علم النَّفس (الجزء الاول)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




الفصل الأوّل - البحث الأول: الخَلق

كلُّ من يدقق في آيات القرآن المجيد، يتبين له مقدار الأهمية التي يوليها كثير من آيات هذا الكتاب المبين للخلق... فهي تتناول كيفية خلق السماوات والأرض بجميع أجزائها، والمادة الأولى التي كانت تتكون منها وهي الماء. فأما السماوات فقد خلقها الله وسوّاها بناءً دقيقاً متناسقاً على اتساع وامتداد لا يعلم مداهما إلاَّ خالقهما العظيم. وقد جعلها سبع سماواتٍ طِباقاً (فوق بعضها البعض) من غير تماسٍّ أو احتكاك، وبغير عمدٍ، وذات بروج وكواكب وزينة للناظرين، بحيث لا يوجد في هذا الخلق أي تباين أو عدم تناسب واتساق، لقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ *ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ *} [المُلك: 3-4]، وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ *وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ *} [ق: 6-7]. وأما الأرض فقد خلقها الله سبحانه كروية سابحة في الفضاء، وفي الوقت نفسه مدَّها وطحاها لتكون ذات سطح، فيه السهول والأودية والجبالُ والرواسي والبحار، وأنبت فيها من كل زوج بهيج، أي من مختلف أصناف النباتات التي تبتهج لها النفوس وترتاح لمنظرها...
وكلُّ هذا الخلق على كثرة أنواعه وأشكاله وألوانه، الذي أوجده الرحمن، ليس فيه أي تفاوت أو تباين، بل جميعه قائم على نظام دقيق من الشمول والاتساق والانضباط والتلاحم، بما يعجز الفكر البشري عن تصوره أو اكتشاف أسراره.. وهاتان آيتان كريمتان تتبيّن منهما دقة هذا الخلق وتسييره كما شاء الله تعالى له وقدَّر. وذلك من جملة الحوار الذي كان يدور بين سيدنا موسى عليه السلام وفرعون الطاغية، إذ يسأله فرعون: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى *قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى *} [طه: 49-50].
لم يكنْ فرعون ليريد أنْ يعترف بأنَّ رب موسى وهارون هو ربه، عندما قالا له: {إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} [طه: 47]. ولذلك حاول أن يتهرب من هذه الحقيقة بدافع العناد والتجبُّر المتأتيين عن اعتقاده الواهم بأنه هو ربهما. فجاءه جواب موسى قطعي الثبوت والشمولية يبين الصفة التي تفردت بها العزة الإلـهيَّةُ عندما قال له موسى: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50]. ذلكم الله ربُّنا ربُّ السماوات والأرض، وربُّ جميع المخلوقات، الذي وهب الوجود لكل موجود في الصورة التي أوجده بها والخلقة التي فطره عليها. «ثُمَّ» أرشد كل مخلوق إلى وظيفته التي خلقه لها، وهداه إلى ما يناسب هذه الوظيفة ويعينه عليها. [ولفظة «ثُمَّ» لا تدل على أن هناك افتراقاً زمنياً بين خلق المخلوق وخلق وظيفته، وإنما هو افتراق في الرتبة بين خلق الشيء واهتدائه إلى وظيفته، فهداية كل شيء إلى وظيفته مرتبة أعلى من خلقه].
وهذا البيان الذي يلخّصه النص القرآني على لسان موسى عليه السلام، فيه أكمل آثار الألوهية الخالقة المدبرة لهذا الوجود الكبير المؤلف مما لا يحصى من الذرات والخلايا والخلائق والأحياء. وكل ذرة فيه تنبض، وكل خلية فيه تحيا، وكل حي فيه يتحرك، وكل كائن فيه يتفاعل مع الكائنات الأخرى.. حتى الحصى الصغيرة أو حبة الرمل أو ذرة التراب، لكل منها خاصيةٌ ووظيفةٌ تؤديها في تفاعلها وتناسقها مع غيرها من الكائنات .. وكلها تعمل منفردة ومجتمعة، ضمن إطار السنن والقوانين والنظم المودعة في تكوينها وفطرتها، من غير تعارض أو خلل أو فتور في لحظة من اللحظات!.
فكل كائن من الكائنات يعتبر عالماً بذاته، تعمل في داخله ذراته وخلاياه وأعضاؤه وأجهزته وفق الفطرة التي فطرت عليها، وضمن السنن العامة الكونية، التي تسير جميعها في توافق وانتظام تامَّين..
والإنسان مهما بلغ من العلم والمعرفة بالكائنات، فإنه يقف أمام المعرفة الحقيقية لكل كائنٍ منها - بمفرده - مقصراً، محدوداً في دراسة خواصّ هذا الكائن ووظائفه وأمراضه وعلاجه، من غير أن تتناول هذه الدراسة كيفية هدايته إلى وظيفته - وهي الأهم - فذلك خارج تماماً عن طوق الإنسان وقدرته، لأنه هو نفسه آية من خلق الله: وهبه وجوده على الهيئة التي وجد بها، للوظيفة التي خلق لها، كأي شيء من الأشياء. فسبحان الله الخالق، والرب الواحد «ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى».
وقد تناولنا موضوع الخلق هنا بعددٍ يسيرٍ فقط من الآيات القرآنية الكريمة، فالآيات التي تتحدث عن الخلق كثيرة وكثيرة جداً، إذ يكفي الإشارة إلى أن لفظة «الخلق» وحدها قد وردت في القرآن الكريم ما يزيد على مئتي مرة. لذلك اكتفينا بالقدر اللازم من الآيات التي يمكننا من خلالها صوغ موضوعنا ضمن إطاره العام الشامل، ونعني به موضوع: معرفة نفس الإنسان. وسوف يكون هكذا الحال بالنسبة إلى كل المواضيع الأخرى التي تتعلق بهذه النفس، وليس بخلقها فقط. ولا سيما أن الخلق يتناول كل ما في الكون والحياة والإنسان، تصديقاً لقوله تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ *} [غَافر: 57].
وبحثنا يتناول خلق الكون إجمالاً، وخلق الإنسان حَصْراً...
أولاً: خلق الكون
يقول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هُود: 7]. ويقول تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ *إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ *هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ *إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ *} [يُونس: 3-6].
أيتها المخلوقات في السماوات والأرض، وأنتم خاصةً يا بني البشر - على هذه الأرض - الذين أُنزِلَ إليكم هذا القرآن، اعلموا أنَّ ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض. وقد خلقها بتدبير وإتقان وبحكمة بالغة،يدبّر كل أمر وفق حكمته السنيّة فاعبدوه،أفلا تَذَكَّرون؟ ولكن لماذا هذا التذكير؟ لأن القضية الأساسية في العقيدة هي: قضية الألوهية وقضية الربوبية.. ذلك أنَّ بعض الشعوب قد اتخذوا من دون الله آلهةً من التصورات، مثل إله الخير وإله الشر وإله الحُبِّ وإله الظلمات.. أو اتخذوا من دون الله آلهة من الأصنام، وذلك لقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ *} [يس: 74].. أو ظنَّ بعض البشر أنهم آلهة، كظنّ فرعون أنْ ليس من إلهٍ غيره لبني قومه كما يدلُّ عليه قولُهُ تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلأَُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القَصَص: 38]، وقوله تعالى على لسان أهل الكهف: {هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} [الكهف: 15] أي: من دون الله... ولكنْ يبدو أنَّ قضية الألوهية لم تكن محل إنكار جدي أو إنكارٍ قاطعٍ من المشركين. ويدل التاريخ البشري على أن الفطرة البشرية لا تستطيع التخلي عن الاعتقاد بوجود إله لهذا الكون، إلا في حالات نادرة غير سوية، وحتى في هذه الحالات فكثيراً ما يقولون بأنَّ هنالك قوة مسيّرة لهذا الكون ولكنهم يجهلون كنه هذه القوة!.. أما القضية الأخرى في الاعتقاد الديني فهي قضية الربوبية، لأنَّ البشر كانوا يعبدون في معظم الحقبات، مع الله «أرباباً» يتوجهون إليهم بالعبادة، إما ليقربوهم إلى الله زلفى، وإما ليكونوا شفعاء لهم عنده سبحانه. وأحياناً كان بعض الأفراد من البشر يدَّعون الربوبية، وهم الحكام الوثنيون القدامى كالنمرود أيام إبراهيم عليه السلام، وفرعون أيام موسى عليه السلام وأشباههما.. فأولئك الحكام كانوا يشرِّعون لأنفسهم شرائع خاصة لحكم الناس واستعبادهم حتى يصل بهم الأمر إلى ادعاء الربوبية. وذلك منتهى الجهل والضلال والكفر..
والقرآن الكريم لا يريد أن يدخل هنا في جدل ذهني حول قضية الألوهية ولا حول قضية الربوبية، بل يحاول أنْ يذكِّر الناس مخاطباً فيهم الفطرة البشرية التي فطرهم الله تعالى عليها. وبهذا التوجه إلى المنطق الفطري يقول لهم: إنَّ ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض، أفلا تتذكَّرون؟ وإن كنتم لا تتذكرون هذه الحقيقة فانظروا إلى ما حولكم في خلق السماوات والأرض: هذه الشمس المضيئة، وهذا القمر المنير، وما ترونه من تعاقب الليل والنهار، وهذا الطير الغادي القافز الذي لا يستقر على حال، وهذا النبت النامي المتطلع إلى النمو والحياة، وهذه الأرحام التي تدفع، والقبور التي تبلع، وهذه الخلائق الذاهبة الآيبة في تدافع وانطلاق.. هذه المخلوقات كلها أفلا تدركها حواسكم؟ بلى.. إذًا من خلقها؟ إن ربَّكم الله الذي يستحق العبادة هو هذا الخالق، «الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام».. ولكنَّ هذه الأيام الستة لا تدخل في المقاييس الزمنية التي أوجدتموها. ولا علاقة لهذه المقاييس، لا من قريب ولا من بعيد، بما يريده الله تعالى من هذا العدد، فهو غيب من غيب الله ربكم، لا يعرف الإنسان كنهَهُ وسرَّه. إنه فقط إشارة إلى حكمة التدبير والتقدير والنظام الذي يسير به الكون من بدئه إلى منتهاه.
{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعرَاف: 54] والاستواء على العرش كناية عن مقام السيطرة العلوية الثابتة الراسخة. فالله - سبحانه وتعالى - منزّه عن الحدوث وما يتعلق به من الزمان والمكان، لذلك لا يجوز السؤال: أين كان - سبحانه - قبل أن يستوي على العرش؟ فلفظة «ثم» تفيد هنا البعد المعنوي، لأنَّ القاعدة الكلية في الإسلام هي تنزيه الله سبحانه عن تعاقب الهيئات والحالات، وعن مقتضيات الزمان والمكان... لا يقدر الإنسان أن يعرف، وليس له أن يدخل في جدل ذهني حول هذا الأمر، بل عليه أن يؤمن بالقاعدة الكلية المذكورة، ثم ينصرف إلى التأمل في نفسه وفي هذا الكون وآياته، ليدرك عظمة الخالق وقدرته سبحانه في تدبير الأمر كله.
وقد تكون هناك نظريات علمية كثيرة حول تكوين الكون، وما فيه من عجيب الصنع ودقة التركيب، وما فيه من نُظُمٍ محكمةٍ تربُط بين مختلف أجزائه، وتجعله متماسكاً على الشكل الذي هو فيه.. مثل هذه النظريات موجودة ولا شك، ولكن ليس لنا أن نتلمس للنصوص القرآنية مصداقاً من النظريات «العلمية» - حتى ولو كان ظاهر النص يتفق مع النظرية وينطبق عليها، كما يبين لنا ذلك بعض العلماء في أحيان كثيرة - وقد أثبتنا في المقدمة ونعيد التكرار هنا للتأكيد بأن النظريات «العلمية» قابلة للتغيير أو التبديل بنظريات جديدة، وكثيراً ما اهتدى العلماء إلى فَرْضٍ جديد، وجدوه أقرب إلى تفسير الظواهر الكونية من الفرض القديم الذي قامت عليه النظرية الأولى.. وهذا ما لا يتفق مع القرآن لأن النص صادق بذاته، اهتدى العلم إلى الحقيقة التي يقررها هذا النص أو لم يهتدِ، مع الإشارة هنا إلى أنَّ هنالك فرقاً بين الحقيقة العلمية والنظرية العلمية. فالحقيقة العلمية قابلة للتجربة - وإن كانت دائماً احتمالية وليست قطعية - أما النظرية العلمية فهي قائمة على افتراض يفسر ظاهرة كونية أو عدة ظواهر، وهي قابلة للتغيير والتبديل والانقلاب. ومن ثَمَّ لا يُحمل القرآن عليها ولا تُحمل هي على القرآن.. فلها طريق غير طريق القرآن، ومجال غير مجال القرآن.
ولعلَّ القول بأن النظريات «العلمية» تتوافق مع النصوص القرآنية يتجافى مع جدِّية الإيمان بالقرآن الكريم واليقين بصحة ما فيه، والاعتقاد بأنه من لدن حكيم خبير، أحكم آياته عن حكمة، وفصّلها عن علم ودراية. بل إنَّ العملَ بذلك يعتبر هزيمة للإيمان بالقرآن، ناشئة عن الفتنة «بالعلم»، وإعطائه أكبر من مجاله الطبيعي الذي لا يصدق ولا يوثق به إلا في دائرته، وإلى حين من الزمن، حتى يأتي علم آخر ينقضه وينسفه من أساسه. لذلك ننصح من يحسب أنه بتطبيق القرآن على «العلم» إنما يخدم القرآن ويخدم الحقيقة، ننصحه بأن يبتعد عن هذا الأمر حتى لا يعتبر إيمانه ناقصاً. فالحقائق العلمية التجريبية قد تركها القرآن للعقل البشري يعمل فيها بكامل طاقته ويصل إلى النتائج التي يصل إليها، في حين أنّّ القرآن تكفَّل بتربية هذا العقل على الصحة والسلامة والاستقامة وتحريره من الأوهام والأساطير والخرافات. كما عمل القرآن على إقامة نظام للحياة يكون لهذا العقل فيه مجاله الواسع بما يقوي الإيمان وتنتفع به البشرية.. ولم يتعرض القرآن للحقائق «العلمية» إلا تلميحاً، مثل أن الماء أصل الحياة، والعنصر المشترك في جميع الأحياء، ومثل أنَّ جميع الأحياء أزواج، حتى النبات الذي يلقح من نفسه فهو يحتوي على خلايا التذكير والتأنيث. وقد ساق القرآنُ هذه الحقائق ليعرف الإنسان أصل الحياة، أو الأسس التي تقوم عليها وجود الكائنات الحية، وفي ذلك ما فيه من بيان للعقل البشري وتمهيد السبل أمامه للبحث في تلك الأسس.
وبعد هذا الاستطراد، لا بد لنا من العودة إلى النص القرآني: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هُود: 7]. وهذا يعني أنه سبحانه خلق السماوات والأرض في هذا الأمد بما فيهما من منافع، لتكون صالحة ومجهزة لحياة الجنس البشري. كما جهز الإنسان باستعدادات وطاقات، وبنى قانون وجوده على ذات القانون الذي يحكم الكون - أي الإحكام والانتظام - ثم ترك له (للإنسان) الاختيار في حياته أنْ يتجه إلى الهدى فيعينه الله تعالى عليه ويهديه سواء السبيل، أو أنْ يتجه إلى الضلال فيمد الله تعالى له فيه.. أي إنه سبحانه ترككم أيها الناس لاختياركم، لأجل أن يختبركم بالبلاء فيعلم أيكم أحسن عملاً، أي أطوع لله خالقه.. فكأن خلق السماوات والأرض فيما يعنينا نحن البشر - مع سيطرة الله سبحانه على مقاليدهما - كان من أجل ابتلاء الإنسان، ليعظم هذا الابتلاء، ويشعر الناس بأهمية خلقهم وبجدية ابتلائهم، وبأنَّ من وراء ما يقومون به في حياتهم هذه ما يجازون عليه: إما خيراً فنعيم، وإما شراً فجحيم.
وكما في القرآن الكريم هذا البيان للخلق، فإن فيه أيضاً إيقاظاً للوعي عند الكافرين إلى كثير من الحقائق التي يرونها من حولهم ويدركونها بحواسهم، أنَّ الله جعل من الماء كل شيء حيٍّ كما في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبيَاء: 30]. وأنَّ في الأرض الجبالَ العاليةَ حتى لا تميد بمن عليها {وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} [الأنبيَاء: 31]. وأنَّ الفجاج والسبل وطرق المواصلات البرية والبحرية والجوية من أجل هدايتهم إلى وظائفهم وتحصيل أرزاقهم، وتعارفهم فيما بينهم {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [الأنبيَاء: 31]... فهذه كلها من الأشياء المحسوسة، والعقل يدلُّ على أنها ليست من صنع الإنسان. والقرآن الكريم يؤكد للناس أنها من صنع الله تعالى، أفلا يؤمنون بعد ذلك بربوبيته - سبحانه - وبأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له؟!
وأمَّا قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} [الأنبيَاء: 32] والسماء كل ما علا، ونحن نرى إذا نظرنا إلى الفضاء فوقنا ما يشبه القبة العالية، التي تتسع - مع بُعدِها - لكل ما تقع عليه أبصارنا من الكواكب المضيئة. فهذه القبة أو السماء العالية قد جعلها الله تعالى سقفاً للأرض، محفوظاً من الخلل في هذا النظام الكوني الدقيق، ومحفوظاً من الدنس باعتباره رمزاً للعلو الذي تتنزل منه آيات الله تعالى:
{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ *} [الأنبيَاء: 33].
وهذه أيضاً حقيقة قرآنية أصبحت ثابتة بالتجارب والبحوث العلمية. فالشمس كرة سابحة في فلك خاص بها. والقمر كرة سابحة في فلك الشمس، ومثله الأرض الكروية التي من دورتها حول نفسها يتعاقب الليل والنهار، كما تتعاقب الفصول من دورتها حول الشمس. وقد رأى الإنسان بأم العين في رحلته إلى القمر، كيف أنًّ الأرض كرة تسبح في الفضاء، ومع هذا السبح الطويل والسريع لا يشعر سكانها بشيء منه ما لم تهتزَّ الأرض وترتجف بالزلازل مثلاً، وإلى بعضٍ من الوقت يسير.. وما تلك الحركة للأرض وعمّارها إلاَّ لأنها ممسوكة بالنظام الدقيق الذي يسيّرها، وبالنظام المتكامل الذي يسيّر الكون بأسره.. فهذه الظواهر الكونية آيات معروضة للناس، فكيف يُعرضون عن التفكر بآيات الله وجميل صنعه في خلقه؟ ونحن نقول: إنَّ هذه الظواهر لجديرة بأن تهدي القلب إلى وحدانية الخالق المدبر القدير. يقول الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه عن خلق الله تعالى للعالَمِ: «أنشأَ الخلقَ إنشاءً، وابتدأَهُ ابتداءً، بلا رويَّة أَجالها[*] ، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة[*] نفَسٍ اضطربَ فيها. أَحالَ الأشياءَ لأوقاتِها، وَلاءَمَ بين مختلفاتها، وغَرَزَ[*] غرائِزَها، وألزَمَها أشباهها، عالماً بها قبلَ ابتدائها، محيطاً بحدودها وانتهائها، عارفاً بقرائنها وأحنائها[*] . ثم أنشأ - سبحانه - فَتْقَ الأجواءِ، وشَقَّ الأرجاء، وسَكَائِكَ الهواء، فأجرى فيها ماءً مُتلاطِماً تيارُهُ، متراكماً زخّارُهُ[*] . حَمَلَهُ على مَتْنِ الريحِ العاصفةِ، والزَعْزَعِ[*] القاصِفَةِ، فأَمَرَها بردِّهِ، وسلَّطَها على شَدِّه، وقَرَنَها إلى حَدِّهِ. الهواءُ مِنْ تحتِها فتيقٌ[*] ، والماءُ من فوقِها دفيقٌ[*] . ثم أنشَأَ - سبحانه - ريحاً اعْتَقَمَ مهبَّها، وأدامَ مُرَبَّها[*] ، وأعصفَ مَجْراها، وأبْعَدَ مَنْشَاهَا، فأَمَرَها بتَصْفيق[*] الماء الزَّخَّار، وإثارة مَوْج البِحَارِ، فَمَخَضَتْهُ[*] مَخْضَ السِّقاءِ، وعَصَفَتْ به عَصْفَها بالفَضَاء، تَرُدُّ أولَهُ إلى آخرِهِ، وساجِيْهِ[*] إلى مائِرِهِ[*] ، حتى عبَّ عُبابُهُ، وَرَمى بالزبد ركامُهُ[*] ، فرفَعَهُ في هواء مُنْفَتِقٍ، وجوٍّ مُنْفَهِقٍ[*] ، فسَوَّى منه سبعَ سَماواتٍ، جَعَلَ سُفْلاهنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً[*] ، وعلياهنَّ سَقْفاً مَحْفوظاً، وسَمْكاً مَرْفُوعاً، بغيرِ عَمَدٍ يَدعُمُها، ولا دسارٍ[*] ينظُمُها. ثم زيَّنها بزينةٍ الكواكبِ، وضياءٍ الثواقبِ[*] ، وأجرى فيها سِراجاً مُسْتَطيراً[*] ، وقَمَراً مُنيراً، في فَلَكٍ دائرٍ، وسقفٍ سائرٍ، ورَقيمٍ[*] مائرٍ».
ثانياً: خلق الإنسان
إنَّ خلْقَ الإنسان على هذه الأرض كان بتقدير الله العزيز الحكيم، لأنَّ من يتتبع آيات القرآن المبين يجد هذا الترابط بين الأصل الذي نشأ منه الإنسان، وهو التراب أو الطين، وبين هذه الأرض التي أوجدها الله تعالى وحدَها من بين الكواكب السيارة في النظام الشمسي صالحة للحياة. فلا بد إذًا من إلقاء نظرة وجيزة على هذه الأرض، حتى تُفهم فيما بعد النصوص القرآنية المتعلّقة بخلق الإنسان.. وتجدر بنا الاستعانة هنا باكتشافات علماء الفلك التي لا تتعارض مطلقاً مع ظاهر النصوص القرآنية. وهذه الاكتشافات قد دلت على أنّ هنالك مجرة يقع النظام الشمسي (الشمس وكواكبها) في طرفها. وقد أطلق على هذه المجرة اسم «درب التبانة» أو «الدرب اللبنية». ويقع وراء هذه المجرة عالم من السُّدُم، وفي هذا العالم سديم[*] أطلقوا عليه اسم «سديم المرأة المسلسلة»، وهو يبعد عن الأرض مليون سنة ضوئية (يقطع الضوء ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، أي إن مسافة السنة الضوئية تبلغ ستة آلاف مليار ميل تقريباً). ويقدر العلماء حتى الآن، أن هنالك حوالى خمسمائة ألف سديم، ويقولون إنه مع تقدم الآلات التي يستخدمونها، يمكن أن يصل هذا العدد إلى أكثر من مليون سديم.
هذه فكرة وجيزة جداً عن مدى اتساع الكون.. والأرض لا تعدو كونها جزءاً ضئيلاً جداً جداً في الكون الشاسع. وهي مرتبطة بهذه الشمس التي نراها، والتي يقع مدارها على طرف مجرة «درب التبانة».. وقد ثبت حتى الآن أنَّ الأرض - من بين الكواكب السيارة في النظام الشمسي[*] ، وقد اكتشف فيها حتى اليوم اثنا عشر كوكباً - هي وحدها صالحة للحياة، لأن جميع الجهود التي بذلت حتى الآن لاكتشاف حياة على سطح القمر أو المريخ أو الزهرة - وهي من كواكب المجموعة الشمسية - قد اصطدمت بالفشل، ولم تظهر آثار للحياة بعد على تلك الكواكب... أما الأرض فهي السيارة الوحيدة التي تصلح للحياة، كما هو ثابت ومؤكد.. وهي تمتاز بكثافة وجاذبيَّة خاصتين بها وحدها. وهي على مسافة من الشمس والقمر تجعل النور والضوء يأتيان إليها بمقدار محسوبٍ من اعتدال الحرارة والبرودة بما لا يحرق كائناتها أو يجمدها. وهي تقوم بدورة يومية حول نفسها يحدث منها الليل والنهار، وتقوم بدورة سنوية حول الشمس تحدث منها الفصول. وهي مزودة - بصورة خاصة - بالماء والهواء، لأنهما من أهم العوامل الطبيعية التي أوجدها الله تعالى، وخصَّ بهما الأرض لجعلها صالحة للحياة. لذلك نجد كلَّ هذه الكائنات الحية من النبات والطير والحيوان والإنسان تعج على سطحها وفي بطون بحارها وأنهارها، وكلها تحتاج إلى الماء والهواء.
ولا يغيبنَّ عن بال أحد أنَّ مشيئة الله تعالى هي التي قضت بخلق هذه الكائنات جميعاً؛ وهو سبحانه الذي أحكَمَ السُّنَنَ والأنظمة لجميع مخلوقاته، وهو الذي علَّمَ الإنسان ما لم يعلم، وجعله يصل إلى ما وصَلَ إليه - وما سوف يصل إليه - من المعارف والعلوم، ولا سيما ما يتعلق بتلك الكائنات الحية على الأرض، وأجناسها وتكاثرها وتنقلاتها وطرق معايشها.. ولأنَّ ذلك الخلق كله لا يدخل في صلب موضوعنا، فلا بدَّ أن نقصر البحث إذاً على هذا الإنسان الذي سادَ على مخلوقات الأرض جميعاً، فكيف نجد نشأته؟ ولماذا كان خلقه مزوداً بهذا العقل الذي امتاز به على سائر تلك المخلوقات التي تعايشه؟
يجيب القرآن الكريم، كتاب الله المبين، فوراً بأن خلق الإنسان إنما كان لاستخلافه في الأرض، وذلك لقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البَقَرَة: 30].. فهذه إرادة الله تعالى من خلق الإنسان ليكون خليفته في الأرض، فيعمرها بما يملك من طاقاتٍ وقدرات أودعها خالقُهُ فيه وخصَّهُ بها دون غيره من الكائنات الحية على الأرض. ومن يتتبع آيات القرآن المبين يعرف جيداً أن النشأة الأولى للإنسان كانت من تراب الأرض وطينها. وهذا ما يؤدي للربط بين جعل الأرض صالحة للحياة وإنشاء الإنسان منها. وليس هذا وحسب، بل إنَّ الإنسان الذي يعيش حياته على هذه الأرض لا بد وأن يموت، ثم يفنى في غبار الأرض أو ترابها الذي نشأ منه أول مرة. فكم هي عظيمة هذه الدلالة، وكم هي مبيِّنة هذه الآية في خلق الإنسان وإماتته. فقد شاء خالقه أن يجبل الإنسان الأول - وهو آدم عليه السلام - من طين الأرض وصلصالها، ويخلطه بمائها، ثم يسويه على الصورة التي يريد. وما أن يلفحه هواؤها، وتشويه حرارة شمسها حتى يتماسك جسده ويشتد. ثم ينفخ فيه ربُّهُ وخالقه - تبارك وتعالى - من روحه، فتدخله الروح ويستوي بشراً حياً، ليضرب في بقاع الأرض، فيشرب من مائها ويأكل من أرزاقها، ثم ينشئ ما طاب له من المنشآت هو وذريته، فتعمر الأرض ويتحقق الاستخلاف..
أما كيف كان تكوين الإنسان الذي نعرفه اليوم والذي لم يتغير قط منذ خلق آدم عليه السلام، وكيف كانت له هذه الحواس والأعضاء والأطراف والقلب والدماغ... فذلك عائد كله إلى الأنظمة التي أودعها الخالق تعالى في تكوين الإنسان الأول، ثم أوجَدَ نظام الزوجية بين الرجل والمرأة، أو بين الذكر والأنثى - لتكاثر الجنس البشري واستمراريته بالتعاقب من سلالةٍ إلى سلالة، إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.
وقد يثار السؤال: ولكن كيف لهذا الجسم - الذي سوّاه الله تعالى من التراب - أنْ يصير هذه الكتلة من اللحم والدم وهذه الأعضاء الداخلية، والحواس الخارجية، وهذه الشرايين والأوردة، بل وهذه الشعيرات الدقيقة التي لا تحصى، وأن يقوم كل عضو بوظيفة محددة له، بحيث تعمل جميعها متناغمة متناسقة حتى تكون هذه الحياة للإنسان؟ أو قد يسأل: من أين لجسم ترابي أن يحتوي على النطق وعلى التفكير، وعلى السمع والبصر والشم واللمس، وعلى العاطفة والإحساس؟.. وما ينبثق منها جميعاً من علائق وروابط ووشائج بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان وبني جنسه، وبين الإنسان والحيوان، وبين الإنسان والجماد!... وعن يقين نجيب: إنَّ الله تعالى عندما نفخ من روحه في ذلك الجسم الترابي وهو سبحانه ما هو عليه من اقتدار وقوة وتقدير، قد فعلت نفختُهُ فعلها في التراب المكوَّن، فاستوى بشراً سويّاً مزوَّداً بطاقاته وقدراته التي تتجسَّدُ في حياة كل كائن بشري...
وها هي التجارب والاختبارات تثبت أن مادة الكون ذاته تتكون من ذرات العناصر الأربعة: التراب، الماء، النار والهواء، وأن كلاً منها يتكون بدوره من عناصر أخرى، وأن هذه العناصر المتفرعة تتكون من أجزاء صغيرة، وكل جزء منها يتألف من أجزاء أصغر بكثيرٍ يطلق عليها اسم الذرات (Atomes) . وكل ذرة تبلغ من الصغر حداً كبيراً، إذ قدّر قطر الذرة الواحدة بجزء من خمسين مليون جزء من البوصة[*] ، ووزن الذرة يتراوح بين جزأين و395 جزءاً من مليون مليار مليار جزء من الغرام...
وهذا الحجم للذرة يراه العلماء كبيراً بالنسبة إلى حجم الأجزاء التي تتكون منها وهي: الإلكترونات والبروتونات. وللدلالة على ذلك يعتبر الفرق بين حجم الذرة وحجم الإلكترون فيها كالفرق بين غرفة وذرة غبار فيها. فتأمل دقة تلك المقاييس.. وكثرة تلك العناصر.. ثم ماذا تحتوي هذه العناصر، وماذا يتفاعل في داخلها؟
يقول أهل العلم إنَّ للذرة غلافاً تدور فيه نواة واحدة أو نويات كثيرة. والغلاف مؤلف من إلكترون واحد أو إلكترونات كثيرة بحسب نوع العنصر. أما النواة فتتألف من بروتون واحد أو بروتونات كثيرة، ومن نيوترون واحد أو نيوترونات كثيرة إلاَّ الهيدروجين فلا يوجد فيه نيوترونات.
والإلكترون عبارة عن وحدة كهربائية سالبة، والبروتون عبارة عن وحدة كهربائية موجبة. والنيوترون عبارة عن وحدة كهربائية لا سالبة ولا موجبة (محايدة Neutre ).
وبمقتضى هذا التحليل تَكُونُ مادةُ العالم كله - والجسم البشري منه - عبارة عن وحدات أو شحنات كهربائية. أي إنَّ المادة التي يتألف منها العالم هي عبارة عن طاقات كهربائية متجمدة بشكل ذرات وعناصر. وكان «آينشتين» (Einstein) أول من توصل إلى نظرية «النسبية» التي تقول: «إنَّ المادة والقوة شيء واحد». وقد أثبتت التجارب صحة ما وصل إليه عندما أمكن اكتشاف الذرة وتحويل مادتها إلى قوة. وما دامت المادة والقوة شيئاً واحداً، وقد أمكن تحويل المادة إلى قوة كما ثبت بتحطيم الذرة، فلا شيء يمنع أنْ يثبت يوماً تحول القوة إلى مادة.. وهذا ليس ببعيد، وهو أقرب إلى الإيمان بإمكان خلق مادة العالم من العدم.
بعد هذا الاستطراد، نحن نؤمن إيماناً جازماً مطلقاً بأنَّ الله تعالى هو الخالق، وهو على كل شيء قدير. {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *} [يس: 82]. فلا نسألنَّ بعدها كيف خَلَقَ آدمَ من تراب، وكيف جعلَه على هذا التكوين والتقويم، وكيف أودع في ذريته - أو في الجنس البشري - النظم الدقيقة التي تربط بين أول خلق وتتابع هذا الخلق. والله تعالى يقول: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ *ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ *ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ *} [المؤمنون: 12-14].
ولكن، ومن باب المثال فقط، نقول إنَّ عُزيراً قد تساءل من قبل - عندما مرَّ على بيت المقدس راكباً حماره ومعه طعامه وشرابه وقد رآها مهدَّمة بعد خرابها على يد بختنصَّر - تساءل قائلاً: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} [البَقَرَة: 259] {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} [البَقَرَة: 259] وفي قصة عزير - وهي معروفة عند أهل الكتاب - عدة عظات، أبرزها:
- أنَّ الله تعالى هو الذي يحيي ويميت.. فقد أمات عزيراً مئة عام ثم أحياه على الخلقة نفسها التي كان عليها.
- أنه سبحانه قادر على إبقاء الأشياء وخواصها إلى أي مدى زمني يشاء، كما أبقى طعام عزير وشرابه على حالهما، لم يتغير طعمهما ولا لونهما بعد مئة عامٍ.
- إنه تعالى دلَّ على كيفية بعض أسرار خلقه للكائن الحي، إذْ أمَرَ عُزيراً بأنْ ينظر إلى حماره، فما وجَدَ منه شيئاً إلاَّ بعض عظامٍ بالية، ثم أَراهُ كيف أعادَ تركيب هيكل العظام، وكيف كساها لحماً، ثم أودع في أحشاء الحمار كل أعضائه ثم أنشأَهُ حياً كما كان قبل مئة عامٍ.
- إنَّهُ جلّ جلاله جعل عزيرا آيةً للناس على الموت والبعث..
وعلى المنهج نفسه يقرر القرآن الكريم، مرة أخرى، حقيقة خلق الإنسان، وما أودع الله تعالى فيه من بديع الخلق وجمال الخلقة ورفيع القيمة، بعد أن يبين أن أصله من ماء مهين، وذلك بقوله تعالى: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ *الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ *ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ *ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ *} [السَّجدَة: 6-9]. {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [السَّجدَة: 6] ذلك القادرُ على أن يفعَلَ ذلك كله هو الله تعالى، المطلع على الغائب والحاضر، الذي لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض وهو العزيز القوي القادر على الخلق، الرحيم فيما يريد وفي ما يدبر للخلائق.. {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السَّجدَة: 7].. من الذرة الصغيرة إلى أكبر الأجرام.. من الخلية البسيطة إلى أعقد الأجسام.. كلها يتجلى فيها حسن الخلقة والإتقان والإبداع..
ومن إحسانه تعالى أنه بدأ خلق هذا الإنسان من طين. ثم جعل نسله من ماء النطفة الذي هو المرحلة الأولى في تطور الجنين. ومن النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام، إلى كمال التكوين الجنيني، في هذه السلالة التي تبدأ بالماء المهين.. وفي هذا النظام الذي أودعه الله تعالى في أصلاب الرجال وترائب النساء وأرحامهنَّ، يبقى الخلق البشري هو ذاته: أصلُهُ من طين، وهي الخلية الحية الأولى التي نشأ منها الإنسان. ثم كان التكوين الكامل لأول إنسان، ومن جملة هذا التكوين أنَّ يخرج من صلبه «ماء» هو عبارة عن نطفة فيها ملايين الحيوانات الزاحفة، التي تصل إلى بويضة المرأة. وبعد التفاعل الذي يحصل في هذه البويضة يبدأ التكوين الجنيني، وتمتد تلك الرحلة المعقدة حتى يخرج المولودُ بعد الحمل على هذه الصورة الحسنة الجميلة، التي أحسن الله تعالى خلقها وأتقن صنعها. والإنسان غافل تماماً عما جرى أثناء تلك الرحلة من الماء المهين إلى المولود الحسن الجميل..
وبهذه المناسبة، لا بد من الإشارة ثانيةً إلى فساد نظرية النشوء والارتقاء التي تقول بأنَّ الأنواع تسلسلت من الخلية الواحدة إلى الإنسان في أطوار متوالية، وأن هنالك حلقات نشوء وارتقاء تجعل أصـل الإنسان المباشـر حيواناً فوق القردة العليا ودون الإنسـان. إن هذه النظرية خاطئة وقد سفَّهتها نظرية الوراثة - التي لم يكن «دارون» قد عرفها - وهي تقول بأن التطور في الخلق من نوع إلى نوع ضرب من المستحيل. فلا يمكن أن يتطور نوع القرد إلى إنسان، ولا يمكن أن يتطور نوع النبات إلى حيوان، لأن هناك عوامل وراثيَّة كامنة في خلية كل نوع تحتفظ له بخصائص نوعه، وتحتم أنْ يظل في دائرة النوع الذي نشأ منه، ولا يخرج أبداً عن نوعه ولا يتطور إلى نوع جديد. فالأسد أصله أسد وسيظل أسداً على توالي القرون. وكذلك الحصان والثور والقرد والإنسان.. وكل ما يمكن أن يقع - حسب نظريات الوراثة - هو الارتقاء في حدود النوع نفسه دون الانتقال إلى نوع آخر.. ونظرية الوراثة هذه، التي شهد بحقيقتها العلماء المتقدمون، والتي هي أساس البحوث اليوم، تبطل نظرية دارون التي أخذ بها أناس مخدوعون، وظلوا زمناً يزعمون أنها حقيقة علمية غير قابلة للنقض.
وهكذا يتبين صدق القرآن الذي لا يحيد عن صوابية خلق الإنسان، مهما تراءى من نظريات وأبحاث.. فهذا الإنسان أنشأه الله تعالى من طين الأرض، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، ليستوي بشراً فيه خصائص التناسل الذي يبدأ بتلك النقطة الصغيرة من الماء الضعيف (المني) ويحصل فيما بعد الانقسام في الخلية الواحدة والتكاثر، ثم التنويع في أصناف الخلايا المتعددة ذات الطبيعة المختلفة والوظيفة المختلفة، التي تتكاثر هي بدورها لتقوم كل مجموعة من تلك الخلايا بتكوين العضو الذي اختُصَّت بتكوينه، وللوظيفة التي اختُصَّ بها.. وكل عضوٍ يتكوَّن من خلايا معينة يحتوي بدوره على أجزاء ذات وظائف خاصة وطبيعة خاصة، تكونها خلايا أكثرُ تخصصاً في داخل العضو الواحد...
مَنْ ذا الذي أوجد تلك الخلايا والأعضاء، وأوجد خصائصها ووظائفها غيرُ الله تعالى؟ غيرُ تلك النفخة من روح الله تعالى التي جعلت من هذا الكائن العضوي إنساناً ذا سمع وذا بصر وذا إدراك إنساني مميز عن سائر الكائنات العضوية الحيوانية؟! أجل، إنَّهُ الله تعالى الخالق العظيم، الذي جعل من الماء المهين إنساناً كريماً.. وهو سبحانه هو الذي أودع في الخلية البشرية الصغيرة الضعيفة قدرةً عظيمةً على التكاثر والنماء، والتطور والتحول، والتجمع والتخصص. ثم أودعها كل تلك الخصائص والاستعدادات والوظائف العليا التي تجعل من الإنسان إنساناً.
ومع هذا الفضل من الله تعالى، ومع كل هذا الفيض الرباني، فإن الناس لا يشكرون خالقهم على فضله، والقليل القليل منهم من يشكر خالقه على نعمة خلقه، وكرم وجوده..
خلق الإنسان بقلب واحد
يقول الله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزَاب: 4].
إنه قولٌ كريم، يبيّن حقيقة واقعة.. ولكنَّ هذه الحقيقة على بداهتها وبساطتها إنما تدلُّ على أهم مقومات خلق الإنسان، وأهم مقومات حياته من الناحيتين الفيزيولوجية والنفسية..
أما من الناحية الفيزيولوجية، فمن المعروف أن القلب هو العضلة الصنوبرية التي تنظم الدورة الدموية في الجسم، وذلك بتوزيع الدم النقي على كل الأعضاء والأجهزة الموجودة فيه، بما في ذلك الشعيرات الدموية الرفيعة الدقيقة التي تغطي مساحة الجسم كله، ليعود الدم الذي يحمل الأوساخ والغازات السامة إلى القلب، فيقذفه إلى الرئتين، اللتين تتوليان تنقيته من جديد من خلال استنشاق الأوكسيجين.. فإذا كان للإنسان قلبان: واحد على الشمال وآخر على اليمين، فإنَّ حركتهما لن تكون واحدة، بينما يجب أن يقوما بوظيفة واحدة. فالاختلال في الحركة يؤدي إلى التضارب والتشابك والتضاد في الوظيفة نفسها، ما يفقد الجسم توازنه، ومنهجية عمل أعضائه وأجهزته. وبذلك يموت الإنسان، أو يعيش باضطراب دائم، فلا يقدر على شيء.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الناحية النفسية، حيث تتوزع الأفكار والمشاعر والأحاسيس والمفاهيم والتصورات بين القلبين، وما يترتب على ذلك من عدم استقرار في الحالات الشعورية والأعمال العقلية. إذ لا يمكن للإنسان أن يعيش بعاطفتين أو شعورين تجاه الشيء الواحد، ولا أن يكون له تصوران مختلفان في القضية الواحدة، بينما بالقلب الواحد لا يمكنه أن يتجه إلاَّ إلى أفق واحد، وأن يكون له ميزان واحد يزن به القيم، ويقوّم به الأحداث والأشياء، وأن يكون له تصور كلي واحد للحياة والوجود كله.. ومن ثَمَّ فهو بالقلب الواحد لا يعبد إلاَّ إلهاً واحداً، ولا يدين إلاَّ لرب واحد، ولا ينهج إلاَّ نهجاً واحداً.. فسبحان الله الذي قدَّر بحكمته الجليلة هذا الخلق السويَّ للإنسان، فجعل له قلباً واحداً حتى يستطيع أن يعيش حياة طبيعيةً، لا يحكمها من داخلها التضادُّ والتباين وعدم الاتزان.
الموتُ والحياة دليل على النشأة الأخرى
إنَّ النصوص القرآنية الكريمة التي تتحدث عن حقيقة الخلق كثيرة، ولكنَّ بعضها يتناول حقيقة أخرى محسوسة مثلها وهي الموت. هذا القَدَرُ الذي قدَّرَه الله تعالى، فخلقَ الموتَ والحياةَ ليبلو الناسَ أيّهم أحسن عملاً، لا يملك أحدٌ إلاَّ الله سبحانه وتعالى تقديره. فهو - جلَّت قدرته - كما أنشأ النشأة الأولى، قادرٌ بعد الموت والفناء، على إنشاء النشأة الثانية، ويبعث مَنْ في القبور، بكامل الهيئة التي كانوا عليها في الحياة الدنيا.. فسبحان الذي تعزَّزَ بالقدرة والبقاء، وقهر عبادَه بالموت والفناء، عندما يبين لنا ظاهراً من أسرار خلقنا، ويقدم لنا البراهين الحسية من واقع وجودنا.. يقول تبارك وتعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ *أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ *أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ *نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ *عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِأَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ *وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ *} [الواقِعَة: 57-62]؛ فهذه النصوص، بمنطوق البينة الواضحة والأسلوب البياني المعهودين في القرآن الكريم، تأخذ الإنسان الذي ينكر حقيقة وجود الله تعالى، وينكر تبعاً لذلك أنه سبحانه هو خالقُ النشأة الأولى، وقادرٌ على النشأة الثانية، لتضعَهُ أمام حقيقةٍ لا يمكنُهُ أن يكذّبَ بها، أو أن يقدم برهاناً يدحضها، وهي: حقيقة خلق الإنسان من هذا المني.. فيسألُ الله تعالى - وهو غنيٌّ عن السؤال - ولكن ليلقي الحجة على ذوي الألباب: أفرأيتم ما تمنونَ، وقت هذه اللذة الجنسية التي تستمتعون بها، من هذا الماء الذي يخرج من أصلاب الرجال ويختلط بالماء الذي يخرج من أتراب النساء.. أأنتم تخلقونه؟ أم نحن الخالقون له ليصير بشراً؟! فأنتم كما تعلمون، لا تخلقونه، بل وعاجزون كل العجز عن أن تخلقوه.. فاعلموا إذًا، أننا نحن الخالقون له، لأنَّ الخلق كله من إرادتنا، ويخضع كله لمشيئتنا {أَلَمْ نَخْلُقْكُّمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ *فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ *إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ *فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ *} [المُرسَلات: 20-23]. فهذه هي البراهين على إرادتنا ومشيئتا وقدرتنا في خلقكم.. من هذا الماء الضعيف الذي نخلق فيه القدرة عندما نجعله في الرحم، على التخلّق، لأن يصير جنيناً في بطن أمه إلى الوقت الذي نقدّره، فيخرج بشراً سويّاً. فنحن القادرون على ذلك، ونِعْمَ القادرون نحن، لأن خلقكم من حسن صنعنا وتصويرنا.. ولقد أثبت علم الأجنة هذه الحقائق القرآنية، بعد قرون عديدة من نزول القرآن، ليستدلّ الإنسان من العلم على قدرة الله تعالى في الخلق..
وإذا لم تكن البراهين العقلية والعلمية كافية، فهذا الموت الذي قدَّره الله تعالى بأقدارٍ متفاوتة من الآجال بينكم، بحيث يموت الصغير والشاب والشيخ والهرم، دونما قاعدة مسبقة لذلك، ودونما قدرة لأحدٍ على دفعه أو ردّه. ودونما سلطان لأحدٍ على الإفلات منه، أفلا يشكل هذا الموت دليلاً قاطعاً على أنَّ الذي يُميتُ في الأجل والوقت الذي يقدّره، هو الذي يخلقكم أيضاً في الأجل المقدر، والوقت المعلوم لهذا الخلق.. فإن كنتم تُصدِّقون، أو لا تُصدِّقون، فهذا أمر إلهي، وما الله بعاجز عن أن يميت الناس إن شاء، ويبدّلهم بأناس آخرين أمثالهم، لأنَّ من سننه تعالى في خلقه أنْ يبقى الجنس البشري على الأرض إلى يوم القيامة، وأن ينشئكم - بعد أن يميتكم - في العالم المغيّب عنكم، العالم المجهول، في النشأة الثانية يوم البعث، التي لا تعلمون عنها شيئاً.
ولئن كنتم قد علمتم النشأة الأولى بالولادة التي تشهدونها في كل حين.. ولئن كنتم قد علمتم كيفية هذه النشأة بما اهتدى إليه العلم، أفلا تهتدون فتعلمون أنَّ القادر على النشأة الأولى قادر على النشأة الأخرى!..
بهذه البساطة والسهولة يبيّن القرآن المجيد قصة الحياة والموت والبعث، بحيث تقف الفطرة البشرية أمام المنطق الذي لا تملك أن تجادل فيه، لأنه مأخوذ من بديهيتها، ومن مشاهدات الناس اليومية في حياتهم حيث يرون الحياة تتفتح مع كل مولود جديد، ويرون الموت يفني كلَّ كائن حي..
وبهذه الطريقة من العرض والإيضاح، يقدم القرآن الكريم الأدلة العقلية والشواهد الحسية على خلق الإنسان، وموته، وبعثه..
إنها طريقة الله العليم الحكيم، ومبدع الكون، وخالق الإنسان، ومنزل القرآن، علَّ الإنسان يتفكَّر ويتأمل ويستنتج، فيؤمن، ويتعبّد لخالقه وباعثه..
غفلة الإنسان عن علم الله تعالى بخَلْقه في السماوات والأرض
يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ *الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ *فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ *} [الانفِطار: 6-8] إنه خطاب الله تعالى لمخلوقه «الإنسان» الذي من شأنه أن يبلغ شغاف قلبه وينفذ إلى أعماقه، لمن كان عنده قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.. إنه خطابُ الربّ الكريم، الذي يقبل القليل ويعفو عن كثير يعاتب فيه هذا الإنسان، بعتاب الجليل القادر المقتدر، على تقصيره بحق ربِّهِ، الذي تكرم عليه بما خلقهُ عليه وسوّاه وعدله، في أحسن صورة، وأكمل تركيب.. إذ كيف لهذا الإنسان أنْ يغفل عن كل هذا العطاء، وعن كل هذه النعمة في خلقه، فيغرّه بربه تعالى الغرور، فلا يشكر له نعمةً، ولا يحمدُ له فضلاً، لا بل ويعصيه ويخالف أمره، حتى يصير ساهياً لاهياً سادراً عن كل شيءٍ حتى عن قيمة خلقِهِ، ومكرمة وجوده البشري.. إنه الخطاب الذي يستحقُّ الفعل والشعورَ للاستيقاظ من الغفلة، ولكنه يحمل في الوقت نفسه الوعيد الخفي لمن لا يهزُّ كيانَهُ خطاب سيده ومولاه، فلا يفيق من غفلته، ولا يعمل بما يليق بخلقه..
ولو أردنا الوقوف عن حسن تصوير الإنسان، وجمال تكوينه وخلقه السويّ المعتدل لوجدنا من عجائب الإبداع ما يذهل، لأنه يفوق كل تصوراتنا عن دقة الصنع وإحكام التدبير والتسيير، من الخلية الصغيرة في الإنسان إلى أكبر أعضائه.. ولقد أجادت مصنّفاتٌ كثيرة بوصف كمال التكوين الإنساني، عضوياً ونفسياً، وكان للعلوم الطبية دورها الأبرز في الكشف عن كيفية تركيب كل عضو، وكل وظيفة، وكل حركة تحصل في داخل الإنسان، وفي ما يبدر منه من قول أو فعل أو سلوك. ولعلَّ في بعض الأمثلة البسيطة عن جارحةٍ أو حاسّةٍ ما، يجعل العاقلَ يخشع لقدرة المصور العظيم، وحكمة الخلاَّق العليم في خلق هذا الإنسان وتكوينه..
اليـد
هي جارحة صغيرة نستعملها في كل شيء، لأنها أداة حركتنا الظاهرية في المأكل والملبس، والأخذ والعطاء، والإشارة والتوكيد.. إنها آلة بتركيب بسيط من سبع وعشرين عظمة، وتسع عشرة مجموعة من العضلات، ولكنها الآلة الدائبة التي لا تكف عن العمل والاستعمال والحمل، بحيث لا يمكن ابتكار أداة بمثل هذا التركيب البسيط ليد الإنسان، ويمكنها أن تضارعها في التكيّف للقيام بوظيفتها واستعمال أكثر الأدوات والأشياء التي يحتاجها الإنسان، لا بل وعلى التحكم في كيفية إدارتها وتسييرها.. ولعلَّ أبسط الأمثلة على عمل اليد أننا عندما نقرأ كتاباً فإنَّ الضغط بالأصابع هو الذي يجعلنا نقلّب صفحاته، وننقل عنه كتابةً ما نريد ونغلقه، ونضعه في المكتبة.. ثم أليست هذه اليد هي الأداة التنفيذية لنشاط العقل فيما خص استعمال أجهزة الحاسوب الإلكتروني (Computers) والإنترنت والآلات الحاسبة التي أصبحت جزءاً من حياة الإنسان اليومية؟ أوليست هي التي نكتب بها المعاهدات والمواثيق، ونقوم بكلّ المعاملات والارتباطات بواسطة التوقيع بأيدينا التي لا تتماثل بين إنسانٍ وآخر، وتشكل الهوية الحقيقية التي تميّز كل واحد عن مليارات الناس الموجودة اليوم، فضلاً عمَّا هلك من الناس منذ عهد آدم وحتى الساعة.. فأية أداة، وأية آلة، يمكن أن تحمل هذه البصمة العجيبة؟ ثم أليست هذه البصمة هي التي تثبت هوية المجرم، وتخلّص البريء؟!.. وصدق العلي العظيم بقوله الحق: {أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلََّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ *بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ *} [القِيَامَة: 3-4] بل قادرين على أنْ نعيد تركيب هذا الإنسان يوم القيامة على الهيئة نفسها التي كان عليها في الدنيا، حتى الأصابع نعيد عظامها كما كانت مع صغرها، لأن يدَيْه سوف تنطق وتخبر عما كان يقوم به من الأعمال فلا يقدر على إنكارها: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ *} [يس: 65]...
هذه أهمية اليد في الحياة الدنيا، وفي الآخرة، فسبحان الله الخلاَّق العليم..
الأذن
ولنأخذ من حاسة السمع هذه، الجزء الأوسط، أي الأذن الوسطى ما بين الأذن الخارجية والأذن الداخلية. فنجد فيها سلسلة من أربعة آلاف حنية - كل حِنْيةٍ على شكل قوس - وهي دقيقة ومعقدة بالشكل والحجم، وتتدرج بنظام بالغ الحاسية، يجعل من هذه الحنيّات وكأنها آلة موسيقية في عملها. أما وظيفتها فقد أعدَّتها الخلايا الجرثومية التي قامت بتكوينها لتكون جهاز التقاط ينقل إلى الدماغ أي صوت مهما كان قوياً أو خفيفاً، من صوت الرعد القاصف إلى حفيف الشجر، ومن هدير طائرة تخرق جدار الصوت إلى خرير المياه، ومن الصراخ إلى الهمس.. وتلعب الأذن دوراً هاماً في اعتدال الجسم والشعور بتوازنه، فإذا أصيبت بأي خلل من جراء التهابٍ، على سبيل المثال، أحسَّ الإنسان بثقل ووجع في الرأس، ووهن في جسمه، قد يفقده السيطرة على نفسه.
أما تأثيرها في الحياة فقد لا تقع مفاعيله تحت حصر؛ وهذه بعض الآيات مما أورد القرآنُ الكريم عن أهمية السمع.. يقول تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ *} [الحَجّ: 46]. فهذه حال مَن لا يتعظون من سماع أخبار الماضين، وما حلَّ بهم من الهلاك لعدم انصياعهم إلى الحق. وعندما يريد أبو الأنبياء إبراهيم (عليه السلام) أنْ يبين عقم عقيدة الشرك، فإنه ينفذ إلى ذلك من خلال السمع والبصر، فيلقي الحجة على أبيه بقوله تعالى: {إِذْ قَالَ لأَِبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا *} [مَريَم: 42]، ويشبّه الله - جَلَّتْ عظمته - الكفار بالموتى والصمّ والعمي، فيقول تعالى: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ *وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ *} [النَّمل: 80-81]، وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ *} [الأنعَام: 36]، والمعنى: إنما يستجيب لدعاء الإيمان الذين يسمعون دعواتِ الحقِ إليه سماع تفهّم وتدبّر واعتبار. والكفار في عدم السماع لنداء الإيمان والحق هم بمثابة الموتى الذين لا يعقلون ولا يسمعون ولا يبصرون.. إلى كثير من الآيات القرآنية التي تبين الآثار التي تترتَّبُ على السمع في الدنيا والآخرة.
العين
وهي حاسة البصر، تحتوي على مئة وثلاثين مليوناً من الخلايا التي تستقبل الضوء، وتشكل أطراف الأعصاب في العين. ونظراً لرقة شفافها وحساسيتها فقد جعل الخالق لها غطاءً هو الجفن، وكذلك الأهداب لحمايتها. فالجفن يعمل بصورة آلية وبحركة دائبة لا تنقطع دونما إرادة من الإنسان، فإذا تعرضت العين لأي خطر من الخارج، غبارٍ، أو ذرةٍ في الهواء، أو أي جسم آخر، أغلَقَ عليها حتى يمنعه من الدخول إليها؛ كما يكسر من حدة وهج الشمس بما تلقي الأهداب على العين من ظلال. وحركة الجفن المتواصلة هي التي تجعل العين تحفظ السائل الذي يحيط بها، وتمنع جفافها، وهذا السائل هو أقوى مطهّر للعين عندما ينزل منها، فنسميه الدموع..
وكما للأذن، فكذلك للعين آثار بعيدة في حياة الإنسان، ولعلَّ الخُلفةَ أعظم نعمة يمتنُّ بها الخالق علينا، ولذلك يُسمَّى الولد «قرة عين» لما يبعث في نفوسنا من طمأنينة وراحة ومشاعر حب وأمل، كما عبَّرت زوجة فرعون التي لم تلد، عندما التقطوا موسى وهو لا يزال طفلاً رضيعاً، وأراد زوجها قتله: {وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} [القَصَص: 9]. بل جعلَ الله تعالى الزوجةَ والولدَ «قرةَ عين» للإنسان بقوله المبين: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفُرقان: 74]. وقد أجملَ ربُّ العالمين نعيمَ الجنة بما تقرُّ به الأعين فيها بقوله تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *} [السَّجدَة: 17]. ومن اكتمال الخلق البشري أن يكون للناس أرجل يمشون بها، وأيدٍ يعملون بها، وأعينٌ يبصرون بها، وآذانٌ يسمعون بها. ولذلك يُنكرُ تعالى على من يتعبَّدون لأوثانٍ لا تملك شيئاً من ذلك، كيف لا يعقلون هذه الحقيقة في الموازنة بين خلقهم بهذا الكمال، وتلك الجمادات الباهتة التي يتخذونها شركاء لا تنفع ولا تضر بشيء. فيقول عزَّ وعلا: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنْظِرُونِ *} [الأعرَاف: 195]. وعن تمكين الناس في الأرض بما جُعلَ لهم من الحواس والعقل، يقول تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً} [الأحقاف: 26]، حتى إذا لم يُغنهم من تلك الملكات العظيمة من شيء ولم ينتفعوا بها، بل جحدوا بها فعموا وكذَّبُوا بالحجج البينة التي تدعوهم للإيمان، حاق بهم العذاب كما يبيّنه قوله تعالى: {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأحقاف: 26]. أي ونزل بهم العذابُ الذي كانوا يُتوعَّدونَه.. ويكفي للدلالة على عظيم ميزة السمع والبصر أنَّ الله - جلّت قدرتُهُ - يصف نفسه بأنه سميع بصير بقوله الحق المبين: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النِّسَاء: 58]، وأنه سبحانه وتعالى بصير بعباده، لقوله تعالى: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عِمرَان: 15]، وأنه عزَّ وجلَّ بصير بما يعملون، لقوله الكريم: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَِنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ *} [البَقَرَة: 110].
أرأيتَ إلى تلك اليد العاملة، والأذن الصاغية، والعين الجارحة، كم لها من تأثير على حياتنا الدنيا والآخرة؟ وإذا كان الحيوان الأعجم يشارك في هذه الأعضاء، بل وفي غيرهما كثير، مثل القلب والكبد والمعدة وجهاز التنفس وما إلى ذلك، فإنَّ خصائصنا النطقية والعقلية والنفسية، وخصائص صورنا وأجسامنا، فريدة عن خصائص وأجسام سائر الكائنات الحية الأخرى، وهي التي تعطينا سمة «الإنسانية»، فكان خليقاً بنا أن نستخدمها لما أعِدَّت له في الأصل، حتى نلتقي مع أُناسنا، ونرتقي في إنسانيتنا..
أما العنصرُ الذي يدبُّ الحياة فينا ويجعل لخلقنا قيمةً ومعنى، فهو الروح التي جعلها الخالق سراً مغلقاً على عقولنا، فلا ندري ما هي، وأين تكمن في أجسامنا، وكيف تحرّك كلَّ خلية من خلايانا. يقول ربُّنا تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً *} [الإسرَاء: 85]. وجلُّ ما نعرف عن الروح ما أخبرنا به القرآن الكريم من أنها نفحة من روح الله، لقوله تعالى: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السَّجدَة: 9]، أي إنَّ الخالق العظيم سوّى آدم من صلصال الأرض وترابها، وجعل هيئته على هذه الصورة التي نحن علينا، ونفخ فيه من روحه، فدبت فيه الحياة واستوى فيه كلُّ شيءٍ من خصائصه الإنسانية التي جعلته أحسن مخلوقات الأرض.. ما يعني أنَّ كلَّ خلقنا وإيجادنا وسمتنا الإنسانية هي هبة الله تعالى، خالقنا، فكان أعلم بنا وبخلقنا من أنفسنا، ومع ذلك فالإنسان غافل عن هذه الحقيقة..
ونسألُ هذا الغافل: لو أنَّ إنساناً مثلَهُ أعطاهُ عطيّةً أو وضعَهُ في منصب أو قدَّم له أية خدمةٍ، فماذا كان يفعل إلاَّ أن تكون ممتنّاً، شكوراً له؟ فما بالك أيها الغافلُ بربك الكريم الذي وهبك هذا الخلق وما يضم في أروقته الفيزيولوجية من الأعضاء والأجهزة والتراكيب، وما يحتوي في دهاليزه النفسية من الملكات والطاقات والسجايا؟ فما بالك تغفل عن ذلك كله، إلاَّ أنْ يكون الغرور والجهل قد أكلا رأسك، والجحود والتكبر قد أذهبا عقلك، وإلاَّ أنْ يكون الشيطانُ قد ضمَّكَ إلى قبيله، فصرت عبداً له بمطامعك وأهوائك، بدلاً من أن تكون عبداً لربك بعقلك وإيمانك!.. حذارِ أيها الإنسان أن تغتَرّ بربك الكريم الذي خلقَك فسوّاك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك، فتكون من الغافلين، وتكون من الذين وصفهم الله - جلَّ جلاله - بقوله المبين: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً *} [الفُرقان: 44]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِّنِ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ *} [الأعرَاف: 179].
أيحسب الإنسانُ أنْ يترك سدىً: فيعيث في الأرض فساداً.. يغزو، يقتل، يسلب، يظلم، يدمر، تحت شتى الذرائع أو حتى بلا ذرائع!.. أيحسب الإنسانُ أنْ يُترك سدى: فيكذب القرآنَ ويقولُ هو من تأليف محمد، ثم يقدم كتاباً يسميه «الفرقان» ويقول إنَّه أفضل من كتاب الله المجيد؟!..
قد ينطلي ذلك على الناس البسطاء، الذين لفَّهم الجهلُ والضلال، والغفلة..
ولكن الحقيقة التي يجب أنْ يوقن بها الإنسان أنَّ ربَّهُ الذي خلقه قد جعل عليه من الملائكة رقيباً يحصي عليه كل قول وكل فعل وكل أمر يصدره لغيره.. أين منه أية آلة تسجيل عرفها أو سيعرفها الإنسان لدقته وصدقه ودأبه!. والحقيقة الأهم التي يجب أنْ يؤمن بها الإنسان أنَّ ربَّه أقرب إليه من حبل الوريد، يرى عمل يديه، ومشيَ رجليه، ونظر عينيه، ويسمع قول لسانه، ويطّلع على خافية قلبه وعلى أنفاس صدره.. يقول الله تعالى: {وأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ *أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ *} [المُلك: 13-14].
هذه الحقيقة القرآنية يجب ألاَّ تغيب عن بال الإنسان، بل يجب أنْ يصدّقها. فقد كان المشركون يتآمرون على النبيِّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في مكة، في الزمن الذي كان يتنزل القرآن الكريم على قلبه الشريف، فيعقدون الاجتماعات السرية لذلك، وبغباء ما بعده غباء.. كانوا يتواصَوْن فيقول بعضهم لبعض: اكتموا شركم، واخفتوا أصواتكم فلا يسمعكم إله محمد، ولا يصل خبركم إلى محمد.. فأنزل الله تعالى قوله الكريم: {وأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ *} [المُلك: 13].. فافعلوا ما تفعلون، وقولوا ما تقولون سرّاً أو علانيةً، فلا تتوهموا أنَّ الله تعالى لا يعلم به، لأنه يعلم السرَّ الذي يودعه إنسان لإنسانٍ، بل ويعلم ما هو أخفى من السرّ، أي ما يحدِّث به الإنسانُ نفسَهُ، وما ينطوي عليه قلبُهُ من النيات، إنْ خفيت وإنْ ظهرت.. والعلّةُ واضحة فهو سبحانه الذي خلق الإنسان، وخلق له نفسَهُ وقلبَهُ، ألا يعلَمُ إذًا مَنْ خلق؟ وهو سبحانه اللطيف بعلمه، فلا يجازي العاصي والمسيء، والمنافق، والمتآمر والخبيث.. بل يلطف به، ويمهله حتى يستوفي أجله. وهو سبحانه الخبير بعباده، وبما يصلح لهم من عقابٍ فوري ينزله بهم من حيث لا يعلمون، أو بتأخير هذا العذاب إلى وقت معلوم مقضيٌ به بزمانه ومكانه، وفقاً لما قدَّر لهم العليمُ الحكيم..
وليس بدْعاً أنْ يطَّلعَ الخالقُ العظيمُ على ما كان المشركون يتآمرون في السرّ للقضاء على دعوة النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ووأدها في المهد، فيحذّرهم سبحانه وتعالى ألاَّ يتمادوا في غيّهم وضلالهم.. وربما يحلو للبعض أنْ ينكرَ ذلك بسبب كفره، وجهله بحقيقة الخالق العظيم. ولكنْ لو اطّلع على القرآن الكريم، فسوف يجد أنَّ الآيات كانت ترافق الأحداث، حَدَثاً بحدَث، لتقرَّر الواقع الذي يعايشه المسلمون، ولتعطي الأحكام التي تشكل مناهجَ للناس على مدى الحياة. وإن عجب هذا الكافرُ من تحذير القادر المقتدر للمشركين في مكة، فالقرآنُ يزيده عُجباً، وهو يبيّن من الآيات الكريمة التي ترقب ليس الأحداث العامة وحسب، بل والحدَث الفردي في آن معاً.. مثالُهُ قصة خولة بنت ثعلبة - في المدينة المنورة - التي ظنّت أنَّها حُرّمت على زوجها أوس بن الصامت عندما قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، وفقاً لحكم الجاهلية، الذي كان يعتبر الظهار طلاقاً يوجب الفرقة بين الزوجين. فجاءت إلى النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) تشتكي حالها، وماذا تفعل؟! وما كادت تنهي جدالها مع النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) حتى أنزل الله تعالى قرآناً بقوله الحكيم: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ *} [المجَادلة: 1].
هذان حدثان مختلفان في الزمان والمكان والتوجّه (تآمر المشركين، وقصة خولة بنت ثعلبة). ولكنهما من الأدلة الحسية والبراهين الثبوتية التي تؤكد الحقيقة القرآنية، وهي أن الله تعالى عليم بخلقه البشري جملةً وتفصيلاً، يعلم سرّ كل فردٍ وعلانيته وهو عليم بذات الصدور.. ولذلك نجد أنه سبحانه وتعالى قد بيّن في (سورة المُلْك) الحقيقة التي تخاطب الناس، كل الناس، والتي يجب أن تبقى ماثلة في الأذهان بقوله تعالى: {وأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ *} [المُلك: 13]، ثم بيّن في (سورة يس) رعايته لرسوله محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) لإيناس قلبه من عنت ما يلاقيه، فيخاطبُهُ بقوله العزيز:{إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [يس: 76].. إنها الحقيقة ذاتها، وهي {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ *} [الحِجر: 86]، فهو سبحانه الخلاّق لكل شيء، وهو سبحانه العليم بكل شيءٍ.. بل وربُّنا - جلَّ جلاله - أعلم منّا بما في نفوسنا، وبما نضمُر من الخير أو الشر، ومن الإيمان أو الكفر، ومن الهدى أو الضلال {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} [الإسرَاء: 25] فكيف بما نقول ونفعل ونصنع، والذي يؤكده قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العَنكبوت: 45]...
ولتَخْشَعْ يا بن آدمَ، ولتخشَ الله ربك وأنتَ تسمعُ ما يخبرك به القرآنُ عن عبادة المخلوقات غيرك في السماوات والأرض من الملائكة والطير، وتسبيحها لله سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ *} [النُّور: 41]؛ {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ *} [المُلك: 14].. واستمع أيضاً أيها الإنسان إلى ما يقرره القرآن من هذه الحقيقة عن علم الله جلَّ وعلا: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا *} [الطّلاَق: 12]، {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فُصّلَت: 54] علماً ومشيئةً وقدرةً، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، بقوله الحق: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ *هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *} [آل عِمرَان: 5-6]. أجل، عجيب أمر هذا الإنسان (والقرآن يقرر هذه الحقائق عن علم الله تعالى ومشيئته وقدرته)، ثم يجادل في آيات الله بغير علم ولا كتابٍ!... فقد جاء العاص بن وائل إلى النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وقد أخذ بيده عظماً، ففتَّهُ وقال للنبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «أَتَرَى يُحيي اللَّهُ هذَا بعدَما بَلِيَ وَرمَّ» ؟ فقال له (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : «نعم، ويُدْخِلُكَ النارَ»[*] .. ويبيّن القرآن المجيد ذلك الحدث، فيقول الله تبارك وتعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ *وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ *قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ *} [يس: 77-79].. ولذلك نجد القرآن الكريم يحاول دائماً أنْ يشدَّ انتباه الإنسان إلى حقيقة خلقِهِ من نطفةٍ صغيرة، من الماء المهين الضعيف الذي لا حول فيه ولا طول له، لولا قدرة الله تعالى التي أودعت في هذا المنيّ من الخلايا الجرثومية التي تقوم بتخليقه طوراً فطوراً في بطن أمه، ليخرج من ثم طفلاً، ثم يصيّرُهُ خالقه بشراً سويّاً. والآيات التي تخاطب عقل الإنسان وتعرّفه وتذكّره بخلقه من ضعف، وبفضل الله تعالى عليه بما جَعَلَ فيه من قوةٍ بعد ضعف.. نعم، إنَّ مثل هذه الآيات كثيرة في كتاب الله المبين، وقد وردت في عدة سورٍ، كما رأينا في بحث مراحل النمو لدى الإنسان، وكما نرى في هذه الآيات بقوله تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقْكُّمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ *فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ *إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ *فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ *وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ *} [المُرسَلات: 20-24]؛ فالقرآن يجهد بأن ينتشل الإنسانَ من ضلاله، ويحميه من سوء مغبَّةِ إنكاره لأنعم الله تعالى عليه، وذلك بما يبيّن له من حقائق عن خلقِهِ، أصبحت من بديهيات العلمِ اليومَ؛ حتى إذا لم يهتدِ الإنسانُ ويقرَّ ويصدّقْ بآيات الله، فالمسؤولية تقع على عاتقه، لأنَّ الله - جلَّت عظمته - قد توعَّد المكذبين بآيات الله والضالين عن الحق، بالويل الذي هو العذاب المهين. ولذلك يأتي التعقيب بعد تذكير الإنسان بخلقه من ضعف، وبأنّ الله تعالى بمشيئته وقدرته، ونعم القادر هو، قد جعل من بعد ضعفه قوة، حتى يخوض غمار الحياة وهو على بصيرةٍ من أمره.. أجل، يأتي التعقيب بقوله الحق: {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ *} [الطُّور: 11].. أولئك الذين ينكرون حقيقة وجود الله عزَّ وعلا، وحقيقة أنه خالقهم وعليم بأحوالهم، وأنه سبحانه يبعثهم يومَ القيامة للحساب والجزاء، والذين يكذبون بآيات الله في ما أنزل تعالى من كتاب على رسله.. كل أولئك من المكذبين، فويلٌ يومئذٍ، يوم يأتي الحساب، للمكذبين من عقاب الله الشديد.
ولا بدَّ أخيراً من الإشارة إلى أنَّ القرآن الكريم عندما يُعنى بتقرير تلك الحقائق عن علم الله تعالى بكل خلقه، وبخلق الإنسان فيما يفعل ويُسرُّ أو يعلن، فإنّما لكي يعي تلك الحقائق أولئك الذين يعملون بالسر - قبل غيرهم - من تدبير المؤامرات ووضع الخطط ورسم الأهداف وتسخير أجهزة المخابرات، وغير ذلك مما يحيكون ويكيدون.. كي يعي هؤلاء، أنَّ أمورهم السريّة وإن خفيت على الناس، فإنها لا تخفى على إله الناس، ولا يغيب منها شيء عن رب العالمين!.
ثم إنَّ استقرار تلك الحقائق التي يُعنى القرآن الكريم بتقريرها في قلب المؤمن، توفّر له إدراكاً صحيحاً للأمور، فوق ما تودع في قلبه من يقظة وتقوى وإيمان، تناط بها الأمانة التي يحملها المؤمن في هذه الأرض: أمانة العقيدة، وأمانة العدالة، وأمانة الصدق، وأمانة التجرّد لله تعالى في القول والعمل والنيّة. وهذا لا يتحقق إلاَّ حين يستيقن المؤمن بأن قلبه - وما يكمن فيه من السرّ والنيّة - بيد الله تعالى، لأنه هو الذي خلقه، وهو اللطيف به، الخبير بأقواله وأعماله..
تناسق خلق الإنسان مع بناء الكون
يقول الله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ *} [القَمَر: 49].
كُلُّ شيء في الكون: الكواكب والنجوم والأفلاك والمجرات، وكل ما تتكون منه من العناصر، وما ينبعث منها من الأشعة والأضواء، وما تحمل في جوفها أو يوجد على سطحها من كائن صغير أو كبير، ساكن أو متحرك، معلوم - للإنسان - أو مجهول.. إنما خلقَهُ الله تعالى بالقدر الذي يتناسب مع ماهيته والوظيفة التي أُعدَّ لها، ليكون كل شيء قائماً على الدقة والإحكام، وعلى التناسق والانتظام، فلا يتحول أي شيء عن السنن الكونية التي أوجدها الخالق لتسيير هذا الكون.
وعلى سبيل المثال فقد أمكن العلماء في العصر الحديث تحديد أبعاد النجوم التي جرى اكتشافها، وأحجامها، وكتلها، وجاذبية بعضها لبعض، لا بل ولقد أمكنهم وهم يوغلون في أبعاد الكون، من تحديد مواقع لنجوم لم يروها، لأن المناظير (tإlإscopes) التي يستعملونها لا تستطيع بعدُ التقاطها. أما تحديد مواقعها فقد بني على قانون التناسق، واحتساب الأبعاد وفقاً للنسب التي قدَّروها، والتي يعتقدون أنها نسب ثابتة، لا يطرأ عليها خلل أو اضطراب.. فهل ما قدَّر الإنسان في تلك النسب إلاَّ مما خلَقَ الله تعالى بقدر؟!.
وهذه الأرض، وهي جزء من هذا الكون المترامي، الذي تعبر أشعةٌ منه ملايين السنين الضوئية لتصل إلينا، هي في منظومة هذا التناسق في أرجاء الكون، إنْ بين مختلف أرجائها، وإنْ في حركتها وارتباطها بالنظام الشمسي، وإنْ في مختلف الكائنات الموجودة على سطحها.. فترى فيها الجبال والوديان، والتلال والسهول، والصحارى والغابات، والبحار والأنهار واليابسة وحركة المدّ والجزر، مثلما يغمرها نور الشمس وضوء القمر، ويتعاقب عليها الليل والنهار، ويغطيها الظلام والنور.. وكل ذلك بقَدَرٍ: حسابهُ، وحركتهُ، والنظُم التي تحكمه، التي أوجدها الخالقُ العظيم.. فإذا كان هذا القَدَر المقدور، فلا نعجب من نظام آخر في توازن الأحياء على أرضنا، كما في هذه الجوارح من الطير (كالنسر والعقاب والصقر) التي جُعلتْ قليلة العدد، لأنها قليلة البيض والتفريخ، فضلاً عن أنها طويلة الأعمار ولا تعيش إلا في مواطن عالية عادة، وهي قليلة العدد، فلو كانت هذه الجوارح، التي تتغذى على صغار الطيور والعصافير كثيرة التفريخ، وتعيش في كل ناحية من الأرض، لقضت بأعمارها الطويلة على الطائر الصغير، وبذلك تكون قد قضت على مصدر رئيسي من مصادر طعامها وطعام الإنسان، وذهبت بالدور والوظيفة اللذين عهدهما الخالق إلى كل جنس ونوع من الطيور الصغيرة. ومثال آخر هذه الذبابة الصغيرة الضعيفة الواهية، فإنها تبيض ملايين البويضات، لكنها لا تعيش لأكثر من أسبوعين. فلو كانت أعمارها لبضعة أشهر، أو لأقل بضع من السنين، لكانت بتفريخها تلك الكميات الكبيرة من بيوضها غطت الأرض، فلا ترى إلاَّ ذباباً يملأ البيوت والشوارع والأشجار والمزروعات، ولغدت حياة أجناسٍ كثيرةٍ من الأحياء، وأولها الإنسان، مستحيلة على هذه الأرض. وكذلك الجرادة، التي يمكن أن تهاجر إلى مواطن بعيدة، فلو كانت تعيش في كل مكانٍ في الأرض، لاختلَّت معيشة الإنسان.. ولكنَّ تدبير العزيز الحكيم، بالقَدَر الذي قدَّره لتلك المخلوقات في أرضنا، بين تكاثرها وقصر عمرها (الذباب)، وبين قلة عددها وطول عمرها (الجوارح من الطير) وبين طاقتها على الالتهام وحصرها في أماكن محدودة (الجراد) أرانا النسور والذباب والجراد، وهذا الذي نأنس به من كثرة أنواع الأشجار والمزروعات، لذا كانت هذه الاستمرارية لحياة الإنسان على هذه الأرض..
إنه تقدير في الخلق، وتقدير في المكان، وتقدير في الزمان، فهل عرف الإنسان قدرة الخالق العظيم الذي خَلَقَ كلَّ شيءٍ بقَدَر؟! وهذا الإنسان نفسه، هو جرم في الأرض، وجرم في الكون، فكان هذا التناسق في خلقه، ليكون منسجماً مع وجوده في الكون.. وقد أدرك الشاعر هذا المعنى، فقال للإنسان:
أتحسبُ أنَّك جرمٌ صغيرٌ
وفيك انْطَوَى العالمُ الأكبر
أما تناسقُهُ في خلقه، فبما جعله الله تعالى في أحسن تصوير، وبما أودع فيه من أرقى الخصائص، وبما وهبه من الطاقة الحيوية والمزايا البشرية والإنسانية، كما دلَّ عليه الخالق الباري المصوِّر بقوله المبين: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ *} [الانفِطار: 7].. وما تلك الطاقة الحيوية والمزايا البشرية والإنسانية (العقل والمشاعر)، إلاَّ لتنتظم حركة الإنسان في العمل والكدح، مع حركة أجرام الكون التي تسير كلٌّ لغاياتها {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ *لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ *} [يس: 38-40]. أوَحَسبتَ أيها الإنسان أنّك خُلقت عبثاً، أو أنك أتيت إلى هذه الدنيا في نزهة للراحة والترفيه؟! أبداً.. لقد خُلقت لتكابدَ العناءَ والشقاء.. لتعمل وتجهد وتكدّ من أجل نفسك، ومن أجل الناس حولك، ومن أجل عمارة الأرض، فتلاقي ربك تعالى بنفس راضية مرضية، أو بحمل أثقالك وأثقال مع أثقالك.. فحياتك منظومة من العمل، للتوافق مع منظومة حركة أمك الأرض، ومع منظومة جرميّتك في الكون.. وهذا ما يقرره القرآن الكريم بقول رب العالمين: {يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ *} [الانشقاق: 6]، وقوله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ *وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ *وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ *لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ *} [البَلَد: 1-4]؛ إنه قسَمُ الله تعالى العظيم، وهو سبحانه لا يقسم بشيء إلاَّ أن يكون عظيماً، والعدول عن القسم تعظيم أكبر للشيء لأنه يكون عظيماً في قيمته ومقداره، عظيماً في أصله ومآله، وعظيماً في مدلولاته وأبعاده.. فعندما يقول عزَّ وعلا: {لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ *} [البَلَد: 1]، فالبلد هو مكة الحرام، وفيها بيتُ الله، المسجد الحرام. وفي مكة ولد محمد بن عبد الله، وظل حلاً (مقيماً) فيها حتى هجرته إلى المدينة المنورة، ثم إنَّ إبراهيم (عليه السلام) هو الذي حرَّم مكة من قبل، فكل ذلك تبيانٌ لجلال القسم، الذي يزيد مكة وبيتها حرمةً وشرفاً وتعظيماً، ويزيد إبراهيم وإسماعيل (عليها السلام) اللذين أقاما قواعدَ البيت العتيق، شرفاً وكرامةً وتعظيماً، ليأتي من ثمَّ للقسم الجليل مدلوله العظيم.. فهو في الأصل خطاب للنبي الأكرم محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «لا أقسم بهذا البلد، وأنت حلٌّ بهذا البلد» ، وقد تلقاهُ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وهو حلٌّ بمكة، بلده الذي ولد فيه وعاش فيه قبل بعثه وبعده، على مدى ثلاثة وخمسين عاماً، ولو لم يخرجْهُ أهلُها بالتآمر على قتله، لما هاجَرَ إلى المدينة المنورة، ولكان ظلّْ ينشر من مكة الإسلام أعظم الرسالات السماوية، وأكملها عقيدةً وشُرعةً ومنهاجاً، وأتمّها نعمةً أنعمها الله تعالى وارتضاها ديناً للناس جميعاً في الأرض. فكان للقسم كل تلك المدلولات العظيمة، التي تجعل لمحمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) شرفاً وكرامة ومزيداً من الرفعة..
أما لماذا هذا القسم، وبكل المعاني والقيم والمدلولات التي يحملها لكي يكون سابقاً على قسم ثانٍ لا يقل عنه شأناً وقيمةً، لأنه يتناول الوجود البشري على هذه الأرض، في أدق وأخطر طور من أطوار هذا الوجود، وهو التوالد، الذي لولاه لما كان لحياة البشر أن تستمر على هذه الأرض.. فالوالد (الآباء والأمهات) وما ولد (من الأولاد بنين وبناتٍ)، هو الأصل في حفظ النوع البشري واستمراره..
والقسم الأول على جلاله وعظمه، والقسم الثاني على شأنه وقيمته للتوكيد على دور الإنسان في العمل والإعمار والإنتاج، وإقامة العلاقات في شتى الميادين والمجالات في الحياة الإنسانية.. وهو دور جليل يتطلب بذل الجهود، وتحمل المكابدة والمشقة، ومواجهة كل صعوبة أو أزمة، ومعالجة كل مشكلة، وإيجاد الحل لكل مسألة.. فهو دور محكم ومترابط في منطلقاته وآفاقه، فكان لا بدَّ أن يخلق الله تعالى الإنسان في «كبدٍ» حتى يقوم بالمهمات الجسيمة التي فرضها عليه خلقهُ ووجوده، لكي يكابد مشاق الحياة، لأنَّ معنى «الكَبَدْ» - لغةً - المشقة والشدّة؛ فالإنسان مجبول على المشقة والكدّ والمعاناة في حمله وولادته، «حملته أمُّهُ كرهاً ووضعته كرهاً»، وفي زمن رضاعه وإلى فطامه خلال حولين كاملين، إلى أن يبدأ رحلة العمر، وإلى حين أجل موته، فيستمر في الجهاد والكد والكفاح. ومن هنا يمكن القول بأنه ما من مخلوقٍ يمكن أن يكابد ويشقى مثل ابن آدم، مع أنه أضعف مخلوقات الأرض!.
وتختلف طرق «الكبد» باختلاف عقول الناس ومفاهيمهم والاتجاهات والأهداف التي يعملون لها.. إلى أن تستقر نتائج ذلك كله على عاتق الإنسان، يوم يلاقي ربَّه سبحانه وتعالى، بحيث يؤدي به «كَبَدُهُ» في الدنيا إما إلى الجنة، وإما إلى النار في الآخرة.. وهنالك لا يكون إلاّ خلودُ نعيمٍ للسعداء، أو الكَبَد الأكبر للأشقياء!.. وعلى الإنسان أن يختار وهو لا يزال هنا في هذه الحياة الدنيا..



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB