علم النَّفس (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




الفصل الثالث عشر - البحث الأوّل: القناعة والثقَة

يقولون: إنَّ الثقة تنجم عن القناعة بصحة الشيء وصدقه.
ويقولون: إنَّ القناعة تأتي من المشاعر، من غير براهين، وتذهب من غير براهين. والثقة ليست شيئاً يمكن الحصول عليه بالحجة والمنطق، بل بإيجاد القناعة التي قد تأتي اعتباطاً وتذهب اعتباطاً.
هذا القول باطل وغير مطابق للواقع.. فالثقة وإنْ كانت تتولَّدُ عن القناعة بصحة الشيء وصدقه، وهذا لا ريب فيه، أي بمطابقته للواقع، أو للفطرة، ولكنها لا تحصل إلاَّ بناء على برهان يثبت صحة الشيء وصدقه. وهذا البرهان إما أن يكون عقليّاً مرتبطاً بالمشاعر، وإما أن يكون شعورياً من حيث كونه برهاناً صحيحاً وصادقاً دونَ دليلٍ عقليٍّ عليه، إلاَّ أنه من تواتر هذا الشعور في النفس تحصل القناعة وتتولد منها الثقة، فإذا تكرر ثبوت عدم صحة الشيء، وعدم صدقيته - عقلياً أو شعورياً - ذهبت الثقة...
وحتى تترسَّخ الثقة لا بدَّ أن تنتقل من دور إقامة البرهان إلى دور البداهة، أي - كما قلنا - بتكرار ثبوت صحة الشيء وصدقه بالبرهان عقلياً أو شعورياً.
وكما أنه يصعب إيجاد الثقة في جو التشكيك، كذلك تصعب زعزعة الثقة في جو الإيمان؛ فعندما أنشئت دولة الإسلام على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، وتابعه الخلفاء الراشدون على حكم القرآن والسنة النبوية، كان ذلك في ظل أجواء الإيمان، التي أقنعت الناس بصحة وصلاحية أحكام الشريعة الإسلامية لمعالجة مشاكلهم النفسية والحياتية، فأقبلوا على الإسلام عن قناعة وثقة...
وعندما بدأ الحكام والولاة المسلمون يحيدون عن المنهج الإسلامي، ويؤثرون مطالب الدنيا ومتاعها، بدأ التشكيك يتسرَّب شيئاً فشيئاً إلى صلاحية حكمهم، وقدرتهم على تطبيق الحكم الإسلامي، فسادت الصراعات الداخلية بين الدويلات والإمارات التي كانت تنشأ وتضمحلُّ في ظل الخلافة الإسلامية؛ وظل الأمر على هذه الحال حتى قوي الغرب، بعد خروجه من عهود الإقطاع والظلام، فبدأت تظهر الأفكار والخطط التي ترمي إلى ضرب الإسلام، وإبعاد الناس عنه، وبدأت الصعوبات تنتصب وتشتدُّ في وجه الدعاة إلى هذا الدين!.. فكانَ لا بدَّ أن ينشأ، من جراء التشكيك المفتعل بالإسلام، الصراع بين أحكام الإسلام ومناهجه من جهة، وأفكار الغرب ومبادئه من جهة ثانية، بين المفاهيم الإسلامية في نظرتها إلى الإنسان والحياة، والمفاهيم الغربية التي تعارضها في نظرتها.. أي نشأ الصراع العقائدي الذي كانَ يفترض أنْ يتبيَّن من خلاله ضوءُ الحقائق للعقول والمشاعر، فينجلي فساد الأفكار والأحكام الجائرة، لظهور فساد وجهات النظر المنبثقة منها؛ بحيث يلمس الإنسان المنصف العادل بطلان وجهة نظر الكفر، وصحة وجهة نظر الإسلام، ويتجلّى عند ذلك للناس جميعاً فساد الأنظمة القائمة في العالم، وصلاح حكم الإسلام.. ولكنَّ شيئاً من ذلك لم يحصل، بل استقوى الغرب، وظل مستمراً في استقوائه، وضعف المسلمون، وظلوا مستمرين في ضعفهم إلاَّ في بعض الأحداث التي كانوا يستقوون فيها على أعداء دينهم، كما في الحروب الصليبية التي دحروا فيها الغزاة من أهل الغرب، وأخرجوهم من ديارهم بشرّ هزيمةٍ.. ولذلك نجد مِنَ القادة الفرنسيين والصهيونيين من يقف بعد احتلال فلسطين، على قبر صلاح الدين الأيوبي؛ قائلاً: ها قد عدنا يا صلاحَ الدين!!. وهذا ما يجعلنا نقول بأنَّه كلما وجد الصراع الفكري، واحتدم النقاشُ الموزون، الهادف، كلما تكرَّر ثبوتُ صحة، وصدقيّة مفاهيم وأفكار وأحكام الإسلام، ووجدت القناعة بها، وتولَّدت بالتالي، عن هذه القناعة الثقة بها، دون سائر المفاهيم والأفكار والأحكام الموجودة في العالم، التي تتناقضُ وشرع الله تعالى الذي جاء به الإسلام!...
وإذا عمَّت هذه القناعةُ الناسَ، وتركَّزت الثقة في نفوسهم، ووجد رأيٌ عام منبثقٌ من وعيٍ حقيقيٍ، فإنَّ النهضة الفكرية التي يطمح الإنسان إليها تكون ظروفها قد تهيَّأت، وهي التي تدفع بالقادة لإقامة حكم الله تعالى، مهما ظهرمن العقبات، لأن الأفكار القوية الصائبة تزيل أكبر قوة سياسية، وتُبطل كلَّ فكر غير صائب، وتدمِّر كل حُكمٍ فاسد.
وقد يقول البعض: وإذا كان الإسلام عظيماً إلى هذه الدرجة بأحكامه ومفاهيمه وأفكاره، فلماذا لم تطبقه الأمة الإسلامية والحكام في البلاد الإسلامية؟! ونجيب على الفور بأنَّه على الرغم من جميع الشوائب والعثرات والهنات التي مرَّت على بلاد الإسلام، وعلى الرغم من فساد الحكام وفسوقهم فقد ظلت الخلافة الإسلامية قائمة إلى أن تعاون الغربُ كله على إزالتها من الوجود بإعلان كمال أتاتورك عام 1923م إلغاء الخلافة الإسلامية، ليقيم بديلاً منها دولةً علمانية تسير على نهج الغرب قلباً وقالباً، فكان ذلك الضابط التركي الجاسوس مثالاً على فساد الحاكم الذي ينتمي إلى أهل الإسلام هويّةً، لا عقيدةً!... والحقيقة أنَّ تلك المنهجية الفكرية الغربية - ووراءها الصهيونية ولا ريب - هي التي جعلت أعداء الإسلام قادرين على أن يحوّلوا عداوتنا لهم من عداوة كفر وإيمان إلى عداوة استعمارٍ واستغلال، ومن عداوة مسلمينَ إلى عداوة مستعمَرين، وحوَّلوا بُغْضَنا لهم من بُغض مسلمين لِكفَّار بالإسلام، إلى بُغض وطنيين لأجانب. وبذلك أنسونا مرارة الهزيمة بوصفنا مسلمين، وازالوا عنها حقيقة كونها هزيمةً للمسلمين على يد الكافرين وذلك حتى يتحوَّلَ كفاحُنا من جهادٍ نطلب فيه رضوان الله تعالى إلى كفاحٍ رخيص كالتظاهرات والاحتجاجات للحصول على الاستقلال، أي على انفصال كل بلدٍ إسلامي عن باقي بلاد الإسلام، وفي ظل كل تلك النظم والمناهج والأفكار والمفاهيم التي تجعل المسلمين متفرقين!...
فإلى متى نغفل عن هذه الخطط الجهنَّميَّة الكافرة؟
لا مندوحة لنا عن إعادة الصراع بيننا وبين أعداء الإسلام إلى صعيده الأصلي.. أي إلى الصعيد المبدئي العقائدي، فإنَّ لدينا عقيدة ونظاماً نتحدّى بهما سائر عقائد وأنظمة البشر. ولكن لا بدَّ لنا أولاً أن نعرف عدونا من هو، وأن نتخذه عدوّاً.
وإذا لم نعرف الجهة، أو القوة، التي تعادينا، والسبب الذي تحمل لنا من أجله العداء، فلا يمكن إنقاذ أنفسنا من براثنها، وبالتالي لا يمكن التغلّب عليها.
وإذا لم نتخذ عدوَّنا عدوّاً، فإننا سنجعل أنفسنا، بلا شك، تحت ظلمه.. ولكن علينا أن لا ننسى ما قاله الله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فَاطِر: 6]، وهل يحارب الإسلامَ إلاَّ الشيطان وقبيله، ولا سيما هؤلاء المستكبرون الصهاينة الذين سوف يكونون وقوداً لنار جهنَّم؟!.. ولكن علينا نحن المسلمين ألاَّ ننسى، وألاَّ نتجاهل ما وعدنا به العزيز الحكيم بقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النِّسَاء: 141]. فقد جاء القرآن بكيفية معاملة الأعداء بآيات صريحة تقرع الآذان، وتوقظ العقول، وتهز النفوس، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} [المُمتَحنَة: 1]. وقال تعالى: {لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} [آل عِمرَان: 28]. وقال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النِّسَاء: 89].
فكان من المحتوم على المسلمين، الكثير من الكفاح المرير في سبيل بثِّ أفكار الإِسلام، والكثير من الكفاح الشديد للعملاء الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين! ليكون كفاحهم صادقاً ضدَّ أعداء الله، وأعداء دينه القويم!..
وهنا قد يرد استيضاح:
إذا كانت البلاد الإِسلامية مقسمة إلى دولٍ، وإذا كانت متحررة من الاستعمار - ولو ظاهرياً - وحُكَّامُها مسلمون، فالكفاح إذاً يجب أنْ ينصبَّ على الأنظمة التي تخالف الإِسلام فقط!..
الواقع أنَّ الأمة منكوبةٌ ببلاءين اثنين:
أحدهما : سبُبُه بعضُ حُكَّامِها، لكونهم عملاء للمستعمرين.
وثانيهما : سبُبُه أنَّها تُحْكَمُ في معظمها بغيرِ ما أنزل الله تعالى في قرآنه المبين.
ولذا تملكت بعضَ الحكام في العالم الإِسلامي حالتان اثنتان:
الحالة الأولى : تأثير الأنظمة الغربية على هؤلاء حتى أفقدتهم الإِيمانَ بالإِسلام نظاماً للحكم ونهجاً للحياة، فأصبحوا في صف الأعداء، ولو صلَّوا وصاموا.
والحالة الثانية : إشعارهم من قبل أسيادهم بالعجز الدائم عن الوقوف في وجه الدول الكبرى. وهذا الشعور بالعجز أحالوه على الأمة، فقالوا: لا نقدر على شيء، إلاَّ بالاعتماد على دولة كبرى تساندنا في وجه مطامع الدول الأخرى التي تريد استغلالنا.. فكان لا بدَّ أنْ تؤديَ هذه العمالة - الظاهر منها والباطن - إلى تجسيم الخطر في نفوس الشعوب الإسلامية حتى يبعدوا من أذهانهم إمكانية إعادة الدولة الإِسلامية إلى الوجود، مع العلم أنَّ معظم أبناء الإسلام يؤمنون بالإِسلام على أنه أمثل نظام للحكم، وأفضل منهجٍ للحياة.
وإننا نعتذر إلى الله عزَّ وجلَّ عن أخطائنا الجسيمة كمسلمين، لأنَّ هذه الأخطاء هي التي جعلتْ أهل الكفر يضعفون الثقة في نفوسنا بالإِسلام مبدأً عالمياً للحياة، وينزعون الثقة بالأمة الإِسلامية كأمة قادرة على أنْ تحتل مكان الصدارة بين الأمم، أضف إلى ذلك الرعب الذي قذفته الدول الكبرى في قلوب المسلمين بما لديها من وسائل الدمار وأساليب المكر والخداع.. فكل تلك العوامل جعلت المسلمين يَنْأَوْن بجانبهم عن الإِسلام، ويجعلون ركيزة بقائهم في الحكم تقوم على الاستعانة بالدول الكبرى، والاستناد إليها، لا الاستعانة بالله العلي القدير والاستناد إلى أمتهم، ما دفع الأنظمة في الدول الإسلامية للاستسلام كليّاً إلى الحكام الغربيين والشرقيين معاً، فضاعوا وأضاعوا...
ولذا، فإنَّ الغربيين، ومَنْ وراءَهم من العُملاء، سيقاومون فكرة إعادة الثقة بالأفكار الإسلامية، وبأحكام الإِسلام، وسيبذلون قصارى جهدهم - كما يفعلون - لخنق كل صوت يرتفع بالدعوة إلى الله تعالى، وإلى الدين الإِسلامي.
ومن هنا ندرك الصعوبة لتثبيت صدقية وأحقية الإسلام في أذهان المسلمين.. والسبيل الوحيد لذلك أن يرجع المسلمون إلى دينهم، وإلاَّ ظلَّ الظلم والجور يحيقان بهم إلى أنْ يشاء الله ويغيّر هذه الأحوال والأوضاع التي يئنّون تحت وطأتها!...
الثقة بالنفس
ومن أهم المقومات لصلاح النفوس، أنْ يتحلى الإنسان بالقناعة والثقة بالنفس. ومما يساعد الإنسان على الثقة بنفسه أنْ يعرف قيمته الإنسانية، وما كرَّمه خالقه به؛ وأنْ يكون شعوره بذاته حسناً وراقياً، لما في ذلك من تأثير كبير في سلوكه. فإذا كانت أفكار الإنسان ومشاعره عن نفسه توحي له أنه جدير بحب الناس وثقتهم، وأنه صالح في مجتمعه، وأنه يتحلى بالصفات الحميدة والأخلاق الطيبة.. فإنَّ سلوكه يكون في العادة متفقاً مع أفكاره ومشاعره.. وعلى العكس من ذلك، إذا كان تفكير الإنسان يُشعره بأنه فاشل في الحياة، وغير صالح في تعامله مع أبناء مجتمعه، وأنَّ الناس يمقتون تصرفاته، ويكرهون وجوده وعشرته.. فإن من شأن ذلك أنْ يفقده الثقة بنفسه، وأنْ يزعزع علاقاته بالناس، مما يؤثر في سلوكه، ويجعله غير قادر على القيام بأي عمل فيه نجاح له.
وغالباً ما تنشأ الثقة بالنفس عن التربية في البيت، والمدرسة، والمخالطة في المجتمع، ومن خبرات الإنسان وتجاربه في المواقف التي يتعرض فيها للفشل أو النجاح، للنقد أو المديح، للإحباط أو الثقة...
والتربية النبوية للمسلمين كانت أكبر مثالٍ على غرس الثقة في نفوسهم، فقد عمل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) على أنْ يخلّصهم من مشاعر النقص، والضعف، والتفسخ والعصبية الجاهلية، وغير ذلك من النقائص التي كان الناس يعيشون في أجوائها ولا يشعرون بتفاهتها، وعدم صلاحيتها لنفوسهم وعيشهم، ولقد نجح في ذلك إلى أقصى الحدود من خلال عملية التثقيف التي اعتمد فيها على النصوص القرآنية، التي جعلهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) يعايشونها في الأعماق، ويطبقونها في حياتهم اليومية؛ وكان هو (صلى الله عليه وآله وسلّم) القائد الحكيم، والرسول الكريم، والأسوة الحسنة التي يقتدون بها..
ومن أهم مزايا تلك التربية الإِسلامية تعليم المسلمين القرآن وإفهامهم معانيه، وحثُّهم على التخلّق بأخلاق هذا القرآن المجيد الذي يهدي للتي هي أقوم، ومن ثم الاستسلام لله العلي القدير، والأخذ بالأسباب والمسببات ثم التوكل على الله، والصدق في القول والعمل، والخشية من الله تعالى دون خشية الناس مهما كانت الظروف والأحوال. عن أبي سعيد الخدري أنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «لا يُحَقِّرْ أحدُكُم نفسه» ، فسألوه: وكيف يحقِّر أحدُنا نفسه يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «يَرَى أمراً لله عليه فيه مقالٌ ثُمَّ لا يقولُ فيه. فيقولُ الله عزَّ وجلَّ له يومَ القيامة: ما منَعَكَ أنْ تقولَ فيَّ كذا وكذا؟ فيقول: خشيةُ الناس. فيقول: فإيَّاي كنتَ أحقَّ أنْ تَخْشى»[*] .
وعن تربية الأولاد وحث الآباء على تعزيز الثقة بنفوسهم كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) هو القدوة الحسنة في ذلك، فسيرتُهُ في الحنان والعطف، وحبِّ أولاده، وحبِّه لحفيديه الحسن والحسين (عليهما السّلام)، وبالطريقة التي شهدها الصحابة جميعاً، هي دليلنا على ما كان يغرسُ رسولُ الإنسانية في نفوس المسلمين من أصول صحيحة لتربية أولادهم، حتى يشبُّوا وقد استمسكوا بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، عروة الإسلام الذي يقوِّم النفوس تقوىً وصلاحاً، والتصرفات استواءً وحسناً.. وهذا ما أراده النبيُّ الأعظم في ما روي عن أَنَس من أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان يردّدُ على مسامعنا قوله الكريم: «أَكرِمُوا أولادَكُمْ وأَحْسِنُوا أَدَبَهُمْ»[*] .
ومن المثال على بديهيات تلك التربية المحمدية السامية، ما أولى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) اهتماماً بالاسم، لما له من أهمية على شخصية الإنسان وثقته بنفسه، لأن الاسم الجميل من العوامل التي تكوِّن الشعور الحسن بالذات. ولذلك كان (صلى الله عليه وآله وسلّم) يكره الأسماء القبيحة، ويغيّرها بأسماء حسنة، عن ابن عمر قال: إنَّ أُختاً له كان اسمها (عاصية) فسماها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) (جميلة). وعن أسامة: أن رجلاً يسمى (أصرم) جاء مع نفر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فلما عرف اسمه قال له: «بل أنت زرعة»[*] .
وقد غيّر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) اسم (شهاب) فسماه هشاماً، وغيّر اسم (حرب) فسماه سَلَماً، كما غيّر أسماء العاص والمضطجع وغراب، وغيرَ ذلك من أمثال هذه الأسماء، واستبدلها بأسماء ذات معانٍ حسنة.
كل ذلك يجعلنا ندرك الأهمية التي أولاها الرسول الأكرم لجعل الثقة بالنفس أحَدَ الأسس التي تبنى عليها الصحة النفسية، باعتبار أنَّ النفس تحتاج إلى علاج كما البدن يحتاج إلى علاج.
ولعلَّ المثالَ على اهتمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالاسم ما يُنبئُ عن سائر مقومات التربية الإسلامية التي تهدف إلى ترسيخ الثقة في النفوس، ففي أي وجهٍ من وجوه الحياة: في قوله، وفي تصرفه، وفي معاملة أحفاده وزوجاته، وفي توجيه أصحابه، وفي وعظ المسلمين.. كان رسول الهدى محمدُ بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يتخلَّق بأخلاق القرآن، وينهج على نهج الإسلام، فحقَّ أن يكون «الأسوة الحسنة» كما شاءَ له ربُّ العالمين، بقوله الكريم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا *} [الأحزَاب: 21] ولعلَّ من الحكمة البالغة التي يجب أن يقف عندها الناس ما يبيّنه قوله تعالى: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا *وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً *} [الإسرَاء: 107-108]..
فما من مسلم صادق الإِيمان، يتلو هذا القول الكريم، أو يسمعه إلاَّ ويخرُّ ساجداً وهو يقول: «سبحان ربنا إن كان وعدُ ربنا لمفعولا»؛ وهذا النهج لم يكن نهج المسلمين وحدهم، بل كان نهج السلف الصالح من أهل الكتاب، الذين أوتوا العلم، فقد كانوا يعلمون أنَّ القرآن منزَّلٌ على قلب محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالحق من ربه، إذا يُتلى عليهم يخرون للأذقان ساجدين، حامدين، شاكرين لله تعالى الذي وهبهم نعمة العلم، بما في هذا القرآن، وما يأمر فيه من الاقتداء برسول الإسلام.. فيا حبذا لو أنصف أهل الكتاب - اليوم - أنفسهم وساروا على نهج السلف الصالح، لوجدوا في القرآنِ - من خلال نظرة موضوعية إيمانية صادقة - الحلولَ التي تعالج كلَّ القضايا، بما في ذلك المعالجات النفسية لما يعتور نفوس الناس من المفاسد.. وهذا لا يخرج عن التعاليم التي جاءت بها التوراة ومن بعدها الإنجيل، والتي تحضُّ الناس على الإيمان الحق، والسلوك القويم التي يخلّص النفوس من عثراتها، ويعيد إليها المعافاة والصحة.

cetirizin netdoktor cetirizin csepp cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB