علم النَّفس (الجزء الاول)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




الفصل الخامس - البحث الأول: التصوّر والتخَيل (الكهانة - العرافة - السحر)

أولاً: الصورة والتصوير
الصورة تعني شكل الشيء، أو هي كل ما يتمثل بشبيه له من خلق الله تعالى، ولذلك يقال عن الصورة: «هي ما ينتقش به الأعيان، أي الأشياء المشاهدة بالعين المجردة».
أما التصوير فهو الفعل الذي تتأتَّى عنه الصورة، أي فعل المصوِّر، ومن الناحية الفكرية: «التصوير هو تصوّر أو تفكّر لما تتمثل صورته أو شكله في الذهن».
ولذلك كانت الصور على نوعين:
نوع محسوس مثل صورة الإنسان والحيوان والشجرة والجبل. وهذا ظاهر للعيان ويدركه كل إنسان من الخاصة والعامة.
ونوع معقول وهو من فعل ما اختص به الإنسان من عقل وتمييز لإظهار معاني الأشياء. والفرق بين الصورة والتصوير: أن التصوير قد يكون بجعل الشيء على صورته أو على صورة لم يكن عليها. وأما الصورة فهي الهيئة التي يكون عليها الشيء في التأليف، وأصلها من: صارَهُ إذا أماله، لأنها مائلة إلى هيئة بالشبه لها.
والفرق بين الصورة والصيغة أنَّ الصيغة عبارة عما وضع في اللغة ليدل على أمر من الأمور، ومنها الصورة الذهنية المعروفة بأنها «بقاء أثر الإحساس في النفس بعد زوال المؤثر الخارجي». ولذلك قال بعضهم إنها ذكرى الإحساس. ومن الأمثلة على ذلك: ذهاب الشيء الذي أراه بعيني، أو هدوء الضجة التي أسمعها، أو الإحساس بالبرودة بعد انطفاء النار التي كانت تدفئني وبعد ذلك يمكن تصور شكل ذلك الشيء، وهاتيك الضجة، والحرارة بعد ذهابها بالانطفاء. وعندما يتصور أحد ذلك، فلا يقول بأنه يرى أو يسمع تلك الأشياء، بل يقول إنه يتصورها، أي يستعيد صورتها في ذهنه كما كانت عليه قبل ذهابها أو انقطاعها. فالصورة هي من طبيعة الإحساس، لأنها في الغالب نسخة منه، وهي ظاهرة نفسية، ثانوية وليست أولية كالإحساس. وقد قيل: الإحساس صورة أولى، والصورة إحساس ثانٍ.
إذًا فهنالك صورة حسية تعطي شبه المصوَّر، وبها يتميز عن غيره. وهنالك الصورة الذهنية التي تنتج من الإحساس في الأصل، ويعبر عنها بالأشكال أو بالألفاظ والمعاني. يقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *} [آل عِمرَان: 6]، أي إنَّ الله - سبحانه وتعالى - الذي تفرَّدَ وحدَه بالقدرة والخلق، هو الذي يجعل خلقكم في بطون أمهاتكم كيف يشاءُ:
- من حيث الجنس، ذكوراً أو إناثاً، ومن حيث اختلاف ألوانكم وألسنتكم، فترون من البشر الأبيضَ، والأسودَ، والأصفرَ والأحمرَ وتتحدثون بلغاتٍ عديدة، هي لغاتُ شعوب هذه الأرض من أدناها إلى أقصاها...
- ومن حيث الصفات الجسدية، فترون الجميل والدميم، الطويل والقصير، القوي والضعيف، البصير والأعمى، السميع والأصم والفصيحَ والأبكم..
- ومن حيث الصفات النفسية فيكون منكم الذكيّ والبليدُ، النبيهُ والأبله، العاقل والمجنون، الكريمُ والبخيل، الشجاع والجبان، المجتهد والكسول.. وهذا بالإضافة إلى ما جعل الخالق الكريم لكل واحدٍ من البشر، من ذكرٍ أو وأنثى، من مزايا ومواهب تميّزُهُ عن سائر الناس جميعاً.
هذا خلق الله العزيز الحكيم، الذي يصوركم أيها الناس في الأرحام كيف يشاء، بلا وصب ولا تعب ولا كلفة، وصدق العلي العظيم بقوله المبين: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *} [الحَشر: 24].
«هو الله الخالقُ»، فلا خالقَ غيره.. ولقد ثبت منذ بدء الخلق الآدمي على هذه الأرض وحتى الآن - وكما سيظل الأمر إلى يوم القيامة - أنه لو اجتمع عباقرةُ الجن والإنس على أنْ يخلقوا بعوضةً أو ذبابةً، أو أصغرَ حشرةٍ، لما قدروا على ذلك، ولما استطاعوا إليه سبيلاً. أمَّا ما يصنع البشر اليوم في عملية التناسخ فهو مجرد نقل الخلية - التي تفرَّد الخالق العظيم بخلقها وتكوينها - من كائنٍ حي إلى كائنٍ حيٍ آخر، أو نقل تلك الخلية من كائن حيٍّ إلى وسطٍ مختبريٍّ معينٍ، حيث تتفاعل الخلية ذاتُها وينشأ عنها كائن آخرُ من خلال ما يعرف بعملية الاستنساخ..
لا بل وينبِّه القرآن الكريم الإنسانَ إلى أنَّ الله تعالى هو وحدَهُ الخالق، وأنه كإنسانٍ هو عاجزٌ عن الخلق، بل ويثير أيضاً في نفسه التفكُّر، والانتباه إلى ضعفه، فيقول المولى تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ *} [الحَجّ: 73].
ولقد ضربَ الله تعالى هذا المثل ليوقنَ الإنسانُ مدى عجزه وضعفه.. فالناسُ قد يدعونَ، أي يعبدون، من دون الله - عزَّ وجلَّ - آلهةً.. ولكنْ هل تقدر تلك الآلهة - المزعومة - على خلق ذبابٍ ولو اجتمعوا له، وبذلوا كل ما لديهم من الطاقات والإمكانات؟ أبداً!.. لأنَّ الله - تعالى - هو الخالق.. ثم هل يستطيعون أنْ ينقذوا شيئاً عمَّا يسلبه الذبابُ منهم؟ أبداً.. فلو تخيَّلنا جمعاً من العلماء يجلسون حول مائدةٍ من الطعام، وغطَّتْ عدةُ ذُباباتٍ تمتصُّ من صحونهم، فهل يقدرون على أن يستخرجوا من بطونها ذلك الطعام الذي يكون قد تحوّل بعد هضمه إلى شيءٍ آخر؟ كذلك كان المشركون يرونَ بأم العين كيف يأتي الذباب يمتصُّ ممّا وضعوه لآلهتهم من الحلوى أو المأكل، وفاءً لنذورهم، ثم يطير بعيداً دون أن تكون لهم قدرة على اللحاق به، واستنقاذ ما سلب آلهتهم!.. أليس هذا هو المثل الحقُّ عن ضعف الإنسان حيال هذا الذباب الذي هو من أضعف المخلوقات، وأدناها شأناً؟! وصدق الله العلي العظيم، بقوله الحكيم: {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحَجّ: 73].
ومن الجدير هنا التذكير بأهمية القرآن، وما يقدم من الآيات المبيِّنةِ والعظات والأمثلة البالغة، والحجج والبراهين الفعلية والحسية التي من شأنها أن تزيل الشبهات حول وحدانية الله تعالى، وألوهيته المطلقة، وربوبيته المطلقة، وأنَّه الله الذي لا إله غيره في السماوات والأرض، الخالق المدبّر الحكيم، يخلق ما يشاء، وكيفما يشاء.. وفي ذلك تجلية للشبهات في خلق عيسى ابن مريم (عليها السلام) ونشأته ومولده، إذ كما خلق الله - تعالى - آدم عليه السلام، من صلصال كالفخار ثم نفخ فيه من روحه فاستوى بشراً سوياً، كذلك خلق الله - تعالى - عيسى ابن مريم من غير أبٍ لأنَّ مشيئته في الخلق أن يقول للشيء: {كُنْ فَيَكُونُ} [غَافر: 68]، وهذا ما ينفي عن نبي الله عيسى (عليه السلام) أن يكون الابن أو الأقنومَ اللاهوتيَ الناسوتيَ، أو أيَّ تصوّرٍ آخر ممّا انتهت إليه التصورات الغامضة، التي تجانب فكرة التوحيد، كما يبيّنها القرآنُ ويحثّ الناسَ على أنْ يستدلّوا عليها من خلال آلاءِ الله - تعالى - في هذا الخلق كله، فتستيقن بها نفوسهم، وتتجلَّى لهم معاني التوحيد، بكل جلالها، ناصعةً واضحةً، يسيرة التصور بعيدة عن الغفلة، قريبة الإدراك.. فتعالى الله الذي لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً عن أنْ يكون له شريك في الملك، وسبحانه وتعالى عمَّا يصفون.
وإلى تلك الصور الحسية والذهنية بيّن الله تعالى في كثير من الآيات القرآنية الكريمة كيفية خلق الناس، فقال عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعرَاف: 11]. والخلق هنا معناه الإنشاء. والتصوير معناه إعطاء الخلقة أول الهيئة والخصائص. وهما مرتبتان في النشأة لا مرحلتان. لأن «ثم» قد لا تكون للترتيب الزمني ولكن للترقي المعنوي. والتصوير، بهذا المعنى، أرقى مرتبةً من مجرد الإيجاد أو الإنشاء. وإن جميع النصوص القرآنية في خلق آدم (عليه السلام) ترجِّحُ أنْ يكون إعطاؤهُ خصائِصَهُ الإنسانية، ووظائِفَهُ المستقلة، مصاحباً لخلقِهِ، إذْ إنَّ الله سبحانه وتعالى بعد أنْ صنَعَ لآدمَ شكلَ الإنسان، ونفخ فيه من روحه، استوى بشراً سوياً، بكل تركيب جسمه وما فيه من أعضاء وأجزاء تقوم جميعها بما عُهدِ إليها من وظائف وبكل تكوينه النفسي، ولاسيما خاصيّة الإدراك والتمييز، مصداقاً لقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البَقَرَة: 31]. أما نشأة الجنس البشري فقد جعلها الله في النظام الذي أودعه في آدم وزوجه حواء، وجعل سبحانه الإنشاء مصاحباً للتكوين الوظائفي في كل مخلوق بشري بدليل قوله تعالى: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ *} [المُلك: 23]، وأما ما طرأ على الجنس البشري، من تغييرات عبر الدهور، فهو ليس تغييراً في الجنس، أو في أصل التكوين، بل نوع من الترقي في بروز الخصائص الإنسانية ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية.
فالإنسان، إذاً، ومذ خلقه الله تعالى، كان ولا يزال هو هذا الإنسان، وترقّيه لم يكن ترقّياً من تطور الأنواع حتى انتهى إلى إنسان - كما تقول الداروينية - بل كان ترقياً في صلب الوجود البشري ذاته، وكان لا بدَّ منه لاكتمال عناصر النضوج الفكري التي تجعل الأجيال اللاحقة أكثر وعياً، وخبرةً، وقدرةً على إيجاد الأشياء التي تجعل الحياة البشرية أكثر رقياً، وتمدناً وحضارة..
وبما أنّ صفةَ الخلق قد اختص بها الله تبارك وتعالى، فقد جعلها في غيب علمه وحده، ولذلك كان هذا الربط الجليل في سياق الآيات بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ *هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *} [آل عِمرَان: 5-6]، فمن البديهي أن تعلم أيها الإنسانُ أنَّ الله تعالى لا يخفى عليه شيء كائن في الأرض ولا في السماء، لعلمه بما يقع فيهما من كلي وجزئي. وقد خصهما - أي الأرض والسماء - بالذكر لأنَّ الحسَّ لا يتجاوزهما. وعلم الله تعالى بما فيهما وما بينهما هو علم مطلق لأنه يتفق مع وحدانية الألوهية والقوامة: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البَقَرَة: 255]. فلن يفلت {شَيْءٌ} [آل عِمرَان: 5] من علم الله تعالى {فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ} [آل عِمرَان: 5] بهذا الإطلاق. ولن يمكن إذًا الإنسان أن يستر نياته على الله خالقه، كما يفعل تجاه غيره من الناس، فقد يجهل هو نفسه خفايا نفسه، في حالات كثيرة، بينما كل ذلك لا يخفى على الله تعالى.. وعلم الله تعالى الذي يشتمل على كل شيء، يدخل فيه العلم بالنشأة الإنسانية، التي هي في عالم الغيب، وفي ظلام الأرحام، حيث لا علم للإنسان ولا قدرة ولا إدراك لما يمكن أن ينشىء الله - تعالى - في هذه الأرحام، بل علمها عند الخالق المدبّر وحده، الذي يصوركم أيها الناس في الأرحام، ويمنحكم الصورة والخصائص المميزة لهذه الصورة كيف يشاء، أما بعد اكتمال الإنشاء فقد يصبح من السهل معرفة نوع الجنين ومراقبة صحته ونموّه، كما هو حاصل اليوم بفعل تقدم الطب واختراع هذه الآلات التي تبيّن ما في الأرحام، ولكن في الأصل - وفي جوهر الوجود - فالله تعالى وحده الذي يتولى تصوير الجنين في رحم أمه، من ذكر وأنثى، وهو وحده الذي يمنح لهذا الجنين الخصائص التي تميزه عن سائر الأجنة الأخرى، حتى عن توأمه الذي يكونُ وإيّاهُ في الرحم نفسها، وذلك وفقاً للسنن التي أودعها - سبحانه - الجنس البشري بحيث جعل فيه الأبيض والأسود والأصفر والأحمر، والطويل والقصير، والجميل والقبيح، وجعل فيه الذكاء والخمول، والنشاط والكسل، والإدراك والجهل... ومختلف الخصائص التي يتميز بها الجنس البشري من ناحية، والخصائص التي تميّز كل فردٍ عن غيره من أبناء هذا الجنس من ناحيةٍ أخرى.. كل ذلك كما يشاء الله تعالى، بمشيئته المطلقة، لأنه هو الله، الإله الواحد الأحد، ولا إله غيره، تعزّز بألوهيته، وبقدرته وقوته على الخلق والتصوير، وتعزز بحكمته التي تقدر للخلق ما يشاء الخالق، وتدبّر الخلق فيما يصور ويخلق الخالق، بلا معقب ولا شريك..
وعن جمال الخلق البشري، وارتباطه بخلق الأرض والسماء، يقول الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ *} [غَافر: 64].
وهنا تستبين منظومة الخلق بالدقة، والتقدير، والتدبير، لكي يكون خلق الإنسان منسجماً مع الكون.. ولاسيما مع الأرض التي جعلها الله للناس مقراً، ومع السماء التي جعلها من فوقهم بناءً، أو سقفاً يحفظ وجودهم في مستقرهم؛ وهذا ما تدل عليه الحقائق العقليةُ والحسية التي تثبت أنَّ الأرض هي مقر أو مستقر للإنسان، بما أودع فيها خالقها من عوامل وعناصر وخصائص تجعلها موافقة وصالحة للحياة البشرية.. وهي الحقائق نفسها التي تثبت أيضاً أنَّ السماء قد جعلها الله بناءً ثابتاً بتكامل النسب والأبعاد والحركات والدورات التي تضمن ترابط هذا البناء وتماسكه، كما تضمن الاستقرار لحياة الإنسان في الأرض، لأن الأرضَ جزء من البناء الكوني الثابت المترابط التي يتلازم بناؤها، مع بناء السماء من فوقها وبناء النظام الكوني برمته.. من هنا تربط هذه الآية الكريمة بين تكوين الأرض والسماء - بالدقة والضبط والسنن التي فيها أحسن الخلق - وبين تكوين الإنسان - الذي صوره الله فأحسن صورته - لأنه ليس أسمى وأرقى من صورة هذا الإنسان، إن من الناحية الجسدية، وإنْ من الناحية النفسية التي يَدلُّ على قدرة الخالق وحكمة صنعه.. وهذا الربط القرآني إنّما هو للتدليل على موافقة خلق السماء والأرض لخلق الإنسان، وهذا التوافق هو الذي ينجمُ عنه، بتدبير الله تعالى، توافر الأرزاق والثمرات: إذ إنَّ عوامل الشمس والقمر والهواء والتربة والماء - وبما أودع الخالقُ فيها من خصائص - إنَّما تتفاعل فيما بينها لتؤمن الرزق لكل الكائنات الحية على الأرض، ولا سيما للإنسان الذي جَعَلَ سبحانه وتعالى رزقَهُ من أطيب الأرزاق والثمرات، ليأكل ويشرب حلالاً طيباً، تلذه العيون، وتستسيغه الأنوف والآذان، وتطيب به الأنفس..
وبعد هذا البيانِ القرآنِيّ الواضحِ على أن الله تعالى هو الذي جعل لكم - أيها الناسُ - الأرض مستقراً، والسماءَ بناءً، وهو الذي صوركم فأحسن صوركم، وهو الذي رزقكم من الطيبات.. أجل، بعد ذلك كله يأتي التوكيد: ذلكم الله ربُّكم أيها الناس، وربُّ الخلائق كلها في السماوات والأرض.. فلا ربَّ سواه تعبدونَهُ، ولا ربَّ سواه تحمدونه على كل ما جَعلَ لكم من النعم التي لا تُعدُّ ولا تحصى، {فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [غَافر: 64] أي تقدَّس وتنزَّه، وتعالى وتعاظَمَ الله الذي بيده الملك، فيمنُّ ببركاته وهباته، ويجزل برحمته وإنعامه على العـالمين أجمعين، وبلا اسـتثناء. وهذا جـديـر بأنْ ينبِّهَ أولي الألبـاب أن نقطة «تبارك» هي نقطةٌ خاصة بالله تعالى وأنه مختصٌ وحده بالخيرات جميعـاً. أفلا تعقلون أيها الناس هذا الفضل العظيمَ من الله ربكم؟ وهـل تقـدّرونه حق قـدره، وتعظمّونَـهُ، وتقدسـونه بما يستحق من العبادة والطاعة؟ ثم أليس من عظيم بركاته عليكم أن {يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الرُّوم: 46].
وفي بيانٍ قرآنيٍ آخر، يقول الله الخالق العظيم بأنه {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} [الأنعَام: 73]، فالحقُّ أساس الوجود كله، والحقّ ثابت في الوجود كله، فكان خلق الناس بالحق، وكان هذا التوكيد على الحق الذي يربط ما بين خلق السماوات والأرض بالإبداع المتين، وخلق الناس بالتصوير القويم، وذلك مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ *خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ *} [التّغَابُن: 1-3].
.. وهذا الشأنُ في المخلوقات كلها.. أنْ يسبّح لله ويقدسه ما في السماوات وما في الأرض من الخلائق، إقراراً بالعبودية والعبادة والخضوع لمن له الملك كله، وتعبيراً عن الشكر والطاعة والامتنان لمن له الحمد كله.. وسواء كانت المخلوقات في السماوات والأرض من الملائكة أو الناس، أو الحيوانات أو النباتات أو الجمادات، فكلها تسبّح بحمد الله - عزَّ وجلَّ - من جرّاء الفطرة المودعة فيها.. وإذا كان الأمر كذلك، فلا يغرنَّ أحداً من أهل الأرض نفسُهُ في تقلّبه بين الكفر والإِيمان، أو في اعتدادِهِ أنه على المعصية أو الطاعة، فقد سبقَ في علم الله ما سيكون عليه كل ابن آدم في الحياة الدنيا، ولكنَّهُ سبحانَهُ، وَزيادة في الإحسان والتفضّل على عباده من الناس، أضافَ إلى هذا الشكل الآدمي، الذي هو أحسن الأشكال في المخلوقات من حوله، نفساً تحمل الاستعدادات والإمكانات التي تكمن فيها القابلية للإنحراف نحو الكفر، أو للتوجه نحو الإيمان.. فكان الإنسان وحده، من بين جميع المخلوقات الظاهرة للعيان، هو الذي يتمتع بهذا الاستعداد المزدوج، الذي من خصائصه الأساسية قدرةُ الإنسان على التمييز والاختيار.. وزيادةً على هذه النعمة العظيمة، فقد تكرَّم الله تعالى على الإنسان بميزان الحق والعدل الذي يقوّم به اتجاهاته ويزن به أعماله، وهذا الميزان هو الدين الذي جاء به الأنبياء والمرسلون ليهدوا الناس إلى صراط الله المستقيم بحيث لم يبقَ أمام الإنسان، بعد ذلك كله، إلاّ أنْ يميّزَ الحقَّ من الباطل، فيختار سبيله إما للكفر وإمّا للإِيمان... ولكن الناس، وبسبب جهلهم ربما لحقيقة مزايا خلقهم، وخصائص مكرمتهم كانوا ينساقون إلى الكفر، كما أثبتته وقائع الحياة البشرية على مرّ التاريخ.. وها نحن اليوم، وعلى الرغم من النور الذي جاءَ به محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) للناس جميعاً، نجد منهم من هو كافر، ومنهم من هو مؤمنٌ. كما تدلُّ عليه الأعمال التي يؤتيها الناس والتي لا يخفى على الله - تعالى - شيء منها، لأنه سبحانَهُ بصيرٌ بما يعملون من صغيرةٍ أو كبيرةٍ، من أبسط عمل - ولو كان مثل الذرّة، إلى أكبر عمل ولو توهمه فاعله مثل الجبال الرواسي - .
ثم إنَّ حقيقة خلق السماوات والأرض بالحق، وخلق الناس في أحسن الصور بالحق - كما قلنا - من الحقائق القرآنية المطلقة التي يجب أن نركن إليها، لأنَّ ما من شيءٍ في السماوات والأرض إلاَّ خُلق بالحق، وكان بناؤه على أساس الحق المتين الذي لا يشوبه باطل؛ ولو لم يكن الكون كله قائماً على الحق لتصادمت موجوداته وأشياؤه بنسبها وأبعادها. وتضادَّت بحركاتها ودوراتها، وطغت بأحجامها وأوزانها، ولأدّى ذلك إلى تشقق بنيانِهِ وانهياره.. في حين أنَّ هذا الكون لا يزال منذ خلقَهُ الله تعالى على السنن الإلهية نفسها من التماسك في البنيان، والانتظام في السير، لأنَّه مخلوق من الحق، فكان أساسه الحق، وبقاؤه وتسييره - مثل خلقه - بالحق.. وهذا التماسك والانتظام يهدي إليه قول الله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ *الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ *ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ *} [المُلك: 1-4]. أي، وأنت تتأمَّلُ، أيُّها الإنسان، في هذا الخلق، فإنْ خطر ببالك أنَّ فيه شيئاً من التصدع، فأعِد التفكير، وتبصَّر كرَّةً بعد كرَّة، فلا بدَّ أن يرجع إليك البصر ذليلاً لعدم إدراك أي خلل، وحسيراً منقطعاً عن رؤية أي فسادٍ في مجمل النظام الكوني كله.. وهذا ما يستدعي منك أيضاً أنْ تتذكَّرَ كل تلك النظريات التي قالت بأن الكونَ وُجِدَ على هذا الشكل الذي هو فيه، بالصدفة، فتسقطها من ذهنك، بل وتبدّد كلَّ الأفكار التي جعلت التسيير الكوني قائماً بصورة تلقائية، لاسيما وأنت تعلم بأنَّ علماءَ الفلك يزدادون يقيناً، يوماً بعد يوم، واكتشافاً إثر اكتشاف، بأنَّ الكون لم يأتِ من صدفةٍ وفراغٍ أو فلتةٍ عابرة - لا أساس لها أصلاً في الوجود - وإنَّما وُجِدَ، بكل ما فيه، بمشيئة الله السنيّة، وبتقديره تعالى لكل شيءٍ تقديراً حكيماً كما يرشدنا إليه قوله الكريم: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفُرقان: 2]، أي سوّاه تسوية كاملةً للغاية التي أوجده من أجلها..
ومن الحقائق القرآنية الثابتة والمطلقة أيضاً التركيز في أكثر من آيةٍ، وأكثر من سياقٍ على هذا الخلق البشري، إذ يشدُّنا التعبير القرآني إلى التفكير بما صوَّرنا عليه الخالق العظيم، فأحسن صورنا، كي لا نظلَّ في غفلةٍ عن روعة خلقنا، ونكتفي باستحسان هذه الصور التي تعجُّ في الأرض، دون تذكّر لعظمةِ الخالق، وفضلِهِ على الناس جميعاً.. وإنَّ العاقلِ، الحامِدَ لتستوقفه هذه العبارة التي تختزل كل خصائص خلق «الإنسان» بقوله تعالى: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [غَافر: 64]، فهي تتكرر في أكثر من آيةٍ في القرآن المجيد، لكي توقر في أذهاننا أنَّ لكل إنسانٍ صورته، وإنْ وجد بعض تشابه في أجزاء هذه الصورة بين إنسان وآخر، إلاَّ أنَّه يَظلُّ لكل واحد حسنُ خلْقه الذي تُميّزُهُ عن غيره.. فلماذا لا يفكّر الإنسان كم من البشر قد مروا على هذه الأرض من قبل، وكم هم كثيرون هؤلاء الناس الذين يفوق عددهم اليوم على سبعة مليارات نسمة، لكلِّ واحدٍ منهم صورته الخاصة.. وهذا الأمرُ وحدَهُ، وهو حقيقة ملموسة ألا يستدعي أنْ يتفكَّر كل واحدٍ منا بعظمة الخالق فيعبده حق العبادة، وأنْ يقدّر ما منحه من الهبات، ورزقه من النعم فيشكره حق الشكر؟! فتبارك الله الذي جعلَ لكل إنسان صورةً جميلةً، محببة، مقبولةً تشعره بكرامته عند خالقه، وتحثه على الاعتراف بفضله عليه في حسن صورته: صورته في خلقته أو هيئته، وصورته في ذاته أو نفسه؛ فالإنسان بالإضافة إلى كمال تكوينه الجِسْمَاني، هو من أرقى الأحياء في الأرض بتكوينه النفسي، ولعلّ الاستعدادات الكامنة في نفسه من أكثر أسرار خلقه عجباً!.. وإنَّ نظرة فاحصة إلى الهندسة العامة لتركيب الإنسان، أو لأي جهاز من أجهزته تجسِّم هذه الحقيقة التي يُثبتُها قول الحق تعالى: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [غَافر: 64]، إذْ هي فعلاً صورةٌ هندسيةٌ يجتمع فيها الجمال إلى الكمال.. ولئن تفاوت الجمال بين شكل وشكل، إلا أنَّ التصميم في ذاته جميل وكامل الصنعة، ووافٍ بكل الوظائف والخصائص التي يتفوق بها الإنسان في الأرض على سائر الأحياء.
ثُمَّ ماذا بعدَ هذا الخلق العظيم للإنسان؟ وماذا بعد سبحه في هذه الحياة الدنيا؟ بل وإلى أينَ كلُّ ما في الوجود؟.. إلى الله - تعالى - مصيرهم جميعاً ومصير الإنسان ومصير المخلوقات، ومصير الكون «وإليه المصير» لأنَّ كلَّ شيء ينشأ من مشيئته المطلقة وإليه يعود كل شيء بمشيئته المطلقة.. منه تعالى المنشأ وإليه المصير. وهو الأول والآخر.. فلا يحسبنَّ الإنسانُ أنه متروك سدىً، وأنّه ليس له مرجع يعود إليه. فهو كما يَعرفُ أنَّ بقاءَه على هذه الأرض محدود، يجب أنْ يستيقن أيضاً، أنَّ إلى ربه الرجعى، فهلاَّ استعدَّ لمصيره في آخرته مزوَّداً بالإيمان وليس بالكفر حتى يكون مصيره في جنات النعيم بدلاً من أن يكون في نار الجحيم؟!..
وفي السياق نفسه الذي يدلُّ على تفرّد العزّة الإلهية بالخلق يقول الله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *} [الحَشر: 24]. فهنا، لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ من يطّلع على «سورة الحشر» في القرآن الكريم يجد أنها تبتدئ بأول آية بقول الله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *} [الحَشر: 1]، وتنتهي بآخر آية بقوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحَشر: 24].
إنها الحقيقة التي يجب أن يستشعرها كل قلب طاهر، وكل نفس صافية، كما يستشعرها كل كائن في السماوات والأرض، فالكل يسبح لله: الإنسان، والطير، والحيوان، والأسماك، والنَّبات.. كلٌّ قد عرف صلاته وتسبيحه، حتى إنَّ مخلوقات الجماد ذاتها لها لغة خاصة تمجّد بها خالقَها وتسبّحه. بهذه الحقيقة، حقيقة تسبيح كل شيء في الوجود لله تعالى، واتجاهه إليه بالتنزيه والتمجيد، تفتتح «سورة الحشر» وتختتم، ومع التأكيد على أنَّ الله تعالى: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحَشر: 24] القوي القادر على نصر أوليائه، وسحق أعدائه، الحكيم في حسن صنعه، وتدبير خلقه..
{هُوَ اللَّهُ} [الحَشر: 24]، تعزَّز بالألوهية وحده، فلا إله غيره - سبحانه - . {الْخَالِقُ} [الحَشر: 24] والخلق هو التقدير والتصميم.. {الْبَارِىءُ} [الحَشر: 24] والبرء هو التنفيذ والإخراج. وهما اسمان من أسماء الله الحسنى، ليس بينهما غير فارق دقيق لطيف.. {الْمُصَوِّرُ} [الحَشر: 24] وهو اسم مرتبط بالاسمين الآخرين: الخالق، البارئ. وتصوير الله تعالى هو إعطاء الملامح المميزة والسمات التي تمنح لكل كائن شخصيته الخاصة.
وقد يتصور الإنسان أن الخلق والإنشاء والإيجاد والتصوير والإخراج تتم على مراحل. إلاَّ أنه، في الحقيقة، ليس هناك مراحل على الإطلاق، بل هو الأمر «كن فيكون».. إلاَّ أننا نحن البشر نعجز عن إدراك مدلولات الأسماء التي يصف بها تعالى نفسه (الخالق، البارئ، المصور) على حقيقتها المطلقة، ولا ندري إلاَّ بعضاً فقط من آثارها، في حدود طاقتنا المحدودة. {لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الحَشر: 24] كلها، كما عدَّدها القرآن الكريم.. وقد قال بعضُ المفسرين إنَّ أسماء الله الحسنى هي من صفاته بحيث تكون الصفة هي الاسم، والاسم هو الصفة، ولا فرق، لأنها الأسماء - أو الصفات - الحسنى في ذاتها، فلا تحتاج إلى استحسان من الخلق، إنما توحي بالحسنى للقلوب وتفيضها عليها. وهي الأسماء التي يجب على المؤمن أنْ يتدبرها ليجعل نفسه منقادةً لإيحائها واتجاهها، حتى يكون له التدرج في المراقي وهو يتطلع إليها..
{يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحَشر: 24]. والتسبيح لله تعالى دائم لا ينقطع يتردد في جنبات الوجود كله، وينبعث من كل موجود، تتشارك فيه الأحياء والأشياء، فسبحان الله رب العالمين.
وإذا كان كل ما في السماوات والأرض قد علم صلاته وتسبيحه للخالق العظيم، فما بال هذا الإنسان الذي يخاطبه الله تعالى بقوله العزيز: {يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ *الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ *فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ *} [الانفِطار: 6-8].
{يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ} [الانفِطار: 6].. إنه نداء للمخلوق البشري في أكرم صفة يتميز بها عن سائر الأحياء وهي: «إنسانيته». وفي هذا النداء عتاب من ذي العزة والجلال لهذا الإنسان الذي تكرم عليه، فخلقه، ورعاه، ودبَّره... نداء يثير فيه اتجاهات نفسه الملتوية التي جعلته يقصِّر في حق ربِّه الكريم، ويتهاون في أمره، ويسيء الأدب في تعامله مع نفسه ومع الآخرين.. فهل يجوز هذا للإنسان بعدما أغدق عليه ربه من كرمه وفضله وبرّه فوق ما يتصور ويدرك؟!..
ومن هذا الفيض الرباني، والكرم الإلهي: أنْ خَلَقَهُ فسواه، فعدله.. وهو قادر على أنْ يركّبه في أي صورة يشاء، ووفق ما يشاء..
فأما خلق الإنسان على هذه الصورة السوية، المعتدلة، الكاملة الشكل والوظيفة، فأمر يستحق التدبر الطويل، والشكر العميق، والأدب الجم، والحب من المخلوق لربه الكريم، الذي أكرمه بهذه الخلقة الجميلة، وقد كان قادراً على أن يركبه في أية صورة أخرى يشاؤها، فاختار له هذه الصورة السوية المعتدلة.. ثم إنَّ هذه الصورة على كمال تكوينها العضوي والنفسي، لا بدَّ وأن تتشكَّل منها صور مختلفة، وأشكال متغيرة، تبدأ مع مراحل عمر الإنسان، وتنتهي عند أجله: إذ تكون له صورة وهو طفل، وأخرى وهو فتى، وصورة وهو شاب في مقتبل الفتوة والحيوية، وصورة وهو كهل بدأ الشيب يغزو رأسه والتجاعيد تقتحم وجهه، ثم ينتقل من مرحلة الكهولة إلى مرحلة الشيخوخة حيث يدب فيه الوهن والضعف في خلايا الجسم وفي وظائف الأعضاء وفي الحواس، ولا يمكن أنْ يجري على الإنسان هذا التغيُّر إلاَّ أنْ يشاء الله تعالى ذلك.. فقد يبقى للإنسان رونقه، وجماله، وقوته إلى حين مماته.. وقد يغيّره تعالى تغييراً كبيراً في الصورة الخارجية كما في صورة نفسه.. ولعلَّ بإمكان الإنسان أنْ يعيَ مضمون حياته كلها، ولو أنَّه تبع تلك المراحل التي مرَّ بها من خلال الصور الفوتوغرافية التي تؤخذ له في كل مرحلة من مراحل عمره، حتى قد لا يعرف صورته وهو طفل يحبو، ويعجب قائلاً: «أحقاً هذا أنا»؟!... فتعالى الله الخالق، البارئ، المصوّر، في أي صورة ما شاء ركّب الإنسان، سواءٌ عند خلقه، وفي جميع مراحل حياته..
ومن مجمل الآيات القرآنية السابقة نستنتج أنَّ الخالق العظيم قد جعل لكل جنسٍ، ولكل نوعٍ من مخلوقاته الحية صورةً هي هيئةُ خَلْقِهِ وكيفيةُ تركيبه؛ وقد يشترك الإنسان مع تلك المخلوقات في بذل الجهد لإشباع حاجاته العضوية وغرائزه، إلاَّ أنه يتميّز عنها بالطاقة النفسية التي تبرزه بمجمل صفاته وخصاله الإنسانية من مثل الحب والكراهية، أو الطمع والقناعة، أو البخل والكرم، أو الشجاعة والجبن، أو الحمق والنباهة، أو الاستقامة والانحراف...وما إلى ذلك من الصفات التي تدل على شخصية كل إنسان، وتبرز له صورة أخرى - غير الصورة الفيزيولوجية - تميّزه عن أبناء جنسه جميعاً..
وإلى هاتين الصورتين، الجسدية والنفسية، غالباً ما تتكوَّن للإنسان صورةٌ أعمّ وأشمل، يمكن أن نسميها صورته الاجتماعية أو الإنسانية، وهي الصورة التي يشارك في إظهارها معه أولئك الذين تعامل معهم في حياته.. إذْ إنَّ الناس، ومن خلال مباشرة الإنسان لإعماله، ومن مجمل علاقاته مع الآخرين، لا بدَّ وأنْ يلتقطوا في أذهانهم صوراً حسيّةً ومعنويةً له، وأنْ يكوّنوا عنه أفكاراً معينة، ويصفوه بأوصاف معينة، يكون من نتيجتها الحكم عليه، وهذا الحكم هو ما يشكل إطار صورته العامة، وما قد يتفرّع عنها من صورٍ متعددة تبعاً لما يقدّرون فيه من المزايا والخصال الحميدة، أو ما يؤاخذونه عليه من التصرفات والأفعال السيئة.. ويبقى أن نشير إلى نقطة جوهرية، قد يغفل عنها غالبية الناس، وهي أنَّ الله تعالى قد أوكل بكل إنسانٍ ملائكةً تحفظ عنه جميع صور حياته منذ بداية نشأته وإلى حين وفاته، وتلك الصور سوف تعرض عليه يوم القيامة متتابعةً متسلسلةً، تماماً كما يعرض الفيلم السينمائي الذي جرى تصويره وتسجيله على أشرطةٍ تمكّن من مشاهدته.. وهذا ما يستدعي من الإنسان أنْ يدرك أنَّ يوم الحسابِ آتٍ لا محالة، وأنه سوف يلاقي ربَّهُ الكريم، الذي يحاسبه على كل ما أجرى في حياته الدنيا، ويكون من الشواهد عليه تلك الصور الحسيّة والمادية، والنفسية والمعنوية التي حفظتها الملائكة عنه، ونقلتها إلى ربها تعالى بكل أمانةٍ، دونما زيادةٍ أو نقصان، لأنَّ وكالتها كانت محصورة فقط بحفظ الصور ونقلها.. وفي ذلك اليوم العظيم، وعلى أساس تلك الصور، وغيرها من الشواهد، يتقرّر مصير الإنسان في الآخرة..
انظر إلى قول الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ *} [يس: 12]، إنه توكيد ربّ العالمين: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى} [يس: 12].. وإحياءُهُ تعالى للموتى يكون يوم القيامة، حيث يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون.. وفي ساحة ذلك اليوم الموعود، ينتصب ميزانُ العدل الإلهي لينالَ الناسُ جميعاً الجزاء الذي يستحقون على ما قدَّموا في حياتهم الدنيا.. وقد يتوهم أناسٌ أنهم قادرون على الإِفلاتِ من الحساب في ذلك اليوم - كما قدروا على الإِفلات من عواقب جرائمهم في الحياة الدنيا - ولكن هيهات هيهات، إذ لم يفطنوا، أو يتذكروا بأنَّ الله تعالى قد أمرَ الملائكة الموكلين بأهل الأرض أن يكتبوا كلَّ ما قدَّموا في دنياهم من الطاعات والمعاصي، وأن يدوّنوا الأعمال التي أتوها وكان لها أثرها ليس على أنفسهم وحسب، بل وعلى غيرهم من الناس الذين أخذوها عنهم وعملوا بها حتى كانت لديهم بمثابة السنن التي يقتدون بها، ويسيرون عليها.. والتي قد تكون في بعضها حسنة، وفي بعضها قبيحة، ولكل منها جزاؤه يوم الحساب.. وهذا ما أشار إليه رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بقوله: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً»[*] .
إذاً، فمن الحق أن نؤمن بأن لا شيء يأتيه أحدٌ من الناس في هذه الدنيا ويمكن أنْ يفلت من العدل الإلهي، لأنَّ كلَّ شيءٍ من أقوال الناس وأفعالهم محصيُّ في «إمام مبين» أي في اللوح المحفوظ عند رب العرش العظيم..وذلك أنَّ الملائكة الذين أوكلهم الله سبحانه وتعالى ليكونوا رقباء وحافظين إنَّما يحصون على كل واحدٍ من الناس جميع ما يصدر عنه إحصاءً واضحاً بيّناً في الملف أو في الكتاب الذي يلزمُهُ يوم القيامة.. والإنسان هو نفسه صانع سجل حياته، أو بطل الفيلم السينمائي الذي يحكي قصة حياته، بكل تفاصيلها مع ما يتشعبُّ فيه من الصور سواء لناحية ما قام به وحده، أو ناحية ما تشارك فيه مع الآخرين.. ويأتي سجل الإنسان يوم الحساب بمنتهى الدقة، لأن الملائكة المأمورين من ربهم كانوا يقومون بالتسجيل والحفظ ليأتي كل ما أحصوه على الإنسان كاملاً وبلا زيادة أو نقصان وهذا ما يشير إليه الآية الكريمة كي تسترعي انتباه الإنسان الحصيف وتشدُّهُ إلى آفاقها البعيدة.. إذ لو فكَّر هذا الإنسان ملياً في تلك الآفاق، وما تؤدي إليه لامتلأ منها رعباً وخوفاً وخشية، وأعاد النظر بالصلة التي تربطه بربه تعالى وبالآخرين. فعندما يقول الله تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس: 12] فهذا يعني أنَّنا سجلنا عليه حركاته وسكناته، وأحصينا عليه جميع أقواله وأعماله في كتاب واضح صريح هو طائره في عنقه يوم الحساب، لأنه يبين له كل شاردة وواردة صدرت عنه...
وقد كنّا حتى الأمس القريب لا نتفهم معاني هذه الآية الكريمة بالدقة التي يريديها القرآن الكريم، حتى ظهرت الأشرطة المسجّلة، وخاصة أشرطة آلات التصوير، وأشرطة التسجيل على آلات الفيديو، أو أجهزة الإنترنت وغيرها من الوسائل التي باتت تستعمل بما يشبه الخبز اليومي عند كثير من الناس، فقرَّب ذلك فهمَ قول الله تعالى إلى أذهاننا بعض الشيء، وصرنا نعقل أنه سبحانه وتعالى قد وكّل ملائكةً يسجلون كلامنا الذي نتفوّه به، ويكتبون أعمالنا التي نقوم بها، وذلك بطريقة سريعة، قد لا نعرف ماهيتها، وإنما هي سريعة إلى درجةٍ بعيدة تقدر معها على استيعاب كل قول أو فعل، تماماً كما يستوعب الشريط المسجل كلَّ مشهد مما يُصوَّر، أو كلَّ لفظةٍ مما يُقال .. وهذا ما يفسِّر لنا - من ثمَّ - استيعاب تسجيل أعمالنا وأقوالنا بدقة قد تصل عندنا إلى الخمسين بالمئة من استيعاب فهم قوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ *} [ق: 18]، وأما دليلُنا فهو ما يعرف بـ(الفيديو)، أو ما يماثله من الآلات الحديثة، التي لا تعدو أن تكون في واقعها تلك الأشرطة التي تسجل الصورة والصوت لكل ما يراد تسجيله عن الناس، أو الحيوان، أو الجماد حتى نعود ونشاهد، عبر أجهزة البث وشاشاتها كل شكل، وكل حركة وكل لفتة، وكل سكون، أو قعود أو قيام جرى تسجيله على تلك الأشرطة.. بل وبفعل تلك الآلات والأجهزة بات بإمكاننا أنْ نطّلع على ما يجري في المؤتمرات التي تعقد، والحفلات التي تقام، وعلى الأحداث التي تتقلّب على ساحات العالم كلها... وهذا قد سهَّل علينا فهم الآية الكريمة حول أفعال الناس - أفراداً وجماعات - وما جعلنا ندرك أنَّ الذي قال: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12]، قد خلق - سبحانه - وسائل للتسجيل تفوق - حكماً - بدّقتها، وضبطها كل ما يمكن أن يخترع الإنسان في هذا المضمار، لأنَّ تسجيلات ملائكة الله - تعالى - تُعيد لكلِّ واحدٍ من الناس، بمفرده، شريط حياته في الدنيا، فيرى تماماً كلِّ ما أقدم عليه أو قام به - في السرّ والعلانية - سواء منها الأعمال الصالحة من الطاعة، والتعبّد، والخير، ونصرة الحق... أو الأعمال السيئة من المعصية، والكفر، والشر، ونصرة الباطل... ويومئذٍ - يوم يُعرض شريط هذه التسجيلات - يحسّ الإنسان بمسؤولية كل ما ارتكب من الجرائم والآثام والذنوب، وكل جريرةٍ مهما كانت صغيرةً أو كبيرة، أي يكون كتاب الإنسان في حياته الدنيوية كلها، حاضراً أمام عينيه، بحيث يبدأ حسابُهُ من نفسه، وعلى نفسه، عندما يقال له: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا *} [الإسرَاء: 14].. فإنَّ أنكر ما في كتابه جاء دور الشهود من أعضاء بدنه وجوارحه: لسانه، وجلده، ويديه، وقدميه، وأذنيه، وعينيه، ثم عقله وقلبه، وكل واحدٍ منها يحكي عمَّا استعملَهُ له صاحُبُه في الخير أو الشر، في الحسنات أو السيئات، في الطيبات أو المحرمات... ثم يأتي بعد ذلك دور الحافظين من الملائكة الذين يشهدون بصدق وأحقية على ما حفظوا في سجل حياة الإنسان الذي كانوا موكلين به، بحيث لا تفلت الحركة، أو النأمة[*] ، ونظرة الريبة، أو مثقال الذرّة من خير أو شرّ إلاَّ ووضع في ميزان العدل الإلهي لكي يتقرَّر مصير هذا الإنسان: إما إلى الجنة فيكون من أهل النعيم، وإمَّا إلى النار فيكون من أهل الجحيم - وبناءً على هذا الفهم نرى أنه كلما تقربت العبقرية تقنية ومعارف كانت أقرب إلى فهم القرآن الكريم -.
وإن تعجب من ذلك، فعجبك أكبر من تطاير مليارات ومليارات الكتب يوم الحساب، بعدد الناس من آدم إلى يوم القيامة، ووقوع كل كتاب بيد صاحبه - لا بيد غيره - فلا يحار كتاب، ولا يحور، ولا يدور: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا *} [الإسرَاء: 13] وطائره - هنا - كتابه الذي يأتيه كالطائر الذي يغطُّ على المكان.. وذلك بعد أنْ تتسابق الأرواح، بعد النفخة الأخيرة في الصُور، وتتطاير متزاحمةً، كل روح إلى جسد صاحبها لا تخطئه ولا تحيد عنه.. فتأمل - أيها الإنسانُ - قدرة الله تعالى، ودقة النظام الذي أوجبه ليوم الحساب، حيث الملك يومئذٍ لله ربِّ العالمين، الرحمنِ الرحيم، مالكِ يوم الدين. وحيث الأبصار خاشعة للرحمن، الذي على العرش استوى، يفيض على عباده بالرأفة والرحمة اللتين لولاهما لما دخل إنسانٌ الجنة...
المهم أنْ نبيِّن بوضوح، من مجمل الآيات السابقة، أنَّ الله تعالى هو الذي يصورنا، بمحض إرادته وكيفما يشاء، كما يصوّر جميع مخلوقاته.. وأما ما يفعله الناس الذين يطلق عليهم صفة «المصورين»، أو «الشعراء» الذين يأتون بالصور الذهنية، أو «الموسيقيين» الذين يأتون بتصورات تنمّ عنها الأنغام والألحان التي يؤلفونها.. فكل أولئك ليسوا بمصوّرين، وإنما هم مجسّدون لأشكال، ومظهرون لمشاعر، لا تنمُّ عن قدرة في التصوير، وإنما عن قدرة في نقل الصور الموجودة أصلاً، والتي تعود في إيجادها وتصويرها إلى الخالق وحده..
وقد يتوهم من يظنُّ نفسه مصوراً أو شاعراً أو غيرهما من الذين يجسدون الصور المخلوقة - حسية أو ذهنية - أنهم يقومون بالتصوير فعلاً، وذلك بسبب ما يوسوس به الشيطان في نفوسهم، وما ينفث فيها من أوهام بعيدة عن معنى المصوِّر، ومعنى التصوير، أي عن الحقيقة المطلقة بأنَّ الله سبحانه وتعالى هو وحده الخالق المصوّر.. وبسبب تلك الأوهام وأفاعيل الشيطان يبيّن لنا القرآن الكريم أنَّ الله تعالى مطَّلع على سرائر هؤلاء الناس، وعالم بوساوس نفوسهم، فأنزل - سبحانه - آيات بينات تتناولهم في أوهامهم وأباطيلهم.
ومن العجب العجاب الذي يأخذ الإنسان، أنَّ الله تعالى ذكر الشعر والشعراء في ست سور من القرآن الكريم، وذكر الصورة والتصوير في ست سور أيضاً.
فأما عن ألفاظ «الصورة والتصوير» فقد وردت في الآيات السابقة التي تم بحثها. وأما من حيث لفظة «الشعر» فلم تذكر إلا في سورة واحدة هي سورة «يس». وذلك في قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ *} [يس: 69]. في حين أن لفظة «الشاعر» قد وردت في أربع سور هي:
سورة الأنبياء، الآية: 5، في قوله تعالى: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلْ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ *} [الأنبيَاء: 5].
سورة الطور، الآية، 30، في قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ *} [الطُّور: 30] أي بل هو شاعر ننتظر حوادث الزمان أن تنزل به فيهلك كغيره من الشعراء.
سورة الصافات، الآية، 36، في قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ *} [الصَّافات: 36]؟
سورة الحاقة، الآية، 41 - 44، في قوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ *ولاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ *تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} [الحَاقَّة: 41-43].
وتبقى لفظة «الشعراء» التي سيرد الحديث عنها تفصيلاً..
ثانياً: الكهانة والعرافة
الكاهن: هو الذي يخبر الأخبار الماضية الخفيَّة بناءً على الظن، وهو غير العرَّاف، لأن العرَّاف يخبر الأخبار المستقبلية وليست الماضية بناءً على الظن أيضاً.
ولما كانت صناعة الكهانة أو العرافة مبنية على الظن الذي قد يخطىءُ ويصيب، فقد قال الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما قال، فقد كفر بما أنزل على أبي القاسم محمدٍ (صلى اللّه عليه وآله وسلم)»[*] . ويقول الله تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ *تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ *يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ *} [الشُّعَرَاء: 221-223]... فقد أخبرَ القرآنُ الكريم أنَّ شياطين الجن كانوا يسترقون السمع، إلى ما تتحدَّث به الملائكة فيما بينهم، ثم ينقلونه، بعد أن يزيدوا عليه كذباً كثيراً، إلى الكهنة، الذين كانوا يستفيضون - بدورهم - في الكذب على الناس، وهم يدَّعون أنهم يعلمون الغيب!.. وقد كان ذلك يحصل من قبل.. إلاَّ أنَّ الشياطين حجبت عن الاستماع إلى الملائكة بعد نزول القرآن الكريم بدليل قوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ *وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ *لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإَِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ *دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ *إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ *} [الصَّافات: 6-10]. وسئل رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) عن الكهان فقال: «ليسوا بشيء. فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثوننا أحياناً بشيء فيكون حقاً. فقال: تلك الكلمة من الحق يتخطَّفها الجنيُّ، فيقرها في أذن وليِّه (أي الكاهن وأمثاله) فيخلطون معها مئة كذبة»[*] .
ومن قول للإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة: «يا أيها الناس، إياكم وتعلُّم النُّجوم إلا ما يُهتدى به في برٍّ أو بحر، فإنها تدعو إلى الكهانة. والمنجِّمُ كالكاهن، والكاهنُ كالساحر، والساحرُ كالكافر، والكافر في النار».
ثالثاً: الشعراء
إنَّ من سور القرآن الكريم سورةً من 227 آية كريمة هي سورة «الشعراء»، وقد وردت لفظة الشعراء في آيةٍ واحدةٍ من هذه السورة هي الآية 224، بقوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ *} [الشُّعَرَاء: 224] فعندما نقول: غوى فلانٌ فمعناه أنه جهل أو ضلَّ، أو خابَ، ولذلك قيل عن الغيّ بأنه «جهل من اعتقادٍ فاسدٍ». ونعت الذين يتبعون الشعراء بالغاوين يحمل ذلَّهم، وذمَّ الشعراء في آنٍ معاً، لأنَّ التابعَ إذا كان مذموماً فالأحرى أنْ يكون المتبوعُ مذموماً.. وهذا الذمّ للشعراء ومن يتبعون نهجهم يبيّن أسبابَهُ قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ *وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ *} [الشُّعَرَاء: 225-226] أي في كل نوعٍ من الكلام يغالون في المدح والذم، وسائر فنون الشعر الأخرى. ومنه: الهائِم على وجهه: المخالف للقصد، والذاهب في الأرض وقد اشتدَّ عشقُهُ وعطشُهُ.. وهؤلاء الهِيْمُ، يلفت القرآن إلى أنهم يهيمون في الأودية - وليس في الذرى والمرتفعات - بحيث يكونون أسرى الانفعالات والعواطف المتقلّبة، التي تجعلهم يهيمون في كل وادٍ من أودية الشعر، أو أودية الخيال، والتصور غير الواقعي؛ فقد تسيطر عليهم المشاعر والأهواء فيصوغون منها ذلك الكلام الذي يعبّر عن تيههم، وضياعهم في تلك الأماكن السحيقة، والذي يجعلهم يرونَ الشيءَ الواحدَ أبيضَ في حينٍ، وأسودَ في حينٍ آخر، أو قد يجعلهم يرضون فيقولون مدحاً، ويسخطون فيقولون هجاء.. فهم أصحاب أمزجةٍ لا تثبت على حالٍ..
وقد تأتي في أشعارهم الحكمة، أو النصيحة، وقد يصورون معاني الشجاعة والبطولة، أو يمتدحون الفضائل، ويمجدون دعاة الإصلاح ويحثون الناس على اتباعهم.. وقد يوارون في نقد الحكام، ويعيبون على الأمة تقاعسها عن النهوض من كبواتها.. فكل ذلك قد نقرأه في أشعارهم، أمَّا حين نرقب آمالهم فقد نجد منهم ما يغاير تماماً ما قالوا؛ أما شعرهم الوجداني، الذي يعبّر عن أهوائهم الشخصية، فهو أكثر ما يأتي من الخيال الجامح، إذ قد يصنع الشاعر من النجوم عِقداً لجيد حبيبته، وقد يجعل سكناها في القمر أو الزهرة ليبعدها عن عيون الحسَّاد، وقد يحارب التنين ليخلّصها من براثنه، وما إلى ذلك مما لا يمتُّ إلى الواقع بصلة.. أما الخلفية لمثل هذا الخيال الجامح فهو تمجيد الذات، وتصوّر الشاعر أنه هو محور الوجود، فلا يدانيه أحدٌ من حوله، فكان من الطبيعي أن يتناسى في مثل هذه الحالات هموم الناس، أو أن يهتم بمعالجة الأوضاع التي يشتكون منها، ولذلك نجد أنه بمقدار ما تبتعد أشعارهم عن ملامسة واقع الحياة الحي، بمقدار ما تطابق الخيالَ في أذهاهم.. فاستمع مثلاً إلى المتنبي، الذي كان من أشهر الشعراء في الأدب العربي، عندما يقول:
أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صَمَمُ
فهل بعد أقوى من هذه النزعة الذاتية التي تجعل الأعمى يرى، والأصمَّ يسمع؟. وهل هذا إلاَّ محضُ توهّم من الشاعر أو مجرّد إرضاء لغروره بما يقول من الشعر؟.. هذا من حيث التوصيف العام للشعراء، الذي يدلُّ على أنَّ الخيالَ يغلب عليهم، والتصورات الوهمية تأسرهم، فتأتي من جرائها أقوالهم بخلاف أفعالهم وصدق الله تعالى وهو يقول: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ *} [الشُّعَرَاء: 226]. أما من حيث العقيدة، فإنَّ الآيات التي وردت في كل من سورة الأنبياء[*] ، والطور[*] ، والصافات[*] والحاقة[*] تبيّن بوضوح أنَّ المشركين والكفار كانوا ينعتون النبيَّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بأنه شاعر، بل وبأنَّه شاعرٌ مجنونٌ.. والله سبحانه وتعالى ينفي عنه هذا الاتهام الباطل «وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون»[*] ، كما نفى عنه قول الشعر {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69].. وهذا في حقيقته، وفي أبعاده إنَّما يعني أنَّ للشعرء نهجاً كلامياً، ومنهجاً في الحياة يغايرُ تماماً منهج الله تعالى الذي بعث به محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فلما لم يصدّقوا رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ولم يريدوا قبول منهج الله، اعتدُّوا بالنهج الكلامي للشعراء، فقالوا عن النبي إنه شاعر، وقالوا عن القرآن إنه شعر.. وهذا من أهم الأدلة على أنَّ الكفار والمشركين، كانوا هم أنفسهم، يحقّرون منهج الشعراء في العقيدة وإلاَّ لما وصفوا عدوهم محمداً (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بأنه شاعرٌ!...
إذاً هنالك منهجان مختلفان: منهج الحق، وقد جاء به القرآن من عند الله تعالى، وحمله رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ومنهج الخيال والوهم، وقد حمله الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون.. فالأمر واضح وصريح، وشتّان ما بين منهج هؤلاء الذين يقودهم الهوى والمزاج، ومن ثم يتبعهم الغاوون الذين لا منهج لم ولا هدف، لأنهم ينطلقون من معتقداتٍ فاسدةٍ مبنية على الجهل!.. وما بين منهج الإسلام، الذي هو منهج حياة، وأنزل من لدن رب العالمين للتنفيذ في واقع الحياة.. ولذلك كانت طبيعة الإسلام لا تتلاءم وطبيعة المناهج، والمفاهيم غير الجدية، وغير السويّة؛ فالإسلام إنَّما جاء ليربّي الإنسان تربية إيمانية أصلها الحق، ومنهجها الحق، ثم ليأخذ بيده إلى ما فيه خيره وصلاحه؛ فإنْ عمَّتْ أو غلبت مناهج الغواية والضلال على منهج الإسلام فإنَّ ذلك ينافي الطبيعة البشرية، ويزيد من ظهور الفساد في حياة الناس.. إذْ لو لم يكن الإسلام دين الله القويم لما ارتضاه الله تعالى لعباده، ولو لم تكن مناهج هذا الدين صالحةً للحياة لما أنزلها ربُّ العالمين في كتابه المجيد.. ومن هنا كان توجيه القرآن للإنسان بألاَّ ينزلق في متاهات الوهم والغواية كما يفعل الشعراء وأتباعهم، أو كما يفعل غيرهم من الضالين والمضلّلين!...
كما نرى في قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ *} [الشُّعَرَاء: 224] إلى قوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ *} [الشُّعَرَاء: 227]. وكان رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يأمر حسان بن ثابت أن يهجوَ الكفار بالشعر، فالإسلام لا يحارب الشعر كفنٍّ لذاته، إنما يحارب المنهج الذي يسير عليه الشعر أو أي فن آخر يتبع منهج الأهواء والانفعالات التي لا ضابط لها، ومنهج الأحلام الوهمية التي يهيم أصحابها في وديانهم الشعرية..
فأما حين تستشعر النفس منهج الإسلام، وتنضح بتأثراتها الإسلامية شعراً وفناً، وتعمل على تحقيق المشاعر النبيلة في دنيا الناس، كما يريدها الإسلامُ لصقل مشاعرهم وتهذيبها ثم تعبِّر عن هذا كله شعراً وفناً، فالإسلام عند ذلك لا يكره الشعر، ولذلك نجد أن القرآن الكريم وجه القلوب والعقول إلى بدائع هذا الكون، وإلى خفايا النفس البشرية، ويمكن أن تكون هذه وتلك مادة للشعر أو الفن، الذي يرضي الله تعالى ولا يسخطه.
ولكن ما نراه اليوم من ضروب الفنون - أو ما يسمونه فنوناً - وما تمثل من تعدٍّ على حرمة الكائن البشري وكرامته، بما يَطْلَعُونَ به على الناس من تلك الصور الإباحية، أو تلك التماثيل المجسّدة للأهواء والنزعات، أو هذا الشعر الغوغائي المقيت، أو هذا الغناء الهستيري الخليع! أو هذه الموسيقى التي وصَلَ أهلُ الشرّ لأنْ يوجّهوا فيها مخدرات للعقول تدفع إلى ارتكاب الجرائم التي يريدون ارتكابها!... فهل مثل هذه الفنون - كما يدّعون - مما يسمو بمدارك النفس البشرية، ويبرهن على معجزات الخالق في الكون؟ أبداً.. ولذلك جاء الإسلام يسفه كل ما يحطّ من كرامة الإنسان، أو يبعده بعقله وعاطفته عن فطرته الأصيلة، لأنَّه - وهو ذو المنهج القويم في الحياة، لا يريد أن يعرّي الإنسان من كرامته التي أكرمَهُ الله تعالى بها، ولا يريد أن تتخذ مواد الكون والحياة مظاهر للتعدي على صفة الخلق التي لا تكون إلاَّ لله تعالى وحده.. وهذا ما أرادَ رسولُ الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أن يحذّر منه، أي من الأوهام التي قد تطغى على نفوس الشعراء أو الفنانين، أو غيرهم، وقد خصَّ بالتحذير المصوّرين، بأحاديث شريفة ومنها: «من صوَّر صورةً كُلِّف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ»[*] أو حديثه: «كل مصور في النار يُجْعَلُ له بكل صورة صورها نفسٌ تعذبه»[*] وحديثه (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «ومن صور صورة عُذّب وكلف أن ينفخ فيها الروح»[*] . والمقصود هنا الصور التي يتم ابتداعها ولا يكون لها أصل في الموجودات التي خلقها الله تعالى، وليس الصور التي تنقش الأشكال من خلق الله ..
إذًا فكل ما كان أهل الباطل يجدّفون به على النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وعلى القرآن الكريم من الاتهامات الكاذبة كان دافعُهُ الانفعالات والتأثيرات التي تنبعث من تصوراتهم التي تصادم الحق الذي جاء به محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فكان حقاً أن يذمَّ ربّ العزة والجلال في كتابه المجيد كل تلك التصورات والأوهام التي تبعد الناس عن العقيدة والحق والصواب من مثل أفعال المجرمين، والمفسدين، والمضللين؛ أو من مثل أفعال السحرة التي تزيّف الحقيقة وتعجل الناس يتخيلون أشياء لا تمت إلى الواقع بصلة، وذلك بفعل التخيّل الذي يطغى على أفئدتهم... فما هو التخيل وتأثيراته، ولاسيما التخيّل المتأتّي عن السحر؟
التخيّل
الخيال - في أصله - صورة مجردة قد تكون ابتكاراً من الذهن أو النفس أو انعكاساً لصورة فعليةٍ واقعية. ومن قبيل ذلك الصورة التي تُرى في الأحلام، أو في القلب بعيد غيبوبة المرئي، أو الصورة التي نراها في المرآة. وهي بذلك تشتمل على صورة أي كائن من الأحياء أو الجماعات، أو أي أمر مُتصوَّر يجري مجرى الخيال. والفعل الذي يجري به الخيال هو التخيّل. وهذا التخيل يكون على نوعين: تخيّل مبدع، وتخيّل وهمي. والأخير لا يمت إلى الحقيقة بصلة أبداً، ومثاله السحر الذي اشتهر به المشعوذون عبر الأزمان، والذي يختلف اختلافاً كلياً عن التخيل المبدع؟
السحر
السحر في اللغة: الصرف. تقول سحره عن كذا أي صرفه وأبعده عنه. ويطلق السحر على إخراج الباطل في صورة الحق. ولذلك فإنَّ كل ما يفعله الإنسان من الحيلة والكذب والخديعة والتمويه، ومن شأنه أنْ يصرف عن الحق ويلبس ثوب الباطل يمكن أن يدخل في السحر.. كما يمكن أن يدخل فيه ما يقرّب فعل الإنسان من فعل الشيطان، ويبتعد به عن طاعة الرحمن، فكان السحر بذلك من الأفعال الضالة المضللة. وقد كان السحر من صناعة المجوس والكفار الذين كانوا يعبدون النار والكواكب والأوثان لاعتقادهم بأنَّ لها تأثيراً كبيراً على حياة الناس، بحيث كانوا يتوهَّمون بأنها مصدر للخير أو الشرّ، وأنَّ تأثيرها قد يصل إلى النفوس فيجعل الناس سعداء أو أشقياء. وبسبب تلك المعتقدات، أو الأفكار الوهمية صار للسحرة شأنٌ كبير، فراحوا يستخدمون شعوذاتهم وطقوسهم في مداواة المرضى، وفي العثور على الأشياء المفقودة، أو التأليف بين القلوب، أو التفريق هذا وذاك، وما إلى ذلك من الخرافات التي لا يمكن أن تغيّر شيئاً من حقيقة الواقع، إذ ماذا تنفع التعاويذ في طرد الأرواح الشريرة، وماذا تجدي التمائم لجلب الحظ؟ وعلى الرغم من ذلك، فقد استخدم كبار القوم، وأصحاب السلطة والنفوذ السحرةَ، فقربوهم إلى جانبهم، وجعلوهم مستشارين في كثيرٍ من أمورهم، إلى جانب الاستعانة بهم للتسلّط على الناس، والاستبداد بهم!.. ولذلك كان التأثير كبيراً في كل زمان عمَّ فيه الجهل في العقول، واستبدَّ الضلال في النفوس..
والسحر، بالمفاهيم الحديثة، هو ما يؤدي إلى الإتيان بأفعال خارقة يعجز الإنسان العادي عن فعلها، ومن شأنه التأثير في النفوس بطريقة من الطرق، كما يشاهد في الطقوس التي تمارسها بعض الجماعات التي أزلَّها الشيطان، وفي الشعوذات التي يستخدمها بعض الأفراد كي يوهموا المرضى بأنهم قادرون على شفائهم، أو أصحاب الحاجات بأنَّ لهم القدرة على حاجاتهم!..
ويقوم عمل الساحر على إيهام الناس بقدرته على الاستعانة بقوى الطبيعة، أو بقوى غيبية يكون على اتصالٍ بها، ويستطيع أن يؤثر بظواهرها. أما حقيقة عمله فهي خداع عيون الناس بأساليب مليئة بالتمويه والتضليل والشعوذة، ولذلك نراه يلجأ في إتيان سحره إلى السِّرِّية بحجة مخاطبة قوى الطبيعة، أو مخاطبة الجانّ واستحضارهم بين يديه لتلبية طلباته.
ومن الطبيعي القول إنَّ قوى الطبيعة وظواهرها تجري وفق سنن وقوانين محكومة بها منذ خَلْقِها. وهي لا يطرأ عليها أي تبديل أو تحويل إلاَّ أنْ يشاء الله، صانعُ الكون، ومسيّرُ قواه، ومدبرُ قوانينه. وذلك يؤدي إلى القول بأنَّ عمل الساحر كلُّهُ خداعٌ وتضليل، لأنَّ من يدعي السحر لا يستطيع أنْ يغيّر من طبيعة الأشياء أبداً، فلا يمكنه مثلاً أن يحوِّل الحبل إلى ثعبان، أو الحمامة إلى قطعة قماش، فكيف يستطيع إذن أنْ يغير في ظواهر الطبيعة، وذلك مستحيل قطعاً، لأنَّه إنْ كان عاجزاً عن تحقيق مطامعه ورغباته، الذاتية أو حتى عن أبسط غاية من غاياته بفعل سحره، فكيف يمكنه عن طريق الشعوذة، والكذب والخداع أنْ يحققَ أمانيَ الناس وأحلامهم؟!.. ويبيّن القرآن الكريم مدى قوة التأثير لأفعال السحرة على الناس، وذلك بقول الله تعالى: {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} [الأعرَاف: 116]، أي إنَّ السحرة الذين جاء بهم فرعونُ من كل أنحاء مصر لكي يغلبوا موسى (عليه السلام) قد ألقوا يوم الزينة، وعلى مرأى من الجماهير المحتشدة بحبالهم وعصيّهم، حتى خُيّل للناس أنها بفعل ذلك السحر تتحرك وتتلوى كالأفاعي، وبذلك سحروا أعين الناس، أي جعلوها ترى شيئاً عجباً، لا تستطيع عقولهم أن تدرك سرَّهُ، وهذا منتهى الخداع، والتمويه الذي يصرف عن الحقيقة والواقع، إذ لو كان فيما صنعوا أيُّ شيءٍ من الحقيقة لما قال الله تعالى: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} [الأعرَاف: 116]..
وأما قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ *وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *} [البَقَرَة: 101-102]. فبعد أن أُشكل معنى هذه الآيات من قبل بعض المفسرين والتبس أمر فهمها على بعض آخرين، هذه توضيحات حول معنى هذه الآيات:
1 - موقف اليهود من النبي سليمان (عليه السلام)
من الروايات الواردة في التفسير أن اليهود نسبوا السحر إلى سليمان (عليه السلام) وزعموا أن ملكه قائمٌ على السحر. وقد اختلف في السبب الذي لأجله نسب اليهود السحر إلى نبي الله، فروي أن سليمان كان قد جمع كتب السحرة وخبأها لئلا يطّلع الناس عليها فيعملوا بها. فلما مات عُثر على تلك الكتب، فاستغل السحرة ما فيها، وقالوا كذباً وافتراءً: إنما أقيم ملك سليمان بالسحر، وبه سخر الإنس والجن والطير، وزينوا في أعين الناس ليقتدوا بسليمان (عليه السلام) ، وشاع ذلك في اليهود، فقبله أحبارهم لما يكنّون من العداوة للنبي سليمان (عليه السلام).
وروي أنه لما هلك سليمان، وضع إبليس السحر، ثم كتبه في كتاب وطواه وكتب على ظهره: هذا ما وضع آصف بن برخيا من ملك سليمان بن داوود من ذخائر وكنوز العلم. ثم دفنه زمناً، ثم عاد فأظهره، فقال الكافرون من اليهود ما كان ليغلبنّ سليمان إلا بهذا وقال المؤمنون منهم: هو عبد الله ونبيه؛ فقال تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البَقَرَة: 102]، وقد عُبّر عن السحر بالكفر بقوله عزّ وجلّ {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البَقَرَة: 102].
2 - من هما هاروت وماروت[*]
إما أن يكونا ملكين أنزلهما الله تعالى ببابل لهدي الناس وتحذيرهم من مفاعيل السحر الذي كان متفشياً في ذلك العهد.. وهذا مستبعد، لأنه لم يثبت على مدار الوجود البشري منذ آدم (عليه السلام) وإلى خاتم النبيين محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أن الله سبحانه وتعالى قد بعث لبني البشر نبياً من الملائكة، أو جعل لهم رسولاً من الملائكة يهدي إلى دين الله ، كما هي مهمة الأنبياء والمرسلين من بني البشر. لا بل إن نصوص القرآن تنفي جملة وتفصيلاً مثل هذا الأمر. قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} [فَاطِر: 1] أي رسلاً يحملون وحي الله إلى الأنبياء. وقال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ *وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ *} [الأنعَام: 8-9]. وهذا ما ينفي بصورة قاطعة عن هاروت وماروت أن يكونا ملكين منزلين بصورة البشر على أهل بابل.
الوجه الثاني : أن يكونَ هاروت وماروت إما من شياطين الجن وإما من شياطين الإنس. وهذا الأصح - إذ ربما كانا ملكين من ملوك بابل التي اشتهرت بالعلوم، ونشأ فيها ما يعرف بالحضارة البابلية، وكانا يملكان من العلوم والمعارف - بما فيها أفانين السحر - ما يمكنهما به التمكن من السلطة، والسيطرة على عقول الناس.
3 - إن الإنزال في قوله تعالى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} [البَقَرَة: 102] لا يجوز بحال من الأحوال أن يضاف إلى الله عزّ وجلّ، لأنه إنزال يتعلق بالسحر، وما كان لله أن ينزّل السحر الذي هو «كفر وخداع ومخاريق وتمويهات لا حقيقة لها، وإنما يخيل إلى المسحور، تخيلاً أنها حقيقة». وقيل عن السحر بأنه «عمل خفيّ يصور الشيء بخلاف صورته ويقلبه عن جنسه في الظاهر ولا يقلبه عن جنسه في الحقيقة. ألا ترى إلى قوله تعالى: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66]، أي حتى النبي موسى (عليه السلام) أخذ للوهلة الأولى وخيّل إليه أن حبال السحرة وعصيّهم - من شدة سحرهم - أنها تسعى.
4 - والدليل على أن الله سبحانه وتعالى لا ينزّل السحر - وهو شرٌّ وحرامٌ لقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً} [يُونس: 59].
وفي ضوء هذه التوضيحات يكون معنى الآية الكريمة: لقد ترك اليهود ما أنزل الله على محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) مصدقاً لما معهم من التوراة وراحوا يتبعون ما يتلوه الشياطين، منذ عهد سليمان (عليه السلام) بما يضللون به الناس من دعاوٍ مكذوبة إذ يقولون بأنه كان ساحراً.
والقرآن الكريم ينفي عن سليمان السحر فيقول {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} [البَقَرَة: 102] لأن الإسلام يعدّ السحر واستخدامه كفراً ينفيه عن نبيه الكريم. إذاً، اتبع اليهود ما تتلوه الشياطين وتعمل به، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ولم يعترفوا بصدقه. فيكون في هذا التأويل هاروتُ وماروتُ من شياطين الإنس الذين كفروا ويعلمون الناس السحر.
ويكون الملكان اللذان نفي عنهما السحر هما جبرائيل وميكائيل (عليها السلام) لأن اليهود كانت تدّعي أن الله سبحانه وتعالى أنزل السحر[*] على لسان جبرائيل وميكائيل. فقوله تعالى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} [البَقَرَة: 102] فيه نفي إنزال السحر من الله عزَّ وجلّ على جبرائيل وميكائيل. حاشا لله أن ينزل السحر الذي هو كالكفر بواسطة ملائكته ليعلِّموه للناس كما قال بعض المفسرين. لأن العمل الرديء (الشر) وتعليمه يكون من فعل شياطين الإنس. وفي قوله تعالى ردّ على اليهود الذين طالما ادعوا الأكاذيب والأباطيل بخصوصهما (عليها السلام)[*] .
وممَّا جاء به هاروت وماروت ما يفرقون به بين المرء وزوجه أي بما يوغر صدر أحدهما على صاحبه ويبغضه إليه بما يؤدي إلى الفرقة بينهما، أو بالسعي بينهما بالنميمة والوشاية حتى يؤول أمرهما إلى الفرقة.
ولكن الله تعالى يقول إنهم لا يستطيعون أن يلحقوا الضرر والأذى إلا بعلم الله أو لمن شاء تعالى أن يتخلى عنهم لاستحقاقهم ذلك. وكان هاروت وماروت يقولان لمن يعلمانه: إنما نحن فتنة فلا تكفر، وذلك على سبيل الاستهزاء والتهكم من الذين ينعتون السحر بالكفر ويتعلمونه.
وأخيراً يصف العليم الحكيم اليهود الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهروهم بقوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [البَقَرَة: 102]، فالذين يتركون كتاب الله ويستبدلون به السحر ما لهم في الآخرة من نصيب ولبئس ما باعوا به حظهم حين اختاروا التكسب بالسحر (لو كانوا يعلمون) ما سيؤول إليه أمرهم من الأذى والخسران.
وما نريد أن ننبه إليه في النهاية هو أن الساحر لا يقدر على نفع أو ضر، إنه لا يقدر على شيء لأن عمله لا يستند إلى أصل حقيقي من علم أو عمل، فضلاً عن أنه لا يعلم الغيب الذي هو لله تعالى. ولو كان بمقدور الساحر أن يفعل ما يدّعيه لكان بإمكانه أن يحوز الممتلكات والثروات وأن يعتلي العروش من غير أن يناله مكروه.
ولكن ماذا عن الخيال المبدع؟
إنَّ هذا الخيال هو الشائع والمعروف في حياة الإنسان، وقيل إنَّه مبدعٌ لأنه ينشئ فكراً جديداً، من غير أنْ ينشئ صوراً من العدم، بل يستمد عناصر صوره من الواقع. ولذا قيل: «إن الخيال منسوج من الحقيقة». وقد فرق علماء علم النفس في «الإبداع» بين الصورة والمادة، واعتبروا أن التخيّل لا يُنتج مادة جديدة، بل يقتصر على جمع بعض الصور لبعضها الآخر، ثم يقوم بعملية التحليل، والتركيب، والتصغير، والتكبير. وهو بذلك يوجد صورةً جديدة، ولكنَّ مادتها موجودة في الواقع، فهذه الصورة وحدها هي الجديدة. ولذلك يقال عن التخيّل إنّه مبدع، لأنَّه يجمع عناصر المواد ليؤلف منها مركبات جديدة. وكل إبداع من هذا القبيل، في الحقيقة، هو تخيّل مبدع.
وقيمة التخيّل أنه يأتي من الواقع ويحاول أن يركب أشياء جديدة غيرَ هذا الواقع. فلا يكفي مثلاً أنْ يتخيَّل شخصٌ نالَ شهاداتٍ عاليةً في فرع أحد العلوم حتى يعتبر عالماً، بل يجب عليه أن يلاحظ ويقارن ويجرّب ويضع المعادلات والحسابات حتى يصل إلى وضع نظرية علمية عن المادة، أو الظاهرة الطبيعية التي يقوم بدراستها؛ وكذلك لا يكفي أنْ يتخيل الإنسان الفضيلة حتى يكون فاضلاً، بل عليه أنْ يسلك سبل الفضيلة في معايشة الناس، ومعرفة أوضاعهم، وطرق سلوكهم حتى يعدّوه فاضلاً، وقد ينسج من تجاربه وأفكاره قواعد سلوكية فاضلة، قد يكون تصوَّرها أو تخيَّلَها، أو قد آمن بصدقيتها من قبل.
وقد لا تأتي نتائج التخيل بحسب ما يريد المتخيل، فيصبح المعوّل عليه في هذه الحالة نية المتخيّل، فنجاحه في تحقيق تصوراته أو تخيلاته مربوط بالظروف والأحداث التي تواجهه، ولكن انطلاقه من نية معينة أو قصد معين هو الأساس، شرط أن تكون النية في الأصل معقولة، فلا تشوبها شائبة الخيال الوهمي، أو شائبة الباطل. ولذلك لا يمكن تطهير النية من الشوائب وتوجيهها نحو فعل الخير إلاَّ بتصور النتائج التي قد تترتب فيما بعد. فلو تخيَّلت مثلاً كيفيةً معيَّنةً لإزالة آلام البؤساء، وكانت لديك النية الصادقة لمساعدتهم وتكوّنت لديك الرحمة بهم، فمن ذلك كله يمكن أن تقوم بفعل الخير لهم.. ولذلك فإنَّ التخيّل المبدع جدير بأنْ يكون نافعاً - في أحيان كثيرة - وتظهر قيمته في مواجهة الحياة العملية، وقدرة صاحبه على تحقيق الآمال التي يريدها، ونجاحه في ذلك. ومجال هذا النجاح في تخيّله أولاً، فالتاجر مثلاً قد يتقصَّى حاجات زبائنه، وأذواقهم، ويتصوّر نوع الإشباع الذي يرضيهم، ثم يوظف الأموال اللازمة في مشروعه الجديد، ما قد يحقق له النجاح، وتوفير الأرباح من تلك التجارة. والقائد الماهر هو الذي يتخيَّل جميعَ ظروف المعركة، ثم يضع الخطط التي يظن أنها تؤمّن له النصر. وكذلك الحال بالنسبة إلى الحاكم مع رعيته، والرئيس مع مرؤوسيه إلخ.. وهي أمثلة تدل على أن التخيل ضروري لحسن التدبير، وإتقان العمل، والكشف عن الوسائل التي تؤدي إلى النجاح..
وخلاصة القول أنَّ للتخيل أثراً في كل شأن من شؤون حياتنا، فالذين يعيشون الحياة العملية فقط، ويمارسون نشاطهم بحسب ما تمليه الأوضاع والظروف، ودونما ميل لديهم أو قدرة على التصوّر والتخيل، فهؤلاء قلما يُكتب لهم النجاح، إذ يكون أفق تفكيرهم محدوداً، وينتهي حيث تنتهي أعمالهم اليومية، والسبب أن الخيال الدافع لديهم للتقدم كان خالياً من الطموح..
وكذلك فإنَّ التخيّل الذي يُوجد في الإنسان حالة نفسية ملأى بالأمل الوهاج، كثيراً ما يُبعد البعضَ عن الواقع، ويولد في نفوسهم الأحلام الروائية، ويجعلهم غير قادرين على التآلف مع وقائع الحياة وظروفها الحقيقية.. فقد يكون عالَمُ الخيال جميلاً، يُنسي عالم الواقع الفعلي، ويقطع كل صلة بين الإنسان وواقع حياته، بمعنى أنَّ على الإنسان ألاَّ يعيش دائماً في عالم التخيلات، ولا سيما تلك البعيدة المنال، أو التي لا تنطبق على الواقع، كأنْ يتخيَّل أنْ يصير ملاكاً ذا أجنحة!.. بل عليه أن يعرف كيف يتصور، وكيف يتخيّل، ولكن في حدود المعقول، وضمن الإمكانات التي تتيح له أنْ يعيش حياةً ملؤها الجديَّة، والتفاعل، وتوخي الأفضل..



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB