علم النَّفس (الجزء الاول)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




الإرادة

يقال في اللغة: رادَ، يَرود: إذا سعى في طلب شيء. والرائد: طالب الكلأ، وهو الأصل، ثم صار لكل طالب حاجة، حتى قيل أخيراً: رائد الفضاء.
والإرادة في النفس البشرية عبارة عن قوة مركبة من شهوة وحاجة وأمل يحكمها جميعها العقل؛ فهي تُعَرَّفُ إذًا بنزوع النفس إلى الشيء مع الحكم فيه عن طريق العقل بأنه ينبغي أن يُفعل أو لا يُفْعَل.
الفعل الإرادي أو إرادة الفعل
والفعل الإرادي يكون عقلياً وذاتياً.
يكون عقلياً عندما يريد الإنسان شيئاً ويفعله مستخدماً في ذلك جميع الإمكانات والوسائل التي تمكّنه من فِعله؛ وكذلك الأمر عندما يريد هدفاً معيناً فهو يستعمل كامل قدراته وطاقاته لبلوغه. والإنسان عندما يستخدم عقله للقيام بفعله الإرادي فإنه لا يعي فقط ما يفعل، بل ويشعر أيضاً بما يفعل.
والفعل الإرادي يكون ذاتياً من خلال البواعث والدوافع التي تبرز في سجايا المرء وخصاله، بحيث تكون له شخصيته المتميزة عن سائر الشخصيات. ولذلك يختلف الفعل الإرادي بين إنسان وآخر، وهو يحصل بحدود طاقة الفاعل، الذي يتحمل صاحبُه وحده أفعاله..
والرَّوِيّةُ إحدى مراحل الفعل الإرادي، وهي تقوم على التأمل والتفكير في الأمر قبل الإقدام عليه، وذلك بالموازنة بين الأسباب الداعية إلى الأمر والأسباب الرادعة عنه، فإذا أسفرت هذه الموازنة عن اتخاذ قرار تمت شروط الفعل الإرادي، وإذا لم تسفر عن اتخاذ قرارٍ، وقع الإنسان في الحيرة والتردد.
والفعل الإرادي لا يتبع النزعات الانفعالية التي تسيطر على الإنسان، كالاندفاع والتهوّر وتلبية مطالب الغرائز الملحّة.. فقد يرغب الإنسان القيام بعمل معين، ولكنَّ الرغبة التي تدفعه قد تتعارض مع إرادته، لأنَّ اتباع الرغبة شيء، والخضوع للإرادة شيء آخر.. ويظهر عمل الإرادة هنا في الرَّوية المقابلة للاندفاع، وعلى هذا فإنَّ العمل لا يصبح إرادياً إلا إذا تعارضت الرغبات أو تقابلت النزعات، أو تصادمت الشهوات وبدأ الصراع فيما بينها، بحيث يتجمَّع هذا الصراع حول الرغبة في جملة من الصور والأفكار والعواطف، ولا ينتهي إلاَّ بتغليب بعضها على غيرها التي هي أضعف منها. ففي هذه الحالة يكون الفعل إرادياً. هذا مع الإشارة إلى أنَّ كل ما يحدث في نفس الإنسان يبقى متأثراً - من قريب أو بعيد - بما يسبقه في هذه النفس من انطباعات، وبما كان قد تكوّن لديه من مفاهيم، واكتسب من خبرةٍ..
والفعل الإرادي لا ينطوي على تصورٍ مسبق وحسب، بل يجب أنْ ترافقه عوامل أخرى كنزوع النفس إلى الفعل، والحكم عليه بأنه ينبغي أنْ يُفعل أو لا يُفعل، ومن ثَمَّ التقرير بتنفيذ هذا الحكم. والمثال على ذلك أن يتخذ الإنسان أحد موقفين أمام عزمه على الخروج في نزهة، أو متابعة العمل الذي بين يديه، أي:
- إما الخروج بعد أن يحكم بأنَّ لديه متسعاً من الوقت لإنجاز عمله، وأنه يمكنه أن يستفيد من أجواء الطبيعة الهادئة، ومن قضاء فترة من الراحة تؤهله ليكون أكثر استعداداً ونشاطاً للقيام بهذا العمل.
- وإما الامتناع عن الخروج، بعد تفكيره بجميع البواعث والدوافع التي تحبب إليه النزهة، ثم الاقتناع، أو تغليب التفكير الذي يقرر فيه عدم الخروج، لأنَّ إنجاز عمله فيه فائدةٌ أكثر من النزهة، وهذا ما يجعل إرادة الفعل متميزة عن نية الفعل.
نية الفعل:
قد يكون أحدنا منكباً على عمل من الأعمال الصعبة، أو منشغلاً بإتمام أمر من الأمور الشائكة، وقد يشعر بالتعب، ويجد في نفسه حاجة لأن يترك كل شيء لفترة تتيح له الترويح عن النفس، وتبعث فيه النشاط من جديد. فإذا أغرته هذه الفكرة ودفعته للاسترخاء فعلاً، فإن النية لديه في طلب الراحة تكون هي التي تغلبت على ما عداها من نيات أخرى. وفي هذه الحالة ينشأ في ذهنه تصور عن الاسترخاء يكون متقدماً على فعل الاسترخاء ويسمى بنية الفعل. فالنية إذًا هي «فاعلية القصد، وتشتمل عادة على الرغبة والحاجة والأمل».
مقومات الإرادة
لأجل أن تكون الإرادة قوية وفاعلة، لا بدَّ أن تتوافر لذلك عدة مقومات من مثل: ثقة الإنسان بنفسه ومعرفة نفسه، والإيمان بصدقية الطاقات الشعورية التي تكمن فيها، وتصوره المثل العليا وما إلى ذلك مما يقوّي إرادته في اتخاذ المواقف.. والمقومات النفسية تتداخل فيما بينها، بحيث لا يمكن عزل بعضها عن بعض أو التفريط بواحدة منها على حساب باقي المقومات..
والثقة بالنفس أول ما تبدأ بمعرفة الإنسان نفسَهُ، لأنَّ هذه المعرفة هي التي يبني عليها قراراته وكيفية عيشه، فكانت ضرورية له، ولذلك قيل: «ماذا ينفع الإنسانَ لو ربح العالمَ وخسر نفسه»؛ وكذلك الإيمان بصدقية طاقاته فإنه يعزّز ثقته بنفسه، ويدفعه إلى مقاومة مشاعر النقص، وتصورات الضلال.
ومن تكنْ ثقته بنفسه قوية، يشعرْ بأنَّه يمتلك الإمكانية الكافية للقيام بالعمل الذي يقدر عليه؛ ولكن قد يخفق الإنسان - أحياناً كثيرة - وهو يعمل، وهذا ليس عيباً طالما أنه بذل كل استطاعته من الجدّ والإخلاص، وإعطاء العمل حقه.. إلاَّ أنه يجب ألاَّ يدع الشعور بالإخفاق يستولي عليه، ويوهن قواه، ويدفعه لئلا يعمل، لا بل على العكس من ذلك، فإذا كان هذا الإنسان يملك إرادةً قويةً، وسعة أفقٍ في تفكيره، عليه أن يجعل كلَّ فشلٍ، يُمنى به، حافزاً جديداً، وتجربة تعطيه درساً إضافياً للإفادة مما حصل معه، كي يستمرَّ، ويثابر على الاستمرار، محاولاً تحدي الصعوبات، وتذليل العقبات التي قد تعترضه.. وليس مهماً، بعد ذلك، إن أخفق أو نجح في إنجاز عمله كما يتوخَّى، بل المهمّ أن يشعر بأنه بذل كل ما لديه من جهد، وقام بكل ما يمكنه من محاولة، وهذا كافٍ بذاته لتعزيز ثقته بنفسه.. والأمثلة على ذلك في الحياة كثيرة: فالمريض الذي يتحمل شدة الألم، ويصبر على قوة الجراح، وقناعته بصحة المعالجات من شأنه أن تشفيه من المرض، وكذلك الرجل الشريف فإنَّه لا يعبأ بما يتقوَّل عليه الآخرون للنيل من شرفه لأنَّه يعرف نفسه؛ وكثيرون من المحسنين الذين يحدبون على الفقراء والمساكين والمحتاجين دون أن يحفلوا بما يحسدهم عليه الناس، لأن غايتهم تكون رضوان الله تعالى؛ ومن الأمثلة أيضاً ما يصادف كثيرون في ميادين العمل من مواقف جائرة - إنْ لم تكن مخزية - وأقلها أنْ ينالَ الكسالى، والمعدمون من المعرفة والخبرة، الحظوة عند رؤسائهم، دون أن يؤثر ذلك على نشاط وإنتاج الجديّين والمخلصين في الشركة، أو المصنع أو الإدارة، الذين يتحملون جورَ الرؤساء - وأحياناً بلاهتهم - لأنَّ عزمهم على النجاح جعلَ إرادتهم أقوى على تخطّي كل المعوقات في وجه ذلك النجاح.. وقس على ذلك الشواهد الأخرى التي تدل على الصبر، والاحتمال، والشعور بعدم الخذلان لدى كل من تكون ثقته بنفسه قوية.. وعلى خلافه فإنَّ كل من يكون ضعيف الإرادة غالباً ما يوهنه الضغط الذي يلاقيه في عمله، بل وقد يتقاعس ضعيف الإرادة عن القيام بأي عمل لأنه يتصور - سلفاً - الفشل، وعدم الإمكانية لتحقيق أي شيء، ولذلك نراه مشدوداً إلى الخمول، والتواكل على الغير، يلوذ بالشخص القوي كأنما يحتمي فيه من ضعف نفسه، ويرتمي في أحضان الوحدة هرباً من مواجهة أعباء الحياة..
هذا عن قوة الإرادة أو ضعفها.. ولكن ما يجب الانتباه إليه، هو أنَّ الثقة بالنفس شيء، والجنوح إلى المبالغة شيء آخر؛ فلا يعتقدنَّ أحدٌ أنَّهُ قادرٌ على النجاح في أي عملٍ يريد خوضَ غمارهِ، أو أنَّ كل تصوراته وطموحاته قابلة للتحقيق بسبب مهارته وحذلقته، أو غلوّ مشاعره في التفوق.. ولذلك كان من الأفضل - كثيراً - ألاَّ يورّط الإنسانُ نفسه في أعمالٍ أو مشاريع تفوق طاقاته، بل يطرق المجالات التي تتوافق ومواهبه، وتكون منسجمة مع ميوله وقواه الفكرية والشعورية؛ ومن ثم الإيمان بقدرته على النجاح، لأنَّ في نفس كل إنسان ميولاً طبيعية كثيراً ما تساعده على اتخاذ القرارات والتدابير التي من شأنها أن توفر فرص النجاح..
ومن الثابت أنَّ الذين يقتحمون ميادين العمل الصعبة يملكون عادةً ثقة بالنفس أكبر، وإرادةً أصلب، وعزماً أقوى على التصميم والمثابرة..
ومثل قوة الإرادة والثقة بالنفس، هناك المثل العليا، ذلك أنَّ الحياة لا تقتصر على الأمور المادية، بل تحكمها أيضاً المعاني المجردة كالأهداف النبيلة، والقيم السامية، والإيمان الديني، والغايات الإصلاحية وغيرها مما يجذب كثيراً من الناس، من هنا كان على صاحب الإرادة القوية أنْ يجعل له مثالاً في الحياة يتوافق مع مفاهيمه وأهدافه..
والمثال الأعلى في التصوّر الإسلامي، يقوم على قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} [النّحل: 60]. وهذه قاعدة إسلامية هي أم التصوّر والتفكير والشعور، فلله تعالى الأسماء الحسنى، أي الصفات العليا في الكمال، لأنَّه وحده - عزَّ وعلا - تفرَّد بالألوهية المطلقة، والربوبية المطلقة، مثلما تعزَّز بالقدرة والبقاء، فلا إله إلاَّ الله، وهو ربُّ العالمين، ما يشاءُ يكون، وما لم يشأ لم يكن، لأنَّ مشيئته المطلقة، إذا أراد أن يقول للشيء: كن، فيكون.. ومن مشيئة الله تعالى تنبثق سائر القوى والموازين، وشتى الأهداف والتصورات، وكل المثل العليا في الوجود الإنساني. لذلك كان على الإنسان أن يستمد - قبل كل شيء - مثالَهُ الأعلى من كمال ربه - جلَّ وعلا -، ثم ينطلق في تصور سائر المثل الأخرى التي يريدها..
والمُثُلُ العليا كثيرة ومتنوعة: كالإيمان الصادق، ونشدان الحق، والتخلُّق بالخلق الحسن، وطلب العلم، والسعي وراء الكسب الحلال، وطلب المكانة الاجتماعية المرموقة إلخ.. وتختلف هذه المثل باختلاف الأفراد، وقد تتبدل في حياتهم بتبدل ظروفهم المادية والنفسية ، وطرق العيش في المجتمع الذي يكونون فيه.. ومع ذلك فإنَّ هنالك بعض السمات الخاصة التي تحكم المثل العليا، فقد يكون المثل الأعلى للعالم هو الكشف عن الحقيقة العلمية التي يسعى وراءها، وللقائد الفوز في المعركة، وللأم الفاضلة تربية أولادٍ صالحين، وللسياسي خدمة الشعب ورفع شأن الوطن، وللتاجر أو الصانع إنشاء امبراطورية في تجارته أو صناعته، وهكذا مما يتصوّر كل إنسان ويسعى إليه.. ويكون للمثل الأعلى عادةً سلطان قوي على النفس وعلى السلوك؛ فطالب العلم الذي يعتبرُ نجاحهُ في الحياة متوقفاً على بلوغه مستوىً معيناً من التحصيل العلمي نراه يهجر كل ما من شأنه أن يضيِّع وقته، أو يدفعَه إلى الدعة واللهو، لينصرفَ إلى الكتب والمذكرات والأبحاث وإلى المثابرة على الدرس الدؤوب الذي ينيله هذه المرتبة التي يسعى إليها..
والهدف كلما كان أسمى وأرفعَ كانت متطلباته أشدَّ وألزمَ، ولذلك تعتبر الأهداف من المقوّمات الأساسية في تحديد الشخصية، فلا يهدف إلى المثل العليا والغايات السامية إلا الرجال العظام. ومن فضل الله تعالى علينا أنه منح الإنسانَ طبيعةً تزوده بقوى وطاقات واستعدادات غالباً ما تفوق حاجاته ومطامحه، وتمده بما يساعده على تلبية هذه الحاجات والمطامح... ولكن إذا أهمل الإنسانُ قواه الذاتية، وجافى الطبيعة التي منحه إياها خالقه، فإن غاياته تصبح رخيصة، ومفاهيمه عن الأمور تغدو ملتوية، وتصوراته للأشياء تصير خاطئة، لأن الطبيعة البشرية ذاتها تشحّ عند ذلك بعطائها له، وتبخل بقواها عليه.
وهكذا نرى أنَّ الإرادة تستلزم الإيمان بقدرة النفس، وتصور المثال الأعلى القابل للتحقيق. فإذا فُقِد أحد هذين الشرطين اضطربت نفسية الإنسان ودبَّ الضعف والانحلال بإرادته.
ويتفاوت الناس في قوة الإرادة كما يتفاوتون في قوة التفكير. ولذلك يعتبر «علماء النفس» أن هنالك أنواعاً عديدة من الإرادات، كالإرادة القوية، والإرادة المتوسطة، والإرادة الضعيفة.. إلاَّ أنَّ قوة الإرادة شيء، وصحة الإرادة شيء آخر.. فالإرادة الصحيحة تعمل على تنظيم الأفكار والعواطف، وعلى تمكين السيطرة على الأهواء، والرغبات، وكل الميول غير الطبيعية أو الميول المنحرفة. والناس البارزون غالباً ما يكونون أكثرَ سيطرة على أهوائهم وعواطفهم، فهم يريدون، ولكنْ ما يفعلون، ويفعلون ما يريدون ضمن ضوابط الاعتدال والجدّية والثبات والإخلاص للفطرة..
وعادةً ما تقوى الإرادة، ويشتدّ فعلها بالأفكار الصائبة والمفاهيم القوية والنزعات العالية، ولا سيما النزعة الإنسانية، التي تنطلق من الإيمان بالله تعالى، تتجاوز حدودَ الفوارق الطبقية، واختلاف الأديان والمذاهب، واختلاف الأعراق والأجناس، وترنو إلى الإنسان أينما كان.. ومثالُ الإرادة في قوتها، كمثال الجسم في صحته عندما تكون أعضاؤه سليمة، وتؤدي وظائفها بشكل كامل. ولا تتوافر القوة للإرادة إلاَّ بتوافر المقومات الصحيحة، كما أشرنا إليها، وبالعمل الذي يتصف بالانتظام، والانسجام، والاعتدال..
أمراض الإرادة
وكما تكون إرادة الإنسان قويةً وصحيحةً، فهي أيضاً عرضة للأعراض والأمراض التي تؤدي إلى ضعفها، وانحلال قوة الترابط بين خلاياها ومقوّماتها؛ ولذلك يقال: الإرادة الضعيفة مقابل الإرادة القوية.
ضعف الإرادة :وقد ينشأ عن عدة مسببات، ويظهر بأحوال مختلفة، كما هي الحال عند الذين يغطي الركود على حياتهم، ويفقدهم فاعلية الحس والشعور بالحيوية والحركة. ويعبِّر عن ذلك الفيلسوف الفرنسي «جان جاك روسو» بقوله: «انظرْ إليَّ وأنا هادئ تجدني مثالاً للتواني والكسل، فكل شيء يخيفني، وكل أمر يرعبني. إني أخاف من طنين الذباب، وأذعر من أقل كلمة، أو أبسط إشارة، ويستولي عليَّ الخوف والحياء، حتى أتمنى أنْ أحتجب عن الناس فلا أدري ماذا عليَّ أنْ أفعل، وما ينبغي أنْ أقول، وإذا نظر الناس إليَّ تشوشت نفسي».
وقد ينشأ ضعف الإرادة أيضاً عن التهور أو شدة الاندفاع أو الإفراط في الإحساس. وهذه الأعراض نراها عند سريعي الغضب، وذوي الرغبات الحادة الذين لا يقدرون على مقاومتها، فتدفعهم إلى التهور واللهاث وراءها.
والارتباك في المواقف أو أمام حوادث معينة، وعدم الاتزان في التفكير لدى الطائشين، والإفراط في التفكير الذي يؤدي إلى الحيرة والتردد فلا يتخذ الإنسان قراراً بشأنِ أمرٍ يهمه.. هذه الحالات وما يماثلها إنّما تنمُّ عن ضعف الإرادة. ولا تقل الفوضى وعدم الانتظام في التفكير والتصرف شأناً في إضعاف الإرادة، ولذلك نرى الأشخاص الفوضويين يتهربون، إجمالاً، من تحمل المسؤولية، فلا يأبهون لأداء أعمالهم، بل يقومون بها كيفما اتفق؛ كما لا يهتمون بقوانين وأنظمة السلوك وفقاً للأعراف والتقاليد، أو لا يلتزمون بأداء الواجبات بصورة تلقائية، بحيث تبدو تصرفاتهم عشوائية بلا ركيزة أو انتظام أو قاعدة مستقرة. ومن أبرز الأمثلة أيضاً على ضعاف الإرادة هؤلاء المقلدون لغيرهم في كل أمر، يرون الآخرين يفعلون كذا فيحاولون أن يقلدوهم بنفس الطريقة والأسلوب حتى لكأنهم آلات تتلقى وتتحرك وتنفذ بلا أدنى ذاتية. وقد يتحكم هذا التقليد في نفوسهم فلا يعودون قادرين على تغيير تصرفاتهم أو على اتباع سلوك جديد، بل يظلّون دائماً عرضة للانقياد الأعمى.
ومن عوارض ضعف الإرادة كذلك تشتت الأفكار، وتنازع المشاعر، وشدة الأهواء، وكثرة الوساوس التي تجعل الإنسان ضائعاً لا يثبت على اتجاه، مما يفقده القدرة على الفعل والتفاعل.
ويعزو «علماء النفس» أمراض الإرادة إلى عوامل عديدة، ولكنَّ أبرزَها - كما يتبين من الحالات التي جرت دراستها - ثلاثةُ عوامل هي: فقدان الاندفاع، قوة الاندفاع، التشويش الذهني أو النفسي.
فقدان الاندفاع : في كل إنسان قوة دافعة للحركة غالباً ما تتأتى عن النزعات والميول، فانعدام هذه القوة يؤدي حتماً إلى فقدان الإرادة أو ضعفها لدرجة الانحلال. وتظهر هذه الحالة بأعراض عديدة مثل عدم الرغبة في العمل، والشعور بالعجز عن القيام بأي شيء، فتركد النزعات وتتبلّد المشاعر، حتى لتسيطر على المرء حالة من التراخي أو الكسل الحاد. ومن عوارض هذه الحالة الفيزيولوجية إبطاء الدورة الدموية، وهبوط حرارة الجسم... والعجيب في الأمر أنَّ المصاب بفقدان مشاعر الاندفاع يصبح ذا خيال واسع، يتوهم في نفسه قدرة عجيبة على إتيان المعجزات، وذلك نتيجة لسيطرة الأحلام التي يتخيّلها عليه، وسرحانه في الوهم الذي يزين له قدرته على القيام بما يريد وتحقيق ما يصبو إليه، بحيث يبقى كل ما تصوره مجرد خيال بخيال..
- قوة الاندفاع : وهي تتأتى عن عدم الروية في التفكير، والتبصر بالعواقب والنتائج، إذ تهيج في نفس المرء انفعالات معينة فيندفع إلى أداء عمله بطيش وقلة احتراز وعدم إدراك. وهذا ما يدفع ببعض الناس إلى ارتكاب الجرائم بما فيها الإقدام على القتل أو الانتحار. ففي هذه الحالة تسيطر الأحاسيس والانفعالات على العقل فيضعف، وتضعف معه الإرادة التي تصبح نهباً للانفعال الهيجاني بحيث يفقد العقل أيّة سيطرة عليها.
التشويش النفسي : ويمكن تسميته بفوضى الإدراك أو فقدان التوازن في الشعور. ومتى اضطربت النفس وتشتتت بين سلب وإيجاب تأثرت الإرادة بذلك وتلاشت قوتها، فلا تستقر على حالة واحدة بل تنتقل سريعاً من حالة إلى أخرى مناقضة، دون أنْ يطرأ عامل جديد يؤدي إلى هذا التغير أو الانتقال. ومثاله الانتقال من الحزن إلى السرور، ومن البكاء إلى الضحك.. وكل ذلك من غير أنْ يدري المصاب لماذا يتصرف على هذا النحو، وليس لديه أدنى شعور بكبح جماح نفسه أو مقاومة تلك الدوافع المتعارضة التي تتلاعب به. ومن عوارض هذه الحالة أيضاً مرض الجَوَلان في النوم[*] ، حيث يقوم المريض من فراشه ويرتدي ثيابه ويخرج من منزله دون وعي بتاتاً لما يفعل، لأنه في الحقيقة في حالة نوم ينعدم معه الشعور بالعالم الخارجي والإحساس بالواقع.
مما تقدم يمكن القول بأنَّ ضعف الإرادة غالباً ما ينجم عن فقدان التوازن الذهني، ويؤدي إلى الإحباط النفسي الذي يظهر بعدم التفاعل مع الواقع، فلا يعود معه الإنسان قادراً على مخالطة الآخرين أو العمل معهم بشكل طبيعي، فيعيش حياة داخلية محضة، منطوياً على نفسه، محباً للوحدة، زاهداً في الحياة.
تربية الإرادة
إنَّ قيمة الإنسان تبرز، أكثر ما تبرز، في التصدّي لمتطلبات الحياة التي يعيشها، ومواجهة أعبائها. ذلك أنَّ حياة الإنسان مليئة بالمتناقضات، فلا يمرّ أحدٌ بحالة سارة مثلاً، إلا وتواجهه حالات غير سارَّة؛ أما الوضع فيصبح أدقَّ وأصعبَ إذا ما أصيب الإنسان بعاهة من العاهات، أو إذا خُلِقَ والعاهة معه، مثل العمى أو الصمم أو البكم، فهل عليه في مثل هذه الحالات أنْ يستسلم ويعتبر نفسه دون الآخرين؟ هنا يتدخل دور العقل، ودور الإرادة معه؛ فالإنسان الذي لديه عاهة يجب ألاَّ يشعر بالنقص الذي يفقدُه قيمة وجوده. وهنالك مشاهير عظام في الحياة أعطوا أروع المُثُل بانتصارهم على العاهات.
وفي مواجهة أعباء الحياة نجد أنَّ كل عمل يستدعي منا الإرادة، فنحن نعيّن أولاً الهدف، وبعدها نوطّن النفس ونشحذ القوى، ثم نضع الخطة أو نرسم الطريق الذي نعتقد أنه أكثر ملاءمة لبلوغ هدفنا، وبعد الأخذ بكافة الأسباب نباشر العمل بعزمٍ وتصميم، ما يعني أننا لا نقدر على شيء من ذلك إنْ لم تكن لدينا قوة الإرادة..
من هنا كانت أهمية تربية الإرادة وتقويتها، حتى تكون لنا خير معين على اجتياز مصاعب الحياة وإدراك أهدافنا ونيل مطالبنا.
والإرادة القوية لا تولد مع الإنسان، كما لا يولد الإنسان ضعيف الإرادة. بل يكتسب قوة الإرادة أو ضعفها من خلال التمرين والممارسة مع بذل الجهد اللازم لذلك. ولا يعتقدنَّ أحد بأنَّ مثل هذا التمرين يقتصر على سنٍّ معينة، أو على وقت معين، بل يمكن للإنسان أنْ ينمِّي إرادته ويقويها منذ نعومة أظفاره وحتى آخر لحظة في حياته.
ولعل من أبرز عوامل تربية الإرادة وتقويتها العلم والمعرفة، واقتباس العادات الحسنة، والابتعاد عن العادات السيئة. ذلك أنَّ الإرادة ملازمة للعقل الذي ينبثق منه التفكير والذكاء والانتباه. وهذا ما أثبته العلماء عندما اعتبروا أن الطيش والذهول وتشتت الأفكار هي من معوقات تقوية الإرادة، لأن الإرادة لا تكون قوية إلا إذا كان تصور الهدف واضحاً في الذهن. ولنأخذ مثالاً على ذلك الخطيب اليوناني ديموستينوس، إذ كان في صغره ألثغ، لا يحسن النطق الصحيح، فوضع نصب عينيه هدفاً، وهو أنْ يصلح نطقه، فصار يذهب إلى شاطىء البحر، ويقف في مواجهة الأمواج وهو يقرأ بصوت عال، ويصرخ، ويتكلم كأنما أمامَهُ جمهور يخاطبه. وبذلك استطاع مع الوقت أن يمرّن عضلات فمه، وأن يقوّي أوتاره الصوتية، حتى أصلح نطقه، بل صار خطيباً لامعاً.. وكل ذلك كان بالفعل الإرادي الذي يحمل العزم والثبات.
وينصح العلماء في تربية الإرادة التقيد بالقواعد الصحية على أكمل وجه: في تناول الغذاء مثلاً بانتظام، وقضاء الوقت الكافي في النوم، وممارسة الألعاب الرياضية، وتقوية الأحاسيس بالمناظر الطبيعية، والرحلات الاستجمامية، ولأنَّ القيام بذلك من شأنه أنْ يقوي الجسم ويجعله سليماً معافىً، حتى لا تتأثر النفس بأمراض الجسد، فتنعكس هذه الأمراض على الحالات النفسية.
ويستتبع ذلك أنْ يكون الإنسان مواطناً اجتماعياً صالحاً محبّاً للقيم، متعاملاً مع الآخرين على أساس الاحترام المتبادل، واللياقات الاجتماعية والعلاقات الطيبة.
كما يستتبع ذلك تحمل المسؤولية الشخصية، والقيام بالأعمال بجدٍّ ونشاط، والابتعاد عن الكسل، وعدم هدر الوقت بلا طائل، والاعتدال في كل شيء.
على أنَّ كلَّ الجهود التي قد يبذلها الإنسان لتقوية الإرادة، وتهذيب الأحاسيس، وتنمية المشاعر، تبقى جميعها دون جدوى ما لم يؤمن - الإنسان - إيماناً مطلقاً بأنَّ مَنْ وَهَبَهُ الحياةَ ابتداءً، هو وحَدَه القادر على أنْ يمنحَهُ قوَّةَ الإرادة، وصفاء النفس. ومن لا يؤمن بهذه الحقيقة المطلقة فكل أعماله هباء، وكل طموحاته إلى ضياع، لأنها لا تقوم على الأساس المتين، ولا تستقي من المصدر الأعلى الذي هو الله تعالى، خالقنا، ومنشئنا، وباعث الحركة فينا، ومدبرنا في حياتنا وبعد مماتنا.
وقد وردت في القرآن الكريم معانٍ متعددة للفعل الإرادي. ومن قبيل ذلك ما جاء التعبير به في قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البَقَرَة: 185]. أي إن الله تعالى يأمركم باليسر في عباداتكم ومعاملاتكم ولا يأمركم بالعسر. وهذه قاعدة كبرى في تكاليف العقيدة الإسلامية كلها. فهذا النص ورد في الآية الكريمة التي ترخِّصُ للمريض والمسافر الإفطار في أيام الصوم. وهو نصٌّ يتناول السهولة واليسر في كل أمور الحياة، بحيث تؤدَّى كل التكاليف والفرائض، ويقوم كل نشاط الحياة الجادة على هذا الأساس: أساس اليسر لا العسر. وذلك مع شعور المؤمن الدائم برحمة الله تعالى، وأنَّه يريد لعباده اليسر لا العسر في جميع تكالفيهم للدنيا والآخرة، وجاء عن السيدة عائشة أُمِّ المؤمنين أنها قالت: «ما خُيِّرَ رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في أمرين قَطُّ إلاَّ أخذ أيسرهما»[*] ..
وقد يرد تعبير الإرادة، ويُقصدُ به حكم الله تعالى. ومن ذلك قوله عزَّ وجلَّ: {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} [الأحزَاب: 17]. وما يريده الله تعالى يدخل في باب القصد مثل قوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا} [القَصَص: 83]. أي إنَّ الله سبحانه وتعالى يجعل الجنة في الدار الآخرة للذين لا يقصدون العلو في الأرض ولا يطلبون الفساد. وبمعنى آخر: إن تلك الدار الآخرة العالية المقام، البعيدة الآفاق، إنما يجعلها الله تعالى لمن يستحقونها، وهم عباده المؤمنون الذين لا يريدون استعلاء في الأرض، ولا يستحوذ عليهم الاستكبار، أو يغترُّون بالمظاهر التي تثير في قلوبهم الاعتزازَ بذواتهم، أو الافتخار بأعمالهم.. ويجعل الله تعالى الدار الآخرة أيضاً للذين لا يريدون في الأرض فساداً، فينزعون من نفوسهم، ومن حولهم، كلَّ شيء من متاعها الضارّ، وكلَّ عرض مهين من أعراضِها، أي كلَّ ما يخرّبُ الأرضَ ويفسدها، باعتبار أنَّ الفساد هو من عمل الإنسان، ولا يمكن أن يظهر فسادٌ في ناحيةٍ من نواحي البرِّ أو البحر إلاَّ ووراءه عمل المفسدين، لقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الرُّوم: 41].
ومن الإرادة تأتي المراودة وهي أن تنازع غيرك في الإرادة فتريد غير ما يريد أو ترود غير ما يرود، مثلما فعلت امرأة العزيز كما يدلُّ قول عليه الله تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ} [يُوسُف: 30]. أي إنَّ امرأة عزيز مصر أرادتْ غير ما أرادَ يوسفُ (عليه السلام) عندما كان يعيش في بيتها.. ومثله قول الله تعالى: {سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ} [يُوسُف: 61]. فقد عادَ إخوةُ يوسف (عليه السلام) من مصر، وفي عزمهم أنْ يراوِدوا أباهم في إرادته، وينازعوه أخيهم بنيامين ليأخذوه معهم إلى مصر، أي بمعنى آخر سوف يجهدون كي يغيروا إرادة أبيهم، ويجعلوه يوافق على ما يريدونه هم، لا على ما يريده هو في حال رفض مراودتَهم.
وفي معنى الإرادة المطلقة يقول الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فَاطِر: 10]، أي من كان يريدُ نجاحاً في الحياة يعتزُّ به على الآخرين، كما يحقق له عزةً في نفسه، فلا يعزو ذلك إلى قدرته ونجاحه، لأنَّ العزَّةَ كلها لله تعالى، فهذه حقيقة مطلقة وثابتة لا يمكن الجدال فيها. ومتى استقرت هذه الحقيقة في نفوس الناس فهي كفيلة بأنْ تبدِّلَ كلَّ المعايير لديهم، وكلَّ مخططاتهم ووسائلهم، فإن آمن الإنسان بهذه الحقيقة، ورام بعدها عزةً معينة لنفسه، فليطلبها من مصدرها الحق، من الله تعالى، فله وحدهُ العزَّةُ جميعاً. ولو طلبها من عند غير الله العزيز فلن يجدها أبداً، ولن يتمكّن منها بنفسه، ولن يمكّنه أحدٌ منها، ولن يدركها بأي سبب من الأسباب إلاَّ أن يشاءَ الله تعالى له إدراكها.
ولئن كانت قريش وقت ظهور الدعوة الإسلامية تبتغي العزة لنفسها ولعباداتها القديمة، وتقاليدها وعاداتها التي أَلفتها، ولاذت بأسبابها الذاتية لتبقي عقيدتها الوثنية قائمة، فإنَّ ذلك كله لم ينفعها لأنها أرادت محاربة الحق الذي يمنح وحدَهُ عزَّة الإيمان، وعزَّةَ النفس.. وقد حاولت قريش أنْ تستجدي القوة بالتحالف مع كل قبائل العرب الأخرى، ومع اليهود، فباءت بالفشل لأنها لم تطلب القوة من منشئ القوى جميعاً، ولم تطلب العزّةَ من ذي العزّة والجلال.. ومثل قريش لا تملك أية جماعة، ولا أية دولة في العالم أي سبب للقوة أو العزة إلا أن يشاء الله تعالى. وإن كانت لجماعة من الجماعات أو لدولة من الدول قوة، فمصدرها ولا شك هو الله تعالى القوي العزيز... أما ما يراه الناس من القوة التي تتمتع بها الدول الكبرى اليوم، ولاسيما الولايات المتحدة الأميركية، وما تقوم به من فرض الأفكار والمبادئ التي تريدها على غيرها، فهذا كله بفعل الحكام في الدول الأخرى - ومن وراءهم - الذين يسيطرون على مقاليد السلطة واتخاذ القرار وقد تَحسب الولايات المتحدة الأميركية - وحكام الدول الذين يستمدّون قوتهم من دعمها لهم - أنَّها بزعامتها للعالم، باتت عزيزةً منيعةً، قادرةً قاهرة، إلاَّ أنَّها نسيت أنَّ قوتها من الله تعالى، وأنَّه سبحانَهُ يمدُّ طلاَّب الدنيا بما يريدون، بل وقد يملي، ويزيد في الإملاء لهم، فوق ما يريدون، ولكن هل تفكَّر الحكام في تلك الدولة أنَّ ما آتاهم الله - تعالى - ليس خيراً لأنفسهم، كما يؤكّده قولُ العزيز الحكيم: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ *} [آل عِمرَان: 178] وقوله تعالى {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ *وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ *} [الأعرَاف: 182-183]. وقوله جلّ وعلا: {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً *} [الإنسَان: 28]. هذه هي الحقيقة ولا شيء غيرها، ذلك أنَّ الله تعالى هو الذي خلق الناس جميعاً، وهو الذي منحهم القوة في الأجساد والنفوس، وهو الذي مكّنهم من العلوم والنفوذ والثروات وكل أسباب ووسائل القوة التي يتمتعون بها أفراداً وجماعات ودولاً، ولو شاء سبحانه لأهلكهم واستبدلهم بأناس غيرهم، فهل يدرك هذه الحقيقة أولئك الذين يخططون، ويعبثون ويعيثون فساداً في الأرض؟! إنها حقيقة يضعُها القرآن بين أيديهم، وهي حقيقة تكفي لتعديل سلوك الناس ومناهجهم، وتعديل وسائلهم وأسبابهم عندما يريدون عزة أو قوة.. ويكفي أنْ تستقر حقيقةُ أنَّ: «لا إله إلا الله، وأنَّ العزة لله جميعاً» في أي نفس حتى تقف بها أمام الدنيا كلها عزيزة، قوية، كريمة، عارفة طريقها إلى العزة، متحلية بإرادة طيبة فولاذية، لا يلويها ولا يحيدها عن طريقها شيء. وإذا ما استقرت هذه الحقيقة في نفس أي إنسان فلن يحني رأسه لمخلوق متجبر، ولا لطاغية متكبِّر، ولا لدولة عاتية ولا لقوة من قوى الأرض جميعاً!.. وعلامَ ذلك والعزة لله جميعاً؟




Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB