علم النَّفس (الجزء الاول)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




الفصل الثالث - البحث الأول: القَلب


القلب: هو موطن الشعور ومركز الانفعالات
عن محمدٍ رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أنه قال: «أَلاَ، وإنَّ في الجَسَد مُضْغَة إذا صَلُحَتْ صَلُحَ الجَسَدُ كلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسدُ كلُّهُ»[*] .
يفيد هذا الحديث الشريف بأنَّ صلاح الإنسان يبدأ من داخله، أي من قلبه، فإذا صلح قلب الإنسان، أي عقله ومشاعره، انعكس ذلك على جسده وصحته، وصلح به سلوكه كله، لأنَّ السلوك أكثر ما يعبّر عمَّا يتفاعل في جسد المرء ويختلط بدمه - وليس عضوياً فقط - بل، وعمَّا يكمن في أعماق نفسه من المعاني التي تبنى عليها حياته المعنوية.
والقلب، من الناحية البيولوجية البحت، هو عبارة عن عضلةٍ صنوبرية، مودعة في الجانب الأيسر من صدر الإنسان، ويعتبر أهم العناصر الحيوية والميكانيكية للحركة الدموية، كما أثبت ذلك الطب الحديث، من خلال ما وصَلَ إليه في تشريح القلب، ومعرفة دقائق صنعه وتركيبه، والذي كان من ثمراته الطيبة نجاح العمليات الجراحية للقلب المفتوح، التي تنقذ من الموت حياة كثير من الناس كل يوم. ولعلَّ أهم ما يدلُّ على أنَّ القلب أعجب المضخَّات وأتقنها عملاً أنه يبدأ في حركته ودقاته منذ الأسبوع الرابع لتكوين الجنين، ويستمر، بعدَ ولادته وحتى موته، بتلك الحركة الدؤوب التي لا تتوقف، لأنَّ توقفها يعني موت الإنسان حكماً.. وزنه لا يتجاوز 250 غراماً، وينبض بمعدل - وسطي - من 70 - 80 نبضة في الدقيقة الواحدة، أي ما يقرب، أو يزيد، على مئة ألف مرةٍ يومياً. وهو يضخّ خمسة ليتراتٍ من الدم في الدقيقة، أي ما معدله مليون ونصف مليون غالون في السنة؛ وهذه المضخة العجيبة توصل الدم إلى شبكة من الشرايين، والأوردة، والأوعية الدموية الشعرية لو وُضعت طرفاً لطرفٍ في خطٍ مستقيمٍ لبلغ طولها أكثر من ستين ألف ميل. فجلّت قدرة الخالق العظيم، والصانع الحكيم..
ولكن ماذا تختزن هذه العضلة، وما هو الدور الذي تؤديه في حياة الإنسان، وذلك بالإضافة إلى وظيفتها المعهودة وهي تنبض لتوزع الدم إلى سائر أعضاء الجسم، ثم تعود وتستقبله من جديد، لتضخَّهُ مرةً أخرى، في برهة قصيرة تستمرُّ معها حياة الإنسان، بكل هذه الحركة، وهذا التفاعل الذي يعطي للجنس البشري معنى وجوده؟
وللإجابة عن هذا السؤال الكبير، يمكن القول بأنْ لا أحد يمكنه أن يعرف حقيقة مكنونات القلب، وما يكمن فيه من قوى النفس، لولا أنَّ فهمنا لبعض نصوص القرآن الكريم هو الذي يتيح لنا أن نعلَمَ ما للقلب من وظائف - غير بيولوجية - وما يؤدّي من أدوار يتحدَّد بها مسارُ حياتنا كلها.. لكن قبل تبيان تلك الوظائف أو الأدوار، ماذا يعني القلبُ لغةً؟
يُقالُ - في اللغة - قلبُ الشيء أي تصريفُهُ وصرفُهُ من وجْهٍ، مثل قلْب الوعاء من وجهه إلى قفاه وبالعكس، ويُقالُ: قَلَبَه يقلبُهُ قَلْباً أي حوَّلَهُ عن وجْهِهِ، أو صَرَفَهُ من جهةٍ إلى أخرى. وقلبُ الإنسان هو فؤاده، ولكن لا يقالُ له فؤادٌ إلاَّ إذا اعتبر فيه معنى التفؤد أي التوقّد، وأصله من فأدتُ اللحم في النار: أي شويتُهُ، لأنَّ الفئيد هو المشوي؛ وقيلَ عن القلب فؤادٌ بالنظر لحركته الدائبة، لأنَّ أصلَ الفأد: الحركة... وفي القرآن الكريم عددٌ من الآيات التي تعبّر عن القلب بالفؤاد، وعن القلوب بالأفئدة، أو التي تعبّر عن العقل بالفؤاد، وعن العقول بالأفئدة، وسوف نرى إن شاء الله - في هذا البحث - بعضاً من الآيات التي تعبر عن القلب بأنَّه العقل أو الروح أو غيرهما من المعاني..
وقيل سُمِّيَ قلب الإنسان قلباً لكثرة تقلّبه، أو صرفِهِ عن طريقته، وهذا ما أشار إليه الشاعر، للتدليل على تقلّب القلب، أو عدم ثباتِهِ على حالة واحدة، بقوله:
ما سُمِيَّ القلبُ إلاَّ من تقلُّبِهِ
والرأيُ يَصْرِفُ بالإِنسانِ أَطْوَارَا
وفي القرآن الكريم يتبين أنَّ الانقلاب في حياة الناس هو الذي يغيّرهم من حال إلى حالٍ، أو يحوّلهم من دار إلى دار، كما في قوله تعالى: {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} [العَنكبوت: 21]، أي إلى الله ترجعون، أو تُردُّون من هذه الحياة إلى الحياة الآخرة؛ وهذا أيضاً ما عناه السحرةُ الذين آمنوا، عندما هدَّدهم فرعون بأنه سوف يقطّع أيديهم وأرجلهم، ثم يصلبنَّهم، فقالوا: إنَّا لا نعبأ بأي وجْهٍ كان موتنا، لأنَّا إلى ربِّنا راجعون في الآخرة، كما يبيّنه قوله تعالى: {قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ *} [الأعرَاف: 125]. أما أسوأ منقلبٍ للناس فهو ما يتوعَّدُ به ربُّ العزةِ الظالمين، بقوله تعالى: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشُّعَرَاء: 227]، أي بعد أن كانوا يتجبَّرون به، ويستكبرون، ويظلمون في هذه الدنيا، سوف يعلمون أيَّ مصير يقلب كلَّ ما كانوا عليه إلى ذلٍّ، وقهر وعذاب.. هذا فيما خصّ الانقلاب أو التغيير الجذري الذي يحصل عندما ينقلب الناس من دار الدنيا إلى دار الآخرة.. أما في الحياة الدنيا، فالانقلاب في حياة الناس ليس جذرياً، بل هو حركة دائمة تتعلق بقلب الإنسان في تقلبه، وينعكس على تصرفاته تقلّباً قد يأتي من الوراء إلى الأمام، أو من الأمام إلى الوراء.. أي بمعنى آخر إنَّ التقلّب في القلوب هو الذي يؤدي إلى التغيير في أحوال الناس، بحيث ينقلبون إلى حالاتٍ غير التي كانوا عليها. ولعلَّ المثالَ الأبرز ما يبينهُ القرآن الكريمُ عن أحوال المسلمين، وما حلَّ في قلوبهم من الهلع، عندما شاع في صفوفهم، بعد الهزيمة في «أحد»، أنَّ رسولَ الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قد مات، وهذا الهلع هو الذي أدَّى إلى انقلابهم على أعقابهم.. قال الله تعالى: {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عِمرَان: 144].
إنَّ في هذه الآية الكريمة ما يجعلنا ندرك إدراكاً حسيّاً معاني الانقلاب الذي حصل في «أحد»؛ فقد وضع الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الرماة على الجبل وأمرهم ألاَّ يبرحوا أماكنهم مهما كان سير المعركة، مع المسلمين أو عليهم؛ ونشب القتال وكان النصر للمسلمين في بداية المعركة، ما جعل المشركين يولّون الأدبار، ويخلّفون وراءهم الغنائم التي راح المسلمون يجمعونها، ممَّا دفع بالرماة، وخلافاً لأوامر رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أن يتخلّوا عن أماكنهم، وينزلوا من على الجبل طمعاً بالغنيمة، فكان ذلك أولَ انقلابٍ في نفوس الرماة، تبعَهُ مباشرةً التفاف المشركين من حول الجبل، وارتدادهم من هروبهم إلى الوراء، لإنزال القتل بالمسلمين، والسبب خطأ الرماة كما قلنا. وفي تلك الأثناء، وبعدما حمي الوطيسُ من جديد، ارتفع صوت أحد المشركين وهو يصرخ: «إنَّ محمداً قد قتل».. ولنا أنْ نعيَ الحالة التي صار عليها المسلمون، وهم يسمعون أنَّ نبيَّهم وقائدهم قد قتل، فقد انكفأ معظمهم من أمام العدو، وولَّى هرباً.. هنا تأتي العبرة التي أرادَ الله - تعالى - أنْ تستيقنها الأنفسُ وذلك بإعادة المسلمين، بالحسّ والشعور، إلى وقائع المعركة، وكيف كانت معنوياتهم القتالية:
فهم قد هربوا أمام جيش العدو، أي ارتدُّوا إلى الوراء، بدل الاندفاع إلى الأمام، والثبات على مواجهته، وهذا ما عبَّر عنه القرآن الكريم بالقول المبين {انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عِمرَان: 144]، وهم قد أحسّوا بالهزيمة، فرافق ارتدادهم على الأعقاب، ارتدادٌ نفسي، هو الشعور بعدم الجدوى من الاستمرار في قتال المشركين، وذلك الوضعُ المتأزّمُ يظهر المسلمين في حركتين رئيستين: حركة الانقلاب المادي على الأعقاب، وهو الهروب، وحركة الانقلاب النسبي، وهو الشعور بالهزيمة..
وهنا يبرز التوجيه الربانيّ للمسلمين، ليبقى حاضراً في نفوسهم على مدى الزمان، وهو أنَّ مصيرَ الإسلام الذي اعتنقوه، لا يرتبط بحياة أو موت أحدٍ من الناس، حتى ولو كان الرسول نفسه، ولذلك يسألهم ربُّهم، بعتبٍ يحمل الرأفة: أفإنْ ماتَ محمدٌ أو قتل انقلبتم على أعقابكم، فهربتم من أمام العدو، وتركتم له المجال يضرب أدباركم؟!
كلا، ليس العهد بالمؤمنين هذا الانقلاب، لأنَّ عليهم ألاَّ يخوضوا معارك الجهاد، لنصرة دين الله إلاَّ ورائدهم إحدى الحسنيين: إمَّا النصرُ، وإما الشهادة..
ثم يأتي التعقيبُ من رب العالمين: {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا} [آل عِمرَان: 144]..
أجل، وماذا يضرُّ الله - سبحانَهُ - هروبُ المسلمين في تلك المعركة، وانقلابهم على أعقابهم أمام عدوهم؟ في الحقيقة، لا شيء يضرُّ الله ، لأنَّهُ جلَّ شأنُهُ غنيٌّ عنكم أيها المسلمون، وغنيٌّ عن الناس أجمعين، لأنَّ الأمر بيده، وهو قادر على أنْ يحوِّل مسار المعركة - أية معركة - كيفما يشاء، ويعطي النصر لمن يشاء، وهو قادر على أن يهلك المسلمين، ويهلك المشركين، ويستبدل بهم قوماً آخرين مؤمنين، مطيعين، صابرين، محتسبين..
وإذا كان المعنيون بهذا التعقيب الربانيِّ، بصورة مباشرة، هم المسلمين الذين انقلبوا على أعقابهم في معركة أحد، إلاَّ أنه خطابٌ، بل تنبيهٌ للمسلمين جميعاً، وعلى مدى الزمان - كما قلنا - لأنَّهم عندما اعتنقوا الإسلام ديناً، وأخلصوا النيّة لله تعالى، صار فرضاً عليهم الذودُ عن حياض هذا الدين، وحماية منهجه، والالتزام بتعاليمه، أفإنْ أصابتهم المكاره، أو حاقتْ بهم الشدائد، بل وجرى الاعتداء عليهم - لأنَّهم مسلمون - نسوا الدين، وانقلبوا على منهج الله أبداً!؟.. لا يجوز لهم ذلك، لأنه ليس من الدين بشيءٍ، ولا يليق بهم كمسلمين.. ثم إنَّ من ينقلب على عقبيه منهم، لواذاً بنفسه، وحمايةً لحياته {فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا} [آل عِمرَان: 144]، ولكنَّ انقلابَهُ وهروبَهُ من المواجهة، هو الضرر لنفسه ولأمته، إنْ لم يقع الضرر على الناس جميعاً، لأنَّ الله - تعالى - لم يبعث محمداً (صلى اللّه عليه وآله وسلم) نبيّاً للعرب أو العجم، ولا لأهل الشرق أو الغرب، بل أرسله رسولاً للناس كافة، وعهد إليه أنْ يبلغ الإسلامَ، في نهاية مطاف الرسالات السماوية، ليكون الدين لله.. فكان من الذنوب التي لا يغفرها الله تعالى محاربةُ الإسلام، من أية جهة جاءت محاربتُهُ، وكانَ من الذنوب التي سوف يحاسب عليها المسلمون - قبل غيرهم - ألاَّ يهبوا جميعاً، وبوحدة الكلمة والموقف، لينصروا دينهم، ويبعدوا شبحَ المؤامرات، والمخططات العدائية عن ساحة وجودهم!..
وإذا كان بعض الحيف قد لحق بالمسلمين الذين انقلبوا على أعقابهم أمام المشركين في معركة «أحد»، فلم يلتمسوا إلاَّ النجاةَ بأنفسهم، لمجرد صرخةِ مشرك كافرٍ وَتَرَهُ الحقدُ على رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) .. فإنَّ هنالك - بالمقابل - فئةَ المؤمنين الأبطال، الذين ثبتوا في تلك المعركة، يفدونَ النبيَّ بأنفسهم، ويخوضون معركة الجهاد حفاظاً على الدين؛ فهؤلاء، فوق صبرهم وجلدهم على تلك الشدَّة، كانوا من الشاكرين لله تعالى على نجاةِ الرسولِ الأكرم، وعلى ما أفاءَ سبحانَهُ في نفوسهم من قوة الإيمان، وثبّت أقدامهم على مجالدة المشركين حتى نهاية المعركة، وعودة جميع إخوانهم المسلمين، يلتفون حول رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، والعبرات تملأ عيونَهم، والندم يأخذ بمجامع قلوبهم..
وإننا على يقين بأنَّ كل من حضَرَ معركة «أحد» من المسلمين كان له أجرُهُ عند ربِّه، لأنه لو لم يؤمن بأحقية الجهاد لما شارك - في الأصل - بتلك المعركة، أو غيرها من المعارك التي خاضها المسلمون الأوائل.. ومع ذلك فإنَّ الثواب يبقى على قدر المشقّة، ومقدار التضحية، ولذلك ختمت الآية الكريمة بقوله تعالى: {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عِمرَان: 144]، أي إنَّ الذين صمدوا طوال المعركة، وكانوا أثناءها وبعدها من الشاكرين، الحامدين لربِّهم على ما أمدَّهم به من الصبر والثبات وفداء النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، هؤلاء سوف يكون لهم الجزاءُ الأوفى، ورجاؤهم أن يكون جزاؤهم في الدار الآخرة حيث الحياة الأبدية الدائمة.
على أنَّ هذا التصوير القرآني لأحوال المسلمين، وهم في معركة الجهاد في سبيل الله، يقابله تصويرٌ مغايرٌ لحركات المشركين، وفي انقلابٍ من نوعٍ آخر، وذلك عندما يبيّن لنا كيف كانوا، في مكة يسترخون في الدكاكين، وعلى جوانب الأزقّة، أو في دار الندوة، أو في مراتع السكر والعربدة، وهم يتقوَّلون على المسلمين بمختلف أنواع الاستهزاء والسخرية، وشتى أفانين السباب والشتيمة، وهذا ما كان يجعلهم ينقلون إلى أهليهم فرحين، مسرورين لقول الله تعالى: {وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ *} [المطفّفِين: 31].
ذلك أنَّ المشركين كانوا قد دأبوا على أذى المسلمين، منذ بدء ظهور الدعوة في مكة، حتى صار هذا الأذى بمثابة الخبز اليومي لهم، فكانوا لا يتركون سبيلاً للتطاول على النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وأتباعه إلاَّ وسلكوه، ولا يرون بعضاً من المسلمين عند الكعبة، أو يصادفونهم في الطرقات، إلاَّ وانهالوا عليهم بالشتائم البذيئة، والاتهامات الشنيعة؛ عدا عمَّا كان الهمزةُ اللمزةُ منهم يغتابون به النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) والمسلمين كذباً وافتراءً.. فكل ذلك كان يخلّف في نفوس هؤلاء جروحاً عميقة، تؤذيهم في الصميم، ولا سيما أنَّ فيهم من سراة القوم وأشرافهم، من تشهد لهم مكة كلها بالمكانة، والمنعة، والكياسة، ولطف المعشر، بل وبالقوة، والشجاعة والعز،.. وعلى الرغم من ذلك باتوا وجميع المسلمين مكبّلين أمام سفاهة أولئك الأراذل من المشركين، وليس لهم من سبيل إلاَّ أنْ يعضّوا على جراحات أنفسهم بالصبر، وأنْ يكتموا الآهات في حناجرهم بالترفّع، لأنهم لا يستطيعون أنْ يقابلوا السفاهة بمثلها، ولا يملكون ردع المستهزئين والمغتابين بالقوة، إذْ كانت أوامر النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) تقضي بألاَّ يدخلوا مع المشركين، بأي عراكٍ أو قتالٍ إلى أن يحين أمرُ الله تعالى.. وكان المشركون، من جهتهم، يدركون ما لتصرفاتهم من آثار شديدة الوقع على نفوس «الصابئين» - كما كانوا يسمونهم - فيجعلونها مدعاةً لسرورهم وحبورهم، ولاسيما عندما يعودون إلى أهلهم، ويروون لهم ما فعلوه بالمسلمين، كما يصور حالتهم الانفعالية تلك التعبير القرآني بالقول المبين: {وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ *} [المطفّفِين: 31]، أي رجعوا إلى بيوتهم، وذويهم وهم جذلان، مأخوذون بالفكاهة التي تحملهم على شدة الضحك، وتروي غليلهم على المسلمين..
وهذا يعني أنَّ القرآن الكريم إنَّما يريدُ أنْ يجعلنا ندرك ما كانت تحبل به نفوس المشركين من الحقد والكراهية للمسلمين، وما كانوا يتقصّدون من الاستخفاف بهم، والنيل من كرامتهم!.. كما يجعلنا نفهم تلك الحالة من الألم والحزن والمرارة التي كان يعيشها المسلمون في تلك الفترة الحرجة من ظهور الدعوة، بحيث ترتسم أمامنا صورتان متناقضتان: صورة القوي المبتهج، وصورة الضعيف الحزين.. ولما كانت البهجة والحزن من المشاعر التي تجيش في القلوب - قبل أنْ تظهر على الوجوه - فقد عبَّر عن ذلك القرآنُ بلفظ «انقلبوا» ليربط ما بين الحركة والقلب، ويثبت أنَّ تصرف المشركين لم يكن عَبَثاً، بل كانوا يوطنون عليه أنفسهم، ويظهرونه بتلك الحدَّةِ من الانفعال!...
وإبَّان تلك الأوضاع، وما تبَعَها أيضاً من الضيق المادي، بعد الهجرة إلى المدينة، وحالة الفقر التي يعيشونها، كان المسلمون يتساءلون: لا اعتراض على حكم الله تعالى، ولكن هؤلاء أعداء الله، ممن يحاربون الإسلام وأهله فيما نرى من الخير، والعيش الرغيد، والتجارة الواسعة، ونحن المؤمنين نكابد، ونعاني في الجهد؟! فأنزل السميعُ البصيرُ الوحيَ بقوله تعالى: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ *مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ *} [آل عِمرَان: 196-197].. إنه خطاب الله - عزَّ وجلّ - لرسولِهِ ليواسَي به نفوس المؤمنين من حوله، ليعلموا أنَّ ما يرون من هذا التقلّب في حياة أعدائهم، إنْ في صحة أجسادهم، ونمو تجارتهم وزراعتهم، وكسبهم المال الوفير.. كل ذلك يجب ألاَّ يغرَّهم[*] بشيء لأنَّهُ خداعٌ في المظاهر، وطمعٌ في الباطل، ثم متاعٌ قليلٌ يتمتّعون به يسيراً في هذه الدنيا، ثم يموتون وليس معهم شيء من ذلك المتاع، لا بل عن العكس سوف يكون أمرهم إلى وبالٍ، لأنَّهم كفارٌ، مأواهم في الآخرة جهنَّمُ، وبئس المستقرُّ.. واليوم، وغداً.. قد يرى المسلمون تقلَّب أعدائهم في البلاد كلها، وقد يقول ضعاف النفوس: هؤلاء هم الكفار يملكون كل شيء، ويسيطرون على كل شيءٍ، وأبناء الأمة الإسلامية - في أكثريتهم - يعانون الحرمان والفقر!.. هؤلاء الذين يفكرون مثل هذا التفكير، يجب أن يلتمسوا الهدى في كتاب الله، فلا تعود أحوال الكفار تخدعهم، ولا تقلُّبُهم في أقطار الدنيا، وعلى أي وجهٍ من الوجوه، يغرُّهم، ما دام مصيرُهم بيد ربِّهم، وقد أخبَرَ قرآنُهُ المجيدُ، ما سيؤول إليه هذا المصير، ثم لا بدَّ أنْ يدرك المسلمون أنَّ الله قادرٌ على أنْ يأخذ أعداءهم في تقلّبهم حيثما كانوا، وعلى أي الأحوال كانوا في هذه الحياة الدنيا وذلك عندما يسمعونَ قولَهُ الحقَّ: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ *أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ *} [النّحل: 45-46].. وعندما تتكوَّن لدى المسلمين - ولا سيما أصحاب النفوس الضعيفة - مثل هذه القناعة، من حيث إنَّ كل المظاهر التي يرونها - إنْ لم يكن فيها ما يرضي الله تعالى - هي باطل، وإلى زوال، ترتاح نفوسهم، ويصبح همهم أنْ يكون في أعمالهم، وفي تقلبهم - هم - ما يقربهم.
إذاً، فكل الحالات التي تعتري الناس تأتي من تقلّب القلوب، وهذا التقلّب - بما له من تأثير - هو الذي يغيّر الأنفس من حالٍ إلى حالٍ، ويصرف العقول من رأي إلى رأيٍ، سواء حصل ذلك بصورة عفوية وتلقائية، أو من خلال النظر في الأمور وتدبّرها..
ومن الآفاق الرحبة التي نجدها في القرآن الكريم، أنه يعبّر، في مناسبات مختلفة، عن القلب معانٍ عديدة من مثل العقل، أو الروح، أو الشجاعة وما إلى ذلك من المعاني التي تتعلق بحياة الإنسان النفسية والجسدية.. فعندما يطلق القرآن الكريم لفظ القلب ويعني به العقل، يقول الله تعالى: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37].
.. يخبر القرآنُ الكريمُ عن مصارع الأقوام القديمة، والأمم الغابرة، وكيف أخذهم الله تعالى - أخذ عزيزٍ مقتدر، ولم يذر أحداً منهم، بعدما جاءهم الرسلُ بالبيات، فكذبوهم، وأصرّوا على الكفر؛ فيقول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى} [ق: 37].. على الناس أن يتذاكروها، ويستذكروها دائماً لأنَّ فيها عظةً بالغةً لمن كان له قلبٌ واعٍ، مدركٌ لشدة العذاب، أو نوع الهلاك الذي يثير في الأنفس مشاعر الرهبة والخشية من الله - جلَّت قدرته - ويحمل على التفكُّر في مصير الناس الذين يجحدون نِعَمَ ربِّهم، فيؤثرونَ الكفر على الإيمان، والمعصية على الطاعة له سبحانه. أما الذي لا تستوقفه الذكرى، ولا يتّعظ بها، فكأنما لا قلب له في جوفه، فلا يعقل - حينئذٍ - تدبّرها، ولا يخاف شيئاً من مقاصدها.. أما مَنْ يعي معاني الذكرى، فإنَّ قلبه يهلع لها، لأنَّ القلب هو موطن الخوف، وأشدّ أنواع الخوف يكون من الموت، لذلك نرى كثيراً من الناس يؤخذون بالرهبة لموت هذا أو ذاك من ذويهم أو معارفهم، فكيف بهم عندما يسمعون بالموت الجماعي الذي يحصد الآلاف، أو يهلك جماعاتٍ بأسرها؟!.. ولعلَّ في قراءة التاريخ الحديث، ما يبعث في الأنفس ذكرى معبِّرة عن الملايين الذين أبادتهم الحرب العالمية الأولى، أو الثانية، أو ما حلَّ بهيروشيما وناكازاكي عندما ألقيت عليهما القنابل الذرية.. بل، وها نحنُ في مطلع القرن الحادي والعشرين تصدم مشاعرَنا، كلَّ يوم، مشاهدُ المقابر الجماعية التي تكتشف في العراق، أو التي اكتشفت قبلها في بلاد البلقان، فنشعر - ليس فقط بالرهبة - بل وبالحنق على أولئك الظالمين، السفَّاحين الذين كانوا يأمرون باستعمال مختلف أنواع الأسلحة الفتاكة لقتل الآلاف من الناس، واستخدام شتى الوسائل والطرق الخبيثة لممارسة ظلمهم العاتي..
أضف إلى ذلك ما تثير شاشاتُ التلفزة في نفوسنا من مشاعر الخوف، وهي تعرض المشاهدَ عن سقوط الطائرات، وتصادم القطارات التي يذهب ضحيتها مئاتٌ من الناس، أو وهي تنقل الصورَ الحيّة عمَّا يفعل غضبُ الطبيعة عندما تثور بالبراكين، أو الزلازل والأعاصير وتودي بحياة عشرات أو مئات الآلاف من بني البشر.. فأيُّ إنسانٍ لا تؤثّر في قلبه مثل تلك المشاهد والصور والأخبار فقد فَقَدَ ولا ريب كل مشاعره الإنسانية، حتى لكأنَّهُ بلا قلب..
وقد يحاولُ الإنسان التخفيف من ثقل مشاعره على نفسه، عندما يقول: وماذا يمكن أن يفعل الناس عند حلول الكوارث؟
وهذا صحيح، لأنَّ الطبيعة تأتمر بأوامر ربّها، وليس للبشر حيلةٌ فيما يحل بهم من جرّاء غضبها.. ولكن ما يعنينا هو مشاعر الخوف التي تسيطر على الناس من أية جهة أتت، وقد يكون أشدها إيلاماً على الأنفس هذا الظلم الذي يحيق بها من ظلم الناس لبعضهم، وهذا ما يريدُ القرآن الكريم التركيز عليه، وهو يقصُّ علينا القصص عن أولئك الأقوام الذين وقف الملأ منهم يستبدون بالناس، ويفرضون عليهم آراءهم كي لا يستجيبوا لدعوات الحق التي أنزلها الله تعالى عليهم، وذلك منتهى الظلم، الذي يورث أشدَّ الذنوب، فحق أن يأخذهم الله بذنوبهم، وبالعذاب الذي يستأهله كلٌّ من أولئك الأقوام، كما يخبرنا قوله تعالى: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ *} [العَنكبوت: 40]، إنَّه تحذير الله - عزّ وعلا - للعباد من الظلم: ظلمهم لأنفسهم، وظلمهم للآخرين.. وهو دعوةٌ صراحٌ لمحاربة الظلم، ووقف الظالمين حتى لا يستبدَّ القويُّ بالضعيف فيعم الفسادُ والشر ويسود الاستكبارُ والتسلّطُ في المجتمعات، بل وفي العالم، إذْ كم يوجد اليوم من الحكام، وأصحاب السلطة، والمتنفذين وصنّاع القرار، ممن أخذهم الغرور فراحوا يفرضون آراءهم على الناس بأنظمة الاستبداد، أو بوسائل المكر والخديعة؟! وكم يوجد اليوم من الدول التي أضلَّتها قوى الشر، الظاهرة والخفية، فراحت تتحكم في مفاصل الحياة في بلادها، وتفرض المخططات والإملاءات على غيرها من الدول، ظلماً بظلم؟!. هكذا الملأ من الأقوام الغابرة يمتشقون الظلم والاستكبار سلاحاً في وجه الدعوات التي يحملها الأنبياء والمرسلون، ويجرّون الناس من ورائهم حتى يحلَّ بهم الهلاك.. وفي القرآن الكريم البرهانُ القاطع على ما حلَّ بقوم نوح (عليه السلام) الذين أخذهم الطوفان جميعاً، بينما أنجاه الله تعالى وأصحاب السفينة، وجعلها آية للعالمين.. وقبائلِ عادٍ، قوم هودٍ (عليه السلام) الذين أرسل الله تعالى عليهم رياح الصحراء ورمالها العاتية سبع ليال وثمانية أيام حتى جعلتهم صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، فلا ترى لهم من باقية؛ وقبائل ثمودَ، قومِ صالح (عليه السلام) الذين أهلكوا بالطاغية، أي أُهلِكوا بالصيحة الطاغية فأصبحوا في ديارهم جاثمين[*] ، لا تحميهم الحصون والقصور التي نحتوها في الجبال، أو شيدوها في ديار العمران أمناً من صروف الأيام.. وقوم لوطٍ (عليه السلام) الذين قلبت الملائكة - بأمر ربها - قراهم رأساً على عقب، فهوت تفجُّ الأرضَ فجاً، بكل ما فيها ومَنْ فيها، وجعل العزيز المقتدر بعضَها آية بيّنة للعالمين نجدها ماثلةً في البحر الميت الذي يدل عليه قوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ *} [الحِجر: 76]، أو فرعون وجنوده الذين أغرقهم العليُّ القدير في البحر، ونجَّى بدنَ الطاغية فرعون - وحده - ليكون آية للناس.. وكلها مصارع أقوام يصورها القرآن المبين بصورة حسيّةٍ كأنَّما يعيش الناسُ أحداثَها عياناً.. وإنَّ في ذلك لعبرةً بالغةً، إن لم يتّعظ بها الإنسان، فكأنما لا قلب له لأنَّ القلب البشري الذي لا ينفعل بالأحداث يعتبر خاوياً، فارغاً من المشاعر والأحاسيس الإنسانية حتى لكأن صاحِبَهُ أداةٌ حيةٌ تمشي على الأرض، ليس إلاَّ ! وهكذا بات واضحاً ما عناه قولُ الحق تبارك وتعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلاَدِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ *إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ *} [ق: 36-37]، أي إنَّ في ذلك الإهلاك لذكرى لمن كان له عقل يدرك معانيها، أو أذنٌ تعي أخبارها، بحيث يكون من يستذكرها حاضر الفؤاد دائماً ليتَّعظ بها.
ومن المعاني الجليلة أيضاً التي يعبّر بها القرآنُ المبينُ عن القلب، بالعقل أو البصيرة يقول الله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ *} [الحَجّ: 46].
تبين لنا هذه الآية الكريمة أنَّ القلب هو وعاء البصيرة، أو هو العقل الذي يبصر به حقائق الوجود، كما تبيّن لنا ما للسمع، أو التلقّي من أثر - في مشاركة البصيرة - للنفاذ إلى معرفة تلك الحقائق، والاتعاظ بالأحداث التي تجري على مسرح الحياة البشرية.. فالكفار في جزيرة العرب كانوا يكذّبون النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فيما يبلغ عن أمرِ ربِّه تعالى، ويتحدَّونه بأن ينزِّل عليهم العذابَ إنْ كان صادقاً في دعوته، فنزلت هذه الآية المباركة، تستنكر عليهم تلك الغفلة في نفوسهم حتى تجعلهم لا يعقلون ما يرون، وذلك الصممَ في آذانهم حتى يجعلهم لا يستوعبون أخبارَ ما يسمعون، وذلك بالتساؤل الذي يحمل التوبيخ ويستهجن عدم تشغيل مداركهم وحواسهم، وهم يضربون في بقاع الأرض - للتجارة وغيرها - فتكون لهم قلوب - عقول - يدركون بها ما نزل بالذين تصدّوا لدعواتِ الحق من قبل، وما حلَّ بهم من الهلاك. وهم يرون - بأم العين - آثارهم؛ أو تكون لهم آذان يعون بها أخبارهم، والقصص التي تُروى عن تدميرهم!.. فتكون لهم عبرة لأن يرعووا عن استكبارهم، وعن تكذيب هذا النبي الذي ما بعث إلاَّ لهدايتهم، وهداية الناس أجمعين!.. ولكنهم لم يعتبروا بما كانوا يرون، ولم يتعظوا بما كانوا يسمعون، لأنَّ القضية في ذلك: ليس لأنّهم لم يرعووا عن استكبارهم، وعن تكذيب هذا النبي الذي ما بعث إلاَّ لهدايتهم، وهداية الناس أجمعين!.. ولكنهم لم يعتبروا بما كانوا يرون، ولم يتعظوا بما كانوا يسمعون، لأنَّ عمى قلوبهم قد منع عليهم إعمال البصيرة، وتشغيل الحواس، فضلّوا عن جادة الصواب، وساقهم الضلال بعيداً عن إدراك الحقيقة، فكان من المقدَّر ألاَّ يصدقوا النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وألاَّ يؤمنوا بما جاء به من الهدى!..
وهذه هي أحوال الناس عندما يعطلون مداركهم حتى تعمى عن الاهتداء إلى ما فيه صالحهم، وما يؤمّن لهم الخيرَ في الدارين.. فقد تكون سبل الهداية متوافرة، ووسائل الإعلام متاحة، ولكنْ من يعقل، ومن يدرك، ومن يسمع؟؟ وقد تكون الأسفار في السابق محدودة المدى في الزمان والمكان، ولكن كانت - في الوقت نفسه - تحمل للمسافرين كثيراً من الدروس والعبر عن أخبار الماضين، التي لو وعوها بحق، لاهتدوا إلى كثير من الحقائق، ولاسيما حقيقة وجود الله تعالى، وصدق النبيين والرسل فيما جاؤوا به عن ربهم..
وكما كانت أحوال الناس في الماضي، فكذلك هي اليوم.. فها هي حركة المواصلات تقل المسافرين إلى مختلف أنحاء المعمورة، فيرون من آيات الخلق ما يذهل العقول.. وها هي وسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية وبما تنقل من الصور والمشاهد والأحداث والأخبار، ما يجعل الأرض «قرية كونية» بحق.. وها هي مختلف العلوم والمعارف التي لا تتعارض مع معاني التعبير القرآني عندما يقول الحقُّ تبارك وتعالى: {فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ} [آل عِمرَان: 137]، أي أفلم يسافروا إلى كل ديار المعمورة، ويتنقّلوا بين مختلف نواحي الأرض، فيروا كل هذه الموجودات والأشياء، وكل هذه الأنواع والأجناس من المخلوقات؟! ولكن كم من الناس يُدركون ما للجبال، والأودية والسهول، التي رأوها من وظائف تؤديها في حفظ الأرض وتوازنها، وفي حفظ الحياة على الأرض، وتمكين الناس من إعمارها؟! وكم من الناس يمكن أن يعقلوا ما جعل الله - تعالى - لكل نوع من أنواع الكائنات الحية من نظام خاص للحياة بحيث يرتبط مع نوعه، ومحيطه، ومع غيره من الكائنات الأخرى بسنن كونية لا تتحوَّل ولا تتبدل؟ فكل تلك الموجودات الحسية يمكن أن يشاهدها الناس جهاراً ونهاراً، أو يعلموا، ممَّا تنقله وسائل الأعلام عنها بالصوت والصورة، كثيراً عن خصائصها.. ولكنَّ الذين يستشعرون حقيقة خلقها، ويدركون أهمية هذا الخلق، هم الذين أنعم الله - عزَّ وجلَّ - عليهم بقلوب - بصائر - يعقلون بها وبآذان يتدبَّرون بسماعها.. وهم الذين أدركوا معاني هذا الوجود، فآمنوا، وكان إيمانهم صادقاً، وأخلصوا لربهم فكان إخلاصهم تاماً وكاملاً.. أما غيرهم، الذين يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، فهم الذين تكون أبدانُهم وحواسهم عاملة، ناشطة، بينما تكون قلوبهم عمياء.. وهو ما بينه الله العلي العظيم بقوله الحق المبين {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحَجّ: 46].
هذا ما يمكن أن نستوعبه من بعض الآيات القرآنية عن معاني القلب عندما يُرادُ به العقل، أو البصيرة.. ولكن، هنالك معانٍ أخرى للقلوب - كما قلنا - يمكن أن تتبيّن من سياق الآيات التي وردت فيها ما يعبّر به القرآن الكريم بالقلوب عن معنى الروح، فيقول الحقُّ تبارك وتعالى: {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} [الأحزَاب: 10]، أي انتفخت قلوب المؤمنين وتمدّدت حتى كادت لتبلغ مطلع الروح في الحناجر، أو إنَّ أرواحهم كادت تفارقهم حتى بلغت الحناجر، وذلك من شدة الخوف، والضيق، والكرب، وغيره مما كان المسلمون يعانون أثناء حصار الأحزاب لهم في المدينة المنوَّرة، وهو تعبير يوحي بحركةٍ حيّةٍ للقلوب في مدى تأثرها، وانفعالها، حتى لكأنَّها تودُّ الإفلاتَ من الصدور.. وهذا يعني، بتغير آخر، أنَّ المسلمين، قد استيقنوا في تلك الشدَّة، بأنَّهم مشرفون على الموت، مثلما يستيقن من جاء أجله عندما يحسُّ بأنَّ روحه تتحرك في صدره حتى لتكاد تبلغ التراقيَ قبل أن تخرج من حنجرته..
- أو ما يعبر به القرآن الكريم بالقلوب عن معنى الشجاعة، فيقول الله تعالى: {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} [الأنفَال: 10]، أي ليثبِّتَ إمدادُ الله لكم بالملائكة، الشجاعةَ في نفوسكم أيها المسلمون، ويزيل ما رانَ على قلوبكم من الخوف لكثرة أعدائكم.. وقد حصل ذلك المددُ الإلهي للمسلمين، وهم يخوضون القتالَ في معركة بدر، وكان أعداؤهم ثلاثة أضعاف عددهم، فأنزلَ الله - العليُّ القدير - الملائكة عوناً لهم، ولتطمئنَّ قلوبُهم فلا يخافون كثرة العدد والعدَّة، ما داموا على الثبات والشجاعة نفسيهما، وعلى التضحية والإقدام نفسيهما، لأنَّ النصر - في نهاية المطاف - هو من عند الله، ومن ينصر الله ينصره، وقد تحقق يومئذ النصر للمسلمين..
وعلى العكس من ذلك، فإنَّ الله تعالى عندما يشاءُ أن يوهن القلوبَ، ويضعف النفوس فإنه يقذف فيها الرعب، لقوله تعالى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} [الحَشر: 2]، وهذا ما فعَلَ الله تعالى في قلوب بني النضير، من يهود المدينة، فقد ألقى في قلوبهم الخوف حتى امتلأت به وكادت تنقطع عن النفس لشدته، وذلك عندما حاصرهم المسلمون واضطروهم إلى الجلاء عن ديارهم، فجعلوا يخربون بيوتَهم بأيديهم، ومن ثمَّ بأيدي المؤمنين، كي لا يفكروا بالعودة أبداً.. وهذا ما كتبَهُ الله تعالى عليهم، بسبب عداوتهم للإسلام، وتآمرهم على رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، كي يقتلوه، ويقضوا، مع المشركين، على المسلمين من بعده..
- أما عن تفرّق القلوب بسبب تنازع الأهواء، واختلاف المصالح والغايات، فيقول الله تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [الحَشر: 14]... وقد ورد هذا القولُ الكريم في سياق الآية التي تتحدث عن حالة اليهود في اجتماعهم على عداوة المسلمين، وتماسكهم على رأي واحدٍ، وموقف موحّد في سبيل هذه العداوة.. أما فيما خصَّهم من مصالح أخرى، فقد كانت نياتهم مختلفة ومقاصدهم متفرقة، لأنَّ كل جماعة منهم كان لديها مصالح تتضارب مع مصالح الجماعات الأخرى، وتتوخى من ورائها غايات متباينة.. ومع ذلك، وعلى الرغم من ذلك التباين فيما بينهم، إلاَّ أنَّهم كانوا قادرين، من حيث دهائهم، أن يخدعوا المسلمين بمظاهر الاتفاق، واجتماعهم في معسكر موحد الرؤية والقوى.. ولكنَّ الله تعالى يكذبّهم في كل تلك المظاهر الخادعة، عندما يبيّن كيف أنَّ «قلوبهم شتى» في تنازع أهوائهم، وتصادم اتجاهاتهم، خلاف ما يحسبهم عليه الناس..
وهنا، وعندما يبيّن الله تعالى ما تنطوي عليه قلوبُ أعدائهم اليهود من مشاعر التشتت والتفرقة، فإنَّما يريد سبحانه من المسلمين أنْ يأخذوا العبرة من أولئك الأعداء، فتبقى قلوبهم مجتمعة على التآخي، والتماسك، ووحدة الكلمة من أجل مصلحة الأمة.. كما أنه عندما يكشف سبحانَهُ لهم بواطنَ قلوب أعدائهم، وتفرّقها لشدة خلافاتهم - بخلاف ما يحسبونهم - فإنَّما يدعوهم إلى الصبر على الشدة، والثبات على الحق، لأنَّ مظاهر التماسك التي يرونها عند أهل الباطل، لا بدَّ وأن تتفسَّخَ جدرانُها، وينهار بنيانها، وتذهب ريحهم شتى.. وهذا ناموس أساسي في الوجود، لأنَّ الاختلاف كلما كان قائماً في جوهر الأشياء، فإنه سيؤدي في النهاية إلى تفجيرها من داخلها. وعلى هذا الأساس، فإنَّ ما يرى المسلمون اليوم من تحالفات بين أهل الباطل، لا بدَّ وأنْ يؤدي تفرق القلوب، وتنازع الأهواء، وتضارب المصالح إلى انهيار تلك التحالفات، وقيام تحالفات جديدة بين أهل الحق، تملأ الأرضَ عدلاً وقسطاً، بعد أن ملئت جوراً وظلماً..
- ومن أجل طهارة القلوب وعفّتها يأمر الله تعالى المسلمين بألاَّ يكلّمَ الرجالُ نساءَ النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) إلاَّ من وراء ستار، فيقول المولى عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزَاب: 53]. والمعنى أنَّه إذا ما أرادَ أحدٌ من رجال المسلمين أن يسألَ نساءَ النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) متاعاً، أي شيئاً ينتفع به من أمور الدنيا والآخرة،فعليه أن يسألهنَّ ذلك من وراء ستار، لأنَّ هذا الستار يحول دون تلاقي العيون، أو ملامسة الأيدي، وهذا أجلب للعفة، وأطهر للقلوب، ولو من مجرد النظر.. وجميلُ ما في التعبير القرآني «طهارة القلوب» التي تبعدُ جوارحَ الإنسان عن كل مفسدة، وتبقيه إنساناً عفيفاً، شريفاً، طاهرَ القلب والسريرة، نظيفَ الكفّ واللسان، رقيب السمع والبصر..
من كل ما تقدم يتبيّن لنا أنَّ القرآن الكريم يجعل للقلب معانيَ متعددة، إذْ كما هو موطنٌ للإِدراك الحسي، فكذلك فيه ملكةُ الفهم للمعاني المجردة،ومركزُ الانبعاث لكلِّ المشاعر، على تنوِّعها..
إلاَّ أن هذا البيان القرآني لا يجعل القلب وحده موطناً للنفس الإنسانية كما يحلو لبعض الناس أنْ يتصوروا، وذلك باعتقادهم أن القلب هو كل شيء.. وأنه، هو النفس بجمالها وكمالها، ولا شيء صالح سواه في الإنسان. ومن هؤلاء بعض الصوفيين مثلاً، الذين يزعمون أنَّ القلب هو عرشٌ للرحمن، وقد صرحوا في مناسبات عديدة بعدم جدوى العقل في الوصول إلى الله سبحانه وتعالى، علماً بأنَّ القرآن الكريم قد جعل العقلَ من معاني القلب، كما رأينا قبل قليل في الآية 46 من سورة الحج. ولذلك كان الشِّعر عندهم تعبيراً عن خلجات نفوسهم، أي عن خلجات قلوبهم، فظهر في شِعرهم فنون متنوعة كالمناجاة والاستغاثات، والأوراد، والأذكار، والمدائح النبوية، وغير ذلك من ألوان شعرية شاعت في أوساطهم. فالوجد مثلاً، عند أولئك الصوفيين، ليس إلاَّ انفعالاً نفسياً قوياً، يحركه السماع، ويسيطر على الإنسان حتى يجعله في شبه غيبوبة عن الواقع.
يقول الإمام الغزالي بهذا المعنى: «ثم يُثمر الفهمُ الوجدَ ويثمرُ الوجدُ الحركةَ بالجوارح». ويقول شاعرهم:
ذكرتُك[*] لا أَنّي نسيتُكَ لحظةً
وأَيْسَرُ ما في الذكرِ ذكرُ لسَاني
وكِدْتُ بلا وَجْدٍ أموتُ مِنَ الهَوَى
وهَامَ عليَّ القلبُ بالخفقَانِ
فلمّا أَراني الوجدُ حاضِري
شَهدتُكَ موجوداَ بكلِّ مكانِ
فَخَاطبتُ موجوداً بغيرِ تَكَلُّمٍ
ولاحَظْتُ مَعْلوماً بغيرِ عِيانِ
والرقص يؤدي بهم إلى حالة الكشف التي يتوهمون، فيقول شاعرهم عن الرقص:
دَقَقْنا الأرضَ بالرقْصِ
على غَيْبِ مَعَانِيكا
ولا عيبَ على رقصٍ
لعبدٍ هائمٍ فيكا
وهذا دَقُّنا للأرضِ
إذْ طُفْنا بِواديكا
ولندعِ الصوفية وتخيلاتهم جانباً، إذ لسنا هنا بصدد تفنيد آرائهم أو الردّ عليها، مع الإشارة إلى أننا قد فعلنا ذلك بصورة مفصلة في كتابنا «الصوفية في نظر الإسلام».. وإنَّما نريد أن نكرر القول بأن العقل - الذي يعبّر عنه أحياناً بالقلب - هو أشرف هبةٍ منحها الخالق للإنسان. به عرف الإنسان ربَّه، وبه حاسب الربُّ عبادَهُ، لأنه إذا أصابه خللٌ ما، سقطت عن صاحبه كلُّ التكاليف والفرائض، والفارق بين العقل والقلب، أنَّ القلبَ يهتدي بهدي العقل، ولذلك سمَّتْهُ بعض الآيات القرآنية الكريمة عقلاً، تعبيراً عن النفس بجوهريها العقل والقلب، وإذ ليس بالعقل وحده يحيا الإنسان، وليس بالقلب وحده يحيا الإنسان، بل بالإدراك العقلي والشعور القلبي معاً يكون الإنسانُ إنساناً، إلاّ أن الخطر يكمن في أنَّ هذا القلب، أحياناً كثيرة، يميل بصاحبه عن الطريق القويم، ويتّبع الهوى ويوقعه في الضلال لأنه مكمن الغرائز... هنا تمتد يدُ الرحمة من الخالق جلَّ وعلا إلى هذا الإنسان، في ساعة ضعفه تلك، فتقطع حبال أهوائه وميوله، وتحول بينه وبين الاستجابة إلى دوافع قلبه المهلكة، وتردّه إلى حياة الطّهر والإيمان في دنياه فيتذكر حياته الأخرى التي سيُحشر فيها إلى الله مع عمله.. قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ *} [الأنفَال: 24].
وفي ضوء هذه الآية الكريمة التي تبيِّن أن قلب الإنسان متقلّب، وأن يَدَ الله وحدها هي التي تردّه إلى الصواب كلما نزع نحو الخطأ.. في ضوء ما تعنيه هذه الآية نفهم دعاء رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الذي كان يقول فيه: «اللهمَّ، يا مقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك».
أجل، هذا ما كان يدعو به ربَّه سيّدُ الأنبياء محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الذي كُتبت له العصمة من الذنوب، فكيف بنا نحن الخطأةَ بني البشر؟
إنه دعاء يهزّ كيان الإنسان المؤمن، فتخشع نفسه ويرتجف فؤاده إذا ما خلا إلى نفسه مفكّراً، إذ يدرك - حينئذٍ - أنَّ قلبه الذي بين جنبيه، هو في قبضة الله تعالى القاهر الجبار، يحتجزه ويقلّبه ويصرّفه كيف يشاء، وأنَّه القادر على أن يحول بين المرء وقلبه، فلا يملك هذا الإنسان المسكين من أمر نفسه ولا من أمر قلبه شيئاً.. فتبارك الله العزيز القدير..
amantadin cena amantadin biverkningar amantadin nedir



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB