علم النَّفس (الجزء الاول)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




الفصل السادس - المُيول والنزعات

من البديهي القول إنَّ حياة الكائن البشري لا تستقيم ما لم يكن هنالك توازن بين حركة نفسه الداخلية وحركة سلوكه الخارجي، وأنْ يحافظ دائماً على هذا التوازن حتى لا يخرج عن خط الاعتدال الطبيعي، الذي هو قوام الوجود في كل شيء.. وقد عبر عن هذا التوازن أحد العلماء الفيزيولوجيين الأميركيين في كتاب سمّاه «حكمة الجسم» وهو يصف الأسلوب الدقيق الذي تتم به محافظة أجهزة الجسم المختلفة لكائن ما، بطريقة آلية «على وسط متوازن إلى حد بعيد، أو على البقاء في حالة توازن. على سبيل المثال: تنحصر درجة حرارة الجسم الداخلية للأفراد في حدود تصل إلى 6,98 درجة فهرنهايت تقريباً. وبالمثل، يظل تركيز العناصر (مثل الملح، السكر، والكالسيوم) في الدم عند مستويات ثابتة نسبياً، وذلك بصورة آلية. وتُعرف نزعة الجسم إلى التنظيم الذاتي بالاتزان البدني. ويقال إن الحاجة تنشأ عندما تكون الميكانيزمات الآلية في الجسم غير قادرة على إبقائه في حالة متزنة»، فيأتي الإشباع ليلبي هذه الحاجة وتصحيح حالة التوازن في الجسم.
إلاَّ أنَّ هذا التوازن يخضع لتبدلات كثيرة ناجمة عن تبدل الميول والرغبات التي تتغير في داخل الإنسان بتبدل الظروف الخارجية التي تحيط به، فيكون عندئذٍ على الإنسان أن يتكيّف وفق تلك التبدلات. وهو في هذا التكيف إما أن يخضع للميول والنزعات التي تغلب عليه، وينحني أمام ظروفه الخارجية، وإما أنْ يُخْضِعَ ميولَهُ هو ونزعاته لعقله وإرادته، فيتحكم بها بدل أنْ يجعلها تقوده إلى الانفعال والتأثر والاضطراب، وإما أنْ يحاول التأثير في ظروفه فلا يستسلم لها كلياً ، وقد تدفعه، في هذه الحالة إلى ما لا يحمد عقباه.. وهو في ذلك كله يسعى دائماً لتحقيق غاياته وبلوغ أهدافه.
والإنسان بتركيبه الحيوي لا يمكنه البقاء سليماً معافىً ما لم تستمر أعضاؤه جميعاً بأداء وظائفها. وأداء هذه الوظائف هو ما يولد لديه الحاجات الضرورية التي لا ينعكس أثرها على تركيبه العضوي فحسب، وإنما أيضاً على تركيبه النفساني. ومن هنا تتولد الميول والرغبات التي تنشأ في النفس لتلبية الحاجات وإشباعها.
والميل، في اللغة، هو العدول عن الوسط إلى أحد الجانبين، فنقول: مالَ يميلُ ميلاً، إذا لم يعد هنالك تعادل أو توازن. وقد يعني الميل العون، فنقول: مالَ إلى فلان إذا عاونَهُ.
وفي الاصطلاح: الميل هو عبارة عن حالة نفسية تنشأ من جراء حاجة طبيعية.
والحاجات الطبيعية، يمكن معرفتها عن طريق علم الحياة (البيولوجيا) الذي يهتم بدراسة التركيب العضوي، أي تركيب الأنسجة والخلايا، ووظائف الأعضاء، فيبين حاجات الجسد، وأنماط تغذيته، وشروط بقائه.. ومن خلال تلك الدراسة يمكن أنْ نتبين لدى الإنسان طاقة حيوية هي عبارة عن مجموعة الغرائز والحاجات العضوية التي تحدثنا عنها في الفصل المتعلق بـ «فطرة الإنسان».. ونشير هنا فقط إلى بعض الحاجات العضوية، وإلى بعض مظاهر الغرائز لارتباطها بالميول التي تتفاعل في النفس.. وعلى ذلك فإنَّ الحاجة العضوية تأتي ممّا تولده الأعضاء كي تقوم بوظائفها، ومن ثم يشعر بها الإنسان ويكون مدفوعاً إلى تلبيتها وإشباعها. وبذلك كانت الحاجات العضوية متعددة ومتنوعة، وهي تختلف بين جسم وآخر، من جراء تفاعل كل جسم مع ظروف البيئة والتكوين الداخلي.
ومن أبرز الحاجات العضوية:
- حاجة الإنسان إلى الأكل والشرب، وعنها يتولد إحساسنا بالجوع والعطش. كما يتولد عنها حبنا لهذا النوع من المأكولات، أو تقزّزنا من نوع آخر. فينشأ عنه الميل للابتعاد عن المأكولات أو المشروبات الضارة؛ كما أنَّ تناول الطعام والشراب يولّد الحاجة إلى التَّبرز والتبّول..
- الحاجة إلى تشغيل العضلات والحواس..
- الحاجة إلى الاستدفاء وقت البرد، وإلى التبرّد وقت الحر..
- الحاجة إلى العمل، وتقابله الحاجة إلى الراحة، ولا سيما بعد التعب من العمل، سواء أكان يدوياً أم فكريّاً..
- الحاجة إلى النوم بعد السهر..
- الحاجة إلى إغماض العين من شدة الضوء..
- الحاجة إلى التنفّس في الهواس الطلق، بعد المكوث لساعات في مكانٍ محكم الإقفال..
وما إلى ذلك من حاجات يشعر بها الإنسان من خلال طاقته الحيوية التي هي منشأ الحركة الدائمة..
والغرائز والحاجات العضوية هي من حيث الماهية شيء، ومظاهرها شيء آخر. فالغريزة أو الحاجة العضوية لا تأخذ شكلاً ملموساً، أو لا تبرز كواقع محسوسٍ إلاَّ من خلال مظاهرها التي تحرّك أحاسينا بها، وتدفعنا إلى التفاعل معها.
- ويمكن أنْ نذكر من تلك المظاهر مظاهر غريزة النوع: ميل الرجل للمرأة الذي يتولد عنه الشعور الجنسي، والعطف على الولد، والإشفاق على المريض، وحب الآخرين، والنزعة الإنسانية للتعاون بين الناس.. فهذه المظاهر هي في الحقيقة عبارة عن ميول أو مشاعر، وكثيراً ما يخطئون بتسميتها «غرائز» بينما لا تعدو كونها مظاهر لغريزة واحدة هي غريزة النوع. من هنا وجب تصويب الخطأ الشائع الذي نجده في المؤلفات والأبحاث، ولا سيما تلك التي تتحدث عن الميل الجنسي، وتقول عنه: إنه غريزة الجنس، بينما لا وجود، في الحقيقة، لغريزة جنسية، وإنما يوجد ميل جنسي لدى الإنسان، أو لدى الكائن الحي، بما فيه الحيوان الأعجم.
- ومن مظاهر غريزة حب البقاء: التملك والاقتناء، والاندفاع، والشجاعة، والحب، والكراهية والخوف...
- ومن مظاهر غريزة التقديس: العبادة، والخشوع، والشعور بالعجز أمام قدرة عظيمة يقتضي الإيمان بها، والتقرب إلى المعبود (وهو الله - سبحانه - عند المؤمنين).
هذا ما رأيناه بالتفصيل.. وقد قلنا أيضاً إنَّ جميع غرائز الإنسان الحيوية - وهي التي تنتج منها الحركة والنشاط والسلوك - لا يمكن أن تؤدي وظائفها، على الوجه الأكمل، إلاَّ بالإشباع، سواء كان إشباعاً غريزياً، أو إشباعاً عضوياً.
والسعي الدائم لتحقيق الإشباع بنوعيه - الغريزي أو الشعوري، والعضوي أو المادي - والأخذ بكل الوسائل والأسباب المؤدية لهذا الإشباع هو ما يؤلف سلوك الإنسان الذي يظهر بأقواله وأفعاله على اختلاف أشكالها، واختلاف آثارها. وهذا السلوك هو الذي يؤدي إلى تكوين الشخصية الخاصة بكل فرد؛ ففي داخل كل منا ملكة الفكر تدفع إلى تشغيله أو إعماله (أي إِشباعه)، كما لدى كل منا الطاقة الحيوية (وهي بدورها محتاجة إلى إشباع). فإذا وجد الترابط ما بين الفكر والطاقة الحيوية، أو التوافق والانسجام ما بين الأفكار والسلوك، فإنّ ذلك يؤدي إلى تكوين الشخصية. وإن لم يوجد التوافق والانسجام ما بين الأفكار والسلوك، فإنه ينتج من ذلك تشتت في الأفكار، واضطراب في الميول والنزعات، وهذا ما يؤدي إلى تكوين الشخصية الفوضوية التي تتأتى أساساً عن مخالفة السلوك للأفكار، أو التصادم والتضارب بينهما، فلا يعود الإنسان يحفل بقيم أو مثل، ولا بقوانين ونظم. بل وكثيراً ما يسلك طرقاً ملتوية من شأنها أنْ تلحق الضرر به، وقد تنعكس بالتالي ضرراً على محيطه العائلي، ووسطه المجتمعي، فضلاً عن تنكره لإنسانيته.
من هنا كانت أهمية الميول في حياتنا الفكرية والشعورية، بخلاف ما ذهب إليه بعض الباحثين من القول بأنه لا علاقة لتأثير أفكارنا على مشاعرنا، لأن الميول تؤلف حالات لاشعورية، بمعنى أننا لا نشعر ولا نحس بشيء اسمه الميل في داخلنا، ولكن نعرف أن لدينا ميولاً عن طريق الحاجات الجسدية، أو من خلال المظاهر التي تتأتّى منها هذه الحاجات، كاللذات والآلام التي نحسّ بها فعلاً، والتي تنشأ في الأصل عن الميول والنزعات. ولذلك يعتبرون، من الناحية النفسية، أنَّ وراء كل لذةٍ ميلاً، ووراء كل ألم نزعة..
وكذلك الرغبات فإنَّهم يعتبرونها ظواهر نفسية تدل على الميول، لأنها تنشأ في الأساس عن الحاجة أو الشهوة، وتدفع الإنسان إلى هذا التصرف أو ذاك، كما هي الحال بالنسبة إلى الرغبة في الطعام، التي لا توجد إلا عند الشعور بالجوع..
ومهما كانت التفسيرات في أصل الرغبات، فإنَّ من الثابت أنَّ لدى الإنسان بعض الرغبات التي لا يعرف أسبابها، باعتبار أنَّ الرغبة قد لا تعني دائماً وجود ميل خفي وراءها، وهي إنْ دلت على هذا الميل، فقد لا تكون هنالك أية علاقة بينها وبينه. ومن هنا جهل الإنسان، في كثير من الأحيان، لما يرغب فيه، وعلى الأخص في أيام الصبا حيث تتشابك الأماني وتختلط الأحلام، فلا يعرف الشاب من أي مصدر تأتيه الرغبات، ولا يدرك الأسباب الكامنة وراءها..
والرغبات تبدو، عادة، بمظاهرَ واضحةٍ ومعروفة لدى الإنسان. ولكن قد تكون الرغبات أيضاً مبهمة أو وهمية وكاذبة. فلو رغب الإنسان في تحقيق هدف يعتقد أنَّه شريف وسامٍ، وعَمِلَ على بلوغ هذا الهدف - أي حقق رغبته الدافعة إليه - فقد لا يلبث بعده أنْ يشعر باليأس والحزن، وبأنَّ آماله قد سقطت. وهذه الحالة تنشأ عن التناقض ما بين الرغبة في الشيء والواقع الذي يشكله هذا الشيء. فالشاب الذي يسيطر عليه الحزن بعد بلوغ هدفه، قد يصطدم بالواقع الذي يكشف له بأن رغبته في الهدف السامي لا تنطبق على الواقع الذي واجهه، من أجل ذلك كانت تلك الرغبة العارمة لديه مجرد وهمٍ بدَّده الواقع عندما اصطدم به.
والرغبات، على كل حال، ليست في حقيقتها إلاَّ مظاهر للغرائز، ولا سيما غريزة حب البقاء، وغريزة النوع. فالإنسان الذي تحكمه «الأنا» هو، عادة، الإنسان الذي تطغى عليه أنانيته، فيسعى دائماً وراء منافعه أو مصالحه الذاتية أو الشخصية. وهو إنَّما يفعل ذلك للحفاظ على بقائه، وزيادة قواه، وتوطيد ثقة الناس به، أي إنَّ غريزة حب البقاء هي التي تسيطر عليه. وهذا، بخلاف الإنسان الذي تتغلب عليه «اللاأنا»، أي ذلك الذي يجعل حب الآخرين ومصالحهم لا تقلُّ أهمية عن حبّه الشخصي ومصالحه الخاصة، فيملأ قلبه بالعطف عليهم، ويتفانى في سبيل خدمتهم، والحفاظ على وجودهم. فهذا الصنف من الناس إنّما يشبع، فيما يقوم به، غريزة النوع، ويحاول دائماً أن تكون «اللاأنا» هي الأقوى لديه.
من هنا يمكن اعتبار مشاعر الإنسان، وما يمكن أن يتولَّد في نفسه من الأفكار الأساس لسلوكه وخلقه؛ ولذلك اختلفت النظرة حول مفاهيم التربية الأخلاقية حيث نجد غالبية المجتمعات البشرية اليوم تعيش في وضعين مختلفين تجاه هذه التربية، ولا سيما ما يتعلق منها بالعلاقات ما بين الجنسين؛ فهنالك مجتمعات محافظة إلى أبعد الحدود، وتقابلها مجتمعات متفلّتة من كل القيم الأخلاقية، علماً بأننا نجدُ في داخل هذه المجتمعات عائلات كثيرة يهمها معاني الشرف، وصون العرض، والالتزام بالأخلاق الفاضلة التي تبعدها عن المفاسد.
أما بالنسبة إلى الأفراد، فإنَّ الأفكار التي تسيطر على المجتمع، هي التي تؤثر - عادة - وبشكل مباشر على أفراده الذين يعيشون فيه، وعلى سلوكياتهم. فإذا أخذنا «الحرية الشخصية» كمثال على أنماط التفكير في الغرب، نجد أنه جعل هذه الحرية أساساً لحضارته وتمدنه، إلاَّ أنه ذهب بها بعيداً إلى الحدّ الذي أفقدها معانيها الإنسانية، وبالتالي أفقد مجتمعاته أهم الضوابط الخلقية لديها، ولا سيما بعد ظهور هذه الفوضى الجنسية العارمة، التي من شأنها أنْ تذهب بمعاني الشرف والكرامة، وتؤدي إلى اختلاط النسل. فالغرب كله يتفق على أنَّ الفرد يمكن أنْ يمارس حريته الشخصية بالطريقة التي يريدها، وعلى النحو الذي يشاء، على أن يحترم حريات الآخرين، ولا يعتدي عليها.. وهذا مبدأ أساسي من المبادئ التي تقوم عليها الأنظمة الاجتماعية في الغرب، ولكنَّ الخطأ في هذا المبدأ هو أنه لا يمكن التفريق بين الحرية الشخصية، والحقوق التي تنبثق منها، فإذا كان القانون يعاقب الذي يعتدي على ملك الغير، إلاَّ أنه لا يعاقب في حال الخيانة الزوجية إذا احتجَّ الزوج أو الزوجة بالحرية الشخصية، وكذلك الأمر فإنَّ القانون لا يعاقب المضاربات في السوق التي تؤدي إلى ضرب كثير من المؤسسات التجارية، ولاسيما الصغيرة والمتوسطة منها، دون النظر إلى قطع أرزاق العاملين في تلك المؤسسات..
ثم إنَّ الغرب، وعلى الرغم ما بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي - والشيوعي - من اختلاف في المبادئ، والأفكار، وطرق العيش، وأساليب العمل، فإنه يتفق جميعه على أن المثل العليا للإنسان، هي التي يضعها الإنسان نفسه، أو التي يحددها الإنسان لنفسه، كما هو الحال مثلاً في نظرته إلى السعادة، على أنها أخذ أكبر قدر ممكن من المتع الجسدية، لأنه يعتبر أن هذه المتع هي الوسيلة إلى السعادة بل هي السعادة نفسها..
ولو أردنا توضيح ما ذهب إليه الغرب - حول الحرية الشخصية مثلاً - فإننا، ومن منظورنا الفكري نعتبر أنَّ الحرية الفردية هي من المقومات الأساسية للوجود البشري، إذ لا يمكن النظر إلى الناس، على أنهم عبيدٌ وخدم لطبقة معينة في المجتمع، بل على أنَّ الناس جميعاً أحرارٌ، فلا يجوز بالتالي استعبادهم أو استغلالهم وهذا هو الجوهر الذي تقوم عليه الحرية الفردية.. فإذا كانت ممارسة هذه الحرية إنَّما تتبدى بالمظاهر التي تتأتى من الغرائز والحاجات العضوية، فإنَّ ذلك يجب أنْ يكون ضمن ضوابط قانونية وأخلاقية من شأنها أن تحقق إشباع الغرائز والحاجات العضوية؛ بمعنى أنَّه كلما ترسخت مثل تلك الضوابط في نفوس الأفراد، وأصبحت قواعد للسلوك الاجتماعي، أمكن صون الحرية الفردية، وتحقيق الإشباع بصورة طبيعية وسليمة، وكلما فقدت تلك الضوابط هبطت قيمة الحرية الفردية، وعمّ الانفلات والفساد.. فمثلاً غريزة النوع تحتاج إلى إشباعٍ من أجل بقاء الجنس البشري واستمراريته، ويمكن أن يتحقق ذلك بالعلاقات المشروعة - شرعاً وقانوناً - ولكن إذا أفلت المجتمع الزمام للأفراد بممارسة العلاقات الجنسية بالطرق التي يريدونها، تحت شعار احترام الحرية الشخصية، فإنَّ من شأن ذلك أنْ يؤدي إلى قلب النظام الاجتماعي وإفساده، وأهم سبل هذا الفساد إثارة المشاعر الجنسية لدى الناس خلافاً لقواعد السلوك والأخلاق، بل وخلافاً للأعراف والقيم الإنسانية الرفيعة.. فالشعور الجنسي - في الأصل - شعور طبيعي لدى الإنسان، ولكن غالباً ما يحتاج إلى إثارة من الخارج كما لو رأى الإنسان واقعاً محسوساً يثيره، مثل رؤية الرجل لمفاتن المرأة - أو العكس - أو كما في حال تحدث إنسانٌ أمام آخر عن ممارسات أو مشاهد جنسية تثير الشهوة، أو كما في حال عاودت الإنسان ذكرياتٌ جنسية سابقة.. ففي جميع هذه الحالات، وغيرها، يثور الشعور الجنسي، ويدفع إلى الإشباع.. من هنا كان دور التربية الأخلاقية والإيمانية هاماً في وضع قواعد للسلوك تحافظ على غريزة النوع، وتحول دون إشباع هذه الغريزة بطرق ووسائل وممارسات غير مشروعة. فمثلاً من واجب المجتمع محاربة الفوضى الجنسية مراقبة وضبط كل ما يشاهد في الأفلام السينمائية، والمراقص، والنوادي، والصور، وغيرها من مظاهر الخلاعة والتبذّل، ومنع المجلات التي جعلت المرأة سلعة للمتاجرة، وإقفال نوادي العري وغيرها من الأماكن التي تتيح الاختلاط بين الرجال والنساء، وما يؤدي إليه هذا الاختلاط من إثارةٍ للشهوات، وممارسة العلاقات الجنسية غير المشروعة.. وأما الهدف من وراء ذلك فهو أن يصفَّى المجتمع من تلك المظاهر لكي يهدأ الشباب - بصورة خاصة - ويعودوا إلى رشدهم، فينصبَّ اهتمامهم على العلاقة الزوجية، ليس للإشباع الجنسي وحده، بل ولبناء الأسرة والمحافظة عليها، باعتبارها أهم مقومات كيان المجتمع، كما تعود النظرة إلى المرأة على أنها نفس محترمة، بصفتها زوجة، وأمّا، وربة بيت، وعرضاً يصان، لا كما يُنظر إليها الآن وكأنها متعة يتمتع بها الرجل قدر الاستطاعة ثم يخلّيها إلى غيره، أو يتخلَّى عنها إلى غيرها..
ومثل تهذيب الشعور الجنسي، هنالك مقومات كثيرة لنظافة المجتمع، وصون الحريات الشخصية، والمحافظة على الحقوق الفردية والجماعية مثل الصدق، والأمانة، والاستقامة، واحترام القوانين والأنظمة، والتقيد بقواعد الانتظام العام، والآداب العامة، وصون حرية الرأي والتعبير وحرية الاعتقاد، وتوفير فرص العمل، وما إلى ذلك من المقومات الأخلاقية والنظامية التي ترفع من شأن الفرد في المجتمع، وتؤمن له سبل العيش الكريم..
وفي مقابل ظاهرة الفوضى الجنسية هنالك ظاهرة الكبت الجنسي التي لا تقل خطورة عن تلك الفوضى؛ ذلك أنّ الكبت يعتبر من أهمّ الميول التي لها تأثيرها الشديد على الحياة النفسية لدى الإنسان؛ فقد تكمن في داخله ميولٌ خفية، ونزعات دفينة، وأحلام خيالية بفعل عوامل عديدة، مثل تركيبه النفساني، وتأثير البيئة والتربية عليه، وما إلى ذلك من عوامل داخلية وخارجية.. وعندما تسيطر على الإنسان تلك الكوامن في نفسه، نراه يعيش في حالة اضطراب دائم، وفي همٍّ وقلقٍ؛ وقد تخطر بباله تصورات غريبة وعديدة، وكل ذلك دون أن يعرف الأسباب التي تجعله يعيش على تلك الحالة، فينشأ عنده الكبت..
ولنأخذ مثالاً على ذلك الكبت المتولد عن الميل الجنسي، فهذا الكبت يمكن أن تكمن وراءه أسباب عديدة، مثل مشاهدة أبويه، وهو طفل، في وضعٍ جنسيٍّ ظاهر، أو معاقبته بصورة نافرة من معلمته، أو احتقار رفيقاته التلميذات له، وما إلى ذلك من تأثير لأساليب التربية في المدرسة، أو للقيم الخلقية والدينية عليه، كأن يسمع دائماً بأنَّ ممارسة الجنس عيبٌ، أو أنَّ الله يعاقب على هذه الممارسة، وما إلى ذلك من المؤثرات التي تنطبع في نفسه، وتولِّد الكبت فيما بعد..
والكبت يمكن أنْ يتولد بصورة إرادية، ولكن في حالات قليلة جداً، ومن غير أنْ يكون لدى الإنسان أي قصد في الأساس لتوليد هذا الكبت، بل إنَّ ما يفعله هو أنه يجهد في السيطرة على بعض غرائزه وحاجاته العضوية، إلى الحدّ الذي يقهر نفسه في مقاومته لميوله ورغباته التي يظن أنها تتعارض وأفكاره، ولا تتناسب مع سلوكه. إنما، وفي أغلب الأحيان، يأتي الكبت من غير فعل إرادي، وذلك عندما تكمن في النفس ميول ونزعات قويّة من شأنها أن تؤثر على الإنسان دون أنْ يدرك مسببات هذا التأثير، ومن هنا تنشأ لديه بعض الآلام، أو القلق، واليأس وغيرها.. وقد تتولد عن الكبت «عقد نفسية» قد تجعل الإنسان عاجزاً عن القيام بأفعال كثيرة.
وبالإجمال فإنَّ الكبت يؤثر في تكوين الشخصية، ويبين لنا أنَّ أعمالنا الظاهرة متصلة بنزعاتنا الباطنية. ويجد الإنسان، في مفاهيم الإسلام، خيرَ عامل على تربيته التربية السليمة التي تبعده عن الانحراف النفسي، وعن الآلام النفسية، وعن كل شيء من شأنه أن يؤذيه في حياته النفسية، كما العضوية. ففي الوقت الذي يجب على الإنسان أنْ ينمّي مداركه الفكرية، عليه أيضاً أن يعيش مشاعره وأحاسيسه بصورة طبيعية وصادقة، فلا يكبت عواطفه، ولا يهمل انفعالاته، وخاصة أنَّ الإنسان إنَّما يتأثر - عادة - بما يتراءى له من تصورات، وبما تقع عليه حواسه من أشياء، وبما يتفاعل في داخله من مشاعر، ومن الممكن أنْ يساعده ذلك على التخلص من الكبت، ومعايشة الواقع بما يتوافق مع مشاعره.. وأول ما تأتي هذه المعايشة من واقع حياته، فهو كتلة من دمٍ ومشاعر، فلا يكون معافى، جسدياً أو نفسياً، إذا ما تغلبت بعض عناصر تكوينه على بعضها الآخر، بل يجب أن يكون هنالك توافق تام بين مختلف هذه العناصر التي تؤلف تكوينه الحيوي. وتلعب العواطف في هذا المجال دوراً هاماً في حياته لأنها تترابط ترابطاً وثيقاً مع ما ينبعث في نفسه من ميول ونزعات وأهواء وأفكار إلخ... ولذا كان من غير الجائز للإنسان أن يترك العنانَ للعواطف كي تسيّره كيفما تشاء، ولا أن يكبتها كل الكبت حتى تميت طاقته الشعورية.. وبمعنىً آخر عليه أنْ يكبح جماح عواطفه، كلما رأى أنها ستطغى عليه، وأن يوجه ميوله ونزعاته إلى الوجهة الصحيحة التي لا تخدعه فيها، وهذا ما يشكل مصداقية الإنسان مع نفسه بحيث لا يتنكر لها، ولا يعذّب جسده، وإلاَّ .. فكأنما يعمل على تعطيل طاقته النفسية من خلال القضاء على مسار حياته الطبيعي وبالتالي الانحراف عن إنسانية الإنسان من جذورها.
وقد عالج الإسلام هذه القضية في حياة الإنسان معالجة دقيقة، لأن الله - سبحانه - عندما أراد هذا الدين القويم لعباده، إنما أراده دين الفطرة، ولذلك فهو يتناول تربية الإنسان على أساس الفطرة التي فطره الله تعالى عليها. فيعمل على تنظيم غرائزه وحاجاته العضوية بما يكفل سلامتها وصفاءها وصقلها، ويرشده إلى الإمكانيات التي تشبع تلك الغرائز والحاجات إشباعاً وافياً وطبيعياً.
ومن خلال هذه المعالجة نجد أن الإسلام لا يفاضل بين الغرائز، ولا يميز بين غريزة وأخرى، ولا يقبل بأن يطغى مظهر هذه الغريزة على مظهر تلك.. وهو كذلك لا يكبت مظهر غريزة كبتاً شديداً، ولا يطلق مظهر غريزة كل الإطلاق. أي إنه لا يريد للإنسان القهر والعذاب، كما لا يريد له العوج والانحراف، أو كل ما من شأنه إفساده بالمبالغة فيه زيادة أو نقصاناً، بل يريده إنساناً مستقيماً، واعياً، معتدلاً، متفاعلاً مع وجوده البشري، وعقيدته الدينية، ومفاهيمه الإنسانية، بشكل طبيعيٍ ومنتظم، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون حقيقة الإسلام - فيحاربونَهُ عصبيّةً وحقداً - ولا يدركون مفاهيم هذا الدين - فيشنون على المسلمين الحملات الظالمة - وبالتالي فهم لا يعرفون كيف يتعاملون مع طبيعة البشر وفق الفطرة التي فطرهم الله - تعالى - عليها، إذ نجد بينهم - وبفعل التربية التي لا تهتم لدواعي الإيمان - من يتجاوزون حدود الفطرة التي خلقوا عليها، إما بفعل الكبت، الذي يملأ نفوسهم بالقلق والاضطراب، وإمَّا بفعل الانحراف الذي يطلق مظاهر الغرائز إلى أقصى الحدود في الممارسات الشنيعة وتكون النتيجة تعطيل العمل الطبيعي للغرائز، والسير في الحياة سيراً مضطرباً، ظالماً، وأحياناً كثيرة سيراً استبدادياً، استكبارياً لسدّ النقص في الأنفس!...
ونحن نرى أنَّ كلَّ ما يحصل للناس إنَّما سببه الرئيسي كثرة أوجه التباعد عن الدين الإسلامي، الذي لا ينفكُّ يخاطب فطرة الإنسان، مصداقاً لقوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ *} [الرُّوم: 30].
وكما يفرض الإسلام مسايرة فطرة الله التي فطر الناس عليها، فإنَّه يقدم لهم المنهج السويَّ لجعلهم يعيشون حياةً مستقيمة قائمة على الاعتدال والعدل في كل شيء.. وعلى الرغم من ذلك فإنَّ الذين يتّبعون الشهوات يريدون أنْ يميلوا بالناس - وبالمؤمنين خاصة - عن منهج الله - تعالى - لعباده، بل وطمس هذا المنهج كلياً حتى تطغى الشهوات، والأنانيات، ويذوي كيان الأفراد، وقيم المجتمعات في ظل إيديولوجياتٍ مبتدعةٍ، مكذوبةٍ يحاولون فرضها على الناس!.. استمعوا، أيُّها المسلمون - بل أيُّها الناس - إلى قول الله تعالى في كتابه المجيد: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا *يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا *} [النِّسَاء: 27-28].
هذا ما يريده ربُّ العالمين.. وهذا ما يريده الذين يتبعون الشهوات!..
نعم إنَّ الله ربُّكم وربُّ آبائكم الأولين إنما يريدُ لكم الخير والصلاح والنجاة بتطبيق المنهج القويم الذي أنزله في القرآن، والذي من شأنه أن يهديكم، ويعينكم على التسامي، والابتعاد عن طرق المزالق والانحرافات، بل ويريد الله ربُّكم أن يتوب عليكم بمغفرته، ورحمته الواسعة..
أما الذين يتّبعون الشهوات فيريدون أن تميلوا عن منهج الله الحق، كلَّ الميل، حتى لا يعود له شأن يذكر، والغاية أن يطلقوا الغرائز من كل عقال ديني أو أخلاقي أو اجتماعي.. يريدون أن يطغى السعار الجنسي المحموم بلا ضابط.. والسعار الاقتصادي بلا قيد.. والسعار السياسي بلا رادع.. وسعار الاستغلال المبطّن تحت عباءة المنظمات الدولية، ومبادئ القانون الدولي.. يريدون السعار المحموم في كل شيء، بحيث لا تطمئن معه نفس مؤمنة أو بيت متديّنٍ، ولا يسلم منه عرض أو شرف أسرة، ولا يشبع معه جائع، أو ينعم معه كريم.. وإلاَّ فما بالُ هذه الأزمات التي تعصف بالمجتمعات البشرية كافة؟!..أجل، ليرجع الناسُ إلى التعقّل وإلى حكم الضمير الحي، وحكم الدين القويم، وليجروا محاسبة دقيقة لكل الأنظمة السياسية، والاقتصادية، والمالية، والاجتماعية والإدارية التي تطبق في كل بلدان العالم، فماذا يجدون غير هذا الفساد، وهذا الشرُّ.. وهل كل ذلك باسم الحرية الفردية، والحرية الاقتصادية، والمحافظة على حقوق الإنسان، وتطبيق الديموقراطية؟! وكلها باتت في مثل هذه الأوضاع السائدة في العالم، شعارات زائفة ليبقى طغيان الشهوات والمطامع والنفوذ مستمراً، بل ومتصاعداً في حدّتِهِ.. ولعلَّ من أبشع الشهوات، بل ومن أبشع وجوه الفساد - الشهوة الجنسية، التي أشاعت بين الناس «ظاهرة الزنا» التي ينهى الله تعالى عنها في كتابه المبين بأمره الجلل: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وسَاءَ سَبِيلاً *} [الإسرَاء: 32]؛ والفاحشة في اللغة - كما ورد في معجم البستان - «ما يشتدُّ قبحه من الذنوب، أو كلّ ما نهى الله عنه».. والله تعالى ينهى المؤمنين - والناس كافة - عن هذه الفاحشة، وعن المحرمات جميعاً، لأنها هي الدوافع إلى الشهوات، وهي المسببات للفساد.. وهذا هو الميلُ العظيم الذي يريدُ الذين يتبعون الشهوات أن يجرّوا الناس إليه، فيستخدموا لذلك الأقلام المأجورة، والأجهزة الموجهة والسياسات المضلّلة، التي تذرّ بالفتن كقطع الليل المظلم، والتي لا عاصم منها إلاَّ منهج الله تعالى، الذي يشنّ عليه المفسدون في الأرض الحروب الظاهرة والباطنة حتى يؤخّروا - كما يتوهمون - ظهور العصبة المؤمنة التي، عهد الله تعالى إليها مهمة إعادة منهجه الحق وإنقاذ الناس من الجور والظلم والفساد..
وبعد بيان الميل العظيم الذي يريده أتباع الشهوات، يمكن أن نستشفَّ اللمسة الأخيرة في التعقيب الذي يتولى بيان رحمة الله تعالى بالناس فيما يشرَّع لهم من أحكام ومناهج، وكلها من أجل التخفيف عن الإنسان، لأنه سبحانه يعلم مدى ضعفه {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا *} [النِّسَاء: 28]، أي يريد الله - تعالى - أن يخفف عنكُمُ الأثقال التي ترهق نفوسكم بسبب الميول والشهوات، وذلك باتباع أحكام شرعه بما تستطيعون، إذ «لا يكلف الله نفساً إلاَّ وسعها»، وقد أنزل تعالى لكم شريعةً سمحاء تحمل لكم اليسر وليس العسر في كل شؤون حياتكم، لأنه - عزَّ وعلا - يعلم أنَّ الإنسان قد خلق ضعيفاً، وضعفه قد يغلب عليه، فينساق وراء المحرمات والشهوات التي تحيد به عن منهج ربِّه، فجعل في هذا المنهج الأحكام التي تراعي الضعف في الإنسان، وتسهل عليه إدارة وتنظيم شؤون حياته باعتدال، لا إفراط فيه ولا تفريط، في إشباع الغرائز والحاجات العضوية، وحماية الطاقة الحيوية في الإنسان من التبدّد وسوء الاستعمال.
ومن آفاق التربية الربانية للإنسان، في آيةٍ أخرى من سورة النساء، ما يبين الله سبحانه وتعالى للناس بعض سبل العدل والرحمة والإصلاح في العلاقات بين الأزواج، يقول عزّ وجلّ: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا *} [النِّسَاء: 129].
من المعلوم أنَّ بناء المجتمعات النظيفة إنّما يقوم على بناء الأسرة، ونضيف أنَّ صلاحَ المجتمع لا يكون إلاَّ بوجود الأسرة المؤمنة، والركن الركين للأسرة السليمة والمؤمنة يقوم على صحة العلاقة الزوجية من المحبة، والاحترام، والثقة، والتعاون، والأمانة في كل جوانب الحياة الأسرية، وهذا ما تحمله الآية الكريمة من المعاني لإرشاد الأزواج.. أمَّا في حال تعدد الزوجات، فإنَّ ربَّهم يتوجه إليهم بالخطاب المباشر ليبين لهم أنهم لا يملكون الاستطاعة على العدل بين نسائهم، ولو حرصوا على أن يعدلوا، لأنَّ الإنسان لا يمكنه التحكم بمشاعره القلبية التي تميل عادة بالحب والحنان لإحدى الزوجات أكثر من الأخريات. لذلك يحذّرهم ربُّهم الكريم بألاَّ يميلوا بمشاعرهم كل الميل عن الزوجة التي لا يملكون حبَّها، حتى لا يحملهم هذا الميل على الجور عليها، فلا يؤدُّون حقوقها كاملةً من النفقة والكسوة، والعشرة بالمعروف، والقسمة في المعاشرة، وإلاَّ فإنها تصبح كالمعلَّقة، أي لا هي مطلقة، ولا كأنّها ذات بعل (أي زوج).
وروي عن أبي عبد الله عندما سئل عن قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النِّسَاء: 3] وقوله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النِّسَاء: 129] وعن الفرق بين القولين. أجاب: أما قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النِّسَاء: 3] فإنه عنى به النفقة؛ وأما قوله: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا} [النِّسَاء: 129] فإنه عنى به المودَّة، أيْ لا يقدرُ أحدٌ أنْ يعدلَ بين امرأتين في المودة، لأن الله سبحانه وتعالى لم يجعل لرجلٍ قلبين في جوفه، بل جعل له قلباً واحداً، فإذا مال هذا القلب لواحدة، فلا يستطيع أن يميل للأخرى نفس الميل للأولى. وروي عن النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أنه كان يقسّم بين نسائه ويدعو إلى ربه قائلاً: «اللَّهُمَّ هذه قِسْمَتي فيما أملِكُ، فلا تَلُمْني فيما تَمْلِكُ ولا أَمْلِكُ»[*] .
نعم إنَّ الله تعالى الذي خلق النفس البشرية، يعلم فطرتَها، وأنها ذات ميول لا تملكها. ومن ثم جعل لهذه الميول مُتنفَّساً لينظم حركتها فقط لا ليعذبها ويقتلها. ومن هذه الميول أنْ يميلَ قلب الرجل إلى إحدى زوجاته فيؤثرها على الأخرى.. وهذا ميل لا حيلة له فيه، ولا يملك محوه أو قتله لأنَّ أمرَهُ بيد الله تعالى الذي يقلّب القلوب كيف يشاء، ولذلك فإنَّ الإسلام لا يحاسبه على أمر لا يملكه، ولا يجعل هذا إثماً يعاقبه عليه، فيدعه موزعاً بين ميل لا يملكه، وأمر لا يطيقه! بل إنه يصارح الأزواج بأنهم لن يستطيعوا أنْ يعدلوا بين زوجاتهم في شعور المحبة خاصة - ولو حرصوا - لأنَّ الأمر في هذا الشعور خارج عن إرادتهم، بل ويذهب النصُّ إلى أبعدَ من ذلك إلى مخاطبة الرجال جميعاً، ولذلك قال: «ولن تستطيعوا أنْ تعدلوا بين النساء»، فلفظة «النساء» تحمل معنىً عاطفياً لا يقتصر على الزوجات وحدهُنَّ، بل وعلى كل النساء التي يمكن أن يكنَّ لهن الرجلُ المحبة، والاحترام، والثقة..
ولكن هنالك لما هو داخل في إرادة الرجل. هنالك العدل في المعاملة، والعدل في النفقة وهذا ما هو مطالب به، ويشكّل المتنفَّسَ الذي يوجِّه ذلك الميل، لينظّمه لا ليقتله.
ومن ميول النفس الشديدة، وشهواتها المستحبة، ما يبيِّنه قولُ الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ *} [آل عِمرَان: 14].
إنَّ كلَّ ما تعدّدُهُ هذه الآية الكريمةُ من الزينة النفسية والدنيوية مثل النساء والبنين، والمال على أنواعه كالذهب والفضة والخيول والأنعام والمزروعات إنَّما هو الميل إلى كلّ هذه الأنواع من الزينة المحببة إلى النفوس، بل وهو ليس ميلاً وحسب، وإنَّما هو أيضاً من الشهوات التي يحبُّها الإنسان، والتي تنبع من نفسه، وتكوينِهِ الأصيل، فلا حاجة إذًا لإنكارها، ولا إلى استنكارها، لا بل هي ضرورية للحياة البشرية كي تنمو وتطرد، بصورة دائمة ومستمرة..
ولئن كان حبُّ هذه الشهوات ضرورياً للحياة البشرية، إلا أنَّ الواقع يشهد بأنَّ في فطرة الإنسان كذلك حُبّاً آخرَ، لا يقلّ تأثيراً عنه حبّ الشهوات، لا بل إنَّه يمثل الجانب في تكوين الإنسان الذي يحول دون انقياده إلى شهواته حتى يفقد في نفسه قوة النفحة العلوية التي نفحه الله تعالى بها.. وهذا الجانب الآخر هو جانب الاستعداد للتسامي، والاستعداد لضبط النفس، ووقفها عند الحد السليم من مزاولة هذه الشهوات، أي إنه الحد الباني للنفس وللحياة، الذي يربط النفس البشرية بالملأ الأعلى، برضوان الله تعالى، والدار الآخرة.
والتعبير القرآني لا يدعو إلى استقذار تلك الشهوات وكراهيتها، إنما يدعو إلى معرفة طبيعتها وبواعثها، ووضعها في مكان لا تتعداه، حتى لا تطغى على ما هو أكرم في الحياة وأعلى.. وهنا يمتاز الإسلام بمراعاته للفطرة البشرية بكل ميولها ورغباتها ودوافعها وانفعالاتها، وقبولها بحقيقة كل هذه المكوِّنات فيها، إلاَّ أنه يدعو في الوقت نفسه إلى تهذيبها ورفعها، لا كبتها وقمعها..
وكل النظريات حول النفس التي تشير إلى «العقد النفسية» ترى أن السبب الرئيسي لهذه العقد هو «الكبت».. أي كراهية دوافع الفطرة واستنكارها من الأساس، ما يوقع نفس الفرد تحت تأثير عاملين: عامل ضغط المشاعر الذي يوهم بأنَّ دوافع الفطرة قذرة، وتوقع الإنسان في الخطيئة من الشيطان... وعامل تأثير الفطرة التي تقوم بالوظيفة الأصلية في كيان الحياة البشرية التي لا تستقيم إلاَّ بمراعاة هذه الفطرة، لأنه بدونها قد يهبط الإنسان من إنسانيته إلى بهيمية غريزية مادية...
ولو سلمنا جدلاً بصحة النظريات التي يطرحها علم النفس لمعالجة الأمراض التي تطرأ على نفس الإنسان، إلاَّ أنّ علاج الإسلام يأتي مختلفاً وذلك بإبعاد النفس، عن الصراع بين ضغط المشاعر التي تتولد من الشهوات، والرغائب، والميول، والنزعات وما إلى ذلك، وتأثير الفطرة الأصيلة التي تفرض وجود الطاقة الحيوية في الإنسان بغرائزه وحاجاته العضوية. ويتم إبعاد هذا الصراع بترك النفس تمارس وظائفها ونشاطاتها - على اختلافها - ضمن حدود الاعتدال بلا تفريط ولا إفراط، أي ما يمكن أن نسميه عملية «الضبط» وليس «الكبت».



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB