تطبيق أحكام ومفاهيم وتعاليم هذا الدين - بعد أن أقاموا الأنظمة السائدة حالياً وثبت فشلها، على مدى عصورٍ، في إصلاح حياة الناس - وعندها سوف يجدون واقعاً جديداً، يختلف عن كل ما عرفه الإنسانُ في مجتمعاتهم من قبل.. أما الركائز الذي يقوم عليها التغير الإسلامي، بوصفه تغييراً انقلابياً شاملاً، فهي التالية:
1 - معرفة الهدف الذي يجب أن يسعى إليه المسلمُ، وهو إعلاء كلمة الله تعالى وجعلها هي العليا.. أي إن ترجمة هذا الهدف تكون بإقامة حاكمية الله من خلال الامتثال لأوامره ونواهيه، فإذا كان التغيير لا يتوخى هذه الغاية، فلا حاجة له في الأصل.. إذ إنَّ التغيير الإسلامي ليس غاية بحد ذاته، بل هو السبيل الوحيد للاستخلاف في الأرض، ومن ثمَّ للقيام بالأمانة التي ألقاها الله تعالى على عاتق الإنسان وإلاَّ فسيانَ إنْ كان هنالك تغيير أو لم يكن، وسواء سبَّب المسلمون الإساءة إلى أنفسهم، كما يفعلون، أو لم يشعروا بهذه الإساءة، وهذا ما لا يرضاه الله تعالى لهم، لأنهم خير أمة أخرجت للناس، وتقع على عاتقهم مهمة التغيير!..
2 - تغيير طريقة التفكير لدى المسلمين حتى يتغير ما بالأنفس، مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرّعد: 11]، إذْ من الواضح أنَّ وضْعَ المسلمين باتَ سيّئاً للغاية... ونعودُ ونكرّرُ مراراً عديدة أنَّ أهم الأسباب التي يمكن أن نعزوها لوصولهم إلى هذا الوضع، أنَّه، منذ زمن طويل، لم يعودوا يطبقون الإسلام في حياتهم تطبيقاً كاملاً، لا بل ترك كثير منهم الإسلام وراء ظهورهم، واتَّبعوا الأنظمة والمناهج الأرضية التي ابتكرها غيرهم، ما أدّى إلى تشتت أفكارهم ومفاهيمهم حول قضاياهم الأساسية، وجرَّهم إلى التفرقة في ما بينهم، وقيام العداوات بين دولهم، في كثير من الأمور... فانعكس ذلك سلباً على وحدة الأمة الإسلامية في أفكارها ومشاعرها، وعلى أوضاع بلادها الإسلامية كلها..إذاً، ليكن هذا التكرار بمثابة اللازمة التي يجب أن يفقهوا أبعادها بصورة مستمرة، ليكون لهم السبيل الحق للتغيير.
وعلى الرغم من ذلك فإنَّ سبل الخير لا تزال مفتوحة أمامهم، ما داموا يعتنقون عقيدةً واحدةً، وهي كفيلة بأن تأخذ بيدهم إلى ما فيه إصلاح نفوسهم وأوضاعهم.. ولا يكون لهم ذلك إلاَّ بإخلاص النية لله تعالى، والدعوة الصادقة إلى وحدة كلمة المسلمين، والاعتصام بحبل الله المتين امتثالاً لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ *وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *} [آل عِمرَان: 102-105]. هذه دعوة الله تعالى إليكم أيها المسلمون حتى تغيّروا ما بأنفسكم وليس بعد قول الله العزيز الحكيم من قول.. وليس بعد دعوته سبحانه من دعوة.. فإمَّا الامتثال لأمر الله تعالى وفيه التغيير والصلاح والفوز في الدنيا والآخرة، وإمَّا البقاءُ على أوضاعكم الراهنة، والأمر لله!.. إنَّما لا بدَّ من التوكيد والتذكير بأنَّ ربَّكم العزيز، ومولاكم الكريم يقول: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عِمرَان: 101]..
ثم لا بدَّ هنا، من أن يطرح المسلمون على أنفسهم جملةً من الأسئلة:
أليس الله تعالى هو المنعم ومن نعمه التي لا تعدُّ ولا تحصى:
- أنْ بعث لكم رسولاً من أنفسكم ليكون قدوةً وأسوةً حسنةً تحتذون خطاه في كل شيء، لأنه بعث رحمةً مهداةً للعالمين..
- أنْ أَنزل إليكم القرآن، ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه هدى للمتقين..
- أنْ حمَّلكم الإسلامَ أمانةً في أعناقكم حتى تنشروه في دنيا الناس، فيسري في نفوسهم نورُ الله، وتأمنُ حياتُهم من الضلال، والظلم، والفساد، والفسق والفجور..
- أنْ جعل في بلادكم من الأرزاق والثمرات ما يغنيكم عن العوز والفقر والحاجة، ويوفّر لكم الإمكانات والطاقات للنموّ والتقدم.. بل جعلكم في بلادٍ لها موقع جيو - سياسي كفيل بأن يوفّر لكم قوةً قادرة على التحكم بالعالم كله، وتنبَّه إليه أعداؤكم، فجعلوا أحكام بلادكم أداة لقهركم حتى يبعثوكم بعيدين عن التغيير..
وهنا لا بدَّ أنْ نسألَ من جديد: أليس جديراً بالمسلمين أن يتفكَّروا بأنَّ ما أوصلهم إلى الواقع المأساوي الذي يعيشونه إنما هو بمشيئة الله تعالى، لأنَّهم تنكروا لكل تلك النعم؟! وأنَّ سبيل خلاصهم الوحيد هو وحدة الكلمة، بين المسلمين جميعاً حتى ينظر الله تعالى إليهم بالعطف والرأفة؟!
3 - معرفة الواقع الذي يعيشه المسلمون، والعمل على تغييره ما دام هذا الواقع يستدعي التغيير، من خلال إعادة دراسة شاملة للأسباب التي أدت إليه، ولاسيما ما يتعلق بعوامل التاريخ والثقافة، والاقتباس عن الغير.
4 - اعتماد الخطط والوسائل والأساليب السليمة،وصلاحيتها، وموافقتها للمفاهيم الإسلامية لضمان صيانة التغيير الإسلامي من كل انتكاس أو ارتكاس.
5 - بناء المجتمع الإسلامي، وإقامة الدولة الإسلامية وفقاً لكتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم.
وانطلاقاً من هذه الركائز، وجب أن يكون التغيير الإسلامي إنسانياً في خصائصه، أخلاقياً في طبيعته، عقائدياً في وسائله وأساليبه وغايته، وهي الميزات التي تجعله مختلفاً عن مفاهيم التغيير لدى الآخرين.
تأثير التغيير الإسلامي في العلاج النفسي
إنَّ إحداث أي تغيير في سلوك الإنسان يجب أن يسبقه تغيير في أفكاره واتجاهاته، وذلك لتأثّر السلوك بها إلى درجةٍ عالية.. وهذا ما يتوخاه العلاج النفسي أساساً، أي تغيير أفكار المريض نفسياً، في ما يخصُّهُ هو عن نفسه، وتغيير أفكاره عمَّن هم من حوله، وعن الحياة، وعن المشكلات التي عجز عن مواجهتها من قبل، وكانت سبباً في مرضه، حتى نصل به إلى تغيير نظرته إلى الحياة برمتها، من حيث أهميتها، وضرورة الحفاظ عليها، ومن حيث جمالها، وضرورة إسهامه في بنائها الحقّ..
وحين تتغير أفكار المريض نفسياً، وتظهر له بوضوح الأسباب الكامنة وراء ما يحصل له، فقد يرى الأمور بصورة مختلفة، ويجد أنه لم يكن هنالك مبررات كبيرة، تستدعي ما ينتابه من الأعراض!...
والعلاج النفسي هو في أساسه عملية تعليم جديدة يتم فيها تبدّل أو تغيير الأفكار والمشاعر والعادات والسلوك التي يكون المريض قد تعلمها أو اكتسبها بطرق خاطئة، أو وهمية عن نفسه، وعن غيره، وعن المجتمع، وعن كل الأمور التي كانت تواجهه وتسبب له القلق والتعاسة.. وتكون مهمة المعالج النفسي تصحيح أفكار المريض لكي ينظر إلى كافة الأمور نظرةً واقعيةً صحيحةً، تمكّنه من مواجهة مشكلاته بدلاً من الهرب منها، والعمل على محاولة معالجتها، بدلاً من البقاء في حالة الصراع النفسي الناشئ عن العجز السابق. ويصاحب ذلك، بطبيعة الحال، شعور المريض بالنشاط والحيوية، وبتغيير فعلي في حالاته النفسية، بما يجعله قادراً على أنْ يعاود ممارسة حياته بصورة طبيعية بعيدة عن الاضطراب أو الاكتئاب، أو القلق، بل فيها اطمئنان وسعادة ورضىً.
ولقد كانت مهمة القرآن الأساسية مواجهة الناس في الصميم، أي بما يعتمل في أعماق نفوسهم، ومدَّهم بأفكار ومشاعر جديدة يستطيعون بواسطتها تغيير معتقداتهم السابقة، وأنماط عيشهم المادية، وعاداتهم الجاهلية، ومن ثم إعدادهم لحمل الرسالة بقوة الإيمان، وبدافع شعور القناعة والثقة. وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرّعد: 11] لأنَّ تغيير ما في الأنفس يعني تغيير الأفكار، والمشاعر، والاتجاهات، والسلوك.
وقد أحدث القرآن الكريم ذلك التغيير الرائع منذ بداية العهد بتنزيله، نظراً للأسلوب التعليمي، والتثقيفي الذي اعتمده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) من خلال تحفيظ القرآن، وتبيين معاني آياته للذين أقبلوا على هذا الدين بروح الجدية والتغيير، وبذلك استطاع أنْ يبدِّل الجهل والضلال بالعلم والهدى، والكفر والشرك بالإسلام والإيمان، والانغماس في الشهوات والأطماع بالفضائل ومكارم الأخلاق، فاستطاع المسلمون حمل أعباء الدعوة الإسلامية، والسير على منهج الله تعالى.. وقد نجح القرآن الكريم والرسول البشير النذير نجاحاً عظيماً في ذلك كله، بحيث تغيرت حياة الناس تغييراً جذرياً، وانقلبت رأساً على عقب، وخاصة بعد إرساء دعائم النظام الإسلامي في المدينة المنورة والانطلاق منها إلى أنحاء الجزيرة كافة، لتتخطاها بعد أعوام عديدة، فتطرقَ أبواب العالم كله في مشارق الأرض ومغاربها؛ ما جعل المفاهيم الإنسانية تنتشر لأول مرة بين الناس بحقٍّ وصدقٍ، فيقيمون علاقاتهم على أساس الإيمان والتقوى، واحترام الكائن البشري لخصائصه الإنسانية.
الأصـالـة
من هنا كان مفهوم الرجوع دائماً إلى الأصالة، إلى أصالة النفس الزكية التي تعرف الخير من الشر، والصواب من الخطأ. والأصالة، في علم الأخلاق، تعني الصدق والإِخلاص.. ويطلق لفظ الأصالة على كلّ فكرٍ أو شعورٍ أو عملٍ صادرٍ حقاً عن صاحبه. ويقابله المنحول، فتقول الوثيقة الأصلية أو الأصيلة أي الوثيقة التي كتبها صاحبها أو وقعها بيده، وصدَّقها القاضي، أو صدَّق عليها الموظف الرسمي المختص. ويطلق هذا اللفظ على صدق مضمون الوثيقة، كما على مصداقيته للواقع.
والأصالة في الإنسان إبداعه، وفي الرأي جودته، وفي الأسلوب ابتكاره، وفي النسب عراقته. ولذلك تكون الأصالة ضد السخف، والإسفاف، والابتذال.
cetirizin netdoktor cetirizin yan etkileri cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB