علم النَّفس (الجزء الاول)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




البحث الثاني: النفس

قلنا إنَّ الإنسان يتكوّن من: جسد وروح ونفس.
والنفس هي غير الروح. ويخلط كثيرون بينهما عند كلامهم على التكوين البشري.. فالروح سر إلهيٌّ أودعه الله سبحانه في الكائن الحي. والإنسان مهما بلغ من علم ومعرفة، لا يقدر على كشف هذا السر. ولو أرادَ الله سبحانه أن يعلم الإنسان شيئاً عن الروح لكان هداه الطريق إلى هذا العلم في قرآنه المبين. ولكنه - سبحانه - شاءَ أن يبقيه سراً مغلقاً على الإنسان، ولذلك عندما كان الناس يسألون رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) عن أمر الروح ومـاهيتـها، نزل قول الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً *} [الإسرَاء: 85].. وجُلُّ ما يمكن أن نعرف عن الروح أنها هي باعث الحركة في الكائن الحي، أما ما هي؟ وهل لها شكل معين؟ وأين تكمن في الكائن الحي، وكيف تدخُلُ وتخرج منه؟! فتلك أمور من غـيب الله الـذي لا يعـلمـه إلاَّ هـو سبحانه، بحيث لا يمكن أحداً أن يصل إلى أي علم في البحث عن الروح!..
وأما النفس فهي العقل والقلب وما ينشأ عنها من إدراكٍ وتمييزٍ وغرائز وحاجات عضويةٍ. ولذلك فإننا نرى الآيات القرآنية عندما تتحدث عن النفس، فإنما تعيّنُ خصائصها وصفاتها، ومن قبيل ذلك قول الله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا *قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *} [الشّمس: 7-10]. وقوله تعالى: {وَمَا أُبَرِّيءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يُوسُف: 53]. وقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ *} [المدَّثِّر: 38]. وقوله تعالى: {بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ *وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ *} [القِيَامَة: 14-15]، وقوله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمَان: 34].
ولا يمكن أن نجد مثل هذه الأوصاف للروح، فلا يمكن بالتالي البحث عن إيجاد مقارنة أو تبيان فوارق بين النفس والروح. ولكنهما ترتبطان ارتباطاً وثيقاً في حياة الكائن الحي. وقد فسَّر ارتباطهما في حياة الجنس البشري كل من ابن عباس (رضي الله عنه) والإمام محمد الباقر (عليه السلام) ، وذلك بالاستناد إلى آيات الله البينات. فيقول ابن عباس: «يوجد في بني آدم نفس وروح، بينهما مثل شعاع الشمس. فالنفس التي بها العقل والتمييز، والروح التي بها التنفس والتحرك. فإذا نام الإنسان قبض الله سبحانه نفسه ولم يقبض روحه، واذا مات قبض الله سبحانه نفسه وروحه». ويفسر الإمام محمد الباقر عليه السلام هذا الأمر فيقول: «ما من إنسان ينام إلا وتعرج نفسُهُ إلى سماء الله وتبقى روحه في بدنه، ويصير بينهما شعاع كشعاع الشمس، فإذا أذن الله بقبض الروح أجابت النفس، وإذا أذن الله ببقاء الروح رجعت النفس». يقول الله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ *} [الزُّمَر: 42]. ويُمكن أنْ نُلمَّ من معاني هذه الآية الكريمة: أنَّ الله تعالى يجعل الأنفسَ تستوفي أجلَها حين الموت، أما الأنفس التي لم تستوفِ بعدُ أجلها، أي لم تمت، فإنَّ الله - تعالى - يتوفَّاها وقت النوم، فيمسك كل نفس قضى عليها الموت فلا ترجع إلى جسدها الذي كانت فيه، ويرسل الأخرى التي لم يقض عليها الموت، لترجعَ إلى جسدها فيعاودُ الإنسانُ إدراكه وتمييزه وكافة نشاطاته، لأنَّ الروح بقيت في جسده ولم تفارقه. والنفس المرسلة أو المرجعة تبقى إلى الأجل المحدد لها، أي إلى وقت موتها، وليس إلى وقت توفّيها، لأن في الآية المباركة تمييزاً ما بين الوفاة والموت كما يلاحَظ. إذ بالوفاة تعود النفس إلى الجسد، بينما في الموت لا رجعة لها إليه قبل يوم القيامة. وإنَّ في وفاة الأنفس، إن بالموت أو وقت النوم، ورجوع تلك التي يرسلها الله تعالى إلى آجالها، لآيات لقومٍ يتفكرون، فيعلمون أنَّ القادر على ذلك قادر على بعث الإنسان من جديد يوم القيامة. فهل يتفكَّرُ الناس ويعلمون؟
وهذا التوفّي للأنفس هو من الخصائص التي تفرَّد القرآنُ الكريمُ بإبرازها للدلالة على قدرة الله تعالى في خلق الإنسان وتسيير حياته.. وذلك مع التأكيد أنَّ هذا الكتاب المجيد قد عالج خبايا النفس الإنسانية بدقةٍ متناهية وشمول تام، وكشف عن مكنوناتها الدفينة، ووجّهها قِبَلَ الوجهة التي فيها صلاحها ورضا الله عنها.. وكل ذلك عن طريق القصة أو المثل أو العظة أو الأحكام المتعلقة بهداية الإنسان في نفسه، وبسلوكه النابع من نفسه.
خلق النفس بالاستعدادات
يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا *قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *} [الشّمس: 7-10].
لقد بات واضحاً مما سبق به القول، أنَّ الله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان إنما خلقه من طين الأرض ونفخَ فيه من روحه، ثم أودع في الجنس البشري النظام الذي يقوم عليه الخلق المتتابع، بحيث يكون لكل فردٍ من بني آدم خصائصه النفسية والذاتية، بل والفيزيولوجية التي تميزه عن سائر البشر جميعاً. وهذا التمييز قائم في كل فرد أياً كانت النظريات التي تتحدث عن عوامل الوراثة وتأثير البيئة والاكتساب بالجهد الشخصي، وما إلى ذلك.. ففي داخل كل إنسان نفس؛ وهذه النفس هي من خلق الله تعالى. وهو سبحانه عندما يسوّي هذه النفس، أي يخلقها، فإنه يجعل فيها طبيعة مزدوجة من حيث الاستعداد والاتجاه، أي إنها تكون مزودة باستعدادات متساوية للخير والشر، والهدى والضلال.. وتأتي ميزة الإنسان عن سائر مخلوقات الله الحية - بعد أنْ وضع الله تعالى فيه تلك الاستعدادات - بقدرته على التمييز بين ما هو خير وما هو شر، وبقدرته على توجيه نفسه إلى الخير أو إلى الشر.. من هنا كانت تلك القدرة للإنسان كامنة في كيانه، وهي ما يعبر عنه القرآن الكريم بالإلهام تارة: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا *} [الشّمس: 8]، ويعبر عنها بالهداية تارة أخرى، كما في سورة البلد: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ *} [البَلَد: 10]، وكما في سورة الإنسان أو الدهر: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا *إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا *} [الإنسَان: 2-3]. ففي الإنسان إذًا، قدرة كامنة في صميم تكوينه على صورة استعداد.. والرسالات السماوية، والتوجيهات من أهل العلم والذكر، والعوامل الخارجية إنما وظيفتها أنْ توقظ هذه الاستعدادات وتشحذها، وتوجهها هنا أو هناك. ولكنها لا تخلقها خلقاً، لأنها مخلوقة فطرة، وكائنةٌ طبعاً، وكامنة إلهاماً.
وفي ذات الإنسان إلى جانب تلك الاستعدادات الفطرية الكامنة فيه، قوة أخرى واعية مدركة موجهة، هي القادرة على الاختيار والتوجيه، وهي التي تُناط بها التبعة. فمن استخدم هذه القوة في تزكية نفسه وتطهيرها، وتنمية استعداد الخير فيها وتغليبه على استعداد الشر.. فقد أفلح. ومن لم يستخدم تلك القوة، بل عمل على إضعافها أو توجيهها في الاتجاه الآخر، أي نحو استعداد الشر، وتغليبه على استعداد الخير.. فقد خاب. وهذا ما يعبر عنه النص القرآني بقول الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *} [الشّمس: 9-10]. ومثل هذا الخلق للإنسان: باستعداداته الفطرية وبالقوة الواعية المالكة للتصرف فيه، هو الذي يرفع قيمة هذا الكائن الإنساني حين يجعله أهلاً لاحتمال تبعة اتجاهه، ويمنحه حرية الاختيار - ولكن في نطاق مشيئة الله تعالى التي لا يفلت منها شيء -... فالحرية والتبعة يضعان هذا الكائن في مكان كريم، وذلك بما يجعله من ذوي المنزلة العالية في هذا الوجود، تليق بالخليقة التي سوَّاها الله تعالى بيده ونفخ فيها من روحه، وفضلها على كثير ممن خلق من العالمين.
وإنَّ سنةَ الله تعالى في خلق البشر سنةٌ عامة وثابتة، من حيثُ الاستعداد الذاتي في الإنسان للهدى والإيمان، أو للضلال والكفر. فإذا اختار الإنسان طريق الهدى والإيمان - وفق تلك السنّة الإلهية - فإنه تعالى يأخذ بيد هذا الإنسان، ويقوّي نفسه لينتصر فيها استعداد الخير على الشر، والإيمان على الكفر. ولذلك فإن نفس الإنسان لا تبلغ الإيمان إلاَّ إذا كان مسارها وفق مشيئته تعالى وبإذنه، لأنه يريد الخير للإنسان، بل ويحبُّ لعبده أنْ يكون مؤمناً مهتدياً. يقول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} [يُونس: 100]. ولكن إذا خالف الإنسان سنة الله تعالى في خلقه، وجعل استعداد الشر والكفر يغلب على نفسه، فإنه يكون قد عطل مداركه وخالف طريق الخير ودلائل الإيمان، ولذلك يقع الرجس عليه {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} [يُونس: 100]. بمعنى أنَّ الإنسان ينال هذا الرجس - الذي هو أبشع الدنس النفسي - بسبب تعطيله لمداركه في التعقل والتدبر، وانتهائه بهذا إلى التكذيب والكفر.. ومصيره حتماً إلى النار لأن الرجس يمكن أن يأتي بمعنى «العذاب».. فالنفس الإنسانية إذا رغبت في الإيمان وسلكت طريقه فإنها لا تُمنع عنه، بل على العكس، فتظهر لها السبل ميسّرة أمامها لذلك، والطرق ممهدة، ودلائل الإيمان متسارعة باتجاهها، وذلك لأنه تعالى قد أعدَّ لها تلك السبل والطرق والدلائل، فآمنت بإذنه تعالى وفازت في الدنيا والآخرة. ولذا يكون الأمر عائداً دوماً لاختيار الإنسان، ولكن وفق مشيئة الله تعالى المطلقة.. فالإيمان يهدي إلى العمل الصالح، والكفر يقود إلى العمل السيئ، وعلى كلٍّ جزاء، من ثواب وعقاب. وصدق الله العظيم حيث يقول: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ *} [فُصّلَت: 46]. وحاشا لله تعالى أن يظلم عباده، بل ظلمهم يأتي من أنفسهم لأنَّ العدل الإلـهيَّ يقضي بأن {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البَقَرَة: 286]، أي لها ما كسبت من العمل الصالح الذي يرفعها، وعليها ما اكتسبت من العمل السيئ الذي يحطّها، وما الله بظلاَّمٍ للعبيد.
ونفس الإنسان وما فيها من استعداد للخير أو الشر تبقى موضع علم الله تعالى، ولذلك يحذر - سبحانه - الإنسان من أن يبطن الشر في نفسه، وهو يتوهم أنه بعيدٌ عن عين الرقيب التي لا تنام. يقول الله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البَقَرَة: 235].
{وَاعْلَمُوا} [البَقَرَة: 235].. فيه تنبيه وتحذير، وفيه تأكيد جازم بأنًّ الله تعالى يعلم ما في أنفسكم أيها الناس، وما تخبِّئُهُ صدورُكم. ولو علمتم ذلك لكان أولى بكم أنْ تخشوا الله تعالى الذي يطّلعُ على سرائركم..
نعم إنًّ نفس الإنسان قد تمتلئ بالهواجس المستكنة والمشاعر المكنونة في علاقتها مع ربها، أو في علاقاتها مع الناس. وتلك العلاقات الكامنة في القلوب، الغائرة في طيات الضمائر، يجب أن تحكمها الخشية والحياء من الله تعالى، والحذر من غضبه. ولأنَّ الله سبحانه يطّلع على خفايا الأنفس ومكامنها، ويعلم السرَّ والجهر، فإنَّه يتلطف بعباده ويحذّرهم - فاحذروه - من خبث النيات ونفاق القلوب، وسوء التفكير، فهو - سبحانه - يعلم ما في أنفسكم، ويؤاخذكم عليه مؤاخذة العالم، القادر، المقتدر.. وهو تحذير فيه هزة للضمير الذي يستشعر الخوف والرهبة من أمر الله تعالى، فإذا صحا الضمير البشري، وارتعش رعشة التقوى والتحرّج، عاد فكسب الطمأنينة والثقة بعفوه تعالى وغفرانه وحلمه. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البَقَرَة: 235] يغفر خطيئة النفس التي تستشعر وجود الله تعالى وعلمه ببواطنها، ويحلم على عبده فلا يعجِّل له بالعقوبة، فلعلًّ عبدَهُ الخاطئ يتوبُ.
النفس اللوّامة
ومن حكمة الله السنيّة أن يبيّن لنا تحرّج النفس البشرية وهي متيقظة خائفة متوجسة، لا تتوانى عن المحاسبة في كل حين لأجل أنْ تتبين حقيقة هواها، وتحذر من خداعها وهي التي يصفها البارئُ بأنها «النفس اللّوامة».. والتي تقابلها بصورة مختلفة تماماً نفس أخرى هي «النفس الفاجرة»، أي نفس ذاك الإنسان الذي يريد أن يفجر ويمضي قدماً في الفجور، والذي يكذب ويتولى عن الحق دونما حساب لنفسه، ودونما تلوّمٍ أو تحرج أو مبالاة.
ولبيان أهمية النفس اللّوامة فإنًّ الله سبحانه وتعالى يقرنها - في وَهَج التلميح بالقسمِ الجليل - بيوم القيامة على ما في هذه القيامة من عظمة وتأثير، ليس على مصير الإنسان وحده بل وعلى الكون كله.. يقول الله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ *وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ *} [القِيَامَة: 1-2]. مما لا يدع مجالاً للشك بأنهما أمران عظيمان عند الله تعالى: يوم القيامة والنفس اللوّامة.
والتعبير القرآني الجليل، في هذا التلويح بالقَسَمِ مع العدول عنه {لاَ أُقْسِمُ} [القِيَامَة: 1] أوقع في الحس من القَسَم المباشر. وهذا هو الأسلوب القرآني للدلالة على أهمية الأمرين.
والقرآن الكريم يبيِّن ثلاثة أنواع من النفس البشرية: النفس الفاجرة، والنفس اللوّامة، والنفس المطمئنة. والنفس اللوّامة قد تكون هي النفس التي تندم على ما فات وتلوم عليه. ولكن يستدل من ظاهر التنزيل أن النفس اللوّامة هي التي تلوم صاحبها على فعل الشر، وما لا يستقيم وفطرة الإنسان، أو على التقصير في عمل الخير، وتندم على ما فات.
والمؤمن يلجأ عادة إلى محاسبة نفسه على كل صغيرة وكبيرة: في كل كلمة يقولها، أو عمل يأتيه، أو شيء يريده، أو نية ينويها.. ونفسه هي محل هذه المحاسبة لأنها إمّأ أن تأمره بالسوء، وإمَّا أنْ تجعله يتحسَّر على عمل الخير لماذا لم يقم به على أحسن وجه. وهي تندم عندما تنزلق بصاحبها مع هواه، فلا تردعه ولا توقفه عند حده، ولا تردّه عن غيّه أو ضلاله.. أي إنَّ لومَها يكون على صاحبها الذي جعلها تماشيه، وتلوّمها على حالها لأنها أطاعته واندفعت معه فيما يسوؤه ويسوؤها.
ومهما يكن من أمر، فإنَّ إرادةَ الاختيار التي منحها الله تعالى للإنسان، تجعله مسؤولاً في النهاية، لأنَّ نفسه موكولة إليه. وبما أنَّه موكل بها، عليه أن يرشدها إلى الخير ويقودها إلى الأحسن. أما إذا انتهى بها إلى الشر، فهو مكلفٌ بها، وحجةٌ عليها؛ ويوم القيامة لن تُقبل منه معذرةٌ، ولو أبدى شتى المعاذير عما آتاه في الدنيا، ما دام يملك البصيرة والإرادة، وتشهد عليه جوارحه يوم الحساب. وهذا ما ينبّه إليه القرآن الكريم، بقول الله تعالى: {بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ *وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ *} [القِيَامَة: 14-15].
إنَّ النفس لأمَّارة بالسوء
ليلاحظِ الإنسانُ أنَّه كما في هذه الدنيا كثيرٌ من المتاع والزينة والفتنة.. كذلك في نفس الإنسان أيضاً شهوات ورغائب وأهواء كثيرة.. وزينة الحياة الدنيا قد تغري الإنسان وتجذبُهُ إلى اتباع شهواته، ولكن بفعل وساوس الشيطان ونزعاته، الذي يزين للإنسان أعماله ويدفعه لارتكاب الفواحش ولو أنفق في سبيلها ماله كله. أما إذا شاء أن ينفق في سبيل الله، فإنَّ الشيطان يتصدى له ويعده الفقر والذل والشماتة، وهذا كلهُ من ضعف الإنسان، لأنَّ من أقوى كوامن هذا الضعف حب الشهوات واتباع الأهواء.. بما يجعل لإبليس سلطاناً على هؤلاء الناس المتعلقين بأهداب الدنيا..
هذان العاملان: حبُّ النفس للشهوات، ونفاذ الشيطان إليها بالإغواء، هما أكثر العوامل التي يستهدفها القرآن الكريم لتبيان {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يُوسُف: 53] حيث إن «الألف» و«اللام» في كلمة النفس - هنا - للجنس، فيكون المعنى: أنَّ كل النفوس تأمر بالسوء، ولذلك جاء الاستدراك سريعاً وفي سياق النص نفسه في الآية: {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي} [يُوسُف: 53]، أي إلاَّ ما رحم الله تعالى من النفوس، فعصمها من الانقياد للأهواء والشهوات والمتع، التي هي أكثر العناوين دلالة على السوء في نفس الإنسان!..
وقد ورد هذا التبيان لـ «النفس» في قصة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم، وتحديداً في موقف امرأة العزيز في مصر من يوسف (عليه السلام) ، وخذلانه لها في الاستجابة لرغباتها.. وفي سياق القصة أنَّ امرأة العزيز راودته عن نفسه فأبى واستعصم، ثم أودع السجن - ظلماً - تلافياً لعواقب الفضيحة.. ولكن يشاء الله السميع العليم أن يظهر الحق، فجاءت امرأة العزيز إلى الملك، وقد بدت مؤمنة، متحرّجة، لتعلن الحقيقة: {قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [يُوسُف: 51].
أما يوسف عليه السلام من جهته، وبعد أن بلغَهُ خبرُ اعتراف امرأة العزيز ووضَحَ الحقُّ وبانَ، فقد أراد أن يعلن براءته التامة، ولاسيما عدم خيانة العزيز مع زوجته، كما بيّنه قوله تعالى: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ *} [يُوسُف: 52].
تكليف النفس قدر طاقتها
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *} [الأعرَاف: 42].
الوسع: هو دون الطاقة، فيكون المعنى أنَّ الله تعالى عندما فرض التكاليف على عباده، ألزم كل واحدٍ من هؤلاء العباد بقدر ما يستطيع القيام به من الطاعات، وإنْ كان ذلك دون طاقته. وهذه الرحمة الربانية قد خصَّ المولى بها {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البَقَرَة: 277]، فلا يكلفون بأكثر من طاقاتهم، بل بأقل مما يطيقون، أي قدر وسعهم، أو بقدر استطاعتهم القيام بالتكاليف. أولئك أصحاب الجنة يدخلونها برحمة الله الواسعة وبفضله العظيم، وليس فقط بالأعمال الصالحة النابعة من إيمانهم. ولولا رحمة الله تعالى لما كفى عملهم - في حدود الوسع والطاقة - لدخول الجنة. وهذا ما عناه رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) عندما قال: «لن يُدخلَ أحداً منكم الجنةَ عملُهُ» ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلاَّ أن يتغمَّدني الله برحمةٍ منه وفضل»[*] .
ولكن، لماذا هذه الرحمة التي تصل بالمؤمن إلى الجنة؟
لأنَّ الله تبارك وتعالى علم أنَّ في خلقِهِ من بني آدم عجزاً وقصوراً، بحيث لا يمكن أن تفيَ أعمالهم الصالحة الاستحقاق لدخول الجنة، بل ولا تفي بحقِّ نعمة واحدةٍ من نعم الله تعالى عليهم التي لا تُعدُّ ولا تحصى؛ فكتب على نفسه سبحانه الرحمة، وقبل منهم جهد المُقِلِّ القاصر الضعيف، وكتب لهم بهذا الجهد الجنة فضلاً منه ورحمة، فاستحقوها بما عملوا من الصالحات التي مهدت للرحمة الربانية.
الإنسان لا يملك لنفسه إلاَّ ما شاء الله تعالى
إنَّ المؤمن الصادق الذي يقيم الطاعات لرب العالمين، ويعبده حق العبادة حتى يأتيه اليقين، مثل هذا الإنسان يردُّ كلّ أمر وكلَّ شأنٍ وكل عمل - في كل آنٍ وحين - إلى الله سبحانه وتعالى، لأنَّه يعلم بأنه - عزَّ وجلَّ - خلق كلَّ شيءٍ بقدر، وأنه تبارك وتعالى يدبّر الأمر من السماء إلى الأرض لكل مخلوق من مخلوقاته بحيث لا يملك أحدٌ من هذه المخلوقات لنفسه شيئاً إلاَّ أن يشاء الله. أي بتعبير آخر، إنَّ الله - تعالى - بمشيئته المطلقة هو صاحب الأمر والتدبير، فلا يشاركه أو ينازعه أحدٌ في أمره وتدبيره، وهذا ما يعرفه المؤمن حق المعرفة، ويوقن به حق اليقين، بحيث لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً إلاَّ ما شاءً الله...
أما المشرك فهو في جهل وعمىً مطبقين عن هذه الحقيقة، ولذلك كان المشركون عندما تتنزَّل الآيات القرآنية التي تتوعَّدهم بالعذاب يقولون للنبيِّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يُونس: 48].. ولكن النبيَّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) كان يجيب بأنه لا يملك أن ينزلَ الله تعالى قضاءه بهم، وأن مهمته هي تبليغ الدعوة الإسلامية ليؤمن من آمن عن بينّةٍ، ويكفر من كفر عن بيّنةٍ.. أما أمره وأمر الرسالة التي يحمل، بل وأمر الناس جميعاً - باعتباره رسولٌ للناس كافة - فمردُّه كله إلى الله عزَّ وجلَّ. ولم يكن المشركون ليقنعوا بالحجج التي يقدمها لهم رسول الله، بل ظلّوا يصرّون على أنْ ينزلَ العذاب بهم، إنْ كان هو والوحي الذي يُنزَّل عليه صادقين..فنزل أمر رب العزّة والجلال ليزيح هذا العبء عن كاهل رسوله الكريم، ويجيبهم بقول الحق المبين: {قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أَمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ *} [يُونس: 49].
إذاً هم يطلبون العذابَ - تحدّياً وسخريةً - الذي يهلكهم، ولكنَّ التنزيل الحكيم يبيّن لهم أنَّه لا شأن للنبي بهذا الأمر، وأن هلاكهم مثل هلاك الأمم غيرهم هو أجلٌ محتوم عند رب العالمين، فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون..
وهلاك الأمم عندما يحلّ أجلُهم إمَّا أنْ يكون هلاكاً حسياً بالدمار والفناء، مثل عادٍ وثمود وقوم لوط وكثيرٍ من الأمم الغابرة غيرهم.. وإمَّا أن يكون هلاكاً معنوياً، وذلك بتفكيك أواصر روابطهم ويلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض.. المهم أنَّ لكل أمة أجلَها - وهو ما قدِّر للأمم جميعاً - ويكون هذا الأجل إما لمدة زمنية تعود بعدها الأمة للحياة وتلعب دورها من جديد في الوجود البشري، وإما أنها تضمحلّ وتنمحي شخصيتها وتنتهي كأمة، وإن بقيت منها جماعات أو أفراد كما حلَّ بالهنود الحمر في بلاد أميركا... وكل ذلك وفقاً لسنة الله تعالى التي لا تتبدَّلُ ولا تتحوَّلُ.. والأمة الإسلامية خاضعة هي الأخرى، مثل غيرها من الأمم لسنة الله تعالى في الهلاك.. صحيح أنها خير أمة أخرجت للناس بقول الحق المبين {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عِمرَان: 110]، ولكنها لم تحافظ على كيانها كأمة موحدة تحمل راية الإسلام وتنشرها في ربوع الأرض، ما أودى بها إلى الهلاك المعنوي، بانهزامها على أيدي أعدائها.. وإلاَّ فما بالها وهي ترى الكافرين - ولاسيما في هذه الحقبة من تاريخها الطويل - يمارسون على شعوبها الإسلامية أعتى ألوان الظلم.. ثم يتهمون المسلمين بالإرهاب!..
وهم يضعون حكاماً على بلاد المسلمين ليتولوا عنهم ضربَ وحدة الأمة الإسلامية في الصميم!.
وهم الذين يدنسون القرآن ويتهجمون على رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في أكثر من موضع على سطح الكرة الأرضية!.
وهم الذين يدنسون المسجد الأقصى، ويعملون على هدمه! وفي حريق هذا المسجد على يد يهودي متعصّب حاقد، أكبر البرهان على المخطط اليهودي، ليس لتدنيس الأقصى وحسب، بل لهدمه، وبناء هيكل سليمان (عليه السلام) على أنقاضه!!
وهم الذين يحتلون بلاداً للمسلمين بالقوة العسكرية، ويعذبون أبناءها بالسجون، أو يقتلونهم بالأسلحة الفتاكة!.
وهم الذين يسلبون ثروات البلاد الإسلامية وخيراتها بالخطط الاقتصادية والمالية والسياسية التي ينفذونها بالاحتلال المباشر - أفغانستان والعراق - أو ينفذها عملاؤهم من داخل بلاد المسلمين!...
ومع ذلك كله، فلا تزال الأمة الإسلامية غير مجتمعة على توحيد صفوف أبنائها، والوقوف في وجه أولئك الأعداء لدرء أخطارهم عنها، وعن الإسلام ذاته!.
إلامَ تنتظر الأمة الإسلامية - من خلال العلماء والفقهاء والدعاة الصالحين ومن يؤيد دعوة الحق معهم - لتقول للمسلمين جميعاً: كفى تفرقةً وتنابذاً وخلافاً فيما بينكم، وعودوا جميعاً إلى قرآنكم الكريم وربكم العظيم حتى تكونوا إخوةً في السّراء والضراء، سلماً على من سالمكم، وحرباً على من عاداكم؟! وإلامَ ينتظر القادة المخلصون - المكلفون من ربهم شرعاً - ليعلنوا الجهاد المقدس - كما يفعل أعداء المسلمين بإعلان الحرب الصليبية عليهم - حتى تتخلَّص الأمة من أسباب الضعف والهوان، وتدفع شر هذا البلاء الذي يحيق بها، لتعود كما أرادها الله - عزَّ وجلَّ - خير أمةٍ أخرجت للناس؟!
أجل إنَّ الأمة الإسلامية اليوم في حالة من التفكك والهلاك المعنوي، وستبقى على هذه الحال إلى أن يقيّض الله تعالى لها أسباب النهوض، فتعود بعدها للحياة، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتنشر الخير والسلام بين الناس وفقاً للدور الإيماني والإنساني الذي أناطه الله تعالى بها..
وإذا كان المشركون منذ ما يزيد على ألف وأربعمائة سنة قد كذبوا محمداً رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، واستكبروا عن الاستجابة لدعوته إلى دين الله، حتى وصَلَ بهم الكفرُ إلى أنْ يتحدّوه بإنزال العذاب بهم إنْ كان صادقاً فيما يدعوهم إليه.. أجل، إذا كان ذلك، فمن عجبٍ أن يكون كثير من الناس اليوم - وبعد هذا التقدم في العلوم والتقنيات والمعارف - أشبه بأولئك المشركين فكرياً وسلوكياً، وإلاَّ فكيف ينكرون على القرآن دعوته للهداية والصلاح، وكيف ينكرون على الإسلام أن يكون دين الله الحق؟!!.. بل وكيف لا يعودون إلى الرسالات السماوية الأخرى ويطبقون تعاليمها الأصيلة، بدل أن يزوِّروها ويدخلوا عليها من التحريف ما يذهب بتلك الأصالة؟!!..وما بال كثير من الناس يتفلّتون من منهج الله القويم، فبدل أن يسيروا على تشريع الله التام الكامل، يتبعون هذه التشريعات الوضعية التي غالباً ما تكون ناقصة، ولا تلبي حاجات الناس وتطلعاتهم.. ولو فعل الناس ما فيه خيرٌ لصلاحهم بنبذ التعصب الديني، واتباع شرع الله تعالى لعباده، لكان ذلك أصفى لقلوبهم ونفوسهم، ولعرفوا أنّ الإيمان الديني الحق هو سبيلهم الوحيد للانعتاق من ربقة المادية والتعصب والكراهية والمفاسد والمطامع، والخلاص من كل شرور الدنيا وآثامها. والإنسان بإيمانه يكون أقرب إلى ربه تعالى، كما ربه أقرب إليه من حبل الوريد.
النفس وحبُّ الخير
من طبيعة الإنسان أن يكون شديد الحرص على الخير لنفسه، جزوعاً من الشرِّ والضُّر. وأعجب ما في هذا الإنسان أنه يطلب الخير دائماً، ويجهد في العمل لنيل مطالبه. فإن أعطاه الله، بطر واستعلى على الآخرين، وإذا مسَّه الضرُ - ولو قليلاً - ضعف وتخاذل، ثم لا يلبث بعد كشف الضر أن يعود إلى استعلائه وغروره، حتى ليكاد ينسى - أو يتناسى - أنَّه فانٍ لا محالة، وسيدركه الموت عاجلاً أو آجلاً، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث من في القبور.. بل ويدّعي - بنوع من التوهّم والخيلاء أنَّه حتى لو بعث يوم القيامة، فإنَّ له منزلةً خاصةً عند ربِّهِ وذلك كما في ظنِّهِ الواهم الذي يبيّنه قولُ الله تعالى: {لاَ يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ *وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاَعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ *وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ *} [فُصّلَت: 49-51].
إنه رسم دقيق للنفس البشرية وهو يصورها في تقلبها، وضعفها، ومرائها، وحبها للخير، وجحودها للنعمة، واغترارها بالسراء، وجزعها من الضراء..
والإنسان ذو النفس المتقلّبة الملحاحة لا يسأم ولا يكف عن دعاء الخير. إنه يلحُّ فيه دون أن يملَّ، ويتمنَّى لو يستديم تدفق الخير عليه بلا انقطاع أبداً..
ولكن هذا الإنسان إذا ما مسَّته شدة أو وقع به ضرر، تجده يفقد الأمل والرجاء، ويضيق صدره ويكبر همه، وييأس من رحمة الله ويقنط من رعايته، حتى لكأنَّ الخير غابَ عنه إلى الأبد، ولكأنَّ الشدة باقية عليه إلى الأبد.. وهذه حال مَن ثقته قليلة بربه تعالى، ورباطه به - سبحانه - ضعيف!.
على أنَّ هذا الإنسان إذا ما أذاقه الله تعالى رحمة منه من بعد ضراء مسته، لم يعرف ولم يدرك أنَّ ذلك فضلٌ من ربه، ورحمةٌ يتكرم بها سبحانه على عباده وعبيده.. ومثل هذا الإنسان الذي يغيب عنه إدراك فضل الله تبارك وتعالى، يتصور أنَّ النعمة التي حلَّت به والرخاء الذي أوتيه قد استحقهما بجهده وحذلقته، فيقول: هذا من عملي، وقد نلت ما عملت له، وسوف يبقى لي ويدوم عليَّ! وعندما ينسى المصدر الحقيقي للنعمة والرخاء يصير تصرفُهُ محكوماً، وكأنَّه لا قيامة ولا نشورُ ولا حساب ولا آخرة، فيقول تعبيراً عما يجيش في نفسه {وَمَا أَظُنُّ السَّاَعَةَ قَائِمَةً} [فُصّلَت: 50]!... وحتى لو عادَ له بعضٌ من وعي، واستدرك أنه لا محالة ميت، وأن الرجعة إلى الله تعالى لا محيد عنها - لأنه يرى في واقع الحياة أنَّ الناس يموتون، وأنْ لا أحد منهم يبقى - حتى في مثل هذا الموقف، يتوهم ويظن أنه لو رُجِعَ إلى ربه لكانت له وجاهته الخاصة عنده سبحانه: {وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} [فُصّلَت: 50]!..
إنه غرورٌ.. غرور في النعمة.. غرور في التفاخر بعودة النعمة.. غرور في الاستعلاء على الناس ظناً بقدرته ومواهبه.. غرور بالآخرة وبالساعة.. غرور بالله تعالى العلي العظيم.. إنه الغرور الماحق الذي يحيق بنفس هذا الإنسان حتى تجعله مغتراً - على هذه الشاكلة - بكل شيء، حتى بربه سبحانه وبحسابه يوم القيامة.. وعند هذا الاغترار الذي يجعله يظن أنَّ له عند ربه مقاماً خاصاً، يجيء التهديد في موضعه: {فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [فُصّلَت: 50].. وهذا هو المصير الذي ينتظر الإنسان السادر في غفلته.. فقد غرَّته نفسه فلا يفكر بموازين الله الدقيقة التي تُوزن فيها مثقال الذرة من الخير - الذي يؤتيه الإنسان - كما يوزن فيها مثقال الذرة من الشر - الذي يفتريه الإنسان -، وكله يوم الدينونة محسوب، والمحاسَبُ هو هذا الإنسان نفسه على ما صنعت يداه في الدنيا.. هذه هي عدالة الله تعالى وهي تُـنَـبِّئُ - وتخبر بصورة مسبقة - الذين كفروا بأنَّ عذابهم غليظٌ بما عملوا، لأنَّ ما أَتَوْا من الأعمال كان بسبب كفرهم.. وعلى الرغم من هذا التهديد والوعيد فإنَّ الغرور يظل يفعل فعله في النفوس، ويدفع الكافرين إلى مزيدٍ من المظالم والجرائم التي يرتكبونها بحق الناس.. فبئس هكذا اغترار بالنفس يقود إلى هذا العذاب الغليظ!.
ومرة أخرى يأتي التعقيب بأنَّ ما من نعمةٍ على الإنسان إلاَّ وهي من الله سبحانه الذي يحذّر من نكران النعمة بقوله تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [فُصّلَت: 51].. أعرض عن ذكر ربه بالشكر والامتنان، ونأى عن عبادته وطاعته، ثاني عطفه مزهواً بنفسه، مقبلاً بجوارحه يتقلّب على شهوات الدنيا ومتاعها، ويغوص في ملذاتها وفجورها. حتى إذا مسَّه الشر عاد يتخاذل ويتهاوى، ويصغر ويتضاءل، ويتضرع ولا يمل الضراعة، فهو ذو {دُعَاءٍ عَرِيضٍ} [فُصّلَت: 51].
أية دقة هي هذه الدقة الفائقة في تسجيل كلّ صغيرةٍ وكلّ كبيرةٍ في نفس الإنسان! إنه خالقه - سبحانه - الذي يصفه، خالقه وحده الذي عرف مسالك نفسه وتراكبيها، ويعرف أنَّ نفسه تظل تدور في هذه المسالك الملتوية المنحرفة.. إلاَّ أن تهتدي إلى الطريق المستقيم.. فتستقيم..
قتل النفس البشرية
يقول الله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المَائدة: 32].
يذكر القرآن الكريم قصة «قابيل وهابيل» - ابنَيْ آدم (عليه السلام) - وقتْل أحد الأخوين لأخيه، ثم عجزه عن أن يواري سوأته، حتى بعث الله تعالى غراباً فدلَّه على طريقة دفن الجثة في التراب[*] .. إنَّ تلك القصة وما تحمل في طياتها من عبرٍ وعظات - باعتبار القتل جريمة ضد الحياة التي هي هبة من الله تعالى لمخلوقاته - إنما تؤلف ركيزة شعورية لاستنكار الجريمة، وقاعدة للتشريع الذي يُفرَض لتلافي الجريمة في نفس المجرم، وهو القصاص العادل الذي ينزل به إن هو أقدم عليها بعد أنْ يعلم آلام القصاص الذي ينتظره.. من أجل ذلك يبين الله تعالى عظم جريمة قتل النفس البشرية، وعظم الدفاع عنها والعمل على إنقاذها من القتل. والآية 32 المباركة من سورة المائدة تفيد بأن قتل نفس واحدة بغير نفس - أي في غير قصاصٍ لقتل نفس محترمة، وفي غير دفع فسادٍ في الأرض - يعدل قتل الناس جميعاً، لأن حق الحياة واحد لكل نفس. فقتل واحدة من هذه الأنفس هو اعتداء على حق الحياة ذاته الذي تشترك فيه كل النفوس. وقتل نفس واحدة بغير حق يجعل الناس كلهم خصماء القاتل، وقد وَتَرَهم وِتْر من قصد قتلهم جميعاً، فأوصل إليهم من المكروه ما يشبه القتل الذي حل بالمقتول، فكأنَّما قتلهم جميعاً.
وكذلك دفع القتل عن النفس أو استنقاذها من الموت غرقاً أو حرقاً أو اختناقاً أو اعتداءً أو مرضاً.. أو استنقاذها من ضلال هو أشبه بالموت بالمقياس المعنوي.. أو أي إنقاذ لنفس مشرفة على الموت، فإنَّ مثل هذا الإنقاذ له شأن عظيم عند الله تعالى لأنه إحياءٌ للنفس المحترمة، ومن أحيا نفساً فكأنما أحيا الناس جميعاً.. بمعنى أن أجرَهُ على الله تعالى أجرُ من أحياهم جميعاً، لأنَّ في إسدائه إليهم هذا المعروف، وهو إحياء نظير لهم في الإنسانية أو أخٍ لهم في الإيمان، إنما هو بمنزلة من أحيا كل واحدٍ منهم، إذ في عمله هذا صيانة لحق الحياة الذي تشترك فيه النفوس جميعاً.
هذا ما كتبه الله تعالى على بني إسرائيل لأنهم كانوا يتجاوزون حدود شريعتهم ويعمدون إلى قتل أنبيائهم، وقتل بعضهم لبعض بدون حق..
وهذا ما كتبه الله تعالى على جميع الناس في قرآنه الكريم، لأنَّ جريمة القتل تبقى قتلاً للنفس التي حرَّم الله تعالى قتلها إلا بالحق. وقتل النفس لا يكون إلا بقتل نفس - وفقاً لشروط القتل العمد وأسبابه - أو فسادٍ في الأرض، على اختلاف أنواع الفساد..
كل نفس عليها حافظ
والله تعالى عندما حرَّم القتل، فقد كان هذا رحمةً منه تعالى لصون الحياة. وقد جعلَ - سبحانه - على كل نفس حافظاً يحفظ عنها كل ما تقوم به، ويعينها على خيرها وزكاتها. يقول الله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ *النَّجْمُ الثَّاقِبُ *إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ *} [الطّارق: 1-4]. هذا قسم من الله تعالى بالسماء والطارق. وقبل أن يعلمنا سبحانه على ماذا يقسم يسألنا: أتدرون ما الطارق؟ وكأنه أمر يتجاوز إدراكنا وعلمنا. وهذا صحيح لأنه لو لم يأتِ الجواب على السؤال الاستفهامي لما عرفنا ما هو الطارق. ثم يحدده ويبينه بشكله وصورته: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ *} [الطّارق: 3] الذي يثقب الظلام بشعاعه النافذ.
لقد بات القسم واضحاً.. إنه قسم عظيم بالسماء والنجم الثاقب، لما يحمل كلٌّ منهما من دلالات على عظمة الخلق في السماء وعلى قوة الشهب التي تسير بسرعة هائلة في الفضاء، وتحرق أو تحطّم كل ما تصطدم به أو تنفذ إليه..ومثل هذا القسم من القدير المقتدر من شأنه أن يوقر في الأذهان والقلوب أَنَّ كلَّ نفسٍ عليها من أمر الله رقيب حافظ. فما من نفس إلا عليها حافظ يراقبها ويحصي عليها ويحفظ عنها. وهو موكل بها بأمر الله تعالى، كي يعينها لأنَّها مستودع الأسرار والأفكار، ولأنَّ العمل والجزاء منوطان بها.
فالإنسان إذًا ليس متروكاً سدىً، يفعل ما يشاء من غير حافظ يحفظ عنه كل شيء، أو بلا رقيب أو حارس يمكن أن يحميه من مخاطر كثيرة قد يتعرض لها في حياته.. أبداً ليس الأمر هكذا، بل هنالك إحصاء لكل حركات الإنسان وسكناته بدقة متناهية، يحصيها عليه هذا الرقيب الحافظ، الموكل به من ربه تعالى..
وهذا النص يلقي في النفس إيحاءً رهيباً، حيث تحس بأنها ليست قطُّ في خلوة وبلا رقابة. فهنالك الحافظ الرقيب عليها حين تنفرد عن كل شريك، وحين تتخفى عن كل عين، وتأمن من كل طارق.. هنالك الحافظ الرقيب الذي ينفذ إلى أعماقها، ويكشف عما تبطنه في ثناياها، ويطرق عليها أبوابها كما يطرق النجم الثاقب حجاب الليل الساتر. ويجمع القسم بين مشهدٍ كوني هو السماء، وحقيقة إيمانية هي: أنًّ الله تعالى الذي خلق السماء هو الذي خلق النفس، وكما أوكل بحفظ السماء، فقد أوكل بحفظ النفس، ما يجعل الخلق متناسقاً في الأنفس وفي الآفاق. قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} [فُصّلَت: 53]. سنريهم حججنا ودلائلنا في أقطار السماوات من الشمس والقمر والنجوم النيِّرات، وفي أقطار الأرض من الحيوان والأشجار والنبات، وفي أنفسهم من لطائف الصنعة وبدائع الحكمة، حتى يتبين لهم الحق.
وعندما يتبيّن للنفس الحق، وتشعر بأنها مراقبة بأمر الله تعالى، وأنَّ كلَّ شيء محصيُّ عليها، لزم أن تكسب ما يهديها ويوصلها إلى الجنة ويبعدها عن النار. وقد أكد القرآن الكريم على هذه الحقيقة بقولِ الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البَقَرَة: 286].
والله تعالى اللطيف الخبير لم يترك نفوس الناس حيارى، لتسير في الدروب بلا دليل أو هداية.. بل بيّن لها الطريق المستقيم الذي يمكن أنْ تسلكه إلى ربها على بصيرة من أمرها. فلها أنْ تختار هذا الطريق فتفوز، ولها أنْ تسلك غيره فتردى.. لأن تبعة كل نفس لذاتها وعلى ذاتها، وهي مجزيَّةٌ بما تكسبه باختيارها، ومحاسبةٌ على أعمالها وأوزارها.
مراحل النمو لدى الإنسان
من الاهتمامات البارزة في علم النفس، دراسة مراحل النموّ التي يمرُّ فيها الإنسان، وتأثير عوامل الوراثة والبيئة في تكوين بنيته الجسدية والنفسية..
وأهمية دراسة مراحل النمو تلك، كما يقول علماء النفس، أنَّها تمكّن من معرفة شخصية الطفل خلال المراحل الأولى لنموّه، ومعرفة العوامل المؤثرة في شخصيته وسلوكه، بحيث يصبح بالإمكان لاحقاً، السيطرة على تلك العوامل لإعداد الطفل إعداداً صحيحاً، قد يجعله بمنأى عن الاضطرابات النفسية والانحراف، وقادراً على التكيّف مع الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه. ويبدو، أنه على الرغم من كثرة الأبحاث التي قدمها علماء النفس، والتجارب التي أجروها - على الحيوان والإنسان - فقد جاءت نظرياتهم مختلفة حول مراحل النموّ، وبناء الشخصية المتكاملة، ما يستدعي التعرف ولو بنظرة سريعة ومختصرة، إلى خلاصة ما توصلت إليه أهم المدارس التي نشأت في الغرب، وكان اهتمامها منصباً على دراسة وبحث علم نفس النموّ لدى الإنسان..
ولما كان العلم الحديث، ولا سيما علم الأجنة قد بيّن بصورة واضحة كيفية حصول الحمل وتكوين الجنين، فإننا سوف نستفيد مما قدَّمه هذا العلم، لنعود ونبحث في مختلف المراحل التي يمرّ فيها الإنسان من طور الرضاعة والطفولة، إلى طور الفتوة والشباب، وصولاً إلى مرحلة النضوج الفكري والشيخوخة وذلك من خلال ما توصّل إليه المفسرون والمفكرون من فهم للآيات القرآنية، ولما جاءت به السنة النبوية التي تدلُّ جميعها على أنَّ يدَ العناية الإلهية هي التي تتدرَّج بالإنسان منذ أن يكون نطفة من منيٍّ يُمنى حتى يصير بشراً سويّاً.
أولاً: أهم نظريات علم نفس النمو في الفكر الغربي
1 - نظرية التحليل النفسي - الجنسي:
ويغلب على هذه النظرية الطابع البيولوجي، لأن صاحبها سيغموند فرويد كان متخصصاً في طب الأعصاب؛ وتدور أفكاره حول وجود طاقة كامنة في الإنسان يسميها (ليبيدو libido ) تنبعث من غريزة أساسية هي غريزة الجنس والعدوان (Sex and aggression) . وتدخل هذه الطاقة أثناء نمو الطفل، في صدام حتمي مع المجتمع والقيم السائدة فيه، ونتيجة هذا الصدام هي التي تحدد الصورة عن شخصية كل فرد..
ويعوّل «فرويد» كثيراً على فهم النظام النفسي الداخلي للإنسان، والتحوّلات الكيفية التي يمرّ بها، مع التركيز على مدى انتظام مراحل من النموّ فيما يسميه فرويد (عملية التثبيت Fixation (، التي تعود بأسبابها إما إلى إسرافٍ في الإشباع، أو إلى إحباطٍ ناجم عن عدم الإشباع. فعندما تتشبَّث العوامل المؤثرة في نفس الإنسان خلال تلك المرحلة وتثبت في ذهنه، فإنها تجعله يتعلق بتلك المرحلة لناحية شعوره باللذة من الإشباع. أو لناحية التعويض عن الحرمان من اللذة بسبب النقص في الإشباع. أما إذا لم يكن هنالك إفراط ولا تفريط، فإنه يحصل الإشباع الصحيح الذي ينقل الطفل إلى مرحلة أعلى من النضوج النفسي، ويكون مترافقاً دائماً مع النضوج الفيزيولوجي.. ويرى «فرويد» بأنَّ الطفل إنما يستمد إشباعه لطاقته الغريزية في كل مرحلةٍ من مراحل نموه، من خلال عضو معين في جسمه؛ لذلك سمَّى مراحل النمو بأسماء أعضاء الإِشباع. فقال: إنَّ المرحلة الأولى هي «المرحلة الفميّة» - نسبةً إلى الفم - وتنقسم إلى فميّةٍ مبكرة يتمثل الإشباع النموذجي فيها بالرضاعة ومصّ الأصابع، وهي مرحلة أخذ.. وإلى فميّةٍ متأخرة تبدأ مع بروز الأسنان وعملية العضّ، وتتميز هذه المرحلة بثنائية العاطفة، أي حب الطفل وكراهيته للأشياء والأشخاص؛ تبعاً لما تؤمّن له علاقته بالأشياء من حوله، أو بالأشخاص الذين يحيطون به، من إشباع أو عدم إشباع...
والمرحلة التالية بعد المرحلة الفميّة سماها «فرويد» «المرحلة الشَّرجية»، وهي تمتد على مدى العامين الثاني والثالث حيث يحصل الطفل على اللّذة خلالهما من الغشاء الداخلي لفتحة الشرج عند الخروج. وميزة هذه المرحلة استمرارية الثنائية في المشاعر، وظهور نزعة للعطاء، مع حب الأخذ..
ثم تليها المرحلة القضيبية خلال العامين الثالث والرابع، وفيها ينتقل مركز الإشباع إلى الأعضاء التناسلية، مع بدء اهتمام الطفل الذكر بالنظر إلى أبيه كمنافس له في حب الأم، وبدء ميل الطفلة إلى أبيها، بحيث تشعر بالغيرة من أمها.. وقد سمى «فرويد» هذه الظاهرة بعقدة أوديب[*] ..
ويزعم «فرويد» أنه في الظروف الطبيعية للنمو يتوحَّد الطفل الذكر مع أبيه، والطفلة مع أمها، ويقصد بالتوحّد: الإِعجاب والمحاكاة والاقتداء. فإذا ظهر ما يخالف ذلك فمعناه وجود خللٍ في النمو النفسي.
ثم تأتي مرحلة (الكُمون) وتمتد من السادسة وحتى سن البلوغ، وخلال هذه المرحلة ينشغل الطفل عن ذاته بالأشخاص الذين من حوله، ولاسيما أهله وأترابه؛ ودافعه إلى ذلك جذب انتباههم إليه لكي ينال إعجابهم واهتمامهم به، وبكل ما يفعل.. ويقول «فرويد» إن هذه المرحلة تعتبر مرحلة هدوء من الناحية الانفعالية..
وأما المرحلة الأخيرة، فهي مرحلة النضوج التي تتكامل فيها الميول الجنسية؛ وعلامة نجاحها في نظر «فرويد» تظهر من خلال الاتصال الجنسي الطبيعي مع فردٍ راشدٍ من الجنس الآخر...
ويبدو من مجمل آراء «فرويد» أنه يجعل مظهراً واحداً من مظاهر غريزة النوع، أي الشعور الجنسي، الأساس لجميع مظاهر الغرائز لدى الإنسان، لا بل ويسمى الشعور الجنسي «الغريزة الجنسية» التي تشكل المحور الذي تدور حوله مختلف ميول الإنسان ونشاطاته، بحيث إنَّ كل تصرفاته تنطلق من دوافع جنسية، وغايتها تحقيق الإشباع الجنسي.. وهذا ما جعل نظريته موضع انتقادٍ شديدٍ. من قبل كثير من الباحثين، ولاسيما من بعض تلامذته أنفسهم..
2 - نظرية التحليل النفسي - الاجتماعي
أسس لهذه النظرية أحد تلامذة «فرويد»، واسمه «إيريك إيركسون»؛ الذي خالف أستاذه في عدة أمور، وذلك بإعادة تشكيل مراحل النمو للطفل من خلال تركيزه على الطابع الاجتماعي والثقافي، بدلاً من الطابع العضوي الجنسي، ومن غير أن يبتعد كثيراً عن النموذج الفرويدي.. كما قام بتوسيع إطار علاقة الطفل بالبيئة التي يعيش فيها لتشمل المجتمع بدلاً من الاقتصار على علاقته بوالديه كما فعل «فرويد»..
وقد اعتبر «إيركسون» أن مرحلة الطفولة ليست بذات أهمية كبيرة نظراً لإمكانية تخطّي كثير من المشاكل التي تنشأ خلالها عن تجارب سلبية تشكل ما يعرف بالأزمات أو الفترات الحرجة (Critical periods) .. وقد قَسَّمَ مراحل النمو النفسي بحسب نظريته إلى ثمانية مراحل مستخدماً لكل مرحلة تعبير «الإحساس»، إشارة إلى الشعور الوجداني بالنجاح أو الفشل في مواجهة الأزمة ضمن المرحلة الواحدة..
المرحلة الأولى : الإحساس بالثقة بدلاً من الإحساس بالشك، وهي تشمل العامين الأولين من حياة الطفل، وترتبط الثقة بالإشباع العاطفي، والإشباع المادي - الغذائي - الذي تقدمه الأم لوليدها في هذه المرحلة. فكلما كانت عاطفة الأم قوية واهتمامها منصبّاً على إشباع جوعه، عزَّز ذلك الثقة لديه. أما إذا شعر ببرودة العاطفة لدى أمه وعدم تجاوبها مع حاجاته وابتعادها عنه، فإنَّ ذلك يؤدي إلى تكوين شخصية عديمة الثقة لدى هذا الطفل..
المرحلة الثانية : الإحساس بالذاتية المستقلة، مقابل الإحساس بالخجل، وتمتد من عمر السنتين إلى الثلاث. واجتياز هذه المرحلة بنجاح يعتمد على قدرة الطفل في السيطرة على بيئته، والقيام ببعض الأعمال البسيطة دون أن يعتمد فيها على الغير، ودون تردّدٍ أو خوفٍ من الفشل..
المرحلة الثالثة : الإحساس بالمبادرة، أي المبادأة مقابل الإحساس بالذنب. وتتراوح بين سن الرابعة والخامسة، وترتكز على طبيعة علاقة الطفل بالبيئة التي يعيش فيها، حيث يمكن أن يمرَّ بعلاقات تتفاوت بين تجارب تشعره بالمرارة والألم، أو تجارب تشعره باللذة والارتياح..
المرحلة الرابعة : الإحساس بالإنجاز مقابل الإحساس بالنقص. وتمتد هذه المرحلة ما بين السابعة والحادية عشرة، وهي تمتاز بزيادة احتكاك الطفل مع أترابه، وبروز طبائعه الاجتماعية، ويرتبط نجاح هذه المرحلة بمقدار نجاح علاقات الطفل مع غيره، وتعامله مع وسطه..
المرحلة الخامسة : الإحساس بالهويّة مقابل الإحساس بالاضطراب. وهي مرحلة المراهقة التي ترسم الخطوط العريضة للصورة التي ستكون عليها شخصية الإنسان، إذ تتبلور خلالها ذاتيته التي تؤهله لإثبات وجوده في بيئته، واقترابه من النضوج الذهني..
المرحلة السادسة : الإحساس بالألفة مقابل الإحساس بالعزلة.. وهي مرحلة النضوج الاجتماعي الذي يتأتى من أمرين: العلاقة مع الآخرين، وظهور الألفة والمودة في الصلات التي يقيمها مع الناس.
المرحلة السابعة : الإحساس بالأبوة أو الأمومة مقابل الانطواء على الذات.. وهي تتطلب مستوى كافياً من النضوج الجسدي والشعوري، والقدرة على العطاء والاعتناء بالغير، ومدى تحمل المسؤولية بدلاً من الأنانية وتجنّب المسؤولية..
المرحلة الثامنة : الإحساس بالتكامل مقابل الإحساس باليأس.. ويعبُر هذه المرحلة بنجاح من وصل إلى تقبُّل دوره في الحياة، وأحسنَ الظنَّ بنفسه على إمكانية أدائه للمهام المناطة بهذا الدور، ما يؤدي إلى الشعور بالرضا والاطمئنان النفسي. ويقابل ذلك، الشعور بالاشمئزاز والسخط وعدم الرضا، وكل ما يجعل الإنسان في حالة من اليأس، لا يتقبَّل معه الحياة بروح الوعي والعزم على خوض معترك الحياة بالجدية اللازمة.
المدرسة السلوكية
يهتم السلوكيون بدراسة تأثير البيئة على سلوك الطفل، والعلاقة بين ما يثيره (stimulus) والاستجابة (response) للإثارة، من دون البحث عن محاولة إرجاعه إلى مرحلة الطفولة المبكرة، كما يفعل المحللون النفسيون.
وتذهب هذه المدرسة إلى القول بأنه تصدر عن الطفل استجابات عديدة نتيجة لتفاعله مع محيطه، فتتحول الاستجابات التي أعقبتها لذة، أو التي قوبلت بالتعزيز والدعم لتصبح جزءاً من سلوكه، وبالمقابل تتلاشى الاستجابات التي يعقبها ألم، أو لا تلاقي دعماً أو تعزيزاً..
وفي مجال معالجة السلوك، كمعالجة طفل مصاب بالقلق، أو الخوف من سلطة المدرسة، فإنَّ المعالج السلوكي لا يبحث عن ذكريات الطفولة، ولا يعالج الخوف على أنه نتاج لعوامل لا شعورية، أو صراعات أوديبية في المراحل المبكرة من النمو الجنسي، بل يجعل هدفه الرئيس القضاء على أسباب القلق، أو تحرير الطفل من عقدة الخوف التي لازمته، أي إنه يعمل على التغيير المباشر للمشكلة، فينظر إلى الاضطرابات على أنها سلوك شاذ أمكن اكتسابه به بفعل أخطاء في عملية التعلم[*] ، بحيث يكون عليه تشخيص الأسباب التي أدت إلى هذا التعلّم المَرَضي، ثم السعي لإزالتها..
ومن رواد هذه المدرسة الطبيب الروسي «إيفان بافلوف» (Pavlov) و«جون واطسون» و«سكينر» الذين أجروا تجارب عديدة، ودراسات عملية لسلوك الحيوان، وذلك لاعتقادهم بأنَّ القواعد التي يتغيّر على أساسها السلوك عند كل الكائنات الحية واحدة في عملية النمو أو التعلّم. كما يعتقد أصحاب هذه المدرسة بأن السلوك المعقد محكوم بالمبادئ نفسها التي تحكم السلوك البسيط. وقد واجه هذا الاتجاه في دراسة الظواهر النفسية اعتراضات عديدة، وذلك لإغفاله كثيراً من جوانب النفس البشرية كالتفكير والوجدان، وما يماثلها من الملكات الكامنة في النفس.
3 - المدرسة المعرفية
يُعتبر «جان بياجيه» (Jean Piaget) أبرز أعلام الاتجاه المعرفي في القرن العشرين، وقد كان له الدور الأكبر في التأسيس لهذا الاتجاه تنظيراً واختباراً..
ويهتم أصحاب هذه المدرسة بدراسة تطور عمليات المعرفة أثناء النمو من خلال منظاري البنية العقلية والوظائف العقلية، إذ يرون بأن الفارق بين الراشد والطفل فرقٌ كيفيٌّ يرتبط بطرق التفكير، وليس فرقاً كميّاً يتعلق بكمية المعلومات والمخزون الفكري، وبأنَّ الأطفال يعرفون أكثر مما يتكلمون..
والتفكير عند بياجيه له وظيفتان محكومتان بصفة الثبات، وهما التنظيم والتكيّف اللذان ينبنيان على عمليتين: عملية التمثيل (Assimilation) وهي عملية إدماج المعلومات المكتسبة في البناء المعرفيّ، وعملية الاستيعاب (Accomodation) وتهدف إلى توجيه معلومات الطفل لتتلاءم مع كل جديد يتعرف إليه فيثيره.. فعندما يتعلم الطفل كلمة «عصفور» مثلاً، ويربطها بصورة العصفور التي انتقلت إلى ذهنه عبر الحواس؛ وعندما يتعلم أن العصفور يطير، فإنه يشير إلى الفراشة التي يراها تطير على أنها عصفور، ففي ذهنه أنّ كل ما يطير هو عصفور، ولكن عندما يقال له إنّ هذه فراشة وليست عصفوراً، يتعدَّل المفهوم في ذهنه ليصبح: ليس كل ما يطير عصفوراً، وبذلك تتغيّر لديه المعاني الداخلية عن الأشياء لتتناسب مع المعلومات الجديدة التي اكتسبها. والذكاء لدى المعرفيين يشمل التكيّف البيولوجي (الجسدي) مع البيئة التي يعيش فيها الطفل، ومع النشاط الفعلي الذي يقوم به في هذه البيئة. وقد قسَّم بياجيه تطور الذكاء لدى الطفل إلى أربع مراحل رئيسية:
1 - المرحلة الحسية الحركية: وتمتد ما بين الولادة ونهاية العام الثاني، حيث ينشغل الطفل بمعرفة كل ما تقع عليه حواسه وما يمكن أن يدركه من خلال سلوكه الحركي.
2 - مرحلة التفكير الرمزي (ما قبل العملي)، وتمتد من نهاية العام الثاني إلى العام السابع. وتنقسم إلى طورين ينتقل خلالهما الطفل من تصنيفات بسيطة للمدركات الحسية وعلاقتها ببعضها إلى تصنيفات أكثر صعوبة، وإدراك ثبات خصائص الأشياء عند تغير شكلها، مثل إدراك ثبات كمية المياه عندما نسكبها من إناء مستدير إلى إناء مستطيل، وتغير شكلها تبعاً لشكل الإناء الجديد الذي وضعت فيه.
3 - مرحلة التفكير الواقعي - المادي: وتمتد من نهاية السنة السابعة إلى نهاية السنة الحادية عشرة، حيث يصبح بإمكان الإنسان تصنيف الموجودات إلى كائنات حية وجمادات مثلاً، كما يتكوّن لديه مفهوم الزمن.. إلاَّ أنه لا يقدر خلال هذه المرحلة على التفكير المجرَّد عن المحسوسات.
4 - مرحلة التفكير المجرَّد: وهي ما بين الثانية عشرة والخامسة عشرة، وفيها يصبح الإنسان ناضجاً. ويستمر في هذا النضوج إلى نهاية عمره، فيكون قادراً على التفكير المجرّد، وحل المشكلات التي تتطلب التفكير الفرضي الاستدلالي، أي إنه ينظر إلى الواقع من زاوية المبدأ الفكري الذي يؤمن به لتحقيق أهدافه في الحياة..
تلك هي خلاصة الاتجاهات التي اعتمدتها كل من تلك النظريات أو المدارس التي نادى بها علماء النفس في الغرب، من خلال أبحاثهم في مراحل النمو لدى الإنسان.. وقد علّلت كل منها مقومات قواه النفسية، وسلوكه في بعض جوانب من حياته النفسية تبعاً لما استندت إليه من فكرٍ فلسفي أو علم تجريبي، ما جعلها بعيدة عن أن تقدم نظرة شاملة لكل معالم النفس الإنسانية..
بل وحتى العلم التجريبي الذي قام به علماء النفس في الغرب كان مقتصراً على عينات من الأشخاص الذين أخضعهم لتجاربه. والأدهى أنه قام بتجارب على الحيوانات، وأراد تطبيق نتائجها على الإنسان الذي يختلف اختلافاً كلياً في تكوينه البيولوجي والنفساني عن الحيوان، ولا سيما هذا التكوين النفساني الذي نجد الفوارق فيه شاسعة بين إنسانٍ وآخر، فكيف بين الإنسان والحيوان.. فكان من الطبيعي أن تقصّر تلك النظريات والمدارس عن تقديم مذاهب نفسية قادرة على تمكين الإنسان من اعتناق عقيدة التوحيد، وامتلاك المفاهيم الصحيحة عن الحقائق والمثل العليا والقيم المعنوية والإنسانية.. ولذلك نجد الطابع المادي هو الذي يغلب على حياة الإنسان في الغرب من جراء المناخات الفكرية التي يعيشها، سواء كانت تتعلق بالأمور السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، أو بالمناخات الفكرية ولاسيما تلك التي تبحث في النفس. وهذا الطابع المادي هو الذي يبعد الإنسان - أينما وجد - عن الروحانية التي من شأنها أن تسمو بالإنسان إلى معارج الرقى. والتكامل في حياته!..
وقد أدرك كثير من المفكرين والباحثين في الغرب تأثيرات المناخات المادية الفكرية والحياتية - على الإنسان الغربي، وقصور مدارس علم النفس في نظرتها الجزئية للإنسان، فقام البعض ممن يعدون أنفسهم من الخبراء المعنيين، بمحاولات توفيقية بين مختلف مذاهب علم النفس، وذلك لناحية دمج بعض النظريات مع نظريات أخرى.. فظهرت مدارس جديدة مثل مدرسة المعرفية السلوكية (Cognitive behavioral) ، والمدرسة المعرفية السلوكية - الاجتماعية (Cognitive behavioral social) وغيرهما من المدارس، التي لم تستطع على الرغم من الجهود التوفيقية التي بذلتها، أن تقدم دراسة شاملة متكاملة تراعي مختلف جوانب النفس الإنسانية، ومختلف مظاهر السلوك لدى الإنسان.. وليس هذا من باب التقصير الفكري ولا النقص في الاختبارات التجريبية، وإنما سببه عدم قدرة العقل البشري على الإحاطة بكل معالم النفس الإنسانية، لأنه لا يعلم هذه النفس بكل مقوماتها ومكنوناتها إلاَّ خالقها سبحانه وتعالى..
من هنا، يمكن أنْ نقول بأنَّ على المعنيين بدراسات وأبحاث علم النفس في الغرب إذا ما أرادوا أن يعرفوا فعلاً حقيقة خلق الإنسان وما أودع الله تعالى فيه من ملكات وطاقات حيوية (بيولوجية ونفسية)، وأنْ يقدّموا، من ثَمَّ، مناهج فكرية تكون أقرب إلى معالجة الاضطرابات والأمراض التي تعتري النفس.. أجل، نقول: إذا شاء علماء النفس في الغرب أن يصلوا إلى ذلك فما عليهم إلاَّ الولوج من الباب الأوحد الذي يدخلهم إلى عوالم النفس وآفاقها الواسعة، ألا وهو القرآن الكريم وسنة محمد رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) .. وليست هذه الدعوة مقصورة على علماء النفس في الغرب، بل وعلى علماء النفس من المسلمين وسائر العلماء في مشارق الأرض ومغاربها.. ونحن على يقين - إن شاء الله - بأنهم سوف يجدون في كتاب الله وسنة رسوله ما يجعلهم قادرين على تقديم مناهج فكرية عملية، من شأنها أن تصحح مسيرة الإنسان وتجعلها مسيرة إنسانية عملية؛ إن على صعيد معرفة النفس الإنسانية، أو على مختلف العلوم والمعارف الأخرى..
ولذلك كانت محاولتنا في دراسة بعض معالم النفس الإنسانية، من خلال نظرة الإسلام للإنسان وفقاً للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والتي نبتهل إلى الله تعالى أن يجعلها محاولة موفقة يمكن أن تفيد الإنسان في معرفة نفسه..
ثانياً: مراحل النمو لدى الإنسان في الفكر الإسلامي
يقول الله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ *} [الزُّمَر: 6].
إذًا، فأصل الخلق البشري جميعاً من نفس واحدة، هي نفس أبينا آدم (عليه السلام) . ومن نفسه، من أحد أجزاء جسمه خلقت زوجه حوَّاء، لتكون من كيانه البيولوجي والنفساني، فيكون التمازج بين نفسهما أقربَ وآلف للعيش معاً في حياة زوجية قوامها السكينة والاطمئنان، وعمادها التفاهم والانسجام..
وليست هذه مقاصد الحياة الزوجية وحدها، إذ لا بدَّ لاستمرار الحياة البشرية على الأرض من ذرية لآدم وحواء، فكان نظام الزوجية بما أودع الخالق في صلب الرجل وأتراب المرأة من عوامل للإنجاب، بحيث لا يخرج أحد من البشر إلى عالم الوجود إلاَّ باجتماع الزوجين: الذكر والأنثى؛ إلاَّ أنْ يشاء الخالق العظيم خلاف ذلك، ولحكمة يريدها، كما هو الحال في خلق عيسى ابن مريم (عليها السلام) ، الذي كان خلقاً فريداً وحيداً من أمٍّ دون أب، أي من أنثى بلا ذكرٍ، ليجعله تعالى آية للعالمين.. ومن دلائل عظمة الله تعالى في خلقه أنْ جعل نظام الزوجية ليس مقصوراً على بني آدم وحدهم، بل جعله نظاماً أصيلاً ومطّرداً في سائر خلق الكائنات الحية، ومنها هذه الأنعام التي جعلها ثمانية أزواج، قد بيّنها الخلاّق العليم في قرآنه المبين[*] .
وليس ذكر الأنعام بعد ذكر خلقنا نحن البشر مباشرةً ودونما فاصل من القول، إلاَّ للتوكيد - كما نفهم من مقاصد النص القرآني الكريم - على نظام الزوجية، وإنَّ ما يسري على خلق الناس من ذكر وأنثى، إنَّما يسري أيضاً على خلق هذه الأنعام من ذكر وأنثى، بل وعلى غيرها من الحيوان والطير والنبات بمختلف الأنواع والأجناس والأشكال.. مع الفارق بأنَّ خلق أي كائن حي قد يحصل بالتزاوج والتراحم بين الذكر والأنثى، بينما خلق الإنسان يجب أن يكون ثمرةً للتزاوج، ولكن من خلال علاقة مقدَّسة أمَرَ الله تعالى بها في محكم الشرائع التي أنزلها على الناس؛ فلا يجوز بالتالي لأحد الزوجين الاعتداء على هذه العلاقة الطاهرة المقدسة بأية علاقة أخرى غير شرعية، من شأنها أن تدنس طهارتها وتذهب بقدسيتها.. كما لا يجوز لأحد من الزوجين أن يفرِّط بشيءٍ من هذه العلاقة، وإلاَّ فإنما يكون قد فرَّط بجزء من كيانه، وعمل على فكّ العروة الوثقى التي تجمعه مع شريك حياته، فضلاً عما يرتكب من معصية لمخالفة أوامر الله سبحانه وتعالى، لأنه حرَّم أية علاقة بين الرجل والمرأة خارج الأحكام الشرعية والنظامية المفروضة أصولاً..
يضاف إلى ذلك أنَّ النصَّ القرآني يوحي بما لهذه الأنعام من تأثير على حياتنا ووجودنا، وذلك بما تمدُّنا به من غذاء ومنافع أخرى، قد وردَ ذكرها في بعض السور كما في سورتي النحل ويس[*] ..
أرأيت إلى هذا الربط بين خلق الإنسان الذي يحتاج إلى الغذاء، وخلق هذه الأنعام التي تمدّه بأجود أنواع الغذاء كما يصفه رب العالمين بقوله الكريم: {لَبَناً خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} [النّحل: 66]؛ فأي دلالة أجلُّ وأعظم على قدرة الخالق بما يمنّ على الإنسان في خلقه، وبما يسخّر من المخلوقات الأخرى لحفظ حياته؟
وأما خلقنا في بطون أمهاتنا {خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} [الزُّمَر: 6]، فالظلمات الثلاث هي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم وظلمة المشيمة[*] .. و{خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} [الزُّمَر: 6]، فمعناه الأطوار أو المراحل التي يمرُّ فيها خلق الجنين من نطفة ثم من علقة ثم من مضغةٍ مخلّقةٍ وفقاً للترتيب القرآني.. فهذه المراحل هي ذاتها التي جاء علم الأجنّة يفصّلها من خلال احتكامه إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهي كالتالي:
1 - تكوين الجنين
إنَّ تخلّق الجنين كما توصَّل إليه علم الأجنّة[*] ، أمره منوطٌ ببويضة المرأة ومنيّ الرجل (اجتماع الزوجين: الذكر والأنثى)؛ إذ تتكوّن عند المرأة كلَّ شهرٍ، بويضةٌ مثل بيضة الدجاجة في الشكل، ولكنها أصغر منها بكثيرٍ؛ فقطرها يتراوح بين جزءٍ وجزءين من عشرة أجزاء من المليمتر (mm) ، ووزنها لا يزيد على جزءٍ من مليون جزء من غرام (gr) وفيها محٌّ (Cytoplasme) ، وفي داخل هذا المحّ النواة الجرثومية (le noyau) التي يبلغ قطرها جزءاً واحداً من سبعمئة جزءٍ من القيراط. وفي هذه النواة تكمن نطفة جرثومية هي (le nuclإole) التي يبلغ قطرها جزءاً من ثلاثة آلاف جزء من القيراط.. فتلك البويضة - وبهذه المقادير الجزئية التي قدَّرتها حكمةُ الخالق العظيم منذ أن خلق حوّاء - تتكوّن في ظلمة المبيض، ضمن حويصلة تسبح في سائل يُسمى السائل «الألبوميني». فإذا نمت هذه الحويصلة، وازداد السائل الذي في باطنها، يتمدَّد غشاؤها ويرقُّ ثم ينفجرُ لتخرج منها البويضة، ومن المبيض كله، ثم تسير في قناةٍ (بوق) ضيّقةٍ ورفيعةٍ قطرها قطر شعرة، وهي تمتدّ ما بين المبيض والرحم الذي تختبئ وراءه، حتى تصل إلى فم القناة المرتبط بالرحم فتقف فيه.. فإذا حصل الجماعُ بين الرجل والمرأة، وقذف الرجل السائل المنوي، فإنَّ هذا المنيّ يكون ممتلئاً بالحيوانات المنوية التي يربو عددها على مئتي مليون حيوان، وكل حيوان منها صغير جداً جداً بالمقارنة مع البويضة التي تتكوَّن من تلك المقادير التي أشرنا إليها، إذ يبلغ طوله حوالى ستين جزءاً من ألف جزء من المليمتر (mm) وتسبح تلك الحيوانات في رحم المرأة بسرعة كبيرة في السائل المنويّ، وتكون سباحتها بحركةٍ لولبيّة وكأنها في سباقٍ محمومٍ للوصول إلى البويضة، إلاَّ أنَّ جوهر كل حيوان منوي معقود في رأسه، الذي جُعلَ مكوّزاً وله عنقٌ لولبيٌّ يمتدُّ منه إلى الوراء ذنبٌ طويل لكي يضرب به الماء الذي يسبح فيه، ويمكّنه من أنْ يقذف بنفسه إلى الأمام. وجُعل هذا الذنب معقوداً بأنشوطة لينفكَّ عن جسم الحيوان إذا قُدّر له الدخول إلى بويضة المرأة، ولكن لا يصل إلى هذه البويضة إلاَّ ما كان أقوى الحيوانات المنوية وأسرعها سبحاً، وهو الذي يقدر على اختراق الباب الخاص الذي يصل ما بين فم القناة والرحم. ويسمى هذا الباب (باب الجاذبية (Cone d’attraction) ، فإذا اخترقه الحيوان ودخل إلى البويضة من خلال رأسه المكوّز، أُغلق الباب، فتنقطع الجاذبية عن الحيوانات المنويَّة الأخرى التي تموت بعد إغلاق الباب. وقد يحصل أنْ يخترق الباب ويدخل إلى البويضة أكثر من حيوانٍ منويٍّ واحد، فيقوم كل منها بتلقيح البويضة، وفي هذه الحال يحصل الحمل بالتوائم.. فإذا استقرت البويضة التي جرى تلقيحها بالرحم، انفتحت خلايا غشائه المخاطي، واتسعت الشعيرات الدموية التي تغذيه، ونشطت الغدد حتى يتمكن الرحم من الإمساك بالبويضة الملقحة.. أما إذا لم يتم التلقيح أو التزاوج ما بين مني الرجل وبويضة المرأة فمعنى ذلك موتهما، وكانت الدورة الشهرية للمرأة. أما إذا جرى التزاوج وفقاً لما قُدِّر له، فإنَّه يبدأ العمل المشترك ما بين حيوان الرجل المنوي وبويضة المرأة في تكوين الجنين[*] ، فيمشج هذان الشريكان: كل ما عنده بما عند الآخر من عناصر التخطيط النووي (الكروموزومات: Chromosomes ) وما فيها من الخِلَقِ المخلَّقة (الجينات: Gءnes ) التي خلَّقتها وقدَّرتها وسوَّتها قدرة القادر المقدّر منذ السلالة الأولى في خلق آدم من طين الأرض وصلصالها (سلالة من طين)، إلى هذه السلالة (سلالة من ماء مهين)، ومن هذا التزاوج أو الاختلاط تتكوَّن (النطفة الأمشاج) التي دلَّ عليها أحسن الخالقين بقوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} [الإنسَان: 2].
إذًا فالكروموزومات والجينات هي عناصر التخطيط والتخليق والتسوية التي يخلّق الله - جلَّت قدرته - بها المضغة لتكون بشراً سوّياً، إنساناً فرداً يتميّز عن غيره من الناس بكل صفاته الجسدية والعقلية والنفسية: من ذكورة وأنوثة وهيئةٍ ولونٍ وقوة وذكاء وخُلُقٍ، وما إلى ذلك من الخصائص والمزايا التي ترسم لكل فردٍ الخطوط الأولى لمسيرته في الحياة..
ولا بدَّ من الإشارة هنا إلى أنَّ الناس في الماضي كانوا يعرفون أنَّ الجنين يتكوَّنُ من التلاقح بين بيضة الأنثى وماء الذكر، وأنه يرث من أبويْه وأجداده كثيراً من صفاتهم، ولكنهم ما كانوا يعرفون ما هي البويضة وما هو الحيوان المنوي، وما تركيبهما وما خلاياهما وما أنواعهما ووظائفهما، وكيف يتم التلاقح، وكيف يحصل التوارث.. حتى نزل القرآن، وتقدَّم العلم، وانطلق علم الأجنة بالذات ليكشف أكثر أسرار الخلق البشري العجيب، بل وليحدد الفترات الزمنية التي تتعاقب متلاحقة في تكوين الجنين.. إذ تسري البويضة حوالى 72 ساعة حتى تصل إلى فم تلك القناة الدقيقة الرفيعة التي تصل ما بين المبيض والرحم، وبعد أنْ يتم التلقيح وتتكون (النطفة الأمشاج) تسير هذه النطفة المخلَّقة ببطء خلال فترة أسبوع أو عشرة أيام على الأكثر، لتلتصق بجدار الرحم، فتبدأ مرحلة جديدة هي مرحلة العلقة وخلال الأسبوع الثاني من التلقيح تنقسم خلايا العلقة إلى طبقة خارجية (أكتودرم)، وطبقة داخلية (انثودرم)، ثم تظهر في الأسبوع الثالث الطبقة المتوسطة (ميزودرم). ومنذ اليوم الحادي والعشرين تبدأ الكتل البدنية بالتكون، فتتكوَّن العظام والعضلات في الأسبوعين الخامس والسادس؛ ثم تكتسي العظام باللحم والعضلات في الأسبوع السادس والأسبوع السابع. وبصورة أدق فإنَّ (النطفة الأمشاج) وخلال فترة انتقالها إلى الرحم تقوم بتقسيم نفسها إلى أقسام عديدة لكي تهيّئ كل قسم وتعده للدور الذي سيقوم به في تكوين الجنين الجديد، وفي حفظه وحمايته ووقايته أو في تغذيته.. وعندما تلتصق بجدار الرحم تبدأ خلايا الأقسام بعملها العظيم بالتعاون مع بعضها أو مع خلايا جدار الرحم، لتجعل حول الجنين عدة غلافات.. أما الغلاف الأول الظاهر الذي يحيط بجميع الأغشية ويسمى (السَّلى Chorion ) فتتخذ من جانبه الملتصق بجدار الرحم وسيلة للتغذية الأولية، ثم لتكوين المشيمة، وتتخذ من جانبه الظاهر غير الملتصق بجدار الرحم وسيلة لحماية الجنين وحفظه. أما الغلاف الثاني الباطن فتنسجه بعد ذلك تحت الكوريون ليحيط بالجنين إحاطة كاملة من وراء غلاف مائي يحيط بالجنين إحاطة مباشرة، ليقيه مع الغلافين الأولين من كل صدمة أو رجَّة تأتي من الخارج..
وتبدأ في الوقت نفسه الخلايا الجرثومية (المخلَّقة) التي تكوّن الجنين عملها، وهي تتطوَّر من نطفةٍ إلى علقةٍ إلى مضغةٍ على الترتيب الذي ذكره القرآن الكريم. ومن هذه المضغة المخططة المخلَّقة بكروموزوماتها المختلطة وجيناتها يبدأ تكوين الأعضاء والأحشاء، كما بدأ تكوين أغشية الحفظ والوقاية والتغذية من الخلايا المحيّة غير المخلّقة؛ فيقوم قسم من الخلايا الجرثومية بتكوين مبادئ القلب، وأخرى بتكوين مبادئ المخ، وغيرها بتكوين مبادئ العمود الفقري، إلى جانب الخلايا التي تقوم بتكوين مبادئ الأحشاء من الجهاز الهضمي والتنفسي والتناسلي، التي تقوم بتكوين العظام والعضلات والأوردة والشرايين والشعيرات الدموية في دائرة اختصاصه.. فلا ينتهي الشهر الرابع إلاَّ ويكون الجنين قد اكتمل تكوينه وبدأت أجهزته جميعها في العمل، بما في ذلك القلب والسمع، أما البصر فيتأخر في النمو عن تلك المدة.. والمشيمة العجيبة التي أشرنا إليها تتكوّن من خلايا الكوريون وجيوب الدم الرحمية، وتتصل بسرّة الجنين بحبل يسمى الحبل السرّي، وهو الذي يحمل إلى الجنين عناصر الغذاء والأوكسيجين التي تستخلصها المشيمة من دم الأم، ثم يحمل هذا الحبل من الجنين إلى المشيمة، في وريد آخر ما يتكوّن في جسم الجنين من أقذار وسموم، حتى إذا خرج الجنين من بطن أمه إلى عالم النور والهواء والغذاء قطعت المشيمة والحبل وسُدَّ باب السرَّة إلى مدى العمر..
أما عن نوع الجنين من حيث الذكورة أو الأنوثة، فقد بيّنت الدراسات العلمية أن الحيوانات المنوية لدى الرجل تكون على نوعين:
نوع يحمل «كروموزوم الذكورة»، وأخر يحمل «كروموزوم الأنوثة»، أما بويضة المرأة فلا تحمل إلاَّ «كروموزومات الأنوثة» فقط. فإن كان الحيوان المنوي الذي قام بتلقيح البويضة يحمل الكروموزومات الذكورية كان الجنين ذكراً، وإن كان يحمل كروموزومات الأنوثة كان الجنين أنثى.. ولا يمكن تمييز الجنين إلاَّ في الأسبوع السادس من الحمل، إذ في مرحلة المضغة ينشأ ما يشبه البرعمين على جانبي الحبل الظهري (الذي سيؤلف العمود الفقري)، فإن جاء الجنين ذكراً، يكوّن هذان البرعمان نسيجاً يشبه الخصيتين، وإن جاء أنثى فإنهما يكوّنان في الأسبوع العاشر نسيجاً يشبه المبيضين. وتلتصق الخصيتان على جانبي العمود الفقري في الظهر، وتنزلان من مكانهما بعد مرور ستة أشهر على الحمل، لتستقرا في كيس، يسميه الباحثون، «كيس الصفن»..
هذه المعلومات الدقيقة التي توصل إليها العلم الحديث حول تكوين الجنين قد أشار إليها القرآن الكريم، عندما بيّن المراحل المختلفة للحمل وتكوين الجنين. يقول الله تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقْكُّمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ *} [المُرسَلات: 20]، ويقول تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ *ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ *ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ *} [المؤمنون: 12-14]، ويقول تعالى: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ *} [المُلك: 23]. وعلى هذا فإن مراحل الخلق كما هو واضح من النصوص القرآنية الكريمة هي: مرحلة النطفة (الماء المهين)، فمرحلة العلقة (وسميت كذلك لأنها تعلق بجدار الرحم وتبدأ في الانقسام إلى خلايا عديدة متنوعة)، فمرحلة المضغة المخلّقة (التي يجري فيها تخلّق الأعضاء والأجهزة)، ثم إنشاء الجنين خلقاً آخر... هذا الإنسان بجسمه وسمعه وبصره وفؤاده.. أما كيف يتم التحوّل إلى خلق آخر تنبض فيه الحياة، أي غير ما كانت عليه الخلايا الجرثومية من الكروموزومات والجينات، فذلك ما يبيّنه رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الذي يتلقى الوحي عن ربه تبارك وتعالى، أحسن الخالقين.. فعن حذيفة أنه سمع رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يقول: «إذا مرَّ بالنطفة اثنتان وأربعون ليلةً بَعَثَ اللَّهُ إليها مَلَكاً فَصَوَّرَها، وجَعَلَ سمْعَها وبَصَرَها وجِلْدَهَا ولَحْمَهَا وعِظَامَها» ، ثم قال: يا ربِّ: أذكرٌ أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك. ثم يقول: يا ربِّ: أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك: ثم يقول: يا ربِّ رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصفحة في يده فلا يزيدُ على ما أُمِرَ ولا يُنقِصُ»[*] .
وعن ابن مسعود أنَّ الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال: «إنَّ أحدَكُمْ يُجْمَعُ في بطنِ أمّهِ أربعينً يوماً نُطفةً، ثم يكون عَلَقةً مثلَ ذلك، ثم يكون مُضْغَةً مثلَ ذلك، ثم يُرسَلُ المَلَكُ فينفُخُ فيه الروحَ، ويُؤمَرُ بأربعِ كلماتٍ: رزقُهُ وأجَلُهُ وعَمَلُهُ، وشقيٌّ أو سعيدٌ»[*] من هذين الحديثين، يتبين أنه بعد مرور اثنتين وأربعين ليلة، أي حوالى ستة أسابيع، على تكوين النطفة الأمشاج، تبدأ مرحلة العلقة، ثم مرحلة المضغة التي يبدأ فيها التخليق، كما دلَّ على ذلك علم الأجنة.. ومع ذلك فقد يبدو - في الظاهر - أنَّ هنالك اختلافاً فيما روي عن حذيفة من حديث، وما روى ابنُ مسعود في حديث آخر حول بعث الملك ومدة التخليق، إذ يذكر حذيفة أنه يتم بعد 42 ليلة، بينما يذكر ابن مسعود أنه يحصل بعد 120 ليلة.. وقد حاول بعض علماء المسلمين إزالة هذا التناقض الظاهري؛ فقال ابن قيم الجوزية: «... فحديث حذيفة يدلّ على أنَّ ابتداء التخليق عقيب الأربعين ليلة الأولى، وحديث ابن مسعود يدلّ على أنه عقيب الأربعين الثالثة من الليالي، فكيف يجمع بينهما؟ قيل: أما حديث حذيفة فصريح في كون ذلك بعد الأربعين. وأما حديث ابن مسعود فليس فيه تعرّض لوقت التصوير والتخليق، وإنما فيه بيان أطوار النطفة وتنقلها بعد كل أربعين، وأنه بعد الأربعين الثالثة ينفخ فيه الروح. وهذا لم يتعرض له حديث حذيفة لناحية أنَّ ابتداء تصويرها وتخليقها بعد الأربعين الأولى، واختص حديث ابن مسعود بأن نفخ الروح فيه بعد الأربعين الثالثة. واشترك الحديثان في استئذان الملك ربَّه سبحانه في تقدير شأن المولود خلال ذلك، فتصادقت كلمات رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وصدَّق بعضها بعضاً».
ويبدو واضحاً أن بداية التخليق أو التصوير حسب التعبير القرآني {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [غَافر: 64] تكون في الاثنتين والأربعين ليلة الأولى منذ التلقيح. ثم تتتابع عمليات هذا التخليق على مدى مئة وعشرين يوماً اعتباراً من لحظة تكوين «النطفة الأمشاج»، وفي نهاية هذه المدة التي تبلغ أربعة أشهر، يجري نفخ الروح في الجنين، وما قدّر له الله تعالى وهذا ما تحسّ به الحوامل من حركة الأجنة في بطونها، وما أثبته كذلك علم الأجنّة. وبنفخ الروح (في الشهر الرابع) يبدأ الجنين ينبض بالحياة، فيقدر على الحركة ويسمع قرقعة الغازات في بطن أمه، وحتى الأصوات الخارجية. وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14]. لا بل أوضحت النصوص القرآنية مراحل الحمل والتكوين والإسقاط ومختلف مراحل عمر الإنسان بصورة أدق وأكثر تفصيلاً، وذلك بقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحَجّ: 5].
أما أصل الإنسان من تراب الأرض وصلصالها فالآيات القرآنية واضحة المعاني والدلالات على ذلك. ومنها قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ *} [الرُّوم: 20]، وقوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *} [آل عِمرَان: 59]؛ وفي معرض تبيان الفوارق بين توجّه كل من الكافر والمؤمن، فإنَّ من الحجة البالغة التي يلقيها المؤمن على صاحبه وهو يحاوره إنكاره عليه أن يكفر بالله ربّه الذي خلقه من تراب.. يقول تعالى: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً *لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا *} [الكهف: 37-38]. وقوله تعالى: {خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ *وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ *} [الرَّحمن: 14-15]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ *} [الحِجر: 26]، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي تبيّن أصل خلق الإنسان من تراب الأرض وصلصالها..
وأما فيما خصَّ مراحل الحمل وتكوين الجنين، وهي المقصودة بقوله تعالى: {مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ} [الحَجّ: 5]، فقد بيّنا تلك المراحل من ناحيتي المعاني للنصوص القرآنية، وما توصل إليه علم الأجنة بهذا الخصوص كما رأينا..
وبقي أن نفهم معنى التعبير القرآني: «وغير مخلّقةٍ» فالمضغة غير المخلّقة هي النطفة الأمشاج التي لم يكتب لها أن تتكوَّن جنيناً وتصير بشراً سوياً؛ فقد روي عن رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قوله: «إذا علقَت النُطفَةُ في الرَّحِم بَعَثَ اللَّهُ مَلَكاً فقال: يا ربِّ مخلَّقةً أو غير مخلَّقة؟ فإن قضى سبحانَهُ بأنها غيرُ مخلّقة، فجَّتها الأرحامُ دماً»[*] ، وهذا يعني حالات السقط أو الإجهاض التي تحصل، والتي يعود أمرها إلى ما يشاء العزيز الحكيم. وكذلك الأمر فقد يحصل أن تُسقط الحامل جنينَها وهي على عتبة الولادة، فهذا مردُّهُ أيضاً إلى مشيئة الله تعالى التي تعيّن الآجالَ للأجنّة كما للمواليد، كما يؤكده قول الحق تبارك وتعالى: {وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} [الحَجّ: 5].. ويدخل في معاني هذا القول الكريم أيضاً مدة الحمل، إذ هي في الغالب تسعة أشهر، ولكن ثبت علمياً أنَّ الجنين بعد اكتمال تخلّقه، وعلى الصورة التي قدَّرها له خالقه في نهاية الشهر الرابع - يمكن أنْ يولد ويعيش إذا أكمل الشهر السادس في بطن أمه. ولذلك نرى أحياناً حالات من الولادة المبكرة، ولاسيما في الشهر السابع أو الثامن للحمل، وكله من أمر الله تعالى، الذي وحده سبحانه يحدد الأجل الذي يقرّ فيه الأجنة في الأرحام، كما يحدد منذ تكوين (النطفة الأمشاج) جنس الجنين من ذكر أو أنثى، وذلك قبل أن يخرجه إلى عالم النور والحياة في هذه الدنيا.
2 - تأثير حالة الأم الصحية على الجنين
من الملاحظ أنًّ الحامل قد تتعرض لشيء من الاضطرابات الجسدية والنفسية خلال مدة معينة من الحمل، مثل تعرضها للقيء أو تقلّب شهيتها للطعام أو شعورها بالإرهاق والقلق أو ميلها إلى النوم وما إلى ذلك من التقلبات التي تسمى أعراض الوحام. فهذه الفترة الحرجة توجب على من يحيطون بالحامل أنْ يأخذوها بعين الاعتبار، وأنْ يبذلوا قصارى الجهد لكي تبقى بمنأى عن تأثيرات الانزعاج البدني أو الاضطرابات العصبية، لأنَّها من شأنها أنْ تؤثر على نمو الجنين، وقد تسبب له عوارض لا تنعكس عليه وهو لا يزال في بطن أمه فحسب، بل وقد ترافقه طوال عمره..
وقد راعى الإسلام وضع الحامل من خلال اهتمامات القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بالصحة البدنية والنفسية للأم، ولاسيما في طوري الحمل والرضاعة، ومن قبيل ذلك:
- العناية بالغذاء : فقد رأينا أنَّ الجنين يتغذّى من دم أمه، وهذا يعني أنَّه كلما كان غذاء الأم كاملاً ومختاراً، ولاسيما أثناء حملها، كلما ساعد ذلك على نموّ الجنين في بطنها بصورة طبيعية. لذلك نجد تفاوتاً في أوزان المواليد تبعاً لنوعية الأغذية التي تناولها أمهاتهم في أثناء الحمل. ولا يخفى أنَّ الله تعالى قد جعل لأنواع الأغذية خصائص مفيدة جداً للإنسان، كما توصل إليه الطب الغذائي في أيامنا؛ وهذا ما نجده في القرآن الكريم عندما أوحى الله تعالى للطاهرة مريم بنت عمران أنْ تأكل من رطب النخلة التي وضعت ابنها عيسى (عليه السلام) قرب جذعها، وذلك بقوله المجيد: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا *وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً} [مَريَم: 24-26].. ولو أردنا أنْ نتبيّن مقاصد هذه الآيات الكريمة، فلا بدَّ من العودة إلى الظروف التي عاشتها مريم (عليها السلام) منذ حملها وحتى وضعها لوليدها، إذ يكفي أنها كانت تعيش في حالة من الخوف والقلق على ما قد يتهمها به الناس، وما قد تلوك به ألسنة السوء سمعتها... وهذا ما تتبيّنه عندما ألجأها المخاض إلى جذع النخلة {قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} [مَريَم: 23]؛ فقد كان الخوف يُداخلها من جميع الجوانب، حتى الخوف على نظافة بدنها وعلى طعامها وشرابها، لكي تؤمن الرضاع لمولودها.. فكانت عناية الله تعالى الذي جعل الماء يسري بالقرب منها، وكانت عناية الله تعالى أن منحتها القوة كي تهزّ بجذع النخلة لتساقط عليها رطباً جنياً، هذا الغذاء الذي يعتبر من أجود وأكمل أنواع الأغذية - كما ثبت علمياً - وأكثرها فائدة للنفساء خاصة، لأنه يمكنها من استعادة قواها، ويجعلها تدرُّ حليباً فيه الفائدة القصوى لرضيعها. كما أنَّ الرسول الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) كان ينصح بقوله: «أَطْعِمُوا المرأةَ في شهرِها الذي تلدُ فيه التمرَ، فإنَّ ولدَها يكونُ حليماً تقيّاً»[*] .
ففي النص القرآني، كما في الحديث النبوي تتعدى آثار هذا الغذاء من ثمار شجرة النخل فوائد الصحة البدنية إلى الصحة النفسية، حيث يظهر ذلك جلياً بقوله تعالى للسيدة مريم (عليها السلام) : «وقرّي عَيْناً» أي بدل هذا الخوف كله الذي يداخلك اطمئنّي نفساً، وارتاحي فؤاداً، فلا تجوعي ولا تعطشي أنت ووليدك، ولن يصلوا إليك وأنت تحملين لهم ابنك إلاَّ أذىً من تجنّي القول.. وكذلك قول رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : «فإنَّ ولدها يكون حليماً تقياً» ، إذ لو رجعنا إلى التفسيرات والأبحاث حول الحلم والتقوى لتبين لنا مقدار ما تحمل هاتان الصفتان من حسن الخُلُق وقوة الإيمان في حياة الولد الذي تأكل أمه التمر في آخر شهر حملها به..والإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يشير بدوره إلى أهمية فاكهة السفرجل التي تأكلها الحوامل بقوله: «أَطْعِمُوا حِبَالَكُم السَّفَرْجَلَ فإنه يُحسِّنُ أولادَكُمْ»[*] . وفي قولٍ آخر له، وقد نظر إلى غلام حسن الخلقة: «ينبغي أن يكون أبو هذا الولد أكلَ سفرجلاً ليلةَ الجُماع»[*] .
وقد جاء القرآن الكريم بالحكم الشرعي الذي يحرّم فيه بعض المأكولات والمشروبات حفاظاً على صحة الإنسان البدنية والنفسية قال الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المَائدة: 3]، وقال تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ؛ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ *} [المَائدة: 90-91].. فالتحريم الوارد في هذه النصوص القرآنية الكريمة لبعض المأكولات والمشروبات هو حكم شرعي عام، فكان من الأولى أن ينسحب على المرأة الحامل، لأن الآثار المضرّة التي تخلّفها تلك الأطعمة مثل أكل لحم الحيوان الميت أو لحم الخنزير، أو شرب الخمر أو الدم تتعدى إلى الجنين الذي يتغذى من دمها. وعلى سبيل المثال، فقد ثبت طبياً: «أنَّ إدمان الخمر يحدث تغييراً كيميائياً في الدم، ويعرض سرعة نمو الجنين للتأخر لتأثيره في غذائه وتنفّسه»[*] .
- الترخيص للحامل والمرضع بعدم الصوم: فالصوم بنصوص القرآن الكريم ركن من أركان الإسلام، إلاَّ أن الشرع قد رخص بعدم الصوم لمن كان عنده عذر شرعي كالمريض والمسافر؛ هذا وقد اتفق جميع الفقهاء المسلمين على أنَّ للحامل والمرضع عدم الصوم إذا خافت على نفسها أو ولدها، نظراً لتاثير نقص الغذاء على صحتها، وعلى جنينها أو رضيعها.. بل وأجاز الشرع للحامل أو المرضع عدم الصوم إذا خافت على صحة جنينها أو رضيعها[*] دون خوفها على نفسها، فرخَّص لها بالإفطار حفاظاً على نموّه، وعدم تعرّضه لأي أذى من نقص الغذاء..
- تأثير عامل السن على نمو الطفل: وتأثير عامل سن الأهل على الجنين، أو على قدرات الطفل أو أوجه قصوره، تناوله كثير من الأبحاث والدراسات.. فمثلاً قال أبو الحسن الماوردي: «إنَّ أنجب الأطفال خَلْقاً وخُلقاً من كان سنُّ أمه بين العشرين والثلاثين، وسن أبيه بين الثلاثين والخمسين». فالطفل الذي يكون أبوه قد تجاوز الخمسين وأمه دون العشرين، كما في حالات الزواج التي يكون سببها الهرب من الفقر، أو حبّ الظهور، أو طلب المال وحياة الرفاهية.. تظهر عليه سمات التشوّه، ولاسيما في الخَلْق، وتزداد نسبة التشوّه بصورة مطّردة كلما ازداد عمر الأب، أو ازدادت الفوارق في السن بين الأبوين[*] .
على أنَّ عامل السن للوالدين ليس وحده الحاسم في نموّ الجنين أو الطفل، إذ كثير من حالات الزواج في سن متأخرة - للرجال خاصة - تظهر سلامة الأولاد جسدياً، بل وتدل على تفوقهم في دراساتهم. كما أننا قد نجد في الأسرة الواحدة فوارق كبيرة بين الأولاد، ولاسيما لناحية درجة الذكاء، فضلاً عن أنه قد يُخلق في الأسرة نفسها ولدٌ معوَّق دون سائر إخوته وأخواته.. مما لا يمكن معه وضع قواعد عامة ونهائية للتدليل على أسباب الإعاقات التي قد تحصل للجنين أو للطفل ولا سيما في مراحل نموه الأولى، بل يجب دراسة كل حالة على حدة لمعرفة عوامل الوراثة أو عوامل التغذية، أو عوامل الاضطرابات النفسية التي قد تكون كامنة وراء إعاقة النموّ أو الإصابة بالتشويه الجسدي أو التخلف العقلي. ولذلك نجد الأطباء ينصحون الأم بعدم تعاطي المخدرات والمسكرات، والابتعاد عن التدخين في فترة الحمل، إضافة إلى عدم تعرضها للاضطرابات النفسية... وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأب، الذي يلزمه مراعاة أوضاعه الصحية، ولاسيما الحالات المرضية، والأسباب الكامنة وراء ضعف حيواناته المنوية التي قد تكون من مسببات التشويه الخَلْقي والنفسي للولد.. ويبقى أمر الله تعالى، وما للمولود الجديد من حياة، بحيث لا يمكننا مناقشة السر أو الحكم الإلهية من ولادة الأعمى أو الأعرج أو الأصم أو الأبكم، وغيرها من حالات الإعاقة التي قد توجد.. وفي كل الأحوال نشكر الله على ما منَّ علينا من نعمة الصحة وهبة الأبناء، ونسأله ونضرع إليه ألاَّ يبلونا في أنفسنا، ولا في أبنائنا..
وخلاصة القول أنّ الإسلام قد تبنَّى الأسس للصحة العامة، كما نجد في كثير من الأحكام الشرعية مثل الصوم وتحريم بعض المأكولات وتحريم شرب الخمر، وذلك انطلاقاً من قاعدة عامة وهي الحث على أكل الطيبات من الرزق الحلال، كما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ *إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [البَقَرَة: 172-173]، وقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المَائدة: 4]، وقوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المَائدة: 5]. وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا} [البَقَرَة: 168]، وقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ *} [النّحل: 114]، وقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [الأنفَال: 69]، إلى غيرها من الآيات الكريمة التي تحضُّ المؤمنين والناس أجمعين على الطيباتِ من الطعام، والحلال من الرزق، لأنَّ في ذلك سلامة للأبدان وسلامة النفوس، وهذا يشمل الرجال والنساء، إلاَّ أن انعكاسه على الأبناء حتميٌّ لا محالة، فترى أولاد من يكدُّ ويحصّل رزقه الحلالَ بعرق جبينه أصحَّاء النفوس، فيما ترى كثيراً من الأولاد الذين يطعمهم أهلُهم من المال الحرام سقامى في أبدانِهم أو في نفوسهم، بل وغالباً ما يكونون - عندما يكبرون - من ذوي الخلق السيّئ، دون أن يدري الأهل أنَّ سبب ذلك كله هو المال الحرام الذي أطعموهم وكسوهم منه!.. فحذارِ أيها الإنسان مغبة ما تجني يداك لأنك إن لم تَلْقَهُ في نفسك، فسوف تلقاه في أسرتك!.. وقد اهتمّ الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بالصحة العامة اهتماماً بالغاً، كما تدلُّ على ذلك سيرته الشريفة في حياته الخاصة، وسنته لأمته من بعده.. ومن قبيل ذلك أنه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قد أشاد بعلم الطب ودعا إلى التخصص به، ففي الحديث المشهور: «العلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان».. كما أمر بالتداوي بقوله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «تَداوَوْا، فما أَنْزَلَ الله داءً إلاَّ أنزلَ له دواءً إلاَّ السأم فإنه لا دواء له»[*] .
- وفي حديث: إلاَّ الهرم فلا دواء له.
أما الاهتمام بالصحة النفسية: فالإسلام ينطلق في ذلك من البيت الزوجي، من هذه البيئة العائلية التي لا يكون تأثيرها على الوالدين، بل تكون آثارها الهامة على حياة الأبناء، اعتباراً من عهد التكوين الجنيني، إلى أن ينفصل الأبناء عن ذويهم وينشئوا لأنفسهم أسرَهم الخاصة. يقول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ *} [الرُّوم: 21]؛ فهنا تكمن بعض أسرار استمرارية الوجود الإنساني، في هذا البيت الأسري، في هذه العلاقة بين الزوج والزوجة، وقوامها الأول الحبُّ الذي تسكن إليه أفئدتُها، وتركن فيها نفس كل منهما إلى صنوها وعشيرها وشريكها وسكنها في الحياة.. ومن البديهي القول بأنَّ الرابطة الزوجية رابطة مقدَّسة أمر الله تعالى بها لحفظ الزوجين من دنس الخيانة الزوجية - في النفس والشرف والمال - ومن عوامل الكراهية وفساد الأخلاق وغيرها من العلاقات المحرَّمة التي تتفشَّى في مختلف المجتمعات اليوم، ولاسيما علاقات الزنا التي تغلب عليها النزعة الحيوانية أكثر بكثير من النزعة الإنسانية. فالإسلام يحرّم العلاقة غير الشرعية، حتى أنه يمنع اجتماع المرأة مع الرجل غير المحرم، كما عهد به رسولُ الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) لأمته بقوله: «ما اجْتَمَعَ رجلٌ وامرأةٌ إلاَّ كانَ الشيطانُ ثالثَهما»، إنّما جعل هذا التحريم لحماية الإنسان من نفسه الأمّارة بالسوء، ولحماية البيت الزوجي من أية شائبة قد تمسُّ طهره وصفاءه وإنسانيته.. فالزوجة كما يتبين من النص القرآني، هي سكنٌ لزوجها يقرّ ويرتاح إليها، فتحظى نفسه بالسكينة والطمأنينة من أثقال نفسه وأعباء حياته.. كما تسكن هي إليه، وتطمئن إلى جواره وحماه.. فتلفّهما الرحمة والبركة، وتستقيم حياتهما على المودة والوقار والتراحم والتعاون.. فسبحان الله الذي خلق الإنسان {مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ؛ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى *فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى *} [القِيَامَة: 37-39]، وجعل البيت الزوجي يقوم على تلك الأواصر الطيبة، والعلاقات الإنسانية، ثم وضَعَ على عاتق الزوجين مسؤولية جسيمة يشتركان فيها لإنجاب الأولاد، وبناء الأسرة المؤمنة الشريفة التي تعبّر عن معاني الإنسانية بأسمى مراقيها.. وفي هذا البيت الزوجي الذي تعبق أجواؤه بالإيمان والمودة والرحمة، لا بدَّ أن ينعكس طيب الحياة فيه على نفسية الزوجة الحامل، فينمو الجنين في بطنها نموّاً طبيعياً وسليماً، طبقاً لما قدَّره له - قبل كل شيء - اللطيف الخبير، وساعد عليه أمان أمه واستقرارها واطمئنانها في عدم تعرّضها - في ظل تلك الأجواء الطيبة - للاضطرابات النفسية والانفعالات العصبية، ولاسيما انفعالات الألم والحزن والغضب التي قد تنجم عن الشجار العائلي، أو عن عدم اكتراث الزوج للتقلبات التي تطرأ على حياة الزوجة الحامل، وهو ما نشاهده في البيت الذي يكون همُّ الرجل فيه انصرافه إلى شهواته، ومشاغله أكثر من اهتماماته بحياة عائلته.. فالبيت الزوجي هو الركن الركين لبناء الأسرة، وعلاقة الزوجين ببعضهما هي الأساس المتين لإنجاب البنين، فكلما كان هذا البيت يحفل بالإيمان والأمان، ويعبق بشذا الألفة والمودة، كلما انعكس ذلك إيجاباً على الزوجة الحامل، وعلى الجنين في بطنها. يقول الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) : «إذا أتى أهلَهُ بقلبٍ ساكنٍ وعروقٍ هادئةٍ، وبدنٍ غيرِ مضطربٍ، استكنَّتْ النطفةُ في الرحم فخرجَ المولودُ يُشبهُ أباهُ وأمَّهُ»[*] ، مما يتبيّن معه أنَّ الحالة النفسية للحامل - كما للزوج - كثيراً ما يكون لها تأثير مباشر على حياة الجنين في بطنها، ولذلك يقول الرسول الأعظم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : «الشقيُّ مَنْ شَقِيَ في بطنِ أمِّهِ، والسعيدُ سعيدٌ في بطنِ أمِّهِ»[*] .
3 - تأثير عوامل الوراثة والاكتساب
لعلَّ من المواضيع الهامة التي كانت مثار اختلاف بين الفلاسفة ومنظّري علم النفس، دور كل من الوراثة والاكتساب في تكوين شخصية الطفل. فالفلاسفة المثاليون والعقلانيون أمثال «أفلاطون» و«ديكارت»، يعتقدون بوجود قدر كبير من المعلومات والطبائع الأولية التي تولد مع الإنسان؛ بينما يقول التجريبيون أمثال «جون لوك» و«دافيد هيوم» إنَّ ذهن الإنسان يكون عند الولادة «صفحة بيضاء خالية من أي نقشٍ»، وبالتالي فهم يعتقدون بأنَّ الطبائع والأفكار تُكتسب عن طريق الحواس، وعبر التفاعل البيئي والاجتماعي. ويؤيد هذا الاتجاه علماء النفس السلوكيون، ومنهم الأميركي «جون واطسن» في أوائل القرن العشرين، الذي طرح نظريته حول عوامل الاكتساب، فقال: «ائتوني بدزينة من الأولاد الأسوياء، ومكاناً خاصاً بي لتربيتهم فيه، وأنا أضمن لكم أنني قادر على تدريب أي واحدٍ منهم اختاره عشوائياً ليكون طبيباً أو محامياً، أو بائعاً أو قائداً، أو حتى مجرماً أو سارقاً، دون أي اعتبار لمذهبه وميوله وقدراته وهواياته، وحتى عرق أجداده».
ويقول علماء الوراثة اليوم بأهمية الجينات المتوارثة، وخاصة من حيث الخصائص الجسمية الفيزيولوجية، بل ويعتبر بعضهم أنَّ جزءاً من الطبائع الخُلُقية ينتقل عبر الوراثة، ويكون من ثم تفاعل بين الطبائع الداخلية الموروثة والبيئة والمجتمع. ومن شأن هذا التفاعل أن يعزز الطبائع الموروثة، أو أن يطمسها إلى حدٍّ ما؛ أي إنَّ تلك تكون بمثابة استعدادات أولية لدى الإنسان، وهي مرنة وقابلة للتكيّف والتغيير..
ومن ناحية ثانية فإنَّ بعض الفلاسفة أمثال «لوك» و«هيوم» و«هوبس» يعتبرون أن الإنسان مفطور بطبيعته على الشر، وأنَّ ما يقوّمه هو المجتمع والقانون الذي يحكمه؛ بينما ينظر آخرون أمثال «روسو» و«ستالوتزي» إلى الطبيعة الإنسانية على أنَّها خيرة في أصولها[*] ، وأنَّ الإنسان قد ينحرف أو يكتسب طبائع مذمومة بفعل احتكاكه بالمجتمع..
كما أنَّ الفكر الفلسفي الديني لدى المسيحيين، كانت له نظرته الخاصة إلى الطبيعة الإنسانية، «فنجد فلاسفة المسيحية التقليدية يأخذون بمبدأ الخطيئة الأصلية التي تقول بأنَّ الإنسان فقد قدرته على الوصول إلى الحقائق بارتكاب آدم الزلَّة الكبرى. وهذه الزلَّة لم تقتصر عليه وحده، وإنَّما تعدَّته إلى سائر أبنائه من البشر أجمعين، ولذا كان عليهم أن يمرّوا بخبرة من نوع معين حتى يستطيعوا أنْ يتغلّبوا على هذه الوصمة»[*] . أي بتعبير آخر إنَّ آدم (عليه السلام) عندما أزلَّهُ الشيطان وأكل هو وزوجه حواء من الشجرة التي نهاهما ربُّهما عن الاقتراب منها، وذلك كما يبيّنه قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ *} [البَقَرَة: 35]، حينئذٍ اقترف أبو البشرية الخطيئة الأصلية فتوارثتها البشرية جميعها، فكان الإنسان من جرّائها، مفطوراً على الشر، وفقاً لذلك المفهوم الفلسفي لدى المسيحيين، ولا يُصلحه إلاَّ ولادته الروحية من خلال التزامه بالتعاليم الكنسية والممارسات الدينية، وأساس ذلك كل إيمانه بالسيد المسيح (عليه السلام) بأنَّه المخلّص، وقد مات على الصليب لتمحى ذنوب المؤمنين به..
أما الإسلام فإنه ينظر إلى الإنسان على أنه مخلوق كريم على خالقـه، فهـو سـبحانه وتعـالى عنـدمـا خلق آدم (عليه السلام) قـد أوحـى إليـه علم مسميات الأشياء ومعانيها كلها، لقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البَقَرَة: 31]، أي ألقى في روعه وفي قلبه كلَّ شيء يتعلق بحياة الإنسان وما حوله، بل وفي الآفاق من علم ومعرفة. ولكنَّ هذا العلم اللدني من الله تعالى لآدم (عليه السلام) قد جعله سبحانه علماً كمونياً أي كامناً في ذريته، أي في هذه السلالة التي هي من ماء مهين، وذلك بما أودع في كل آدميٍ من قوى وملكات تجعله قادراً على الإدراك والتمييز، وعلى التعلّم والاكتساب. بمعنى أنَّ الإنسان عندما يولد لا يكون لديه شيء من العلم، بل تكون لديه القابلية والقدرة على التعلم من خلال تلك القوى والملكات المودعة في أصل خلقه، يقول تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *} [النّحل: 78]، مما يتبيّن معه أنَّ علم الإنسان يكون مكتسباً وليس موروثاً؛ وهذا أيضاً ما يشير إليه قول رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «إنما العلمُ بالتعلُّمِ والحُلْمُ بالتحَلُّمِ»[*] . وأما ما يولد مع الإنسان من الطبائع جبلّياً فمردُّهُ إلى الفطرة المركوزة في خلق الإنسان، أي الفطرة التي خلقه الله تعالى عليها، مصداقاً لقوله الكريم: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الرُّوم: 30]. فالصفات التي يمتاز بها الإنسان باستعداداته الفطرية هي من كوامن النفس كما ورد في الحديث عن أشبح عبد القيس.. فقد قال له رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «إنَّ فيك لخصلتين يحبهما الله تعالى: الحلمُ والأناةُ» ، وحين سأَل الأشبحُ إنْ كان قد جُبلَ على هاتين الخصلتين كان ردّ رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بالإِيجاب.. وهذا ما يهدينا إليه كثير من الآيات القرآنية. يقول الله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا *قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *} [الشّمس: 7-10]. ويقول تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلَ لَهُ عَيْنَيْنِ *وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ *وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ *} [البَلَد: 8-10].. النجدين هما طريق الخير وطريق الشر.. فهذه النصوص الكريمة وغيرها تدلُّ على أنَّ في نفس الإنسان كوامن واستعدادات قد جبل عليها، ولكن يبقى عليه هو أن يختار بين الخير والشر، الحق والباطل، الحسن والقبيح، العدل والظلم.. وما إلى ذلك من المسميات والمعاني التي تجعله ممن أفلح في تزكية نفسه، أو من خابَ بما يحملها من الأثقال والأوزار.. بما يجعل طبيعة الإنسان ليست شريرة في أصلها، كما ادَّعت ذلك بعض المذاهب الفكرية، بل يجعلها مفطورة على الخير والصلاح. وأمَّا ما يكتسب الإنسان بخلاف ذلك فهو من صنع يده. ولعلَّ أكبر الشواهد على ذلك أنَّ آدم (عليه السلام) بعد أنْ فقد العزم بما أزَلَّهُ الشيطان، عادَ وتابَ فتوجَّهَ هو وزوجُهُ إلى ربهما بالاستغفار وطلب الرحمة: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ *} [الأعرَاف: 23].. وكانت الاستجابة من ربهما تعالى فتاب عليهما، لقوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ *} [البَقَرَة: 37]، وهذا يعني أن الخطيئة لا تُوَرَّثُ، ولا تَتناقَلُ عبر الأجيال، بل يُلزمُ كلُ إنسان بأفعاله وأقواله ونياته.. والآيات القرآنية التي تهدينا إلى ذلك كثيرة، ومنها قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ *} [المدَّثِّر: 38]، وقوله تعالى: {كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطُّور: 21]، وقوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعَام: 164]، وقوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *وأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى *ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى *} [النّجْم: 39-41]..
وليس الدين في الإسلام من الموروثات، لأنَّ الإنسان يولد على الفطرة، كما يدلُّ عليه قول الله تعالى في الآية 40 من سورة الروم، التي أشرنا إليها قبل قليل؛ وكما يبيّنه قول رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه»[*] . فهذه الفطرة، إذا قُدِّرَ للإنسان التوجيه الصحيح والتربية السليمة، «هي التي ترشح الإنسان لخير مصير عقليٍّ وخُلُقيٍ ودينيٍّ وحضاريٍّ، وهي ما يجب أن يقرر نوع التربية الملائمة التي تؤهل الإنسان ليخطّ هذا المصير بنفسه. وقد أكَّد هذا المفهوم أنَّ ما يتوارثه المجتمع من دينٍ أو فكرٍ أو معتقداتٍ أو حضارةٍ هو الذي يحكم عليه أو يحكم له، بقدر ملاءمته أو عدم ملاءمته حاجات هذه الفطرة»[*] ..
وأهمية الإسلام أنَّه يلامس الفطرة، ويدعو لإعمال مقوماتها من خلال ما أودع الله تعالى في الإنسان من خصائص، ولاسيما هذا العقل الذي جعله سيداً لكل الكائنات في الأرض. ولذلك جُعل كل عاقلٍ بالغٍ مكلَّفاً مباشرة بمعرفة هذا الدين واتباعه من خلال القرآن الكريم والسّنة النبوية الشريفة، والمفاهيم الإسلامية التي يقدمها أصحاب الاجتهاد والفكر والرأي، وتكون موافقة للكتاب والسنة. وبما أنْ ليس لكل إنسان طاقة أو إمكانية لبلوغ هذه المعرفة، فقد هوَّنَ عليه خالقه هذا الأمر من خلال اللجوء إلى أهل العلم ليأخذ عنهم أركان الدين وأصوله، ولاسيما الأحكام الشرعية وكل ما يتعلق بأوامر الله تعالى ونواهيه وذلك مصداقاً لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النّحل: 43] فإذا علمها من أهل العلم صار عليه أن يطبقها في حياته وحياة عائلته عن طريق الفهم والاقتناع والمثل في الإيمان والعمل الصالح. أما ما يركن إليه مما ألفه من أهله أو بيئته دون البحث وبذل الجهد الشخصي، والاكتفاء بالتقليد الأعمى، فهذا ما يجعله مقصراً في تكليفه ولو بعض الشيء.. ومن هنا كان الأجر العظيم للإنسان غير المسلم الذي يهتدي إلى الإسلام ويعتنقه وهو مخلص لله تعالى، ولاسيما من أهل الكتاب، الذين يعتنقون الإسلام فيوفّيهم ربُّهم الكريم أجرهم مرتين مصداقاً لقوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ *وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ *أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *} [القَصَص: 52-54]. ومن هنا كانت مخاطبة الإسلام للإنسان بصورة مباشرة، ودعوته لإعمال العقل واستخدام وسائل العلم والمعرفة التي تهديه إلى الدين القيم، وانتهاج الصراط المستقيم قولاً وفعلاً وسراً وعلانية، لأنَّ الإنسان في نهاية المطاف، هو المسؤول عن تصرفاته وسلوكه ومصيره، بما يملك من الجوارح والملكات، لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً *} [الإسرَاء: 36]. أي ولا تتّبع أيها الإنسان من الدين ما ليس لك به علم، فإنَّ اتباعك هذا محض جهل وأنتَ محاسبٌ عليه. ومن هنا كان باطلاً ما يدّعيه الإنسان من أنه ورث العقيدة الدينية عن آبائه، ولاسيما إذا كانت هذه العقيدة مما يخالف الفطرة ولا تستقيم مع العقل، كما هي الحال في دعوى المشركين والكفار الذين وقفوا في وجه الدعوة الإسلامية، مدّعين عدم التخلي عن العقيدة التي توارثوها عن الآباء والأجداد، كما يبيّنه قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ *} [البَقَرَة: 170].. وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَآلِّينَ *فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ *} [الصَّافات: 69-70] فهذا التقليد الأعمى الموروث، إنما بُعث الأنبياء والرسل لمحاربته ولهداية العُمْيِ عن ضلالتهم تلك، واعتناق عقيدة التوحيد التي ترفع من قيمة الإنسان، وتعلي من شأنه الفردي والاجتماعي. وتظهر نتيجة عدم الاستجابة لدعوات أولئك المبعوثين من ربهم تبارك وتعالى. بدعاء النبي نوح (عليه السلام) ، وهو يناجي ربَّه عزَّ وجلَّ: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا *إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا *} [نُوح: 26-27]. فقد أرسل الله تعالى نوحاً (عليه السلام) إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلاَّ خمسين عاماً، كما يخبرنا القرآن الكريم في سورة العنكبوت[*] ، وهو يدعوهم إلى اعتناق عقيدة التوحيد والدخول في الإسلام ولا من مجيب!.. لا، بل وكانوا يكذّبونه ويتوعَّدونه هو ومن اتبعه من المؤمنين بالأذى والعذاب إنْ لم يكفَّ عن دعوته، حتى ضاق بهم ذرعاً، ولم يعد قادراً على احتمال إنكارهم وجحودهم لأنعم الله تعالى التي كان يذكّرهم بها، وهو يدعوهم سرّاً وعلانية لعبادة الله تعالى.. فكان دعاؤه إلى ربه أنْ يهلكهم، وألاَّ يترك على الأرض كلها من الكافرين ديّاراً، أي صاحب دار من ديارهم أو بيوتهم التي لا يلدون فيها إلاَّ فاجراً يعيث في الأرض فساداً، أو كَفّاراً يُضلُّ العبادَ إضلالاً!.. ولم يكن دعاءُ النبي نوح (عليه السلام) إلاَّ من قلبٍ أثقله الكافرون بالألم والحسرة بعدما ثبت له بالتجربة، وخلال تلك المدة الطويلة التي قضاها في الدعوة، أنه لم ينفع مع أولئك الكافرين لا ترغيب ولا ترهيب، فقد بقي دأبهم على الكفر يتوارثه الأبناء عن الآباء، حتى امتلأت نفسُهُ كراهية لأعمالهم، فرغب إلى ربه تعالى أن يطهّر الأرض من الشر الذي يستفحل باستفحال الكفر، والظلم الذي يستشري من انتشار الشرك..
ولا تقف آثار دعاء النبي نوح (عليه السلام) عند حدود إهلاك الكافرين، بل تتعداها لأنْ يُبقِيَ اللَّهُ تعالى في الأرض الذريَّة الصالحة من الذين آمنوا به وبدعوته، أي الذرية التي تحفظ ميثاق الله - عزَّ وجلَّ - الذي أخذه على النبيين وعلى بني آدم أجمعين، وهم في الأصلاب، بأنْ يؤمنوا به ويعبدونه فلا إله إلاَّ هو، رب السماوات والأرض، كما يعبر عنه قول يوسف (عليه السلام) لصاحبيه في السجن، وذلك بقوله تعالى: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ *يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ *مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ *} [يُوسُف: 38-40]..
وبمقتضى ذلك الميثاق حَملتِ الذريةُ الصالحة لواء عقيدة التوحيد على مرّ العصور، وهي تدعو لعبادة الله إلهاً واحداً لا شريك له، وتلك الذرية الصالحة من آدم ونوح (عليها السلام) هي التي يدلُّ عليها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ *ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *} [آل عِمرَان: 33-34]، وقوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا} [مَريَم: 58]. فقوله: «من ذرية آدم» أي إدريس؛ «وممّن حملنا مع نوحٍ» ابنُه سام ومن ذريته إبراهيم، «ومن ذرية إبراهيم» ولداه إسماعيل - ومن ذريته محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) - ، وإسحاق، ومن ذرية إسحاق ابنه إسرائيل وهو يعقوب، ومن ذريته موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى - عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام - .. وقوله: «وممّن هدينا واجتبينا» من عباده الصالحين الذين ينتسبون إلى تلك الذريات الصالحة بالقرابة، أو بصلة الدين والإيمان..
ولا بدَّ من الإشارة هنا إلى أنَّ البيت الزوجي الذي تقوم الحياة فيه على السكينة والمودة والرحمة، يفترض أنْ يكون بمثابة محراب لعبادة الله تعالى، حيث ينشأ الأبناء منذ نعومة أظفارهم على سماع ذكر الله تعالى، وتأثَّرهم برؤية الأهل في القيام بالصلاة والصوم وإيتاء الزكاة، وما إلى ذلك من الفرائض والطاعات التي فيها الاستجابة الكاملة لأوامر الله تعالى ونواهيه.. فضلاً عن مراقبة هؤلاء الأهل في تعاملهم مع ذوي القربى، ولاسيما التواصل مع ذوي الرحم، ومعاشرة الناس بالحسنى، وما إلى ذلك من مكارم الأخلاق التي تنطبع في أذهان الأبناء ولاسيما الأطفال، فتنمو في نفوسهم بذور الإيمان والتقوى، وتتغلغل في أعماقهم مشاعر الألفة والمحبة، فيشُبُّوا وقد استقاموا على الطريقة التي ترضي الله تعالى وتحفل بالخير والبركة. على أنَّ ذلك كله لا يعفيهم من أنْ يتحرّوا الرشد بأنفسهم، وأن يكون إيمانهم بالإضافة إلى جو البيت مبنياً على العقل، والإيمان بما أنزل الله عزَّ وعَلاَ من كتاب، وما بعث من نبيٍّ أو رسولٍ، والتصديق بقضايا الغيب من مثل يوم القيامة، والبعث والحساب، والجنة والنار..
وهذا بخلاف البيت الذي يتربّى فيه الأبناء على الكفر أو الشرك أو الإِلحاد، حيث تكون غايتُهم منصبَّةً على متاع الحياة الدنيا وزخرفها، فلا يحفلون بالقيم المعنوية والمثل الإنسانية، ولا يفكرون بحياة أخروية، لأنَّ كل شيء في حياتهم يكون قائماً على المادية البحتة، واقتناص الفرص التي توفر لهم نيل مطالبهم مهما كانت الوسيلة لذلك!.. ومن أجل ألاَّ تعمَّ هذه المادية دنيا الأرض، ومن أجل ألاَّ تكون الغلبة دائماً لأولئك الجبابرة الذين يُضلّون عباد الله ويعيثون في الأرض فساداً، كان دعاء النبي نوح (عليه السلام) إلى ربه تعالى ألاَّ يترك على الأرض من الكافرين ديّارا، بل يهلك كل فجّار كفّارٍ، ويدمر ديارهم جميعاً، فتبقى عقيدة التوحيد التي تسود في دنيا الناس، لأنها الأساس المتين للتربية الصالحة، والعمادُ الحقيقي للبناء الإيماني والفكري والأخلاقي والسلوكي والاجتماعي في حياة الناس..
4 - المراحل الأخرى للنمو لدى الإنسان
لقد نظر الإسلام إلى الإنسان على أنه المخلوق الأرضي الذي عهد إليه ربُّهُ تعالى بأمرين أساسيين:
الأول : عبادة الله تعالى، فلا يشرك بعبادة ربّه أحداً لقوله عزَّ وجلَّ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *} [الذّاريَات: 56].
والثاني : استخلافه في الأرض لقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البَقَرَة: 30]، وهذا الاستخلاف من أجل أنْ تقوم عمارة الأرض على الإِيمان والعلوم والمعارف ضمن العلاقات الإنسانية التي تفترض التعاون ونشر السلام والأمن في مختلف بقاعها، وصيانة حقوق الأفراد والجماعات دونما افتئات من قوي على ضعيفٍ، ودونما استعباد وظلم وقهر وفسادٍ.. كما حصل فعلاً من المساوئ والشرور عبر التاريخ البشري، وهو ما أُلهِمَ الملائكةُ أنْ يُبدوه لربهم العزيز الحكيم: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البَقَرَة: 30] أي يُفسد فيها بالمعاصي، ويسفك الدماء بالقتل!.. وكما لا يزال قائماً بين الناس، بل ويزداد ويستشري - على ما نرى ونسمع في أيامنا هذه - على الرغم من الحضارات التي أنشأها الإنسان على مرّ العصور، والمدنيات التي كانت ترافقها، ولا سيما المدنيات الحاليّة، في أكبر وأعظم ثورة فكرية معلوماتية وتقنية التي وصلت إليه ما نشهد من مظاهر التقدم في مختلف الميادين، ولكن من غير مراعاة فعلية للغاية الجوهرية من استخلاف الإنسان في الأرض!..
ولذلك كانت الدولة الإسلامية التي أنشأها رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في المدينة المنورة واستمرت على عهد الخلافة الراشدة، حالةً فريدةً من نوعها لم يعرفها أي قطر من أقطار الأرض، ولا أية جماعة من الجماعات البشرية من قبلُ ومن بعدُ، وذلك لأنَّ تلك الدولة قد حكمت بما أنزل الله تعالى - وهي الخاصيّة التي جعلتها أرقى نظام للحكم السياسي والاجتماعي والعدلي والأمني - حتى إذا راح الحاكم الإسلامي - وليس الحكم الإسلامي - يتهاون بإقامة الحاكمية لله تعالى ويؤثر الحياة الدنيا على الآخرة، كما يعبّر عن ذلك هارون الرشيد عندما سأله وزيره الأول ابن الربيع عن الخلافة، فقال ما مؤداه: والله لو طلبها ابني لقطعت رأسه قبل أنْ أدعَهُ يصل إليها.. أجل، في ظل هذه الذهنية التي تختلف كلّياً عما يريد الإسلام من قيام الدولة، وعلى الرغم من كل مظاهر القوة والانتشار التي مرَّت فيها الخلافة الإسلامية منذ العهد الأموي وحتى نهاية العهد العثماني، فإنَّ الفسادَ كان قد أغوى الحكام وانتشر بين المحكومين، فكان من المحتوم أنْ يسري الضعف في نفوس المسلمين وبلادهم من زمنٍ إلى زمنٍ، وأن تزول الخلافة الإسلامية من الوجود، فلا يبقى من مظاهر الحكم الإسلامي إلاّ عناوين معينة في هذه الدولة أو تلك.. وهذا ما أدَّى بالمسلمين إلى الأحوال التي هم عليها، والتي كان رسولُ الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قد حذَّر منها كما روي في الحديث عنه: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها» .. فقال قائل: أوَمن قلّةٍ نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل...»[*] . إذًا فالإسلام لا ينظر إلى الوجود الإنساني بمفاهيم مجتزأة عن الفرد أو الشعب أو نظام الحكم وما إلى ذلك.. بل ينظر إلى هذا الوجود بنظرة شمولية تكاملية تتناول الفرد في مختلف مراحل حياته، والمجتمع والدولة من جميع جوانبها، كما يتناول نظام الحكم ومختلف المناهج التي يجب أنْ يُبنى عليها، حتى تكون مسيرة الإنسان على الأرض مسيرةً يحكمها التكامل والاستمرار، وتنتظمها حركة التاريخ وفقاً للسنن الكونية التي جعلها الله تعالى سنناً ثابتة لا تتبدل ولا تتحوَّل عن مسارها المرسوم لها.. من هنا ضرورة تربية الإنسان المسلم وفقاً لهذه النظرة الشمولية، بحيث تبدأ تربيته منذ أنْ يطل المولود الجديد على شخصيته، وتلقّيه العلوم والمعارف الأساسية التي تتناسب وطاقاته الفكرية والاستيعابية، وجميعها تعده لأنْ يلعب الدور الذي يكون قد تهيَّأ له في الحياة. «إذ يكون الطفل في سنواته الأولى على أقصى درجة من المرونة والقابلية للتطبُّع، لأنه في تلك السنوات تتشكَّل عقليته وعقيدته الدينية وقيمه الخلقية والوجدانية بفعل البيئة التي ينشأ فيها»[*] . ففي البيت وبين أبويْه وأخوته، تتفتَّح أولى مداركه على الوعي، فيتعلّم النطق ويكتسب اللغة، ويحاكي تصرفات الذين يحيطون به، ويتأثر بالعادات والتقاليد الموروثة.. بحيث يتكيّف مع كل ما يجعله ينتمي إلى عائلته وأقربائه والوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه..
ولا تقلُّ المدرسة عن البيت تأثيراً في تربية الطفل، بل قد يكون تأثيرها أقوى لاكتساب مهاراته الفكرية بما يتلقَّى من معلِّميه ومرّبيه، وتنمية مهاراته الجسدية بما يمارس من ألعابٍ رياضية.. إلاَّ أنه كلما كان التعاون وثيقاً بين البيت والمدرسة، انعكس ذلك إيجاباً على تنمية مواهب الطفل وتكوين شخصيته، يضاف إلى ذلك ما لعوامل الوراثة من تأثير على حياة الطفل، بما يتوالد معه من طاقات فكرية وجسدية، قد تنطوي على حالات من القوة أو الضعف، تكون جديرة أنْ تؤخذ بعين الاعتبار لتثبيت وتنمية ما هو صحيح منها، وتلافي - إنْ أمكن - ما هو القاصر أو الغثّ منها. وعلى الرغم من ذلك فإنَّ تأثير التربية قد يتجاوز عوامل الوراثة إلى درجةٍ قد يمكن معها وقف قانون الوراثة إلى حدٍّ ما، إلاَّ في الموارد التي تكون الصفات الوراثية ذات طابعٍ حتميٍّ، فلا يمكن حينئذٍ لعوامل التربية والاكتساب أنْ تغيّرها مهما كان لها من فاعلية وتأثير.. بمعنى «أنَّ البيئة كلما كانت غنيةٍ بمحتواها، كانت إيجابية الأثر في نموّ الصغير، وذلك طوال السنوات الأثنتي عشرة الأولى من حياته، خصوصاً السنوات الثلاث الأولى منها»[*] ، ومن هنا يبرز الدور الرئيسي للأهل في تأمين المناخ الأسري الذي يتناسب ومتطلبات أولادهم وحاجاتهم الضرورية، وتعويدهم المهارات اليدوية والفكرية الأولية وتلقينهم أدب السلوك، فضلاً عن توفير أجواء الهدوء والسكينة، وتوطيد وشائج المحبة والحنان، وترسيخ أواصر الحب والإيثار، وما إلى هنالك من «عوامل النماء السيكوفيزيولوجي»[*] .
وفي مثل هذه الأسرة التي يتقارب أعضاؤها ويتحاكَوْن ويتناغَوْنَ، بل وفي هذا البيت الزوجي الذي يعبق - وفقاً للمفاهيم الإسلامية - بشذا الإيمان، وترفرف فيه معاني المودة والرحمة - كما قلنا قبلُ - لا بدَّ وأنْ يأخذ الأهل بالمفاهيم والقيم التي قد تنسحب بآثارها على حياة أبنائهم، وترافقهم على مدى العمر، ولعلَّ أهمَّها:
1 - أن يكون الأب والأم صالحين: ومن أولى أمارات صلاحهما أن يكونا مؤمنين ملتزمين بأحكام وتعاليم الدين، كما نصح رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بذلك، عندما سأله أحدهم عن صفات الزوجة التي يختارها، فقال له: «اظْفَرْ بذاتِ الدِّين تَربَتْ يَدَاك»[*] . بل وكان الرسول الأكرم يؤكد على تحرّي سلامة الصحة البدنية والنفسية في الطرفين قبل الزواج، ومن ذلك قوله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «أَنْكِحُوا الأكُفَّاء وانْكَحُوا فيهم واختاروا لنُطَفِكم»[*] ، وفي حديث آخر: «تَخَيَّروا لنطفكم فإنَّ العرقَ دسَّاسٌ»[*] . وعن الحسين عن أبيه أمير المؤمنين (عليها السلام) أنه قال: «إيَّاكم وتزوُّجَ الحمقاء، فإنَّ صحبَتَها بَلاَءٌ وولدَها ضَيَاعٌ»[*] . هذه الأحاديث وغيرها تشير إلى ضرورة سلامة الزوجين حذراً من إصابة الأولاد ببعض العاهات التي قد تنتقل إليهما من الأبوين، والتي يكون الأهل مسؤولين عنها في حال إهمال ضرورة إجراء الفحوصات الطبية والمخبرية قبل الزواج، وفي حال التغاضي عن وجود مشاكل نفسية لدى الرجل أو المرأة من شأنها أنْ تؤثر على مصير الأولاد.. وبالإضافة إلى العوامل الصحية والنفسية، هنالك إجماع لدى خبراء التربية على أنَّ الأم يجب أن تكون على مستوى معين من الثقافة التي تمكّنها من معرفة أصول التربية، لأنها تقع على عاتقها قبل غيرها مسؤولية تلقين الأبناء، ولاسيما في مرحلة الطفولة، معاني الأشياء والقيم فإدراكها لهذه المعاني، فضلاً عن تمتعها بالخلق الحسن وقيامها بموجبات الأمومة من مختلف جوانبها، يعطي تربيتها ثماراً طيّبةً، ولذلك قال الشاعر:
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتها
أعددتَ شعباً طيبَ الأَعراق
وتتكافأ مسؤولية الأب مع مسؤولية الأم في تربية الأبناء؛ فهو ولئن كان يعمل خارج المنزل ليحصل قوته وقوت عياله، ولئن كانت انشغالاته في الحياة واسعة، إلاَّ أنَّ ذلك لا يعفيه من الاهتمام المباشر برعاية شؤون زوجه وأطفاله.. إذ لا يكفي أن يؤمن لهم الغذاء والطبابة واللباس وما إلى ذلك من الأشياء التي تنمي مهاراتهم كالألعاب وغيرها، بل وعليه أن يعرف كلَّ شاردة وواردة عما يجري داخل أسرته، لكي يُشعر زوجَهُ باهتمامه بها، ويُشعر أبناءه بأنه قريب منهم، يحبهم ويحنو عليهم، ويذود عنهم من كلِّ ما قد يؤذيهم في أبدانهم ونفوسهم.. فالإسلام ينظر إلى الأب الصالح - والأم الصالحة - من زاوية إنسانية وإيمانية، حتى أنَّه ليُؤجَر على ما ينفق على أهله، كما يدلُّ عليه قولُ رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : «دينارٌ أنفقتَهُ في سبيلِ الله، ودينارٌ أنفقتَهُ في رقبةٍ، ودينارٌ تصدَّقْتَ بِه على مسكينٍ، ودينارٌ أنفقتَهُ على أهلِكَ، أعظمُها أجراً الذي أنفقتَهُ على أهلِكَ»[*] ، فهذا الحديث الشريف، وبما يكتنز من المضامين العظيمة للإنفاق: في سبيل الله، وفي سبيل تحرير الإنسان من الرِّقّ الجاهلي والعبودية الحالية، ومن أجل التصدّق على المساكين، فكل ذلك بقيمه وأبعاده السامية أجرُهُ دون الأجر الذي يناله الرجلُ في الإنفاق على أهله.. فالرجل عندما يكون الراعي الصالح لأهله، يكافئه الإسلامُ على هذه الرعاية بما يستحق من الأجر الذي يناله ليس في هذه الدنيا وحسب، بما يظهر من صلاح في أهله؛ بل وفي الآخرة حيث يُثاب على رعايته تلك التي أولاها كامل عنايته وجهده.. فالأم والأب هما القدوة الحسنة لأبنائهما، ويتمثَّلانها بالسيرة الشريفة للمصطفى (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بقوله الكريم: «خيرُكُمْ خيرُكُم لأهلِه وأنا خيرُكُم لأَهلي»[*] . فهذا الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الذي جعلَهُ ربُّهُ تبارك وتعالى أسوةً حسنة لجميع الناس، فقال عزَّ من قائل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا *} [الأحزَاب: 21]. أجل، هذا الرسولُ الأعظم يجب أن يتخذه الأهلُ الأسوةَ الحسنة، كي يجعلا من نفسيهما قدوةً صالحة لأبنائهما.. فلا يبخَلنَّ أحدٌ من الأهل - أمّاً وأباً - على نفسه بالاطلاع على السيرة النبوية الشريفة، وما تحفل به حياة خاتم النبيين محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) من القيم والمثل ومكارم الأخلاق و«الخلق العظيم»، التي تضمن عوامل الأمن والأمان والطمأنينة لمن يتبّعها ويسير على هديها..
2 - عدم التمييز بين الأولاد بسبب الجنس: إذ تعاقبت على الجنس البشري عهودٌ من الظلام جعلته ينظر إلى الرجل نظرةً متمايزة عن المرأة. ففي الغرب كانت الثقة بالمرأة معدومة، ولعلَّ السبب تلك الحروب الدامية التي كانت تجري بين رجال الإقطاع من جهة، أو بينهم وبين الملوك من جهة ثانية.. فكان الرجال الذين يسعون لخوض غمار تلك الحروب، يُلبِسون نساءهم ما كان يسمى «حزام الأمان» حتى لا يخُنَّهم في غيابهم.. ولم تكن جاهلية العرب أقلَّ قسوةً حيال المرأة، حيث تقوم حياتهم على غزو القبائل بعضها بعضاً، وما يُحدث هذا الغزو من جوعٍ وفقرٍ وسَبْيٍ وعارٍ، حتى تكوّنت لدى كثير من تلك القبائل ذهنيةٌ عقيمة، تمثلت بقتل الأولاد - وخاصة البنات - خشية من الفقر أو خوفاً من العار.. فجاء الإسلام ليقضي على تلك الذهنية السقيمة، ويحلَّ محلَّها نمطاً من التفكير الذي يجعل رزق الأولاد بيد الله تعالى، بحيث لا يحرّم وأْدَ البنات فقط، بل ويتوعَّد كل من يقدم على ذلك بالعذاب الأليم.. لذلك نجد القرآن الكريم يصوّر حالة الرجل الذي يُخبرُ بمولودة جديدة أدق التصوير، بقوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ *يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ *} [النّحل: 58-59]. ثم يبيّن الوعيدَ الذي يتهدد به الخالقُ من يئد البنات بقوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ *} [التّكوير: 8-9]؛ كما يحرّم قتل الأولاد من فقر يخافونه بقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعَام: 151]، وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْأً كَبِيرًا *} [الإسرَاء: 31].. بل إنَّ مختلف الذرائع التي أوجدت التمايز بين الذكور والأناث، لم تُعطِ المرأةُ كاملَ حقوقها المدنية والسياسية، سواء في الغرب أو في الشرق، إلاَّ في عهودٍ متأخرة، قد جاء الإسلام لينقضها من أساسها، ويجعل المرأة على نفس المساواة مع الرجل في الحياة. والسيرة النبوية الشريفة حاملة بالأحاديث التي ترفع من شأن المرأة، وتعلي مكانتها؛ فقد روي أنَّ رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال: «ما زالَ جبرائيلُ يُوصِيْني بأمرِ النِساء حتى ظَنَنْتُ أنه سيُحرِّمُ طلاقَهُنَّ»[*] ؛ وأنَّه قال: «اتَّقُوا الله عزَّ وجلَّ بالنساء، فإنهنَّ عوانٌ بين أيديكم، أخذتموهُنَّ على أَمَاناتِ الله لما استَحْلَلَتُمْ من فروجهنَّ بكلمة الله وكتابه، فإنَّ لهنَّ عليكم حقاً وواجباً لما استحللتم من أجسامهنَّ وبما واصَلْتُمْ من أبدانِهِنَّ، ويَحْمِلْنَ أولادَكُمْ في أحشائِهِنَّ فاشفَقُوا عليهنَّ، وطيِّبُوا قلوبَهُنَّ حتى يَقِفْنَ معكم، ولا تُكرِهُوا النساءً، ولا تَسْخَطُوا بهنَّ، ولا تَأْخُذُوا ممَّا آتيتموهُنَّ شيئاً إلاَّ برضاهنَّ»[*] .
وعن رعاية البنات وضرورة تنشئتهنَّ تنشئةً صحيحةً، قال رسول الله: «من ابتُلِيَ بهذه البَنِيَّاتِ بشيءٍ فأحسَنَ إليهْنَّ كُنَّ له سِتْراً من النار»[*] ، كما قال (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «من عالَ جاريتَيْنِ حتَّى تبلُغَا جاءَ يومَ القيامةِ أنا وهو كهاتين» - وَضَمّ إصبعيه الوسطى والسبّابة - ولكي يقضي الرسول الأعظم على أي تمييز بين الذكر والأنثى، قال: «خيرُ أولادِكُمْ البناتُ»[*] ، وعلى سيرة رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) سارَ أهلُ البيت في تقدير المرأة ورفع كيانها، فقال الإمامُ جعفرُ الصادق (عليه السلام): «البناتُ حسناتٌ والبنونَ نعمةٌ، فالحسناتُ يُثابُ عليها، والنعمةُ يُسأَلُ عنها»[*] ، كما أُثِرَ عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنه كان إذا بُشِّر بمولود لا يسأل إنْ كان ذكراً أو أنثى بل يقول: أسويٌّ؟ فإذا قيل له: نعم، قال: الحمدُ لله الذي لم يَخْلُقْهُ مُشوَّهاً[*] .
ومن زاوية نظر الإسلام للزواج على أنَّهُ علاقة مقدسة، وأنَّ للمرأة الحقَّ بألاَّ تتزوج إلاَّ برضاها، فقد قال رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «لا تُنكَحُ الأيّمُ حتى تُستأذنَ»[*] ، قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت» . ويروى أنَّ امرأةً جاءت النبيَّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) تشتكي أباها من تزويجها، فقالت: «إنَّ أبي قد زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيستَهُ، فجعل (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الأمرَ إليها؛ إنْ شاءتْ ظلَّت على زواجها أو طلبتِ الطلاقَ، فقالت: قد أَجَزْتُ ما صنَع أبي ولكنْ أردتُ أنْ أُعلِمَ النساء أنَّهُ ليس إلى الآباءِ من شيء»[*] .. مما يبدو واضحاً أنَّهُ لا يجوز أن تُستكرَهَ المرأة، ثيّباً كانت أو بكراَ، على الزواج ممَّنْ لا ترتضيه لها زوجاً..
وإذا كان الإسلام يشدّد على احترام المرأة وصيانة حقوقها، ولاسيما الزوجة، فإنه بالمقابل قد راعى ما للزوج من حقوق، كما في هذا الحديث الجامع عن رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) حيث قال: «إنَّما الدُنيا متاعٌ، وليس مِنْ متاعِ الدُّنيا شيءٌ أفضل مِنَ المرأةِ الصالحةِ، وما استفادَ المُؤْمِنُ مِنْ بعدِ تَقْوَى الله - عزَّ وجلَّ - خيراً لَهُ مِنْ زوجةٍ صالِحَةٍ إنْ أَمَرَها أطاعَتْهُ، وإنْ نَظَرَ إليها سَرَّتْهُ، وإنْ أقسَمَ عليها أَبَرَّتْهُ، وإنْ غابَ عنها نَصَحَتْهُ في نَفْسِهَا وَمَالِهِ»[*] . وروي أنَّه لما قدم معاذ بن جبل من الشام، تقدم يريد السجودَ أمام رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، فقال له: ما هذا؟! لا تفعل، فإنّي لو أمرتُ شيئاً أن يسجد لشيءٍ لأمرت المرأةَ أنْ تسجدَ لزوجها، لا تؤدي المرأة حقَّ ربِّها حتى تؤدي حقَّ زوجها»[*] ، وفي حديث آخر: «المرأةُ لا تؤدّي حقَّ زوجها، فلو سألها وهي على ظهر قتبٍ لمْ تمنعه نفسها»[*] . أما عن موجبات الأبناء تجاه الوالدين، فقد أمرَ الله تعالى معاملتهما بالحسنى، فقال عزَّ وجلَّ: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ *} [العَنكبوت: 8]، وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا *وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا *} [الإسرَاء: 23-24]. بل وجعلَ الإسلام البِرَّ بالأمّ مقدَّماً على البرِّ بالأب، كما بيّن ذلك رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، عندما جاءه رجلٌ يسأله: مَنْ أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ فقال له (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : أمُّك. فقال الرجل: ثُم مَنْ؟ قال: أمُّكَ، فقال الرجلُ: ثُمَّ مَنْ؟ فقال: «ثُمَّ أمُّكَ، ثم أبوك»[*] . وسئل (صلى اللّه عليه وآله وسلم): أيُّ الناس أعظمُ حقاً على المرأة؟ قال (صلى اللّه عليه وآله وسلم): زوجُها؛ قيل: فأيُّ الناس أعظمُ حقاً على الرجل؟ قال (صلى اللّه عليه وآله وسلم): أمُّه»[*] . وهكذا يتبيّن لنا من جملة ما تقدم كيف أنَّ الإسلام قد جاء بالمفاهيم السامية التي تمنع التمييز بين الذكر والأنثى، وكيف وازن بين حقوق الزوجة والزوج، بل وكيف أولى الإناث بالرعاية، وصانَ حقوق الآباء، بل وقدَّم حسن مصاحبة الأم على حسن مصاحبة الأب، إلى ما هنالك من القيم التي ترفع من شأن الإنسان، وتوطَّد العلاقات الأسرية والاجتماعية، على الألفة والتضامن والتكافل..
3 - حسن تسمية الأولاد: وهذا من جملة ما حرص الإسلامُ عليه من أجل حماية الولد من كل ما قد يهدّد أمنَهُ النفسي ويبعده عن الاحتقار والمذلّة. إذْ جعل من عوامل الوقاية أن يُحسن الأهلُ اختيار اسم المولود الجديد «لأنَّ حُسنَ التسمية من الحب، ومن الحرص على أن يلازمَ الولدَ الفألُ الطيبُ، والإِقبال السمحُ من أترابه ومعاشريه في مستقبل عمره»[*] . وقد روي عن النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أنه قال: «إنَّ أول ما يَنْحُلُ أحدُكُم ولَدَهُ الاسمَ الجميلَ»[*] ؛ وسأله رجلٌ: ما حقُّ ابني هذا عليَّ؟ قال (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «تُحسِنُ اسمَهُ، وتؤدّبُهُ، وتضعُهُ موضعاً حَسناً»[*] ؛ وقال (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «إنَّكُمْ تُدْعَونَ يومَ القيامةِ بأسمائِكُمْ وأسماءِ آبائِكُمْ فحَسِّنُوا الأسماءَ»[*] . كما رويَ عنه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أنه قال: «تسمَّوا بأسماء الأنبياء، وإنَّ أحبَّ الأسماء إلى الله تعالى: عبد الله، وعبد الرحمن، وأصدقُها حارثٌ وهمَّامٌ، وأقبحُها حربٌ وقُرَّة»[*] . كما أُثِرَ عن رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أنه كان يغيّر الأسماء القبيحة في الرجال والبلدان.. فقد جاءه يوماً رجلٌ اسمه «حزن»، فقال له (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «بل أنت سهل»[*] ، وأنَّ ابنة لعمر كان يُقال لها «عاصية» فسماها الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «جميلة»[*] .
وما هذا الاهتمام بالاسم إلاَّ لما له من تأثير على حياة الإنسان، ولاسيما في مرحلة الطفولة، إذ قد يتخذه أترابُ الصغير مدعاةً للسخرية، ما يجعله يستحي باسمه فيبتعد عنهم، وينطوي على نفسه فلا يعود إلى مشاركتهم في اللعب أو في غيره من النشاطات الأخرى وقد يؤثّر ذلك على مستقبل حياته بما يورثه من عقدةٍ نفسية، أو تخلّفٍ في مستواه الذهني.. وقد ورد عن رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أنه كان ينصح بعدم تأجيل تسمية المولود إلى ما بعد اليوم السابع، بل ونصحَ أيضاً بختان الصبيان في السابع، فقال (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «واخْتِنُوا صبيانَكُم في السابع فإنه أطهَرُ وأسرَعُ لنبات اللحم»[*] ؛ وبيّن أهمية الختان بقوله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «الختانُ سُنّةٌ للرجال، مكرمةٌ للنساء»[*] .
4 - ضرورة الاعتراف بالطفل: إذ من مساوئ الحرية الشخصية التي ينادي بها الغرب، المعاشرة بين رجل وامرأة من غير رباط زوجي، ما قد يحصل معه الحملُ بطريقة غير شرعية. وقد أوجَدَ الغرب حلاَّ ً لهذه المشكلة بأن سمح للأم بأن تسجّل الولد على اسمها، في حال تهرّب الأب من مسؤولية الاعتراف بالمولود، أو في حال عدم معرفة الأب.. وفي ذلك ضياع للنسب، وما قد يترتب على هذا الضياع من مساوئ كثيرة!.. أما الإسلام فقد حرَّم العلاقات غير الشرعية بين الرجل والمرأة، بل وفرض على الرجل الاعتراف بالطفل، عندما جعل (ثبوت النسب) حقاً للولد يدفع به عن نفسه المعرَّة والضياع[*] .
وهكذا نرى أنَّ الإسلام قد أوجَبَ تهيئة المناخ التربوي السليم للأولاد، بما عهد إلى الأبوين من الصلاح في نفسيهما، ومن حسن المعاشرة وأدب السلوك في مشاركتهما الحياة الزوجية. كما أوحى لهما من أنماط التفكير وأصول التربية ما توصلت إليه أرقى النظريات الحديثة في هذا المضمار، عندما وضع على عاتقهما مسؤولية تربية أولادهم وتوجيههم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم. وأهم ما في هذه المسؤولية تنمية ملكة التفكير عند الولد، لأنه عندما يكبر وينضج عقله يصبح قادراً على استنباط الأفكار وتنمية مداركه الذاتية التي تؤهله للتفكير بكل ما خلق الله تعالى في هذا الوجود، كما أشار بذلك الإمام علي (رضي الله عنه) في وصيته إلى ولده الحسن (عليه السلام) بقوله: «لا عبادة كالتفكير في صنعة الله عزَّ وجلَّ»[*] . وخلاصة القول أنَّ الإسلام قد أولى الأطفالَ والأولاد اهتماماً بالغاً، وجعلَ للأهل على قيامهم بأعباء تربية الأبناء أجراً عظيماً.. فقد ورد عن أبان عن أنس أنه قال: قال رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : يُؤْتَى يومَ القيامة بالمتقاعسين والمتبذِّلين، قالوا: يا رسول الله: ومَن هم؟ قال (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «أمَّا المتبذّلونَ فهم الذين بذلوا مهج دمائهم فأهرقوها شاهري سيوفهم يتمنون على الله يوم القيامة ألا تُردّن لهم حاجة. وأمَّا المتقاعسون فهم أطفالُ المؤمنين اشتدَّ عليهم الموقف فيتصايحون، فيقول الله عزَّ وجلَّ: يا جبريل، ما هذا الصوت؟ - وهو أعلَمُ بذلك - فيقول جبريل: أي ربِّ صوت أطفال المؤمنين اشتدَّ عليهمُ الموقف؛ فيقول تعالى: أظلهم تحت ظل عرشي، ثم يقول: يا جبريل، أدخلهم الجنة فيرتعون فيها؛ فيسوقهم جبريل، فيتصايحون كما تصيح الخرفان إذا عزلت عن أمهاتها؛ فيقول تعالى: يا جبريل، - وهو سبحانه أعلم بذلك منه - ما حالهم؟ فيقول: أي ربِّ، يريدون الآباء والأمهات، فيقول عزَّ وجلَّ: «أدخل الآباء والأمهات مع أطفالهم»[*] . وعن ابن عباس قال: «أتى عليَّ زمانٌ وأنا أقولُ: أطفالُ المسلمين مع المسلمين، وأطفال المشركين مع المشركين، حتى حدَّثني أبي أنَّ النبيَّ سُئِلَ عنهم فقال: الله أعلمُ بما كانوا عاملين»[*] ..
تلك هي مقتطفات وجيزة من نظرة الإسلام الشمولية إلى الإنسان، حاولنا من خلالها أنْ نوضّح الأجواء التي يجب أنْ تكون مهيَّأَةً ومعدَّةً لاستقبال الطفل حتى يتربى تربيةً إسلاميةً صالحةً، ليست ذات طابع ديني محض، ولا ذات طابع دنيوي محض، وإنما تربية تقوم على الملاءمة بين أحكام الدين وتعاليمه، وبين متطلبات الدنيا وشؤونها، وهدفها السعي للدارين.. لذلك كان اهتمام التربية الإسلامية منصبّاً على كل مرحلة من مراحل نمو الإنسان، بحيث يبدأ هذا الاهتمام مع تكوينه في رحم أمه، ويتطوَّر مع نشوئه وتدرّجه ونموّه، في الطفولة والشباب وحتى الكهولة..
يقول الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ *} [الرُّوم: 54]، يتبين من هذا النص الكريم أنَّ خلق الإنسان يبدأ من «ضعف» أي من أصل ضعيف من الماء المهين (المنيُّ الذي يُمنى من الرجل ويختلط بماء المرأة)، ويستمرُّ هذا الضعف في مرحلتي الرضاعة والطفولة، ليأتي من بعدهما طور جديد في حياة الإنسان هو طور القوة الذي يظهر بالبلوغ في سن المراهقة، ومن ثمَّ الرشد في سن الفتوة والشباب، بحيث يستمر هذا الطور حتى يعود الإنسان إلى حالة الضعف عندما يبلغ سن الكهولة والشيخوخة.. فهذا هو خلق الله تعالى، الذي يخلق ما يشاء من حالات الضعف والقوة والشيبة في الإنسان، التي لا يمكن أن يحيد عنها أي أحدٍ من بني آدم إذا امتدَّ به العمر إلى سنٍّ متأخرة، أو إذا لم يَخْلُقْهُ ربُّهُ تعالى على حالةٍ من الضعف في بدنه كالأعرج والمريض، أو على حالة من الضعف في عقله كالمجنون والمعتوه، وذلك لحكمة يشاؤها سبحانه وتعالى من مثل هذه الحالات التي تخرج عن مألوف الخلق السوي للإنسان...
وقد بيّن رسولُ الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الأطوار التي يمرُّ بها الإنسان في مراحل النموّ، ودلَّ على كيفية تربية الأولاد منذ عهد الطفولة المبكرة إلى سن الحادية والعشرين وذلك بقوله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : «اضربوهُنَّ لسبعٍ، رافقوهُنَّ لسبع، ثم ضَعُوا الحبلَ على غاربه»[*] . وفي حديث آخر، عن ابن سبع عن النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) انه قال: «الولد سيدٌ سبعَ سنين، وخادمٌ سبعَ سنين، ووزيرٌ سبعَ سنين، فإنْ رضيتَ مكايَفَتَهُ لإحدى وعشرين، وإلاَّ فاضرب على كتفِهِ فقد أعذرت إلى الله فيه»[*] . ويمكن من خلال الحديثين الشريفين تقسيم مراحل تربية الأولاد إلى ثلاث: مرحلة الطفولة والتدريب، مرحلة التعليم والتثقيف، ومرحلة المرافقة والتجربة.. بحيث تمتد كل منها إلى سبع سنين، مع التوكيد على أنَّ هذه المراحل ليست ثابتة بالضرورة، وبأنه يمكن فصلها عن بعضها، بل هي قابلة للتداخل في أحيان كثيرة.. إذ على المثال قد يبدأ تعليم الأولاد مبادئ القراءة والكتابة، وتلقّي المعلومات الأولية عن معاني الأشياء قبل سن السابعة، كما هو حاصل فعلياً اليوم حيث يتم إدخال الصغار إلى ما يسمى بدور الحضانة وهم لا يزالون في الثالثة من العمر أو أقل، أو إدخالهم إلى ما يسمى بيوت الأطفال التي تسبق المدارس الإعدادية، وذلك بسبب عمل الأمهات خارج المنازل، مما يضطرهُنَّ إلى تسليم فلذات أكبادهن إلى مربيات لا يملكن حنان الأم ورأفتها بوليدها، مهما بلغنَ من الاختصاص والإِخلاص والحرص على رعاية الصغار. فلا عجب إنْ شبَّ الأولاد وليس في قلوبهم ما يكفي من المشاعر للتعلَّق بالأهل، أو ترك منزل الأسرة والعيش باستقلالية عن الأبوين، ولاسيما بعد بلوغ سن الثامنة عشرة، كما تشهد على ذلك غالبية حياة الأولاد في مختلف بلاد الغرب، وهذا من جملة الأسباب التي تؤدي إلى تفكك الأسرة، وانحراف الشباب إلى الرذائل والموبقات.. وكذلك بالنسبة إلى التدريب - من حيث قابلية التداخل بين مراحل التربية - الذي يمكن أن يستمر في المراحل اللاحقة، ولو بدرجات متفاوتة؛ كما أن مرافقة الأهل للولد قد لا تنقطع حتى نهاية تحصيله الجامعي، بل وإلى ما بعدها من مراحل عمره، ما دام الولد يشعر بحاجة إلى نصح الأهل وإرشادهم، وما دام الإنسان - عموماً - يجد في تجارب من هو أكبر منه سناً ما قد يأنس إليه ويفيده في حياته.. لأنَّ طلب العلم، والإفادة من خبرات الآخرين وتجاربهم يمكن أن يستمر - في الحقيقة - إلى ما شاء الله، ولا يمكن تحديد ذلك بمرحلة معينة أو سنّ معين، نظراً لمجالات العلم الرحبة وآفاقه الواسعة التي قد تتناول كلَّ شيء في الوجود..
وعلى الرغم من عملية التداخل، يمكن توضيح مراحل التربية التي أشرنا إليها، كما يلي:
المرحلة الأولى : مرحلة الطفولة والتدريب: وهي التي أشار إليها رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بقوله: «اضربوهنَّ لسبع» ، وبقوله: «الولد سيّدٌ سبع سنين»..
وتبدأ هذه المرحلة منذ عهد الرضاعة الأولى، أي مذ أن يطل المولود على عالم النور والهواء والغذاء، وتمتدّ على مدى عامين كاملين، كما بيّن لنا ذلك الخالق العظيم بقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البَقَرَة: 233]. فمدة العامين هي ما يلزم للرضيع من غذاء كامل، لا يمكن أن يوفره أي غذاء آخر مثل حليب الأم، الذي يكسبه مناعةً في دمه وصحةً في بدنه، فضلاً عما لهذه الرضاعة من آثار نفسية هامة على حياة الطفل، وذلك بما توطّن في نفسه من مشاعر الحنان والحب والعطف، وما تولد في قلبه من أواصر الألفة والعناية والرأفة.. التي قد ترافقه مدى العمر؛ وهذا ما جعل الفقهاء يقولون بأنَّ في هذه الآية أمراً جاء بصيغة الخبر للمبالغة في تقديره، والأمر للوجوب مطلقاً.. وهذا يعني أنه في الأصل، يجب على الوالدات إرضاع أولادهنَّ ما لم يكن هنالك مانع من مرض أو غيره؛ أما إذا أراد الوالدان فطام صغيرهما قبل نهاية العامين، فيجب أن يكون ذلك عن تراضٍ منهما وتشاور، لا أن ينفرد أحدهما بهذا القرار دون الآخر، وهو ما يبيّنه قوله تعالى في الآية الكريمة نفسها: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البَقَرَة: 233]، أي فلا إثم عليهما في ذلك بشرط التراضي والتشاور؛ بل ويمكن للآباء أن يسترضعوا أولادهم من مراضع غير الوالدات إذا أرادوا ذلك، مقابل أجر يؤدونه للمراضع، من غير أنْ يكون للأم حق بالاعتراض على هذا التدبير الذي يتخذه الأب لصالح ولدهما. وكل ذلك أيضاً وفقاً لمنطوق الآية 233 من سورة البقرة..
وقد بيّن أهل البيت فوائد الرضاعة خلال الحولين، فعن سعد بن سعد الأشعري أنه قال: سألت الإمام علي الرضا (عليه السلام) عن الصبي، هل يرضع أكثر من سنتين؟ فقال: عامين.. فقلتُ: فإن زاد على سنتين هل على أبويْه من ذلك شيء؟ قال: لا[*] . وروي عن محمد بن العباس عن أبيه عن أمه قالت: نظر إليَّ أبو عبد الله (عليه السلام) وأنا أُرضع أحدَ ابنيَّ، فقال: يا أم إسحاق لا ترضعيه من ثديٍ واحدٍ وأرضعيه من كليهما، يكون أحدهما طعاماً، والآخر شراباً[*] .
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الرضاع الذي يُنبت اللحمَ والدمَ هو الذي يرضعُ حتى يتضلَّعَ ويتملَّى وينتهي نفسه»[*] ؛ وقد حرَّم رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الرضاع بعد البلوغ، كما نقل عن جعفر الصادق عن آبائه في وصية النبي إلى عليّ أنه قال (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : «لا رضاعَ بعدَ فِطام، ولا يُتم بعدَ احْتِلاَم»[*] .
وخلال هذه الرضاعة، فإنَّ النمو الحسيّ للطفل يتواصل بحيث تنمو الحواس وفقاً للاستعدادات الفطرية، وتأثيرات البيئة.. فقد بيّنت الدراسات السيكوفيزيولوجية أنَّ قدرة الوليد على السمع تكون أقوى من قدرته على النظر، فالتكوين الشبكي للعين لا يكتمل قبل الشهر السادس من عمر الطفل، ولا تبلغ العين قدرتها التامة للقيام بوظيفتها إلاَّ في نهاية العام الأول.
وإذا كان الطفل لا يرى بوضوح إلاَّ في النصف الثاني من عامه الأول، فإنَّ حاسة السمع لديه يكتمل نموُّها وهو جنين في شهره الرابع، ولذلك فإن المولود الجديد يستطيع أنْ يسمع عقب ولادته مباشرةً، وهو يستجيب للأصوات العالية أكثر من استجابته للأصوات الخافتة. من هنا قد يكون للسمع أثرٌ أكبرُ في حياة الإنسان من البصر؛ فالطفل الذي يولد كفيفاً (فاقد البصر)، أو يفقد بصره في فترة مبكرة من حياته يمكنه أنْ يتعلَّم، وقد يصل إلى مستوى عالٍ فيحصل على أعلى الشهادات في مجال الاختصاص الذي يختاره.. وقد يتقلّد مناصبَ عالية فيكون استاذاً في الجامعة، أو مديراً في مؤسسة، وما إلى ذلك، وفي الحياة أمثلة لا تحصى من هذا القبيل.. هذا في حين أنَّ الطفل الأصمّ لا يستطيع عادةً تعلّم اللغة التي يمكن أن يتم بها تحصيل العلم، وقليلٌ هُمُ الصُّمُّ الذين قدروا على التعلّم بواسطة الآلات ووسائل التعليم الحديثة؛ يضاف إلى ذلك أنَّ العين يمكن أن ترى عدة أشياء دفعةً واحدة، بينما لا يمكن للأذن أنْ تميّز من بين عدة أصوات إلاَّ صوتاً واحداً؛ مما يتبيّن معه الحكمة من ورود كلمة «السمع» قبل «البصر»، في القرآن الكريم، وجعل السمع «مفرداً» والأبصار «جمعاً»، كما في قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا *} [الإنسَان: 2]، وقوله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *} [النّحل: 78]، وقوله تعالى: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ *} [المُلك: 23].
وتأتي بعد سن الرضاعة مرحلة الطفولة المبكرة التي قد تمتد من عمر سنتين إلى سبع سنين، حيث يتم خلالها رعاية الطفل في الأسرة واكتسابه العادات والتقاليد من الأهل والأقارب، وتدريبه على ما يحتاج إليه من أعمال في حياته اليومية، وتأديبه للقيام بالأعمال الصالحة.. لأن الطفل في هذه السنوات يكون لديه قابلية للتعود والتدريب والمحاكاة أكثر من الاعتماد على النفس؛ والتدريب الذي يقوم به الأهل والمربون بعد الدخول إلى المدرسة، هو الذي يمهّد الطريق للمراحل القادمة، ويسهّل عملية التعلّم، كما يؤدي إلى نضوج الملكات الحسية والحركية، مع استفادته من الوقت لتمكينه من اكتساب بعض المهارات العملية. وهذا ما عبَّر عنه الشاعر، فقال:
قد ينفعُ الأدبُ الأولادَ في صِغَرٍ
وليس ينفعُهُمُ من بعدِهِ أدبُ
إنَّ الغصونَ إذا عدَّلْتَها اعتدَلَتْ
ولا يَلينُ ولو ليَّنْتَهُ الخَشَبُ
ويؤكد خبراء التربية أنَّ الإنسان إلى العادة أميَلُ، وعليها أحرصُ، وبها أشدُّ تمسّكاَ؛ ولذلك تعتبر هذه المرحلة الطفولية حساسة جداً، تستدعي من المربين أن يحرصوا خلالها على سلامة البيئة التي ينمو فيها الطفل، ولاسيما خلوها من المساوئ والمفاسد والمنكرات، وجعلها بيئة صالحة لتعويد الطفل على الفضائل والأخلاق الكريمة. ولعلَّ أهم العوامل لذلك في البيئة الإسلامية سماع الأطفال لتلاوة القرآن، وأن نقصَّ عليهم سيرة النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وقصصَ الأنبياء جميعاً كما وردت في القرآن الكريم، لأنَّها أحسن القصص كما يصفها ربُّ العالمين في (سورة يوسف). وقد قال أحد الفلاسفة: «إنَّ أكثر الناس إنَّما أُوتوا في سوء مذاهبهم - يعني السلوك والتصرف - من عادات الصبا إذا لم يتقدمهم تأديبٌ وإصلاح أخلاقهم، وحسنُ سياستهم»؛ ويقول الشاعر:
ويَنْشَاُ ناشئُ الفِتيان مِنَّا
على ما كانَ عوَّدَهُ أَبوهُ
وما دانَ الفتَى بِحُجىً ولكنْ
يعوِّدُهُ التديُّنَ أقربوهُ
وقال آخرُ:
إذا اعتادَتِ النفسُ الرِضاعَ مِنَ الهوى
فإنَّ فطامَ النفسِ عنه شديدُ
أما إذا ظهرت خصال مذمومة في الطفل لسببٍ أو لآخر، وخاصة في المراحل المبكرة من نموّه، فمن الواجب على الأهل والمربين أنْ يقوِّموا سلوكه، لكن من دون ضربٍ أو صراخٍ.. لأنَّ ضرب الأولاد منهيٌّ عنه في الإسلام، وكذلك تحقيرهم، وإهانتهم. وعن أبي مسعود البدري أنه كان يضرب غلاماً له بالسوط، فقال له رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «اعلم يا أبا مسعود أنَّ الله أقدرُ عليك منكَ على هذا الغلام فسقط السوط من يده، وقال: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً؛ وأعتقه لوجه الله تعالى، فقال له رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «أما إنَّه لو لم تفعل لمسَّتْكَ النارُ»[*] . وهنالك عدد من الأحاديث التي تفيد النهيَ عن ضرب المملوكين من الجواري والغلمان، وحتى عن ضرب البهائم بقسوةٍ وشدّةٍ، فكيف بضرب فلذات الأكباد[*] !.. ويروى أنه حين بالَ أعرابيٌّ في المسجد وقام الصحابة ليقعوا به، قال (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : «دَعُوْهُ! وأَرِيْقُوا على بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ ماءٍ، فإنَّما بُعِثْتُمْ مبشّرين ولم تُبْعَثُوا مُعَسِّرينَ» ؛ ثم توجّه إلى الأعرابي يبيّن له سوء فعله في بيتٍ للطهارة يُعبد فيه الله تعالى، ناهياً إيّاه عن معاودة الوقوع في مثل هذا الفعل السيّء، ولكن من غير إهانةٍ ولا تشهيرٍ ولا تعنيفٍ له..
وعن نافع عن ابن عمر، أنَّ رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال: «لا تَضْرِبُوا أطفالَكُم على بُكائِهِم، فإنَّ بُكاءَهُم أربعةَ أشهرٍ شهادةُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله. وأَربعةَ أشهرٍ الصلاةُ على النبيِّ وآلِهِ، وأربعةَ أشهرٍ الدعاءُ لوالدَيْه»[*] . فما أروعَ هذه التربية التي يهدينا إليها رسولُ الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، وكم من الآباء والأمهات يجهلون هذه الحكمة الربانية من بكاء أولادهم، فيأخذهم الغضبُ وهياجُ الأعصاب، حتى ليقدم بعضهم على ضرب الولد دونَ أنْ يتحرّى سببَ بكائه الذي قد يكون لألمٍ أو جوعٍ، ودون أنْ يدري أنَّ في هذا البكاء دعاءً له ولوالدته بأنْ يرحمهما الله تعالى كما يشقيان في تربيته صغيراً!..
وقد أورد ابن خلدون في مقدمته كلاماً قيّماً عن مساوئ الشدّة في التأديب والتعليم سبق فيه خبراءَ النفس المعاصرين، حيث قال: «ومَن كان مرباه بالعَسْفِ والقهر من المتعلِّمين سَطَا به القهرُ، وضيّق على النفس في انبساطها وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل وحمله على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلَّمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادةً وخُلُقاً.. فينبغي للمعلّم في متعلِّمِهِ، والوالدِ في ولده أنْ لا يستبدّا عليهما في التأديب»[*] .
وإذا كان ضربُ الأولاد منهيّاً عنه في الإسلام، فما معنى قول رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «اضربوهُنَّ لسبع» ؟.. إنَّ الضربَ لا يعني بالضرورة العقاب المعروف، الذي يكون فيه أذىً أو قسوة، لأنَّ الضربَ لغةً له معانٍ عديدة، وتختلف باختلاف السياق الذي ترد فيه، ومن تلك المعاني: الضرب باليد والعصا والسيف وغيرها، أو ضرب الدراهم أي صكُّها وطبعها، والضربُ في الأرض، أي الذهاب فيها؛ ومنها أيضاً: ضرب المثل، وهو ذكرُ شيء أثرُهُ يظهرُ في غيره.. ويأتي الضربُ كذلك بمعنى الطبع (character) والسَّجِيَّة (Moral constitution) ، مما يستفاد منه أنَّ قولَ رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «اضربوهنَّ لسبع» ، لا يعني مطلقاً إنزال العقاب بالأولاد، وإنما التأديبُ والتدريب على الخصال الكريمة، وتشكيل نفسياتهم بالطبائع والسجايا الحميدة حتى يصيروا مثالاً للأدب يُحتذى بهم من أترابهم. ويتوافق هذا المعنى مع حديثه الآخر (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بقوله: «الولدُ سيدٌ سبع سنين» ؛ فالسيد هو المتولي للسواد، أي الجماعة الكثيرة، ويقال له: سيد القوم.. ولمَّا كان من شرط المتولي للجماعة أن يكون مهذَّب النفس، ومثالاً تقتدي به الجماعة، قيل لكل من كان فاضلاً في نفسه: سَيَّدٌ.. وهذا ما أرادَه رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، أي أنْ نؤدبَ الولد وندرّبَهُ حتى يكون فاضلاً في نفسه، ويضربَ به المثل في تأدبّه قولاً وسلوكاً..
وهذا ما توصَّلَ إليه علماء النفس وخبراء التربية في العصر الحديث، عندما اعتبروا أنَّ من الخطأ ضرب الأطفال وإيذاءهم بغية التأديب؛ ودعوا إلى منع ضربهم سواء في البيت أو في المدرسة، حتى اضطرت بعض الدول المتحضرة إلى إصدار التشريعات التي تجرّم من يقدم على ضرب الأطفال والأولاد.. هذا في الوقت الذي سبقهم فيه الإسلام إلى ذلك بأمدٍ بعيد، إذ أفتى الفقهاء المسلمون في القرون الماضية، عملاً بأحاديث رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بتحريم ضرب الأطفال والأولاد في رسائلهم العلمية، التي تُعدُّ بمثابة مناهج يومية لعمل المسلمين.. وزيادة في الإِيضاح نسوقُ ما قال بعضُهم: شكوتُ إلى أبي الحسن عليٍّ ابناً لي، فقال (رضي الله عنه): « لا تَضْرِبُه واهجُرْهُ ولا تُطِلْ»[*] ؛ وهذا يعني أنَّ الإمام (رضي الله عنه) ينهى عن ضرب الأبناء، ولكن ينصح بالتأديب النفسي. فعندما يبر الوالدُ ولدَهُ فقد يكون لذلك أثرٌ عميق في نفسية الولد، ولكن عليه ألاَّ يطيل فترة الهجر حتى لا يعتادَ الولدُ عليها، فتنتفي الغاية من هذا النوع من التأديب.. ومن جميل هذا الأسلوب التأديبي لأبي الحسن (عليه السلام) أنه محاكاةٌ للقرآن الكريم - الذي كان معلمهُ ومربيهُ رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يلقّنه إياه حرفاً بحرف، وآيةً بآيةٍ - في الآية التي يوجِّهُ فيها الله عزَّ وعَلاَ الأزواجَ إلى هجر زوجاتهم في المضاجع، وذلك بقوله تعالى: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} [النِّسَاء: 34]، فالنساء اللاتي تخافونَ عصيانهنَّ بادروا إلى وعظهنَّ، وخوّفوهُنَّ عقابَ الله تعالى من هذا العصيان، فإنْ لم يَرعونَ فاهجروهن في المضاجع، تأديباً لهنَّ.. فهذا ما أخذَ به الإمام (عليه السلام) ، لأنَّ شكاية الأب كان من عصيان ابنه له، فدعاه لأنْ ينأى بنفسه عنه فترة من الزمن، حتى يدرك هذا الابنُ مدى خطورة عصيانه لأبيه..
هذا ويرى المربون المسلمون أنه إذا ما أخلَّ الطالبُ بواجباته، أو ظهر شذوذ في سلوكه فلا يجوز التشهير به علناً ومباشرة، فقال بعضهم: «إذا رأى المعلم من أحد طلبته مكروهاً ولحظ في سلوكه اعوجاجاً فلا يصرّح له بذلك مباشرة، بل يعرّض به في سياق كلامه مع الطلبة جميعاً كاشفاً عن وجه المذمة في المكروه إجمالاً، فتحصل بذلك الفائدة المرجوة»[*] .
كما ينصح المربون في حال سوء التصرف أو قول غير لائق من الولد، اتخاذ الخطوات التالية:
1 - المحاسبة الفورية وعدم التأجيل: فقد تلجأ بعض الأمهات إلى تهديد الولد بوالده، كأن تقول له: سوف أشكو تصرفك أو قولك إلى أبيك، أو كأنْ تقول له: سترى حين يعود أبوك إلى البيت!.. وهذا يؤدي إلى:
أ - كراهية الولد لأبيه.
ب - تمادي الولد في فعله في الوقت الذي يسبق حضور أبيه.
ج - تعزيز السلوك الخاطئ لدى الولد.
لذلك كان من حسن التربية المحاسبة الفورية لأنها تؤدي إلى معالجةٍ أكثرَ فعالية، ويمكن أنْ تضمن عدم تكرار الفعل السيئ..
2 - محاسبة الولد على خطأه على انفراد، وبمعزل عن بقية الأهل أو الأقارب أو الأصدقاء، تلافياً لإِحراجه وتجنّباً للتشهير به.
3 - النظر إلى عينيه مباشرةً، والكلام معه بهدوء، ولكن بنبرةٍ حازمة تفهمه ضرورة الإقلاع عن خطأه.
4 - ينبغي على المؤدِّب أن يذكّر الولدَ بأنه يحبُّهُ ولكنه يكرَهُ هذا السلوك الذي أتاه، مع الإشارة إلى مساوئه والنهي عن معاودته. أي إنه يُفهم الولد أنَّ عمله هو موضع اللوم والنهي، لما قد يجلب له ولأهله من النقد والمذمَّة؛ وهذا ما يهدينا إليه القرآن الكريم، أي أنْ نذمَّ أعمالَ الناس وليس أشخاصهم.. ومثالُهُ ما خاطب به لوطٌ (عليه السلام) بني قومه الذين كانوا يأتون أشدَّ الفواحش، ما سبقهم بها أحدٌ من العالمين، كما يبيّنه قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ *} [الشُّعَرَاء: 168] إذ قال لوط (عليه السلام) لهم إني لعملكم هذا من المبغضين، ولم يقل: إني لكم من القالين..
ويتفرع من ذلك عدم وسم الولد بالفعل المشين الذي قام به؛ فلا يُقالُ له: يا كذَّاب، يا سارق، لأنَّ ذلك يؤدي إلى تلازم بين الفاعل والفعل وقد يعزز إمكانية تكرار الفعل. كما لا يوصف الولد بالحيوان، كأن يقال له: يا حمار لماذا فعلت كذا.. يا كلب لماذا قمت بكذا.. لأن ذلك يشعره بالمهانة والنقص، لإنزاله من مرتبته الإنسانية إلى مرتبة البهيمة العجماء، وهو يرى أنَّ أباه أو مؤدِّبه يريد أن يقودَهُ كما تُقادُ هذه البهائم..
ومن حق الولد في هذه المرحلة اللعب والانطلاق بحرية، نظراً لما في ذلك من فائدة له من عدة وجوه: حركية، ذهنية واجتماعية؛ ويجب الاهتمام باللعب البنَّاء الذي يكسب الولدَ مهارات جديدة، قد تساعد على تنمية قدراته الحركية والذهنية، كما أنَّ الذهاب بالولد إلى الحدائق العامة والساحات الواسعة، من الأمور التي تتيح له اللعب مع أترابه، إذ في مشاركته اللعب معهم ما ينمّي تواصله مع الآخرين، والحسَّ الاجتماعي لديه، فضلاً عن أنَّ الإكثار من النزهات إلى البراري وعلى ضفاف الأنهار والانطلاق في الأجواء الفسيحة، ما يجعل الولد يشعر براحة نفسية عارمة تظهر في ملاحقته الفراشات ومحاكاة زغاريد العصافير، والهرب من النحلة والزنبور والانكباب على مراقبة النملة، وما إلى ذلك من الأشياء التي تجذب انتباه الأولاد، بحيث لا يكون لعبُهُ وانطلاقه مجرد ترفٍ فقط، بل ويعلّمانه كثيراً من المعاني والمفاهيم التي تترسَّخ في ذهنه، خصوصاً إذا ما أتيحَ له خلال تلك الرحلات، من يشرح له خصائص ما يرى من الحشرات والأشياء، ويستحثُّه على محاكاتها في دأبها والمواظبة على سعيها إلى رزقها.. وإنَّ تشجيع الطفل على اللعب والانطلاق في الأجواء الفسيحة، من شأنه أن ينمّي لدى الطفل الميول التي قد ينتفع بها في سن البلوغ؛ بينما حرمانه من ذلك قد يؤدي إلى إماتة قلبه ووقف نموّ ذكائه وتنغيص العيش عليه، كما قال الإمام الغزالي: «يؤذن للطفل بعد الانصراف من الكُتَّاب، أن يلعب لعباً جميلاً يستريح إليه من تعب الكتب، بحيث لا يتعب في اللعب.. فإنَّ منعَ الصبيِّ من اللعب، وإرهاقَهُ إلى التعلّم دائماً يميت قلبه ويبطل ذكاءه وينغّص عليه العيش حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأساً. وينبغي أنْ يُعلَّم طاعة والديه ومعلّمه ومؤدّبه، وكل من هو أكبر منه سناً من قريبٍ وأجنبيٍ، وأنْ ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم وأنْ يترك اللعب بين أيديهم»[*] .
وقد أدرك المربون المسلمون «أنَّ اللعب هو المدخل الوظيفي لعالم الطفولة، والوسيط التربوي الفعال لتشكيل شخصية الفرد. ولهذا كان الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يتيح الفرصة لحفيديه أن يلعبا مع أترابهما من أطفال المسلمين، وكان يشاركهما اللعب»[*] ، بل لقد كانت حياة رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) مثالاً رائعاً في التربية، لما كانت تحفل به من اهتمامٍ بالأطفال، وما كان يبديه حيالهم من عطف وحنان. وقد برزت مشاعره (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في حبه للأطفال من رعايته لحفيديْه الحسن والحسين (عليها السلام) واهتمامه الشديد بهما؛ وقد استدلَّ المربون على ذلك بالروايات المأثورة عن نبي الرحمة (صلى اللّه عليه وآله وسلم) :
عن أسامة بن زيد قال: «طرقت باب النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج وهو مشتمل على شيءٍ، لا أدري ما هو. فلمَّا فرغت من حاجتي، قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه يا رسول الله؟ فكشفَهُ فإذا هو حسنٌ وحسينٌ على وركَيْهِ، فقال (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : هذان ابناي، وابنا ابنتي، اللَّهمَّ اني أُحبُّهما، فأحبَّهما وأَحِبَّ من يحبُّهما».
وعن البراء قال: «رأيت النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) واضعاً الحسنَ بنَ عليٍّ على عاتقه، وهو يقول: «اللَّهُمَّ إنّي أُحبُّهُ فأحبَّهُ».
وعن أنس بن مالك قال: «سئل رسولُ الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): أيُّ أهلِ بيتك أحبُّ إليك؟ قال: الحسن والحسينُ. وكان يقول لفاطمة: ادعي ابنيَّ فَيشمُّهُما، ويضمُّهُما إليه».
وعن أبي بريدة قال: «كان رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يخطبنا إذ جاء الحسنُ والحسينُ وعليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) من على المنبر، فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله العظيم {أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} [الأنفَال: 28].. فالمعاملة تلك من الرسول الأعظم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) لحفيديه، تدلُّ على عمق الحب والحنان والعطف والرعاية التي كان يحوطهما بها، ومثل هذه المشاعر من الضرورة أن يشعر بها كل طفل لما توفر له من أمانٍ نفسي، وتعزّز ثقته بنفسه، فتنمو شخصيته نموّاً سليماً..
ولا بدَّ من الإشارة هنا إلى أنه يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار أمر مكافأة الولد عند قيامه بفعلٍ حسنٍ أو اكتسابه مهارةً جديدة، على أن تكون المكافآت أو الحوافز معنوية في أكثر الأحيان، لأن الإفراط في الحوافز المادية قد يؤدي إلى تحول المكافأة إلى هدف أو نوع من «الرشوة»، بحيث يمتنع الولد عن القيام بالأعمال الحسنة إذا لم يوعدْ بالحصول على مالٍ أو شراء شيءٍ يريده، وما إلى ذلك من الوعود المادية.. ولا يجوز أن يوعَدَ الولدُ بمكافأة ما ولا يوفي من وعَدَهُ بوعده، لأنَّ الولدَ يعتبر ذلك نوعاً من الكذب عليه من شأنه أن يثبط همته. قال رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «من قالَ لصبيٍّ: هَاكَ (أي أَقْبِلْ وخُذْ شيئاً) ثُمَّ لَمْ يُعْطَهْ فهِيَ كِذْبَة»[*] . فإذا علمنا أنَّ الكذب مذموم في الإسلام، وأنه شعبة من شعب النفاق - والعياذ بالله - أدركنا خطورة الكذب على الولد، الذي قد يشجعه على أنْ يكذبَ كما كُذِبَ عليه..
وهكذا يتبين لنا ما للتربية من أهمية في مرحلة الطفولة المبكرة التي تمتد من عمر السنتين إلى السبع؛ حيث تتم رعاية الطفل جسدياً ونفسياً ليبدأ في الاعتماد على نفسه، ولاسيما بعد ذهابه إلى المدرسة، حيث لا يجدُ مِنْ حوله الأهل الذي يتحفونه بكل ما يرضيه، بل يواجه وجوهاً جديدة من المربين والرفاق، الذين يملون عليه ضرورة التكيّف مع الوضع الجديد في حياته.. ومن هنا كانت أهمية التعاون ما بين الأهل والمربين على تركيز مشاعر الطفل بأهمية وجوده، وبداية تكوين عالمه الخاص في المأكل والمشرب والنوم واللعب، والتعبير عن حاجاته ومتطلباته، وما إلى ذلك من المستلزمات التي تؤهله لخوض غمار المرحلة التالية من نموّه الجسدي والفكري..
المرحلة الثانية: مرحلة التعلم والتثقيف : وهي التي أشار إليها رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بحديثه «علموهنَّ لسبع»، وبحديثه الآخر عن الولد بأنه: «وخادم سبعَ سنين».. وتمتد هذه المرحلة وفقاً للحديثين الشريفين من سن السابعة إلى الرابعة عشرة.. والحديثان يدلان على أهمية هذه المرحلة لناحية تلقي الولد العلم والمعرفة وفقاً للبرامج المقررة في المناهج التعليمية، ومقدار طاقته الذهنية على الاستيعاب، ومن ثمَّ تأديبه بترشيد سلوكه في القول والعمل..
ولا يحتاج قوله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «علموهن لسبع» إلى تفسير أو تأويل، لأنَّ من أوليات واجبات الأهل تعليم أولادهم في هذه المرحلة.. وأما قوله عن الولد بأنه «خادم سبعَ سنين» فلا يعني الخادمَ الذي يؤجر على عمله في منزل أو في إدارة عامة أو مؤسسة أو شركة، لأنَّ الولد في هذه المرحلة لا يجوز أن يسمح له بالعمل والخدمة سواء في بيته أو عند الغير نظراً لانصرافه إلى تحصيله العلمي والثقافي، بحيث لا ينطبق عليه إلاَّ معنى أنه خادم لنفسه، وذلك بملازمته لصفه وللمعلمين والمربين، والخضوع لهم وطاعة أوامرهم وإنفاذ تعليماتهم، لا على سبيل الخضوع والقهر والشدة، وإنما على سبيل الامتثال والاحترام، والقبول بالتوجيه والإرشاد، وتلقي العلم والمعرفة وأصول التأدّب والتصرّف.. إذ بمقدار ما يكتسب من المعلومات وما يستفيد من التوجيهات ويتقبل من النصائح والإرشادات، بمقدار ما يكون خادماً لنفسه في هذه المرحلة. وهذا ما يتوافق والحديثين عن رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، ويوفق بينهما.. وتسمى السنوات الأولى من هذه المرحلة (ما بين 7 - 10 سنوات) بسن التمييز، حيث تكون مدارك الولد قد بدأت بالتفتح على الحياة، وظهرت لديه القدرة على التمييز بين المعاني الفكرية والأشياء الحسية، ومقاربة عملية ربط الواقع بالمعلومات التي يتلقّاها. وإلى هذه القدرة على التمييز يشير رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بقوله: «مُرُوا أولادَكم بالصلاةِ وهُمْ أبناءُ سَبْعِ سنينَ، واضْرِبُوْهُمْ عليها وهم أبناءُ عشرٍ، وفرِّقُوا بينهم في المضاجع»[*] .
إنَّ هذا الحديث الشريف يتناول أكثر من جانب في النموّ السيكوفيزيولوجي للولد..
فهو من ناحية يبين وجوب تعليم الولد كيفية القيام بالصلاة، وما يترتب على القيام بها من نظافة وطهارة ووضوء، وهو في سن السابعة، وذلك لأهمية الصلاة في حياة المسلم، ولأنها عمود الدين والمنطلق للقيام بالطاعات والفرائض الأخرى. فعن ابن مسعود: قلت يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال الصلاة على وقتها. قلت: ثم أيُّ؟ قال: بِرُّ الوالدين. قلت: ثم أيُّ؟ قال: الجهادُ في سبيل الله[*] . لا، بل وشدَّد الرسول الأكرم على عدم ترك الصلاة بقوله: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة»[*] ، وبقوله: «من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر جهاراً»[*] ، ولذلك كان فَرْضاً على الأهل أن يوجّهوا عناية أولادهم إلى الصلاة في سن مبكرة، حتى يعتاد الولد عليها منذ الصغر، فتصبح عنده عادةً مستقرةً. وهذا يسري على جميع القواعد الأخلاقية والعـادات الفاضـلة والصفات الحسنة؛ والتوجيه يعني النصح والإرشاد واستخدام أساليب ووسائل التشجيع والثواب؛ وفي ذلك ما فيه من تعلـيمٍ للمفـاهيم الصحيحة، التي تمكّن من التميـيز بين قيم الخير والصواب والعدل، وما يضادّها من مفاهيم الشر والخطأ والظلم.
ومن ناحية أخرى يأمر الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بضرب الأولاد على ترك الصلاة وهم في سن العاشرة، والضرب هنا ليس معناه القسوة والشدة، بل الضرب التأديبي الذي يشعر الولد بإهماله لأهم القيم الدينية والأخلاقية في حياته.. فعندما يكون التوجيه للقيام بالصلاة صحيحاً، ثم متابعة هذا التوجيه على مدى ثلاث سنوات، ما بين السابعة والعاشرة، فإنَّ مخالفة الولد له عند أول بدء سن التمييز إنما يعني العصيان الذي يستحق التأديب بالضرب غير المبرّح أو المؤذي، وهذا من منطلق قرآني بحت، أمَرَ به الله تعالى لتأديب النساء على نشوزهنَّ - أي عصيانهنَّ - وذلك بقوله المبين: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} [النِّسَاء: 34]، إذ كما رأينا في تطبيق أحكام هذه الآية الكريمة على الولد غير المميّز بألاَّ يعاقب بالضرب، بل بالهجر لفترة وجيزة، فمن باب أولى أن يعاقب الولدُ المميّز بالضرب التأديبي المبرح على عصيانه في ترك الصلاة، كما تعاقب المرأة - لكونها مميّزة - على عصيانها بالضرب التأديبي الذي لا يترتب عليه أذىً وقسوة..
وضرورة هذا النوع من التأديب تتأتَّى من الخوف من ألاَّ ينسحب عصيانُ الأمر بالصلاة بآثاره على مختلف الجوانب الأخرى في سلوك الولد، بما قد يؤدي إلى انحرافه، واستمراء العادات السيئة والتصرفات الذميمة.. إذ في سن العاشرة يبدأ إدراك الولد بالنضوج، ونموّ قدرته على الفهم، كما يقوى شعوره بفرديته وشخصيته، وميله إلى الاعتماد على نفسه.. من هنا يأتي دور التربية باعتماد أساليب التأديب إذا ما أبدى الولد ميولاً في مخالفة السلوك القويم، وضرب عرض الحائط بقيم الدين والمجتمع، على أن يكون التأديب حكيماً وواعياً، وهدفه مراعاة نفسية الولد ومصلحته.. فلا تعتمد معه أساليب ووسائل الشدة والقسوة أبداً، لأن آثارها قد تكون سيئة جداً على حياته بما يتجمَّع في نفسه جرّاءها من مشاعر التحدّي والكراهية، والميل إلى العنف كردّ فعل على القسوة، أو الميل إلى الضعف والخجل كاستجابةٍ للرضوخ والقهر..
ويبدو أن «معاقبة» الولد كانت موضع نظريات كثيرة لدى علماء التربية، ولكن غلبت في الغرب وفي الدول المتحضرة الدعوة إلى عدم معاقبة الأولاد، نظراً لما تؤدّي إليه العقوبات من أضرار بشخصيته وآثار سيئة على حياته. غير أنَّ ما شاع في صفوف الشباب من استهتار بالقيم الأخلاقية والتفكر للالتزام الديني والانحراف في الميول والأهواء.. كل ذلك جعل كثيراً من خبراء التربية يقنعون بضرورة إعادة النظر بأساليب التأديب، ومنها العقاب الذي يمكن استخدامه كوسيلة وقائية ورادعة، ولكن بطرق حكيمة ومشبعة بالحب والحنان، أي بما يجعل الولد يدرك الخطأ، ويشعره بضرورة تركه أو عدم الرجوع إليه مرة أخرى.
وقد نصح المربون المسلمون باعتماد الحكمة في التربية، فقال ابن سينا في تأديب الوالد لولده: «... فينبغي، لغُنْم الصبيّ، أن يجنّبَهُ أبوه مقابح الأخلاق، وينكِّبَ عنه معايبَ العادات بالترهيب والترغيب، والإيناس والإِيحاش، وبالإعراض والإقبال، وبالحمد مرةً وبالتوبيخ أخرى ما كان كافياً. فإن احتاجَ إلى الاستعانة بالضرب لم يحجم عنه. وليكن أول الضرب قليلاً لا موجعاً، كما أشار إليه الحكماء من قبلُ، وذلك بعد إرهاب الولد شديداً، وبعد إعداد الشفعاء. فإنَّ الضربة الأولى إذا كانت موجعة ساء ظن الصبي بما بعدها، واشتدَّ منها خوفه، وإذا كانت خفيفة غير مؤلمة حسن ظنه بالباقي، فلم يحفل به». فالمطلوب هو الضرب غير المبرح الذي لا يخدش جلداً ولا ويكسر عظماً. أما الأمر الثالث الذي تضمَّنه حديث رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فهو التفريق بين الأولاد في المضاجع.. فقد أدرك الرسول الأعظم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بما لديه من بُعد نظرٍ وحكمةٍ تأديبية، ما للتفريق بين الأخوة الذكور والإناث في المضاجع - منذ سن مبكرة - حددها (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بالعاشرة - أي قبل سن البلوغ الجنسي - من أهمية في حياة الأولاد، وذلك لعدم الاطلاع على عورات بعضهم وتلافي الاحتكاك فيما بينهم، ما قد يثير الشهوة الجنسية، حتى في هذه السن، ويؤدي إلى مخاطر لا تُحمَدُ عُقْباها..
وليس منكراً أن يعرف الأولادُ التكوين الخلْقي للذكر والأنثى، لا بل على الأهل والمربين أن يجعلوا الأولاد يلمّون بهذا التكوين، لكن بأسلوب تعليمي رصين، يشعر معه الأولاد باحترام الخلق الإلهي، وضرورة المحافظة على الحشمة والأدب في مصاحبة الأولاد لبعضهم..
كما أنَّ من شأن التفريق بين الأولاد في المضاجع (في الأسرَّة، أو في غرف خاصة) أن يعوّدهم على اتباع منهجية استقلالية في الحياة، مع مراعاة حقوق الآخرين الشخصية، واحترام هذه الحقوق. فضلاً عما يؤدي إليه هذا التفريق في سن مبكرة، من تنمية لحسن الأخلاق، الذي يبعد عن الاعتياد على كشف العورات والتهتُّك والتفتُّح الجنسي قبل أوانه، وما قد ينشأ عن ذلك من أضرار تلحق بالفرد والمجتمع على حدٍّ سواء. لذلك نجد أنَّ العالم كله بات يدعو إلى تخصيص غرف للصبيان مستقلةٍ عن غرف البنات، فضلاً عن استقلالية الأهل في غرفة نومهم حتى يكون الأولاد بمنأى عن أي جوٍّ للمشاحنات التي قد تحصل بين الأبوين، وعن التأثر بالعلاقات الجنسية التي يمارسانها عادةً في الحياة الزوجية. وإذا تعذر ذلك لصغر البيت، فليفرق بينهم بنوعٍ من الستائر التي تحجبهم عن بعضهم البعض. وكل هذه التدابير أو غيرها للتفريق من باب الوقاية، إذ إنَّ الولد في هذه المرحلة يتهيّأ لسن البلوغ فيزيولوجياً ونفسياً.. وقد يظن أنَّ الأولاد في هذه السن صغار ولا يثارون جنسياً، وهذا من الظن الخاطئ كما ذهب إلى ذلك العلماء المعاصرون الذين يؤكدون على تأثر الطفل بالمثيرات الجنسية، وانعكاس هذه المثيرات على تفكيره وسلوكه سلباً، لا بل قد يؤدي ذلك إلى انشغال باله بهذه الأمور، مما يدفعه إلى ممارسة العادة السرية لمجرد البلوغ، أو إلى ارتكاب حماقات تقوده إلى الانحراف، والعياذ بالله، مما يجعل من التدابير الوقائية ضرورة للحد من مساوئ الاختلاط، بين الصبيان والبنات. وهذا دفع مراكز أبحاث تربوية عديدة في الغرب للدعوة إلى الفصل بين الجنسين في الفصول الدراسية، بعدما تبين لهم أنَّ الاختلاط قد يضر أكثر مما يفيد، لأنه يؤدي إلى انشغال الأولاد بأمور بعضهم، ويلهيهم عن التحصيل العلمي.. والحديث النبوي الشريف عن التفريق بين الأولاد في المضاجع لا يعني فقط التفريق بين الذكور والإناث، بل وبين الأناث أنفسهن، والذكور كذلك. بل ويفرق بين الصبيان في سن مبكرة جداً، كما روي عن الإمام جعفر الصادق عن آبائه عن رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أنه قال: «الصبيُّ والصبيُّ، والصبيّة والصبيّ، والصبيَّةُ والصبيَّةُ؛ ويفرق بين الصبيان في المضاجع لست سنين»[*] . وعن التفريق بين النساء والصبيان، عن الإمام جعفر عن آبائه قال: «يفرق بين النساء والصبيان في المضاجع لعشر سنين»[*] .
ومن آداب السلوك في هذه المرحلة ما أمَرَ به العليمُ الحكيمُ من أن يستأذن الأولاد، قبل سن البلوغ، في الدخول على أمهاتهم ونساء آبائهم في أوقات معينة، وذلك بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *} [النُّور: 58]. وهذا الاستئذان ليس من آداب السلوك وحسب، بل ويشكل نوعاً من الوقاية للأطفال والأولاد بعدم الاطلاع على عورات الأهل في تلك الأوقات الحرجة، التي يخلدون فيها إلى الراحة، أو إلى الانفراد ببعضهم..
ومن أساليب الوقاية أيضاً في هذه المرحلة، أن تكون البيئة المنزلية نقية وخالية من أي شيء قد يُسبب الإثارة في نفوس الأولاد، كالمجلات التي تنشر الصور الخلاعية، والمنشورات التي تثير المشاعر الجنسية، والفضائيات التي تبث مشاهد الميوعة والتخنّث والممارسات الجنسية - بما فيها أحياناً من شذوذ ووقاحة - والأفلام التي تتحدّث عن العنف والجريمة والإرهاب، وما إلى ذلك من المشاهد المؤذية للصغار، والكبار أحياناً، بحيث يجب على العائلة المسلمة أنْ تبتعد عن كل تلك المثيرات، وأنْ تهتم عبر الوسائل السمعية والبصرية بالبرامج التربوية الإصلاحية، والمحطات المخصصة لتلاوة القرآن الكريم وتفسيره، ونشر سيرة الرسول الأعظم وسائر الأنبياء والمرسلين، أو تلك التي تهتم بالبرامج التثقيفية، ولاسيما تلك التي تتناسب وذهنية الأولاد ومعدلات أعمارهم، وما إلى ذلك من وسائل التعليم والتثقيف والتأديب والتربية..
أما بالنسبة إلى البيئة الخارجية وما فيها من مظاهر الفساد والخلاعة، أو المظاهر التي تنافي الآداب العامة وتخدش الحياء وتؤذي الوجدان، فلا قبل للأهل بشأنها إلاَّ بتوعية أولادهم على ما تمثل تلك المظاهر من انحطاط أخلاقي واجتماعي ومن عوامل مساعدة على الانحراف، حتى تتكون لدى الأولاد أفكار واضحة عنها، بحيث يأنفون بأنفسهم عن التأثّر بها..
وأخيراً لا بدَّ من تبيان الميزة التي تفرَّدَ بها الإسلام على غيره من الأديان والمناهج الأرضية كافة، عندما أوجب على المسلمين وجوباً كفائياً تحصيل العلوم التي تنتظم بها حياتهم، كما أوجب عليهم وجوباً عينياً التفقه في شؤون دينهم، فإن لم يستطع المسلم ذلك بجهده واستطاعته، فعليه أن يسأل أهل الذكر من العلماء والفقهاء حتى يصبح لديه إلمامٌ كافٍ بتعاليم الشريعة السمحاء، التي أنزلها الله تعالى لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإشاعة الأمن والسلام وقواعد العدل والانصاف في كافة أقطار الأرض.
«ذهب القابِسيُّ إلى أنَّ تعلم الصبيان واجبٌ، واستدلَّ عليه بأنَّ المعرفة واجبة بنص القرآن الكريم، كما أنها واجبة أيضاً لضرورتها في الصلاة. وأنَّ الوالد مكلف بتعليم ابنه القرآن والصلاة، فإن لم يتيسر له أن يعلّمه بنفسه، فعليه أن يرسله إلى الكتَّاب لتلقي العلم بالأجرة. فإن لم يكن قادراً على نفقة التعليم فآباؤه - أي أجداد الولد وأعمامه - مكلَّفُون به، وإذا عجزوا عن ذلك فإنَّ المعلم يعلمه احتساباً أو يأخذ أجرته من بيت المال»[*] .
«وقد تركزت هذه النظرية عند فقهاء المذاهب فأفتوا بأنَّ طلب العلم فرض على جميع المسلمين. وتجدر الإشارة إلى شيء مهم في عملية التعليم، وهو: في أي سنة يبدأ تعليم الطفل في المدرسة؟ ويأتي الجواب فيما نقله يعقوب بن سالم عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) رائد الحركة العلمية والفكرية في الإسلام، قوله: «الغلام يلعب سبع سنين، ويتعلم الكتاب سبع سنين، ويتعلم الحلال والحرام سبع سنين»[*] .
المرحلة الثالثة - مرحلة المرافقة والتجربة : وهي التي أشار إليها رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بقوله: «رافقوهنَّ لسبع» ، وفي الحديث الآخر: «ووزير سبع سنين» ، أي الولد... وتمتد هذه المرحلة وفقاً لما قاله رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في الحديثين: من سن الرابعة عشرة إلى سن الحادية والعشرين..
وتتميز هذه المرحلة بما يعرف بسن المراهقة، التي تنقل كلَّ إنسان إلى طور جديد يختلف عما سبقه من النمو جسدياً وفكرياً ونفسياً، وذلك بالبلوغ الذي يدل على النضج الجنسي. وهذا البلوغ، وإنْ كان حدوثه يختلف بين فردٍ وآخر، إلاَّ أنه بوجهٍ عام، يكون لدى الفتى بين سن الثالثة عشرة والخامسة عشرة، وقد يتأخر لدى البعض إلى سن أبعد قد تصل إلى الثامنة عشرة. بينما قد تصبح الفتاة بالغة في سن مبكرة منذ التاسعة من عمرها، إلاَّ أن متوسط سن البلوغ عند الفتيات يكون في الثالثة عشرة. وقد اعتبر رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أنَّ السنَّ التي يعوَّل عليها للبلوغ عند الرجال هي الخامسة عشرة، لما روي عن ابن عمر، قال: «عُرِضْتُ على النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في الجيش وأنا ابن أربعة عشر عاماً فلم يجزني أو يقبلني، فعرضتُ عليه وأنا ابن خمسة عشر فأجازني، وألحقني بالجيش»..
ونظراً لتأثير النمو الجنسي في هذه المرحلة، فقد ذهبت مدرسة التحليل النفسي كما رأينا، إلى أنَّ النمو الجنسي يبدأ منذ الطفولة ويمر بمراحل مختلفة من مثل مرحلة مص الأصابع، والمرحلة الشرجية حتى يبلغ غايته في طور المراهقة. بينما وفقاً للمفاهيم الإسلامية، فإن بلوغ النمو الجنسي يبدأ بالاحتلام، ومن علاماته عند الذكور: ظهور الشعر على العانة وفي اللحية والشارب وتحت الإبطين، وتغيّر الصوت وميله إلى الغلظة، أما عند الإناث فإنَّ البلوغ يبدأ بأول حيض، وقد يرافقها أو يتبعه رويداً رويداً شعر العانةِ والإبطين، ونمو الصدر والثديين، واتساع الحوض والردفين، واستدارة الفخذين، وتغير الصوت وميله إلى الانخفاض والعمق.
وفي هذه المرحلة التي يحدث فيها البلوغ يكون النمو العقلي عند الإنسان قد بلغ حداً يجعله مسؤولاً من الناحية الشرعية عن أعماله. عن علي (عليه السلام) أنَّ النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال: «رُفِعَ القلمُ عَنْ ثلاثةٍ: عَنِ النائِمِ حتَّى يستيقظَ، وعَنِ الصَّبيِّ حتَّى يحتَلِمَ، وعَنِ المَجنُونِ حتَّى يَعْقِلَ»[*] .
وبالإضافة إلى التغيّرات الفيزيولوجية التي تظهر على الإنسان في سن المراهقة، فإنَّ مشاعره وأحاسيسه تتبدل أيضاً، ولاسيما في ميله نحو الجنس الآخر، وفي شعوره بازدياد أهميته في المجتمع، وفي نزعته الفردية واعتقاده بأنه على صواب في كل ما يقوم به، بل وبشعوره بأنه فريد في العالم، وأنه محور العالم بأسره. وهذا ما عناه رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بقوله للآباء: إنَّ الولدَ «وزيرٌ سبعَ سنين» .. فالوزير هو المعاون الذي يؤازر الآخر ويعينه على أمره، بدليل سؤال النبي موسى (عليه السلام) ربَّه تعالى: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي *هَارُونَ أَخِي *اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي *وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي *} [طه: 29-32]. والموازرة - لغةً - المعاونة، يقال: وازرتُ فلاناً موازرةً، أي أعنته على أمره. بما يعني وفقاً لحديث رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أنَّ الشابَ في تفكيره بمحورية شخصيته علينا أنْ نأخذهُ بالحلم واللين، فنشركه في شؤون العائلة بكل شيءٍ، حتى بالتشاور معه حول كيفية تربية أخوته الذين هم دونه سناً، كما نحاوره بشأن تحصيله العلمي، وما يريد أن يكون عليه عند انطلاقه في الحياة، بل ونحاول أنْ ننتقده في بعض تصرفاته، ولكن على سبيل النصح وترشيده نحو السلوك الأفضل، كما نشجعه على الصفات الحسنة لديه وعلى تنميتها، ونحثه على الإكثار من المزايا الحميدة، وكل ذلك دونما مبالغة في النقد الذي قد يشعره بشيءٍ من الإحباط، أو مبالغة في الحمد الذي قد يشعره بالتكبر والخيلاء.. وبذلك تتحقق الموازرة أو المعاونة المتبادلة بين الشاب وأهله، بروح الانفتاح والاعتدال والتوافق التي يدعو إليها الإسلام، ليس في أمور التربية وحسب، بل وفي كل شيءٍ في الحياة، وفي ظل هذه المنطلقات والمفاهيم.
وتتبدَّى الحكمة في فهم المراهق، ومعرفة قيادته قيادةً رشيدةً تأخذ بيده إلى الاعتدال في التصرف والسلوك، والأناة في المؤاخذة والانتقاد، حتى يقطع هذه المرحلة دون التواءات نفسية، وتكديس عقد بالذنب. وفي ذلك ما ينمّي شخصيته، ويجعله معتدلاً متّزناً قادراً على أن يشق سبل حياته بكل ثقة واعتزاز، بعيداً عن الشطط أو الزلل.
وقد شبه بعض علماء المسلمين النفس بالجسم: فإنْ كان الجسم متناسقاً في أعضائه متزناً في تكوينه، فإنه يكون سليماً من الأمراض، أما إذا اختل عضو فيه فإنَّ الجسم يفقد توازنه ويصبح سقيماً. وهكذا النفس فإنَّ اعتدالها في الأخلاق والصفات دليل على صحتها، بينما انحرافها دليل على سقمها. وإذا كان شفاء الجسم يحتاج إلى المعالجة وإزالة المرض، فكذلك النفس فإنها تحتاج إلى تطهيرها من الشوائب وإزالة الرذائل، حتى تعود إليها سلامتها..
من أجل ذلك يؤكد علماء النفس على أهمية مرحلة المراهقة، واعتبارها من أخطر المراحل التي يمر فيها الإنسان في نموّه الجسدي والنفسي والفكري، لأنَّ في نهايتها يتقرر المستقبل الذي ينتظره، بما يكونُ قد تكوّن لديه من وعي ونضوج، أو بما يكون قد حمل من أعباء نفسية تبعده عن الحياة الطبيعية.. ولذلك ينصح الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في الحديث الشريف: «ورافقوه لسبع»، فهذه المرافقة هي نفسها التي تعني الموازرة، أي معاونة الشاب والشابة في مختلف اهتماماته، بل وفي صقل أفكاره ومشاعره.. وخيرُ رفيق له في هذه المرحلة الأهل، بما يريدون له من خير واستقامة وصلاح، وبما يعملون على إبعاده من شر وانحراف وفساد.. فالعاطفة الأبوية والأموية غذاء روحي للأولاد، تبدأ منذ ولادتهم ولا تتوقف عند مرحلةٍ أو زمانٍ، وعلى الأهل أن يشعروا دائماً أولادهم بهذه العاطفة، وأن يجعلوها حافزاً لإبقاء الأولاد مطمئنين إلى جوارهم، وإشعارهم بأنهم ليسوا آباء وحسب، بل وأصدقاء لهم في الحياة، لا تباعد بينهم في المشاعر والعلاقات، ولا تضاربَ بينهم في التطلعات والأهداف.. فالفرد للعائلة، والعائلة للفرد، والكل جماعة واحدة على ما فيه خير الجميع ومصلحته..
وعندما يكون الأهل على هذا المستوى من الرقي الفكري والشعور، فلا شيء يحول بينهم وبين أن يكونوا رفقاءَ خيرٍ لأبنائهم.. ولكن الخوف من الرفقاء خارج البيت الأسري، ومن البيئة الاجتماعية التي يختلط فيها الأبناء مع غيرهم من الشباب والفتيات، إذا لم يكونوا من أهل الدين والخلق، إذ لا بدَّ أنْ يتأثر الأصحاب ببعضهم. وتكمن المشكلة إذا ما كان الصاحب قرين سوءٍ.. فكم من شابٍّ صالحٍ أغواه رفاقه على ارتكاب الرذيلة وتعاطي المسكرات والمخدرات، وكم من فتاةٍ صالحة جرَّتها صويحباتها إلى الميوعة والانغماس في اللذة، حتى باتت لديها عناوين الفضيلة والشرف والعفاف.. دعوات «جاهلية ورجعية».. ورحم الله من قال:
عن المرء لا تسَلْ، وسَلْ عن قرينه
فكلُّ قَرينٍ بالمقارَنِ يقتدي
والمثل الفرنسي يقول: قُلْ لي من تعاشر، أقل لَك من أنت (Dis-moi que tu frequentes, je te dirai que tu es)... من هنا كان الانتباه من الأهل لكل تصرفات أبنائهم ضرورة، بل وحاجة ماسة في هذه المرحلة، ومن هنا كان إشراك الأبناء بحمل بعض المسؤوليات في العائلة، والإكثار من مرافقتهم في الزيارات التي يقومون بها، أو القيام بالرحلات خلال العطل مع عائلات الأصدقاء، من الأمور المفيدة التي تشـعر الأولاد بالارتيـاح، وتنمي فيهم روح مرافقة الأهـل.. كما أن من المستحسن أن يملأ الأهل الفراغ لدى الأبناء بأنواع من العمل التي تدر بعض الكسب لهم وذلك لتقـوية الشـعور بالمسؤولية، ولإبعادهم - وهذا الأهم - عن أجـواء الفراغ الذي تورث السأم والضجر. على أنه يجدر الانتباه إلى أمر جوهري، وهو أن لا يؤثر الكسبُ الآتي للشاب على حياته القادمة، ولاسيما على تحصيله العلمي.. لذلك كان من اهتمامات رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اكتساب الشباب المهارات العقلية وتحصيل المعرفة والثقافة في هذه السن. فقد كان يحثُّ شباب المسلمين على تحصيل العلم، وتعلم الصناعات اليدوية والحرف، وتنمية ملكات الجسم للحفاظ على رونق الصحة والعافية، ولاسيما من خلال ممارسة الألعاب الرياضية. روى سلمة بن الأكوع «أنَّ رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) خرج على قوم من «أسلَمَ» وهم يتناصلون في السوق، فقال: ارموا يا بني إسماعيل فإنَّ أباكم كان رامياً». قال أحدُهُم: يا رسولَ الله، أنت مع بني فلانٍ أم مع بني فلان؟ قال (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : «ارْمُوا وأنا معكُم كُلِّكُمْ»[*] . وإلى جانب التربية البدنية والتنمية الفكرية كان الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : يعلّمُ المسلمين شباباً وكباراً، آداب السلوك في الحديث والمعاملة حتى في الأكل والشرب وغير ذلك. فعن ابن عمر، أنَّ النبيَّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال: «إذا أَكَلَ أحدُكُم فليأكُلْ بيمينِهِ، وإذا شَرِبَ فليشربْ بيمينِهِ، فإنَّ الشيطانَ يأكُلُ بِشِمَالِهِ ويشرَبُ بِشِمَالِهِ»[*] . وأما تعليمه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) للقيم الخلقية عامة فيظهر فيما رواه عبد الله بن عباس قال: إنه ركب خلف رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يوماً، فقال له الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : «يا غُلامُ إنّي معلِّمُكَ كلماتٍ: احفَظِ الله يَحْفَظْكَ. احفَظِ الله تَجِدْهُ تِجَاهَكَ. وإذا سَأَلْتَ فاسْأَلِ الله، وإِن اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بالله. واعْلَمْ أَنَّ الأمةَ لَو اجْتمَعُوا على أنْ يَنْفَعُوكَ لم يَنْفَعوكَ إلاَّ بشيءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لَك. ولو اجْتَمَعُوا على أَنْ يَضُرُّوكَ لم يَضُرُّوكَ إِلاَّ بشيءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عليكً. رُفعتْ الأقْلامُ وجَفَّتِ الصُحُف»[*] .
ومن مجمل ما ورد في الأحاديث النبوية الشريفة، يمكن أن نستخلص بأن مسؤولية الأهل والمربين كبيرةٌ في التربية، لأنَّ عليهم أن يبذلوا كل ما وسعهم من جهود لكي يربوا الناشئة من الصبيان والبنات، منذ نعومة أظفارهم وحتى انتهاء سن المراهقة، على كل ما ينمي أجسامهم ومداركهم الحسية والذهنية تنمية سليمة، وذلك بأنْ يجعلوا حياتهم مليئة بالنشاطات الحركية المفيدة، ونفوسهم غنية بالأفكار والمفاهيم الصحيحة، بما يؤهل كل فردٍ في صحته البدنية والنفسية لحياة أعمدتها الإيمان، والحق، والخير والجمال، وأساساتها القيم الدينية، والأخلاقية، والاجتماعية والإنسانية.
4 - مرحلة الشباب والقوة : وهي التي أشار إليها رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، بعد انقضاء مراحل الإعداد والتعليم والتثقيف والتأديب، بقوله الكريم: «ثم ضعوا الحبل على غاربه»، أو «فاضرب على كتفه - أي الولد - فقد أعذرت إلى الله فيه»، والتي يكون الإنسان فيها قد بلغ فيها حالةً من النمو الجسدي والنضج الفكري، بما يؤهله لخوض غمار الحياة وهو في عزّ حالات القوة، كما يهدينا إليها القرآن الكريم بقول الله تعالى: {ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} [غَافر: 67]، وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} [الرُّوم: 54]. على أن تنمية عناصر القوة لدى الإنسان وشعوره بها في هذه السن، يفترض منه الإقرار بأنه لولا فضل الله تعالى عليه لما بلغ أشُدَّه؛ ولولا ما حباهُ خالقُهُ العظيم، وما أغدَق عليه من نعمة الخلق والانتقال من طور إلى طور، لما أمكنه أن يعمل وينتج ويفعل ويتفاعل، ويتأثر ويؤثر في مجالات الحياة التي يقتحمها.. ويبقى أن السنَّ الأمثل لعطائه، هو سن الشباب الذي يتدفق حيوية وحركة ونشاطاً، ولاسيما أنه قد تعترض الإنسان مصاعب عديدة، وقد يقع في متاعب متنوعة، إذ بقدر ما يصادف من رخاء وهناء، بقدر ما يواجه من مشقة وعناء، إنْ لم يكن أكثر. فعندما تكون لديه الهمة والطاقة في ريعان الشباب يكون احتماله أقوى، ولئن كانت مواجهة المشاكل والصعوبات تختلف باختلاف المخزون الذي اكتسبه من قبل - في مراحل النموّ والتربية التي مرَّ بها - من حيث قوة الإرادة والعزم والمواظبة والصبر، إلاَّ أنه في هذه المرحلة من حياته، مرحلة الشباب والقوة، يكون أقوى على الاحتمال، فيناضل ويكافح ويجاهد حتى يحقق ما يمكنه من الغايات والأهداف التي يصبو إليها..
وأيّاً يكن نمطُ تفكير الإنسان، وأياً تكن الجهود التي يبذلها أو المطالب التي يرومها، ومهما كان يتمتع من الشباب والقوة، فلا بدَّ أن يلتفت - دائماً - إلى القواعد القرآنية التي تضع الموازين الحق لمن يعمل للدنيا ولمن يعمل للآخرة حتى وإنْ كان العملُ سنةً إلهيةً في حياة الإنسان، لقوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التّوبَة: 105] ـ ولكن شتان بين عمل وعمل.. يقول الله تبارك وتعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا *وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا *كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا *} [الإسرَاء: 18-20]. فعطاء الله الكريم ليس محظوراً على أحد، فهو سبحانه يعطي الكافرَ ويعطي المؤمن، وقد يمدّ الكافر ويزيد في عطائه أكثر من المؤمن، ولكن العاقبة في الآخرة ليست للكافر حتماً، بل {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعرَاف: 128]، ويقول تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ *وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ *} [البَقَرَة: 200-201].. فالفارق واضح بين الإنسان طالب الدنيا وحدَها، فلا نصيب له من نعيم الآخرة، وبين الإنسان الذي يعمل لدنيا كأنه يعيش أبداً، ويعمل للآخرة كأنه يموت غداَ.. فهذا الذي يعمل للدارين ويرجو أنْ يقيَهُ ربُّهُ تعالى عذاب النار، ماذا يكون نصيبه في الآخرة؟ يقول تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ *} [البَقَرَة: 202]، إذ بمقدار ما يكسب من عمل الخير أو عمل الشر يكون نصيبه في الآخرة.. ولكنَّ الذي يعلم ما ينتظره يوم الحساب لا بدَّ وأنْ يكون عمله صالحاً، وأن تكون حسناته أكثر بكثير من سيئاته، حتى ينال الثواب الذي يرجوه من رحمة رَبّه العزيز الحكيم..
أفرأيت أيها الإنسان، إلى الموازين الحق التي ينصبها القرآن الكريم منارات هداية للناس؟ أجل، ما تعتدُّ بالقوة التي جعلت الله تعالى عليها، وبالمنصب الذي وضعك فيه!.. ويا من تكسب، وتكدّس الثروات، وتفكِّر بأن الفارقَ العظيمُ بين عمل يرضي الله سبحانه وتعالى وعملٍ يغضب ربَّ العباد، لأنَّ فيه افتئاتاً على حقوق العباد.. تفكر واتعظ... فإنْ تمنطق الإنسان بسلاح الإيمان، وخاف ربَّهُ وخشيَ سخطَه، سار على الطريق المستقيم وآتى صالح العمل؛ وإلاَّ وقع في المتاهةِ وغابت عنه الحقيقة، مهما زُيِّنَ له من عمله، ومهما بلغت به الغايات..
وليس خطابُنا لك أيها الإنسان، وأنت في عزّ الشباب والقوة إلاَّ لنأخذ بيدك إلى الناموس الذي يحكمك وأنت في هذا الطور من حياتك، فأصغ إلى قول الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ *} [الأحقاف: 15].
هنا يجب أن تكون الوقفة الكبرى والتأمل العميق للإنسان.. وهو يرقب سلسلة حياته منذ كان جنيناً في بطن أمه وما عانت وقت حمله، ويوم خلِقَ وما صبرت على آلام الوضع حتى تراه يخرج إلى عالم النور.. ثم ليتذكر ما بذل والداه وما تحمَّلا مدة رضاعه وحتى فطامه، من السهر والقلق عليه، وما أغدقا عليه من الحنان والرأفة والحب لينمو وينشأ.. وليتفكَّر مِن ثَمَّ، بتلك المسؤولية الجسيمة التي ألقاها وجوده على عاقتهما، وما تكبَّدا في حملها من حلوها ومرها، وهما يتدرجان به في مختلف مراحل تطور نموّه، وما تحمَّلا لأجله من أعباء مادية ونفسية خلال تلك المراحل، ومن غير أن ينسى مرافقتهما له - ولو بالشعور والأمل - بعدما بلغ سنَّ الشباب والقوة، وانطلق في مسيرة الحياة يخوضها في العمل والجهد «حتى إذا بلغ أشدَّهُ وبلغ أربعين سنة»..
أجل في هذا السنّ من القوة الأشدّ التي يمكن أن يبلغها الإنسان، أي سن النضوج الكامل - وهو السن الذي بعثَ به الله تعالى سيدنا محمداً (صلى اللّه عليه وآله وسلم) خاتماً للنبيين في أكمل دينٍ، وأتمّ نعمة للناس جميعاً - أجل في هذا السن، عندما يقف الإنسان ويستعرض شريط حياته، ماذا يمكن أن يفكر أو يقول أو يرتجي؟
- إنْ كان كافراً بنعمة الله عليه، يقول: إنّما أوتيته من عندي.. فهو قارونٌ آخر!.
- وإن كان ماديّاً عبثيّاً لا يعبأُ بمن جعله يبلغ أشدَّه، يقول: هذا من السماء، هذا بفضل السماء، كما نسمع ونرى في المحاورات التي تدور في أفلام الغرب، فأيُّ سماءٍ يريد أو يقصد؟.وماذا عليه لو قال: هذا من عند الله، هذا من فضل الله؟!..
- وأما إن كان مؤمناً فإيمانه يجعله متوافقاً مع ناموس الحق الذي يحكم وجوده.. إذ بعد تأمله وتفكّره وتقديره لكل شاردةٍ وواردةٍ في حياته، نجده يتوجَّهُ إلى ربه تعالى مباشرةً وبلا واسطة من أحد، وحتى بلا استئذان، لأنه يعلم أنَّ أبوابَ ربِّهِ مفتَّحةٌ لكلِ عبدٍ منيبٍ.. وفي هذا التوجّه إلى خالقه ووليّ أمره والمنعم عليه، نسمعه يقول: ربي ألهمني وأرشدني واهدني أنْ أشكرَ نعمتك التي أنعمتَ عليَّ، فأوصلتني بهذه النعمة إلى ما أنا عليه من الصحة والرزق والأمن والأماني.. وألهمني يا ربي أنْ أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديّ، بما أمكنتهم من الفضل لتنشئتي وتغذيتي وتربيتي وتأديبي وتعليمي..
ولا يقف المؤمنُ عند مضامين الشكر للنعمة التي أنعمها ربُّه الكريم عليه وعلى والدَيْه، بل ويسأله ويرجوه أن يهدَيه دائماً إلى صالح العمل الذي يرضاه هو تبارك وتعالى، ليكون عمله مقبولاً ومجزياً عليه.. وإلاَّ فإن الأعمال التي لا ترضي الله تعالى إنما هي كرمادٍ اشتدت به الريح في يومٍ عاصفٍ، فلا تُكسبُ أجراً ولا ثواباً، بل تذهب هباءً منثوراً، كما ينتثر الرمادُ بين طيّات الرياح..
وهل بقي لهذا المؤمن من رجاء أو حاجة يضعها بين يدي ربه عزَّ وجلَّ؟ نعم، إنهم الذرية، فلذات الأكباد وريحانة الحياة؛ إنه يريدها ذريةً صالحة مؤمنة، لا تحيد عن جادة الصواب ولا تميل عن الحق، ولا يلهيها التكاثر ولا تنثَنِي عن طلب رضا الله ورحمته، كما اعتادت في كنف البيت المؤمن.. بل ولئن شذَّ أحدٌ من هذه الذرية، فأبواه يستجيران بربهما أن يهديه من ضلاله ويصلح باله وشأنه، ليعود إلى حظيرة الإيمان ودرب الصلاح.. فما أروعه من دعاء «واصلح لي في ذريَّتي»..
وماذا بعدُ أيها المؤمن؟.. «التوبة النصوح»..
{إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ} [الأحقاف: 15]، فأنا يا ربي إنسان ضعيف مسكين أخطأَ وأرتكبَ الذنب والمعصية من وساوس الشيطان، وقبيله من الجن والإنس، فقد دهاني وأضلّني في لحظات من عمري، وأزلني عن تقواي إلى مطامع من دنياي.. وها أنا مستغفر، منيبٌ، متوكل عليك، فاقبل عذري، وفكَّني من شدِّ وثاقي {إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ} [الأحقاف: 15].
ولكن ما أفُقُ هذه التوبة إن لم يكون الاستسلام لربِّ العالمين..
{وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف: 15] ديناً وعملاً وقولاً.. فإسلامي إخلاصٌ في عبوديتي لك يا إلهي.. وإسلامي خضوع لمشيئتك يا ربي، وإسلامي طاعة لك يا سيدي، وإسلامي نعمةٌ منك يا مولاي.. فافعل بي يا إلهي وسيدي ومولاي وربي ما أنت أهله، ولا تفعل بي ما أنا أهله..
هذا هو سنُّ الأربعين، الرابط بين ماضي الإنسان وحاضره ومستقبله، بين حياته السابقة، وما بقي له من العمر؛ فإنَّ إحكام رباطِ الإيمان والتقوى والصلاح، كان نتيجة صالح العمل.. وهذا ما يطلبه الإسلام، أي أن يقف الإنسان في الأربعين من عمره وقفة تأمل ومحاسبة، فيعزم على العمل بما يرضي ربَّهُ تعالى، لأنَّ القوة التي جعله الله تعالى عليها في هذا السن والتي تمكّنه من العطاء، لن تدوم إلاَّ إلى زمنٍ محدود لتبدأ بعدها مرحلة الذبول في الرونق، والفتور في الهمة، والبطء في النشاط، حتى يحل الوهن والضعف..
5 - مرحلة الشيخوخة: ولا بدَّ أنْ تأتي.. وأخيراً يطلُّ الشيبُ ويبدأ الضعف، وقد جعلها الله تعالى أمارةً على الشيخوخة..
قد يقول البعض: ولكن ألا ترى أنَّ الشيب قد يبدأ في سن مبكرة؟ وكثيرون هُمُ الشيَّبُ قبل سن الشيخوخة؟
ولم لا، وعامل الوراثة قابع في الخلايا، حتى في خلايا الشعر..
وقد يقول البعض: ولكن ألا ترى فلاناً قد بلغ الستين أو السبعين، وما زال متين البنية كامل الإدراك والتميز، فأين الضعف؟
هؤلاء المعترضون لا يريدون أن يُقرُّوا بأنَّ الله تعالى قد جعل في خلق الإنسان سُنَّةً لا تتبدَّل ولا تتحوَّل، وقد بيّنها قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [الرُّوم: 54]، أي من بعد قوة الشباب، ضعف الكبر، وشيب الشيخوخة.. فكأنما يريدون أنْ يجعلوا باعتراضهم، من الاستثناء قاعدة، وهذا ما لا يستقيم مع سنة الله تعالى في خلقه، ومع ذلك فنحن وإياهم على موعد!..
إننا ندعوك أيها الإنسانُ وأنت ما زلت في ريعان الشباب، إلى جولةٍ في مستشفى.. أرأيت في هذه الجولة صغاراَ وشباناً وكهولاً وشيوخاً وعجزاً رجالاً ونساءً.. وكلهم مرضى بأمراضٍ متعددة؟! لقد أرهقناك، لا تؤاخذنا..
ولكن نريد أنْ تمنَّ علينا ببعض الوقت ساعةَ تشاء، فلا نريد أن نضيع عليك مواعيدك في المكتب أو الشركة أو المصنع!.. أنت اليوم جاهز؟ إذًا هيا بنا ندور في بعض الشوارع، لتتأمل في صفحات الوجوه التي ثلمتها التجاعيد، وانحناءات الظهور التي أتعبها العمل، والخطوات الوئيدة التي أثقلها العمر.. لا لم ينته مشوارنا بعد، فلا بدَّ من الوصول إلى ذلك المتنزَّه الكبير لتتعرَّف إلى بعض هؤلاء الأجداد والجدات، الذين يقودهم الأحفاد أو المربيات.. ولئن شئت، وأنت ترى ارتجاف أيديهم وشفاههم أن تسأل عن أعمارهم فاسأل.. ولكن لا تقارن بين هؤلاء الشيوخ الضعفاء، وبين أبويك اللذين أمَّنتَ لهما المسكن والطعام والخدم، وكل ما يحتاجان في كبرهما، عافاك الله وبارك بإحسانك إليهما؟!
ماذا نريدُ منك؟
موعداً أخيراً، وعندما تسمح لك ظروفك ومشاغلك..
أنتَ جاهزٌ اليوم، هيا بنا.. أجل، إنها زيارة إلى مأوى العجزة..
ما بك، هل تقزَّزت نفسك بهذه العجالة مما ترى؟
تقول: لا، ليس الأمر كذلك، إنًّها الشفقة على هؤلاء الذين طعنوا في السن!.
لقد انتهى موعدنا معك، وداعاً.. ولكن مع بعض التمني.. اذهب مرة إلى مدرسةٍ للأطفال وتأمل بحركاتهم وهم في الملعب؛ ومرةً أخرى أوقف سيارتك أمام مدرسةٍ للفتيان والفتيات، ولاحظ ضحكاتهم وهم يتمايلون على بعضهم، ومرةً أخيرةً ادخل إلى حديقة إحدى الجامعات، واصغ إلى مناقشات ومناورات الطلاب والطالبات.. وبعد هذا التعب والضنى، لا بأس في أن تجول كما تفعل عادة، على العاملين في مصنعك أو في شركتك لتجدهم على نفس الدأب، والانكباب على العمل الذي أمرتهم به وعهدتهم عليه، ثم عُدْ إلى مكتبك وارتشفِ القهوة، وتفكّر بالجولات التي أخذناك إليها قسراً، وبما عاينت وحدك في المدارس والجامعات، ثم استخلص ما شئت بعد التفكّر والمقارنة!..
يا صاحبي، ويا صديقي، ويا أخي في الإنسانية! إنها سنة الله في خلقه الآدمي أن يتدرج الإنسان في مراحل النموّ، حتى يصل إلى عهد الشيخوخة، ومن ثم إلى عهد الهرم - إذا طال به العمر - ..
أما ماذا يصير عليه حاله في خريف العمر، فمن أصدق من الله قيلاً، وهو يبين لنا سبحانه وتعالى أحوال من جعلهم يعمّرون، وذلك بقوله الحق: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ *ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ *إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ *} [التِّين: 4-6]، وقوله الجليل: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ *} [يس: 68] وقوله المبين: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحَجّ: 5].. فهذه الآيات القرآنية واضحة الدلالة على ما يصيب الإنسان من أعراض الكبر، سواء في نحول الجسم ورقة العظم وشحوب الوجه ورجفة الأيدي... أو ما يحل به من ضعف في الطاقة الذهنية والشعورية حتى يصل إلى حالٍ من الخواء التام.. ولندع للعلم الحديث أنْ يبين لنا بعضاً من تلك الأعراض التي تصيب الإنسان عندما يتقدم به العمر، حتى يصل إلى وقتٍ لا يقوى فيه على شيء، ولا يعلم شيئاً مما كان يعلم، كما تشير إلى ذلك الآيات البيّنات..
يقول أهل العلم: إنَّ الإنسان في سنوات عمره المتأخرة يعتريه نوع من التدهور في أنسجة الدماغ ناتج من تصلب في الشرايين؛ ما يوهن فيه الطاقة الفكرية ويقلل من قدرته على أداء وظائفه.
أما الأمراض الجسدية التي تحلُّ بكبار السن (في مرحلة الشيخوخة) فيمكن أن تصيب كل الأعضاء الخارجية والأجهزة الداخلية، وتختلف أنواعها وأخطارها بين أشخاص وآخرين باختلاف بنية أجسامهم وأنواع غذائهم وسن أعمارهم، وأعراض التعب والإِرهاق والسهر التي عانوا منها من قبل. كما يصاب هؤلاء الكبار باضطرابات سلوكية وعقلية فيما يسمى «ذهان الشيخوخة»، الذي يضعف الذاكرة لديهم ويجعلهم عاجزين عن التركيز والفصل في الأمور، حتى إنهم لا يدرون أحياناً ما يقولون.
وقد يصاب بعض هؤلاء بتلف خطير في الدماغ، فتظهر عليهم عوارض الشيخوخة بوضوح..
أما إذا وصل الإنسان إلى حالة من العجز الكلي جسدياً، فإنه يصبح غير قادرٍ على القيام بحاجاته الضرورية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى العجز الفكري، إذ ينسى كل شيء عن حياته الماضية، فتختلط عليه الأمور، ولا يعود قادراً على التمييز بين ماضٍ وحاضر، أو بين علمٍ وجهل.. وكيف يقدر على إدراك الأشياء، والله تعالى الذي خلقه، وأطال بعمره حتى صار على هذه الحال، يقول، وقوله الحق: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَي لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [النّحل: 70]. إذ يصير في حالة من العجز العقلي، تذهب بكل ما كان يحيط به من علمٍ أو معرفة، أو إدراك.. لا بل وينحدر سلوكه حتى يصير أشبه بالطفل الصغير، فقد يبكي من جوع أو عطش، وقد يصرخ من صوتٍ أو ضجيج. أي إنه يرجع إلى مثل عهد الطفولة ولكن بغير ظرافتها وملاحتها.. وأكثر من ذلك فقد يسأل عن شيءٍ فيجيب عن شيءٍ آخر، أو قد لا يعرف زوجة ابنه من جارتها، وما إلى ذلك من العقم الذي يجعله في أرذل العمر.. فالهرم حقاً نكسةٌ في الخَلْق، لما يصاحبه من ضعف في قوى الجسد ومن اضطراب في أجهزة الأعصاب، ومن بلاهةٍ وخرفٍ وفقدان الاتزان في كل شيء.
أما الحكمة التي نستخلصها من هذه الأحوال التي يصير عليها الإنسان في نهاية مطاف حياته فتتجلَّى في قوله تعالى: {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} [يس: 68]؟! فهولاء الناسُ الذين يرون بأم العين ما يحلُّ بالذي يُعَمَّرُ حتى ينكَّس في خلقه، أو حتى يُردَّ إلى أرذل العمر فلا يعلم من بعد علمٍ شيئاً.. أفلا تهديهم عقولهم إلى أنَّهم قد يصيرون إلى الحالة نفسها، فلا يتكبرون ولا يظلمون ولا ينافقون..! ومن كان فيهم شيء من تلك الخصال أو غيرها من المساوئ، أفلا يرعوون ويتوبونَ إلى الله تعالى، قبل أن يفوت الأوان، وتحل بهم أعراض النكسة في الخلق، فلا يعودون قادرين معها على توبةٍ، أو طلب استغفار أو رجاء رحمة؟!.. {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} [يس: 68]، فيتدبَّرون حكمة الله عزَّ وعلا في خلقه؟!
cetirizin netdoktor cetirizin csepp cetirizin hund dosis
ciloxan notice ciloxan tropfen ciloxan alkohol
amantadin cena amantadin medikament amantadin nedir



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB