علم النَّفس (الجزء الاول)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




البحث الثالث: اللذة والألـم

كل إنسان، بحكم تكوينه الجسدي والنفساني، لا بدَّ أن يشعر باللذة، كما لا بدَّ أن يشعر بالألم.. وقد استعمل بعضهم لفظ الإحساس للدلالة على اللذات والآلام الجسمانية. واستعمل لفظ الحس الباطن والعاطفة والوجدان للدلالة على اللذات والآلام النفسانية. والغالب أنَّ كلمة إحساس هي ما يطلق للدلالة على إدراك الأشياء الخارجية بالحواس الخمس الظاهرة. واللذات هي الأحوال الملائمة، أي التي تريحُ الجسد، والنفس، أما الآلام فهي الأحوال غير الملائمة أو الأحوال المنافية.
واللذات والآلام تكون جسمانية ونفسانية.
أمَّا اللذات الجسمانية فهي التي تحسّ بها النفس في حالة تخلص الجسم من الأوجاع كما في حالة الشفاء من الصداع أو إرضاء الغرائز والحاجات العضوية وإشباعها، كما في الشبع بعد الجوع، والشرب بعد العطش، والاستدفاء بعد البرد، والأمن بعد الخوف، وتلبية الرغبة بعد الحرمان.
وأمَّا اللذات النفسانية فهي التي تشعر بها النفس من جرّاء التصور والتفكير بأمور معينة، مثال ذلك: فرح الإنسان في زواجه، أو زواج أولاده، وهناءة الكريم عند جوده بالمال، وراحة العالم أو فرحه عند اكتشافه قانوناً علمياً. فقد حكي أنَّ العالِمَ (دوي) رقص في مخبره عند اكتشافه البوتاسيوم، وقيل إن (أرخميدس) خرج من الحمام عارياً لشدة فرحه عند اكتشافه القانون المعروف باسمه حول عوم الأجسام على سطح الماء، أي إنَّ اللذة النفسانية تأتي - إجمالاً - عند تحقيق الإنسان لأهدافه، أو بلوغ غاياته، أو العيش في أجواء تبعث على ارتياحه أو إسعاده إنْ ظرفياً، أو لفترة من الزمن.
وبلوغ الهدف أو تحقيق الغاية التي يصبو إليها الإنسان يطلق عليهما في «علم النفس» اصطلاح «قمة الخبرة» أو «فيض الخبرة»، لأنهما ينشئان حالةً نفسيّة عند الإنسان يشعر معها بأنه في أسعد لحظات العمر. وعلماء النفس يفسرون هذه الحالة بأنها انفعالات باعثة على السرور، ويمكن التوصل إليها عن طريق الحب، أو العاطفة الأبوية، أو الاستمتاع بالجمال أو القيام بعمل فيه تحقيق للذات... ويكون الإنسان في هذه الحالة على وعي تام بمشاعره، وبأنه يبذل أقصى طاقة لديه دون جهد، كما يشعر بأنه يتصرف تلقائياً وبطريقة عفوية.
ومن ناحية الآلام الجسمانية فإنَّ النفس تحسّ بها عند فقدان الاعتدال الطبيعي في ممارسة أعضاء الجسم لوظائفها، أو عند تعرض الجسد للضرر كاحتراق الجلد، ورمد العين، وطنين الأذن، ووجع الضرس، أو عند إصابة الجسد بالجروح والكسور، وما إلى ذلك من أحاسيس ناتجة من أعراض فيزيولوجية..
بينما الآلام النفسانية تنشأ عن أسباب فكرية في الأصل، كالأسى الذي يصيب الإنسان عند الإحباط، مثل رسوب الطالب في الامتحان الذي كان يعوّل على النجاح فيه، أو الحزن الذي يسيطر على المرء عند وفاة صديقه، أو تحسّر المؤمن عند ارتكابه معصية، أو ندم الزوجة لإغضاب زوجها.
وعلى هذا الأساس قيل: إن اللذة هي الراحة التي تجدها النفس عند إرضاء النزعات وإشباع الرغبات، ورجوعها إلى الاعتدال. وقيل: إن الألم هو شعور النفس بخروجها عن الاعتدال.
ومن هذه النزعات والرغبات ما هو غريزي، ومنها ما هو مكتسب، ومنها ما هو دائم، ومنها ما هو زائل، ومنها ما يتولد عن الجسد، ومنها ما ينشأ عن الفكر. مثال ذلك: إن العاطفة الوطنية التي تتجلى في الدفاع عن أرض الوطن، هي نزعة إلى الفعل والتفكير معاً.. نخضع لها في حياتنا، ونضحي في سبيلها بمالنا وجهودنا، حتى أننا قد نسخِّر لها نفوسنا ونبذل في سبيلها دماءنا. هذه العاطفة الوطنية بالذات هي التي تولّد في النفس هيجانات حقيقية كحنين المهاجر للعودة إلى دياره، والعيش بين أهله وأصدقائه.
ويرى بعض الزاهدين أو المتشائمين أنَّ الحياة كلها جد وجهاد، وهذا ما يولد الآلام.. في حين يرى بعضهم الآخر أنَّ الحياة كلها قلق واضطراب، لأنها أسف على الماضي، وسخط على الحاضر، ونزوع بالآمال إلى المستقبل. فإذا تحقق الأمل صار المستقبل حاضراً، وإذا صار حاضراً لم يرضَ الإنسان به. فلا وجود إذًا للذةٍ محضةٍ لا يشوبها ألم ولا حاجة. وقد قال ابن عبد ربه في كتابه «العقد الفريد»:
ألا إِنَّمَا الدُّنْيَا نَضَارَةُ أَيْكَةٍ
إذا اخْضَرَّ منها جانِبٌ جفَّ جانِبُ
هِيَ الدارُ الآمالُ إلا فَجَائِعُ
عليها ولا اللَّذاتُ إلا مَصَائِبُ
وخلافاً لمذهب التشاؤم هذا، فإنَّ رأي المتفائلين يقول بأنَّ اللذة طبيعة إيجابية، وأنَّ الألم متولد منها، ويدللون على ذلك بما يلي:
1 - لا يوجد الألم إلا في الرغبات التي لم تتحقق، والشهوات التي لم تدرك. فالجوع في أوله شهوة لذيذة إلى الطعام، وحركة ملائمة تنتهي بلذة الأكل وراحة الشبع.
2 - ليس كل عمل مؤلماً، ولا كل جهاد مضنياً. بل الجهاد المعتدل ملائم للنفس وموافق لنشاطها، فلا يصبح ألماً أو مؤلماً إلا إذا كان مخالفاً للفطرة، وخارجاً عن الاعتدال.
3 - القلق مرض، ولا وجود للاضطراب في حالة الصحة. والحياة الممتلئة تمنعنا من الأسف الدائم على الماضي. أضف إلى ذلك أن بعض اللذات خال من الألم، كلذة التمتع بالطيِّب والمنظر الجميل، برهة قصيرة من الزمان. ومثل هذه اللذات تنسينا متاعب الحياة وتحبب إلينا العيش.
وهكذا نجد أنَّ المتشائمين يجعلون الألم ماهية اللذة، والمتفائلين يجعلون اللذة أساس الألم.. ويمكن التوفيق بين المذهبين، على ما ذهب إليه كثيرون، من أن لكل من الألم واللذة طبيعة إيجابية، إذ إن ظهور اللذة بعد الألم لا يدل على أن اللذة تتولد من انقطاع الألم فحسب، بل يدل على أن لكل منهما شروطاً خاصة به، فليس الألم فقدان اللذة، ولا اللذة فقدان الألم.. ولكل من اللذة والألم آثاره الفيزيولوجية أو تأثيره على أعضاء الجسم. فاللذة تزيد قوة الهضم وتساعد الأعضاء على التغذية، كما تعين الجسم كله على حفظ صحته. وقد قيل إن السرور غذاء للنفس، لأنه يساعد على الهضم، فيحفظ الشباب، ويطيل العمر.. وعلى عكس ذلك الألم، فهو يضعف الشهوة إلى الطعام، ويمنع الإفراز، ويؤخر فعل الهضم، ويفسد التغذي. وكثيراً ما يشيب شعر المرء لهول المصائب الشديدة، إذ تمنع شدة الألم أعضاء الجسم من الحصول على غذائها الطبيعي.
وقد دلت التجارب على أنَّ هذه النتائج تنشأ عن أسباب كيميائية. فالألم يغير تركيب الدم، فيسممه بسوء الغذاء وامتصاص المواد التي لم تهضم جيداً. وقد يتولد من ذلك سموم موضعية أو عامة تورث الاستعداد للأمراض، فهي بمثابة خمائر تساعد على تفريخ الجراثيم الوبائية.
كما دلت التجارب أيضاً على أنَّ الأحوال الملائمة التي تنتج اللذات تبعث على ازدياد النبض، وازدياد حجم الساعد، وانبساط الصدر أثناء التنفس. وقد ثبت أخيراً نجاح التجارب في اكتشاف عقاقير من شأنها أن تؤدي إلى تحسن في (عمليات الذاكرة). ولكن الخطر في منشطات الذاكرة، أو في إشاعة اللذة التي تؤدي إلى الإدمان عليها، ما يوجد مشكلة قد يصعب علاجها.
وقد نشأ من الأبحاث في اللذة والألم مذهب يعرف بالمذهب الذهني، وهو يرمي إلى القول بأن للرأي والفكر أثراً عظيماً في حدوث اللذة والألم. فالفكر هو الذي يجعل الإنسان يرنو إلى الكمال وإلى حب الخير وكره الشر، بحيث يستشعر الإنسان اللذة في الكمال أو عمل الخير، أو يستشعر الألم في بعده عن الكمال وطغيان الشر عليه.. لو قرأتُ مثلاً كتاباً صعباً، فقد أجد في قراءته لذةً على الرغم من صعوبته، ففي تخطي هذه الصعوبة شيء من الكمال. وعلى العكس فلو أعادَ كاتبٌ قراءة كتابٍ كان قد ألَّفَهُ، ووجدَهُ دون المستوى الذي كان يطمح إليه، لشعر بخيبة الأمل التي تورث الألم في نفسه. وهذا ما يجعل اللذات والآلام، بنظر أصحاب المذهب الذهني متعلقة بالآراء والأفكار والأحكام وفقاً لنظرة الإنسان إلى الأشياء. وقد ذهب (ديكارت) إلى القول: «إنَّ أساس رضانا شهادة الشعور الداخلي بحصولنا على شيء من الكمال»، وقال أيضاً في كتاب (الأهواء): «السرور انفعال ملائم للنفس يبعثها على التلذذ بالخير الذي تمثِّله لها تأثيرات الدماغ. والحزن ضَنَى مُنَافٍ للنفس يبعثها على الشعور بمضـض النقصان الذي ينقله إليها تأثير الدماغ». وقد حذا «ليبنتز» حذو «ديكارت» فقال: «أظنُ أنّ اللذة هي الشعور بالكمال، والألم هو الشعور بالنقص».
وعلى أساس المذهب الذهني تُعتبر سعادة الإنسان، وكذلك شقاؤه، ناشئين عن آرائه. وقد ذهب أصحاب هذا المذهب إلى أن الإنسان يكون سعيداً ما دام يجهل الخطر المُحدِق به. حتى لقد قال المتشائمون إن عقل الإنسان وعلمه وتحضّره وذوقه مدعاة للألم والشقاء، فكلما ازداد علم الإنسان اتسع أفق تفكيره، ورأى مُثُلاً عُليا جديدة تبعده عن الواقع، فيتألم مما هو فيه، فيكون علمه وما بلغه هو السبب بتعاسته أو شقائه. من أجل ذلك قال هؤلاء المتشائمون: «من أراد إسعاد الناس فلا يعلِّمهم، لأن العلمَ باعثٌ على الشقاء». حتى لقد ذهب الشاعر قديماً إلى هذا النحو من التفكير، فقال:
لو كنتُ أجهلُ ما علمتُ لسرَّني
جهلي كما قد ساءني ما أَعْلَمُ
كالصعوِ[*] يرتعُ في الرياضِ وإنَّما
حُبِسَ الهزارُ[*] لأنَّهُ يتكلَّمُ
ولكنْ، هل العلم فعلاً يُشقي الإنسانَ؟
قد تكون المظاهر الناجمة عن تقدم العلوم، واستغلالها للمآرب النفعية والمادية، هي التي أشقت الإنسان على ما نشاهد في أيامنا. إذ كلما تقدمت الابتكارات الجديدة، ووسائلها الفكرية والتكنولوجية ابتدعت معها حاجات جديدة يجهد الإنسان للحصول عليها، بحيث لا يمكنه تأمينها إلاَّ بشق النفس، حتى إذا ظنَّ أنه اكتفى نشأت أمامه حاجات أخرى تفرض عليه اللهاث وراءها، وهكذا دواليك، ما يبقيه في تعب دائم. وربما كان هذا ما أراده أولئك الذين يدّعون أن العلم - الذي لا يخدم الإنسان، ويؤمن له مزيداً من الراحة - هو الذي يشقيه، وأنه خير لمن كان عنده مثل هذا العلم ألاَّ يعلم.. ولكن في الحقيقة - ومهما قيل في العلم النافع أو الضارّ - فإنَّ قيمة الإنسان تُقدَّر بما يدرك من العلم والمعرفة، لأن الجهل ظلام يطمس العقول والنفوس. وكثيراً ما يوقع في الضلالة، فخير للإنسان أن يشقى بالعلم من أن يرتع في نعيم الجهل. والله تعالى لا يريد للإنسان أن يكون جهولاً، بل يريد له الاهتداء إلى العلم، والمعرفة، والنور الذي يفتح بصيرته على آلائه تعالى في الأنفس وفي الآفاق. من هنا كان الفارق كبيراً بين الإنسان الذي يدرك معاني الوجود بمعرفته وعلمه، والجاهل الذي يحرمه جهله من تلك المعرفة التي يمكن أن تؤهله لأن يرتقي في حياته.. فطلب العلم من شأنه أنْ يوسِّع آفاق الإنسان الذهنية،ويعرّفه إلى المعاني والقيم على اختلافها.. إلاَّ أنَّّ الشرط الجوهري للعَالِمِ أن يَستخدم علمه لخير الإنسانية..
وجملة القول، أن المذهب الذهني يجعل الأحوال الانفعالية تنشأ عن الرأي والاعتقاد والتصور، وهذا ما لا ينطبق كثيراً على شروط تحقق اللذات والآلام، فليس التلذذ بالشيء يتأتّى دائماً عن الرأي، بل قد يحصل العكس ويكون الرأي ناشئاً عن اللذة أو الألم. فأنا قد أتألم من الفقر، وهذا الألم يجعلني أرى أنَّ الفقرَ شرٌّ. وكذلك حزني على الشخص هو الذي يجعلني أفكر في غيابه أو موته. وعندما أتعاطى المحرمات في حالة من الزوغان، وأفكر بعد ذلك بالذنوب والأخطاء التي ارتكبتها فهذا ما يثير في نفسي السخط على تصرفي، والخوف من عقاب ربي، أي إنني من جرّاء ذلك التعاطي أحس بالألم، وهذا الألم ناتج من اعتقادي بأن ما تعاطيتهُ محرَّم بينما يكون الأمر خلاف ذلك لإنسان آخر لا يعتقد بقضية الحلال والحرام، فيرى مثلاً في الزنا متعة، ويرى في السرقة مهارة، ويرى في خداع الناس حذلقة.. ثم إنَّ بعض اللذات مثل شرب الخمر، لا يستدعي التفكير بحلاله وحرامه عند من يسوِّغه لنفسه، لذلك يتعاطاه كثيرون بلذةٍ ومتعةٍ.. وهكذا بالنسبة إلى كل لذة أو ألم ينجمان عن مخالفة الرأي والاعتقاد أو الانسجام معهما...
وسواء كان التفكير هو الذي يسبق الألم أو اللذة، أو كان الألم أو اللذة هما اللذين يسبقان التفكير، فإن كليهما متلازمان مترابطان، بحيث يأتي أحدهما نتيجةً للآخر دون التوقف عند تحديد أيهما الأسبق.
هذا وإن كثيراً من مشاعر اللذة والألم إنما تتولد عن العقيدة التي يوطِّنُ الإنسان نفسه عليها، فشعور المؤمن بأَنَّ له ربّاً يرعاه ويحفظه يبعث في نفسه الاطمئنان والثقة وتفكيره بآلاء الله ونعمائه عليه ككائن بشريٍ يجعله يدرك أهمية الخصائص التي تحقق إنسانيته وتبعده عن بهيمية الأنعام. وانطلاقاً من هذا الاعتقاد تتولد لدى المؤمن المشاعر بلذة الطاعات أو بألم المعاصي.. وهكذا الحال بالنسبة إلى جميع المشاعر في تعامل الإنسان مع الآخرين ومعاملتهم له..
ويكون للعوامل الحيوية عادةً الأثرُ الهام في معرفة الميول التي يمكن كشفها بواسطة اللذات والآلام الناشئة عنها. ولذلك كان علم الحياة مهماً جداً في «علم النفس» لأنه يبحث في تركيب الجسم وخصائصه، ومدى استجابته للمؤثرات أو تأثيرها عليه للقيام بوظائفه خاصة، وعلم النفس يحتاج إلى ذلك في بحثه عن الدوافع والنزعات الخفية التي من شأنها أن تبعث اللذة أو تشعر بالألم. وأهمية علم الحياة في هذا المجال أنه يعين شروط البقاء بالنسبة للكائن الحي، ويستنبط منها جملة النزعات والميول، ثم يبحثُ في الصحة، والمرض، وعن الصلاح والفساد، ويطابق بين حاجات الجسد وآثارها في النفس، فيجد اللذات مطابقة للأفعال النافعة، والآلام مطابقة للأفعال الضارة. والمثال على ذلك أن علم الحياة هو الذي يدلنا على أن شرب الخمر أو أكل لحم الخنزير مضران بالجسد، وقد تنشأ عن هذا الضرر الآلام، ما قد يبعث في نفوس كثير من الناس القلق من شرب الخمر، أو أكل لحم الخنزير.. وعلى العكس من ذلك إن أكل الطيبات من الرزق الحلال قد يبعث الراحة في البدن والاطمئنان في النفس، فيجد المؤمنُ اللذات في الأفعال التي تؤدي إلى جني الرزق الحلال والانتفاع منه.
وهذه المطابقة بين اللذة والمنفعة، وبين الألم والمضرة، ناشئة عن قانون التكيّف، لأن حياة الإنسان لا يمكن أن تستقيم على صحتها ما لم يحصل هذا التكيف بين جسده والبيئة التي يعيش فيها. والإنسان يكتسب هذا التكيّف بسبب التغيرات التي تطرأ عليه أو التي يحدثها هو في حياته ويستجيب جسده لها. فقد يتأقلم الإنسان الآسيوي مع طرائق العيش في أميركا فيحصل التكيف، وقد لا يتكيّف مع تلك الحياة فلا يستجيب جسده لتأثيرات البيئة الجديدة التي انتقل إليها.. على أن مطابقة اللذة والمنفعة يحكمها قانون ما يسمى «الاصطفاء الطبيعي» وتنازع البقاء. فلو وجد - فرضاً - كائن حي يرى اللذة فيما يضره، والألم فيما ينفعه، لما قدر على الحياة ولهلك.. فبقاء الأنواع الحية دليل إذًا على أنَّ الأحاسيس غالباً ما تكون واقيةً من الخطر.
قال أحدهم: «إذا استبدلنا كلمة (لذة) بقولنا: إنها حالة نسعى لإحداثها وإبقائها في الشعور. واستبدلنا لفظة (ألم) بقولنا: إنه حالة نسعى لإبعادها عن الشعور وانتزاعها من النفس، وكانت الحالات الشعورية التي يسعى الموجود الحي لإبقائها مناسبة للأفعال الضارة، وكانت الحالات التي يسعى لإبعادها مناسبة للأفعال النافعة، كان هذا الموجود الحي هالكاً لا محالة، لأنه لا يحتفظ إلا بما يضره، ولا يهرب إلا مما ينفعه. وبعبارة أخرى لم يفز في معترك الحياة إلا الأجناس الحيوانية التي تجد الأحوال الملائمة في الأفعال النافعة لبقاء الحياة، والأحوال المنافية في الأفعال الباعثة على انحلال الحياة وفسادها». وهذا ما يفرض مطابقة اللذة للمنفعة، والألم للمضرة..
الألم واللذة في المفاهيم الإسلامية
ووفقاً لمفاهيمنا الإسلامية نعرف بأنَّ الألم هو الوجع: وهو جنس من الأعراض قد يكون من الله تعالى ابتداء وبسبب، وقد يكون من فعل العباد لاحقاً وبسبب أيضاً. قال الله تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا *} [النِّسَاء: 104].
ولقد رأينا من قبل أنَّهُ أثناء معركة «أحد»، وبعدما تحقق النصر للمسلمين، سيطرت نزعات الأهواء والمطامع على نفوس الرماة، فخالفوا أمر رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، وتركوا أماكنهم على الجبل ليتسَنَّى لهم جمعُ الغنائم. ووجدها المشركون فرصة سانحة، فالتفوا من حول الجبل، وجاؤوا من وراء المسلمين يوقعون بهم الضرب والقتل، حتى انقلبت هزيمتهم إلى نصر... وقد أُثخِنَ المسلمون في تلك المعركة بالجراح، التي آلمتهم وأوجعتهم كثيراً إنْ في الأجسام أو في الأنفس.. ولكن الله سبحانه - وعلى الرغم ممّا قد أصاب جنده في المعركة - أمرهم بأنْ لا يهنوا ولا يضعفوا في طلب أعدائهم وقتالهم: {وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ} [النِّسَاء: 104]، وذلك لأجل إعادة الثقة في نفوسهم، وإرهاب المشركين حتى لا يظنّوا أنَّ الأمر قد استوى لهم. وبالفعل فقد خرج المسلمون صباح اليوم التالي لمعركة «أحد» حتى بلغوا محلة «حمراء الأسد» فعسكروا هناك، ووصل خبرهم إلى أعدائهم وما أعدّوا من العدّة ابتغاء قتالهم، عندها أسرع هؤلاء في متابعة رحيلهم، بل دخلوا مكة خائفين من أنْ يلحقَ بهم المسلمون إلى ديارهم، بينما كانوا قد عقدوا العزم من قبل على غزو المدينة وإنهاء دعوة محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) .. ويمكننا أن ندرك لطف الله تعالى بعباده المجاهدين وهو يواسيهم بقوله الحكيم: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ} [النِّسَاء: 104].
أجل، لستم وحدكم أيها المسلمون في المصاب والألم، بل إنَّ أعداءكم كذلك يألمون: فهم قد أصابهم الألم من الهزيمة في بداية معركة «أحد»، وهم قد مسَّهم القرح، قبل عام في معركة «بدر» عندما هزموا أمامكم شرَّ هزيمة، وهم أيضاً في قلقٍ وحزنٍ شديدين منذ ذلك الحين، ولكنْ أهمُّ من ذلك كله ما يؤرّقهم، وينهك معنوياتهم، هو الخوف على ضياع مطامعهم الدنيوية منذ بداية ظهور الدعوة الإسلامية في مكة، وقلقهم على مصيرهم فيما لو انتصر دينكم الإسلام!.. ثم إنَّ القضية - في الأصل - ليست متوقفة على مدى ما تعانون أنتم، أو ما يعانون هم من الآلام، بل ما ترجون أنتم من الله - تعالى - ثواباً على جهادكم، وهو ما لا يرجونه أبداً لأنَّهم أعداء لله، ويحاربون دينَهُ.. إذًا شتان بين الفريقين، فالمسلمون في جهادهم وفي توجّههم إلى ربهم،يرتقبون عنده الجزاء، أي إنَّهم يرجون من الله - العلي العظيم - ما لا يرجوه أعداؤهم، الذين أفقدهم الكفر والضلالُ الرشد، فتاهوا عن طريق الحق لا يرجون من الله نصراً في هذه الحياة، ولا ثواباً بعد الممات، فإذا احتمل الكفار الآلام - وكل صراع لا بدَّ أن يكون فيه آلام - فما أجدر بالمؤمنين أن يصبروا على ما ينالهم من الأذى والقتل في سبيل الله، وما أجدرهم أن لا يكفّوا عن ابتغاء أعدائهم، وقتلهم أينما ثقفوهم حتى لا تبقى لهم قوةٌ يعتدّون بها، ولئلاَّ تكون فتنة (شرك وإلحاد) ويكون الدين كله لله تعالى..
وإنَّ هذا لهو فضل عقيدة التوحيد في كل كفاح. فهناك اللحظات الحرجة التي تعلو فيها المشقة على الطاقة، ويربو الألم على الاحتمال. ويحتاج القلب البشري إلى مدد وإلى زاد. هنالك يأتي المدد من هذا المَعين، ويأتي الزاد من ذلك الكنفِ الرحيم، كنف الله تعالى الرب الحليم الكريم.
ولقد كان هذا التوجيه في معركة مكشوفة متكافئة. معركة يألم فيها المتقاتلون من الفريقين، لأنَّ كلا الفريقين يحمل سلاحه ويقاتل.
ولربما أتت على المؤمنين فترة أو وقعوا تحت وطأة ظرفٍ لا يكونون فيه في معركة مكشوفةٍ متكافئة. لكن القاعدة لا تتغير، فأهل الباطل لا يكونون بعافية أبداً، حتى ولو كانوا غالبين. إنهم يشعرون بالآلام في أنفسهم، من تناقضهم الداخلي، ومن صراع بعضهم مع بعض، ومن صراعهم مع الحق الثابت.. فسبيل المؤمنين في مثل هذا الظرف أنْ يتحملوا ولا ينهاروا، وأن يعلموا أنَّهم إن كانوا يألمون فإن عدوهم لا يقل آلاماً.. وقال رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : «ما من عبدٍ مؤمن يدخل الجنة إلا أُري مقعدهُ من النار لو أساء ليزداد شكراً وما من عبد يدخل النار إلا أُري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة»[*] . والحسرة هي منتهى الألم النفسي ويرجون من الله ما لا يرجو أعداؤهم، وكان الله عليماً بأحوالهم.
فهذا المثال يبين معاني الألم في المفهوم الإسلامي، سواء الألم النفسي في الهزيمة، أو الألم الجسدي في الجراح والقتل، ولا نظن أنَّه توجَدُ أنواعٌ من الآلام أشدُّ وطأةً على نفس الإنسان مما أصابَ المؤمنين في «أحدٍ»، لذلك كان النصُّ القرآني معبّراً بصدقٍ عن معاني الآلام.. وقد يتولَّد الألمُ عن اليأس، الذي هو قطع الرجاء. فالعالم الذي ينكبّ على الدرس والبحث وإجراء التجارب لصياغة نظريةٍ جديدةٍ في مجال اختصاصه، ولا يصل بعد كل ما بذل من الجهد، وسهر الليالي، إلى النتيجة التي يتوخَّاها، لا بدَّ أن يسيطر على اليأس ويعتصره الألم؛ وكذلك الأبُ الذي يصرف كل إمكانياته المالية، ويشقى ويتعب لأنْ يخلّص ابنَهُ من آفةٍ تعاطي المخدرات، فقد يحل اليأس في نفسه، ويورّث له أشدَّ الآلام.. وقس على ذلك كلَّ خيبة أمل تصيب الإنسان فيما يسعى ويصبو إليه، سواء جاءت من تقصيره، أو تسببت بها ظروف خارجةٍ عن إرادته، فإنَّ من شأنها أن تجعله يؤوساً، قنوطاً.. قال الله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ *} [هُود: 9]، فالإنسان الذي يؤتيه الله تعالى من رحمته صحةً أو غنىً، ومركزاً أو نفوذاً، ثم يبتليه، فينزع منه تلك النعمة، ليختبر صبرَه واحتماله، ومقدار شكره لربه.. قد يجعله سلب النعمة قنوطاً من رحمة الله، شديدَ الكفر به.. في حين أنَّ الإنسانَ المؤمن، لا يداخله في السرّاء أيُّ قنوط أو يأس، بل يبقى على إيمانه، حامداً لله تعالى شاكراً ابتلاءَهُ له، ضارعاً ومتوسّلاً أن يعوّضَهُ ما نزعَ منه..
ومن فضل القرآن الكريم أنَّه يدعونا إلى عدم اليأس والقنوط من رحمة الله تعالى، مهما كانت التجارب التي مررنا بها، أو الأحوال التي وصلنا إليها، يقول المولى الكريم: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *} [الزُّمَر: 53]
فها هي أبوابُ الله - عزَّ وعلا - مشرّعةٌ للدخول إلى رحاب رحمته التي وسعت كلَّ شيءٍ..
فالخسارة المادية أحياناً تولّد الألمَ في النفس؛ فمن الناس من لا ترهقه الخسارة المادية، لأنَّ الأملَ يبقى لديه بأنْ يعوض خسارته، ومنهم من تسبب له الخسارة الهمَّ والقلقَ، وقد تؤثر على طريقة تفكيره في متابعة أعماله وتثبط همته لفترةٍ من الزمن..
والخسارة قد تحصل في المقتنيات الخارجية كالمال والتجارة في الدنيا، وقد تصيب الإنسانَ في نفسه كالصحة والسلامة والعقل، وما إلى ذلك من الأعراض التي تصيب الإنسانَ في الحياة الدنيا.. وكل ذلك على الرغم من آثاره السيئة، لا يُعدُّ شيئاً بالنسبة «لخسرانه المبين» يوم القيامة، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزُّمَر: 15]، والمعنى: قل لهم يا محمدُ: إنَّ الخاسرين، في الحقيقة، هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
وأما عن اللذائذ، فيقول الله تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ} [الزّخرُف: 71].
هذا ما في الجنة التي أعدَّها الله - عزَّ وجلَّ - للمتقين من عباده، فيها من الطيبات ما تشتهيه الأنفس وفيها من المشاهد ما تلذ الأعين.. حيث هنالك في الفردوس نعيمٌ دائمٌ لا يوصف، وملك كبيرٌ لا يفنى.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB