علم النَّفس (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




البحث الثالث: الحِيَل العقليّة

الحيل العقلية هي مشاعر وقائية أو دوافع للسلوك تتحرك في نفس الإنسان لتبرير تصرفاته، أو لوقاية نفسه مما قد يعتريها من اضطرابات، إذا أدرك الدوافع الكامنة وراءها..
والحيل بصورة عامة هي صناعة المكذبين؛ والفاسقين، والمرائين وكل من كان من مكتسباتهم الخلقية الاحتيال والنفاق والخداع والمراوغة، كما كانت عليه أحوال المنافقين في المدينة المنورة الذين كشف الله تعالى في كتابه المبين، عن فعالهم الشنيعة، وما كان يعتمل في نفوسهم من مشاعر موتورة، وخاصة الشعور بالعداوة والبغضاء للمؤمنين، بحيث كانت حيلُهم العقلية تنضحُ عن مكامن تلك المشاعر وأغراضها..
وتبدو الحيل العقلية، إجمالاً، على ثلاثة أنواع هي: الإسقاط، التبرير، وتكوين ردة الفعل.
الإسقاط : وهو حيلة عقلية يحاول الفرد أن يلصق بغيره ما يخالج نفسه من دوافع للعيوب والأخطاء. أي إنه يسقط شعوراً لديه على غيره. ومثاله أَنْ يُضمرَ أحدُهم شعورَ العداء لأحد أقاربه، فيتوهَّمُ أنَّ قريبه هذا هو الذي يستعديه ويعمل في الخفاء لأنْ ينال منه!..
ومن هذا القبيل إسقاط المنافقين مشاعر الخوف والبطش على المسلمين، فقد كانوا يريدون في قرارة أنفسهم أنْ يقضوا عليهم قضاءً مبرماً، ولكنَّ عدم قدرتهم على ذلك جعلهم يظنون أنَّ المسلمين يسعون للتخلص منهم بأية وسيلةٍ كانت، فإذا صدرت صيحة عن المسلمين، أي أية حركةٍ أو استعدادٍ أو تأهّبٍ، توهموا أنها موجهة ضدهم، قال الله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ *} [المنَافِقون: 4].
...فالمنافقون، ومن الأساس، قد دخلوا في الإسلام جُنَّة (أي سترةً) لكي يأمنوا على أنفسهم وأموالهم؛ فمثلاً كانوا يبدون كلَّ استعداد لمناصرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) والخروج معه، وفي الوقت نفسه يحوكون له الدسائس مع المشركين، كما كانوا يخذّلون المؤمنين بالتقاعس عن القتال، وتخويفهم من الموت، وبث روح الشقاق والنزاع في صفوفهم..
وفي هذه الآية الكريمة يصف الله تعالى حالة أولئك المنافقين الجسدية والنفسية، فإذا نظرت إليهم فقد يأخذك العجب مما يبدون عليه من متانةٍ في الأجسام، ومهارةٍ في الحركة، وإذا تحدثوا تصغي لقولهم لما فيه من فصاحة ومداهنة؛ ولكنَّ هذه المظاهر لا يعوَّل عليها كثيراً، لأنها مجرد مظاهر خادعة ليس إلاَّ ، بينما نفوسهم تنطوي على الضعف والوهن، من هنا يشبههم النص القرآني بالخُشُب المسنَّدة إلى الحائط، قد نخرها السوس فصارت هشَّةً، متآكلة من داخلها، مهملة لا تنفع لشيء.. فكان لا بدَّ أنْ يمتلك الخوف نفوسَهم، من أية قوة يظهر فيها المسلمون، خاصة وهم يتحسّبون لئلا ينكشف أمرهم وتدور الدائرة عليهم.. وفي هذا أصدقُ تعبيرٍ عن القلق النفسي الذي كانوا يعانون منه، وعن لواذِهم إلى جوار المؤمنين ولو على حنقٍ ومضض.. وقد أنزلَ الله تعالى قوله الحق الذي يحذِّر رسوله الكريم من أنهم هم العدو المستخفي وراء الخداع والاحتيال لشدة ما يكذبون ويؤفكون، وذلك بقوله تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنَافِقون: 4].
التبرير : وهو حيلة عقلية دفاعية يحاول فيها الإنسان تبرير دوافعه غير المقبولة لجعلها مقبولة. وهذا ما يفعله، عادةً، مرضى القلوب الذين يُفسدون في الأرض، ويحسبون ما يفعلونه صلاحاً، فيلجأون إلى التبريرات التي يخدعون بها أنفسهم لحمل الناس على قبول فسادهم!.. قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ *أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ *} [البَقَرَة: 11-12].
والتبرير غالباً ما يصدر عن الإنسان بصورة تلقائية لا يشعر معها بالخطأ الذي يرتكب، بل قد يقوم بالعمل السيّئ ويظنه حسناً، وقد أعطى القرآن الكريم مثالاً على هذا النموذج من الناس، أولئك الذين يعيثون في الأرض فساداً، فإذا وجدوا من ينصحونهم، ويقولون لهم: {لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} [البَقَرَة: 11] يردّون: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البَقَرَة: 11]. وهذا يعني أنهم لا يدركون حقاً فساد أعمالهم، بل يظنون أنهم يفعلون شيئاً من الصلاح، ولكنَّ ربَّ العزة والجلال، يبطل كلَّ ظنونهم وأوهامهم، ويكشف عن فقدانهم الشعور بسوء ما يفعلون، وأنَّ كلَّ ما يدّعون إنما هي مبررات لا أساس لها من الصحة!..
ردُّ الفعل : ردُّ الفعل هو حيلة عقلية دفاعية أيضاً، وتظهر بسلوكٍ مضادٍّ للسلوك الحقيقي الذي يريد الإنسان إخفاءه. والمثال على ذلك أنْ يبدي أحدهم كثيراً من المجاملة واللين والاهتمام في معاملة شخص آخر لإخفاء كرهه له وشعوره العدائي تجاهه. فالمنافقون كانوا يظهرون أحسن القول للمؤمنين، والإعجاب والتقدير لأعمالهم، ولكنْ كان ذلك بقصد إخفاء مشاعرهم العدوانية تجاههم، قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ *وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ *} [البَقَرَة: 204-205].
وقد روي أن هاتين الآيتين قد نزلتا في الأخنس بن شريق، وتبيّن نصوصهما أنه كان في حقيقته رجلاً منافقاً، يحسن الكلام، فيبدي أمام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بلسانٍ طلقٍ، زلقٍ أنه من المؤمنين، بل ويحلف بالله على ما في قلبه من الإِيمان؛ فكان قولُهُ يعجبُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، لأنَّه مكلّف أنْ يأخذ بظاهر الإنسان حتى تستبين دخيلته؛ ولكنَّ ذلك المشرك كان في قرارة نفسه من ألدّ الخصام للإسلام ورسوله؛ فلمَّا لم يعد خداعه ينطلي على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، ولَّى هارباً، فلا يمرُّ على زروع للمسلمين إلاَّ ويحرقها، ولا على مواشٍ لهم إلاَّ ويهلك منها ما يقدر على إهلاكه، حتى لحق بالمشركين، مرتدّاً، حاقداً..
وهذا ما ينطبق على كل إنسان مثل الأخنس بن شريق، الذي يبطن غير ما يعلن، فينافق، ويخادع ليستر عورات نفسه، أو ليخفي مآربَهُ الفاسدة..
وهكذا يتضح أنَّ القرآن الكريم قد أشار إلى بعض الحيل العقلية التي كانت تعشِّش في نفوس المنافقين، مرضى القلوب، قبل قرون عديدة من اكتشاف علماء النفس الغربيين لتلك الحيل التي تشوِّش - كما يقولون - نفوس المرضى، الذين يأتونهم للمعالجة، وقد اختلطت عليهم الأمور بحيث لا يستطيعون إدراك صحة أو فساد ما يقولون أو يفعلون..
والمرض، في حقيقته، هو الخروج عن الاعتدال الخاص بالإنسان، وهو نوعان: مرض جسمي وهو المقصود بقوله تعالى: {وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [النُّور: 61]. ومرض نفسي وهو عبارة عن الرذائل: كالجهل، والجبن، والبخل، والنفاق وغيرها من عورات الخلق السيّئ، التي يشير إليها قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} [البَقَرَة: 10]؛ ولذلك نجدُ غالبية المرضى نفسانياً يلجأون إلى الحيل العقلية إما لتبرير أفعالهم، وإمَّا للقيام بأفعال تأتي كردة فعل على ما يبطنون في أنفسهم.
تداعي الأفكار أو تجمع الأفكار
إنَّ تداعي الأفكار ليس سوى نمط من أنماط استحضار الأحوال النفسية لبعضها. وهو يتم بصورة تلقائية من دون أنْ يكون للإرادة أي أثر. أي بمعنى آخر إنَّ حدوث أمر حسي يستدعي دائماً تذكُّرَ أمر آخر مرتبط به، وكذلك التفكير في أمرٍ معين قد يثير التفكير في أمر آخر له علاقة به؛ وقد جرى تعريف هذه الظاهرة النفسية التي تسمى تداعي الأفكار «بأنها استحضار الأحوال النفسية بعضها بعضاً بصورة تلقائية، وتسمى الحالة المتقدمة المؤثرة، والحالة التالية المتأثرة». مثال ذلك أن أقرأ كتاباً فأتذكر معرفتي بمؤلّفه، أو بالشخص الذي كان برفقتي عندما اشتريت هذا الكتاب، أو أذهب لزيارة صديق في قريته، فأتذكر ما جرى معي يوم جئت هذه القرية في زيارة قديمة؛ أو أمرَّ أمام المنزل الذي كنت أستأجره فيخطر ببالي كثير من الذكريات التي عشت أحداثها يوم كنت أسكن فيه..
وتداعي الأفكار يحصل: بتجمع عدة أحوال نفسية فردية لتؤلف وحدة متكاملة، فإذا ما بُعثت إحدى هذه الحالات جذبت إليها الحالات الأخرى المتممة لها، وتكون قيمة هذه الحالات الجزئية أو الفردية بما تؤلفه من مجموعات. مثال ذلك: إن تعلُّمَ القراءة يستدعي سماع الأصوات التي تتشكل من الحروف، مضافة إليها الصور السمعية والبصرية وما تحتوي من معان، بحيث يتألف منها كلِّها مجموعات من الكلمات والجمل والأفكار لا يمكن تبيان أجزائها إلاَّ بالتحليل. وهكذا فإن استحضار أي حالة من الأحوال الجزئية تبعث في الشعور جملةً من الأجزاء الأخرى المتممة لها.
مثال آخر: استدعاء الأحوال النفسية بصورة متتالية، كأن تستدعي حالةٌ نفسيةٌ معينة حالةً أخرى مختلفة عنها، وهذه تستدعي حالةً ثالثة، ورابعة... بحيث يتألف منها جميعاً سلسلة متصلة الحلقات من الأفكار التي تتداعى بعضها إلى بعض، وكأنَّ كل فكرة تدعو أخرى لأن تحضرها.. وكل حالة نفسية سواء كانت إحساساً أو انفعالاً، أو فكرة فإنها قادرة على أنْ تستدعي غيرها. ولكن تختلف قوة الاستدعاء باختلاف قوة الإيحاء. فالحبيب يعلم أنَّ ذكرى حبيبه تثير فيه مشاعر الحب، والأنس، والارتياح والسرور، والمجاورة، وأحياناً الزعاق والمشاكسة، والصراخ، ثم الرضى!..والشاعر توحي له بعض المشاهد انفعالات مؤثرة، فمثلاً قد يجلس في ظل شجرة يتأمل نضارة خضرتها. ثم يلتفت إلى الماء يسيل أمامه في الجدول فيصغي إلى خريره، ثم يرقب الصخور على التلة، ويرتفع بناظريه إلى سحابة بيضاء تركن هادئة فوق تلك التلة التي تعشق أن تنزل عليها لتبردَها.. فيبحث عن الألفاظ التي تصور تلك المشاهد وتهيج النفس بما توحي به من المعاني.
والأفكار المتتالية لا تتوقف عن التداعي إلاَّ في حالة الركود الذهني، أو في حالة التأمل الشديد، أو الإدراك المسيطر. غير أنَّ التأمل والإدراك لا يوقفان مجرى الصور إلا ليُغيرا اتجاهه، ويسيرا معه. ولعل الأحلام والمنامات خير مثال على ذلك، لأن النفس تكون أثناء النوم بعيدة عن التأثر بالواقع وأحكام العقل.
ويختلف نوع التداعي باختلاف الحالات النفسية، وهذا الاختلاف يحكمه قانون الاهتمام. وخلاصة هذا القانون: أنَّ حالة نفسية معينة لا ترجح على غيرها من الحالات الأخرى إلاَّ إذا كانت متناسبة مع الاهتمام الحاضر. ولذلك يؤثر الاهتمام في الحياة العفوية، وفي حياة التفكير والتأمل كما يؤثر الانتباه في التداعي.
وعوامل الاهتمام ثلاثة:
1 - شدة التأثير، ومثاله ذكريات الشباب التي تكون أقوى تأثيراً من ذكريات الشيخوخة.
2 - الميول والرغبات، فالطفل مثلاً لا يميل إلا للألعاب التي تجذبه أكثر من غيرها؛ والحديث عن الصحراء يستدعي التفكير بالحر والظمأ، ما يثير الرغبة في الجلوس تحت ظلال الأشجار وبمحاذاة الينابيع الأنهار.
3 - المشاغل الحاضرة، فالإنسان لا يفكر أثناء القراءة إلاَّ بفهم المعاني، ولا يدرك من معاني الألفاظ إلاَّ ما يناسب سياق الكلام.
مما تقدم يمكن أن نشير إلى أنَّ الإنسان كثيراً ما يتعرّض للمؤثرات الخارجية التي تثير لديه الانفعالات، وقد يحاول السيطرة عليها، أو قد يجرُّهُ انفعاله إلى التهور، والإضرار بنفسه، أو بغيره.. وقد تُسبب له الانفعالات الحادة الوقوع بأمراضٍ نفسية أخطر، فتتراكم في نفسه التعقيدات التي تتحول إلى ما يسمى «العقد النفسية».. فيحاول أن يتخلص منها بالحيل الفعلية التي يبتدعها، والتي لا وجود لها في الأصل، إنما يلجأ إليها بدافع إلقاء اللوم على الآخرين.. وقد بيّن القرآن الكريم مختلف تلك الحالات التي تتفاعل في النفس، وقدم لها العلاج بما يتناسب وطبيعة الإنسان.




Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB