علم النَّفس (الجزء الاول)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




البحث الثالث: الفلاسفة والمتكلمون

بعد البحث عن معاني المعرفة، ولا سيما الفوارق ما بين الفلسفة والعلم، لا بدَّ من إلقاء نظرةٍ عاجلةٍ تبين الفارقَ بين الفلاسفة والمتكلمين في الفكر الإسلامي... ولذلك نسارع إلى القول بأنَّ الفلاسفةً يعتمدون على البراهينِ وحدها، ويؤلّفونَ البرهانَ تأليفاً منطقياً، من مقدّمة صغرى، وكبرى ونتيجةٍ، ويستعمِلونَ ألفاظاً واصطلاحات للأشياءِ: من جوهرٍ وعرضٍ ونحوهما، ويثيرونَ المشاكلَ العقليّةَ، ويبنُون عليها بناءً منطقيّاً لا بناءً حسيّاً أو واقعياً. أما منهجُ المتكلمين الإسلاميين في البحثِ فيُغايرُ ذلكَ، لأنَّ المُتكلّمينَ بنَوْا «علم الكلام» على الإِيمان بالله ورسولِهِ، وصدَّقوا بالقرآن الذي نزل على قَلب الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فأرادوا أنْ يبرهنوا على ذلك بالأدلّةِ العقليّةِ المنطقيّةِ. وأخذوا يبحثونَ في حُدوثِ العالمِ، وإقامةِ الدليلِ على حدوثِ الأشياءِ، وثم راحوا يتوسّعونَ في البحث، ففُتِحَتْ أمامَهُمْ موضوعاتٌ جديدةٌ، ساروا في خوض غمارها والتمحيص فيما يتفرّعُ منها وصولاً إلى نهايةٍ منطقيّةٍ. فهم لم يبحثُوا في آيات القرآن الكريم بمنهجِ الفلاسفةِ، وإنما آمنوا بها وأخذوا يُقيمونَ البراهينَ على ما يفهمونَهُ منها. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن المتكلمين في نظرتهم إلى الآيات المتشابهَةِ لمْ يأخذوها بصورة إجمالية من غيرِ تفصيلٍ، فجمعوا الآياتِ التي قالوا إنَّها تتعلّق بجسميَّةِ الله تعالى، وسلّطوا عليها عقولَهم ثم أقدموا على ما لم يجرؤ عليهِ غيرُهم، وأدّى بهم النظرُ في كلِّ مسألةٍ إلى رأيٍ بعينِهِ. وبعد ذلك عمدُوا إلى الآيات التي يَظْهَرُ أنها تُخالِفُ رأيهم فأوّلوها. ولذا كانَ التأويلُ - كما سمّوه - أوّلَ مظهرٍ منْ مظاهرِ أبحاث المتكلمينَ. فمثلاً حينَ أدّى بهمُ البحثُ إلى نفيِ الجهةِ عن الله عزَّ وجلَّ، وأنَّ أعينَ الناسِ لا يمكِنُ أن تراهُ، أوَّلوا الأخبارَ الواردةَ في هذه الرؤية!.. وهكذا كانَ التأويلُ عنصراً من عناصر تفكير المتكلّمينَ، وأكبرَ مميّزٍ لهم عن السَّلفِ. وهذا المنهجُ بالذاتِ، مع إعطاءِ العقلِ حُريَّةَ البحثِ في كلِّ شيءٍ، يؤدّي حتماً إلى جعلِهِ الأساس للقرآنِ، لا جَعْل القرآنِ أساساً لهُ، ما جعل الجدل قائماً بينَ المسلمينَ مُنذُ أوائلِ القرنِ الثاني للهجرَةِ حتى يومنا هذا!..
ولكنَّ هذا الجدل لم يكن متوافقاً والإسلامَ، الذي يحمل عقيدةً قويةً، صحيحةً صريحةً، عجزَ أمامها، لهيبتها الإلهية، العباقرة.. ولذلك كانت الدعوة إلى الإسلام، بكل ما يحمل من مقومات الحقِ، والخيرِ، والصلاحِ للإنسان، أبعدُ في حقيقتها عن آراء المتكلمين وكل المذاهب التي ظهرت في فكرهم.. فالإسلام هو دين الله - تعالى - والدعوة إليه هي الدعوة إلى الله الحق.. وهل بعد الحق إلا الضلال؟ ولذلك كان فرضاً على المسلمين أنْ يكون بينهم الدعاة الصادقون الذين يحملون الدعوة كما أمرَ الله - سبحانه - أنْ تُحملَ بقولهِ تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النّحل: 125]. وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ *} [فُصّلَت: 33]. وقوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]. ولكنْ بديلاً من هذا السموِّ الذي ما بعده سمو كان ما كانَ، خلالَ العصور التي مرَّتْ، وما قامَ به بعضُ الجماعات الإسلامية، الذين تركوا الدعوة إلى الدين الحنيف كما خطَّتْ أسسها وتوجهاتِها الآياتُ القرآنية الجليلةُ،وعكفوا على الجدل البحت، حتى غلبَ عليهم حبُّ المجادَلَةِ، وهاموا في أوديةِ نظريةِ الفنّ للفنّ.
منهج المتكلمين في علم المنطق:
يستندُ علمُ المنطق إلى اقترانِ القضايا بعضِها ببعض. واقتران القضايا ببعضها يَجْري فيهِ تركيبُ المعقولاتِ على المعقولاتِ واستنتاجُ معقولاتٍ جديدة منها، ويجري فيهِ ترتيبُ المحسوسات على المحسوساتِ واستنتاجُ محسوساتٍ جديدة منها. أمّا ترتيبُ المعقولات على المعقولاتِ فإنّهُ يؤدّي إلى الانزلاقِ في الخطأ، ويُؤدي إلى التناقضِ في النتائجِ، ويُؤدّي إلى الاسترسالِ في سلاسلَ منَ القضايا والنتائجِ المعقولةِ، من حيثُ الغرضُ والتقديرُ، لا من حيثُ وجودُها في الواقع، حتى أنّ آخرَ الطريقِ في كثيرٍ من هذه القضايا أوهامٌ لا طائل تحتها. ومن هنا كانَ الاسْتِدلالُ بالقضايا التي يجري فيها ترتيبُ معقولاتٍ على معقولاتٍ عرضةً للانزلاقِ، فيُقال منطقيّاً: القرآنُ الكريمُ كلامُ الله، وهوَ مُرَكّبٌ من حروفٍ مرتّبةٍ متعاقبةٍ في الوجودِ. وكلّ كلامٍ مركّبٍ من حروفٍ متعاقبةٍ في الوجودِ حادثٌ، فالنتيجةُ: القرآنُ حادثٌ مخلوقٌ. هذ الترتيبُ للقضايا أوصلَ إلى نتيجةٍ ليسَتْ مما يقعُ تحتَ الحسّ، فلا سبيلَ للعقلِ إلى بحْثِها أوِ الحُكمِ عليها، ولكنْ يمكنُ بواسطةِ المنطقِ ذاته أنْ يصلَ إلى نتيجةٍ تناقِضُ هذهِ النتيجة، فيُقالُ: القرآنُ كلامُ الله، وهوصفةٌ لهُ، وكلّ ما هو صفةٌ لله قديمٌ، فالنتيجةُ: القرآنُ قديمٌ غير مخلوق. وبذلكَ يبرز التّناقُضُ في المنطقِ في قضيّةٍ واحدةٍ.
وقد اعتمد المتكلمون علم المنطق أساساً لتفكيرهم فكان منهجهم يقوم على ما يلي:
1 - أقرّ المتكلمونَ بصحّةِ قواعدِ الإِيمانِ، وآمنوا بها، ثمّ اتخذوا أدلّتهم العقليّةَ للبرهنةِ عليها، فهم يعتمِدونَ البحثَ العقليّ بالأسلوبِ المنطقيّ لإِثباتِ صحة عقيدتهم..
2 - إنّ أبحاثَ المتكلّمين محصورةٌ فيما يتعلّقُ بالدفاع عن عقيدتهم، ودحضِ حججِ خصومهم، سواءٌ أكانوا مسلمينَ يخالفونَهم في الفَهْمِ، من قدرية ومرجئة وخوارجَ وغيرهم، أم كانوا غيرَ مسلمينَ كالنصارى واليهودِ وغيرِهمْ.
3 - أبحاثُ المتكلمينَ أبحاثٌ إسلاميّةٌ، وتُعتبرُ على اختِلافِها وتناقُضِها آراءً إسلاميةً، ويعتبرُ كلّ مسلمٍ اعتنقَ رأياً منها معتنقاً رأياً إسلامياً.
ولكن يبرز خطأ منهجِ المُتكلّمينَ في أربعةِ وجوهٍ هي:
1 - اعتمادهم في إقامةِ البرهانِ على الأساسِ المنطقيّ، لا على الأساس الحسيّ. بحيث جعلوا المسلمَ في حاجةٍ إلى أنْ يتعلّمَ المنطقَ، حتى يستطيعَ إقامَةَ البرهانِ على وجودِ الله تعالى. ومعنى ذلكَ أنّ مَنْ لا يعرفُ المنطقَ يعجزُ عن البرهَنَةِ على صِحّةِ عقيدتهِ.
2 - خروجُهُمْ على الواقعِ المحسوسِ، وتجاوزُهم إلى غير المحسوسِ، فقد بحثوا فيما وراءَ الطّبيعةِ في ذاتِ الله وصفاتِه، فيما لا يصلُ إليه الحسّ. وأفرطوا في قياسِ الغائبِ على الشاهدِ، أعني في قياسِ الله على الإِنسانِ، فأوجبوا على الله العدلَ كما يتصوّرُهُ الإنسانُ.
3 - إعطاؤهُم العقلَ حريّةَ البحثِ في كلِّ شيءٍ، فيما يُحَسُّ وما لا يُحَسُّ، وجعل المحسوس وغير المحسوس أساساً للبحثِ في الإِيمانِ كلّهِ. فترتّبَ على ذلك كلّه أنْ جَعَلُوا العقلَ أساساً للقرآنِ، ولم يجعلوا القرآنَ أساساً للعقلِ.
4 - جعلُوا خصومَةَ الفلاسفةِ أساساً لبَحْثِهِمْ، فالمعتزلةُ أخذُوا من الفلاسفةِ، ثمّ ردّوا عليهمْ، وأهلُ السنّةِ والجبريّةِ ردّوا على المعتزلةِ. وأخذوا منَ الفلاسِفَةِ ورَدّوا عليهِمْ، في حين أنّ موضوعَ البحثِ كان يجب أن يكون الإِسلاَمَ، وليسَتِ الخصومةَ معَ الفلاسفَةِ ولا معَ غيرهِمْ.
وكان عليهم أنْ يقِفوا عند حدِّ القرآنِ والحديثِ، وعندَ حدِّ البحث فيهما، بِغَضِّ النظرِ عن أيّ بحثٍ آخر. ولكنّهم لم يفعلوا ذلك، بل حوّلوا تبليغَ الإِسلام، وشرْحَ أفكاره، إلى مناظراتٍ ومجادلاتٍ، حتى انتهى بهمُ المطافُ إلى أنْ يتصفوا بصفةٍ جدليّةٍ، ومهنةٍ كلاميّةٍ.
الفرق بين المتكلمين والفلاسفة المسلمين:
أما منهجُ الفلاسفةِ فإنّهُ يتلخّص فيما يلي:
1 - إنّ الفلاسفةَ يبحثونَ المسائلَ بحثاً مجرّداً. ومنهاجُ بحثِهِمْ هوَ النّظَرُ في المسائلِ، كما يدلّ عليها البرهانُ. ونظرتُهم بشأن الذات الإِلهية نظْرَةٌ في الوجودِ المطلقِ، وما يقتضيهِ لذاتهِ.
وهم يبدأُونَ النظرَ في المسألة، ثم ينظرون إلى ما يؤدّي إليهِ البرهانُ، في سيرهم للوصول إلى النتيجةِ، كائنةً ما كانَتْ، فيعتقدون بها. وهذا يعني أَنَّ بحثَهم بحْثٌ فلسفيٌّ مَحْضٌ لا علاقَةَ لهُ بالإِسلامِ.
والفلاسفة المسلمونَ كانوا في كثير من أبحاثهِمِ يسلّمون بالأشياء الغيبية التي لا يمكنُ إقامةُ البرهانِ العقليّ على صحّتِها أوْ بُطلانها، كالبَعْثِ والنّشورِ والمعاد الجسمانيّ. وكثيراً ما كانوا يحاولونَ التّوْفيقَ بينَ بعضِ قضايا الفلسفة والقضايا الإِسلاميّةِ، ولكنْ ليسَ عندهم تأثّرٌ فكريٌّ يجعلُ الإِسلامَ أساساً، كما هي الحالُ عندَ المتكلمينَ. إنما تأثرهم تأثّرٌ يشبهُ إلى حدٍّ بعيدٍ تأثّرَ الفلاسفةِ المسيحيينَ بالمسيحيّةِ، والفلاسفةِ اليهود باليهوديّةِ، وهو تأثُّرٌ، بالديانتينِ، ضعيفٌ. أما الفلاسفةِ المسلمون فقد كان تأثرهم الحقيقيّ بالفلسفةِ اليونانيّةِ، ولذلك لم يكتبوا أفكارَهُمُ الفلسفيّةَ إلاَّ بعدَ تعمُّقِهِم في الفلسفةِ اليونانيّةِ.
2 - لمْ يكنْ كلُّ همِّ الفلاسفةِ المسلمينَ الدّفاعَ عنِ الإِسلام لأنهم كانوا يقفونَ عندَ تقريرِ الحقائقِ ثمّ يبرهنُونَ عليها، ولا يدخلُونَ في حكايةِ الأقوالِ المخالفَةِ والردّ عليها، دفاعاً عنِ الإِسلامِ، وإن كانوا قد تأثّروا بها بعضَ التأثّرِ.
ولذلك كان البحثُ العقليُّ هوَ الأصل وهوَ الموضوع، ولا يوجدُ غيرُهُ في بُحوثِهِمْ.
3 - إنَّ كثيراً من أبحاث الفلاسفَةِ المسلمينَ أبحاثٌ غيرُ إسلاميةٍ، بلْ هيَ أبحاثٌ فلسفيّةٌ، لا علاقةَ للإِسلام بها.
هذا هو الفرقُ بينَ منهجِ المتكلمينَ المسلمين ومنهج الفلاسفة المسلمينَ. ومَن الظّلمِ والدسِّ على الإِسلامِ أن تُسمّى الفلسفةُ، التي اشتَغَلََ فيها من أطلقت عليهم تسمية «الفلاسفة المسلمين» أمثالِ الكِنْدِي والفارابيّ وابن سينا وابن رشد، أو غيرهم.. فلسفةً إسلاميةً، لأنها لا تمتُّ إلى الإِسلامِ بصلةٍ. بلْ هيَ تتناقضُ معَ الإِسلامَ تناقُضاً تامّاً، من حيثُ الأساسُ، أوْ منْ حيثُ التفاصيلُ الكثيرةُ..
أمّا من حيثُ الأساسُ فإنّ أولئك الفلاسفة المسلمين قد بحثوا فيما وراءَ الكونِ، أي في الوجودِ المطلقِ، بخلافِ الإِسلامِ الذي يحصر البحث في صفات الكونِ وتراكيبه، وفي المحسوساتِ.
وأمّا من حيثُ التفاصيلُ فإنَّ لدى أولئك الفلاسفة المسلمين أبحاثاً كثيرةً، يعتبرها الإِسلامُ ضلالاً كالقولِ بقدمِ العالمِ، وأنَّهُ أزليّ، وأبحاثاً تقولُ إنّ نعيمَ الجنّةِ رُوحانيّ لا ماديّ، وأبحاثاً تقول: إنَّ الله يجهَلُ الجزئياتِ، وغير ذلكَ، مما هوَ كفرٌ صراحٌ في نظر الإسلامِ.. فكيفَ يُقال عنْ هذه الفلسفَةِ إنها فلسفةٌ إسلاميّةٌ مع هذا التناقض البيِّنِ في السبل والمنطلقات. أجل لا حاجة للإِسلام بالفلسفة مطلقاً، ما دام يحصر البحث العقليّ في المحسوساتِ، وما دام العقلُ عاجزاً عن البحث فيما وراءَ الكونِ. والخروج عن هاتين المسلَّمتين يجعل أبحاث العقل كافة بعيدةً عن الفلسفة، سائرةً في غيرِ طريقها. وليسَ في الإِسلام، كما ليس لدى جميع المفكرين الإسلاميين، أياً تكن مجالات أبحاثهم، إلا مصدران يُركن إليهما: القرآنُ الكريمُ والسنّةُ النبويّةُ الشريفةُ، فهما، وحدهما، أصلُ الإِسلامِ، عقيدةً وأحكاماً وأمراً ونهياً واختباراً، ومن شاءَ أن يلج في المجالات الفكرية عليه أنْ يجعل هذه المقومات عماداً لفكره، وإلاَّ خرجت أفكاره، وخرجت أبحاثه عن أن تكون إسلاميةً!..



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB