علم النَّفس (الجزء الاول)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




هوى النّفس (الأهواء)

يقال في اللغة. هَوِيَهُ يَهواهُ هَوىً: أحبَّهُ واشتهاه.
والهوى مصدر هَوِيَ، ويُعبَّر به عن ميل النفس، أو عن العشق الذي يكون في الخير والشر. والهَوى يكون محموداً أو مذموماً، غير أنه غلب على المذموم، نقول: «فلان اتّبع هواه» إذا أردنا ذمَّهُ. ونقول: «فلان من أهل الأهواء» أي ممَّن زاغ عن المنهج القويم. ويسمى أهل الأهواء بأهل البدع. ونقول: «هذا الشيء أهوى إليَّ من كذا» أي أحبُّ إليَّ.
والهُوَّة: الجو بين السماء والأرض أو الوهدة الغامضة من الأرض. والهُوَى والهُوِيّ جمع الهُوَّة. ومنه الحديث: «إذا غَرَسْتُمْ فاجْتَنِبُوا هُوِيَّ الأرضِ».
والهَوَاء: هو الجو - لامتلائه به -، أو الشيء الخالي، أو الغاز الذي نستنشقه. أو الجبان لخلوّ قلبه من الجرأة. وهوى في الأرض: ذهب فيها. وهوى الشيء هَوِيّاً وهُوِيّاً: سقط من علو إلى أسفل.
من مختلف هذه المرادفات والمعاني يمكن الاستنتاج أنَّ هوى النفس هو ما يتلاعب بها، ليحيدها عن جادة الصواب ويقذف بها إلى أسفل. وفي أبحاث «علم النفس» أنَّ هوى النفس هو ميلها الشديد إلى الشهوة، أو ميلها كل الميل إلى ما تحب وتشتهي. ولذلك كان العشقُ هوىً، لأنهُ ميلٌ قوي يستولي على النفس ويجعل اهتمامها منصبّاً على المعشوق. وهذا الهوى أو العشق كثيراً ما ترافقه الغيرة حتى ليطغى على سلطان العقل.
ومثل العشق الميل القوي إلى السلطة أو الميسر أو المال أو الخمرة... فهذه الميول تصبح أهواء في النفس إذا اشتدت واستولت عليها، وصارت شغلها الشاغل، بحيث إنَّ كلَّ ميلٍ شديدٍ من شأنه أن يُسَخِّر النفس، ويقهر الإرادة فيها، ويرغمها على الاتجاه إلى شيء معين - فكري أو مادي، شعوري أو محسوس - يصبح هوىً في النفس. وعلى ذلك فإنَّ حب المرأة، أو البخل، أو الطمع، أو حب الفن أو الشعر، تصبح من الأهواء إذا طغت على النفس، وسيطرت على تصرفات المرء.
الهيجان والفرق بينه وبين الهوى
الهيجان: هو التحريك والإثارة، أو هو الشعور بالاضطرابات العضوية الباطنة أو الظاهرة التي تصحب التصور. ويتميز الهوى، عن الانفعالات النفسية الأخرى، بقوته التي تقربّه إلى حد الهيجان حيناً أو الجنون حيناً آخر. من أجل ذلك يصعب التفريق، في بحث الانفعالات، بين الهوى والهيجان، بوضوح، لأنَّ الهيجان يُعتبر المصدر الذي ينبثق منه الهوى، وهما غير مختلفين، ولا يوجد بينهما فرق كبير من حيث الطبيعة والدرجة، إذ كما تكون هنالك هيجانات هادئة، فإن هنالك أيضاً أهواء ساكنة، وكما توجد كذلك الهيجانات القوية، توجد مثلها الأهواء الشديدة.. وعلى الرغم من الصعوبة في التفريق بين الهيجان والهوى من ناحية الطبيعة والدرجة، فقد جرى التمييز بينهما من الناحية الزمنية، ولذلك يقال - بوجهٍ عام - إنَّ الهوى هو حالةٌ دائمةٌ ومزمنة، بينما الهيجان حالة مؤقتة وسريعة. إلاَّ أنَّ الهيجان عندما يبقى في النفس ولا يزول بعد حدوثه، وفي حال تكراره من غير أنْ ينقطع، وثبوته على حالة معينة أو درجة معينة، فإن هذه الحالة التي تتكون من جراء الهيجان الثابت والمتكرر تشكل الهوى. ولذا قال أحد الباحثين «الهوى إذًا هيجان دائم».
ولكنَّ العلماء انتقدوا هذه النظرية، وقالوا إنها واهية من الأساس، لأنها تعرف الهوى بنتائجه لا بماهيته. فذهب بعضهم إلى القول: ولو أمعنا النظر في حقيقة الهوى لظهر لنا أنه يختلف عن الهيجان كل الاختلاف، وانبثاقهما من مصدر واحد لا يدل على وحدتهما، إذ من المعروف أن جميع الانفعالات تصدر عن النفس، التي هي مكمن الميول والأهواء والرغبات وكل الانفعالات النفسية الأخرى، فيكون تعريف الهوى بالميل الشديد أقرب إلى الواقع، وعليه أدلَّ، ويكون الفرق بين الهيجان والهوى ليس في الشدة والمدة فقط، وإنما في الماهية، فحيث يوجد كثير من الهيجان لا يوجد في الغالب إلا قليل من الهوى، فالأمم مثلاً التي يغلب عليها الاضطراب والهيجان قلما تشعر بالأهواء العميقة الثابتة. وكثيراً ما تكون الأمزجة الهادئة أكثر تعرضاً للأهواء العميقة من الأمزجة المضطربة. ولذلك شبه أحدهم الهيجان بسيل طغى فهدَّمَ سدَّهُ، وشبه الهوى بالماء الذي يحفر مجراه فيتعمق فيه قليلاً قليلاً.
من ذلك كله يتبين أنَّ الفرق بين الهيجان والهوى كبير جداً. ومثاله الواضح نفسية الطفل الذي يكون على العموم كثير التهيج قليل الهوى.
وسرعة التهيج تدل على تبدد الحساسية وتبعثرها، فلا نضطرب لأقل شيء إلا لعدم وجود مركز تتجمع حياتنا حوله، ولا ننفعل بسهولة إلا لفقدان التنظيم والوحدة في نزعاتنا النفسية. والذي يبعث على تجمع النزعات حول مركز واحد هو الهوى، فإذا استولى هذا الهوى على النفس فإنه يسخر ميولها كلها، ويوجهها إلى هدف واحد. من هنا كان القول بأنَّ الهوى أقرب إلى الميل منه إلى الهيجان، وكان تعريف الهوى بأنه ميل النفس الشديد إلى ما تحب وتشتهي.
والميول في حالة الاعتدال تكون متسقة ومتوازنة، فلا سيطرة لأحدها على الآخر. ولكن عندما يقع الإنسان في الهوى، فإنَّ نظام ميوله الطبيعي يتهدم، ويسيطر ميل واحد على سائر الميول الأخرى، وقد يطردها من ميدان شعوره، لينفرد وحَدَه بالعمل، فيصبح تعلق الإنسان به طاغياً على مشاعره - وأفكاره - أكثر من أي ميلٍ غيره. وهذا ما دفع بعض العلماء إلى وصف الهوى «بأنه إله معبود»، تفسيراً لقول الله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفُرقان: 43]. فيكون الهوى إذًا ميلاً مانعاً لغيره من الاشتراك معه، أو هو نزعة نفسية يثبتها التكرار، وتقويها العادة، وتكيّفها التربية.
ومن صفات الهوى أنه قوة حيوية يجمع بين تأثير العادة ومظهر الغريزة، فقال بعض العلماء إنَّ الهوى يكتسب اكتساباً، بينما يكون الميل فطرياً، واعتبر غيرهم أنَّ الهوى يشتمل على عناصر مكتسبة وعناصر فطرية معاً. فما يثبت بالتكرار ويكتسب بالعادة يكوّن العناصر المكتسبة. وهذه العناصر يمكن التخلص منها لأنها لا تتحكم في النفس بصورة ثابتة ومطردة، وذلك بخلاف العناصر الفطرية التي يصعب على الإنسان التخلص منها. من هنا كان الشفاء من الهوى صعباً جداً. ولذلك قالوا: «الوقوع في الهوى سهل، والشفاء منه صعب».
والسؤال الآن: ما هي الأسباب الكامنة وراء الهوى؟
تقول غالبية الأبحاث في «علم النفس» إنَّ ميولاً ورغبات كثيرة هي التي تدفع عادة إلى الهوى. وتتحول الرغبات إلى أهواء بصورة فجائية، أو بصورة تدريجية. وهذا التحول التدريجي هو ما يحصل غالباً، لأنَّ الهوى لا يظهر إلا بعد ركود الميول القابعة في خفايا الباطن في النفس البشرية.
وبصورة عامة إنَّ أسباب الهوى تكون إما خارجية وإما داخلية:
1 - أما الأسباب الخارجية فهي عبارة عن تأثير الإقليم، والغذاء، والصحة، والتربية، والبيئة المجتمعية. فمن حيث تأثير الإقليم نجد أنَّ أهواء الذين يعيشون في أقاليم باردة تختلف عن أهواء الذين يعيشون في أقاليم حارة. ومن حيث تأثير الغذاء والصحة، فإن حب الطعام والشهوة إلى المأكولات كثيراً ما تولد الشره الذي يعتبر بطبيعته شهوة ضارة على العموم. والذين يتمتعون بنعمة الصحة تكون أهواؤهم غير أهواء المرضى؛ والذين يعانون من مشاكل مادية أو حياتية، تكون أهواؤهم غير أهواء الذين يعيشون في جاهٍ وبحبوحةٍ من العيش.
أمَّا تأثير الأوضاع المجتمعية فلا يكون هو نفسه على جميع أفراد المجتمع الواحد، ولذلك تعتبر التربية، والبيئة عموماً، أي الوسط الذي يعيش فيه الإنسان، من أكثر الأسباب الخارجية تأثيراً على النفس بوجه عام. إذْ كما تبعث التربية البدنية أو الخلقية على تولد بعض الأهواء دون غيرها، كذلك تعمل البيئة في البيت أو في المدرسة أو في العمل، أو في النوادي والحفلات على تولّد بعض الأهواء أو على إزالتها. وبسبب هذه التأثيرات نجد أناساً يهوون القيم والمثل العليا، بينما ينحدر آخرون وراء أهواء منحطة ورغبات دنيئة.. وكل ذلك بفعل التربية وتأثير البيئة كعوامل خارجية للهوى.
2 - وأما الأسباب الداخلية فهي متعددة وتشتمل على كثير من العناصر الجسدية والنفسية، مثل الاستعدادات الشخصية، والمزاج، والوراثة، فكلها عوامل تؤثر في تولد الهوى. ولكن إذا ما أخذنا عامل الوراثة بالمقارنة مع غيره من الأسباب الداخلية الأخرى، نجد أنَّ تأثيره أقل، أو قد يكون عكس ما يحصل عادةً؛ فقد يورث المدمن على الخمر أولاده استعداداً لشرب الخمر إلا أنَّ هذا الاستعداد قد يزول بتأثير الفعل الشخصي أو بتأثير التربية، فلا عجب أن يصبح ابن شارب الخمر أكثر الناس إيماناً وابتعاداً عن المحرمات ولاسيما شرب الخمر، ومثله ابن البخيل الذي قد يكون كريماً، وابن الكريم الذي قد يكون بخيلاً..
ومما يؤثر في تولد الهوى أيضاً شدة الإحساس، وقابلية الهيجان، وقوة الخيال. ومثال الهوى الخيالي أنْ يرسم الإنسان في ذهنه صورة معينة للشخص الذي يتمناه ويرغب فيه، ومع الأيام تصبح هذه الصورة معشوقاً خيالياً، فلا يكاد يصادف في الحياة شخصاً شبيهاً لهذه الصورة أو يقرب منها حتى يقع في حبه. وقد يطغى عليه هذا الحب حتى يصير هوى عشقٍ يستبد به..
وقد ينبعث الهوى كذلك عن ضعف الإرادة، لأنَّ الإرادة القوية تمنع المرءَ من الانقياد للأهواء وسيطرة أحد الميول على الأخرى.. والهوى لا سبيل فيه إلى العبث، لأنَّ كل فعل قد يوجد استعداداً، فقد يتظاهر المرء بالهوى في بادئ الأمر، فإنَّ كرَّر هذا التظاهر واعتاد عليه انقلب إلى هوىً فعليٍّ.
نتائج الهوى وآثاره
قد يسيطر الهوى على العقل والحس والإرادة، ويدفع بالإنسان إلى ما لا تحمد عقباه. ولعلَّ أهم الآثار التي تنشأ عن الهوى في النفس أنه يشوش نظام الميول الطبيعي، بحيث يؤدي إلى فقدان الاعتدال والتوازن في حياة الإنسان، وذلك نتيجةً للإخلال بتوازن الميول واتساقها الطبيعي، وتسخير جميع النزعات الأخرى وتوجيهها نحو هدف محدد. وقد دعا هذا الإخلال بنظام الميول الطبيعي كثيراً من المفكرين إلى ذم الهوى، لشدة تأثيره في النفس، وتغيير مجرى حركتها الطبيعية، أو الاعتيادية، فاللذة تنشأ مبدئياً عن الفعل، في حين أنَّ الهوى يجعل الفعل خاضعاً للّذة. وقد يسيطر على النفس والجسد معاً، حتى لقد سمَّاهُ القدماء جنوناً لخروج صاحبه عن الاعتدال، وإلحاق الأضرار البالغة به والهوى الضارّ أكثر ما يكون عند أصحاب الإردات الضعيفة، الذين يستسلمون للأهواء ويتركون لها العنان حتى تقودهم نحو الضياع، وربما إلى الهلاك..
معالجة الأهواء
لعلَّ من مقوّمات صحة النفس الأساسية مكافحةَ الأهواء الضارة، التي من شأنها أنْ تطغى على إرادة الإنسان وتضعفها. ولكن قبل هذه المكافحة، يجب العمل بكل الوسائل والسبل لمنعها من التولد، فالتدابير المانعة أو الوقائية خير من التدابير الرادعة. فإذا ما أحسَّ الإنسان في نفسه ميلاً شديداً إلى شيء غير مستحب أو مكروه، أو إلى لذة أو شهوة دنيئة، فإنَّ عليه مغالبة هذا الميل قبل أنْ يصبح هوىً مستفحلاً في نفسه، بحيث لا يعود قادراً على دفعه ومغالبته.
ولعلَّ أنجح السبل لتلافي الأهواء يكمن في معرفة الإنسان لذاته، أي معرفته لنفسه على حقيقتها. ومن خلال هذه المعرفة، وعندما تنكشف له بدايةٌ لهوىً شديدٍ يخافه، عليه المبادرة بالتفكير في أسبابه، ومن ثَمَّ محاربتها بكل الوسائل المتاحة له، حتى ولو اضطر من أجل ذلك إلى تغيير نمط حياته، والانتقال من بيئةٍ إلى أخرى...
والفراغ والبطالة عن العمل قد تكون من أهمّ العيوب الباعثة على تولد الأهواء الضَّارَّةِ، ولذا قيل: «البطالة أم العيوب».
وقد يكون الشبان، ولا سيما من هم في مقتبل العمر، أكثر تعرّضاً للأهواء من غيرهم، وذلك لكثرة الدواعي المتسلطة عليهم، فكان لزاماً أن يملأوا أوقات فراغهم بالعمل المثمر، كالمواظبة على الدرس والتحصيل العلمي، أو مطالعة المؤلفات الراقية، أو إيجاد عمل شريف، مهما كان نوعه، لكي يحصل منه الشاب على الكسب الحلال.
والعمل في خدمة المجتمع خير رادع عن تسلط الأهواء، فمثلاً المتطوع في الدفاع المدني وقت الأزمات والنوائب، والمساهم في الجمعيات الخيرية، والمشترك في النوادي الثقافية والرياضية، وما إلى ذلك.. يعتبر من أبناء المجتمع الصالحين، الذين نأوا عن الأهواء، واتبعوا السبل القويمة المجدية، وملأوا فراغهم بعمل الخير.
ومما يذكر في التاريخ أنَّ عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عندما أراد أنْ يعيِّنَ والياً على حمص، سأله: إذا أتاك الناس بسارقٍ فماذا أنت فاعل به؟ أجاب: قاطعٌ يا أمير المؤمنين يَدَهُ. قال عمر بحدَّة: يا هذا، وإنْ كان ذاك السارق بحاجة إلى ما سرق، قطع أمير المؤمنين يدك. يا هذا، إن الله تعالى خلق الأيدي لتعمل فاشْغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.
إذًا هنالك مجالات واسعة جداً لأي إنسان كي يملأ قلبه بالمشاعر النبيلة، ويعوِّد نفسه على الأعمال الخيرّة، مثل حب الأهل والأصدقاء، والناس من حوله، وحسن الخلق وما إلى ذلك من القيم التي تصقل الإنسان وتبلور جوهر الفطرة الطيبة فيه... ويأتي في رأس كل عبادة أو فضيلة، أو مثال، بل وفي رأس كل عاطفة أو شعور حب الله تعالى، لأنَّ حبَّ العبد المؤمن لمولاه، هو الذي يفعم قلب هذا العبد، بل قلوب المؤمنين جميعاً، بالخير،يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البَقَرَة: 165].
ويمكن معالجة الأهواء بعد ظهورها بطريقتين:
1 - تصور الغايات السامية، الذي من شأنه أن يحوِّلَ ذهن الإنسان عن الأهواء، ويجعله يولي اهتمامه لنيل تلك الغايات..
ويمكن أيضاً محاربة بعض الأهواء من خلال التفكير في عواقبها الوخيمة؛ فالذي يطغى عليه مثلاً شرب الخمرة، أو الإتجار بالمخدرات، قد تستهويه اللذة، أو قد تغريه الثروة، ولكنه عندما يسأل نفسه: وما نفع تلك اللذة الزائلة، أو ما فائدة الثروة مهما بلغت إذا ما عصيت ربي، أو إذا ما أمسكت بي السلطات وأودعتني السجن؟!... هذا الخوف من العواقب الوخيمة قد يدفع إلى التخلي عن تلك الأهواء، فتتغلب المشاعر النبيلة، وينتصر العقل على الشهوة...
2 - الامتناع عن الأفعال التي من شأنها إشباع الرغبات المحرِّكة للهوى. لأنَّ مما يضعف الهوى، أنْ ترغب وتشتهي وتشقى من غير أن تنال أي نتيجة لذلك، فالهوى الذي لا تُدرك الغاية التي تبعث عليه لا بدَّ وأن يزول تدريجياً من النفس، فإذا عجز الإنسان عن نيل ما يرغب فيه، أعرض عنه.
وقصارى القول أنه لا يمكن التغلب على الأهواء إلاَّ بالصبر على المعاناة، والثبات على مقاومتها، والاستمرار على القيام بالأعمال الرصينة، ولاسيما الخيِّرة منها، وتصور الغايات السامية.. وكل هذا يقتضي جهداً إرادياً كبيراً. ولذلك كان الهوى مذموماً من قبل الباحثين جميعاً، وهم يضعون له علاجات نظرية أو عملية، إلاَّ أنها لا ترتقي إلى الدرجة التي بلغها التصور الإسلامي حول معاني الأهواء ونتائجها وآثارها على حياة الإنسان، ومن ثم بيان معالجاتها من خلال معالجة النفس الإنسانية ككل لا يتجزأ.
والقرآن الكريم يتحدث كثيراً عن ذم الذين يتبعون أهواءهم، وخاصة ما كان مبعثها وسوسة الشيطان، والاندفاع وراء الشهوات، وارتكاب المعاصي؛ فانسياق الإنسان لرغائبه وميوله الشريرة يجعلها تتحول إلى هوىً يطغى عليه ويُضلّه: إن عن دينه وإنْ عن دنياه؛ باعتبار أنَّ الهوى كثيراً ما يميل بصاحبه، في هذه الدنيا، إلى كل داهية، كما يجعل مصيره في الآخرة إلى الهاوية. والعلّة في الهوى تشعّب ألوانه تبعاً لاختلاف الأنفس، وهو ما نتحرّاه من قول الله تعالى: {وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} [الرّعد: 37]. فقد استعمل النصُّ القرآنيُّ لفظ الجمع {أَهْوَاءَهُمْ} [الرّعد: 37] تدليلاً على أنًّ لكل امرئ هوىً غيرً هوى الآخر، ثم إنَّ هوىً كل واحد لا يتناهى، ولذلك يوجه المولى العزيز رسوله الكريم إلى أنَّ ما يحتجُّ به، أو يتقوَّلُهُ الكفار والمشركون، ليس إلاَّ أهواءً تقودهم إلى معاندة الحق الذي تدعوهم إليه - يا محمد - كما أنَّه فقط الحق هو الذي يحول دون اتباعك لأهوائهم.. فقد كان رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يدعو إلى الإيمان بالله والسير على هدى القرآن، بينما الكفار والمشركون كانت دعوتهم البقاء على عبادة الأصنام، فنزل الآيُ الكريمُ بالبرهان العقلي الذي يسفِّه أحلام دعاة الشرك، وذلك بقول الحق تبارك وتعالى: {قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ} [الأنعَام: 71] أي قل لهم أنعبد من دون الله تعالى - الخالق العظيم والمدبر الحكيم - الأصنام التي لا تنفعنا عبادتُها، ولا يضرنا الكفران بها، ونُردُّ إلى الشرك، كالذي حملته الشياطين على اتباع الهوى فأضلَّته، فصار في حياته كلها حيران لا يعرف ماذا يفعل، ولا يدرك ما الحقيقة، يهيم في أودية الضلال والكفر، وتستعبده شهوات الدنيا التي تزينها له الشياطين؟! وهذا أدق وأصدق تعبير عن حالة التيه والحيرة التي يتخبط بها الإنسان، كمثل من عاد إلى الشرك بعد اعتناقه عقيدة التوحيد، يتوزع قلبه بين الهدى والضلال، بين الله تعالى الإله الواحد الأحد، وبين الآلهة المتعددة التي يتخذونها من دون الله تعالى أنداداً، بينما هي في حقيقتها مخلوقات جامدة، أو عبارة تصورات وهمية جعلتها أهواؤهم الضالّة آلهةً يعبدونها؛ فمثل هذا النموذج من البشر يكون ضائعاً، يتخبط في الحيرة وفي الضلال، غلب عليه في قرارة نفسه الهوى، لأنَّهُ بعد عن هدى الله الحقّ.
أما المصير الذي ينتظر من يتبع هواه أو - بخلافه - الذي ينهى نفسه عن الهوى فيدلُّ عليه ويُثْبِتُهُ قول الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى *وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا *فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى *وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى *فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى *} [النَّازعَات: 37-41].
والطغيان وصف لكل تجاوز في الحق. والطاغي المقصود في النص القرآني هو من يكون ميدانه في الحياة أوسع مدى وأشمل من ميدان الطغاة ذوي الحكم والسلطان، حيث يشمل ميدانه كل تجاوز للحق، وللهدى، وللصواب والخير، فكان حكماً - بطغيانه - أنْ يُؤثِرَ الحياة الدنيا ويختارها على الآخرة، أي أنْ يعمل لهذه الدنيا وحدها، غيرَ عابئ بالدار الآخرة، وغير حاسب لها أي حساب.
ولكن مثل هذا الطاغية لم يعرف أنَّ اعتبار الآخرة والعمل لها هو الذي يقيم الموازين الصحيحة في عقل الإنسان وقلبه. فإذا أهمل الإنسانُ يومَ حسابِهِ بعد البعث، ولم يؤمن بأنَّ الدار الآخرة لهي الحياة الحقّ، وآثر عليها الحياة الدنيا، اختلت كل الموازين في حساباته، وتساوت كل القيم في تقديره، واضطربت كل قواعد الشعور والسلوك في حياته، فحق إذًا أن يُعدَّ طاغياً، باغياً، ومتجاوزاً للحدود. فأما هذا الطاغي الباغي فإنَّ الجحيم هي مأواه ومثواه. الجحيم التي تتلظى بالنار اللاهبة المحرقة، التي تشوي الجلود والأكباد، وتلتهم العظام والأفئدة، وتقول: هل من مزيد؟!..
وأمّا من خاف مقام ربه، أي القيام بين يديه يوم الحساب، وخاف مقام ربه الأعلى في السماوات والأرض، وقدَّرَهُ حقَّ قدرِهِ من التقديس والإجلال والتعظيم، ونهى النفس عن الهوى فإنه لا يقدم على المعصية، ولا سيما أنه يعلم أنَّ ملَكيْنِ موكَلَيْنِ به يسجّلان عليه كل حركة وسكنة، كما يعلم أنَّ ربه تعالى أقرب إليه من حبل الوريد الذي في عنقه، بل وإيمانه بأنَّ الله ربَّهُ شديدُ العقاب.. كلُّ ذلك يجعله يحكّم علمَهُ وإيمانَهُ، ويدفعُهُ لأنْ يخافَ ربه - جلَّ جلاله - وإن ارتكب معصيةً بحكم ضعفه البشري، قاده خوفه من مقام ربه الأجل الأعلى إلى الندم والاستغفار، والتوبة وعدم الإصرار، فعاد إلى الطاعة والعبادة، والله سبحانه وتعالى غفور، تواب رحيم...
أما نهيُ النفس عن الهوى فيُعَدُّ نقطةَ الارتكاز في دائرة الطاعة، لأنَّ هوى النفس هو الدافع القوي لكل طغيان، وتجاوز كل حدٍّ، وهو أساس كل بلوى، ومصدر كل شرّ. وقلَّ أنْ يؤتى الإنسان، وأنْ يسلك طريق المعصية والانحراف، إلاّ من قبل الهوى.. فقد يجهل الإنسان، فيكون سهلاً علاج الجهل. ولكن الهوى بعد العلم هو آفة النفس التي تحتاج إلى جهاد شاق، طويل الأمد لعلاجها.
والخوف من مقام الله العلي العظيم هو الحاجز الصلب أمام اندفاع هوى النفس العنيف. وقلما يثبت غير هذا الحاجز أمام تيارات هوى النفس.
إنَّ علينـا أنْ نعلم علم اليقيـن بأنَّ الله تعالى عندمـا يقول لنـا: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى *وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا *فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى *وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى *فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى *} [النَّازعَات: 37-41]، إنَّما يريدُ منا سبحانه وتعالى أن ندرك بأنه خالق النفس البشرية، العالم بدائها، الخبير بدوائها. وهو وحده - سبحانه - الذي يعلم دروبها ومنحنياتها، ويعلم أين تكمن أهواؤها وأدواؤها، وكيف تتصارع الأهواء والأدواء في مكامن هذه النفس ومخابئها! والله تعالى لم يخلق النفس ويكلّفها ألاَّ يشتجر الهوى فيها، لأنَّهُ يعلم أنَّ هذا خارج عن طوق الإنسان، ولكن كلَّفَهُ أنْ يروّضها ويمسك بزمامها، وأنْ يستعين بالخوف من مقام ربه الجليل العظيم المهيب. وخالقه يعلم أن نهيَهُ لنفسه عن السير في هواها، هو جهاد شاق ضخم، فكتب له بهذا الجهاد الأكبر، الجنةَ مثابةً ومأوىً.
ولا نظن أيَّ هوىً أَعْتَى وأَضَلَّ من هوى التعبّد الذي لا يقوم على دليل عقلي، أو الذي يُتبعُ فيه تقليد الآباء، كما كان المشركون في الجاهلية يفعلون في عبادة الأصنام والأوثان، ومن معبوداتهم تلك اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.. إذ ليست تلك المعبودات إلاَّ ظنّاً أو وهماً لا أساس له من العلم ولا من الواقع الذي يقوم على الحجة والدليل، لذلك يقول الله تعالى عنها: {مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [الأعرَاف: 71]، لأنَّ كلَّ ما لم يقرره الله تعالى لا يُعتدُّ به لأنه لا يستند إلى الدليل العقلي والحسي، أو إلى تعاليم الأنبياء والمرسلين، فلا تكون له بالتالي لا قوة ولا سلطان، بل ولا حقيقة له، إذْ للحقيقة سلطانها، أما الباطل فيبقى سلطانه ضعيفاً، مهيناً مهما ظهر له من أتباع يعملون لغلبته على الحق، وعن عبادتهم الوهمية تلك، واتباعهم ما تقود إليه تلك العبادة، يقول الله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ؛ أَمْ لِلإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى *فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى *} [النّجْم: 23-25].
وكثيرون اليوم هم على شاكلة المشركين في الجاهلية، يتبعون الظن وما تهوى الأنفس: فيقيمون على الظن عقيدتهم، أو يهوون أشياء تزينها لهم أنفسهم، ويجعلون هذه الأشياء أساس عقيدتهم، بحيث يستمدون من الظنِّ ومن هوى الأنفس الدليل، مع أنّ العقيدة الحقّة لا مجال فيها للظنّ والهوى، ولا بدّ فيها من اليقين القاطع، والتجرد من الهوى. وهم لم يتّبعوا الظنَّ والهوى، وعندهم شيء من برهان أو دليل عليه، وليس لهم من عذر أو علة فيما ذهبوا إليه {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النّجْم: 23].. إذْ بعد أنْ جاءهم من ربهم الهدى ببعث محمد رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، الذي قطع بدعوته كل شبهة لديهم، وأوهى كلَّ عذر وأبطلَ كلَّ تعليل.. أجل بعد ذلك كله، كيف يبقون على ضلالهم وعلى اتباعهم {الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ} [النّجْم: 23]؟.
ومتى انتهى الأمر بالإنسان إلى شهوة النفس وهواها، فلن يستقيم له أمر، ولن يجديَهُ هدى، لأنَّ هوى النفس غالباً ما يكون جامحاً، فلا يعرف حقاً، ولا يقرّ بدليل، وعندما يسيطر الهوى الجامح عليه، حتى تصابَ النفسُ بشرِّ حالةٍ فلا يعود ينفعها الهدى، ولا يقنعها الدليل.
ومن ثم يسأل الله تعالى الإنسان في استنكار: {أَمْ لِلإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى *} [النّجْم: 24]. فهل كل ما يتمنى الإنسان يجب أن يتحول إلى حقيقة، وكل ما يهوى يجب أن ينقلب إلى واقع؟ لا، الأمر ليس كذلك، لأن الحقَّ حقٌ، والواقعَ واقعٌ.. وأهواء النفس وأمانيها لا تغيّر في الحق شيئاً، ولا تبدّل في الأمور أي تبديل. بل إنّما يضلُّ الإنسان بهواه، ويهلكُ بمُناه، لأنَّهُ أضعف من أن يغير أو يبدل في خاصيات الأشياء. ويبقى الأمر كله لله تعالى، يتصرف فيه كما يشاء في الدنيا والآخرة: {فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى *} [النّجْم: 25].. وذلك لأنه تعالى مالك الملك، وربُّ السماوات والأرض، فلا يفلت شيء فيهما من قبضته، لا شريك ولا منازع له في ملكه ولذلك اقتضت حكمتُهُ أن يولي - توليةً فقط - عباده - مؤمنين وكافرين - ما قدَّرَ لهم في الأولى، أي في هذه الحياة الدنيا، بينما أبقى الآخرة - الحياة الآخرة - للمؤمنين وحدهم من دون الكافرين، وكلِّ الذين يتّبعون الظنون، وما تهوى الأنفس من الضلال والغي، والبغي، وكل أشكال الضلالات الأخرى التي تبعدهم عن عبادة ربهم..
وعن سفاهة أحلام من يتّخذُ إلهَهُ هواه، فقد قيل إنَّ المشركين في الجاهلية، كان أحدهم إذا رأى في سفره حجراً أعجبه، حمله معه، وجعله إلهاً يتعبّدُهُ مع الآلهة الأخرى التي تتكدس في بيته، والتي كانت تملأ الكعبة وجوارها، ولكي يتبيّن مقدار الجهل الذي كان يطغى على عقول أولئك المشركين وعدم قبولهم لدعوة الحق التي جاءهم بها رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يقول الله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً *أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً *} [الفُرقان: 43-44].
إنه خطاب من رب العرش العظيم للتلطّف برسوله الكريم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بألاَّ يجهد بعدُ في إقناع عتاة المشركين بأنْ يصدقوه في دعوته، ويتخلّوا عن عبادة الأوثان، لأنهم لم يتخذوها آلهة وهم يعقلون؛ بل بفعل الأهواء إنْ تقليداً للآباء، وإنْ جهلاً لمعاني الألوهية المطلقة، والربوبية المطلقة لله الواحد الأحد، فقادهم هذا الجهل إلى تفضيل الشرك على دعوة نبيّه كي يحافظوا على متاع الدنيا، وما يحفل به من الأطماع واللذائذ، وكل ما تهواه أنفسهم من الشهوات، وتقود إليه الأهواء من الجاه، والمال، والنفوذ... ولو تبصَّر هؤلاء ما جعلوا الهوى يغلب على العقل، والشرك على التوحيد، وعبادة هذه الجمادات من التماثيل أو الأصنام والأوثان كي تقربهم إلى الله زلفى.. لأنَّ هذا منتهى ما يزري بالإنسان، ويجعله على مثل هذه الحماقة والرعونة والانقياد الأعمى لهذا الصنم أو الوثن حتى لكأنه يظنَّ بأنه يأمره فيأتمر بأوامره، وينهاه فيمتثل لنهيه!.. ومجلبة ذلك كله الكفر، والشرك بالله تعالى، وهما ينطويان على سفاهة العقل وإنكار الحق، وتنكرٍ للفطرة التي فطر الله - عزّ وجلّ - الناس عليها..
وزيادة في إيناس رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، ولكي لا تذهب نفسه حسراتٍ على من جعل إلههُ، الذي يتعبَّدُ إليه، هوى نفسه ليس إلاَّ ، يقول له ربُّهُ - جلَّ جلاله - أخبرني - يا محمد - أفأنت تكون وكيلاً على مثل هذا الإنسان، حافظاً له من اتباع هواه؟ لا، إنَّما عليك البلاغ المبين، وعليه هو أنْ يتدبَّر أمره، ويتفكَّر بحاله ومآله، ثم يختار بين إِعمال عقله أو الاستمرار في الانسياق لهواه، وبالتالي إما أن يتحوّل إلى الإيمان الحق، وإمَّا أنْ يظلَّ في حمأة الكفر والشرك..
ومنْ غرَّهُ هواه، فنسيَ ربه، وعصى ما يأمره به من السمع والطاعة، لا يمكن أن تكون لديه قابلية للهدى، ولذلك ينبّهُ العزيزُ القديرُ رسولَهُ الكريم بقوله له: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً *} [الفُرقان: 44]؟ لا، لا تظننَّ فيهم خيراً، فهم لا يسمعون ما ترشدهم وتعظهم به، ولا يفقهون شيئاً مما تدلي به من الحجج والبراهين والشواهد، لأنهم لا يريدون هدايةً من الله، ولا استماعاً إلى رسوله. إن هم، وبتلك الصفات، إلاَّ كالبهائم التي تسمع النداء، ولكن لا تعقله. بل هم أكثر ضلالاً من البهائم، لأنهم على الرغم من فهمهم لقولك وتمكنهم من المعرفة، لا يحبون أن يصدّقوك، بينما الأنعام لا تملك ملكة الفهم والوعي، بل ألهمت فقط منافعها ومضارها المعيشية، وهي بغرائزها لا تقدم على ما يضرها، في حين أنَّ أولئك البشر الذين يتّخذون آلهةً من أهوائهم، قد عرفوا طريق الهلاك وطريق النجاة، فسلكوا الأولى وبعدوا عن الثانية، مُوقعين أنفسهم في التهلكة! أوليسوا في ذلك أضلَّ طريقاً من البهائم؟ وهل أحقر شأناً من مخلوق يؤثر اتباع أهوائه فينقاد لها حتى ينزلق إلى مرتبة دون مرتبة الحيوان؟ وهل أدنى قيمة من إنسانٍ وُهِبَ العقل والنطق والقدرة على التمييز والاختيار، ثم يعطّلها جميعها ويخضعها لأهوائه، حتى يصير هو بالتالي عبداً لهذه الأهواء؟!...
وإنه لمن العدل الإلهي، والقانون الطبيعي لحقيقة الحياة ووجود الإنسان، ألاَّ يستوي من كان على بينةٍ من ربِّه مَعَ مَنِ اتَّبع هواه. وهذا ما يبينه القرآن الكريم بقول الله تعالى: {أَفَمَنَ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ *} [محَمَّد: 14].
إنه قولُ ربِّ العالمين الذي يحمل الاستفهام ولكنْ لتأكيد أن المؤمنين الذين يكونون على يقين من الدين، وعلى حجة واضحة من الشريعة وعلى هدى من ربهم، ليسوا مثل الذين زَيَّنَ لهم سوء عملهم بالكفر فرأوه حسناً، اتبعوا أهواءهم في عبادة الأوثان، وحبّ الشهوات، وارتكاب الجرائم، واقتراف الآثام، من دون ضابط للعقل يدركون به الحقائق، أو نورٍ للإيمان يُضيء لهم طريق الحق من الباطل، ومن دون أصلٍ للعمل الصالح يقيسون عليه، فكان من الحق ألاَّ يكون أولئك الكفار والمجرمون مثل أولئك المؤمنين، والمماثلة لا تصح - أصلاً - بين الفريقين لأنَّهم يختلفون حالاً ومنهجاً واتجاهاً، فلا يمكن أن يستووا جزاءً، ولا مصيراً، ولا مآلاً.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB