علم النَّفس (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




البحث الثاني: العقد النفسيَّة

لقد درج علماء النفس على تسمية «مصادر ومسببات الانفعالات الشعورية، والتصرفات السلوكية المرضية بالعقد النفسية».
ونحن في مقاربتنا لمعرفة العقد النفسية، نعيد التوكيد والتكرار، أنَّ حياة الإنسان لا تستوي إلاَّ بالاعتدال في المشاعر والميول والنزعات، لأنَّ هذا الاعتدال يؤدي إلى التوازن في النفس، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الجسد، فإنَّ صحته رهنٌ بالاعتدال في إشباع الحاجات العضوية والغرائز، فإنْ فقد الاعتدال الذي هو من مستلزمات السلامة النفسية والجسدية، أدّى ذلك إلى الكبت، والقلق والاضطراب، وربما الشذوذ في التصرف والسلوك، وهو ما يُعَدُّ خللاً يورّث العقد النفسية.
وقد ورد في القرآن المبين بعض الآيات التي تشير إلى كثير من العقد النفسية بكلمات: العقبة، الشهوات، الطاغوت، الأرباب، الأهواء، التي سوف نحاول تلمسها من خلال النصوص القرآنية، ومن قبيل ذلك:
عقدة الامتناع
يقول الله تعالى: {فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ *فَكُّ رَقَبَةٍ *أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ *يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ *أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ *} [البَلَد: 11-16].
والرقبة هي العضو في الجسم ما بين الكتفين والرأس؛ والرقبة - في التعارف - اسم للعبد، ولكنَّ بُعدَها - من حيث اللفظ والمعنى - يمتد ليشمل الأسير، والخادم، والسجين، والعامل والمستخدم في التجارة أو الصناعة أو الزراعة، كما نستدلُّ على ذلك من قوله تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البَقَرَة: 177]؛ إذْ لفظة {وَفِي الرِّقَابِ} [البَقَرَة: 177] تشمل مع العبد المملوك، كلَّ مَنْ ملكتَ أمرَهُ، وكان خاضعاً لك لسبب من الأسباب، لأنَّ هذا الخضوع يجعلك تتحكَّمُ برقبته.
وعلى هذا فالغنيُّ الذي يرى من حوله المجاعة تحيط بالناس، ولا يقدم على إطعام جائع، حتى ولو كان يتيماً من أقاربه، أو لا يلتفت إلى هؤلاء المساكين، والفقراء، أو ذوي الحاجات والمتسوّلين المدقعين، بل ويمتنع عن مساعدة مسافرٍ إذا انقطع في غربةٍ عن بلاده، مثل هذا الغني لا بدَّ أن يكون امتناعه عن تقديم يد العون للآخرين ناشئاً عن بخلٍ، أو عن عدم الرغبة في إقحام نفسه. وكذلك الأمر بالنسبة إلى من يرى مظلوماً ولا يسعى إلى عتقه من ظلمه وهو قادر على ذلك، أو من لا يفكّ عقدة محتاج وهو قادر على قضاء حاجته.. فالظلم والحاجة والفقر واليتم، والجوع وما يماثل ذلك من المعاني، يعبّر عنها القرآنُ بلفظة «العقبة» التي لا يقتحمها الإنسان القادر على اجتيازها، لعلّةٍ نفسيةٍ لديه، وهذه العلّة هي التي يسمّيها علم النفس «عقدة نفسية».
عقدة حب الشهوة
يقول الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ *} [آل عِمرَان: 14]. ولقد تحدثنا عن مضامين معاني هذه الآية من قبل، ونكتفي هنا بالإشارة إلى أنَّ الناس الذين زُيِّن لهم حبُّ الشهوات بحيث صار جلُّ اهتمامهم مثلاً اللذة الجنسية، أو تكاثر البنين، أو تكديس الثروات، أو اقتناء الخيول وغيرها من الأنعام، أو تملك العقارات والدور والقصور والمزارع والحدائق.. فإنَّ حبَّ أي شهوةٍ من هذه الشهوات هو بحد ذاته عقدة نفسية، نظراً لتعلق النفس بالشهوة، التي قد تصل لدى البعض إلى حد الهوس، والميل للاستمتاع بها إلى أقصى حدٍّ ممكن.. أضف إلى ذلك أنَّ الخلل الذي قد يطرأ على الشعور بالمتعة، من شأنه أنْ يولّد عقدة نفسية أخرى قد تكون أشدَّ من العقدة الأولى، فمثلاً إذا أصيبت زوجة الرجل أو أحد أبنائه بمرضٍ، وطالت مدة العلاج، فقد يجعله ذلك يكره الأطباءَ والمستشفيات، بحيث تصبح هذه الكراهية عقدةً لديه؛ أو إذا خسر أحدهم مالاً في التجارة فإنَّ هذه الخسارة قد تورث في نفسه الألم، والحزن، والقلق وغيرها من المشاعر التي تتحوَّل مع الوقت إلى عقدة خوف من المتاجرة؛ وقس على ذلك سائر المتع الدنيوية التي تتحكّم في نفس الإنسان، فقد يتحوَّل عدمُ إشباعها وفقاً لما يريد المشتهي، إلى عقدةٍ في نفسه، قد تربكه، وتضنيه..
عقدة التقديس
يقول الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ *} [التّوبَة: 31].
ويقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا *} [النِّسَاء: 60].
ويقول تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا *} [النِّسَاء: 76].
قد يكون الضياع بين تيارات المعتقدات المتعددة من أهم العوامل التي تدفع الفكر إلى التخبُّط، والسير على غير هدى أو صراطٍ مستقيمٍ.. وهو ما يجعل وحدة العقيدة أو المبدأ أكثر ضماناً لإِبعاد الفكر عن ذلك التخبّط، ومن هنا وجوب اعتناق عقيدة التوحيد التي تقوم على الإيمان بوحدانية الله تعالى، والتصديق الجازم بملائكته، وكتبه ورسله.. ومن هذه العقيدة تنطلق جميع التصورات والأفكار والمشاعر والأحاسيس في نظرة الإنسان إلى صنوه الإنسان، وإلى الحياةِ والكون.. ولكنَّ الناس تاهوا بين عقيدة التوحيد والمعتقدات الأخرى فعبدوا الكواكب، والنار، والأوثان، وما إلى ذلك من الأرباب المتفرقة من دون الله تعالى، بينما في الحقيقة {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التّوبَة: 31].
واليوم، وفي خضم هذه الصراعات على مطالب الدنيا - ونسيان الآخرة - فقد صار ضياع الناس أشدَّ مما كان عليه من قبل، حيث طغت الأهواء، فتحولت الأنفسُ إلى حب المال، والشهرة، والشهوات الحرام؛ فكان لا بدَّ أنْ يؤدي ذلك إلى اعتناق العقائد الفاسدة التي تدعو إلى عبادة الشيطان، من دون عبادة الرحمن، أو غيرها من العبادات المزيفة، ولا سيما تلك التي تُغري الشبابَ غيرَ المتديّن بما يؤمِّن له أصحاب تلك الدعوات من سبل للمتع، والعبث والشهوات.. وكان لا بدَّ أن ينشأ الصراعُ في الأنفس، وأنْ يتولَّد عن هذا الصراع ما يمكن أنْ نسميه «عقدة التقديس» لأنَّ فطرة الإنسان تدفعه، وتقوي ميوله إلى عبادة الله خالقه، ومولاه، ومالك أمره، فإذا خالف هذا الميل الفطري، وانساق وراء أيٍّ من التصورات أو التعاليم أو الأفكار الفاسدة، صارت الأهواء هي «المقدسات» التي تجرُّ الناس إلى الكفر، والإِلحاد، والشرك، بل وإلى الفسوق، والمجون، والفجور، والظلم.. وكلُّ ذلك من شأنه أن يؤدي إلى ظهور الفساد مصداقاً لقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الرُّوم: 41]، وهذا الفسادُ هو وراء الشرّ، بكل مظاهره وأشكاله التي تقضي على عوامل التسامح، والمحبة، والتراحم، والتعاون بين الناس وحب الخير واتباع الحق في التعامل.
أجل، إنَّ الإنسان - شاءَ أو أبى، علم أو لم يعلم - يعيش في صراعٍ داخليٍّ مريرٍ بسبب انحرافه عن عقيدة التوحيد، لذلك كانت دعوتنا له بأنْ يعيد النظر في كل ما يجري من حوله، ويسأل عن الأسباب التي تكمن وراء ما يرى من الفساد والشرّ في كل أنحاء العالم، ثم ليتفكّر: هل من خالق إلاَّ الله؟ هل من إلهٍ إلاَّ الله؟ ثم ليسألْ نفسَهُ من جديد، وليسألْ كلَّ من يثق به من أهل العلم والفكر، ما معنى قول الله تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَِنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ *} [الرّعد: 16].
ثم نقول له: إنَّ سبيلك للهدى - أيُّها الإنسان - إنما هو قول الله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *} [البَقَرَة: 256].
أجل إنَّ الكفر بالشيطان وأتباعه، والإيمان بالله تعالى فيه شفاء للإنسان من العقد النفسية، ومن كافة الأمراض التي قد تعتري نفسه، والتي غالباً ما تحصل من «طغيان الأهواء والمخاوف على العقل وسيطرتها عليه»، ولذلك عرَّف البعض العقدة النفسية بأنَّها: «جملة من التصورات أو الانفعالات المكبوتة الناشئة عن حالات صراعية ذات شحنةٍ وجدانيةٍ كبيرةٍ، وهي تؤثر في تفكير الشخص وتطبع سلوكه بطابع الانحراف والشذوذ». ونعطي مثلاً على العقد النفسية - على كثرتها - عقدة النقص أو مركب النقص.
وهذه العقدة، أي عقدة النقص «هي حالة انفعالية تسيطر على المرء من جراء شعوره بقصورٍ حقيقي أو وهمي، وهي تحمله في كثير من الأحيان على كبت عواطفه، فتوقعه في عصاب (مرض) تختلف شدته باختلاف الظروف المحيطة به والوسائل المتوافرة لديه. ولذلك هي عبارة عن مجموعة من التصورات والأوهام والوجدانات الشعورية تؤثر في تفكير وسلوك المصابين، وأكثرهم من الأطفال، وتطبعهم بطابع الانحراف والشذوذ».
وقد ذهب كثير من أصحاب مدارس التحليل النفسي، ومن أتباع «فرويد» بالذات، إلى القول بأنَّ العقد النفسية هي «عقد لا شعورية»، أي إنها مجهولة، ومدفونة في أعماق النفس، ولا يدركها المريض لطغيانها عليه، واستبدادها به، وتسيير سلوكه بما لا يقدر على لجمه، أو مخالفته.
والحقيقة أنَّ ما يجب أن ينصبَّ الاهتمام عليه هو معرفة كيفية معالجة المصابين بالعقد النفسية، لا إذا كانوا يعرفون أو يجهلون تلك العقد لديهم، وأول السبل لذلك معرفة الأسباب الكامنة وراء هذه الأمراض النفسية، وفي رأينا أَنَّ عدم معرفة الأصول التربوية الصحيحة، وعدم اتباع الأساليب والمناهج التي تتوافق وتلك الأصول، سواء في البيت، أو في المدرسة، وعدم قيام علاقات مجتمعية وفق القيم الخلقية والمثل النبيلة، وعدم اتباع التعاليم السماوية الحقة، كل ذلك يُعَدّ من أهم مسببات العقد النفسية، كما سيتضح لنا ذلك عند البحث في أهم العقد النفسية التي تجعل الإنسان قلقاً، مضطرباً!
والنفس تعيش في صراع شبه دائم بين العقد التي تتحكم فيها ومحاولاتها للتخلص منها، فإن نجحت في ذلك، فمعناه أنها استقوت على ما يقلقها، وانتصرت عليه، وإن فشلت فقد تتخفَّى العقد النفسية تحت ظواهر وعوارض مرضية، وتتحول عندها العقدة إلى نقيضها من خلال ما يسميه البعض «عملية التعويض»، كتحول عقدة الحرمان المادي إلى عقدة الجشع أو الطمع، أو البخل؛ وعقدة الضعف إلى عقدة الكبرياء؛ وعقدة الحرمان العاطفي إلى عقدة الرغبة في الإيذاء والشراسة.. وقد تتداخل العقد النفسية مع بعضها، فتكون العقدة ونقيضها في النفس الواحدة مما يسمى «ازدواجية الشعور والتصرف» وهذا ما تكون عليه نفوس أغلب الناس المرضى والأصحاء، وإن كان الفرق في درجة المغالاة والشدة والاضطراب التي تكون أقوى عند المريض نفسانياً.
ولقد أثبتت كل الدراسات في علم النفس أنَّ الناس أشقياء، تعساء، قلقون في كل المجتمعات، باستثناء مَنْ يتبّعون تعاليم الرسالات السماوية الحقة، ويلتزمون بطاعة الله تعالى، والعمل بأوامره ونواهيه، وإن «مقياس الصحة النفسية المتعارف عليه عالمياً بين علماء النفس هو درجة سعادة الفرد وطمأنينته وسكينته». وبقدر ما يلتزم الإنسان بتعاليم الله الحقة، بقدر ما يطمئن ويسعد، وبقدر ما يبتعد عنها، يقلق ويشقى، مصداقاً لقوله تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى} [طه: 123]، وقوله تعالى: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البَقَرَة: 38]. نعم، إنَّ من اتّبع هدى الله تعالى فهو في أمان من الضلال والشقاء. وهذا يعني أنَّ الشقاء هو ثمرة الضلال، ولو كان الضالُّ عن هدى الله غارقاً في المتع واللذائذ، إذ لا بُدَّ أن تنقلب المتعة أو اللَّذة تعاسةً على نفسه، أو رعشة عذاب، وخاصة إذا كانت المتعة حراماً، لأنه ما من متاع حرام إلا وله غصّة تعقبه.. أما المتاع الحلال فهو مشتهى المؤمن، بما يوفّر له من الطيبات التي تألفُها نفسُهُ فتريحها...
والإنسان عندما يضلُّ عن هدى الله تعالى، فلسوف يتخبط - لا محالة - في القلق والحيرة، والتعاسة، والاضطراب، والمرض، والاندفاع من حالة إلى حالة لا يستقر فيها على شيء، ولا يتوازن في أي وضع، فالشقاء قرين التخبّط والضياع، حتى ولو كان في المرتع المبهج. وتكون الشقوة الكبرى في الدار الآخرة {يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ *إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ *} [الشُّعَرَاء: 88-89].
أما من تبع هدى الله تعالى فهو من أتى الله بقلب سليم خالٍ من النفاق، والكفر، والشر، فهو آمنٌ في نفسه، مطمئن إلى ربه تعالى الذي يهديه، فلا يضلُّ ولا يشقى.
وقد حذَّر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) مما قد يطغى على العبد من تصرفاتٍ غير سوية، أو من انفعالات مَرَضِيّة يكون مبعثها العقد النفسية، إذْ رُوي عنه (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «بِئْسَ العبدُ عبدٌ تَخَيَّلَ واخْتَالَ ونَسِيَ الكبيرَ المُتَعالَ. بِئْسَ العبدُ عبدٌ تجبَّرَ واعْتَدَى ونَسِيَ الجبَّارَ الأَعْلَى. بِئْسَ العبدُ عبدٌ سَهَا وَلَهَا ونَسِيَ المَقَابِرَ والبِلَى. بِئْسَ العبدُ عبدٌ عَتَا ونَسِيَ المُبْتَدأَ والمُنْتَهَى. بِئْسَ العبدُ عبدٌ يَخْتِلُ[*] الدّينِ بالدُّنْيَا. بِئْسَ العبدُ عبدٌ طَمَعٌ يَقودُهُ. بِئْسَ العبدُ عبدٌ هَوىً يُضِلُّهُ. بِئْسَ العبدُ عبدٌ رَغَبٌ يُزِلُّهُ»[*] .
ومن أبرز العقد النفسية التي يعاني منها الناس:
1 - عقدة الموت
قد يكون من المسلمات القول بأنّ في نفس كل بني آدم شعوراً بالخوف من الموت، قد يتحوَّل، إذا ما قوي في النفس، إلى عقدةٍ تؤرّق الإنسان.. ولذلك كان الحرص على حياته هو الذي يدفعه للاحتراز من كل ما قد يوقعه في الخطر أو الهلاك الذي يودي به إلى الموت؛ وكثيراً ما يحاول الإنسان الهربَ من هذا الشعور، بل ولعلَّه يجهد لأنْ يحيدَ عن كل ما يذكره بالموت أو مسبّباته حتى لا يفسد عليه حياته، كما تشير إلى ذلك الآية الكريمة بقوله تعالى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ *} [ق: 19].
وليس الإنسان وحده الذي يجهد لأنْ يحيد عن الموت، بل والحيوان الأعجمي كذلك عنده غريزة البقاء، ولذلك تراه يستميت في الدفاع إذا ما هاجمه حيوانٌ آخر لافتراسه، أو إذا ما شَعَرَ بالخطر من أي مصدر جاء؛ ولكنَّ ذلك الخوف من الموت الذي يلازم الإنسان، إذا لم يجد سبيلاً لتلافيه، فقد تستبدُّ به فكرةُ الفناء حتى تصبح من أصعب وأشد العقد النفسية التي تسيطر على انفعالاته وتصرفاته، بل وقد تشكل المصدر الأول لأكثر العوارض النفسية العصابية والذهنية واضطرابات الشخصية لديه، لأنها ناجمة عن القلق الدائم على الحياة، فكان لا بد من إيمان قوي عند الإنسان للسيطرة على الخوف من الموت، وفقاً لما يهدي إليه القرآن الكريم عندما يبيّن لنا أنَّ هذه الحياة هي فانية، وأنَّ ما فيها من لهو ومتاعٍ هو إلى زوالٍ، بينما الحياة الآخرة هي حياة البقاء والخلود، وأنَّ الموت ليس إلا مرحلة ينتقل فيها الإنسان من دار الفناء إلى دار البقاء؛ يقول الله تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *} [العَنكبوت: 64]. والمؤمنون الصادقون يعلمون أنَّ الموت آتٍ لا محالة لقوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النِّسَاء: 78]، ويعلمون أيضاً أنَّهُ حقٌ على رقاب العباد، بل وهو حق يقينيٌ، مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ *} [الواقِعَة: 95] فلا مفرَّ منه.. وهم كغيرهم من الناس يخافون من الموت، ولكنهم يختلفون عنهم بالأعمال الصالحة، لأنَّهم يرتقبون بعد الموت أنْ يُوفَّوا أجورهم التي وعدوا بها من الباري - عزّ وجلّ - تصديقاً لقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ *} [آل عِمرَان: 185].
وتتفرع عن عقدة الموت عدة عقد نفسية أخرى، مثل: عقدة قصر العمر، وعقدة عذاب الموت، وعقدة عذاب القبر.
أ - عقدة قصر العمر
معلومٌ أَنَّ العمر في هذه الحياة الدنيا محدود بفترة زمنية، طالت أو قصرت، والعاقل يعرف أنه ميّتٌ لا محالة، إنْ لم يكن اليوم، فغداً. ولكنَّ الشعور الذي يغلب على أكثر الناس هو الخوف من أنْ يدركهم الموت ولم يحقّقوا أمانيهم، ولم يستمتعوا بخَلاَقِهم، ولذلك تجدهم يتهافتون على هذه الدنيا والأطماع تسلب عقولهم، محاولين اجتناء خيرها لأنفسهم، والتمتع بشهواتها قدر ما يستطيعون؛ ومن حكمة القرآنِ أنَّه يصوّب أفكار الناس ومشاعرهم، فيدركون - ولاسيما المؤمنون - أنَّ الأعمار بيد الله تعالى، وقد قضى لكل واحدٍ من بني آدم أجلاً محدَّداً، لا ينقص ولا يزيد، وذلك منذ تخلّقه جنيناً في رحم أمه، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلاً} [آل عِمرَان: 145]. وقال تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [فَاطِر: 11].
والتعمير يكون بطول الأجل وعدّ الأعوام، كما يكون بالبركة في العمر، والتوفيق إلى إنفاقه إنفاقاً مثمراً، وامتلائه بالمشاعر والأعمال والآثار التي ترضي الله تعالى. ونقص العمر ليس بقلة عدد السنين التي يعيشها الإنسان فقط، بل وأيضاً بنزع البركة منه، وإنفاقه في اللهو والعبث والكسل والفراغ؛ فربَّ ساعة تعدل عمراً، ورُبَّ عام يمر خاوياً فارغاً لا اعتبار له في حساب الحياة، ولا وزن له عند الله تعالى.. فكل فرد من الناس له عمرُهُ وأجلُهُ كما هو مكتوب في اللوح المحفوظ، ويتوهم كثيراً من يظن غير ذلك، أو من يفكر بأنَّ أي شيء يمكن أن يغيِّر في الأجل المحدد إلاَّ أنْ يشاء الله تعالى.
ب - عقدة العذاب عند الموت
ومن المفاهيم الشائعة عند الناس أنَّ ساعة الموت تكون مصحوبة بالعذاب، وأنَّ الإنسانَ يلاقي آلاماً حادةً عند خروج الروح من الجسد، فتنشأ في نفسه من جرّاء ذلك عقدة العذاب من الموت التي قد تصل إلى حد الرعب. ومن أجل تخفيف حدة هذه العقدة يفرق القرآن الكريم بين ما يلاقي المؤمنون عند موتهم، وما يلاقيه الظالمون والمجرمون في تلك الساعة، كما تدلنا على ذلك الآية المباركة بقوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ *} [الجَاثيَة: 21]. إذاً فالعدل الإلهي لا يمكن أن يسوّي بين الذين ارتكبوا السيئات، والذين آمنوا وعملوا الصالحات، بحيث تكون حياتهم ومماتهم سواءً لا اختلاف فيهما، فهذا حكم سيّىءٌ لمن ظن ذلك، لأنَّ لكلٍّ جزاءَه حتى في ساعة الموت، وقبل الدينونة، فأما الذين تداركتهم رحمةُ الله، فقد صدق فيهم قوله تعالى: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ *فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ *وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلاَمٌ} [الواقِعَة: 88-91]. وأمَّا إنْ كان من المكذّبين الضالّين فقد حذَّره الله تعالى من مغبة أعماله وذلك بقوله تعالى: {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ *وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ *وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ ؛ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ *فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى *وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى *ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى *أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى *ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى *} [القِيَامَة: 26-35]، أي إنَّ وليَّك في هذه الساعة أيها الإنسان الذي كذَّبت بدين الله، وتولّيت عن الإيمان هو ما كنت تكره من العذاب عند طلوع الروح وأنت تفارق هذه الحياة الدنيا، بل وهو أولى بك بعد البعث والحساب لما يحلّ بك في نار جهنم من عذابٍ مقيمٍ أين منه العذاب عند النزع الأخير. أما المؤمن فهو على يقينٍ بأنَّ ربه رؤوف رحيم، يتغمَّد من يشاء برحمته، إن في دنياه، أو ساعة طلوع روحه، أو في آخرته، فلا تحكمه بالتالي عقدة العذاب عند الموت حتى القهر، ولذلك يجد الظالم أو المجرم نفسه دائماً يخاف الموت وقد تتغلغل عقدة الموت في أعماقه حتى تؤرّقه، فلا يأوي إلى فراشه إلاَّ ويخاف أنْ يأتي من ينتزع روحه منه، ولا يختلي بنفسه إلاَّ وتهجم عليه هواجس الموت تبدّد راحته فلا يدري ماذا يفعل، ولولا انشغاله بالدنيا لأمات نفسَهُ غمّاً وكمداً، بل ولقضى على حياته بيده!..
ولا سبيل للشفاء من عقدة عذاب الموت إلا بالتوبة النصوح والإخلاص لله تعالى في النية والعمل، وهذه فرصة للإنسان حتى يزيح عن كاهله عبء المظالم والجرائم التي يكون قد ارتكبها وهو سادر، ساهٍ عن عدالة الله تعالى، وعن قهره وجبروته، إذ عندما يتوب إلى ربه، يصبح لديه رجاءٌ بالعفو والمغفرة.
جـ - عقدة القبر
ومن العقد النفسية التي قد تؤرّق الإنسان أيضاً خوفه من القبر، حتى إننا لنجد بين الناس من يخاف الذهاب إلى المدافن أو المرور بقربها ليلاً. ويعزو علماء النفس هذا الخوف إلى رهاب الظلمة، فلا يطيقون الدخول إلى الأماكن المغلقة والدهاليز المظلمة، ولعلَّ هذا ما يفسّرُ خوفَهم الدفين من القبر، ولا سيما عندما يفكرون في أنهم سوف يوضعون في هذه الحفرة تحت التراب، أو في هذه الغرفة المظلمة التي تتكدَّس النعوش فيها؛ ويزداد هذا الخوف عند الذين يؤمنون بفكرة عودة الروح إلى الميت، ساعة يدخلونَهُ في قبره، إذ يبعث الله ملائكة إليه يجرون معه جردة حساب سريعة عمَّا قدَّم في دنياه، ثم تنتقل نفسه بعدها إلى عالم البرزخ، حيث تبقى إلى يوم القيامة، يوم ينشئه الله تعالى النشأة الثانية، ليخرج إلى الحساب.
وقد ذهب أنصار التحليل النفسي إلى القول بإمكانية الوصول إلى نتائج إيجابية في معالجة عصاب الخوف من الأماكن المقفلة، بمواجهة المريض تدريجاً بما يخيفه، علماً بأنَّ «فرويد» نفسه، واضع أسس التحليل النفسي، كان مصاباً بهذا الرهاب ولم يشفِ نفسه منه!.. ما يعني أنَّ المعالجات التي يقومون بها تبقى وقتية، ولا تنتزع من نفس المريض عقدة الخوف من القبر بصورة نهائية. ولا يشفي من هذه العقدة إلاَّ الإِيمان القويّ في النفس بوعد الله تعالى الذي تبرزه الآية المباركة بقوله الحق: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ *} [فُصّلَت: 30].
ويبيِّن هذه الحقيقة القرآنية قولُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّما القبرُ روضةٌ مِنْ رياضِ الجنّةِ أو حُفرةٌ مِنْ حُفَرِ النار»[*] .
والمعنى أنَّ الإنسانَ الذي آمن بالله تعالى، يكون واثقاً من وعده، لأنَّه سبحانه لا يخلف الميعاد؛ ووعدُهُ الذي يبشّر به عباده المؤمنين بالجنة - كما تبيّنه الآية الكريمة - سوف يكون محققاً حكماً، إذْ ساعة احتضاره تتنزَّلُ عليه ملائكة الرحمة، فيرى - بأمر الله - الملائكة أمامَهُ حقيقة يقينية، ماثلة أمام عينيه. وهم يقولون له بألاَّ يخاف من الموت، لأنَّه انتقال من حياة مليئة بالهموم، والآلام، والمشقات إلى حياة مختلفة تماماً سوف يلقاها في الجنة، و ألاَّ يحزن، إذا ما كان في نفسه شيءٌ من أمور الدنيا على ما خلَّف وراءه من ولدٍ أو أهلٍ، لأنَّ ربَّهُ سوف يتكفّل بهم، ويهديهم إلى سواء السبيل؛ فعندما يأتيه هذا الاطمئنان من القرآن الكريم تزولُ كلُّ مخاوفه من ساعة الاحتضار، أو من الدخول في القبر.. وهذا ما يشير إليه أيضاً قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) من أنَّ القبرَ روضة من رياض الجنّة، بما تبشِّر به الملائكة المؤمن الذي أخلصَ الإيمانَ في الحياةَ الدنيا، واستقام على الشريعة، وعلى نهج الله تعالى... أمَّا إذا لم يكن الإنسانُ مؤمناً بالله تعالى، ولم تكن حياتُهُ مستقيمةً على شرع الله ونهجه، فإنَّ العذاب سوف يلاحقُهُ منذ طلوع الروح من جسده، وعند إدخاله إلى قبره، حيث تقدّم له الملائكة جردةً سريعةً عن حياته الدنيا، فيرى فيها المساوئ، والآثام، والمعاصي التي ارتكبها، فيحسّ وهو في قبره، ما ينتظره من عذاب النار، التي سوف يدخلها بما كسب في دنياه!..
2 - عقدة الفقر
وهذه العقدة لها وجهان: الوجه الأول يتمثل في الحرمان الذي يلاقيه الفقير في حياته، وما يجرُّ إليه فقره من القهر والعذاب، حتى يتحوّل الفقر إلى عقدةٍ في نفسه.. فإذا لم يشبَعْ هو، ولم يُطعم أولادَهُ، ثارت في نفسه هذه العقدة؛ وكذلك إذا مرض هو أو أحدُ عياله، ولم يكن بيده المال للعلاج قويت هذه العقدة لديه، وهكذا الأمر بالنسبة إلى سائر الحاجات التي لا يستطيع تأمينها، أو إشباعها!...
أما الوجه الآخر لعقدة الفقر فيظهر في شدة الحرص على المال، وعدم الإنفاق في وجوه البِرِّ والخير.. وقد تستحكم عقدةُ البخل في نفس البخيل حتى تجعله - كما رأينا - لا يسدُّ جوعَ يتيمٍ ولو كان من أقاربه..
وتتولَّد عن عقدة البخل هذه عقدةُ الخوف من الفقر؛ فترى الناس الذين تطغى عليهم مطامع التملك والأثرة والأنانية، يندفعون وراء جمع المال بأية وسيلةٍ كانت، لأنَّ دوافعهم النفسية تنطلق من أمرين: الحب الشديد للمال، والخوف من نفاده أو فقدانه..
وقد يعزو البعض هذا الحرص على المال إلى الحرمان المادي أو العاطفي معاً، فيريد الذين أصابهم هذا الحرمان التعويض عمَّا فاتهم، وهنا يتملَّكهم الجشع والطمع لكسب المال، حتى إذا امتلكوه، وأصبحوا أغنياءَ، فإنَّهم يصيرون مقتّرين، بخلاء، أشحّاء حتى على أنفسهم، لأنَّ ما يؤّرقهم هو الخوف من العودة إلى الفقر!.. وهذا ما لا ينطبق على كثيرٍ من الذين اغتنوا بعد الفقر، إذ تجدهم ينفقون مما رزقهم الله تعالى لأنَّ نفوسهم تألفُ حبَّ الخير عادةً، ولكنَّ تقصيرهم كان بسبب القلة، فلمَّا آتاهم الله من فضله، لم يبخلوا على أنفسهم، ولا على غيرهم... والإسلام قد عالج عقدة الخوف من الفقر - بوجهيها - بل عالج قضية الإنفاق أو جمع المال في حياة الناس، عندما وضع القواعدَ التي تجعل الإنسانَ الذي يعيش في مجتمع إسلامي يطبق الشريعة الإسلامية، مطمئناً إلى غده، بحيث لا يخشى العوز والفقر، ولا يطمع بجمع المال وتكديس الثروات على حساب الآخرين.. وأهم تلك القواعد فرضُ الزكاة التي قرنها الله تعالى بالصلاة، وذلك بأمره الجلل: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البَقَرَة: 43]، بل وعَدَ سبحانه وتعالى الذين يؤتون الزكاة بمضاعفة أجرهم وثوابهم، وذلك بقوله الكريم: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الرُّوم: 39] أي الذين يضاعف لهم الأجر والثواب.. وسوف نبحث في الزكاة بشيء من التفصيل - إن شاء الله - في الفصل المتعلق بـ «الأمان النفسي»..
وإلى جانب الزكاة فقد عزَّز الإسلام في نفوس المؤمنين حبَّ الحسناتِ أو الصدقات، التي يؤتيها المحسنون إلى ذوي الحاجات مباشرة، أو يبذلونها للمؤسسات الخيرية التي تهتم برعاية العجزة، والمرضى، واليتامى.. والآيات القرآنية التي تمتدح المحسنين كثيرة، ومنها قول الله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العَنكبوت: 69]؛ وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عِمرَان: 134]، وهذا أعظم وسام رباني يتقلّده المحسن؛ أنْ يحبَّ الله تعالى العبدَ فهذا شيء عظيم لا تُدانيه أية مكرمةٍ أخرى؛ بل وتبرز أهمية الإحسان بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *} [النّحل: 90]، فالإحسان فوق العدل، إذ إنَّ العدل هو أنْ يعطي الإنسانُ ما يجب عليه، ويأخذ ما يكون له من حق؛ والإحسان أنْ يعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقلَّ مما لَهُ؛ فتحرّي العدل واجبٌ، وتحرّي الإحسان ندبٌ وتطوّعٌ، من هنا كان الإحسان محبّباً عند الله تعالى، وبالإحسان شرَّفَ سبحانه المحسنين بحبّه لهم..
أضف إلى ذلك أنَّ الله تعالى وعَدَ الذين يؤتون الزكاة، ويتصدّقون بالحسنات أنْ يعوّض عليهم ما أنفقوه، مصداقاً لقوله تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سَبَإ: 39]..
تبارك وتعالى قد أمَرَ بالزكاةِ فرضاً وحقاً، وبالإحسان تطوّعاً واختياراً، ولكنه سبحانه أمَرَ الذين ينفقون ألاَّ يسرفوا في الإنفاق ولا أنْ يقتّروا، بل أن يكونوا وسطاً في إنفاقهم، وذلك بقوله الكريم: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا *} [الفُرقان: 67]، وقوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا *} [الإسرَاء: 29].
ومثل هذه الأحكام والتعاليم الإسلامية التي تتناول الزكاة والإحسان، قد أرسى رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) مضامينها في نفوس المسلمين منذ الهجرة إلى المدينة المنورة، حيث أقبل الأنصارُ بتوجيهه (صلى الله عليه وآله وسلّم) وإرشاده على إخوانهم المهاجرين بروحية الانفتاح والمحبة، يقدمون لهم المسكن والمأكل واللباس، ومختلف سبل العون التي تدفع عن نفوسهم شبحَ الذل الذي أرادَه لهم المشركون، عندما فرضوا على كل مسلم قبل أنْ يهاجرَ من مكة، أنْ يتخلّى عن جميع ممتلكاته وأرزاقه وأمواله فكان - بالمقابل - احتضان الأنصار لإخوانهم المهاجرين، على تلك الصورة الرائعة.. حتى إنهم كانوا يؤثرونهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وذلك من أكبر الشواهد للناس على ما للتربية الإسلامية من آثارٍ في تحرير الإنسان من الأعباء التي تثقل على نفسه، وتحفّزه لأن يكون عنصراً فاعلاً في بناء المجتمع السليم الذي يقوم على قواعد العدل والإحسان، ومفاهيم التضامن والتكافل وما يماثلها من المعاني الإنسانية السامية.
ولو اتَّبع المسلمون اليوم تعاليم دينهم، واقتدوا بسيرة نبيهم الكريم، وبالمسلمين الأوائل، ولاسيما المهاجرون والأنصار، لما كان بينهم فقير أو سائل أو محروم، ولاسيما أنَّ الله تعالى قد مَنَّ على كثير من البلدان الإسلامية بموارد غنيّة لا تلبّي وحسب حاجات جميع المسلمين في أقطار الأرض كافة، بل تؤمّن للعالم بأسره بعضاً من الموارد التي لا غنى له عنها.
ولذلك يمكن القول بأنَّ الإِسلام يمتلك سبلَ المعالجات للمشاكل التي يتخبط بها الإنسانُ، سواء كانت أمراضاً نفسية، أو مشاكل اجتماعية.. ومتى وجدت تلك المعالجات، وجرى تطبيقها بروح إسلامية، أمكن للإنسان أن يطمئن إلى أنه غير متروك بلا عونٍ ولا نصير.. ومما يزيد في اطمئنان المسلم إيمانُهُ بأنَّ الرزقَ من عند الله تعالى، وهو يرزق من يشاء بغير حساب. ولا ريب بأنَّ المؤمن هو الذي يثق بعطاء ربه، فلا يخاف من الفقر والإملاق، ما دام يسعى، ويعمل في هذه الأرض، ويوفر أسباب العيش، ثم يركن بقلبه إلى عطاء ربه الكريم. يقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ *} [الذّاريَات: 58]. ويقول عزَّ وجلَّ: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ *} [الذّاريَات: 22].
3 - عقدة الطغيان
قال الله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى *أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى *} [العَلق: 6-7]. إنه الإنسان، يحاول أنْ يطغى في كل شيء، عندما يجد في نفسه مقومات هذا الطغيان، فيضيع عنذئذٍ عن السلوك القويم، وتتلبَّسه الأهواء والشهوات حتى تمتلئ نفسه بالعقد النفسية. لأنَّ الطغيان من أشد الأمراض التي تجلب الشرور والآثام، إذ به يكون الإنسان: ظلوماً، جهولاً، منوعاً، قتوراً، مغروراً، كفاراً، مفسداً، سفاكاً للدماء.. وما أبشعها من أوصاف لمخلوق هزيل، ضعيف، جزوع، هلوع... ومن كان الطغيان دأبه فلا ريب أنه مريض نفسانياً، وتكثر في نفسه العقد المرَضيّة، والله تعالى، وهو أعلم بذات الصدور، هو الذي يصف، في قرآنه المجيد، أولئك الناس بمثل تلك الأوصاف المذمومة حتى يبيّن لنا سفاهة أحلام الطغاة، فنحذرهم، ونتّقي شرورهم، ومن ثمَّ نعقد العزم على التخلص منهم رأفةً بالبشرية، ليس بالقتل، كما يفعل أعداء الإسلام، بل بردعهم عن طغيانهم، بالحكمة ومختلف وسائل الإقناع والتوجيه.. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» ، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «تمنعه من الظلم»[*] ..
وهكذا نجد أنَّ الإسلام، بما أنزل الله تعالى في القرآن الكريم، وبما حفلت به السنة النبويَّة الشريفة، إنما يُقدّمُ خير منهاج يمكن للإنسان أن يسير عليه في هذه الحياة، لأنه وحده الكامل والتام الذي لا يترك صغيرة ولا كبيرة في حياة الإنسان إلا ويبيّن السبلَ لمعالجتها معالجةً شافيةً وكافيةً.. فهو يخلص الإنسان كفرد من عقده النفسية، وهو يخلص المجتمع من مشاكله المتعددة، ويخلص الإنسانية من العثرات التي سقطت فيها بفعل الظالمين المفسدين، وتسلط المشركين والمتكبرين..
وأي مجتمع يطبق الإسلام تطبيقاً صحيحاً وكاملاً، من المحال أنْ تُوهِنَ نفوس أبنائه الأمراضُ النفسية، أو أنْ تتغلغل فيها العقد النفسية. وأي مجتمع لا يراعي حدودَ الله تعالى في كل شيء - حتى ولو كان مجتمعاً إسلامياً في ظاهره أو في بعض مقوماته - ولا يطبق المنهج الذي أرادَهُ المولى - عزَّ وجلَّ - للبشر، بكل حذافيره، فإنَّ الناس، وإن كانوا فيه مسلمين، هم مثل غيرهم، معرَّضون للعقد النفسية والأمراض النفسية.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB