علم النَّفس (الجزء الاول)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




الفصل الرابع - البحث الأول: العقل - الفكر – الإدراك

الدّمَاغ: هو مركز انطباع الأشياء المحسوسة وموطن التصوّرات والتخيّلات


هذه الكلمات الثلاث (العقل، الفكر والإدراك) تدل على معنى واحد، ويقصد به الملكة أو الهبة التي كرّم الله تعالى بها الإنسان وحده من دون الكائناتِ الأخرى الحيَّة على هذه الأرض، والتي بموجبها يقدر أن يعقل أو يفكر أو يدرك الأشياء المحسوسة، والمعاني غير المحسوسة، ليعطيَ بالنتيجة حكمه عليها، ويقرِّرَ ماذا يفعل، أو لا يفعل، وماذا بوسعه أن ينشئ، أو لا ينشئ..
والعقل بمعناه اللغوي هو الإمساك والاستمساك، يقال عُقِلَ البعير بالعِقَال أي بالحبل، وعَقَلَتِ المرأةُ شعْرَها أي وضَّبتْهُ وربطته. وعَقَلَ لسانَه بمعنى كفَّهُ وأمسَكَهُ. وقيل للحصن: مَعقِل، وجمعه معاقل. وجمع العقل: عقول..
والعقل بمعنى الملكة المفكّرة المدركة، هو تلك القوة المتهيئة لقبول التعلّم والتعليم، ولذلك يُقالُ للعلم الذي يستفيده الإنسان بقوة الفكر والإِدراك: عقل.
وإلى المعنى الأول (القوة المتهيئة لقبول العلم) أشار رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بقوله: «ما خلَقَ الله خَلْقاً أَكْرَمَ عليهِ مِنَ العَقل»[*] . أما المعنى الثاني (علم الذي يستفيده الإنسان بقوة العقل)، فلقد أشار (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بقوله: «ما أُهديَ المرءُ المسلم هدية أفضل من كلمة حكمة هُدَى أو يَرُدُّهُ بها عَنت رَدَىً»[*] .
وقال الشاعر:
ما قُلتُ قولاً بِفَمِي
إلاَّ وعَقْلي مُلْهِمِي
أنا ابنُ عقلي وحَدَهُ
يُنْبىءُ عنه كلِمِي
بِهِ استَعنْتُ في شَبَابي
وكذا في هَرَمي
وهذا العقل هو المعني بقوله تعالى: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ *} [العَنكبوت: 43]. والمقصود هنا هي الأمثال التي ضربها الله تعالى للناس في القرآن وأشار إليها بقوله الحق: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الكهف: 54]، لتساعدهم، بطريقة التجربة العملية في حياتهم، أو بالعبرة من تجارب غيرهم، على التدبّر، وفهم الحقائق المطلقة، وكل ما يتعلق بأنفسهم، أو يصل إليه علمهم في آفاق السماوات والأرض.. وتلك الأمثالُ تُعَدُّ من الآيات التي تدلُّ على قدرة الله تعالى في الخلق، والتي لا يتفكّر فيها، ولا يعقلها إلاَّ العالمون، من ذوي الفكر والإِدراك.. فالذين يملكون القوة المتهيّئة لقبول العلم، والذين حصل لديهم العلم المدرك الواعي، هم وحدهم الذين يقدرون على معرفة معاني آلاء الله تعالى، وهم وحدهم المهيَّأون للوقوف على شؤون الحياة البشرية، وكلّ ما يتعلق بها، أو يحيط بها من مخلوقات الله .. ولكنَّ معارفهم، وعلومهم تكون على مستويات مختلفة، تبعاً لقوة مداركهم العقلية.. ولذلك نجد في القرآن الكريم الدعوةَ دائمةً للإنسان كي يتفكّر، ويتعقَّل، ويدرك، ويتبصَّر، ويفهم.. وما من موضع في القرآن ذمَّ الله تعالى فيه الكفارَ لعدم التفكّر والتعقّل، إلاَّ وينطبق على المعنى الثاني، أي عدم الإفادة من العلم. ومن قبيل ذلك تشبيهُ الحق - تبارك وتعالى - للذين لا يعقلون بالبهائم التي لا تسمع من راعيها إلاَّ صراخاً ونداءً، بحيث لا تدرك معنى ما تسمع.. وكذلك تشبيهُ الذين كفروا، بأنَّهم صمٌّ عن سماع دعوة الحق، بكمٌ عن النطق بشهادة الحق، عميٌ عن رؤية الآيات التي خلقَها الحقُّ تبارك وتعالى فهم لا يعقلون، وهذا مصداقٌ لقوله العزيز: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ *} [البَقَرَة: 171].
ثم إنَّ هذا القرآن نزّله ربُّهُ تعالى بالحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويهدي للتي هي أقوم، فمن يعقل آياته إلاَّ العالمون، ومن يجحد بآياته إلاَّ الكافرون والظالمون لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاَءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ *} [العَنكبوت: 47]، وقوله تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ *} [العَنكبوت: 49]. فهذه الآيات القرآنية واضحة الدلالة على أنَّ الكافرين والظالمين «لا يعقلون».. فهم يُدعون - وقبل أي اعتبار آخر - إلى دين الله الحق، ولكنَّهم يأبون قبول هذه الدعوة، أو الانصياع للحجج والبراهين العقلية التي يواجههم بها رسولُ الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، أو يفنّدها لهم المؤمنون، فهم قد ألفوا آباءهم على عبادة الأوثان، فساروا على آثارهم بدافع التقليد الأعمى، وهم يستكبرون عن سماع الآيات التي تهدي، حتى لكأنَّما لديهم كراهية الاهتداء، ولذلك يصورهم القرآن الكريم بالبهائم السائمة التي تسمع الصراخ عليها ولكن ليس لديها الملكةُ لفهمه، بل هم أضلُّ من تلك البهائم، لأنَّ الله - تعالى - وهبهم العقل الذي يعي ويدرك، فلم يُعملوه بسماع تدبّر، ولا بإدراك حق، ولا باستجابة لدعوة الحق، بينما لم يجعل - سبحانه - في البهائم عقلاً مدركاً، ولذلك كان الذين كفروا أضلَّ من البهائم. من هنا القول إنَّ كل موضع في القرآن فيه ذمٌّ للكفار يكون واقعاً تحت المعنى الثاني للعقل.. في حين أنَّ كل موضع رفع فيه التكليف عن العبد، أي حين يكون معفَىً شرعاً من القيام بالصلاة أو إيتاء الزكاة، أو الصوم أو الحج أو أي حكم من أحكام التكليف، فإنَّ إعفاءَه لعلة عدم تعقله وإدراكه: إما لكونه لم يبلغ الحلم، أو معتوهاً، أو مجنوناً، أو مريضاً بعلة مانعة، ففي جميع هذه الحالات إشارة إلى المعنى الأول للعقل، أي هو إنسان ليست لديه القوة المتهيئة لقبول العلم الذي يُبنى على التعقل والإدراك.
أما الإدراك، فيعني لغةً: اللحاق، يقال: لحق فلاناً أدركه، وتدارك القومُ وادَّركوا: تلاحقوا، وتدارك الله فلاناً برحمته.. ومنه قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا} [الأعرَاف: 38]، أي حتى إذا تلاحق أهل النار وتلاقوا - آخرهم بأولهم - واجتمعوا - القاصي بالداني - بدأ الجدال والخصام فيما بينهم، وهم يتلاعنون ويتلاومون على إغواءِ بعضهم في الحياة الدنيا، ثم انتهوا إلى أن يطلب أواخرهم العذاب لمن سبقوهم.. وهذا هو المصير الذي ينتظر الكافرين في الآخرة!..
ومثل العقل والإدراك، هكذا أيضاً الفكر الذي ينتج الفكرة؛ والتفكر جولان تلك الفكرة بحسب نظر العقل. وهذا التفكر هو ميزة خُصَّ بها الإنسان دون الحيوان. ولا يمكن أن يكون هنالك تفكر إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب، من حيث الانزعاج أو الاطمئنان. ولهذا روي عن رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قوله: «تفكَّرُوا في آلاء الله ولا تَفَكَّرُوا في ذاتٍ الله فَتَهْلَكُوا»[*] .. نعم هذه آلاءُ الله تعالى، أي صنائعه التي تحيط بنا من كل جانب، بل ووجود الإنسان ذاته إحدى أكبر هذه الآلاء، فعلام لا يصرف الإنسان اهتمامه إلى معرفة نفسه ومعرفة مخلوقات الله، وينتهي عن التفكير في ذات الله سبحانه وتعالى؟.إنَّ عقيدة التوحيد الإسلامية لا تسمح ولا تدعُ مجالاً لأي تصوّر بشريٍّ عن ذات الله - عزَّ وجلَّ - ، ولا عن كيفيات أفعاله، فالله سبحانه «ليس كمثله شيءٌ». ثم إنَّ التصورات البشرية إنما تنشأ في حدود المحيط الذي يستخلصه العقل البشري مما حوله من أشياء. فإذا كان الله - سبحانه وتعالى - ليس كمثله شيء، توقَّفَ التصور البشري إطلاقاً عن إنشاء صورة معينة لذاته تعالى. ومن توقف عن إنشاء صورة معينة لذاته القدسية يتوقف تبعاً لذلك عن تصور كيفيات أفعاله، ولم يبق أمامه إلا مجال تدبر آثاره سبحانه ، أي خلائقه في هذا الوجود، كما هو حاصل اليوم في مجالات العلوم المتقدمة على اختلافها من حولنا. وهذا هو المجال الفسيح لقوله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، وتأديبه لنا، حتى لا نهلك إن زلَّ بنا الفكر، واشتطَّ بنا التصوّر عمَّا هو مطلوب منا من التفكير والتدّبر الذي يشير إليه قول الله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} [الرُّوم: 8]، أي أولم يركنوا إلى أنفسهم، بعيداً عن أية تصورات موروثةٍ أو مسبقةٍ، فيتأمَّلوا، ويفكروا بأنَّ الله سبحانه وتعالى ما خلق السماوات والأرض عبثاً، وما خلق الكون كله إلا بالحق؟ وهذه - لعمري - دعوة من الله سبحانه، لعباده الذين أنشأهم، وجعل لهم السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ لكي يتفكروا في خلقهم، وفي خلق السماوات والأرض وما بينهما حتى يهديهم التفكير إلى الحق الذي بُني عليه كل شيء في الوجود.. وهذه الدعوة من الحقِّ تبارك وتعالى، لاتباع الحق، تبيّن أهمية الفكر الذي حباه الخالقُ العظيمُ لهذا الإنسان الذي يستطيع بعقله المتفكر، المدرك أن يحيط بالعلوم التي يشاء الله تعالى له أنْ يبلغها.
ويقول الله تعالى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ؛ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [البَقَرَة: 219-220].. إنه التوجيه الرباني نفسه، التعليم نفسه من الله العليم الحكيم للناس. يدلهم أنه سبحانه قد بين لهم آياته العظيمة الدالة على قدرته في الخلق. وهذا البيان منه - جلَّ جلالُهُ - فيه حثٌّ على التفكير والتدبر في أمور الدنيا والآخرة. فالتفكر في الدنيا وحدها لا يعطي العقل البشري ولا القلب الإنساني صورة كاملة عن حقيقة الوجود الإنساني، وحقيقة الحياة وتكاليفها وارتباطاتها، ولا ينشئ تصوراً صحيحاً للأوضاع والقيم والموازين. فالدنيا هي الشطر الأدنى والأقصر، وبناء الشعور والسلوك يجب ألاَّ يتوقف على هذا الشطر، بل يجب أن يتجاوزه إلى الشطر الآخر الأبعد، والأطول مدىً بكثير، ألا وهو الآخرة. فالتفكير والشعور بالآخرة ضرورة للإنسان حتى يدرك، ويعلم ما فيها من موازين وقيم، وما فيها من جزاء، ولذلك كانت دعوة القرآن للناس أن ينظروا في آيات الله تعالى التي بيّنها لهم، في أنفسهم، وفي الكون كله، علهم يتفكَّرون في الدنيا والآخرة، ويدركون حقيقة ما يجب عليهم فعله..
بعد هذه التوضيحات عن معاني العقل أو الإدراك أو الفكر، وبما أن هذه الألفاظ تعني شيئاً واحداً فسوف يتناول البحث:
- عوامل الفكر.
- أقسام الفكر.
- الفرق بين الفكر والتمييز الغريزي.
- العملية الفكرية.
- الطريقة العقلية والطريقة العلمية.
- ضرر التفكير ومنفعته.
- التفكير.
- التفكير البطيء والتفكير السريع.
- العقل والعاطفة.
1 - عوامل الفكر
الفكر: هو قدرة الإنسان العاقل المدرك على إصدار الحكم على الشيء، وذلك بناء على ما تحصّله الحواسُّ الخمس من أحاسيس ومدارك تجعل الإنسان قادراً على إعطاء الحكم على الأشياء.
ولذلك كانت الحواس الخمس - السمع والبصر واللمس والشم والذوق - داخلة في تكوين الإنسان. وكان لديه أيضاً الدماغ المنطوي على قدرة ربط المعلومات، وعلى قابلية التمييز. وهذه القدرة على الربط والتمييز هي خاصيّة[*] رئيسية لدى الإنسان. وهي كامنة في العقل - وموطنه النفس - الذي خصه الله به على سائر الكائنات الأرضية الحية، ليكون قابلاً للتكليف في الدنيا، ومسؤولاً عن تكاليفه إلى يوم الحساب، والجزاء في الآخرة.
ومن البديهي القول إنَّ الأشـياءَ موجودة قطعاً، والإنسان يتعرَّف إليها بواسطة حواسه الخمس، وبواسطة الدماغ لديه.. فهو يسمع الأصوات بأذنيه، ويبصر الأشياء بعينيه، ويشمُّ ما ينبعث من روائـح بأنفه، ويتحسس لمـس مـا تقع عليـه يـداه بجلـده، ويتذوق طعم الأشياء بلسانه، ما يعني أنَّ كلَّ الأشياء التي هي في متناوَلِه أو تحيط به، أو تقع عليها حواسه، تكوِّن واقعاً محسوساً بالنِّسبة إليه.. فالرغيف، مثلاً، أو القلم، أو الفيجن[*] ، هي من الأشياء التي تقع تحت الحواس، أي من الأشياء المحسوسة التي تنبثق من الواقع المحسوس.. لكن يمكننا أن نحكم على ماهية الرغيف أنه رغيف أو القلم أنه قلم ولا نستطيع الحكم على الفيجن، لأنَّ المعلومات التي تكوَّنت لدينـا عن الرغيف أو القلـم بصورة كافيـة، جعلتنا نميّز كلاّ ً منهما عن غيره من الأشياء، ونكوِّن الصورة الصحيحة عن ماهيته، أي أن نعرف كلاًّ منهما معرفةً تامة، وهذه المعرفة هي الأساس للحكم على الأشياء.. وهذا بخلاف الفيجن عندما نراه لأول مرة، فنحن نجده نبـاتاً بصفةٍ معيَّنـة، وتنبعث منـه رائحة معيَّنة، ولكن على الرغـم من رؤيته، وشم رائحته، فنحن لا نقدر على إعطاء حكم صحيح عليه، لأننا لم نصل بعد إلى معرفته بصورة تامة. والسبب في ذلك أنه ما زال ينقصنا عاملٌ مهم لهذه المعرفة، وهذا العامل يتمثَّل بالمعلومات السابقة عن الفيجن، التي لم تكن قد تكوَّنت لدينا بعدُ. فهـذا الواقع المحسـوس الجـديـد الذي هـو «الفيجن» تكوَّنت لدينا ثلاثة عوامل بالنسبة إليه، هي: الواقع (وجود الفيجن) والإحساس بالواقع (النظر وشـمّ رائحته) والتمييز (إدراكنـا أنه نبات معيَّن يختلف عن غيره من النباتات الأخرى).. ويبقى أن نعطي صورة فكرية عن الفيجن، أي أن نحكم عليه.. فإذا تـوافـرت لنـا المعلومـات أنه نبات ورقه كالصعتر، وينبت في أحوال مناخية معيَّنة.. ويعطي رائحةً معيّنـة. وله طعم كـذا.. وله فائدة كـذا.. فهـذه المعلومات التي تكوّنت لدينـا، إذا مـا أُضيفت إلى العوامل الثـلاثة الأولى، باتت جميعها تمكّننا من إعطاء حكم على الفيجن.. فإذا رأينا الفيجن مرة أخرى، فإننا قادرون على أنْ نميّزه بخصائصه عن غيره من النباتات الأخرى..
وهكذا الأمر بالنسبة إلى الأشياء المحسوسة وغير المحسوسة كافة، فإنه يقتضي توافر أربعة عوامل لأجل الحكم عليها وهي:
1 - الواقع.
2 - الإحساس بالواقع.
3 - تمييز الواقع عن غيره.
4 - توافر المعلومات السابقة عنه.
وللتوضيح، فأنت لو سُئلتَ مثلاً ما هي الوليمة؟ وكنت تعلم سابقاً ماهيتها، فإنك تجيب على الفور: إنها دعوة إلى الطعام في الأفراح، أما الذي جعلك توضّح معناها، وبهذه السهولة، فهو أن العوامل الأربعة عنها متوافرة لديك.
ولكن إذا سُئلت ما هي الوضيمة؟ ولم تكن قد تكونت لديك معلومات سابقة عنها، فإنك تقف حائراً وتجيب: لا أدري.. ففي هذه الحالة، وبعد أن سُئلت عن كلمة «وضيمة» توافرت لديك ثلاثة عوامل: الواقع (فما دمت قد سُئلت عنها فإنها صارت واقعاً بالنسبة إليك، أي شيئاً موجوداً)، والإحساس بالواقع (التقاط سمعك لها وإحساسك بواقعها عن طريق السمع).. ثم بعد أن اختلط الواقع بالإحساس، نُقِل هذا الواقع إلى الدماغ فانطبع فيه، ومن ثم قام بعملية تمييزه، عن سائر الانطباعات الأخرى لديه، أي إنه صار لدى الدماغ انطباع[*] جديد عن واقع يقال له: «وضيمة».. فإلى الآن حصلت العملية الفكرية التي جمعت بين العوامل الثلاثة الأولى، ولكن على الرغم من حصول هذه العملية الفكرية، فإنك لم تصل بعد إلى إعطاء حكم واضح عن كلمة «وضيمة».. ولا بد من أن تتوافر لك معلومات سابقة عنها حتى يحصل عندك الفكر، أي احتمال العملية الفكرية.. فإذا علمت - من أي مصدر - بأنَّ الوضيمة هي الدعوة إلى الطعام في الأتراح، فإنه بات بإمكانك، في أي وقت بعد ذلك، أن تميّز ما بين الوليمة والوضيمة أي أن تعطي حُكماً صحيحاً على كل منهما، وهذا بسبب ما توافر لديك من المعلومات السابقة عنهما..
ولكن ما هي هذه المعلومات السابقة؟ وما هو مقياسها؟ وما هو الدليل عليها؟
هذا ما يجيب عنه معرفة عوامل الفكر، وهي أربعة:
- عاملان يدخلان في تكوين الإنسان وهما: الحواسُّ الخمس، والدماغ الذي هو مركز التمييز.
- وعاملان يخرجان عن تكوين الإنسان وهما: حقيقة الواقع، ومسمَّاهُ..
وتنطلق العملية الفكرية من اجتماع هذه العوامل الأربعة. ونقطة الانطلاق تكون دائماً من الواقع المحسوس. وهذا الواقع قد تُنقل عنه معلومات صحيحة وصادقة، أو قد تُنقل عنه معلومات خاطئة ومشوهة.. فإذا قيل لنا: في محلة كذا شُيِّد بناءٌ ضخمٌ جديدٌ من عشرات الطوابق، وذهبنا ووجدنا البناء كما أُعلمنا عنه، كانت المعلومات صادقة. ولكن إذا قيل لنا إنَّ الجسر في محلة كذا قد تهدم، وذهبنا لنتأكد من صحة الخبر، فوجدنا الجسر قائماً ولا يزال على حاله، كانت المعلومات خاطئة.. إلاَّ أنَّ الذهاب إلى الجسر ومعاينته بواقعه، قد أثبت لنا حقيقة هذا الواقع. وهذه الحقيقة هي التي نفت التشويه والتلفيق والتضليل.. فمقياس المعلومات السابقة، والدليل على صحتها أو كذبها، إنما يكون في التأكد من حقيقة الواقع الموجود.. وبناء على حقيقة الواقع يكون إدراك معنى الأشياء مثل: ماذا تعني هذه اللفظة، وما طعم هذه الفاكهة، وما اسم ذلك الشيء، وما ينفع هذا الشيء أو ماذا يضرّ، وما يقدِّم هذا الأمر أو ماذا يؤخِّر، وما يُثبت هذا القول أو ماذا يَنفي، ومن حضر أو من غاب؟ وهلمَّ جرّاً بالنسبة إلى جميع الأشياء، والأمور، والشؤون، والقضايا، والحالات، والمسائل... التي تشكل وقائع مادية أو غير مادية... والتي لا بد من توافر معلومات سابقة عنها، تجتمع مع العوامل الأخرى، حتى يصير بالإمكان الربط، وبالتالي التمييز بين شيء وآخر..، لأنَّ العبرة بهذ الربط حتى أنْ تتم العملية الفكريَّة، ويحصل بالتالي الفكر، القادر على التمييز بين خصائص الأشياء حتى يتمكن الإنسان المميّز من إصدار الأحكام عليها. وإنَّ التدريب على الربط منذ الصغر، هو الذي يجعل العوامل الأربعة تتضافر لإيجاد الفكر، أي الحُكم على الواقع.
2 - أقسام الفكر
يكون الفكر إما فكراً سطحيّاً، أو فكراً عميقاً، أو فكراً مستنيراً:
أ - فالفكر السطحيُّ هو النظر إلى الشيء، والحكم عليه بدون فهم.
ب - والفكر العميق هو النظر إلى الشيء، وفهمه، ثم الحكم عليه.
ج - أما الفكر المستنير فهو النظر إلى الشيء، وفهمه، وفهم خواصّه، وكل ما يتعلق به، ثم الحكم عليه.
ويمكن التدليل على هذه الأقسام الثلاثة للفكر بمثال معين، كأنْ ينظر أحدُنا إلى شجرة من المشمش مورقة مثمرة، فإنه يجدها تتألف من ثمرٍ وورقٍ وخشب، ثم يدقق النظر في الورق الأخضر الذي يكسو الشجرة فيحكم بأنَّ النفع الورقيَّ محصور بالزينة، لأنَّ منظر الشجرة المورقة يختلف عن منظرها عارية.. إنَّ هذه النظرة العابرة الخالية من التأمل إلى الورق، أدت إلى إعطاء حكم سريع، كان بالتأكيد حكماً سطحياً.
أما إذا أتى بورقة شجرة المشمش، وأخذها إلى المختبر، وأجرى عليها الاختبارات اللازمة، فسيرى أنَّها تحتوي على رئة تنفسيَّة تأخذ الكربون من الهواء وتطلق الأوكسجين، كما تحتوي على حبيبات صغيرة - تدعى اليخضور - تدور ضمن الورقة كما يدور محرِّك السيارة، وعلى عروق صغيرة تصل الورقة بالغصون، وتستمدُ منها النموَّ.. ثم إنه سيجد بنتيجة تفاعل العوامل المتحدة في الورقة، والدائبة في تأدية وظيفتها، ما يزوِّد حبة المشمش بالسكر والنشاء.. فإجراء مثل هذا الاختبار الدقيق على الورقة، أدَّى إلى إعطاء حكم عميق عنها... فهذا، إذًا، هو الحكم العميق الناتج من الفكر العميق..
ولكن إذا قام العالم - بعد إجراء العمل المخبري على ورقة المشمش - بالبحث عن علاقتها بما يحيط بها، بحيث لا يترك ناحية من نواحي هذه العلاقة إلاَّ وحاول أن يعرفها. من مِثل تأثير الشمس، والهواء والماء عليها، أو خلوها من الأمراض بفعل العناية اللازمة، ونوع البذرة الذي جعل ثَمَرَ هذه الشجرة أصغر من ثمار أشجارٍ غيرها، بل وجعلَ طعم ثمرها مختلفاً عن طعم المشمش.. فكل ذلك ينتهي به إلى حكم جديد هو الذي جعله يعرف مدى دقة صنع الأوراق على شجرة المشمش وكم فيه من إتقان وإحكام وتنظيم حتى استوت هذه الورقة على النحو الذي هي فيه، وأدّت الوظيفة المعهودة إليها في نماء الشجرة، ونتاج الثمار.. ومثل هذا الحكم لم يكن ليصدر إلاَّ عن التفكير المستنير الذي جاء نتيجة للمعلومات السابقة، أي من الدراسات والعلوم المتعلقة بزراعة شجر المشمش في تُربةٍ معيّنة وفي مناخ معين.
أما إذا توقف الإنسان عند الإعجاب بجمال الورقة الخضراء، وما تبديه من زينةٍ على أمها الشجرة، فإنه يُبقى عند حدود التفكير السطحي، ولا يصل إلى ما توجبه النظرة العميقة أو الفكر العميق، وبالتالي فإنه من الطبيعي ألاَّ يكون لديه فكرٌ مستنير، لأنّ هذا الفكر يجب أن تسبقه النظرة العميقة أو الفكر العميق..
وبعد هذا المثال صار بالإمكان البحث لمعرفة أقسام الفكر الذي ينتج عنه التفكير.. التفكير السطحي: ويجري بنقل الواقع فقط إلى الدماغ دون محاولة إدراك خصائص هذا الواقع وربطه بكافة المعلومات المتعلقة به، وهذا ما يغلب على الجماعات المتخلفة أو الأفراد الأغبياء، بل وعلى غير الأذكياء من الناس العاديين..
ويمكن معالجة السطحية، أو إزالتها، أو تخفيفها من خلال معالجة الأفراد، وذلك:
أولاً : بتغيير روتين التفكير الذي ألفوه، وإقناعهم بعدم جدوى ما اعتادوا عليه لأنه هو الذي يؤدي إلى سطحية أحكامهم..
وثانياً : بإكثار التجارب لديهم أو أمامهم، وبجعلهم يعيشون وقائع كثيرة، بحيث يجدون الواقع متعدّداً، ومتجدّداً ومتغيّراً..
وثالثاً : بجعلهم يعيشون مع الحياة، ويسايرون ركبها لاكتساب الوعي بما هو موجود في هذه الحياة.. إذ كلما كثُر الأفراد الواعون في الأمة، كان الأخذ بيدها إلى النهوض أسهل وأقرب للتحقيق، لأنهم يتصورون وقائع الحياة الراقية تصوراً واقعياً، وذلك عن طريق تقبل الأفكار الصادقة، والعمل بالآراء الصحيحة، واعتناق الأفكار القطعيّة، ولاسيما التمييز بين الآراء المتباينة، المتضاربة في المنشأ والتوجُّه، وهذا ما يجعلهم أكثر إدراكاً للأمور، ويجعل تفكيرهم تفكيراً متميزاً لشدة إحساسه بالواقع، مما نخلص معه إلى القول بأنَّ معالجة السطحية عند الأفراد إنما يكون هدفها إيجادَ مفكرين تعتمد الأمة عليهم، لتزويدها بالأفكار النيّرة التي تحقق تقدمها وعزّتها.
والتفكير العميق : إنّما يعني التعمُّق في التفكير، أي التعمُّق بالإحساس بالواقع، والتعمق بالمعلومات التي ترتبط بهذا الواقع لإدراكه إدراكاً صحيحاً. فصاحب الفكر العميق لا يكتفي بمجرد الإحساس بالأشياء فقط، ولا بالمعلومات الأولية التي تمكّنه من ربط الإحساس بالواقع - كما هي الحال عند صاحب التفكير السطحي - بل يحاول أن يحسَّ به أكثر عن طريق التجربة ومعاودة ربطها بالواقع، كما يعاود البحث عن معلومات أخرى مع المعلومات الأوليَّة ليربطها بالواقع أكثر من قبل، عن طريق الملاحظة وتكرارها بحيث يخرج من تكرار الإحساس بالواقع والاستزادة من المعلومات عنه، ومعاودة الربط بين المعلومات والواقع عن طريق التجربة، والملاحظة.. أجل، بحيث يخرج من ذلك كله بأفكار عميقة، سواء أكانت حقائق أم لم تكن حقائق. وهذا هو التفكير العميق، أي التفكير الذي يُبنى على عدم الاكتفاء بالإحساس الأولي، وعدم الاكتفاء بالمعلومات الأولية، وعدم الاكتفاء بالرَّبط الأوَّليِّ.. ولذلك فهو يشكل هو إذًا الخطوة الثانية أو المرتبة التي تعلو التفكير السطحيّ.. وهذا هو تفكير العلماء، والموصوفين بالمفكرين.
وأما التفكير المستنير : فهو التفكير العميق نفسه، مضافٌ إليه التفكير بخصائص الواقع وكل ما يتعلق به، ويميّزه عن غيره، للوصول إلى النتائج المرجوة.. وهذا يعني أنَّ كلَّ فكرٍ مستنير هو تفكير عميق في الأصل، لأنه لا يمكن أبداً أنْ يأتي التفكير المستنير من التفكير السطحي، بل يُبنى على التفكير العميق الذي سبقه.
وبالمقابل ليس بالضرورة أنْ ينتقل كلُّ تفكيرٍ عميقٍ إلى تفكير مستنير.. لأنَّ التفكير العميق عندما يظل في إطاره، ولا يحاول أنْ يربط الموضوعَ الذي يبحث فيه بكل ما يتعلق به، فإنه يحافظ على كيانه كتفكير عميق.. فعالم الذرة حين يبحث عن شطر الذرة، وعالم الكيمياء حين يبحث عن تركيب الأشياء، وكلُّ العلماء الآخرين حينما يبحثون في مجال اختصاصاتهم، إنَّما يكون بحثهم بطريقة التفكير العميق الذي من شأنه أنْ يوصلهم إلى النتائج التي يتوخونها!.. ولكنْ لو أنَّ عالم الذرة لم يكتفِ بالبحث في شطر الذرة أو تفتيتها، بل أخذه العجب حين البحث، وقادَهُ فكره إلى معرفة علاقة هذه الذرة بالكون، وبتكوين الأشياء، وما ينتج من تلك العلاقة وهذا التكوين، وما يترتب عليهما من مفاعيل، ولاسيما استخدام الذرة لخدمة الإنسان ونفعه.. هنا في هذا الوضع، أصبح عالم الذرة صاحب تفكير مستنير، ولم يعد فقط صاحب تفكير عميق، ممّا يمكن الاستنتاج معه بأنَّ التفكير العميق لا يكفي وحده لإيجاد النهضة في هذا المجال أو ذاك، ورفع مستوى الإنسان معنوياً ومادياً، بل لا بدَّ حتى يحصل ذلك من الاستنارة في الفكر، وهذه الاستنارة هي التي تؤدي إلى النهوض.
والاستنارة الفكرية، وإن لم تكن ضرورية في الوصول إلى نتائج صحيحة في ميادين العلوم، والآداب والفنون، كالعلم التجريبي، أو القانون، أو الطب أو الفلسفة، أو الموسيقى وما إلى ذلك، إلا أنها ضرورية لرفع مستوى الفكر لدى المفكرين. ولذلك فإنه لا يكفي لنهوض الأمة وجود العلماء في العلم التجريبي، ولا وجود الفقهاء في الدين، أو القانونيين في علم القانون.. ولا وجود الأطباء والمهندسين والصيادلة والتجار والصناعيين بل لا بدَّ، في الأساس، من أنْ تكون لدى القادة المفكرين في الأمة استنارةٌ في التفكير، أي أنْ يكون لديها المفكرون المستنيرون في مختلف أمور الحياة وشؤونها، لأنَّ هؤلاء هم الذين يصنعون النهضة..
وبناء على ذلك، نستطيع القول بشكل جازم ويقينيّ: إن السبيل الفكري القويم الذي يجب أن يسلكه الإنسان لتحقيق النهضة الفكرية الصحيحة، هو الفكر المستنير.
3 - الفرق بين الفكر والتمييز الغريزي
كثيراً ما يَخْلطُ الناسُ الفِكرَ بالتّمييزِ الغريزيّ، ويعْجزُونَ عنِ التفريق بينهُما، ما يؤدي إلى الوقوعِ في أخطاء مضحكة حيناً، ومُضلّلةٍ أحيـانـاً.. فمنهم مثـلاً مَنْ جَعَـلَ للطفـل منـذُ ولادتِهِ عقـلاً وفِكراً، ومنهم مَنْ جَعَلَ للحيوان فكراً، ولهذا كانت معرفةُ الاهتداء الغريزيّ مهمة كمعرفةِ الفكرِ، أو العقلِ، أو الإدراك؛ فما هو الاهتداء الغريزي؟.
يتمّ الاهتداءُ الغريزيّ عندَ الحَيَوانِ منْ تكرارِ إحساسه بالواقع، لأنّ لَدى الحيوان دماغاً، ولديه حواسّ (كما هي الحال في الإنسان) ولكنّ دماغَ الحيوان عاجزٌ عنِ الرّبط، لأنَّ كلّ ما فيه مَركزُ للإحساسِ فَقَطْ، فليس لديه معلوماتٌ سابقةٌ يربطها بالواقعِ المحسوس، بل كلّ ما لديه انطباعاتٌ عنِ الواقعِ، ويستعيدُ هذه الانطباعات حينَ الإحساس بالواقع. وهذه الاستعادةُ ليست ربطاً، بل هي تحرّكٌ لمركز الإحساس، يؤدي إلى حصول تمييزٍ غريزيٍ، الذي يُعيّنُ حركة الحيوان نحوَ إشباعِ غرائزه أو الحاجات العضويّةِ لديه..
ويكونُ هذا التحرك فقطْ للإشباعِ، أو الامتناع عن الإشباع. فإذا قُدِّمَ لهرٍّ - مثلاٌ - لحْمٌ وعنَبٌ، عَرَفَ بغريزته أيّهما يأكُلُ وأيَّهما لا يأكُلُ، فيُقبِلُ على ما يشبع جوعه وهو اللحم، ويُعْرِضُ عمّا لا يأكله وهو العنب.. والأمرُ كذلِكَ إذا قُدّمَ لحصانٍ شعيرٌ وتُرابٌ، فإنَّ الإحساس عنده يتركّز على أنَّ الشعيرَ يُشْبعُ حاجَتَهُ، والتّرابَ لا يُشبعُها، وعندئذٍ يَترُكُ التّرابَ لمجرَّد الإحساس به، ويأكل الشعير لمجرّدِ الإحساسِ به - إذا كانَ جائعاً - وهكذا بالنسبة إلى كلّ حيوانٍ. والطفلُ حين الولادةِ كالحيوان، فإنّ دماغَهُ، وإنْ كانَ فيهِ قابليَّة الرّبطِ، إلا أنه ليسَ لديهِ معلوماتٌ يربطها بالإحساس بالواقعِ الجديد حتى يميّزَهُ. ومن هنا لا يكونُ عنده فِكْرٌ، بَلْ فقط تمييز أو اهْتداءٌ غريزيّ للشيء من حيثُ كَونه يُشْبع أوْ لا يُشبع - ودليله الملحوظ أنَّ كل شيء يمسكه الطفل يحاول أن يضعه في فمه، كأنما يريد أن يأكله - وكذلك ليستْ عند الطفل معرفَةٌ عن حقيقة الشيء، فهوَ لا يعرفُ ما هو الشيء الذي يُشبع، ولا ما هو الشيء الذي لا يُشْبع. فإذا عُرِضَتْ على الطفلِ مثلاً تمرةٌ وفحمةٌ فإنه لا يستطيع التمييز بينهما، ولا معرفة أيهما فيها الإشباع وأيهما فيها الضرر. ونستقي المثال البارز على ذلك من حياة النبي موسى (عليه السلام) ، فقد وَضَعَ أمامه فرعون، عندما كان طفلاً يتربَّى في قصره، ثمرةً وجمرةً، فأخذ الجمرةَ ووضعها في فمه، ولذلك كانت لديه اللثغة في كلامه..
ولكن عندما يكبر الطفل، وتتكوَّن لديه المعلوماتُ السابقة فإنه يبادر إلى استعمالها طبيعيّاً، لأنّ الرّبط - في الأصل - جُزْءٌ مِنْ تكوينِ دماغِهِ. وبناء على ذلكَ فإنّ التمييزَ الغريزي، أو الاهتداءَ الغريزيّ لا يتعدّى الإحساس بواقع الشّيء الذي يُشبعُ أوْ لا يُشْبعُ، وهذا بخلاف الفِكرِ الذي لا يكتفي بالإحساس بواقع الشيء، بل يتعداه إلى الحكم على الشيء، والعملية التي يَتِم بها هي حتماً العملية الفكرية، التي يمكن أن تحصل بإحدى طريقتين، بعد معرفة العملية الفكرية.
- الطريقة العقلية : وهي تحتاج إلى ملاحظة واستنتاج.
- الطريقة العلمية : وهي تحتاج إلى ملاحظة وتجربة واستنتاج. وسوف يأتي البحث في هاتين الطريقتين، بعد معرفة العملية الفكرية.
4 - العملية الفكرية
إنَّ العملية الفكرية لا تتمُّ إلاَّ إذا تحقق لها ثلاثة عناصر: وجود الواقع والإحساس بالواقع، وتوافر المعلومات السابقة عنه. كما لا بد من تمييز الواقع عن غيره. وأما ما قيل: من أنَّ الإنسان الأول قد اصطدم بالأشياء فانعكست عليه، فصار بالحسِّ يعرف أن هذه الثمرة تُؤْكلُ وهذه لا تؤكل، وصار يعرفُ أنَّ هذا الحيوان يؤْذيه فيتجنَّبه، وهذا لا يؤذيه فيستخدمه، واهتدى بالحسِّ والتجربة إلى أنَّ الخشب يطفو على الماء فأخذ يستعمله على شكل قوارب ليجوب في الأنهارِ والبحار، وإلى حكّ الأحجار ببعضها، إلى غير ذلك من المكتشفات البدائية.. فهذا كله غير صحيح، لأنَّ الإنسان منذ خلقه الله تعالى كان مفكراً بدليل قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البَقَرَة: 31]، وفقاً لما قيل أي وعلَّم الله - خالقُ آدم - المسميّات كلها التي تقع عليها حواسه، أو التي يمكن أن يدركها بعقله، بما ألقى في روعه من علمها، فكان من الطبيعي أن يكمن ذلك العلم في ذريته، وتهتدي إلى المسميات بالتعلم والبحث والتفكر.
نعم، قد يقال: إنَّه قد يحصلُ أن يُعطى شخصٌ آلةً معقدة، وليست لديه معلوماتٌ سابقةٌ عنها، ثم يُطْلَب منه حلُّها وتركيبُها، فيبدأ بإجراء تجارب متعددة عليها ليصل من خلال هذه التجارب إلى حلّها ثم إلى تركيبها. وبذلك فإنه يكون قد وصل إلى فكر دون حاجة إلى معلومات سابقة. والجوابُ على ذلك هو أن هذا الشخص لا بدَّ وأنْ يكون لديه معلوماتٌ متعددة ومتنوعة سابقة، فأخذ بتجاربه الجديدة يربط المعلومات التي لديه بالواقعِ الذي بين يديهِ، ويربط ما بين المعلومات المتنوعة حتى توصل إلى معلوماتٍ يفسر بواسطتها حلّ الآلة وتركيبها، أي إنه بهذه المعلومات التي استنتجها حول الآلة أمكنه القيام بعملية فكرية هي التي أوصلته إلى الحل.. لكنَّ هذا الشخص لا يصلح أن يكون مثالاً، لأنّ لديه معلومات، أو لأنه متميّز بالقدرة على الربط، وإنما المثال الذي يمكن أن يؤتى به هنا هو الطفلُ الذي لا توجد لديهِ معلوماتٌ إطلاقاً، أو الرجل الذي ليس لديه معلومات أوليّة يمكن أن يستعين بها على استنتاج معلومات يفسر بها الواقع، كأن تأتي بأعرابيٍّ وتدخله مختبراً وتتركه يجرِّب، أو أنْ تأتي بعالم من علماء الاقتصاد وتضعه في مختبر الذرَّة وتطلب منه العمل على صنع قنبلة ذرية.. فمثل هؤلاء، وبدون معلومات لديهم، لا يمكنهم التوصل إلى إنشاء فكر جديد..
والحاصل أنَّ كلاًّ من الحواسِّ تنقُلُ ماهية أو صورة الواقع المادي كما هو إلى الدّماغ، فإنْ كانَتْ الحاسة سَمْعاً نَقَلَتْ جَرْسَ الصوت الذي تسمع، وإنْ كانت بصراً نقلت صورةَ الشيء الذي تراه، وإنْ كانت شَمّاً نَقَلَتْ رائحة ما شمَّت، - أي نوع رائحته -، وهكذا فإنّ الواقع يرتسم كما نقل في الدماغِ، أي حَسَبَ الكيفية التي نُقِلَتْ، وبذلِكَ يَتِمّ الإحساسُ بالواقع فقَطْ، ولا يَنْشَأ عنْ ذلكَ تفكيرٌ بل تَمَيّزٌ غَريزي فَقَطْ مِنْ حَيْثُ كوْنه يُشْبعُ أوْ لا يُشْبعُ، يُؤلِمُ أوْ لا يُؤلمُ، يُفرِحُ أو لا يُفرح، يَلَذّ، يُغضب، يُحزنُ، يُحرِقُ، يُقوِّم، يُذبلُ.. ولا يَحْصُل أكثرُ منْ ذلكَ. فإن كانتْ هُنالِكَ معلوماتٌ سابقَةٌ ورَبَطَتْها قُوَّةُ الرّبطِ الدماغيّةُ بالواقعِ المحسوس الذي ارْتَسَمَ في الدماغِ، فعندئذٍ تتمّ العمليّةُ الفكريَّةُ، وينتجُ إدْرَاكُ الشّيء، ومعرفَةُ ما هو، وإلا يَبْقَ الأمر عِنْدَ حَدّ الإِحساسِ أو عندَ حد التّمييز الغريزيّ فقطْ. وأمَّا ما يتم من محاولات التّفكير مع عَدمِ توافرِ الواقع المحسوسِ، ومع عدمِ توافرِ المعلومات السّابقة، فلا يتعدّى تَخَيّلاتٍ فكرية تُسيطر على صاحبها بسبب بُعْدِه عن الواقعِ المحسوسِ، ما يؤدي إلى الوقوع - أحياناً كثيرة - في الأوهام والضلالِ، وربما أدّى الإكثار من مثل تلك التخيلات إلى إجهادِ الدماغ، فيُصابُ بأمراض الخَلَلِ والصرعِ وما شاكل ذلكَ.
هذا هو تعريفُ الفِكر، الذي ينتجه المفكر، أي الذي حصلت لديه العملية الفكرية، لا لمَنْ يُنْقَلُ إليه الفكرُ. أما مَن يُنْقَلُ إليه الفكرُ فلا تحصل لهُ هذه العمليّةُ، لأنّ الفِكْرَ نَتَجَ وانتهى، فيعطيه مُنتجُهُ للنّاسِ، وينقلُهُ الناسُ لبعضِهِم، ثم يُعبّرونَ عنهُ باصطلاحات خاصة. والفكرُ المنقولُ للآخرينَ يُنظرُ فيهِ، فإن صارَ له واقعٌ، وتَصَوَّرَهُ من نُقل له كما نقل تماماً، حتى صار كأنهُ أحسّهُ هو، وسلّمَ به، فهو في هذه الحالة، قدْ أَدْرَكَهُ وأصبحَ هذا الفِكْرُ مفهوماً من مفاهيمه، كما لو نتجَ هذا الفكرُ منه بالذّات. ولكن إذا لم يكن لهذا الفكر واقع عند الشخص الذي نُقِلَ إليه، بل فهِمَ اللفظ، والفكرة التي يعبّر عنها اللفظ، ومع ذلك لمْ يتكوّنْ لهُ واقعٌ في ذهنِه، لا حِسّاً، ولا تصديقاً ولا تسليماً، كان ما نقل إليه فقط مجرد معلوماتٍ، أو مجرّد معارف عن أشياء، لذلك فإن المعلومات وحدها غير كافية للتأثير، بل المفاهيمُ هي التي تؤثُر، لأنها أفكارٌ لها واقعٌ في ذهنِ مَن أدركها. ولهذا السببِ لم يكن بُدّ مِنْ أن يعرف المفكر واقع ما يفكر به، وما هو تأثيره، وكيف يؤثر، حتى يمكنه أن ينقل فكره إلى غيره، وإلاَّ فإنه لا يكون قد نقل فكره للناس، بل يكون قد نقل إليهم مجرد معلومات قد تمكّنهم من أن يكونوا بها متعلّمين، لا مفكرين.
5 - الطريقة العقلية والطريقة العلمية
تُعَرَّفُ الطّريقةُ العقليّةُ بأنَّها منهجٌ مُعيّنٌ للبحث يسلكه الإنسان للوصولِ إلى معرفةِ حقيقةِ الشّيءِ الذي يَبحثُ عنهُ. ويكون ذلك عَنْ طريقِ نقلِ إحساسه بالواقعِ (بواسطة الحواسِّ) إلى الدّماغ، شرط أن تكون لديه معلوماتٌ سابقةٌ يُفسّرُ بواسطتِها الواقعَ، لكي يمكنه أن يُصدر حكمَهُ عَلَيْهِ. وهذَا الحكمُ هُوَ الفكرُ، أوِ الإدراكُ العقليُّ.
وتُعتمد الطريقةُ العقليةُ في بحثِ الموادِّ المحسوسةِ كعلم الكيمياءِ أو الفيزياءِ مثلاً، وفي بحثِ الأفكارِ مثل العقائدِ والتّشريعِ، أو فهم الكلام مثل الأدبِ والفقه، وهذهِ الطّريقةُ هيَ الطريقةُ الطبيعيّةُ للوصولِ إلى الإدراك العقليِّ. وعمليّتُها هيَ التي يَتَكَوّنُ بها عَقْلُ الأشياءِ، أي إدراكُها، وهيَ نفسُها تعريفٌ للعقلِ، وعلى منهجها يصلُ الإنسانُ، بوصفه مميّزاً مدركاً إلى معرفة الأشياء التي يفكّرُ، ويبحثُ فيها.
والنتيجةُ التي يصلُ إليها الباحثُ بالطّريقةِ العقليّةِ يُنْظَرُ فيها، فإنْ كانتْ هذِهِ النّتيجةُ هي الحكم على وجودِ الشيءِ، أي هو موجود فعلاً، فهيَ قطعيّةٌ لا يُمكنُ أنْ يتسرّبَ الخطأُ إليها مطلقاً وَلاَ بحالٍ مِنَ الأحوالِ. وذلكَ لأنَّ هذَا الحكمَ جاءَ عَنْ طريقِ الإحساسِ بالواقعِ، والحسُّ لا يمكنُ أنْ يُخطئ الواقعَ الذي يتناوله، لأنَّ إحساسَ الحواسِّ بوجودِ الواقعِ يكون قطعياً، فمثلاً سماع صوت ولدك، أو النظر إلى زوجتك، أو تذوق الملوحة في الطعام، أو شم رائحة العطر، أو لمس الثوب الخشن أو الناعم... كلها من الأمور الحسيّة التي يعتبر وجودها قطعياً، ولذلك كان الحكمُ الذي يُصدِرُهُ العقلُ عَنْ وجودِ هذه الأشياء قطعياً. أمّا إنْ كانتْ النّتيجةُ هيَ الحكم على كُنْهِ الشّيءِ، أوْ صفتِهِ فإنّها تكونُ نتيجةً ظنِّيّةً فيها قابليّةُ الخطأِ، لأنَّ هذا الحكمَ جاءَ عَنْ طريق المعلوماتِ، وتحليلها ومدى ربطها بالواقع المحسوس، ما يجعل تسرّب الخطأ إليها ممكناً، ولكنْ يبقَى الفكر الذي انتهى إلى هذه النتيجة فكراً صائباً حتّى يتبيّنَ خطأها، وحينئذٍ فَقَطْ، يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِالخطأ. لهذا فإنَّ الأفكارَ التي يَتوصّلُ إليها العقلُ بطريقةِ التّفكيرِ العقليّةِ إنْ كانَتْ ممّا يتعلّقُ بوجودِ الشّيءِ، كالعقائدِ، ومنها الاعتقاد بحقيقة وجود الله تعالى، وأنَّ القرآن الكريم منزلٌ مِنْ الله سبحانه، وأنّ محمداً رسولُ الله، فإنَّها بالنسبة إلى المسلم أفكارٌ قطعيّةٌ وحكمها بالنسبة إليه كالحكم على الأشياء الحسية مثل الطاولة أو السوار الذهبي أو السيارة..فكون هذه الأشياء موجودة فعلاً وواقعاً، هو الذي جعل الحواسَّ تدركها من خلال الواقع الموجودة فيه، وهكذا العقيدة الحق عندما ترسخ في النفس فإنها تتحول إلى أفكار ومفاهيم لمعالجة الواقع بأحكام قطعية الثبوت، وذلك بخلاف إذا كان التفكير يهدف إلى معرفة حقيقة الشيء وصفته، فإنَّ الأفكار الناتجة منه تبقى ظنيَّةً، من مثل هل هذه الطاولة مصنوعة من خشب الجوز أو السنديان أو غيره، فإنَّ حكم الشخص العادي عليها يبقى حكماً ظنياً، بينما يكون الحكم الذي يعطيه الخبير في الأخشاب أقرب إلى فهم نوع الخشب ومواصفات الطاولة..
والأمر كذلك بالنسبة إلى السوارِ الذهبي، هل إنَّ الذهب المصوغ منه هو من عيار 24 أو 18 أو 14 قيراطاً أو أقل من ذلك، فإن إجراء الفحص عليه من صاحب خبرة، أي ممن لديه معلومات أوفر من غيره عن الذهب، هو الذي يقرب من حقيقة واقعه وصفاته.
وكذلك الحال بالنسبة إلى السيارة، هل صنعها تمَّ من الفولاذ أم الحديد، وما هي مقدار التقنية الموجودة فيها، وما هي خصائصها التي تميزها عن السيارات الأخرى، فإنَّ إجراء فحص عليها من أهل الخبرة، ومعرفة كل ما يعود إلى موادها وصناعتها، فهذا ما يقرب من فهم حقيقة السيارة وصفاتها.
إذًا هناك حكمان على هذه الأشياء:
الأول : الحكم الذي يتعلق بكون الشيء موجوداً فعلاً الطاولة، السوار، السيارة، فهذا الحكم على وجودها قطعي.
والثاني : الحكم على حقيقة ماهية الشيء وصفاته وهو حكم ظني في الغالب.
وهكذا بالنسبة إلى جميع الأشياء..
وكذلك القرآن الكريم، فمعرفة أنه منزَّل من عند الله تعالى فهذا أمر قطعي يقيني لأنَّ واقعه ووجوده بين أيدي الناس، وعدم قدرة الإنس والجن على الإتيان بمثله، يشهد على أنه قول الله سبحانه وأنه أنزلَهُ بالحقِّ.. أما من حيث فهم حقيقة معانيه من قبل المسلمين خاصة، والناس عامة، فهذا الحكم ظنِّي. فمن كان أكثر خبرة باللغة العربية، وبالسنّة النبوية الشريفة، وأحسن تعبداً لله العظيم، كان أقرب إلى فهم حقيقة معاني كتاب الله تعالى.
أمّا الطريقة العلميّة فتعرَّف بأنها منهجٌ معيّنٌ في البحثِ، يَسْلكه الإنسان للوصولِ إلى معرفةِ حقيقة الشّيءِ الذي يبحثُ عنهُ، وذلك عَنْ طريقِ إجراءِ تجاربَ على هذا الشّيءِ. ولا تُعتمد هذه الطريقة إلا في بحثِ الموادِّ المحسوسةِ من دون بحثِ الأفكارِ، ولا تكونُ إلاَّ بإخضاعِ المادّةِ لظروفٍ وعواملَ غيرِ ظروفِها وعوامِلها الأصليّةِ، وملاحظةِ كل ذلك بدقة متناهية لكي يُسْتَنتَجَ مِنْ هذهِ العمليّةِ على المادةِ حقيقةٌ ماديّةٌ ملموسَةٌ، كَمَا هيَ الحالُ في الأبحاث التي تجري في المختبراتِ.
وتَفْرِضُ هذهِ الطّريقةُ التّخلّيَ عَنْ جميعِ الآراء السّابقةِ حولَ الشّيءِ موضوع البحث، وكل اعتقاد سابق حول ماهيته، ثم يبدأ الباحث بالملاحظةِ والتّجربةِ، وبالموازنةِ والترتيبِ، ثُم بالاستنباطِ القائمِ على هذهِ المقدّماتِ العمليّةِ، فإذا وصل إلى نتيجةٍ مِنْ ذلك كانَتْ نتيجةً علميّةً، أيْ حقيقةً علميّةً خاضعةً للبحثِ والتمحيصِ، ولكنّها تظلُّ حقيقةً علميّةً، ما لَمْ يُثبتِ البحثُ العلميُّ تسرّبَ الخطأِ إلى ناحيةٍ من نواحيها.
وبناءً على هذا التعريفِ للطّريقةِ العلميّةِ، والطّريقةِ العقليّةِ، تكونُ الطّريقةُ العقليّةُ هيَ الطريقةَ الوحيدَة التي يجري عليها الإنسانُ - مِنْ حيثُ هُوَ إنسانٌ - في تفكيرِهِ وحكمِهِ على الأشياءِ، وإدراكِهِ لحقيقتِها وصفاتِها.
ولكنَّ الغربَ - وخاصة في أوروبّا - قد أحدث منذ القرن التاسع عشر الثورة الصناعية، ونجحَ في العلوم التجريبيّةِ نجاحاً منقطعَ النّظيرِ، وامتدّ سلطانُهُ منذُ ذلك الحين إلى الآنَ، حتّى شملَ جميعَ العالَمِ، فسمّى أسلوب البحثِ في العلومِ التجريبيّةِ طريقةً علميّةً في التّفكيرِ، وصارَ ينادِي بها أنْ تكونَ طريقةَ التّفكير الوحيدة، وأَنْ تُجعَلَ أساساً للتّفكير. وقَدْ أخذَها علماءُ الشّيوعيّةِ - قبل انهيار أنظمتها - وسارُوا عليها في غير العلومِ التجريبيّةِ، كما في العلومِ التجريبيّةِ وكذلك الأمر بالنسبة إلى العلماء في أميركا.. ثمَّ قلَّدَ سائر الناس الغربَ من جراء سيطرته ونفوذه فطغَتْ على النّاس بشكلِ عامٍّ هذِهِ الطريقةُ، وكانَ من جرّاءِ ذلكَ أنْ وُجِدتْ في المجتمعات، على نطاق العالمِ الإسلاميّ كلِّه، قداسةٌ للأفكار العمليّة وللطّريقةِ العلميّةِ.. أما تسميتُها طريقةً فليس خطأً لأنّها منهجٌ معيّنٌ دائمٌ في البحثِ، والطّريقةُ هيَ الكيفيّةُ التي لا تتغيّرُ. ولكنَّ الخطأَ هُوَ جعلُها أساساً للتّفكير، وهذا غيرُ جائز، إذ هيَ ليستْ أصلاً يُبنى عليه، وإنما هيَ فرعٌ بُنِيَ على أصلٍ.
فالطّريقةُ العمليّةُ طريقةٌ صحيحةٌ. ولكنّها ليسَتْ أساساً في التّفكيرِ، بَلْ هِيَ أسلوبٌ دائمٌ مِنْ أساليبِ التّفكيرِ، وَهِيَ لا تُطبّقُ على كل الأشياء المادية والمعنوية وإنّما تُطبّقُ على المادّة المحسوسة لمعرفةِ حقيقتِها عَنْ طريقِ إجراءِ تجاربَ عَلَيْها، فَهِيَ خاصّةٌ بالعلومِ التجريبيّةِ ولا يجوزُ أنْ تُستعمَلَ في غيرِها.
أمّا كونُها ليسَتْ أصلاً أو أساساً فظاهرٌ مِنْ وجهَيْنِ: الأوّلُ أنّهُ لا يمكنُ السيّرُ بها إلاَّ بوجودِ معلوماتٍ سابقةٍ، ولَوْ كانت أوليّة، لأنَّ التّفكيرَ لا يكون إلاَّ بوجودِ معلوماتٍ سابقةٍ.. فعالِمُ الكيمياءِ وعالِمُ الفيزياءِ والعالِمُ في المختبرِ، لا يستطيع أي منهم أنْ يسيرَ في الطّريقةِ العلميّةِ لحظةً واحدةً إلاَّ أنْ تكونَ لَدَيْهِ معلوماتٌ سابقةٌ. وأمّا قولُهُمْ إنَّ الطّريقةَ العلميّةَ تفرضُ التّخلِّيَ عَنِ المعلوماتِ السّابقةِ فإنّما يريدُونَ بهِ التّخلِّيَ عَنِ الآراء السّابقةِ لا عَن المعلوماتِ السّابقةِ، أيْ إنَّ الطّريقةَ العلمية تقتضي من الباحث عندما يبدأ البحثَ عن شيءٍ معين، أنْ يمحوَ مِنْ نفسِهِ كلَّ رأيٍ وكلَّ ما يعتبر حقيقة ثابتة حول هذا الشيء، وأنْ يبدأَ بالملاحظةِ والتّجربةِ، ثُمَّ بالموازنةِ والتّرتيبِ، ثُمّ بالاستنباطِ القائمِ على هذِهِ المقدّماتِ العلميّةِ.
الوجه الثاني: أنَّ الطريقة العلمية تقضي بأنَّ كلَّ ما لا يُلمس ماديّاً، أو غير محسوس بصورة مادية، لا يعبِّر عن حقيقة الواقع المحسوس. مثل التاريخ أو المنطق، أو الفقه أو السياسة وما إلى ذلك من الأفكار والنظريات والمعتقدات التي لا تخضع للتجربة العملية، فإنّها لا تشكّل حقائق أو ثوابت علمية، أي لم يَجرِ التثبت من كونها حقائق نهائية بطريقة ملاحظة المادة وتجربتها، والاستنتاج الماديّ للأشياء.. وهذا هو الخطأ الفاحش لأنَّ العلوم الطبيعية فرع من فروع المعرفة، وفكر من الأفكار، وباقي معارف الحياة كثيرة، وهي لم تثبت بالطريقة العلمية، بقدر ما جرى إثبات وجودها وخصائصها ومعانيها بالطريقة العقلية. وفضلاً عن ذلك فإنَّ قابلية الخطأ في الطريقة العلمية مِنَ الأسُسِ التي تقوم عليها هذه الطريقة نفسها على ما هُوَ مقرَّرٌ في البحثِ العلمي، نظراً للأخطاء التي تتبين في النتائج التي تتوصل إليها الأبحاث، بل وكثير من المعارفِ العلميّةِ قد تَبَيّنَ فسادُها بعد أنْ كانَتْ تُعتبر حقائق علميّة. فمثلاً الذرّةُ، كانَ يقالُ عنها إنّها أصغرُ جزءٍ من المادّةِ، ولا تنقسمُ، فظهرَ خطأُ ذلكَ وتبيّنَ بالطّريقةِ العلميّةِ نفسِها أنّها تنقسمُ. وكذلكَ كانَ يقالُ إنَّ المادَّةَ لا تفنَى، فظهرَ خطأُ ذلك وتبيّنَ بالطريقةِ العلميّةِ نفسِها أنّها تفنَى. وهكذا فكثيرٌ ممّا كانَ يسمّى بالحقائقِ العلميّةِ أو القوانين العلمية، قَدْ ظهرَ بالطّريقةِ العلميّةِ خطأُه. بل، وفي آخر المطاف، فقد تبيَّن وبالطّريقة العلمية نفسِها - أنّها ليسَتْ حقائقَ علمية ولا قوانين عمليّة.
يقولُ رسل: «إنَّ العلمَ يقرّرُ أحكاماً على سبيلِ التّقريبِ لا على سبيلِ اليقينِ». والعلمُ في تعريفِ أساطينِ العلماءِ «هو مجموعةُ فروضٍ، تحولّتْ بالتّجربةِ إلى قوانينَ قابلةٍ للتغيّرِ الدائمِ، فليسَ في العلمِ شيءٌ ثابتٌ بشكلٍ جازمٍ يقينيٍّ». ولذلك فإنَّ الطَّريقةَ العلميّةَ طريقةٌ ظنيّةٌ وليستْ قطعيّةً، وَهِيَ تُوجِدُ نتيجةً ظنيّةً عَنْ وجودِ الشّيءِ، وعَنْ صفتِهِ، وعَنْ حقيقتِهِ، ولذلكَ لا يجوز أنْ تُتّخذَ الطريقةُ العلميّةُ أساساً في التّفكيرِ.. وهي وإنْ كان بالإِمكان أنْ يُستنبطَ بها أفكارٌ جديدة، إلاَّ أنَّها لا تستطيعُ أنْ تُنْشئ أيَّ فكرٍ إِنشاءً جديداً كما هي الحالُ في الطّريقةِ العقليّةِ، وعلى هذا فإنَّ الأفكار المنشأَة جديداً هي الأفكار التي أخذَها العقلُ رأساً - بدون أفكار سابقة أو تجارب - كمعرفة حقيقة وجود الله تعالى، ومعرفة أنَّ التفكير بشؤون القوم يعلو في المرتبة على التفكير بالشأن الشخصي للفرد، وأنَّ الخشب يحترق، وأنْ الزيت يطفو على وجه الماء.. فكلها تُعدُّ من الأفكارِ التي أخذها العقلُ مباشرة بإعمال الطريقة العقلية، وذلك بخلاف الأفكار التي جرى استنتاجها بالطريقة العلمية، فإنَّ العقل لم يأخذها رأساً، وإنَّما كان قد أخذها من عدة أفكار سابقة، وبعد إجراء التجارب اللازمة، كمعرفة أنَّ الماءَ مكوَّنٌ من أوكسجين وهيدروجين، ومعرفة أنَّ الذرة تنقسم، ومعرفة أنَّ المادة تفنى، فهذه من المعارف التي يُعتبر الفكر فيها مستنتجاً استنتاجاً، وليس منشأً إنشاءً.. ما يجعلُ الطّريقةُ العمليّةُ، قادرةً أو مهيَّأةً لأن تَستنبطَ فكراً، ولكنها لا تستطيعُ إنشاءَ فكرٍ جديدٍ. ولذلكَ كانَ مِنَ الطّبيعيِّ، ومِنَ المحتّمِ، أنْ لا تكونَ أساساً للتّفكيرِ. إلاَّ أنَّ الغربَ، ومن ورائه الناسُ جميعاً، قدْ بلغتْ عندهُمُ الثّقةُ بالطريقةِ العلميّة إلى حدِّ التّقديسِ، أوْ ما يقرُبُ مِنَ التّقديس، لاسيّما في القرنِ التّاسعِ عَشَرَ وأوائِلِ القرنِ العشرينَ، ما أدَّى بالفكر البشري إلى أنْ يشطحَ ويحيدَ عن جادة الصواب في الأساس الذي يُبنى عليه التفكير، وذلك يجعل الطريقة العلمية طريقةً للتفكيرِ، ويجعلها وَحْدَها أساساً للتفكيرِ، والحكمِ بها وَحْدَها على جميعِ الأشياءِ.
فَلَوْ سلكَ علماءُ الغربِ الطّريقةَ العقليّةَ لِنَقْلِ الإحساسِ بالإنسانِ وأفعالِهِ، أي وجودَ الإنسان كواقع، والإحساس به، وفسَّروا هذا الواقع والإحساس به بالمعلوماتِ السابقةِ، لاهتَدَوْا إلى حقيقةِ هذا الواقعِ. ولكنَّ سلوكَهُمُ الطّريقةَ العلميّةَ واعتبارَهُمْ أنَّ الإنسانَ كالمادّةِ، وظَنَّهُمْ أنَّ ملاحظةَ أفعالِ الإنسانِ هيَ كملاحظة المادّةِ، ضلّلَهُمْ ذلكَ عَنِ الحقيقةِ حتى خرجُوا بهذِهِ النتائجِ الخاطئةِ في الغرائزِ، وفي غيرِها مِنْ أبحاثِ علمِ النّفسِ.
وَقُلْ مِثْلَ ذلكَ فيما يُسَمّى علمِ الاجتماعِ وعلومِ التربيةِ، فإنّهَا في حقيقتها لَيْسَتْ مِنَ العلومِ التجريبية - كما جعلوها - لذلك جاءت غالبية نتائجها مغلوطة.. وهذه الأخطاءُ لَدَى عُلماءِ النّفسِ وعُلماءِ الاجتماعِ وعلماءِ التّربيةِ - في الغرب - هِي نتيجةُ اتّباعِهِمُ الطَّريقةَ العلميّة في بحثِ كلِّ شيءٍ، ومغالاتِهِمْ في تقديرِ الطّريقةِ العلميّةِ وتطبيقِهَا على جميعِ الأبحاثِ.
وعلى ذلكَ فإنَّ الطّريقةَ العقليّةَ وحدَها - في نظرنا - هيَ التي يجبُ أنْ يسيرَ عَلَيْها النّاسُ. وَإنَّ الأسلوبَ المُباشرَ هُوَ الأسلمُ للسيّرِ عَلَيْهِ. وذلكَ حتّى يكونَ التّفكيرُ صحيحاً، وتكونَ نتيجةُ التّفكيرِ أقربَ إلى الصّوابِ فيما هُوَ ظنيٌّ، وقاطعةً بشكلٍ جازمٍ فيما هُوَ قطعيٌّ. إذِ المسألةُ كلُّها - في شتى الشؤون والأمور والقضايا - متعلّقةٌ بالتّفكيرِ، وَهُوَ أثمنُ ما لَدَى الإنسانِ، بل وأثمنُ شيءٍ وهبه له خالقه في وجوده الأرضي..
6 - التفكير
التّفكيرُ - سواءٌ في فهمِ الحقائقِ، أوْ في فهمِ الحوادثِ، أوْ في فهمِ النّصوصِ - عرضةٌ للانزلاق والابتعاد نظراً للتّجدّد الدّائمِ في شتى مجالات الحياة، ولذلكَ فإنّهُ لا يكفي أنْ يُبحثَ في طريقةِ التّفكيرِ، بَلْ لا بدَّ أن يُبحثَ التّفكيرُ نفسُهُ بشكلٍ مفتوحٍ، وذلك فيما يصحُّ أنْ يجريَ التّفكيرُ فيهِ وفي ما لا يصحُّ أنْ يجري التفكير فيه، إنْ من ناحية التفكير في العيش أو في الحقائق، أو في فهم النصوص - أيْ فهم الكلام المسموع والمقروء - أو في الأساليب والوسائل، وما إلى ذلك ممّا يتصل بالتفكير من قريب أو بعيد..
والبحثُ فيما يصحُّ، أو فيما لا يصحُّ أنْ يجريَ التّفكيرُ فيه، فإنّهُ على بداهتِهِ عقدةُ العُقَدِ، ومُنزلَقُ الكثيرِ مِنَ النّاسِ حتّى المفكّرينَ. ذلك أنّ تعريفَ العقلِ، أوْ معرفةَ معنَى العقلِ معرفةً حقيقية وجازِمةً، تقضِي بداهةً بأنَّ التّفكيرَ إنّما يجري فيما هُوَ واقعٌ أوْ لَهُ واقعٌ، ولا يصحُّ أنْ يجريَ في غيرِ الواقعِ المحسوسِ لأنَّ عمليّةَ التّفكيرِ هيَ نقلُ الواقعِ بواسطةِ الحواسِّ إلى الدّماغِ، فإذا لَمْ يكنْ هناك واقعٌ محسوسٌ، فإنَّ العمليّةَ الفكريّةَ التي تنشئ فكراً جديداً لا يمكنُ أنْ تحصلَ، لأنَّ انتفاءَ الحسِّ بالواقعِ ينفي الوصول إلى الحقائق الفكرية.
إلاَّ أنَّ هنالك أموراً أو أشياءَ لها واقع - أو وجود حقيقي - وهذا الواقع لا يمكن نقله بالحسّ، ولكنَّ أثرَهُ يقع على حسِّ الإنسان، ثم ينقل إلى الدماغ عن طريق الإِحساس، فالأشياء التي تعرف بآثارها، يجب أنْ ينصبَّ التفكير على حقيقة وجودها، من غير كنهها، أو ماهية ذاتها، لأنَّ ما نُقل إلى الدماغ هو آثارها، التي تدل على وجودها فقط، ولا تدلُّ على ماهيتها.. فمثلاً لو أنَّ طائرة كانت عالية جداً في الفضاء، بحيث لا تُرى بالعين المجرّدة، ولكنَّ صوتَها تسمعه الأذن، فهذا الصوت دليلٌ حسيٌّ على وجود الطائرة فقط، من دون معرفة نوعها وصفاتها، فإلى الآن حصل التفكير بوجود الطائرة، وصدر حكم العقل على وجودها من صوتها - علماً بأنَّه يمكن الحكم على نوعها، من قبل متخصص في علم محركات الطائرة، أي من طريقة تمييزه لصوت محركها - ولكن هذا لا يعنينا إنما يعنينا أننا عرفنا بوجود الطائرة فوقنا من أثرها على إحساسنا، أي صوتها..
وقد يرد الحديث هنا عن المغيّبات عن الحسّ، مثل حقيقة وجود الله تعالى، وحقيقة وجود الجنة والنار، وحقيقة وجود الملائكة وغيرها مما يقع في الغيب، الذي شغل المفكرين على مدى الزمن، ولاسيما الفلاسفة اليونان، والفلاسفة المسلمون وأصحاب المذاهب الكلامية في الإسلام، وسائر الفلاسفة في الحضارات الشرقية والغربية، وكانت جميع أبحاثهم الفكرية حول تلك المغيبات - أي فيما لا يقع عليه الحس - تحاول أنْ تقرّبَ إلى أذهان الناس الاعتقادَ بحقيقة وجود تلك المغيبات.. والسؤال هنا: هل اشتغال الدماغ، أو إِعمالُ الفكر بالمغيبات - سواء أكانت مغيبات عن الفكر أو مغيبات عن الحس - لا يكون تفكيراً واقعياً؟ وبالتالي هل كل ما قيل في المغيبات لا يُعدُّ فكراً، وإنما مجرّد تخيلات فكرية لا تمت إلى الحقائق بصلة؟!..
الواقع أنَّ الأفكار الفلسفية التي بحثت في القضايا الغيبية، لم تستند إلى معلومات من شأنها أنْ تكوّن المفاهيم التي تؤدي إلى صحة الاعتقاد بحقيقة المغيبات التي تناولها الفلاسفة من قبل.. وبخلاف ذلك فإنَّ الذين يعقلون، من الفلاسفة، أو غيرهم من المفكرين، الذين اطَّلعوا على تعاليم الأنبياء، وتكوّنت لديهم المعلومات الكافية عن طريق فهم التعاليم الدينية، وإدراكها إدراكاً تامّاً، ثم نقلوا المعلومات التي تكوَّنت لديهم بطريقة صحيحة وصادقة، فهؤلاء لم تعد المغيبات التي جاءت بها الكتب السماوية مجرد قضايا غيبية بالنسبة إليهم، أو بالنسبة إلى الناس التي نقلوا إليهم المعلومات عنها نقلاً صحيحاً، بل صارت لديهم محسوساتٍ بآثارها، لأنَّ العقل - دون الحواس - هو الذي جعلها حاضرةً في أذهانهم، وهو الذي مكَّنهم من إيجاد الطرق لنقلها إلى الآخرين.. ولذلك، فإنَّ نقل المعلومات عن المغيبات لا يُبقي التفكير فيها محصوراً بالمفكر، بل يمكن كلَّ إنسان جرى هذا النقل إلى دماغه أن يفكر فيها حتى تصبح لديه مثل الحقائق المحسوسة. فمثلاً، إذا نقلت إلى شخص لم يرَ بيت المقدس، أو البيت الحرام في مكة المعلومات الكافية عن وجودهما، ومن كامل مواصفاتهما، وتأكدت لديه صحة تلك المعلومات، فإنَّه عندما يفكر فيهما لا يعني أنه يفكر في غير المحسوس، لأنَّ ما نقل إليه جعلهما بمثابة المحسوسات التي عرفها بحواسه، ما يمكن معه القول بأنَّ كلَّ ما يغيب عن الحواس من المحسوسات، أو من الحقائق التي استدلَّ عليها العقل من آثارها، يعتبر التفكير بها تفكيراً، واشتغال الدماغ بها تفكيراً.. وعلى هذا فإنَّ التاريخ يعتبر أفكاراً، ولو جرى تسجيل وقائعه أو جرى الحديث عنه بعد آلاف السنين. وتعتبر المعارف القديمة أفكاراً، واشتغال العقل بها تفكيراً، ولو جاءت من مسافات بعيدة. فما يغيب عن المفكر لا يعدُّ جميعه مغيباتٍ، بل يمكن أن يكون من المحسوسات لديه، لأنَّ المحسوس لا يُشترَطُ أنْ يحسّ به المفكرِ - بواسطة حواسّه - بل قَدْ يُنقلُ إليهِ نقلاً. فَقَدْ يسمعُه وقَدْ يقرأُهُ، أوْ يُقرَأُ لَهُ. فالموضوعُ أنَّ المعرفةَ لا تكونُ فكراً إلاَّ إذا نتجتْ من واقعٍ محسوسٍ. فالواقعُ المحسوسُ أوِ المحسوسُ أثرُهُ هما وحدَهُما اللّذانِ تكونُ معرفتُهُما فكراً، ويكونُ اشتغالُ الدّماغِ بهما تفكيراً، أمّا ما عداهما فإنّهُ لا يكونُ فكراً، ولا يكونُ اشتغالُ الدّماغِ به تفكيراً.
7 - التفكير السريع والتفكير البطيء أو الإدراك السريع والإدراك البطيء
التفكير السريع هو سرعة الإحساس وسرعة الربط، أو ما يسمى بسرعة البديهة أو سرعة الخاطر. ويطلق عليه تعبير الذكاء.
والذكاء في اللغة: تمام الشيء. ومنه الذكاء في السِّن، أي تمام السن. ومنه الذكاء في الفهم وهو أن يكون الإنسان تام الفهم سريع القبول.
ويعرَّف الذكاء في الاصطلاح بأنه «سرعة الفهم وحدّته، أو جودة حدس من قوة النفس تقع في زمان قصير». فيقال: رجل ذكي، ويريدون به: المبالغة في فطنته، كقولهم: فلان شعلة ذكاء، وقولهم: ذكيت النار إذا أُتِمَّ إشعالها.
وفي تعريف آخر: «الذكاء هو تعاون الوظائف الذهنية المختلفة، كالتخيل، والتجريد، والحكم والاستدلال على حلِّ بعض المسائل النظرية والعملية». أي هو ما يعني التعبير عن جودة القوى العقلية لدى الإنسان .
ويقسمون الذكاء إلى أنواع، فيقولون إن الناس يختلف بعضهم عن بعض بنوع ذكائهم:
- فإذا اختلفوا بحسب كمية المواد التي يستوعبونها كان ذكاؤهم واسعاً لكثرة تلك المواد، أو محدوداً لقلتها..
- وإذا اختلفوا بحسب درجة تعمقهم في الفهم، كان ذكاؤهم سطحياً، أي قليل درجة العمق في الفهم، أو عميقاً أي بالغ العمق في الفهم..
- وإذا اختلفوا بحسب سرعة الفهم، كان ذكاؤهم حادّاً إذا كان سريعاً، أو عادياً إذا كان بطيئاً..
ونحن نطلق على هذا الذكاء أو على سرعة التفكير تعبير: سرعة الإدراك، لأنه بمقتضى هذا التفكير يتم الحكم على الأشياء التي تواجهنا بسرعة فائقة. ولذلك نقول عنه إنه الإدراك السريع، وهو ما ينافي التفكير البطيء.. والإدراك السريع له أثر كبير على حياة الإنسان في مواجهة معترك الحياة، فلكي ينجح الفرد وهو يخوض في هذا المعترك، فإنه يحتاج إلى أمرين اثنين:
الأول : السرعةُ في إصدار الحكم على الأشياء واتخاذ الإجراء الواجب إزاءَها. وإذا لم يفعلْ ذلك فإنه يُخفقُ ويُجَابَهُ بما يُثقلُ الحملَ عليه. وكلما مرَّ الزمنُ ازدادَ الحملُ ثقلاً، وتضاعفت المُعوِّقات، وهذا ما يجعلُه يُخفقُ في معترك الحياة.
الثاني : الاستفادة من الفُرصِ التي تسنحُ له في الحياة، لأنَّ ذلك يجعَلُهُ ينتقلُ من السيّئ إلى الحسن، أو من علٍ إلى أعلى، بسرعةٍ أكثر من الآخرين، فيقطع بذلك أشواطاً بعيدة في المجالات التي يقتحمها. فإذا لم يغتنمْ بما يسمى «الفرص الثمينةَ» ضاعت عليه، وقد لا تعود ثانية.
قال الشاعر في هذا الصَّدد:
وعاجزُ الرأي مضياعٌ لفرصتِهِ
حتى إذا فاتَ أمراً عاتَبَ القَدرا
وقال آخرُ:
إذا كنتَ ذا رأيٍ فكُنْ ذا عزيمةٍ
فإنَّ فسادَ الرأيِ أن تَتَرَدَّدا
وإذا تتالى التردُّد في اتخاذ القرار المناسب، في الظرف المناسب، وتتالى معه ضياع الفرص، فقد الإنسان السرعة بالانتقال من حالٍ إلى حالٍ، أو من وضع إلى وضع، فكأنَّه ملازم لما هو عليه، وهو ما يؤدي إلى فشله في مجالات الحياة، وكلُّ ذلك سببه التفكير البطيء، أي عدم سرعة الإدراك..
ويمكن أن ندلّ على ذلك بواقعٍ ملموس في حياة الناس، إذْ من يتتبّع مواقف الاستعمار الغربي يجد أنه استعمل مع البلاد التي غزاها أو احتلَّها ما يمكن أن نسمّيَهُ «ثقافة التروي» في اتخاذ القرارات، أي إنه جعلَ عمادَ التفكير عند شعوب تلك البلاد «التفكير البطيء»، وقد نجح في ذلك نجاحاً منقطع النظير حتى أوشكت تلك الشعوب أن تصير في حالةٍ من الركون، والقبول بالأمر الواقع، الذي جعل تفكيرها في مصالحها شبه مشلول، لأنَّ المستعمِر كان يملي على قادتها التأنّي والتروّي، وانتظار مجريات الأحداث قبل اتخاذ القرارات المهمة لبلادهم.. وبذلك أربكت هذه السياسةُ أذهان الناس، فصاروا ينتظرون الفعل أو ردَّ الفعل من الحاكم الأجنبي، الذي يسيّره - بدوره - جماعة الكهّان والدهاقنة الذين يخططون في الخفاء، ويرسمون أنماط الثقافات والسياسات التي يستغلون بها العالم، وبالفعل فإنَّ القوى الفكرية التي يستعين بها أولئك المخططون قد نجحت في تشتيت الجهود، وإخفاق القادة المخلصين لإزالة سلطان الاستعمار ونفوذه، على الرغم من الثورات والحروب التي كانوا يقومون بها، والتي كان الاستعمار - ولا يزال - يديرها على طريقته الخاصة في البلاد الواقعة تحت نفوذه..ودليله الواضح الاحتلالات العسكرية المباشرة، أو تدخل السفارات في العلن والخفاء في شؤون تلك البلاد، والتأثير على مجموعاتٍ من أصحاب النفوذ فيها.. ولعلَّ أبرز مثالٍ على تلك المخططات في الوقت الراهن حركة «الفوضى المنظمة» التي ابتدعتها الولايات المتحدة الأميركية، - تحت ستار الشعار الزائف «نشر الديموقراطية» - وهي تقوم على الاغتيالات والاضطرابات والتظاهرات والاعتصامات، وغيرها من الأساليب التي تخدم فكرة «الفوضى المنظمة»، أي تحقيق المطامع الأميركية في نهاية المطاف. وهذا أسلوب جديد من أساليب التفكير التي تعتمدها قوى الاستعمار في الوقت الحاضر، مع احتفاظها بالنمط القديم، أي التروي في معالجة الأمور، وعدم اتخاذ أي قرار إلاَّ بالرجوع إلى القوى المهيمنة!.. ولكن، وإنْ كان التفكير من عوامل الوجود البشري، وإنْ كان التروي في التفكير أمراً ضرورياً، إلاَّ أنَّ هذا التروّي يجب ألاَّ يكون قاعدة ثابتة، أو ملزمة أساسية في كل القرارات التي يجب اتخاذها.. فقد يكون هنالك أمورٌ تحتاج إلى كثير من الدراسات، وإلى تمحيص النتائج التي قد تترتب على التفكير فيها، وأن يكون الظرف مواتياً للتروي من أجل الدرس والتمحيص.. ولكن بالمقابل قد تكون هنالك أمور أيضاً يؤدي التأنَّي بالتفكير فيها، والتروي في اتخاذ القرار بشأنها إلى نتائج وخيمة جداً، قد تصل إلى حد إضعاف الإنسان بحيث لا يعود قادراً على التخلص من ضعفه. وهذا ما ينطبق على الشعوب كذلك إذا لم تحسم خياراتها في الوقت والظرف المناسبين. وما الضعف لدى المسلمين اليوم إلاَّ أحد أهم مسبباته «ثقافة التروي» إلى جانب الثقافات الأخرى - طبعاً - التي نشرها الغرب في بلاد المسلمين، حتى صارت بديلاً ليس فقط للثقافة الإسلامية، بل ومادة أساسية لمناقشة الدين وأحكامه في ضوء مقولات الأفكار والثقافات المعادية للمسلمين.
إننا نعي، بكل تأكيد، أنَّ الإنسان يعيش شتى أنواع الحالات وتقلبّها، فهو يعيش في عسر ويسر، وفرج وشدة، وهناءٍ وشقاء، وأمانٍ وبلاءٍ والوقت الذي يمرّ في جميع تلك التقلبات له تأثيره وثمنه المرتفع، لذلك كان من الحكمة مراعاة الأوضاع والأحوال والظروف في اتخاذ القرارات، لا بالسرعة المتهوّرة، ولا بالتروي البطيء، لأن كليهما يؤثران بصورة سلبية، وقد تحمل كثيراً من الضرر..
فإذا احتاج الأمرُ إلى تفكيرٍ وتمحيص وتروٍّ فلا بد أن يُفكِّرَ الإنسان ويُمحصَ فيه. وإذا احتاج إلى السرعة في الإدراك، فلا بدَّ للإنسان من أن يدرك بسرعةٍ ما يريد، وهذا ما يجعل لكل وضعٍ التفكير الذي يقتضيه.
فمثلاً: الأحكامُ الشرعية، والأمور الفنية، لا تحل إلا عن طريق التفكير العميق. والغيبيّات لا تحلُّ إلا عن طريق الفكر المستنير. ولا دخل لسرعة التفكير في هذه الأمور وأمثالها، بل لا يجوزُ أن تَدخُلَ في أمثال هذه الأمور سرعة التفكير.
وإنَّ ما ينطبق على أفكار الأفراد، إنَّما ينطبق ايضاً على كيفية تفكير الشعوب. فتلك السياسات، والخطط، والدراسات الخبيثة التي تصدر عن الجهات المعروفة في العالم، والتي يُرادُ منها فرض واقع جديد - ومختلف تماماً عما سبقه - في البلاد الإسلامية، كل ذلك وما يماثله، يحتاج من قادة المسلمين إلى سرعةِ التفكير، لاتخاذ القرارات اللازمة والخطوات الثابتة، لإزالة الضعف الذي يعتري نفوس المسلمين أولاً، ومن ثَمَّ الوقوف في وجْهِ المخططات التي ترمي إلى إبقاء الهيمنة عليهم وعلى مقدراتهم.. وهذا لا يكون إلاَّ بالفكر الإسلامي الذي أساسه الكتاب والسنة، وهي سلاح المسلمين الأقوى في مواجهة معترك الحياة.. ذلك أنه إذا كان تعريف البلاغة «هي موافقة الكلام لمقتضى الحال»، فكذلك التفكير «هو خوضُ معترك الحياة على أساس مطابقةِ التصرفات لمقتضى الحال». والتنبهُ إلى الإحساس أو إلى الشيء المحسوس هو الذي تبدأ به سرعة الإدراك. والانتباه أو التنبه، هو أن تَتَقصَّدَ فحصَ الشيء المُحَسّ ومعرفة ماهيته، لأنَّ ثبوت معرفة صحة الماهية هو الذي ينقذُ أو يهلك. فما لم يجرِ هذا التقصد لمعرفةِ صحة الماهية، أي صحة حقيقة الشيء فإنه لا يحصل الانتباه.
وعلى هذا فإن اليقظةَ للأمة الإسلامية هي ضرورةٌ من ضرورات الحياةِ، إذ على الصعيد الفردي، وعندما لا يكون لدى المسلم يقظة، فمعنى ذلك أنَّ حياتَهُ في خمول، وهو وأمثاله لا يُطلب منهم أن ينتبهوا لأنهم يعتبرونُ - حقيقةً - عاجزين. في حين أن من ضرورات الحياة أن توجدَ لدى كل مسلم - ولاسيما اليوم - يقظة، ومتى وجدت هذه اليقظة في تفكيره أمكن شدّ انتباهه إلى ما يحيط به، وبمستقبل عائلته، ومستقبل أمته من أخطار حقيقية على المصير، وهذا ما يجعل التفكير الرصين، والانتباه واليقظة، من الضرورات للأمة في الوقت الحالي، ولكن دون تسرّع ولا إبطاء حتى لا تقع في المحظور..
8 - ضرر التفكير ومنفعته
إنَّ التفكير، في الأصل، هو عمل العقل بما يفيد الإنسان، ويبعد عنه الضرر، لأنَّ من مقتضيات العقل أن يهدي إلى الخير، ويُبعد عن الشر.. ولكنَّ واقع الحياة بات ينبئ بما يغاير هذه الحقيقة، إذ أضحى التفكير - لدى المعنيين - منصبّاً على توجيه الإنسان بما يشبه قولبة تفكيره، أو تعليب فكره حتى يبقى اهتمامه منصبّاً على تأمين حياته وإشباع غرائزه وحاجاته العضوية، من دون الالتفات إلى القيم والمثل التي ترفع من قيمة الإنسان وكرامته، وتنهض بالشعوب نحو الأحسن.. ومثل هذا الواقع، الذي يعيشه معظم الناس اليوم، إنما سببه التفكير الذي لم يتوخ خيرَ الإنسان، وقيادته لتحقيق إنسانيته، ولذلك يعتبر تفكيراً ضاراً بل وهداماً للقيم الإنسانية.. أي بمعنى آخر إنَّ هذا الفكر الضارّ - ويقيناً وراءه اليهود ومن سار على هواهم - هو الذي جعلَ الشغل الشاغل لأناس اليوم، البحث عن تأمين لقمة العيش، والسيارة، والتلفزيون، والإنترنت، أي طغيان المادة على الاعتبارات المعنوية التي تغذي نفس الإنسان وتنعش فؤاده. بل وحتى في الأمور المعنوية، لم يعد الناس يدرون هل نحن أمام فكر فعلاً أم أمام ضرب من التخيلات والأوهام التي لا تنطبق على معنى الفكر، ولا على معنى من المعاني التي تدركها العقول. وهذا ما يجعل العالم اليوم في قلق واضطراب دائمين، حتى شعوب الدول التي تتغنّى بالتقدم والتطور العلمي، فإنها شعوب قلقة، أو مهمشة التفكير، همها الأول والأخير الماديات، والماديات فقط.. في حين أن المطلوب أن ينصرف التفكير الإنساني إلى تحقيق إنسانية الإنسان، في فرديته، وعائلته ومجتمعه، وعندها يعتبر التفكير إنسانياً، أي نافعاً..
9 - التفكير والعاطفة
الإنسان مجبول من تفكيرٍ وعاطفة، فليس في جبلَّته العاطفة وحدها، ولا التفكير فقط، بل الاثنان معاً. إلا أن قائدَ المسيرة هو العقلُ وليس العاطفة، لأنَّ العاطفةَ عبارة عن مشاعر متقلبة لا تصلحُ للقيادةِ. إذ هي كما تلتهبُ بسرعةٍ، فإنها تنطفىءُ بسرعةٍ أيضاً، ولذا وجب أن تعطى القيادة للعقلِ لا للعاطفةِ. فانصرافُ الإنسان إلى العاطفةِ وحدها يجعلهُ سائراً في الحياة دون ضابط، وانشغالُ المرءِ بالتفكير وحده يفقدهُ القدرة على الصمودِ في الحياة، لأنّ العاطفةَ هي المحركُ، والعقلَ هو الموجِّهُ. وإذا وُجدَت الحركة دون توجيه وقيادة، فقد تنقلب إلى حركةٍ مدمرة. وإذا وجد التوجيه مجرداً منقطعاً عن المحرك وعن الحركة فلا يؤدي إلى نتيجة. والأمة الإسلامية، حين كان الإسلام هو المسيِّر لها:أي بالتفكير حول تقرير مصيرها، وبالعاطفة النابعة من حب الإسلام والمسلمين،كانت تسير سيراً حسناً، ودائماً إلى الأمام..
وحين تقدم الزمن بالأمة، وتتالت الأحداث على الخلاقة الإسلامية، فانعكست على شعوبها، وحين سيطرت عليها العواطف غير الواعية وغير الهادفة - بل والعواطف الضارة من جراء التعصب المذهبي - وذلك في الوقت الذي تخلّى فيه القادة المفكرون والعلماء في الأمة عن توجيه العقل نحو التفكير الصحيح الذي يَحول - على الأقل - دون أسباب الضعف... كل ذلك أدَّى إلى غلبة أعداء المسلمين عليهم.. وعندما ظنّوا - ظنّاً - أنهم غُلبوا لأنَّ الأعداءَ أقوى منهم تفكيراً، وعندما جرَّهم ذلك إلى العناية بالنهوض الفكري، فأهملوا العاطفة الإسلامية، إلى درجة فقدت معها أصالتها وحيويتها.. عند ذلك كله تحوّل العمل النهضوي إلى التفكير البطيء، أو التفكير الذي يغلب عليه الهمود لأنه بلا عاطفة أصيلة، أي بلا دافع يحرك العقل والقلب معاً.. من هنا وجب على علماء الأمة، وقادة الرأي - وبصورة خاصة المؤمنين الصادقين - إعادة التوازن إلى نفوس أبناء الأمة، ولا يكون لهم ذلك إلاَّ بعدة أمور أهمها: أن يُرجعوا التفكير إلى محوره حتى يصير لدى الفرد المسلم تفكيرٌ سليمٌ في مختلف قضاياه، وأن يعيدوا إليه العاطفة التي فطره الله - تعالى - عليها، فيتبّعَ الدينَ الحق كما يأمره الله تعالى ورسوله الكريم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بذلك، وأن يغرسوا في نفسه معاني الأخوة الإسلامية، مع التوكيد على صدقية المذهب الذي يعتنقه - ولا سيما المذاهب الإسلامية الخمسة المعروفة - وأنه ليس في أيٍّ مذهب من هذه المذاهب - بل وليس من الإسلام في شيء - ما يجيز له كراهية أخٍ له في الإسلام، أو يجيز له - وهذا أهم - تكفير أخٍ له في الإسلام بسبب المذهب، أو العرق أو الجنس، أو بسبب أي شيءٍ يمكن أنْ يفرّق المسلمين عن بعضهم، فالله تعالى أمرنا جميعاً، نحن المسلمين، أن نعتصم بحبل الله ولا نتفرق، بقوله المبين: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} [آل عِمرَان: 103].
ورسولُ الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قد أرسى لنا قاعدة ثابتة ودائمة في التضامن ووحدة الكلمة والصف، وهي الإخوة الإسلامية، وذلك منذ ظهور الدعوة في مكة المكرّمة بين المسلمين الأوائل.. وكرَّس هذه الأخوة، بعد الهجرة، بين المهاجرين والأنصار، ثم هدانا إلى أهمية هذه الإخوة الإسلامية بأحاديثه الشريفة، عندما نسمعه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يقول: «ودُّ المؤمنِ للمؤمنِ مِنْ أعظمِ شِعَبِ الإيمان»[*] ، وعندما يقول (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «المؤمنُ للمؤمنِ كالمرآةِ إذا وَجَدَ فيه عيباً نبَّههُ إليه»[*] ، وعندما يقول (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «سبابُ المؤمنِ فُسوقٌ وقتالُهُ كُفْرٌ»[*] ، وعندما يقول (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «عليكَ بالجماعةِ فإنَّ الذئبَ يَأْخُذُ الشاةَ القاصِيَة»[*] .. فهل أحد من المسلمين يريد - لا سمح الله - أنْ يخالف الله تعالى عندما يأمرنا بأن نعتصم ونوحّد كلمتنا أو أن يخالف الرسولَ الأكرم فلا يَوَدَّ أخاه المسلم؟.أبداً لا أحد من المسلمين يريدُ أن يكون - لا سمحَ الله - فاسقاً أو كافراً، إلاَّ إذا حاول أنْ يفتعل ما يسبب الفرقة بين المسلمين أو يكفّر أحداً منهم!! فباء يومئذ بغضب من الله ورسوله؟!...
إذاً المسلم يجب أن يوازنَ بين التفكير والعاطفة، فلا يجعل أحدهما يطغى على الآخر بل يجعل العاطفة تسير مع العقل ولا تنفصل عنه، وذلك من شأنه أن يزيلَ الضرَرَ عن المسلمين الذين استغرقوا في التفكير إلى حدّ التقديس للعقل، وإعادتهم إلى التفكير الصحيح، أي إنَّ إزالة الضرر عن التفكير تُعيدُهُ لأنْ يكون تفكيراً عادياً - وليس تفكيراً استغراقياً - بحيث يسرع حين يحتاج إلى السرعة، ويبطئ حين يستدعي الإبطاء، إذْ من مزايا التفكير البطيء أنَّه يبيّن خوافي الأشياء ويفيد في مواجهة كثيرٍ من الظروف والأوضاع، ومع ذلك يجب ألاَّ نُبطئ في التفكير حول كل مسألة وكل شأنٍ، وكلِّ أمرٍ، وأن نلجأَ إلى التفكير الذي يريدُ أنْ يُفسلفَ كلَّ شيء، لأنه حينئذٍ يعقد كل شيءٍ، ولا يجلب إلاَّ الأذى!.
وفي مطلق الأحوال إنَّ معالجة مشكلة التفكير عند المسلمين لا تكون بالشرع والبيان، ولا بالخطب والمؤلفات، بل بالكلام المحدود الذي يحمل معاني النهضة، ويتضمن الأعمال المترجمة لهذه المعاني، وهذه هي المعاناة.. فالمعاناة أقوال محدودة وأعمال مشهودة.
وعلينا أن نميّز، أثناء معالجة التفكير، بين سرعة الإدراك وسرعة الملاحظة، فسرعة الإدراك هي الحكم السريع للقصد، ولا يتأتَّى هذا إلاَّ بالربط. وعندما يأتي من الإدراك السريع فهمُ قصد المتكلم دون الربط يكون عند ذلك سرعة ملاحظة.
علاوة على أن معرفةَ القصد، من غير العقيدة ، وما ينجمُ أو ينبثقُ منها تبقى معرفة ناقصة، لأنها تؤخذُ من واقع الحال، أو من أشياء أخرى. وهذه قد تكون صحيحة الاستنتاجِ وقد لا تكون، لأنها خالية من الربط بين ما يجمع من عقيدةٍ بين الأفراد.. فمعرفة قصد المتكلم إذًا لا تتأتى من سرعة الملاحظة فقط، لأنها تبقى معرفة ناقصة، بل تتأتى من الربط على أساس العقيدة.
والخلاصةُ أَنَّ إدراكَ الواقع وحده يعطي سرعةَ الملاحظة، ولكن ربطَه بالعقيدة هو الذي يعطي سرعة الإدراك. لذلك لا بد من أمرين اثنين: أحدهما سرعة إدراك الواقع، وتكون في سرعة الملاحظة، وهذا عام يكون في الأمة ويكون في الفرد. وثانيهما ربط هذا الواقع بالعقيدة وما ينبثقُ منها، وهذا خاص بالأمة، وينتج من سرعة الإدراك. فسرعة الإدراك ضروريةٌ لمعرفةِ حال المسلمين. وهذا يعرفُ من أفعالهم وأقوالهم.
لذا يجب أن يكونَ الرأيُ رأياً إسلامياً أولاً وقبل كل شيء، ورأياً سياسياً بعد ذلك، ثم إنجاز سرعة الإدراك. فسرعةُ الإدراك ضرورية ولكن على أساس الإسلام. وتكون على أساس العقيدة مع غير المسلمين، وعلى أساس الحكم الشرعي مع المسلمين. وإذا كان غير ذلك فلا نُشغل أنفسنا به، سواء كانت سرعة الملاحظة، أو سرعة الإدراك. إذًا: لا يكون التفكير تفكيراً ولا العمل عملاً، إلاَّ على أساس الإسلام، لأنَّ الإسلامَ هو وحده الذي يجعل قلب الإنسان يطمئن إلى حاضره، ونفسه ترتاح إلى غده، ولأَنه يتفق مع فطرةِ الإنسان التي فطرهُ الله تعالى عليها. وبه يتحقق السلام ليس للمسلمين وحدهم، بل وللجماعات البشرية بأسرها..



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB