علم النَّفس (الجزء الاول)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1472
تاريخ النشر :   2008




الفصل الثاني - فطرة الإنسان

إن معرفة النفس تبدأ قبل كل شيء بمعرفة طبيعتها، باعتبار أنَّ طبيعة الشيء تعني ماهيته، أي ما هو. وهذه المعرفة تقودنا إلى إدراك سر نموّه وتغيّره وتحركه وما يتميز به من صفات طُبع عليها، أي إنَّ طبيعة الشيء مخلوقة فيه بحسب ما أعدَّه له خالقُهُ.. وهي ما يمكن أن نسميها الفطرة، أي الجبلّة التي جُبل عليها، وتخلَّق عليها كل موجود في أول خلقه، تأكيداً لقول الله تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الرُّوم: 30]، والحديث الشريف: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه»[*] .ومعنى ذلك أن المولود البشري يولد على الفطرة، أي على الجبلة أو التكوين المودع في جنسه، وولادته تكون صافية (خالية من أي اكتساب) خلقاً وطبعاً وهيئة، ليس فيها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة، لأنه لو كان مفطوراً (مخلوقاً) على إحدى هذه الحالات لما كان من السهل التخلي عنها فيما بعد.
والإنسان بفطرته التي طبع عليها، لديه من الله تعالى هِبَةٌ خاصة، هي عبارة عن قوة خاصة تدفعه إلى البحث والتنقيب عن السبل والوسائل التي تتناسب وهذه الفطرة. وأهم مقوّمات هذه القوة الخاصة للكائن البشري هي الطاقة الحيوية أي: مجموعة الغرائز والحاجات العضوية.
أمّا الغرائز فتتركّز في ثلاث: غريزة حبّ البقاء، وغريزة حفظ النوع، وغريزة التديّن أو التقديس.
وأما الحاجات العضوية فهي عديدة ومتنوعة، مثل حاجة الإنسان إلى التنفس، وحاجته إلى الأكل أو الشرب وما يتصل بهما، وحاجته إلى النوم.. ومن مظاهرها الراحة، والتعبير عن حاجات الإنسان يكون بواسطة الكلام أو الإشارة أو الكتابة أو ما شاكل ذلك..
وهنالك خلط شائع بين الغرائز والحاجات العضوية، كما أن هناك خلطاً بين الغرائز والمظاهر التي ستنجم عنها. ولذلك اعتبر كثيرون أن الغرائز كثيرة ولا تقع تحت حصر، مدّعين أن هنالك غريزة للتملك، وغريزة للخوف، وغريزة للجنس، وغريزة للطمع، وغريزة للجوع، وغريزة للعطش، إلى آخر ما صنَّفوا من تصورات الغرائز، وجعلوها تعبيراً عن كل سلوك الإنسان!.. وهذا يعني أنهم لم يفرقوا بين الغرائز ومظاهرها، أي بين وجود طاقة حيوية أصيلة في داخل الإنسان وبين مظاهر هذه الطاقة. فالطاقة الأصيلة في التكوين البشري هي الغريزة، وهي جزء من طبيعة الإنسان فلا يمكن إنكارها أو تجاوزها أو كبتها. وهي موجودة مع الإنسان منذ تكوينه وخلقه، أما مظاهرها التي تتجلّى بها فلا تؤلف جزءاً من تكوينه.. لذلك يمكن معالجة هذه المظاهر للغرائز أو محوها، كما يمكن كبتها وتحويلها.
وهذه بعض الأمثلة على ذلك:
إنَّ من مظاهر غريزة البقاء، الأثرة والإيثار. فيمكن معالجة الأثَرة بالإيثار، كما يمكن مجاهدة الأثرة لمحوها من النفس..
ومن مظاهر غريزة البقاء الخوف الذي يعتبر من أهم المظاهر الغريزية باعتبار أنه موجود في الإنسان، في أي مكان أو زمان عاش فيه. ومنه خوف الإنسان من الإنسان أو من الحيوان، أو من الطبيعة عندما تحدث الزلازل والفيضانات وثوران البراكين وهياج الأمواج، والأعاصير والبرق والرعد.. والخوف مهما كان نوعه أو شكله يمكن للإنسان معالجته، فمثلاً خوف الإنسان من إنسان آخر يمكن تحويله إلى خوف من الله سبحانه وتعالى، أي بدلاً من أنْ يخاف الإنسانُ من ظلم الآخرين له، أو خوفه من عواقب جرم قد يرتكبه، ليكن خوفه من أنْ يظلم أحداً، أو أنْ يغضبَ الله تعالى الذي يعاقب على كل معصية أو ذنب أو ظلم... وكذلك الأمر بالنسبة إلى الحسد والطمع، وهما من مظاهر غريزة البقاء. إذ نجد كثيراً من الناس يحسدون غيرهم على ما لديهم من مالٍ، أو جاه، أو على ما يحتلون من مناصب أو مراكز. وما يقال عن الحسد، يقال كذلك عن الطمع..إذْ باستطاعة الإنسان أنْ يكبت طمعه أو حسده، وأن يحوّلهما إلى الاستزادة من أعمال تُرضي الله تعالى، وتُنافِسُ الذين دأبوا على العمل لمرضاة الله تعالى ورسوله. فيكون بذلك قد بدل الحسد بالتنافس في أعمال البر والتقوى.
وأمَّا غريزة حفظ النوع فإنَّ من أهم مظاهرها مثلاً الميل للمرأة جنسياً، أو الحنان من الأم. فيمكن معالجة الشهوة الجنسية بالزواج الشرعي الحلال الذي يصرف عن الشهوة الحرام، أي إنه يعالج هذه الشهوة كما يعالج الإيثار الأثرة.. وقد يغلب حنان الأم - أحياناً - على فكرة الزواج أو على الميل الجنسي لديها من أجل تكريس حياتها لأولادها اليتامى.. وهكذا الحال بالنسبة إلى ميول الأبناء تجاه أهاليهم، إذ قد يؤثرون راحة الأهل ورضاهم على الولوغ في الشهوة الجنسية، أو القيام بأعمال من شأنها أن ترهقهم، ما يعني أنَّ أيَّ مظهر من مظاهر غريزة حفظ النوع يمكن أن يسدَّ مسدَّ مظهر آخر، ويمكن أن يعالج مظهراً بمظهر، لأن المظاهر يمكن علاجها أو التغلّب عليها - كما قلنا - بينما الغريزة تبقى غريزة لأنها تشكل جزءاً من تكوين الإنسان.
من هنا كان خطأ بعض علماء النفس في بحوثهم عن الغرائز، واعتبارهم أن غرائز الإنسان عديدةٌ ومتنوعةٌ جداً، لا يمكن أنْ تقع تحت حصر. وهذا الخطأ ناجم عن عدم التفريق بين الغريزة الواحدة ومظاهرها، وبين الغرائز الأساسية الثابتة - في التكوين البشري - مهما تعددت مظاهرها وتنوعت.
وقد رأينا أنَّ الطاقة الحيوية هي التي تدفع الإنسان للبحث والتنقيب عن كل ما يمكن أن يؤمن له الحاجات الأساسية في حياته، وكل ما يمكن أن يحقق له إشباع الحاجات العضوية التي هي الطعام والشراب والمنام وإشباع غرائزه. ولئن كانت الغرائز أقل خطراً من الحاجات العضوية، إلاَّ أنَّ خطرها لا يُستهانُ به على حياة الإنسان، ولاسيما في حال جموحها وعدم القدرة على ضبط هذا الجموح. ونحن نعتقد بأنه إذا لم يسرع المرء إلى إشباع حاجاته العضوية أو تنظيمها فإن مصيره إلى الهلاك. وكذلك الحال بالنسبة إلى الغرائز فإنَّ عدم إشباعها يدفع بالإنسان إلى أحضان الشقاء، لذلك كان حتماً على الإنسان إشباع الغرائز والحاجات العضوية، أي إشباع الطاقة الحيوية فيه. وهذا الإشباع للطاقة الحيوية يتطلّب تفكيراً في العيش، وهو تفكير طبيعي وضروري، إلاَّ أنَّهُ يجب أنْ يكون مبنياً على نظرة الإنسان لهذه الدُّنيا التي من شأنها أن تجعله يحيا بطمأنينة وراحة، أو أن تبقيه في دائرة محدودة وضيقة، ليس فيها أي أفق لمعنى الحياة، وبالتالي عدم الحصول على الرضى النفسي.. ولذلكَ لا بُدَّ أن يكونَ التفكيرُ في الحياةِ أساساً للتفكيرِ في العيشِ. صحيحٌ أنَّ الإنسانَ يفكرُ في العيش استجابةً لطلب الإشباع، ولكنَّ تفكيره هذا يظلُّ بدائيّاً قلِقاً بعيداً عن التطور والرقيّ، إلى أن يُبنَى من جديد على نظرتهِ الشاملة للحياة. فالموضوعُ ليس أيَّ التفكيرينِ يسبقُ، إذ منَ البداهة أنَّ التفكيرَ في العيشِ يسبقُ كلَّ ما عداه، بل الموضوعُ هو التفكيرُ في العيشِ الراقي، فذلك الذي تكونُ فيه الطمأنينةُ الدائمةُ.
صحيحٌ أنَّ التفكيرَ بالعيشِ لدى الفرد يرتقي من التفكيرِ بعيشه إلى التفكيرِ بعيش عائلتِهِ، ويرتقي من التفكيرِ بعيشِ عائلتهِ إلى التفكيرِ بعيشِ بني قومِه، ويرتقي منَ التفكيرِ بعيشِ بني قومهِ إلى التفكيرِ بِعيشِ أمّتِهِ، ويرتقي منَ التفكيرِ بعيشِ أمّتهِ إلى التفكيرِ بعيشِ الناس جميعاً.. لكنَّ هذا الارتقاءَ وإنْ كانَ موجوداً في فطرةِ الإنسانِ، إلاَّ أنه إذا تُرِكَ وَحْدَهُ بدونِ أن يُجْعَلَ له أساسٌ يُبنَى عليهِ، فإنّهُ قد يُحصرُ بنطاقه الفردي ولا يتعدّاهُ إلى الغير، فتبقى الأنانيّةُ متحكمةً في الفرد، ويظلُّ الالتواء بارزاً في تصرفاتهِ أو في أي مظهر من مظاهرِ سلوكه اليومي، من دون أنْ يتعدّاه إلى التفكير في الترقّي، أو إلى النزوع إلى الاطمئنانِ الدّائم. لهذا فإنَّ تركَ التفكيرِ بالعيشِ هكذا على طبيعتِهِ، من دون أنْ يُبنى على نظرةٍ صحيحةٍ وجديّةٍ إلى الحياةِ، لا يصحُّ أن يستمرَّ وأنْ يبقى على حاله لأنَّه لا يوصلُ إلى الهدف، ولا إلى الطمأنينةِ الدّائمة، بل هو يحولُ دونَ الطمأنينةِ الدائمةِ. وخير دليل على ذلك العيشُ البدائيُّ، أو عيشُ الشعوب المتخلِّفة.
إنَّ التفكيرَ بالعيشِ لا يَعني التفكيرَ بإشباعٍ الطاقةِ الحيويّةِ إشباعاً آنيّاً أو كيفما اتّفقَ، بل لا بدَّ أن يكونَ تفكيراً مستمراً، ينظر لعيشٌِ الإنسانِ من حيثُ هُوَ إنسانٌ، وعلى أرقى وجهٍ مُستطاعٍ تقتضيهِ غريزةُ بقاء النوعِ الإنسانيّ.
وعلى أيّ حالٍ، سواءٌ بُنِيَ التفكير بالعيشِ على نظرة في الحياة أو لم يُبْنَ، فإنَّ أهمَّ ما يجبُ فيه أن يكون تفكيراً مسؤولاً تجاه الغيرِ، لأنَّ التفكير غير المسؤولِ في موضوعِ العيشِ، لا يزيدُ عنِ التمييزِ الغريزيِّ لدى الحيوانِ في إشباعِ الطاقةِ الحيويّةِ الفردية. وهو لا يليقُ بالإنسانِ لأنه لا يصحُّ أن يظلَّ في إطارٍ من الأنانية الضيِّقة.
إنَّ التفكيرَ بالعيشِ هوَ الذي يصوغُ الحياةَ للفردِ، وهو الذي يصوغُ الحياةَ للعائلةِ والوطن، وهوَ الذي يصوغُ الحياةَ للمجتمع، وهوَ الذي يصوغُ الحياةَ للأمّةِ، وهوَ فوق كلِّ ذلكَ يصوغُ الحياةَ للإنسانيّةِ صياغةً معيّنةً، فيجعلُها حياةَ عزٍّ ورفاهيةٍ وطمأنينةٍ دائمةٍ، أو يجعلُها حياةَ شقاءٍ وتعاسةٍ وركضٍ وراءَ لقمة العيش. ونظرةٌ واحدةٌ للتفكير الرأسماليّ بالعيش، وما صاغَ بهِ الحياةَ للإنسانيّةِ كلِّها، يُظهر لنا ما جَلَبَتْ هذهِ الصياغةُ لحياةِ الإنسانيةِ من تعاسةٍ وشقاءٍ جعلا الإنسان يقضي حياتَهُ كلّها يركضُ وراءَ تأمين حاجاته الأساسية. كيفَ حَوَّلت الرأسماليةُ العلاقاتِ بينَ الناس إلى علاقات خِصامٍ دائمٍ، أي إنَّ الأساسَ في هذه العلاقات يقوم على علاقةِ الرغيف بيني وبينَك: آكُلُهُ أنا أو تأكُلُهُ أنت.. ومن جراء ذلك يستمرُّ بيننا الصراعُ حتى ينال أحدُنا الرغيف ويُحرَمَ منه الآخرُ، أو يُعطى أحدُنا ما يُبقيهِ على الحياةِ، ليوفّرَ باقي الرغيفِ للآخرِ الذي يزيد به خبزَهُ.. نظرةٌ عميقةٌ لهذِه الصياغةِ التي صاغَها التفكيرُ الرأسمالي للحياةِ، تبين لنا ما قدَّمَ النظامُ الرأسمالي وتطبيقاتُه - أو أيُّ نظامٍ آخرَ غيره في العالم - من هموم ومآسٍ ومظالم في الحياة الإنسانية.. فقد سلب من الناس راحة البال بسبب المال والحكم والسيطرة والوجاهة، فضلاً عن التحكم بمتطلبات الحياة - التي لا تعد ولا تحصى - وفقاً لما يريده ملوك الصناعة والتجارة، وأرباب البنوك وشركات التأمين، وما يبتغيه صنّاع القرار.. ما أدى إلى شقاء الشعوب، وشقاء أبناء الإنسانية برمتها، على الرغم من كل مظاهر المدنية والعمران. ولعلَّ من أهم الأدلة على ما أفرزته الأنظمة الوضعية - ولاسيما النظام الرأسمالي - من شقاءٍ للناس، اعتناق فكرة الاستعمار والاستغلال، التي أتاحت لطبقة معينة - في كل بلدٍ - قد لا يتجاوز عددها نسبة 5% إلى 10%، أن تنعم بكل أسباب الرفاهية في العيش، وأن تحكم النفوذ والسيطرة، وتجني الثروات الطائلة، بينما سائر الطبقات الأخرى محرومة من حياة الطمأنينة بمعناها الحقيقي. ولعلَّ في حياة الناس في الولايات المتحدة الأميركية، وفي أوروبا الغربية، من النماذج الحية ما يعطي المثال الصارخ على ظلم النظام الرأسمالي وتطبيقاته.. ولا تقل الأنظمة في البلدان الأخرى، كالاشتراكية، أو البروليتارية، أو الملكية المطلقة فساداً، وماديةً وظلماً عن النظام الرأسمالي.. أما الأنظمة في بلدان العالم الثالث، فحدّث ولا حرج، ويكفي أن ننظر إلى ما يتخبط فيه الناس من الأمراض، والجهل، والفقر، والبؤس والشقاء... حتى نحكم على تلك الأنظمة...
وهذا ما يجعلنا نقول بأنَّ الأنظمة الحالية على اختلافها، جعلت المتحكمين بمصائر العباد في أي بلدٍ من بلدان العالم بمثابة مصاصي الدماء الذين لا يرتوون.. فهم لا يعرفون معنى للحلال والحرام، ولا يفرقون بين عدالة وظلم إلاَّ وفقاً لأهوائهم.. وكل هذا لأنَّ التفكير بالعيش ليس تفكيراً مسؤولاً بالمعنى الأخلاقي الذي يفرض مراعاة مصالح الشعوب، ومداراة أحوالها، وتأمين سبل العيش لها بكرامة.. إذْ تنحصر مسؤولية هذا التفكير بالمصالح الشخصية قبل كل شيءٍ، ومن ثمَّ، التركيز على تأمين مصالح فئات معينة من المتنفّذين، ومن بعدهم تأتي المسؤولية العامة تجاه باقي الناس..
ولكي نكون منصفين، فإننا نعتبر أنَّ الفكرة الاشتراكية قد جاءت لتوجد المسؤولية في التفكير بالعيش، وتجعلها مسؤولية جدية في مُعالجة أوضاع الناس، ولاسيما الفقراء والكادحون.. إلاَّ أنها عجزت عن الصمود أمام جبروت الرأسمالية، وتخاذلت أو انحرفت - مع الوقت - حتى غدت الاشتراكية اسماً أو شبحاً، ثم راحت تخلو تدريجياً من مضامين المسؤولية عن الغير، إلى أنْ صارت في واقعها مجرد فكرة اقتصادية - سياسية أكثر منها فكرة إنسانية..
وعلى هذا، فإنه على الرغم من كل مظاهر التقدم التي يشهدها العالم اليوم، فإنَّ خلو «التفكير بالعيش» من المسؤولية عن الغير - في معظم جوانب الحياة المعيشية - لدى الأقوياء القادرين على التحكم بزمام الأمور في العالم كله، يجعل العاقل المبصر يدرك أنَّ العالم يسير نحو الانحطاط أكثر من التقدم، وإلى القلق أكثر من الاطمئنان، وإلى التعاسة أكثر من السعادة.. وهذا ما يضُرُّ حقاً بالحياة لأنه مجلبة لشقاء الجنس البشري.. لذلك كان من الأجدى، بل والأصحّ، أنْ يجري التفكير لتغيير النهج الذي يسير عليه أصحاب القرار في كل دول العالم، من أجل أن تحلَّ محله مناهج جديدة تقوم على «التفكير بالعيش» الذي يجعل المسؤولية عن الغير في رأس اهتمامات هذه المناهج..
صحيح أنَّ تأمين الحاجات الأساسية، ولاسيما لقمة العيش، يشكّل أهم الروابط بين الإنسان والإنسان، وصحيح أنَّ «التفكير بالعيش» هو التفكير للحصول على هذه الحاجات لإِشباع الطاقة الحيوية، أي تأمين الشبع للإنسان، ولكن بدل أنْ تكون العلاقة بين الناس قائمة على الأثرَة، وتأمين مصالح الأفراد أو الجماعات أو الدول، يجب أنْ تكون قائمة على التعاون والتكافل، وإشاعة الأمن الاجتماعي، والأمن السياسي، والأمن الاقتصادي، والاستقرار والسلام بين الشعوب والأمم والدول، حتى ينعم الناس بمفاهيم الإنسانية الحقة.. أي أن تكون العلاقة علاقة إيثارٍ لا أثَرَةٍ، بحيث تفرح أنتَ بالعطاء لا بالاستغلال، وأفرح أنا بالأخذ لا بالاستئثار - أو الطمع في أخذ كل شيء - وصدق الله العظيم في وصف الأنصار حين قدم عليهم المهاجرون بقوله الحكيم {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحَشر: 9]، والخصاصة: الحاجة.
1 - من مظاهر غريزة البقاء
من البديهي القول بأَنَّ همَّ الإنسان كان - في الأصل - ولا يزال منصبّاً على ما يحفظ له حياته، ويمكّنه من أن يذودَ عن وسطه العائلي والاجتماعي بكل ما أوتي من قوة. ولا يتسنّى له ذلك إلاَّ إذا عمل على تلافي المخاطر ودرء الأخطار التي قد تُعرِّض بقاءه هو ومن حوله للفناء. فهو في أي بيئة عاش، سواء في صحراء قاحلة، أو في بقعة حضرية مزدهرة، يجاهد - حق جهاده - من أجل حفظ حياته والذود عنها بشتى الوسائل والإمكانات التي يملكها. لكن هذا الإنسان الذي نراه يقاوم المصاعبَ ويواجه المتاعبَ، كثيراً ما يعتريه الخوفُ أو الرعب من مشكلةٍ أو وضعٍ قد يطرأ عليه، أو تأخذه الرهبة أو الفزع من حالة قد تطغى على مشاعره. لكن غريزة حب البقاء جاهزةٌ أبداً للمقاومة والدفاع، واتخاذ الموقف المناسب الذي يقدر الإنسان عليه.
وهذه أهمُّ الانفعالات التي تظهر فيها غريزة حب البقاء:
أولاً: الخوف
هو توقع لمكروه من إشاره مظنونة أو معلومة. وهو في «علم النفس» انفعال فطري تجاه الخطر يدفع صاحبه إلى الابتعاد عنه أو الهرب منه. لذلك فرق علماء النفس بين الخوف الغريزي المتولد عن غريزة البقاء، وهو متقدم على كل تجربة فردية، والخوف المكتسب الذي يتولد من التجربة. فإذا أخذنا خوف الأطفال مثلاً فإنه يُعزى إلى أسباب عديدة، منها:
- الظلام ويكاد الخوف منه يكون عاماً لدى جميع الأطفال، إذ إن نسبة 92 بالمائة من الأطفال يخافون الظلام لما يظنون أنه يخبئ من مفاجآت غير سارة، يتخيلون أنها قد تُلحق بهم أذى أو شرّاً.
- الضوضاء والأصوات العالية، مثل قصف الرعد أو صفير الرياح، أو هدير الأمواج، أو أصوات الانفجارات، أو أزيز الطائرات وما إلى ذلك..
- الحيوانات والحشرات غير الأليفة..
- الأحداث أو الأوضاع أو المشاهد المؤلمة التي تؤثر في نفوس الأطفال مثل الحروب، أو الفتن الداخلية، أو الشجار بين الآباء، أو غياب الأم أو الأب بصورة ملحوظة عن البيت، أو أساليب التعلم الملتوية في المدرسة.. فإنَّ كلَّ ذلك وما يماثله، من شأنه أنْ يؤذي الطفل ويجعله غير مستقرٍّ نفسياً في كبره.
ويقول بعض الباحثين إن الخوف قد يأتي بطريقة سريعة كما في حالة الخطر، أو بطريقة بطيئة مثل الروايات والحكايات المرعبة... ويعتبرون أن وسائل الدفاع عن النفس تكون إما بالصياح (كما هي الحال عند الأطفال خاصة) أو بالهرب، أو بالتوقف عن الحركة لدى الصغار والكبار.
ويظهر الخوف على الإنسان بعوارض فيزيولوجية متعددة مثل: الرجفة، اصفرار الوجه، البكاء، الإغماء وخفقان القلب. وقد يسيل العرق البارد، أو يحدث التبوّل غير الإرادي. وعن الخوف قد ينشأ مرض الصفراء، أو الشلل أو الخرس، إلى حدّ توقف القلب عن حركته..
وقد وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة فيها ذكر للخوف، ومنها قول الله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السَّجدَة: 16]، وقوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ *} [الرَّحمن: 46]. والخوف من الله تعالى لا يراد به الشعور الذي ينتاب الإنسان عند استشعاره الخطر من حاكم طاغٍ أو وحش ضار، بل يراد به الكفُّ عن المعاصي، واختيار الطاعات. ولذلك قيل: لا يعد خائفاً من لم يكن للذنوب تاركاً. والتخويف من الله تعالى هو الحث على التحرّز، وعلى ذلك قوله تعالى: {ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} [الزُّمَر: 16] وقوله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *} [آل عِمرَان: 175]. أي فلا تأتمروا للشيطان الذي يخوّفكم بالبلاء والفقر، وائتمروا لأمر الله تعالى الذي يخوّفكم من ارتكاب المعصية..
فالخوف إذا ما سيطرَ على شخصٍ، شلَّ ذاكرتهُ وقابليّةَ التمييزِ لديه، وأفقدهُ لذَّة العيشِ، وأنبل الصفاتِ، وأربكهُ ذهنيّاً حتى يُفقدَ لديه القدرةَ في الحكمِ على الأشياءِ.
وأخطرُ أنواعِ الخوف: الخوفُ منَ الأوهامِ والأشباحِ. ولا يكونُ ذلكَ إلا عندَ ضعافِ العُقولِ، إمّا لأنَّ نُمُوَّهُمُ العقليَّ لَمْ يكتمل كالأطفالِ، أو لعدمِ معرفةِ المعلوماتِ الكافيةِ للرّبطِ بالواقعِ. ويُعالَجُ الخوفُ لدى هؤلاءِ إمّا بالتعمّقِ في البحثِ وتقريبِ الأشياءِ لإدراكِهِم، وإمّا بإعطائِهِم أفكاراً متّصلةٌ بما يخافونَ منه، على أن يكونَ لهذهِ الأفكارِ واقع محسوس لديهم. وبهذا العلاجِ يتخلّصون من سيطرةِ الخوفِ منَ الأوهامِ والأشباحِ إمّا بإزالته، أو بتخفيفهِ تدريجيّاً إلى أن تزول بقاياهُ..
وهناكَ نوع مِنَ الخوفِ شائع ومعروف، وهو الخوف الناتج من التردّد بين القيامِ بالعملِ وما قد ينتج منه، أو عدمِ القيامِ به وما قد يخسر الإنسان من جرَّائه، وكلاهما يسبّبُ أذى. إذ قد يؤدِّي الخطأُ في الموازنةِ بين الفعل وعدم الفعل إلى الخوفِ من أبسط الأمورِ والوقوعِ بالتالي في مخاطر لا تحمد عقباها... وذلكَ كالخوفِ مِنَ الحاكمِ الظّالمِ أن يُوقعَ الأذى بالذين يعارضونه أو ينقمون عليه، فهذا يؤدِّي بدورهِ إلى ظلم شعب كامل أو أمة بأسرها.. وكخوفِ الجنديّ في ساحةِ القتال منَ الموتِ، فهذا يؤدِّي إلى الهزيمة إما بالاستسلام أو إبادةِ الجيشِ.. وكالخوفِ منَ السّجنِ في سبيلِ الدفاع عن العقيدةِ، مما يؤدِّي إلى ضعف أو ضياع أصحاب العقيدةِ، وبالتالي إلى عدم نشرها وإقناع الناس بصوابيتها. هذا بالنسبة إلى العقائد الصحيحة التي لا يتوانى منصف عن الإقرار بصوابيتها وصلاحها لخير الناس، أما بالنسبة إلى العقائد الفاسدة فإنًّ الخوف من مواجهة أصحابها يحمل أشدَّ المخاطر على الناس، لأنَّ مثل تلك العقائد تحمل في طياتها الدّمارَ والهلاكَ، لذلك كان الخوف من الحكام المستبدّين يُعدُّ من أهم المشكلات التي تكابدها الشعوب الضعيفة والأمم المتخلفة.
لكنَّ الخوفَ نافعٌ ومفيدٌ في بعضِ الأحيانِ. فالخوفُ منَ الأخطارِ الحقيقيةِ أمرٌ مفيدٌ لتلافي تلك الأخطار والاستعداد لدرئها. والاستهتارُ بهِ مضرٌّ ولا يجوزُ، سواءٌ أكانتِ الأخطارُ على الفردِ نفسهِ أو على أمّتهِ. فالخوفُ في هذهِ الحالةِ هوَ الحارسُ والحامي، لأنه يستوجبُ إدراكَ الأخطارِ المُحدِقَةِ بالأمّةِ حتى تحسبَ حسابها وتعملَ للدّفاع عن نفسها، بدءاً بالاستعداد لمواجهة تلك الأخطار، وانتهاءً بالقضاء عليها.
وكذلك الخوفُ منَ الله ومنْ عذابهِ أمرٌ مفيدٌ وواجبٌ لأنه يشكِّل رادعاً قويّاً للإنسان من الوقوع في المعاصي والفواحش. لذلكَ كانَ الخوفُ من الله - عزَّ وجلَّ - أسمى أنواع المشاعر الإنسانية لأنه أفعل في النّفوسِ، وأكثر نفعاً وفائدة من أي خوف آخر، لما له من تأثير، ليس على حياة الإنسان في هذه الدنيا فحسب، بل وفي تأثيره على أفعاله التي يُناط بها مصيرُهُ في الآخرة.. لذلك يكون الخوف من الله - عزَّ وجلَّ - حاضراً دوماً في نفس المؤمن، وعلى الإنسان الذي لا يخاف مقامَ ربِّه، أنْ يعمل على تكوين هذا الخوف في نفسه، وهو كفيل بأنْ يقوِّم سلوكه في كثيرٍ من اتجاهاته، ويدله على العمل الصالح الذي يقوده على الصّراط المُستقيمِ.
إذاً الخوفُ جزءٌ منْ فِطرةِ الإنسانِ، والمفاهيمُ التي يعتنقها هيَ التي تُثير فيه المخاوف أو تُبعدُهُ عنها، وكذلك يعتبر الخوف من أخطرِ المشاعر على الإنسانِ في بعض النواحي، كما أنهُ أكثرها فائدةً في نواحٍ أُخرى.
ولكي يتّقيَ الإنسانُ أخطار الخوف ويتمتّعَ بمنافعهِ يجبُ عليهِ أن يخضعَ للمفاهيمِ الصادقةِ وحدها، وهي - في نظرنا - مفاهيم الإسلام. وهذا ليس بالنسبة إلى الخوف فقط، بل وأيضاً بالنسبةِ إلى جميعِ مظاهرِ الغرائزِ التي فُطِرً عليها الإنسانُ.
والخوف يكون على درجات، منها الفزع والرعب والرهبة..
- أمَّا الفزع: فهو انقباض في النفس ناتج من تفكير الإنسان بما يعتريه من الشيء المخيف. قال الله تعالى: {فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ} [النَّمل: 87]. وقال تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} [سَبَإ: 23] أي حتى إذا أزيل عنها الفزع.
- والرعب: هو الانقطاع من امتلاء الخوف. يقال: رعبتُهُ فرَعَبَ رُعْباً فهو رعيب (مرعوب). ومنه قوله تعالى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} [الأحزَاب: 26]. وقوله تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} [آل عِمرَان: 151].
- وأما الرهبة: فهي مخافة مع تحرّز واضطراب. قال تعالى: {لأََنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ} [الحَشر: 13]. وقال تعالى: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبيَاء: 90]، أي يدعون الله تعالى رغباً في رحمته، ورهباً من عذابه. وقوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البَقَرَة: 40] وهو تهديد لبني إسرائيل - والناس أجمعين - أن يخافوا ربهم وحده، وأن يفردوه بالخشية لأنه قادر مقتدر، عزيز جبّار.. لذلك كان معنى الرهبانية: غلوٌّ في تحمّل التعبّد من فرط الرهبة. قال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} [الحَديد: 27].
ثانياً: الرضا والضحك
الرضا : يقال رضي، يرضى، رضاً، فهو مرضيّ. والرضا انفعال نفسي إرادي، ومصدر ارتياح وسعادة للإنسان.
ويشمل الرضا مختلف مجالات الحياة كرضا الإنسان عن نفسه وعمله، ورضاه عن زوجه وأولاده، ورضاه عن علاقاته مع الآخرين. وقد أثبتت بعض الدراسات على طلبة جامعيين أُوكل إليهم القيام ببعض الأعمال التي لا يحبونها، أنَّ قيامهم بتلك الأعمال أدّى بهم إلى التكاسل والسأم والإرهاق، وشكاية بعضهم من الصداع وآلام المعدة، فلما طلب إليهم القيام بأعمال يحبونها تغيرت أحوالهم النفسية والجسمية، وقاموا بتلك الأعمال بكل نشاط وارتياح.
وفي دراسة أخرى ظهر أن الفرح والضحك يقويان عضلات القلب، ويسهلان عملية الهضم ويخفضان ضغط الدم. ومن المعلوم أن الإنسان لا يفرح أو يضحك إلاَّ في حالة الرضا النفسي.. وكما أن للضحك إيجابيات فله سلبياته أيضاً. فمن سلبياته: كثرته. قال رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فإن كثرة الضحك تميت القلب[*] . وقال (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : «ولا تكثروا من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب»[*] .
إجمالاً: إنَّ تقبل الحياة والاستمتاع بخيرها وجمالها وطيبها - في حدود ما أمر الله تعالى - من أهم المقومات التي تساعد على الحيوية والنضارة، وعلى الاحتمال والمثابرة، وعلى الارتياح والطمأنينة. وهذا ما أشار إليه رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فقال: «اِرضَ بما قَسَمَهُ الله لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ»[*] . وقد اعتبر عبد الواحد بن زيد «أنَّ رضا الله - تبارك وتعالى - هو باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين». ويُعدُّ رضا الإنسان بقضاء ربه وحكمه، والتوكل عليه أعظمَ درجات الرضا. لذلك كان من الإيمان الرضا بالقضاء خيره وشرّه، فكراهية المؤمن للشيء أو حبُّه له لا يغير من واقع الأمر شيئاً، بل ربما يكون له خيرٌ فيما يكره، وشرٌّ فيما يحبُّ. وهذا ما لا يعلمه الناس، لأنَّ علمه عند الله عزَّ وجلَّ لقوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البَقَرَة: 216].
وقال الشاعر:
لا تعتبنَّ على النوائب
فالدَّهرُ يرغُمُ كلَّ عاتِبْ
واصبرْ على حُدْثانِهِ
إنَّ الأمورَ لها عَواقِبْ
كَمْ نِعْمةٍ مطويَّةٍ
لَكَ بينَ أَثْنَاءِ النَّوائِبْ
وَمسَرَّةٍ قد أقبَلَتْ
مِنْ حيثُ تَنتظِرُ المَصائِبْ
أما رضا الله تعالى عن عبده فهو أن يراه مؤتمراً بما أمَرَهُ به، ومنتهياً عما نهاهُ عنه، لقوله تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المَائدة: 119] رضيَ الله عن الصادقين بما أطاعوهُ تعالى، ورضوا عنه بما أثابهم به من الأجر العظيم؛ وقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} [الفَتْح: 18].
والرضوان هو الرضا الكبير. ولما كان أعظمُ الرضا رضا الله تعالى فقد خُصَّ لفظ الرضوان في القرآن الكريم بما يكون من الله تعالى: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً} [الفَتْح: 29].
ثالثاً: الغضب
هو ثوران دم القلب أو انفعال النفس بمشاعر النقمة أو إرادة الانتقام. يقول رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : «إنَّ الغَضَبَ جَمْرَةٌ تُوْقَدُ في جوف ابْنِ آدَمَ، أَلا تَرَوْن إلى حُمْرَةِ عَيْنَيْه وَانتِفاخِ أَوْداجِهِ»[*] ويقول (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «ليسَ الشَّديدُ بالصُرَعَةِ، ولكنَّ الشَّديدَ مَنْ يُمسِكُ نفسَهُ عندَ الغَضَب»[*] . وفي حديث آخر: «لَيسَ القَويُّ بِالصُرَعَةِ، ولكن القويَّ من ملكَ نفسَهُ عند الغَضبِ»[*] . وقد يُعدُّ الغضب مظهراً إيجابياً للدفاع عن النفس، لذلك كان مظهراً لغريزة حفظ البقاء.
وفي القرآن الكريم بيان لتأثير الغضب في سلوك الإنسان، ومثاله غضب موسى (عليه السلام) حينما عادَ إلى قومه فوجدهم يعبدون العجل الذي صنعه لهم السامري وأضلهم به، فما كان من موسى (عليه السلام) إلاَّ أنْ جرَّ إليه أخاه هارونَ معاتباً على تركه السَّامِريّ يفعلُ ما فعل. قال الله تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي} [الأعرَاف: 150].
وكما يدفع الغضبُ الإنسانَ إلى الانتقام أو العداوة أو الكراهية للذين يغضبونه، فإنه في أحيان كثيرة قد يرتدُّ على الإنسان نفسه إن لم يجد أمامه ما يوجه إليه سلوكه العدواني. فقد يغضب الإنسان ويضربُ غيره مثلاً، أو قد يحطم بعض الأشياء المادية التي يجدها في طريقه. ولكن كثيراً ما قد يرتدُّ غضبه إلى نفسه فيصير «غيظاً» أي غضباً مكبوتاً، ومثاله وصف القرآن الكريم للمنافقين وتصويره شدة انفعالهم وهم يعضّون أناملهم غيظاً من المؤمنين، يقول الله تعالى: {هَاأَنْتُمْ أُولاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ *} [آل عِمرَان: 119].
وعندما يستولي الغضب على الإنسان كثيراً ما يفقده السيطرة على نفسه، فيظلِمُ نفسه وغيره، حتى لا يعود لعوامل التربية والاعتبارات الإنسانية أي تأثير عليه في مثل هذه الحالة.. لذلك كان خير علاج للغضب الاستعانة بذكر الله تعالى والتروّي، ولا يكون ذلك إلاَّ بكظم الغيظ، أي تغليب الشعور بالسكينة على الهياج.. وخير وسيلة لتهدئة هياج المغضَب هو تركه وشأنه، كما نصَحَ بذلك رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وعدم مواجهته حتى لا يزيد توقد النار في قلبه، ومن ثَمَّ أخذه بالحلم والليونة والصبر. وهذا ما ينصح به أيضاً علماء التربية لإسكات غضب الأطفال.. والعلاج الفعَّال هو ما يأتي دائماً من الغضبان نفسه، وذلك بأنْ يكظم غيظَهُ وهو قادر على إنفاذه، يقول رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : «من كظم غيظَهُ وهو قادر على إنفاذه ملأَهُ الله يومَ القيامةِ رضىً»[*] .
أما ربنا تعالى فيدلنا على الطريق القويم، بقوله جلّ وعلا: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فُصّلَت: 34].
وللغضب درجات عديدة أدناها العتاب، وأشدُّها الغيظ أو السُّخْط.
يقال في اللغة: غاظَهُ غيظاً أي أغضبه أشد الغضب. والغيظ والسخط شيء واحد، وهما الغضب الشديد المقتضي للعقوبة. ومثاله قوله الله تعالى: {إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التّوبَة: 58]. والسخط من الله تعالى يعني إنزال العقوبة. قال جلَّ وعلا: {أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [المَائدة: 80].
وقال رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «إذا أحبَّ الله قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط»[*] . ومعناه أن ابتلاء الله تعالى لعباده فيه اختبار وتجربة، وفيه حكمة إلهية قد لا يستشعر الإنسان أهميتها بالنسبة إليه أو لغيره من الناس. ولذلك كان القبول بحكم الله تعالى والرضا بما قسمه توكلاً على الله تعالى، وثقة به سبحانه وتسليماً بقضائه. فإن في ذلك الخير والرضا له، وإلاَّ فإنه السخط الذي يضر بدل أن ينفع، وغضب الله الذي يهلك بدل رضاه - تعالى - الذي يحيي.
رابعاً: الفرح والسرور
الفرح هو الشعور بانشراح الصدر من جرَّاء تأثير ما يصيب الإنسانَ عندما ينالُ ما يتمنَّاهُ أو عندما يحصل ما يُريحُهُ..
أما السرور فهو ما كُتِمَ من الفرح لأنه مشتق من الإسرار. والإسرار هو خلاف الإعلان. وأكثر ما يكون الفرح عادة في اللذات الحسية. من هنا كان متاع الحياة الدنيا مصدر فرح وسرور للإنسان، وهذا شأن معظم الناس الذين تغرّهم الحياة الدنيا فيقبلون على ملذاتها فرحين. فهم يفرحون بالصحة وسعة الرزق ووفرة المال وكثرة البنين. وقد تشغلهم هذه المتع فينسون أنها نعم من الله تعالى تفضَّل بها عليهم، وينسون ذكره سبحانَهُ وينشغلون عن شكره وحمده. وهذا من قبيل إنكار النعمة وجحود فضل المنعم. لذلك يشير القرآن الكريم - في آيات كثيرة - إلى حالات الناس النفسية التي يأخذهم فيها الفرح بمتاع الحياة الدنيا، ومنها قوله تعالى: {وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الرّعد: 26]، وقوله تعالى: {فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} [غَافر: 83]. ثم يأتي الحكم الإلـهيّ: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القَصَص: 76]. أي لا يحب هؤلاء الذين يأخذهم الفرح الدنيوي فينسيهم ذكر الله تعالى وشكره على منّهِ وعطائِهِ.
أما الذين آمنوا وعرفوا الله تعالى حق المعرفة، وأدركوا قيمة النعم التي يُغدقها ربهم عليهم، فهؤلاء إنّما يعملون للآجلة أكثر من عملهم للعاجلة، حيث ينالون في الآخرة الجزاء الأوفى، ويفرحون - وحقَّ لهم أن يفرحوا - بهذا الجزاء الذي لا يتأتَّى إلاَّ بفضل الله - تعالى - ورحمته، لقوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ *} [يُونس: 58]. وأمَّأ فضل الله - وهو الفضل الأكبر - على الناس فهو: الإسلام؛ وأما رحمة الله الواسعة على العباد فكانت في إنزال القرآن وبعث محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) .. فالقرآن فيه كل الرحمة، كما وصفه الكريم بقوله تعالى: {هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البَقَرَة: 185]، وقوله تعالى: {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ} [الأنعَام: 157]، وقوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *} [الأنعَام: 155]، وأما بعث محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فهو أيضاً رحمة من الله للناس لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ *} [الأنبيَاء: 107]. أجل، فبذلك الفضل، وتلك الرحمة يكون الفرح كل الفرح، وهو خير مما يجمعون من متاع الدنيا وزينتها.. وهذا يعني أنَّ على الإنسان - عموماً - أنْ يعمل الخير الذي فيه رضا الله سبحانه وتعالى.. أما إذا انصرف الإنسان إلى متاع الدنيا، وجمع الأموال والممتلكات وارتقاء المناصب، ونيل الشهرة وغيرها مما يُعدُّ من متاع الدنيا المادي الصرف، وشغله ذلك عن خير ربه - الأجلِّ الأكرمِ - فإنَّ فرحه الدنيوي لا يغني شيئاً عن فرح يوم الحساب، باعتبار أنَّ الفرح الدنيوي زائل بزوال هذه الحياة الدنيا الفانية، بينما الفرح الحق يكون في الدار الآخرة حيث الحياة الدائمة الباقية، التي يجب على الإنسان أن يعمل لها، حتى يفرحَ برضوان الله تعالى يوم يدخله الجنة..
وقد أحسنَ أحدهم وهو يصور حقيقة شعور الإنسان في إقبال الدنيا عليه أو إدبارها عنه، وذلك بعدم شدة الاكتراث للإقبال، وعدم اليأس أو الجزع من الادبار، فقال:
ولستُ بمفراحٍ إذا الخيرُ مسَّني
ولا جازعٍ من صَرْفِهِ المتقلّبِ
(والمفراح: هو كثير الفرح).
ومن الفرح الذي يعوّل عليه المؤمنون في الحياة الدنيا، بل أهم فرحٍ على الإطلاق، هو الفرح بنصر الله (تعالى)، كما يثبته قوله الكريم: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ؛ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ *} [الرُّوم: 4-5].. ونصْرُ الله - تعالى - يومئذٍ هو ما بشَّر به الوحيُ سيدنا محمداً (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، فكانت نبوءتُهُ بأنَّ الروم من بعد غلب الفرس عليهم سيغلبون في بضع سنين.. أما لماذا يفرح المؤمنون يومئذٍ، فلأنَّ الرومَ أهلُ كتاب سماوي، بينما الفرس كانوا على المجوسية.. وتحقَّقَ نصرُ الروم فعلاً، وفرح المؤمنون فعلاً، ولكنَّ الدلالات لا تنحصرُ وحسب بالنبوءةِ على أهميتها، والتي لا تكون إلاَّ من نبيٍّ مرسل، بل وبما تحمل من أبعادٍ مستقبلية نخصُّ منها اثنتين: الأولى طمأنة المسلمين في مكة بألاَّ يخافوا من حالة الضعف التي كانوا عليها ما دام إيمانهم بربهم قوياً، وصلتهم به وثيقة، والثانية توكيد سنّةٍ إلهية ثابتة، وهي أنَّ النصرَ من عند الله، وهو - سبحانه - ينصُرُ من يشاء، وكل نصر لله - تعالى - هو فرح للمؤمنين، لأنَّهم هم أصحاب هذا النصر.. أما النصر الذي يحققه طلاَّبُ الحياة الدنيا، ومهما كان نوعه وأهدافه، فإنَّه يبقى في دائرة المتاع الدنيوي طالما أنًّهُ لم يكن في سبيل الله، ومن أجل نصرة دين الله، ومن أجل مصالح الذين يؤمنون بالله العلي العظيم!...
ومثل الفرح، فإنَّ السرور في القرآن الكريم إما سرور في الآخرة، وإمَّا سرور في الدنيا.
أما السرور في الآخرة فهو الذي يناله المؤمن جزاءً لأعماله في الحياة الدنيا لقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ *فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا *وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا *} [الانشقاق: 7-9]، أي ينقلب إلى أهله في الجنة مسروراً بما آتاه الله من فضل ورحمة.. وأما السرور في الدنيا، فهو الذي يتمتع به الكافر، وكلُّ من خفَّت موازينه يوم الحساب، لأنَّه لم يعبأ بالنُذُر، ولم يتكلَّف عناء السعي للآخرة، حتى إذا حلّت الدينونة - التي لا بدَّ منها - وجَدَ كتابَ أعماله وراء ظهره. أي مليئاً بطلب الدنيا التي تركها وراءه، وحينها سوف ينادي صارخاً بهلاكه - أي وهو يصلى ناراً مستعرة - لقوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ *فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا *وَيَصْلَى سَعِيرًا *إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا *} [الانشقاق: 10-13]؛ فقد كان بين أهله وسلطانه في دنياه هناك، مسروراً، بينما في آخرته هنا، يتنقل بين أطباق نار جهنم المستعرة..
إذًا فالسرور الأعظم هو سرور المؤمن يوم القيامة، حينما يَقِيهُ الله تعالى شرَّ ذلك اليوم، ويخلّصه من العذاب، ليدخله برحمته في جنات النعيم.. وهذا الفرح - الذي ينالُهُ الأبرارُ في الآخرة - منوطٌ بما كان عليه عمل الإنسان في هذه الحياة الدنيا. يقول تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا *عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا *يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا *وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا *إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا *إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا *فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا *} [الإنسَان: 5-11].
ومن المعاني التي تدخل السرور على نفس الإنسان البُشرى. فأنت عندما تبشِّر بشيءٍ، إنمَّا تبشر بخيرٍ فيه مجلبة للسرور على قلب المبشِّر، لأن البشرى أو البشارة هي الأعلام بما يظهر به السرور في بَشَرَة وجه الذي أتته البشارة. هذا في الأمور العادية؛ أما فيما يتعلق بالعقيدة، فإنَّ في عبادة الله تعالى، والإقبال على طاعته والإنابة إليه.. إنَّ في ذلك أعظم البشرى لعباد الله، يقول تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ *الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ *} [الزُّمَر: 17-18]. والطاغوت هو الأوثان أو الشيطان، وقيل: كل من دعا إلى عبادة غير الله تعالى.. فقد لا تكون عبادة الأوثان قائمة - اليوم - على النحو الذي كانت عليه في الجاهلية، لكن أليس الناسُ قد استبدلوها بالأهواء الضالة حتى صار المالُ أو المنصب أو الشهوة.. بمثابة عبادات للناس، لأنَّها هي التي تسيّرهم، وتقودهم إلى الانحراف عن عبادة الله الحق؟!.. فقد روى أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: «ومن أطاع جباراً فقد عبده» فالذين يجتنبون أية عبادة، غيرَ عبادةِ الله - عزَّ وجلَّ - هم الذين لهم البشرى.. بل والذين تابوا إلى ربهم وأنابوا إليه،فأقلعوا عما كانوا عليه من عبادات الطواغيت وانحرافات الأهواء. كل أولئك لهم البشرى بالجنة.
ولعلَّ في هذه البشرى التي يسوقها القرآن المبين خيرُ حافز للناس للإقلاع عما هم عليه، والرجوع إلى عبادة ربهم بالإِيمان والاستقامة، وسوف يجدونَ في رحاب الله الواسعة، في رحاب عبادة مولاهم الكريم راحةً نفسية في هذه الحياة، قلما يجدوا مثيلاً لها في أي شيءٍ آخر؛ فما أحلاها بشرى على القلوب، وهي تعدهم بالأمان النفسي في دنياهم، وبالنعيم الدائم في آخرتهم..
وعبادُ الله الذين يبشرهم القرآن بتلك البشرى العظيمة هم {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزُّمَر: 18] وهل أحسنُ قولاً من الدعوة إلى الله لقوله العزيز: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ *} [فُصّلَت: 33].
ونبراسُ القول الحسن: «لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له».. ومن شرطه أن يكون صادراً عن إيمانٍ صادق، وقلب خاضع، ولسانٍ ذاكرٍ، وعملٍ صالح.. لذلك يكون القول الحسن أولى بالقبول، والعمل به، وإرشاده إلى الحق. ومن ثَمَّ اتباعُ أحسن ما يؤمر به، ويعمل به، فقد روي عن أبي الدرداء أنه قال: لولا ثلاث ما أحببت أن أعيش يوماً واحداً: الظمأ في الهواجر (الصيام في الأيام الحارة)، والسجود في جوف الليل، ومجالسة أقوام ينتقون من خير الكلام كما يُنتقى طيّبُ الثمر..
والذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه هم {الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ} [الزُّمَر: 18]. وهذا هو التوفيق من الله تعالى، لأنَّ الهداية أول ما تبدأ بالاستماع إلى القول الحق، الذي ينفذ إلى القلوب فيفتح مغاليقها، وإلى العقول فينير بصائرها..
ثُم لم لا يُصغي السمعُ، وتتفتَّحُ القلوبُ والضمائر على هذه البشارة العظمى من الله العزيز الحكيم بقوله المبين: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *} [البَقَرَة: 25].
فهل يمكن أنْ يبتغي الإنسانُ الخيرَ إلاَّ في هذا القرآن الكريم الذي يهدي للتي هي أقوم ويبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأحسن الجزاء في الحياة الآخرة الدائمة، حيث يخلدون في جنة عرضها السماوات والأرض؟!
خامساً: حب التملك
غالباً ما يحرص الإنسان، بل ويجتهد في حياته لكي يمتلك الأموال النقدية والعقارية والأثاث والألبسة وغيرها.. ويعتبر المال المحرك الأول لنشاط غالبية الناس في هذه الحياة. وهذا ليس عيباً بحد ذاته، إلاَّ إذا انقلب إلى طمعٍ بتكديس الثروة حتى تصبح المثالَ الأعلى لمن همُّهُ متاعُ الحياة.. والرغبة في المال ناتجة ممَّا له من تأثير في النفس، باعتبار أنَّه زينة الحياة الدنيا، بل ولعلَّهُ من أحب متاعها إلى قلب الإنسان المتعلق بالشهوات.. وقد بيّن القرآن الكريم ما يزيّن للناس حبَّ الشهوت من المال وغيره، إذ يقول الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ *} [آل عِمرَان: 14].
إنَّ حبَّ الشهوات إنّما ينبع مما تشتهيه نفوس الناس وترغب فيه، وقد جَعَلَ الله تعالى تلك الشهوات لتكون محل ابتلاء واختبار لعباده، فإمَّا أن يؤدي العبدُ فيما أولاه ربُّهُ من النعم حق الله وحق العباد، وإمَّا أن يبخل ويستغني، ولكل جزاؤه.. ثم يجب ألاَّ ننسى الشيطان وهو يزين حب الشهوات للناس، حتى يصير من يأتمر بأوامر الشيطان عبداً لشهواته، فيسيح في هذه الدنيا دونما حساب للرجوع إلى ربه. من هنا جاء النص القرآني ليوجه الناس إلى أنَّ الشهوات مهما بلغ شأوها في النفسي وجب ألاَّ تطغى على الإنسان لأنها في نهاية المطاف متاع زائل.. ذلك أنَّ الإنسان عندما يموت لا يأخذ معه شيئاً من متاع الدنيا، ولكنه سوف يلقى رباً كريماً، عنده حسن المآب لمن لم تغرهم الدنيا بكل متاعها وزينتها..
ولكي يتوضَّحَ التوجُّهُ في ذهن الإنسان بين إيثار شهوات الدنيا أو التطلع إلى حسن المآب في الآخرة، فقد جاء النص القرآني يعدّد من الشهوات ما يعتبر أكثرها حباً في النفس، وأشدها تأثيراً عليها.. وهذا واقع الحياة يثبت أنَّ النساء والبنين والثروات الفاحشة من المال، التي يشير إليها القرآن بـ {وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} [آل عِمرَان: 14]، وبالخيل المسوّمة (الجميلة)، وبالأنعام (مختلف أنواع الحيوانات الداجنة التي تسرُّ الناظرين)، وبالحرث (البساتين من الثمار، والحقول التي تزرع وتخصب).. أجل، كل ذلك إنما يُمثل أهم الشهوات للإنسان، وأهم ما قد يطمع أن يحظى به، أو يحوزه في دنياه.. وعلى الرغم من حب الناس لتلك الشهوات وتعلق النفوس بها، إلاَّ أن {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [آل عِمرَان: 14] لأنهم يتمتعون به ما داموا أحياءً في هذه الحياة الدنيا، ثم يموتون ويتركونه وراءهم.. إذاً فلا بدَّ أن يكون هنالك ما يصبو إليه الناس، ويكون أحسن من متاع الدنيا بأسره لأنه زائلٌ فانٍ.. وهذا ما لا يلاقونه إلاَّ عند الله ربهم، عند المرجع إلى الله حيث الجنة وهي حسن المآب الذي أعدَّه المولى الكريم لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وفي تلك الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فهل يبقى هنالك من موازنة بين متعة الدار الآخرة ونعيمها، وبين متاع الحياة الدنيا؟
وصدق الرسولُ الأعظم عندما يبيّنُ لنا حبَّ الإنسان للتملك، عن أنس بن مالك أن رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال: «لَوْ كانَ لاْبنِ آدَمَ واديانِ مِنْ ذَهَبٍ لأَحَبَّ أنْ يكونَ له ثالثٌ. ولاَ يَملأُ جوفَ ابنِ آدَمَ إلاَّ الترابُ، ويَتوبُ الله عَلَى مَنْ تَابَ»[*] . وفي هذا تحذير من الغلوّ في حب الشهوات، لأنَّ على الإنسان أن يرعوي فيحاسب نفسه ويتوب إلى الله عن المعاصي والذنوب - التي غالباً ما تدفع إليها الشهوات - فيتوب الله تعالى عليه، لأنه هو التواب الرحيم.
سادساً: الطمع
هو نزوع النفس إلى الشيء شهوةً له، وهو يدفع إلى مغالبة ظروف الدهر من أجل الشهوات - التي تتخذ أشكالاً عديدة ومتنوعة - نظراً لتقلبها بين الناس باختلاف ميولهم وأطماعهم.. ويبرز الطمع في كل ما من شأنه أن يوسع حياة الإنسان ويزيد نفوذه وسلطانه.
وقد يكون الطمع متأصلاً في بعض النفوس بحيث تصعب إزالته منها، أو سد منافذها عليه. وحب السيطرة والأثرة هما من أهم الدوافع إلى الطمع. وحب السيطرة غالباً ما يرافقه حب الظهور، والادعاء بما ليس عند المرء كي يُشعر الآخرين بأهمية وجوده، حتى أن البعض ليقيم نفسه مقياساً لكل شيء، فتراه مدعياً صلفاً مستكبراً بطراً معجباً بنفسه.. إلى ما هنالك من الصفات التي يحب الإنسان أن يُظهر فيها شخصيته، وهو ما يسمى «حب الظهور».
والمطامع التي تستشري في النفوس هي عادة وراء الحروب والنزاعات التي تحصل في العالم. فإن كانت مطامع للأفراد أوجدت التناحر والتباغض والتباعد فيما بينهم، حتى لتؤدي إلى العداوة بين الجار وجاره، وبين الأخ وأخيه!.. وإنْ كانت مطامع للدول أوجدت الظلم والاستغلال والحروب ونهب خيرات بلاد الآخرين، وكل ذلك تحت ستار الحفاظ على المصالح الحيوية، التي تجعلها الدولُ الطامعةُ فوق كل اعتبار، ولو كان فيه موت الآخرين أو تدمير حياتهم، من أجل أن تبقى هي صاحبة السيادة والسلطان!..
وإلى جانب الوجوه السلبية للطمع - وهي الغالبة على حياة الناس - فإنَّ له وجوهاً إيجابية مثل الطمع في هداية الآخرين إلى الإيمان، والطمع في عطاء الله وغفرانه.. هذا النوع من الطمع محبب عند الله لقوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} [البَقَرَة: 75]. وقوله تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعرَاف: 56]، وقوله تعالى: {إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا} [الشُّعَرَاء: 51].
سابعاً: الحسد
هو انفعال في النفس يُمنِّي الإنسانَ بزوال نعمةٍ عند غيره ليصيبها هو أو يصيب مثلها، ويستأثر بها لنفسه. فقد يحسد الإنسان غيره لامتلاكه مثلاً ثروة كبيرة، فيودُّ لو تكون له بدلاً منه. والنموذج الذي يقدمه القرآن الكريم على ذلك هو حسد الناس لقارون عندما خرج في زينته، إذ تمنوا أن يكون لهم مثل ما له من الذهب والفضة والأموال، قوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *} [القَصَص: 79]. وهذا الحسد شائع لدى كثير من الناس الذين يحسدون غيرهم على ما آتاهم الله تعالى من نعمة إيمانية أو نعمة مادية أو نجاح في الحياة.
ومن السوء الذي تأمر به نفس الحسود أنّهُ يتمنى زوال النعمة عن الشخص الذي يحسده، وتحولَّها إليه - كما قلنا - وربما تمنى زوال النعمة عن غيره من غير أن تصير له.. ولعلَّ اسوأ الحسد ما كان من الأخ لأخيه على ما فضَّله الله تعالى عليه من نعمة أو موهبة. والمثالُ الصارخ - ومنذ بداية الوجود البشري على الأرض - ما يُنبئ به القرآنُ عن ابنيْ آدم حينما قرّبا قرباناً إلى الله تعالى، فتقبل الله قربانَ هابيلَ ولم يُـتَـقَـبَّـلْ قربان قابيلَ، الذي ثار الحسدُ في قلبه ودفعه إلى قتل أخيه، وذلك في قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأََقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ *} [المَائدة: 27]. وكذلك حسد إخوة يوسف له،لأنه كان مقرّباً من أبيه أكثر منهم، فسعَوْا إلى قتله أو التخلص منه، كما قال تعالى: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ *اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ *} [يُوسُف: 8-9].
وفي القرآن الكريم بيان واضح للحسد على ما آتى الله سبحانه أنبيـاءه أو أولياءه من فضل في النبوة والحكمة والعلم. قال تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا *} [النِّسَاء: 54]. ومنه أيضاً حسد أهل الكتاب والمشركين للمؤمنين على ما وهبهم الله تعالى من نعمة الإيمان، فرغبوا في ردهم عن إيمانهم بدافعٍ من الحسد الذي كان يأكل أنفسهم. يقول الله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *} [البَقَرَة: 109].
ويثير الحسد في النفس انفعالات عديدة مثل الحقد والكراهية والحزن، وغالباً ما يتحسَّر الحسود على الخيرات تكون لغيره من الناس، فيبغضهم خوفاً من أن يؤدي استمتاعهم بها أو تملكهم لها إلى حرمانه منها. وكلما كانت نعم الله تعالى على إنسان جزيلة وفياضة كثر حسَّادُهُ، فإن قلَّتَ قلَّ هؤلاء الحساد.. قال أبو تمام:
وإذا أرادَ الله نشْرَ فَضيلةٍ
طُوِيَتْ، أَتاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودِ
والغبط هو غير الحسد، لأن الغبط يكون بأن يتمنى المرء نعمة له مثل نعمة الآخرين، من غير زوالها عنهم. ولذلك قيل: «المؤمن يغبط والمنافق يحسد». والمنافسة أيضاً هي غير الحسد، لأن المنافسة طلب التشبه بالأفاضل أو مسابقتهم إلى فضيلة من غير تمنّي الضرر لهم. لذلك لا يؤدي الغبط والمنافسة الشريفة إلى الضرر، بعكس الحسد الذي يرمي في الأصل إلى إيقاع الضرر بالغير انتقاماً منه على ما عنده من فضل أو خير أو ملكية. ولذلك ينبهنا خالقنا الكريم إلى أن نستعيذ به من الحاسد بقوله تبارك وتعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ *وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ *وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ *} [الفَلَق: 1-5].. وقد أشادَ بعضهم بالحسد لأنَّ ضرره غالباً ما يرتدُّ على صاحبه فيصيبه منه مثل ما يصيب المحسود، أو قد ينحصر أثره بالحاسد وحده. فقد روي عن المعتصم أنه قال: «قاتل الله الحسدَ ما أعدله.. بدأ بصاحبه فقتله».
وتعتبر العين بأنَّها الحاسة الرئيسية التي تصيب بالأذى عندما تنطوي نفس صاحبها على الحسد. والمثل الشائع معروف: «عين الحاسد تبلى بالعمى». أي التمنّي بألاَّ تعود قادرةً على النظر فتصيب بالشر كل ما وقعت عليه. وكان رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يقول لأصحابه: «إذا رَأَى أحدُكُم مِنْ نفسِهِ أو مالِهِ أو أخيهِ شيئاً يُعجبُهُ فَلْيَدْعُ لَهُ بالبركَةِ فإنَّ العينَ حقٌّ»[*] . وعن أنَسَ بنِ مالكَ أنَّ النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال: «مَنْ رَأَى شيئاً فأعجبَهُ فقالَ: ما شاءَ الله لا قُوَّةَ إلا بالله لم يَضُرَّه. ويُعوَّذُ المَعْيونُ - الذي أصابَتْهُ عينٌ - بآياتِ القرآنِ الكريم» . وقد روى البخاري عن ابن عباس قال: «كان رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يعوّذ الحسن والحسين ويقول: «أُعيذُكُما بكلماتِ الله التَّامةِ، مِنْ كلِّ شيطانٍ وهامَّةٍ، ومنْ كلِّ عينٍ لامَّةٍ.. ثم يقرأ الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) المعوذتين وهما: سورة الفلق وسورة الناس».. (والهامّة هي كل ذات سم يقتل كالحية. والعين اللاَّمة هي التي تصيب ما نظرت إليه بالسوء).
أما الأحاديث الواردة في النهي عن الرُّقية فهي محمولة على ما كان منها بغير اللسان العربي، وبغير أسماء الله تعالى وصفاته وكلامه. أو بسبب اعتقاد المَرْء أن الرقيّة نافعة لا محالة فيتكل عليها.. والاتكال لا يجوز إلا أن يكون على الله سبحانه وتعالى وبعد ربط الأسباب بالمسببات. فمثلاً المريض يجب أن يعرض على طبيب كي يعاينه ويشخص له مرضه ويصف له العلاج للتداوي، ولا بأس بعدها بالدعاء له بالشفاء، لأن الله تعالى يقول: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غَافر: 60]. والرسول الأكرم يقول: «إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل، فإنَّ ذلك لا يردُّ شيئاً، وهو يطيب نفس الإنسان»[*] .
وأما في حال إصابة الإنسان بعين حسود أو شيء مثيل له، فعليه بالرُّقية بتلاوة آياتٍ قرآنية من قول الله تعالى وأدعية رسوله الكريم، فإنَّ في قول الله تعالى ورسوله شفاءً ورحمة. قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسرَاء: 82].
ثامناً: الكرم والبخل
الكرم هو كل بذلٍ دلَّ على إحسان الله تعالى وإنعامه الظاهر والباطن. ومن أسماء الله الحسنى «الكريم»، كما في قول النبي سليمان عليه السلام عندما رأى عرش ملكة سبأ مستقراً أمامه: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ *} [النَّمل: 40]، أي ومَنْ كفر النعمة فإنَّ ربي غنيٌّ عن شكره، كريمٌ بالأفضال على من يكفر بالنعم التي يتكرم بها عليه، مثلما يتكرّمُ بها على عباده أجمعين.
وإذا وصف إنسانٌ بالكرم فهو نعت للأخلاق والأفعال المحمودة التي يتحلّى بها، في حين أنَّ الكريم لا يعبأ أن يوصف بالكرم حتى يُظهره، أو يَظهرَ فيه، لأنًّه سجيَّة مركوزةٌ في طبعه، وإنَّ أكرمَ الأفعال وأشرفها التقوى التي يُقصدُ بها وجهُ الله تعالى، إن في الخشية منه - عزَّ وجلَّ -، أو اتقّاءً لمحارمه، أو السير على النهج الإسلامي الصحيح. يقول العزيز الحكيم: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحُجرَات: 13]، أي إنَّ أكثركم مَكْرُمةً عند الله، أكثركم تَقْوى..
والقرآن هو كتاب الله المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو الكتاب الحق، تنزَّل من الحقّ، الذي خلقَ الكون، والوجود كله بالحق، لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} [الأنعَام: 73]. ومن هذا الخلق الإنبات في الأرض، وهو خلقٌ كريمٌ كما يصفه خالقهُ تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} [لقمَان: 10]، وهذا دليل على نظام الخلْقِ القائم على السمو، لأنَّ كلَّ شيءٍ سما وشرف في جنسه فإنه يوصف بأنه كريم. ولأنَّ للقرآن منزلته من الرفعة والسموّ فقد وصفهُ ربُّهُ، ومنزلهُ بأنه «كريم» بقوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ *} [الواقِعَة: 77].
والله تعالى عندما يوصي الولَدَ بوالِدَيْه والإحسان إليهما، يوصيه بأن يقولَ لهما أشرَف القول وأنبلَهُ، وهو القول الكريم، وذلك بالأمر المبين: {وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} [الإسرَاء: 23].
والإكرام والتكريم ما يوصَلُ إلى الإنسان من نفع ولا يلحق فيه غضاضة، أو ما يوصَلُ إليه من شيءٍ شريف.
أما الجود فهو بذل المقتنيات من المال أو العلم، فالذي يبذل ماله على الناس يقال له جواد، ولذلك قيل عن الحصان الذي يجود بمدّخر عدوه: جواد (وجمعه جياد)، وهي صفة الخيول التي كانت عند النبي سليمان عليه السلام، كما يتبين من قوله تعالى: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ *} [ص: 31].
ويقابل الجودَ البخلُ، وهو إمساك المال عمَّن لا يحق حبسه عنه، أو هو الامتناع عن أداء واجب الإنفاق على مستحقيه. ويقال: رجلٌ باخل أو رجل بخيل، والبخيل هو الذي يكثر عنه البخل.
ويتخذ البخل وجهين: أحدهما البخل بالمال الخاص، فلا يعطي البخيل من مالِهِ أبداً، أو أن يعطي النزر اليسير تحت وطأة ظرف معين؛ والثاني أن يُحَرِّضَ البخيل غيره على البخل، فكأنما يبخل بمال غيره، فلا يطيق أن ينفقه صاحبه، وهذا الوجه الثاني أكثر ذمّاً كما يتبيّن من قوله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النِّسَاء: 37]. وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ *إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ *هَاأَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ *} [محَمَّد: 36-38].
... فقد باتَ من الثابت - وفقاً للقرآن المجيد - أنَّ الحياة الدنيا سريعة الفناء، قريبة الانقضاء.. ومن اختار الفاني على الباقي كان جاهلاً، كما بات من الثابت أيضاً - وفقاً لكتاب الله تعالى - أَنَّ الحياة الدنيا لعب ولهوٌ.. أمَّا ما يخرجها أنْ تكونَ كذلك - أي لهواً ولعباً - ويطبعها بطابع الجد فهو الإيمان والتقوى اللذين فيهما الأجرُ والثواب في الآخرة حيث البقاء لا الفناء..
والنص القرآني {وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ؛ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ *} [محَمَّد: 36-37] إنَّما يعني أنَّ الله تعالى لا يأمركم أن تنفقوا جميع أموالكم في سبيل الآخرين، بل يأمركم بالزكاة والصدقة في تلك الأموال، لأنه إنْ يأمركم بإنفاقها كلها - سواء في سبيل الله أو في سبيل العباد - فسوف تبخلون، وتعصون أمرَ الله تعالى، وسوف يخرج هذا البخل أحقادكم على الإسلام. ولذلك فرض من أموالكم أداء الزكاة، فهي من أركان الدين، كما حرَّض على الصدقة من أموالكم لأنها من الحسنات الكبيرة التي تؤجرون عليها.. ما يجعل هذا النصَّ القرآني يوحي بحكمة اللطيف الخبير ورحمته بأصحاب الأموال وبالمستحقين للزكاة والصدقات على حد سواء، كما أنه يكشف عن التقدير الدقيق في تكاليف الدين الإسلامي، ومراعاته للفطرة التي إن استجابتْ لأمر الله تعالى فسوف يجد الإنسان أنَّ في نفقة المال على مستحقيها خروجاً للأضغان، التي هي الأحقاد في القلوب، والعداوات الدفينة في النفوس.. فالغني الذي يؤتي من ماله الزكاة والصدقات إنَّما يفعل ذلك أولاً استجابةً لأمر الله تعالى ومرضاته، وثانياً المشاركة في واجب التكافل الاجتماعي، وكلا الأمرين مما يقرّب بين الأغنياء والفقراء، ويطهّر النفوس من الأحقاد والعداوات التي كثيراً ما تنشأ من جراء التمايز الطبقي، واستئثار الأغنياء بالثروة دونما التفاتةٍ إلى هؤلاء الفقراء ليزيلوا عنهم بعض الحيف الذي ألحقتهم به ظروف حياتهم!..
وفي هذه الآيات الكريمة وصف دقيق لواقع الناس، في كل بيئة، عندما يُدعون للإنفاق؛ فهي تقرر أنَّ من الناس من يبخل في الإنفاق حتى في سبيل الله ربه وخالقه، بل وفي سبيل نفسه وعياله، فكيف به تجاه الآخرين من الفقراء والمساكين والمحتاجين، والضعفاء والمرضى.. ممَّنْ يحولُ البخلُ وشحُّ الأنفس دونَ النظر إلى حاجاتهم، ومساعدتهم على قضائها؟!. ولكنَّ الله تعالى لا يترك عبادَهُ الضعاف بلا معين، لذلك نجد في المجتمع بمقابل أولئك البخلاء، مَنْ يبذلون من أموالهم في سبيل مرضاة الله تعالى، فهم ينفقون كامل الحقوق الشرعية المترتبة عليهم، وقد يزيدون عليها من الصدقات والحسنات ما يجعلهم فرحين بالبذل والعطاء.
{وَاللَّهُ الْغَنِيُّ} [محَمَّد: 38] عما عندكم أيها الناس جميعاً من الأموال. {وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محَمَّد: 38] إلى ما عند الله تعالى من الخير والرحمة والكرم. وهو سبحانه لا يأمركم بالإنفاق لحاجته وهو مالك الملك، ولكن لتنتفعوا به في أخراكم. وإنْ تُعرضوا عن طاعة الله تعالى، وعن طاعة رسوله الكريم يستبدل بكم قوماً آخرين يكونون أكثر طاعة وتقوى لله تعالى، ولرسوله الكريم، إنْ في الإِنفاق أو في غيره من الطاعات التي يُحبها الله ورسولُهُ، ويحبُّها أهل البِرِّ والتقوى..
ومن البخل الشحّ ، وهو مرض من أمراض القلب، يقابل في سوئه، الإسرافَ والتبذير، بل ويتخطاهما في ضرره وخطره. فالواجب الإنفاق من غير إسراف أو تبذير أو تقتير. يقول رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «اتَّقُوا الظُلمَ فإنَّ الظُلْمَ ظلماتٌ يومَ القيامة، واتَّقُوا الشُّحَّ فإنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كانَ قبلَكُمْ: حَمَلَهُمْ على أَنْ سَفَكُوا دماءَهم واسْتَحَلُّوا محارِمَهُم»[*] ؛ فطاعة الله تعالى بالتقوى أجرها عظيم عند الله - عزَّ وجلَّ - لما يعدُ به سبحانه المتقين من الفضل العظيم. يقول تعالى: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ *} [الزُّمَر: 20]. فالذين اتقوا ربَّهم لهم منازل رفيعة في الجنة، بعضها فوق بعض، وذلك أنَّ النظر من الغرف إلى الخضر والمياه أشهى وألذ، وقد وعدهم الله تعالى تلك الغرف والمنازل وعداً لا يخلفه، لأنه تعالى لا يخلف الوعد... وهذا كله من باب حرص المؤمن على الانتفاع بتقوى ربه، فلا يفوِّتَنّ أحدٌ هذا النفعَ على نفسه..
تاسعاً: التكتل
إنَّ التكتل مظهر من مظاهر غريزة حب البقاء، لذلك كان الاجتماع طبيعياً بين الناس للدفاع عن أنفسهم ضد الوحوش الضارية وضد أخطار الطبيعة العاتية. فكان نشوء المجتمع البشري حاجة ملحة للحفاظ على بقاء الحياة.
أما اليوم، فبالإضافة إلى ذلك، هناك المصالح العامة والمشاعر المشتركة التي تجمع الناس، وتؤلف فيما بينهم في نطاق المجتمع الذي يعيشون فيه. والعلاقات في المجتمع الإسلامي تبنى على جلب المصالح ودفع المفاسد. ثم يقتضي لنا أيضاً توحيد النظرة من خلال توحيد الأفكار، وتوحيد الرضا والسخط، وتوحيد المعالجات من خلال نظام واحد يعالج سائر شؤون الجماعة والمجتمع على حدٍّ سواء. وهذا ما يستدعي الرجوع إلى الأنظمة التي يُقرُّها الإسلام سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع والعمل على تطبيقها..
عاشراً: الحزن والأسى والأسف
يقال لغةً: الحُزْنُ والحَزَنُ: خشونة في الأرض. والخشونة تكون في النفس لما يحصل فيها من الغمِّ، فكأنما يجعلها هذا الغمُّ خشنة مثل الأرض. ولذلك يقال: حَزَن يحزَنُ، وحَزَنتُه وأحزنتُه.
والحزن شعور في النفس مضاد للفرح. قال تعالى: {لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ} [آل عِمرَان: 153]. وهذا الشعور غالباً ما يلازم الإنسان الذي تحفُّ به المكاره أو يُواجه المتاعب، فقد يأتي من فقدان عزيز، أو خسارة شيء ذي قيمة كبيرة، أو فشل في تحقيق أمر هام. ومنه حزنُ أم موسى عليه السلام حين وضعته في الصندوق وألقت به في نهر النيل، فقذفَهُ الموج بعيداً عنها، وفي هذه اللحظات بالذات هلع قلبها وحزنت عليه لولا أنْ ربط الله تعالى على قلبها بالصبر، لتكون من المؤمنين المصدقين بوعد الله؛ وبالفعل فقد تحقق وعدُ المولى الكريم كما يدلنا عليه قوله المبين {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ} [القَصَص: 13]، ومنه أيضاً حزنُ يعقوبَ على ابنه يوسف (عليها السلام) وقد ظل يكظمه في قلبه سنواتٍ طويلةً حتى ابيضَّت عيناه، كما يبينه قوله تعالى: {وَقَال ياأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يُوسُف: 84] ثم عاد يعقوب، ليعبِّر عن هذا الحزن العميق في نفسه {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يُوسُف: 86].
ومنه الحزن الذي أصاب فقراء المسلمين وهم لا يجدون مالاً ينفقونه لتجهيز أنفسهم والخروج مع رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في جيش العسرة، إلى تبوك، فتولوا عنه وهم يبكون من الحزن. قال تعالى: {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ *} [التّوبَة: 92] والمعنى: أنه لا مؤاخذة، أو إثمَ على هؤلاء المؤمنين، الذين أرادوا أن يكونوا في عداد الجيش، ولكنَّ فقرهم حال دون ذلك، فحزنوا وبكوا حتى فاضت أعينهم بالدمع على العسر الذي جعلهم يتخلّفون - مرغمين - عن أداء واجب الجهاد..
وعندما يقال: لا تحزنْ.. فليس ذلك نهياً عن الحزن الذي هو شعور في النفس لا يمكن تلافيه، ولا يمكن أن يحصل للإنسان بالاختيار، لكنَّ هذا النهي، إنما هو في الحقيقة، عمّا قد يورّث الحزن، أو يخلّف من آثار؛ كما يدلُّ عليه قوله تعالى: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التّوبَة: 40]. وهو ما قاله الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) لأبي بكر (رضي الله عنه) وهما في غار ثور، والمشركون يبحثون عنهما من فوق، ومن حولهما أجل، لقد قال الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) لصاحبه «لا تحزن إنَّ الله معنا» .. فكيف يحزن من يكون الله معه، وتكون ثقتُهُ بربه كبيرة في صرف أسباب الحزن عنه، لذلك كان اطمئنان رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بأنَّ المشركين لا يمكن أن يكشفوهما في الغار فالله معهما وهو خير حافظاً، وبالفعل لما لم يكن لبحث المشركين عنهما أي جدوى، فإنَّه لم يورثهما أيَّ حُزنٍ.. وإلى ذلك أشار الشاعر بقوله:
ومَنْ سَرَّهُ أنْ لا يَرَى ما يَسوْؤُهُ
فلا يتَّخِذْ شيئاً يُبالي لَهُ فَقْدَا
نعم إنَّ هذه الحياة الدنيا مجبولةٌ بالأحزان والمآسي لكثرة ما فيها من المتاعب والنوائب. ولكن ما على الإنسان إلاَّ أن يوطّن نفسه على مواجهة صروف الأيام، حتى إذا باغتته نائبة عرف كيف يسيطر على مشاعره، وكيف يتعامل مع الواقع فلا يجعل حزنه شديداً وأثره كبيراً في نفسه حتى لا يهلك دونه..
والأسى والحزن شيء واحد. إلاَّ أن حقيقة الأسى هو أنه غمٌّ على شيء قد فات وانقضى. يقال: أسيت عليه أسىً. وقال تعالى: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [المَائدة: 68].
والأسف هو الحزن والغضب معاً. وقيل هو الحزن وحده، أو الغضب وحده. والأسف هو انفعال في النفس قد يؤدي إلى المواجهة أو الانتقام. لذلك يكون الغضب درجة فوق الأسف، والحزن درجة دون الأسف. وقد سئل ابن عباس عن الحزن والغضب فقال: «مخرجهما واحد واللفظ مختلف. فمن نازع من يقوى عليه أظهره غيظاً وغضباً، ومن نازع من لا يقوى عليه أظهره حزناً وجزعاً». قال الله تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} [الزّخرُف: 55]. فمعنى آسفونا هنا: أغضبونا. قال أبو عبد الله علي الرضا (عليه السلام): «إنَّ الله تعالى لا يأسفُ لأسفنا، ولكنْ له أولياءُ يأسفون ويرضون، فجَعَلَ رضَاهم رضاه، وَغَضَبَهم غَضَبَهُ»، ولذلك يقال عن الآسِفِ: الغضبان. قال تعالى عن النبي موسى عليه السلام: {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه: 86] غضبانَ، أي محتدماً شعوره بالغضب من عبادة بني إسرائيل العجل أثناء غيابه، وأَسِفاً: أي شديدَ الحزن على هذا الكفر والشرك اللذين أوقعوا أنفسهم فيهما..
وهكذا فإن تلك الانفعالات في النفس من: الخوف، والرضا، والغضب، والفرح والسرور، وحب التملك، والحسد، والكرم، والبخل والتكتل بين الجماعات، والحزن.. كلها من مظاهر غريزة حب البقاء التي جبلت النفس عليها، وهذا ما يجعل لتلك الانفعالات تأثيراً قوياً على سلوك الإنسان وتصرفاته..
2 - غريزة النوع وبعض مظاهرها
كما أنَّ لدى الإنسان مثلَ هذا الشعور الطبيعي بوجوده، ويحرص على هذا الوجود ببقائه حيّاً مدى عمره، كذلك عنده الشعور الطبيعي نفسه ببقاء النوع الإنساني كله، لأن فناء الجنس البشري يهدّد بقاءه كفرد، ولذلك تحتدم في نفسه الميول والانطباعات والمشاعر التي يقوم عليها بقاء بني جنسه، ومن قبيل ذلك الميل إلى المرأة للتناسل والحنان على الأهل والأبناء لإشباع العاطفة العائلية، وإغاثة المحتاج والملهوف ومساعدة الآخرين والتعاون معهم لإشباع الشعور الإنساني.. ويظهر ذلك بالأفعال والمواقف التي قد تأتي منسجمة أحياناً، أو متناقضة أحياناً أخرى طبقاً لنزعة الفرد الإنسانية، وما قد يجيش في نفسه من الانفعالات... وكل ذلك إنما يكون تعبيراً عن غريزة النوع التي تظهر بمظاهر عديدة ومختلفة، ومنها:
أولاً: الشعور الجنسي
وهو أشدُّ مظاهر غريزة النوع تأثيراً في حياة الإنسان. فقد يظهر بميول رفيعة، تعبر عن الأدب والحشمة، ويتعاطاه الإنسان لإشباع مشاعره الجنسية بصورة طبيعية، أو قد يظهر بميول شاذة تعبر عن سوء الخلق، وانحطاط الفكر بسبب الخلاعة والمجون، والشذوذ وغيرها من مظاهر التهتك التي تعبّر عن الشهوة الجنسية ليس إلاَّ!..
وللشهوة معنيان: أحدهما عام، والآخر خاص.
أما الشهوة بالمعنى العام فهي حركة النفس طلباً لما يحقق إشباعها. وأما الشهوة بالمعنى الخاص فهي الرغبة الشديدة في التمتع بالملذات الحسية. ومنها الشهي أو المشتهى، وهو الشيء الذي ترغب فيه النفس وتتوق إليه، ومنها أيضاً الاشتهاء. وإذا أردنا التفريق بين معنى المُشْتَهى والاشْتِهاء قلنا إنَّ مدلول الأول بالمقارنة إلى الثاني كمدلول الشوق إلى الاشتياق: فالأول يسكن باللقاء، والثاني لا يزول به. وكذلك الشهوة فهي تسكن بالإشباع، أما الاشتهاء فلا ينتهي.
والميل الجنسي الطبيعي، أو الشعور الجنسي العادي يكون من الإنسان للإنسان، أي من الرجل للمرأة أو من المرأة للرجل، بينما الميل بالشهوة الجنسية قد يكون من إنسان لحيوان، أو من الذكر للذكر (اللواط) أو من الأنثى للأنثى (السحاق).. وهذا هو الشذوذ الجنسي الذي يُعدُّ انحرافاً للغريزة الطبيعية التي هي غريزة النوع. ويخطىء من يذهب إلى وجود غريزة للجنس، لأنه لا وجود لغريزة الجنس في الإنسان، بل توجد لديه غريزة النوع، ومن مظاهرها الشعور الجنسي.
والشعور الجنسي لا يثور - غالباً - بصورة تلقائية إلاَّ في حالات قليلة، وإنّما تأتي إثارته - عادة - من الخارج، بل هو يحتاج إلى هذه الإثارة الخارجية حتى يتحرك، بحيث لا تكون هناك رغبة في الجُماع ما لم يرَ الإنسان أو يشاهد واقعاً محسوساً يثيره، أو ما لم يسمع عن وقائع جنسية مثيرة، والحالة الوحيدة للشعور الجنسي من داخل الإنسان تكون بالتذكر لحوادث جنسية مارسها، أو تصوَّرها، فتثير فيه عندئذ مشاعر الجنس..
ووجود غريزة النوع بذاتها في الإنسان لا تسبب له القلق والاضطراب إلاَّ إذا أثيرت واستدعت الحاجة لإشباعها، فإذا لم يتمّ هذا الإشباع بصورة طبيعية ظهرت آثاره سلباً، وأدى ذلك إلى الانزعاج النفسي ؛ أما إذا لم يكتمل الشعور بالإشباع لعدم وجود إثارة قوية له، فإنه لا ينتج منه أي انزعاج نفسي، كما لا يتهيّأ أيُّ كبت إذا لم تكن هناك مسببات سابقة له. لذلك وحرصاً على صحة الفرد النفسية، ونظافة سلوكه، وحرصاً على تخليص المجتمع من الفساد والمساوئ، كان من الحماقة والجهل وقصر النظر أن تشيع بين الناس الأفكار التي تثير الأحاسيس والمشاعر غير الطبيعية، كما هو الحال في الأفكار التي تساعد على الشذوذ الجنسي، على ما نجد في الروايات والمجلات، وما نشاهد في الأفلام السينمائية والبرامج التلفزيونية وغيرها من الوسائل التي تؤثر في النفوس، وتدفع كثيراً من الناس إلى الشذوذ الجنسي.. وكان أيضاً من أكبر مظاهر الفساد والإفساد هذا الاختلاط بين الرجال والنساء، وإفساح المجال لهم بالخلوة، أو التقاؤهم على الشواطئ والمسابح شبه عراة، أو احتكاكهم في نوادي العري وغيرها من الأمكنة التي تتيح المخالطة على تلك الشاكلة.. فمثل هذه المظاهر المبتذلة هي التي تدفع الرجال والنساء - والشباب والصبايا خاصة - لطلب تحقيق الإشباع الجنسي بأية وسيلة كانت، بل وتجعل الناس قلقين حين لا يتحقق لهم هذا الإشباع.. ولعمري هذا ليس بشيء من الحرية الشخصية ومظاهر المدنية التي يدَّعون، بل هو الانحطاط الفكري، والابتذال الشعوري اللذان لا يتأتَّى عنهما إلاَّ الشقاء والتعاسة في النفوس - حتى في حال الإشباع بالحرام - والسبب الأول في ذلك كله شيوع مثل هذه الفوضى الجنسية في المجتمعات.. ولعلَّ المثال الحسي، ما حصل قبل سنوات عديدة، وفي أحد المجتمعات الإسلامية بالذات، وجود ممرضات بلغاريات في أحد مستشفيات الأطفال في ليبيا، كُنَّ مصابات بمرض الإيدز - الذي ينتج من الممارسات الجنسية - ما أدى إلى نشر هذا الوباء بين الأطفال، وموت وإصابة المئات منهم!.. فهل هذا ما يريده العالم من الحرية الفردية وابتذال مشاعرها الجنسية؟! فإذا وصل الأمر إلى هذا الحدّ في المجتمعات الإسلامية، التي يفترض أن تحافظ على مظاهر الحشمة والأدب، وتمنع شيوع الفساد بين أبنائها، فما بالنا بالمجتمعات الأخرى، التي تعتبر الجنس - بكل مظاهره - من الأمور الشخصية للفرد، وتتعلق بممارسة حريته دون تدخل من المجتمع؟!...
ولو رجع الناس إلى الشرع الإسلامي لوجدوا أنه جاء بمفاهيم تنظم العلاقات الجنسية إيجابياً من خلال نظام الزواج الذي يحقق الإشباع الطبيعي، ويحرّم أية علاقة جنسية خارج نطاق الزوجية. ولذلك فقد حرص الشرع الحنيف على أن تكون علاقة الرجل بالمرأة طاهرة من أي دنس، وقائمة على ما أحلَّ الله - تعالى - من الزواج، وبعيدة عما حرم الله - تعالى - من فسق وفجور، بل وجعل في الزواج الحلال أجراً عند الله . فقد روى مسلم عن أبي ذر الغفاري أنَّ رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال: «وفي بِضاعِ - جُماعِ - أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»[*] ؛ قالوا: يا رسول الله ! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيه أجرٌ؟ قال (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «أَرأَيْتُمْ لو وَضَعَها في حَرامٍ أَكَانَ عليه وِزْرٌ؟ فَكَذلِكَ إذا وَضَعَها في الحلالِ كانَ لَهُ أجرٌ» . ومثل الجماع الحرام، فقد حرَّم شرع الإسلام الخلوة بين الرجل والمرأة المحرَّمة عليه، لأنَّ مثل هذه الخلوة كثيراً ما تثير الشعور الجنسي عند كليهما، والوقوع في الفاحشة، فإذا لم يمارسا الجنس - لاعتبارات دينية أو أخلاقية أو اجتماعية - فمعنى ذلك عدم إشباع شعورهما الجنسي، ما يسبب لهما - حتماً - القلق، وبالتالي البحث عن أية وسيلة لهذا الإشباع؛ من هنا كان تحريم الخلوة بين الرجل والمرأة سواء في العمل، أو في الاجتماعات السريّة، أو في أي مجالٍ آخر يؤدي إلى انفرادهما ببعضهما، وقد جاء دليل هذا التحريم واضحاً في أحاديث رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، ومنها قوله: «لا يَخلُوَنَّ أحدُكُم بامرأةٍ إلاَّ مَعَ ذي مَحْرَم»[*] ، وقوله: «ما اجْتَمَعَ رجلٌ وامرأةٌ إلاَّ وكانَ الشيطانُ ثالثَهُما»[*] ، وقوله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «ما تَرَكْتُ بَعْدي فِتْنَةً أَضَرّ على رِجالِ أُمَّتي مِنَ النِّساءِ»[*] .
لذلك وجب على الناس أنْ يبعدوا ما يثير شهواتهم - عامة - ويحرَّك مشاعرهم الجنسية - خاصة - استجابة لأمر الشرع عند المسلمين، ولدواعي تخليص المجتمع - بالنسبة إلى المسلمين وغير المسلمين - من كل المشوّقات، والوسائل والسبل التي تثير أية مشاعر قد يؤدي إشباعها إلى تشويه صورة المجتمع الراقي، وتدنيس المعاني الأخلاقية السائدة فيه.. والأهم أنْ يُنقَّى المجتمع من ظاهرة الزنى التي نجدها مستشرية بشدة في معظم المجتمعات، فإن ذلك يُتيح المجال الأوسع للشباب كي يعودوا إلى رابطة الزواج المقدسة، وبناء الأسرة الشريفة، والمحافظة على النسل، وتعود النظرة المحترمة إلى المرأة على أساس أنَّها - قبل كل شيءٍ - إنسانة ذات كرامة، وأمّ، وزوجة، وربة منزل، وعرضٌ يصانُ، أي بخلاف ما تستعمل له المرأة اليوم من تجارة الدعارة، أو النظرة إليها كأنها سلعة للبيع والشراء - كالسيارة أو أي أداةٍ - يتمتع بها صاحبها قدر الاستطاعة، ثم يتركها ساعة يشاء، ليستبدل بها غيرَها..
ثانياً: الخجل والحياء
يقال: خجل الرجل خَجَلاً أي فعل فعلاً فاستحى منه، ودُهِش وتَحَيَّر.
والخجل نوع من الشعور بالارتياح أو السرور، أو بالغضب والكبت، وأحياناً الشعور بالندم، مما قد يسمع الإنسان أو يرى، أو يفعل.. ولذلك فقد يرافق الخجلَ التباسُ الأمر على الإنسان فلا يدري كيف يتصرف، أو قد يدفَعُ الخجلُ الإنسان أيضاً إلى التواني عن طلب الرزق بعد أن أعياه الأمر، ما يؤدي إلى الخمول والكسل..
وعلى هذا فإنَّ الخجل شعور يصاحب الإنسان في الموقف الذي يعتبره حرجاً، وغالباً ما يدل على صراعٍ عميقٍ بين الإرادة والعوائق التي تعترضها. وعندما يحصل الخجلُ في النفس فإنَّهُ يجعل الإنسان عاجزاٌ عن بلوغ غايته، إذ يشعر أو يفكر بأن وسائله غير كافية، وحيلته قليلة، ولولا اقتناعه بذلك لما اضطرب من خجل أو حياء.
والخجل يندر في زمن الطفولة، ويكثر في زمن المراهقة، ثم يبلغ نهايته، أو مداه عند نمو شخصية المراهق، وشعوره بالحاجة إلى إرضاء الناس، - وربما - إلى التفوق عليهم، فلا يظهر حينئذٍ إلاَّ في حالة الخطأ، أو المديح الذي يلقاه الخجول من الآخرين..
والخجل لا يظهر إلا بين الإنسان والإنسان، فلا يخجل إنسانٌ من حيوان أو حشرة، بل يخجل من أهله وأقاربه، أو من الجنس الآخر، أو من المجتمع كله. ومثل هذا الشعور يتبدل بتبدل الظروف، والبيئة التي يعيش فيها الفرد، فقد يخجل مثلاً في موطنه من تعاطي أمورٍ معينة، بينما يمارسها في محيط آخر لا يجد فيه حرجاً لممارستها.
وتصاحب الخجلَ عادة مشاعرُ متقاربة بين القبول والرضا، أو الرفض والسخط؛ وتظهر على صاحبه عوارض عديدة، مثل اضطراب الحركات، واضطراب الأوعية الدموية، أو اصفرار الوجه عند البعض، واحمراره عند البعض الآخر. وغالباً ما يحس الخجول بخفقانِ قلبه، وتلعثم لسانه، وقصوره عن ردة الفعل بسبب ما يصيبه من الارتباك..
وللخجل درجات أدناها الحذر، ثم الحياء.
والفرق بين الخجل والحياء أنَّ الخجل يصاحبه الخوف والدهشة والحيرة، وهو يحصل للمرء عند شعوره بالعجز عن ملاءمة الواقع مع نفسه، سواء أكان هذا الواقع قبيحاً أم جميلاً.. في حين أنَّ الحياءَ هو شعور بالشيء القبيح والخوف من إتيانه، والنفور منه، فله إذًا معنى أخلاقي، وهو دلالته على الحشمة والوقار. لذلك يكون الحياء هو الحشمة، وانقباض النفس من الشيء، وتركه خوفاً من اللوم فيه. أو بعبارة أوجز هو امتناع النفس عن إتيان القبائح. وهو بذلك يعتبر صفة إنسانية تدفع إلى ستر ما يبتلى به الإنسان من المعاصي، وامتناعه عن كشف ما يخصه من الأمور الباطنية التي لا يريدُ أن يطّلع عليها الغير، كما هو الحال في العلاقات الجنسية التي يريدها أنْ تستخفي على الناس..
وقد يطلق الحياء على امتناع المرء عن مدح ما في نفسه من الفضائل، خوف الظهور بمظهر الكِبْر والإعجاب بالنفس. قال محمد الجرجاني في كتابه (التعريفات): «الحياء نوعان: نفساني، وهو الذي خلقه الله تعالى في كل نفس كالحياء من كشف العورة، وإيماني، وهو امتناع المؤمن عن فعل المعاصي خوفاً من الله تعالى». وفي ذلك يقول تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القَصَص: 25]. والمقصود هنا إحدى ابنتَيْ النبي شعيب (عليه السلام) بعدما سقى موسى (عليه السلام) لها ولأختها غنمهما، فذهبتا وأخبرتا أباهما بأمره فبعث إحداهما تدعوه إليه، فجاءته تمشي على استحياء، أي على هدوءٍ هو في منتهى الروعة من الحشمة واحترام النفس وأدب السلوك، لأنها جاءت تمشي مشية الفتاة الطاهرة الفاضلة من غير تبذّل ولا تبرج ولا إغواء - وهذا من شيم الفتاة المستقيمة التي تستحي بفطرتها عند لقاء الرجال - ولا سيما الأغراب منهم - أو الحديث معهم.. ولكنَّ حياءَها لا يبدّل شيئاً من ثقتها بنفسها، واستقامتها، فلا تضطرب ذاك الاضطراب الذي يغري ويهيج، إنما تتحدث وتتصرف حيال أيِّ أمر كان، بالقدر المطلوب ولا تزيد.. وهذا ما يشير إليه الحسن (عليه السلام) وهو يصف إحدى النساء بقوله: «فوالله ما كانت ولاّجة (كثيرة الولوج أي الدخول) ولا خرّاجة (كثيرة الخروج) ولكنها كانت من الخفرات اللائي لا يحسنَّ المشي بين يدي الرجال والكلام معهم».
والرسول الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يقول: «الحياء شُعْبَةٌ مِنَ شِعَبِ الإِيمان»[*] . فمن لا يستحي، فلا إِيمانَ لديه يمنعه من ارتكاب المعـاصي والفواحش، ومن لم يسـتحِ من العيب لا يخـشَ العـار. وهذا دليل على أنَّ الـذي يردع الإنسـانَ - أحياناً كثيرة - هو الحياء، فإذا لم يكن لديه حياءٌ، مال إلى السير في كل ضلالة، وتعاطي كل فاحشة.
وبعض نظريات التربية تقول: إنَّ قساوة الأهل والمربين هي التي تولد الخجل والحياء في نفس الولد. إلاَّ أن هناك صغاراً يربون تربية صحيحة ليس فيها أساليب شدة أو قوة أو إذعان، ومع ذلك يكونون خجلين ويستحون، فهذا يعود إلى فطرة الطفل وليس إلى أساليب التربية. ومعالجة خجل الطفل تكون بإشعاره بالثقة بنفسه دائماً، وإبعاده عن معاشرة من ينمي فيه مشاعر الخجل والاستحياء من كل شيء قد يفعله ولو كان حسناً، وتعويده القيام بأعمال فيها نفع له وللآخرين مثل الألعاب الرياضية، وحضور الندوات، أو الحفلات التي تتيح له التعبير عن نفسه بحرية، وكذلك المشاركة في الخدمات العامة التي تُشعره بأنَّ له دوراً في المجتمع الذي يعيش فيه..
ثالثاً: العطف والحنان
العطف يقال للشيء إذا ثُنِيَ أحدُ طرفيه على الآخر، كعطف الغصن والحبل، ومنه قيل للرداء المَثْني: مِعطف. وعِطْفُ الإنسان: جانباه من لَدُن رأسِهِ إلى وَرْكِهِ.
والعِطف في المشاعر هو الإعراض والجفاء كما في قوله تعالى: {ثَانِيَ عِطْفِهِ} [الحَجّ: 9]. وهو للشفقة أيضاً والرحمة إذا عُدّي بحرف الجر «على»، مثل: عطف عليه، أو ظبية عاطفة على ولدها. أما إذا عُدّي بحرف الجر «عن» فيكون على الضد نحو: عطفتُ عن فلان، أي ملتُ عنه.
أمَّا الحنان، فأصله الشفقة والرحمة، وهو الشعور بالإشفاق والمحبة. يقال للمرأة: حنَّت على ولدها وتحنَّنت عليه، أي تعطّفت، بمعنى رقَّت ومالت إليه بعاطفتها المحبّة، ويقال للصوت الدال على الرقة والحسن: صوت حنون، وللصوت الذي يثير الشفقة: حنين.
ولما كان الحنين متضمناً الإشفاق، وكان الإشفاق لا ينفكُّ من الرحمة، قال الله تعالى في خلْق يحيى (عليه السلام) وبعثه نبيّاً {وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً} [مَريَم: 13]. أي وبعثناه رحمةً للناس من عندنا، وتطهيراً لأنفسهم بالتعاليم التي يحملها..
رابعاً: الرغبة
أصل الرغبة السعة للشيء.
والرغبة في النفس السعة للإرادة، إلاَّ أنها تقابل الإرادة في أنها قد تطغى عليها وتشطح بها حتى تعطل عملها الإيجابي الذي ينزع إلى الغايات الشريفة.
يقال: رَغِبَ في الشيء: حَرَصَ عليه وَطمِعَ فيه. ورَغِبَ الشيءَ: أرادَهُ وأحبَّهُ.
فالرغبة إذاً هي «النزوع التلقائي الداعي إلى غاية معلومة أو متخيلة». ووراءَ كل رغبة نزعة، كما أنَّ وراء كل إرادة رغبة. بمعنى أنَّ الرغبات مبنية على النزعات. إلا أن الفرق بين الرغبة والنزعة أن الرغبة أخصُّ من النزعة وأكثر تعقيداً.
والرغبة قد تكون مرادفة للشوق، إلا أنَّ الشوق يكون أشد نزوعاً للشيء، وفي لغة العواطف يكون الشوق أخف من الاشتياق، لأن الشوق يسكن بلقاء المحبوب، والاشتياق لا يزول بلقائه.
والرغبات تعتبر من أهم المحركات في النفس الإنسانية، وهي التي تدفع إلى طلب اللذائذ والمتع. وكل ما ينتج من الإنسان من تصرف قد يكون له علاقة برغباته، حتى لقد قيل: إنَّ الإنسانَ باقةٌ من الرغبات.
خامساً: الكـرْهُ
الكُرْهُ هو المشقة التي تنال الإنسان من خارج، فيما يُحمل عليه بإكراه. كما أن الكُرْه هو ما يُشقي الإنسانَ من داخله - أي من نفسه - وهو يعافه، وتكون هذه العيافة على نوعين: أحدهما ما يُعاف من حيث الطبع. والثاني ما يُعاف من حيثُ العقل أو الشرع. ولهذا يَصحُّ أنْ يقولَ الإنسانُ في الشيء الواحد: إني أريدُهُ وأكرهُهُ، بمعنى أني أريده من حيث الطبع، وأكرهه من حيث العقل أو الشرع، وأريده من حيث العقل أو الشرع وأكرهه من حيث الطبع. ومنه قول الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ *} [البَقَرَة: 216]. ومعنى «وهو كره لكم» أي تكرهونه من حيث الطبع. وهذا ما يعلّمُ الإنسانَ بألاَّ يأخذَ بكراهيته للشيء، أو بمحبته له، حتى يعلم حاله ومآلَهُ..
فالكره هو شعور بعدم الاستحسان أو عدم القبول، أو هو شعور بالنفور والاشمئزاز، والابتعاد عن كل ما يثير المشاعر التي تمجُّها نفس الكاره، سواء كان الباعث إليها الناس أو الأشياء أو الأفعال..
والكره بين الناس له مسببات عديدة، فقد يحصل بسبب الخلافات الناشئة عن المعشر، كما في الكراهية بين الزوجين، أو بسبب التباين في الآراء بحيث يؤدي الاحتدام في المناقشات، أو الطروحات الفكرية - في أحيان كثيرة - إلى عواقب وخيمة، أو بسبب التفوّق الذي يحرزه البعض - في مختلف المجالات - ويولّد الإحباط في نفوس المتفوَّق عليهم، إلى ما هنالك من الأسباب التي تولّد مشاعر الكراهية عند الناس، التي تختلف باختلاف العلاقات البشرية، وتنوع الأفكار، وتنوع مجالات الحياة وتعددها، فضلاً عن المؤثرات في النفوس، وتضارب المصالح والأهواء.. ولكن هنالك شعور واحد يجمع بين كل الناس، أو الأكثرية العظمى منهم، وهو كراهيتهم للموت، مع أنه في مفهومنا الإسلامي هو حقٌ، ولكنَّ الكراهية لهذا الحق ناتجة من أنه يُفقد الإنسانَ وجوده، ويغيّبه عن هذه الدنيا إلى غير رجعة، علماً بأنَّ الإنسان يكره - بالطبع - كلَّ ما يؤذيه ويؤلمه في نفسه، أو ماله، أو أبنائه أو إنسانيته، فكيف بالذي يؤدي إلى زواله الدنيوي؟
ومن التصوير القرآني لمشاعر الكره، أو الكراهية، أحوال المنافقين - الذين دخلوا ظاهرياً في الإسلام وقلوبهم مليئة بالأحقاد عليه وعلى نبيّه وأتباعه - إذ فرح المتخلّفون منهم عن الخروج مع رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، إلى تبوك، لأنهم كرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، كما قال عنهم عزَّ وجلَّ: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التّوبَة: 81]... ولكن في الحقيقة ليس تخلّفُهم ناتجاً من رغبتهم أو إرادتهم كما يتوهمون، بل أمره بيد الله سبحانه، فهو السميع لأقوالهم، العليم بنفوسهم - وما تكنّ من كراهية للإسلام - فلم يشأ سبحانه خروجَهم مع النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في غزواته، لئلا يبعثهم يوم القيامة مع المجاهدين في سبيله تعالى، ويهديهم إلى الصراط المستقيم.. ولذلك قدَّر - سبحانه وتعالى - في سابق علمه، أنْ يجعلهم مع القاعدين خلاف رسول الله - أي وراءه - مع المرضى والنساء والصبيان الذين لا يقع عليهم عبء الجهاد، فثبطهم عنه، مصداقاً لقوله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأََعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ *} [التّوبَة: 46].
ومثل كراهية المنافقين للجهاد، كذلك كراهيتهم للإنفاق، يقول الله تعالى: {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ *وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ *} [التّوبَة: 53-54].
وكيف يُتقبَّلُ منهُمُ الإنفاقُ، سواء أَتَوْهُ طَوْعاً أو كَرْهاً، وهم على أخبث ما يكونون بشراً: كانوا قوماً فاسقين - «كفروا بالله ورسوله» - «ولا يأتون الصلاة إلاَّ وهم كسالى»، «ولا ينفقون إلاَّ وهم كارهون».
هذا بالنسبة إلى المنافقين،
أما المؤمنون فهم على خلاف ذلك تماماً، إذ يكفي للدلالة على صدق إيمانهم أنهم يتوجهون بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى أنْ يغفر لهم ولإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان، وأنْ يزيل أية كراهية في نفوسهم لهؤلاء الإخوة، وألاَّ يجعل أي غلٍّ في قلوبهم، كما ينبئنا قول المولى تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ *} [الحَشر: 10].
فالمؤمنون الصادقون الذين أخلصوا النية لله ورسوله، كانوا يدعون، وسوف يبقون على دعائهم إلى يوم القيامة لإخوانهم من المهاجرين والأنصار الذين سبقوهم بالإيمان، ويرجون ربَّهم تبارك وتعالى ألاَّ يجعل في قلوبهم لا حقداً ولا كراهية للمؤمنين أينما كانوا، وأملهم بربهم كبير، لأنهم يعلمون أنَّ ربهم رؤوف رحيم بالناس أجمعين.
سادساً: الغَيْـرة
وهي حالة انفعالية تدفع المرء إلى منع غيره من مشاركته في الشيء الذي يحبُّه ويريده لنفسه. نقول غار الرجل على امرأته، أي ثارت نفسه عليها لإظهار زينتها ومحاسنها لغيره، أو لانصرافها عنه إلى آخر. وأشد أنواع الغيرة ما كان من الزوج على زوجته أو من الزوجة على زوجها، ومن الأب أو الأم على ابنتهما - بمعنى حرصهما عليها - أو ما كان من غيرة الصديق على صديقه لئلا يقع في خطأ يؤثِّر على حياته. ومن الغيرة ما يحدث في نفوس الأخوة إذا شعروا بأنَّ والدَيْهم يحبان أحدَهم أكثر من الباقين، أو في نفوس الموظفين تجاه بعض الزملاء الذين يؤثرهم رئيسهم، ويفضّلهم عليهم.. وقس على ذلك جميع المشاعر التي تولّد الأثَرَة، وتتسبَّبُ في إثارة الغيرة، ما يجعل الغيرةَ - إجمالاً - شعوراً خاصاً من المحبّ على من يحبُّ، إلاَّ أنها لا يجوز أن تكون عاملاً لهدم العلاقات الطيبة بين الناس..
تلك هي أهمّ مظاهر غريزة النوع، من بين مظاهر عديدة أخرى لهذه الغريزة التي أوجدها الله تعالى في نفوس الناس لحفظ الجنس البشري، واستمراريته منذ آدم عليه السلام وإلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها..
3 - غريزة التدين أو التقديس
والتديّن يُعدُّ أيضاً غريزةً أساسية في فطرة الناس، مثل غريزة البقاء وغريزة النوع، فهو شعور بالحاجة إلى الخالق المدبّر، بغض النظر عن تفسير هذا الخالق المدبّر، لأنَّ الذات الإلهية سرٌّ مغلقٌ على الإنسان، ومحالٌ عليه أن يدرك هذا السرَّ، مهما بلغ من النضوج الفكري. ولذلك يحذرنا رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، بقوله: «تفكَّروا في آلاءِ الله ولا تَفَكَّروا في الله»[*] ، فكانت معرفتنا بحقيقة وجود الله تعالى من خلال آياته المركوزة في أنفسنا، وآياته المبثوثة في آفاق السماوات والأرض.. وتلك الآيات، على جلالها، هي التي توجب القدسية للخالق العظيم في القلوب المؤمنة، والتعبّد له من الجوارح الطائعة.. وهذا هو التديّن، الذي وجد بوجود الإنسان، سواء أكان مؤمناً بالله، وبأنه هو الخالق العظيم، أو كان كافراً وعَبَدَ غيرَ الله تعالى كما في عبادته الكواكب، أو النار، أو قوى في الطبيعة، أو ابتداعه آلهةً تقربه إلى الله زلفى.. فالشعور الديني حتمي لأنه يخلق مع الإنسان، وهو جزء من تكوينه النفسي، يلازمه منذ أنْ تتفتح مداركه على الحياة، ولا يفارقه حتى الممات، والرحيل عن هذه الحياة إلى حياة أخرى تختلف كلياً عما كان عليه الإنسان ههنا!...
والعلَّةُ للتدّين - كما تفسّرها حياة الإنسان - متأتيّة عن شعوره بالضعف أو عجزه عن إشباع غريزة البقاء، وإشباع غريزة النوع في كثير من القضايا التي يوكل فيها الإنسان أمرَهُ إلى قوة غيبية، يعتقد أنها قادرة على حلّ قضاياه تلك، فيستسلم - شعورياً - لتلك القوة، وينقادَ إليها رغماً عنه، والمثال الذي يوضِّح هذه المشاعر نجده في قول الله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ *} [العَنكبوت: 65].
فأيّاً ما تكن قوة الإحكام في صناعة الغواصات، والفُلْك - عملاقة أو صغيرة - فاسألِ البحَّارة كم يلاقون من الشدةِ، واسألهم إلى من يلجأون في وقت الحرج - سواء أكانوا مؤمنين أم كافرين - فالمؤمن يتوجه حتماً بالدعاء إلى الله تعالى؛ والكافر قد يتوجه بدايةً إلى القوة التي يقدّسها، ويتوهم أنها تنجيه من الخطر، ولكنًّه في قرارة نفسه سرعان ما يشعر بوجود الله تعالى، وبأنه وحده القادر على أنْ ينجيه في تلك اللحظات الحرجة، فيعود ويتوجه إليه بالدعاء، لأنه استيقن في نفسه بأنَّ الله هو ربُّ الأرباب، وهو على كل شيء قدير، فإنْ يشأ يُنجِّهِ، وإنْ يشأ يغرقْهُ، يقول الله تعالى: {وآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ *وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ *وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنْقَذُونَ *} [يس: 41-43].
فالآيات القرآنية تحثُّ الإنسان على عبادة الله تعالى، والإنسان - شاءَ أو أبى - إنّما يعبد الله ربّهُ، أو يتقرب إليه زلفى بعبادة الأوثان، أو قد يذهب بعيداً فيتديّن للقوى، التي تكون في غالبها قوى فكرية أو غيبية، يعتقد أنها تعينه على البقاء، وتحفظ له النوع البشري، وهذا الشعور الغريزي هو ما يسمى التقديس، فإذا ظهر بالتعبّد لله تعالى كان عبادة، وإلاَّ كان شعوراً بالتعظيم والتبجيل...
فالتقديس إذًا هو منتهى الاحترام القلبي، وهو أمر فطري له مظاهر متعددة أعلاها العبادة بأنواعها، وليس هو بناتج من الخوف، بل من التديّن، لأن التقديس لا يمكن أن يكون الخوف، إذ إنَّ الخوف كثيراً ما يكون تعبيراً عن التملق، أو الدفاع أو الهروب، وذلك يناقض حقيقة التقديس.. لذلك كان الإنسان متديّناً منذ أوجده الله تعالى على الأرض، فعبدَ الشمس، والكواكب والنار، وقدَّس آلهة بشراً كما في تقديس الناس للفراعنة في مصر، وتقديس الرومان للأباطرة، مع الإشارة إلى أنَّ كثيراً من الفراعنة مات مسموماً من الذين كانوا يظهرون تقديسهم..
وكذلك الأمر بالنسبة إلى أباطرة الرومان، الذين كثيراً ما كانت بطانتهم وقادتهم يقومون بالانقلاب عليهم، فيقتلونهم ويعتلون العرش مكانهم..
ولا نجد على مرّ التاريخ البشري شعباً من الشعوب تحلّل من الشعور الديني - أياً كان نوعه - ولكنَّ جحودَ الإنسان لنعمة خلقه، وتنكره لفضل خالقِهِ كان يبعده عن التديّن الحق، والتعبّد لله الواحد الأحد، ومع ذلك فإنَّ اللطيف الخبير لم يترك الإنسانَ سدىً، بل كان يبعث الأنبياء والمرسلين لهداية هذا الإنسان، وإعادته من ضلاله إلى الهدى والرشد.. ومن اللافت هنا أيضاً أنَّ مِنْ أتباع الرسالات السماوية من أشركوا في العبادة لله - تعالى - ولم يدينوا دين الحق، كما يقول عنهم عزَّ وجلَّ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} [التّوبَة: 30].. أما أهل الإسلام، فمنهم من يعبدون الله عن طريق التقليد، لأنَّ آباءَهم كانوا مسلمين، ومنهم من يعبدون الله - تعالى - عبادة العاقل، العارف، المؤمن بأنَّ الدين فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله .. وهذه أسمى العبادات لأنَّها عبادة مَنْ قدروا الله حق قدره، فعنت وجوههم لمولاهم، وسعت جوارحهم لمواطن تعبده.. ولكن مهما كانت معرفة المسلم بالله ربّه - أو عن طريق العقل - فإنَّ المسلمين جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها، يدينون بدين التوحيد، ويقدسون الله تعالى، الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له.. وإلى جانب اعتقاد أهل الكتاب والمسلمين بحقيقة وجود الله تعالى وإيمانهم به - رغم إشراك أهل الكتاب - ففي الأرض اليوم معتقدات دينية أخرى مثل البوذية والهندوسية - ولهما أتباع كثيرون في الشرق الأقصى - وجميعها تؤكد على حاجة الإنسان إلى التدّين أو التقديس تلبية للفطرة البشرية، بدليل أن بعض الشعوب التي أجبرها حكامها أو قادتها - من المفكرين والسياسيين - على ترك ظاهرة العبادة، أبت إلاَّ أن تكون متديّنة، ولو لم تقم بواجب أداء الطقوس الدينية علناً، بسبب القوة التي كانت السلطة تمارسها عليها، وتمنعها من ذلك.. ما يعني أن التديّن أمر حتمي، ولا يمكن لأية قوة أنْ تنتزع غريزة التديّن أو التقديس من نفس الإنسان، لأنها تشعره بحاجة ملحة إلى معبود يطمئن إليه في قرارة نفسه، ويتوكل عليه في حياته، ويركن إلى عبادته في خلواته، أو في معابده...
أما ما يبدي الملحدون من عدم الاكتراث بالعبادة، أو الاستهزاء بها، فلا يعني ذلك كفراً مطلقاً، بل هو تحويل عن غريزة التدين إلى أفكار أو معتقدات غالباً ما تستعمل في سبيلها المغالطات، والتفسيرات الخاطئة للأشياء. ومن هنا كان التحوّل من الإيمان إلى الكفر أصعب ما قد يواجه عقلَ الإنسان ونفسَهُ، لأنه تحويلٌ عن الفطرة، وذلك يحتاج إلى جهدٍ كبير. وما أصعبَ أن ينصرفَ الإنسانُ عَنْ خصائصِ طبيعتهِ وفطرتهِ. ولذلك نجدُ الملحدينَ - حينما ينكشفُ لهمُ الحقُّ ويدركون حقيقة وجودِ الله تعالى، بالعقلِ، إدراكاً جازماً - يُسرعونَ إلى الإيمان، فيشعرون بالراحة والاطمئنان، ويزول عنهم الكابوس الذي كان يرهقهم، وإيمان هؤلاء وأمثالهم يكون راسخاً قوياً لأنه نابع من الإحساس الذي أدّى بهم إلى اليقين، ولأن عقلهم ارتبط بوجدانهم، فأدركوا إدراكاً يقينياً حقيقة وجود الله تعالى، وشعروا شعوراً عميقاً بهذا الوجود السني، والتقت فطرتهم بعقلهم، فتكوّنت قوة الإيمان عندهم.
وغريزة التدين لها مظاهرها أيضاً مثل الغريزتين الأخريين، ومن مظاهرها:
أولاً: العبادة
من الحقائق الإيمانية أنه لا يجوزُ أنْ تُترَكَ العبادةُ لوجدان الإنسان يُقرّرها كما يطيب له، أو يؤدي مراسمها أو شعائرها كما يَتَخَيّلُ أو يريد، بَلْ لا بدَّ أن يتدخل العقلُ لتعيينِ المعبود الذي يستحق العبادة، لئلا يضلَّ الوجدان أو يخطئ في معرفة المعبود الحق، إذ كثيراً ما لجأ الإنسان، ولا سيما في الأزمان الغابرة، لعبادةِ أشياءَ جامدة، أو لتقديس أشياء مُحْتَقَرةٍ، لأنَّ الوجدان فيه الهوى، والرقة، والانفعال، والميل.. وما إلى ذلك من المشاعر الوجدانية التي لديها قابلية الخضوع السهل، العفوي، بعيداً عن أعمال العقل.. فإذا تُرِكَ الوجدانُ وَحْدَهُ يُقَرِّرُ ما يَعْبُدُهُ الإنسانُ فإنَّ ذلك قد يؤدي إلى الضلالِ في عبادةِ غيرِ الخالقِ، أو إلى التوهُّم في التقرّبِ إلى خالقِ بما يُبعدِ عنهُ.ذلك أن الوجدان أو الضميرَ إحساسٌ غريزيٌّ أو شعورٌ يتراءَى أمامَ واقعٍ محسوسٍ فيتجاوبُ معهُ، أو هو تفكيرٌ يُثيرُ هذا الشعورَ بأهمية أو عظم الواقع المحسوس، فإذا أحدثَ الإنسانُ رجعاً لهذا الشّعور دونما تفكيرٍ فربّما أدّى ذلك إلى الخطأ والضّلالِ.. فقد تَرى مثلاً في الليل خيالاً فتظنّهُ عدوّاً لكَ، فتتحرّكُ فيكَ غريزةُ البقاءِ في الخوف الذي يظهر منك، فإذا استجبْت انفعالياً لهذا الشعور وأحدثْتَ الرّجعَ الذي يتطلّبُهُ، وهو الصراخُ أو الهربُ، كانَ ذلكَ خطأً منكَ، لأنكَ تكونُ عندئذٍ، سخريةَ السّاخرينَ. ولكن حينَ تَستعملُ عقلكَ، وتفكّرُ، قبلَ أن تُحدِثَ الرّجعَ الشعوري بالخطر، فقد يَتَبيّنُ لكَ ما يجبُ أن تقومَ به... إذ قد يكونُ الشبحُ أو الخيال عموداً كهربائياً أو شجرةً أو كلباً أو دابةً.. وحينئذٍ يتبدّد الخوف الذي اعتور شعورك وتُكمِل سيرك وأنت مطمئن البال. لذلك لا يجوز أن يضطرب الإنسان بناء على دافع الخيال أو الوهم المتأتي عن شعور وجداني لوحده، بل لا بدَّ من استعمالِ العقلِ معه. وعلى هذا لا يجوزُ أن تكونَ عبادةٌ إلاَّ وفقَ ما يرشدُ العقلُ حتّى تكونَ العبادة مستحقة لِمَنْ تَهْدِي الفطرةُ لعبادتِهِ، وهوَ الله تبارك وتعالى، الذي يَشْعُرُ الإنسانُ دائماً بالحاجةِ إليهِ، وهذا ما يرشدنا إليه قوله تعالى: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي *} [الزُّمَر: 14]. وقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *} [الفَاتِحَة: 5]، أي نخصك يا الله وحدك بالعبادة فلا نعبدُ إلاَّ إيّاك، ونوحدك فلا ندين بالعبودية لإله غيرك، لأنه لا إله إلاَّ أنت ربُّ العالمين، وإيَّاك نستعين بالضراعة إليك وطلب العون على مختلف الطاعات التي ينال بها عبادك رضاك، كما نستجير بك لأنه لا حولَ لنا عن المعاصي ولا قدرة لنا على الطاعات إلاَّ ما تشاء لنا يا ربَّ العالمين، بَلْ وهذا ما قضيت به، يا ربَّ العرش العظيم، منذ خلقت أبا البشرية آدم (عليه السلام) ، وأنشأتَ منهاج الخَلْق البشري كله بما أودعت في الزوجين من نظام هذا الخلق، وجعلته أيضاً نظاماً لجميع الكائنات الحية ثم قضيت بحكمتك السنية أن تَعبدك جميع مخلوقاتك، الحية والجامدة، وألاَّ تعبد إلهاً غيرك، ولا ربّاً سواك، توكيداً لقولك الكريم: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسرَاء: 23].
ثانياً: الخشوع والضراعة
يقال: خشع له يخشع خشوعاً، أي خضع له وذلَّ. وخشع ببصره: غضَّه، وأخشعه إخشاعاً إذا أخضعه.
ويقال: ضرع يضرعَ ضَرَعاً وضَرَاعة: استكان وذلَّ وضعف، وفي الأمثال: «الحمّة أضرعتني للنوم» وهو يقال في الذل عند الحاجة. وتضرَّع إلى الله: ابتهل، وتذلَّل. ويكون التضرّع - عادةً - في طلب الحاجة مع شيءٍ من التذلُّل، ولذلك كان في الخشوع أو الضراعة خضوع، وتذلل لله تعالى.. والخشوع أكثر ما يستعمل فيما يوجد على الجوارح، بينما الضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب. ولذلك قيل: «إذا ضَرَعَ القلبُ خشعتِ الجوارحُ» قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ *} [المؤمنون: 1-2]، أي خاضعون لربِّهم، منقادون لطاعته، وقال تعالى: {وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ} [طه: 108]، أي سكنت وخضعت أصوات العباد للرحمن في نقلها إلى المحشر والحساب.. وعن حالةِ المجرمين يوم الدين يقول تعالى: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} [القَلَم: 43]، أي ساكنةً أبصارهم فلا يرفعونها من شدّة الذل الذي يغشاهم يومئذٍ..
وعن الضراعة ينبِّهنا مولانا الكريم إلى ما في الدعاء والضراعة إليه بتذلّل وانقياد من طمعٍ في نبل رحمته، فيأمرنا بقوله العزيز: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعرَاف: 55]، أي ادعوا ربكم في أية حال تكونون، وليكن في دعائكم رهبةٌ وسكنٌ، في العلن والخفاء، وبعيداً عن التشدّق ورفع الأصوات.. ويقول تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغَدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ *} [الأعرَاف: 205]، أي اذكر أيها الإنسانُ ربَّك سرّاً في نفسك، وبتذلُّل، وخوفٍ منه تعالى، وعن وعيٍ، وقصدٍ. وليكن ذكرُك لربِّك في أوائل النهار وأواخره، ولا تكن من الغافلين عن ذكره تعالى في كل وقتٍ وحينٍ لأنَّ في ذكر الله - عزَّ وجلَّ - طاعةً مؤنسةً، وطمأنينةً قلبيةً، وراحةً نفسيةً وبدنيةً..
ثالثاً: الخشية
وهي مشاعر من الخوف يشوبه تعظيم. وقيل الخشية أشد من الخوف لأنها من عظمة المخشيّ، والخوف من ضعف الخائف.
والخشية في العبادة أكثر ما تكون عن علم، ولذلك خُصَّ بها العلماء في كتاب الله المبين بقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فَاطِر: 28]. وقال تعالى: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ} [ق: 33]. ومن أحقُّ أنْ يخشى الله تعالى بالغيب سوى العلماء؟ لأنَّ خشيتهم نابعةٌ من عقولهم وأفئدتهم على سواء - فهو جَلَّ أنْ يُرى إلاَّ بالبصيرة - فيعرفونه بآثار صنعته، ويدركونه بعظيم قدرته، لأنَّ كلَّ شيء في الوجود يدلُّ على صنع الله تعالى وقدرته. والعالِمُ إنَّما يخشى الله تعالى لأنه أحذرُ لعقابه من عبادهِ الجاهلين الذين لم يدركوا ما أدرك العلماءُ من معاني التوحيد، من هنا تتغلَّبُ في إيمان العالم معاني الألوهية والربوبية، ومعاني العدل الإلهي، فيصدّق بالبعثِ والحساب، والجنة والنار.
رابعاً: الحب
يقال: أحببتُ فلاناً إذا جعلتُ قلبي معرَّضاً لحبِّهِ؛ وقيل «حبة القلب» تشبيهاً بالحبّة في الهيئة. فإذا قلت: أصاب «حبة قلبي» فمعناه أحببتُهُ في أعماقِ قلبي، ومثلها شغفته، ومعناه أصبت شغافَ قلبه، أي غِطاءَ قلبِهِ. قال تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} [يُوسُف: 30]. أي أصاب حبُّهُ شغافَ قلبها،ونَفَذَ منها إلى أعماقِهِ.
والحب هو أيضاً من المحبة، والوداد، والميل الشديد إلى الشيء السار النافع.
وكثيراً ما يكون الغرض من الحب تأمين الحاجات المادية، أو إشباع الغرائز والحاجات العضوية، ويقوم على تصور أو على شعور فيه انجذاب شديد إلى المحبوب أو الشيء النافع. ولذا ينشأ الحبُّ عن عوامل عديدة منها ما هو غريزي، ومنها ما هو كسبي، ومنها ما هو انفعالي أو إرادي مصحوب بالتصوّر. والفرق بين الحب والرغبة أنَّ الرغبة حالة آنية، على حين أنَّ الحبَّ نزوعٌ دائم يتجلى برغبات متتالية ومتعاقبة. وفي لغة المشاعر فرقوا بين الحب العُذري والحب الشهواني. فقالوا إن الحبَّ العذري هو حب محض، مجرد من الشهوة والمنفعة، بينما الحب الشهواني يكون حباً أنانياً غايته إرضاء الرغبات والمآرب المليئة بالشهوة..
ويلعب الحب دوراً هاماً في حياة الإنسان الخاصة، وفي علاقاته بالآخرين، وفي الصلة التي تربط الإنسان بربه. ولذلك فهو يظهر بصور شتى: حب الإنسان لنفسه، حبه للناس، وحبه لله تعالى ورسوله.
أ - حب الإنسان لنفسه
يرتبط حب الإنسان لنفسه بتأمين حياته الفردية، عن طريق تنمية طاقاته، وتوسيع إمكاناته التي يظنُّ أنها تحقق له السعادة واللذة، وتبعده عن كل ما يعوق نفسه أو يلحق بها الأذى والضرر. ويعتبر هذا الحب مظهراً من مظاهر غريزة البقاء، ويرتبط بكثير من مظاهرها الأخرى مثل حب التملك،أو أيِّ خيرٍ يمكن أنْ ينالَهُ حَاضِراً ومستقبلاً.
وقد عبَّرَ القرآنُ الكريم عن حب الإنسان لنفسه بما يتمنَّى من كثرة الخير الذي يُحبُّ أن يُؤْتاهُ، وهذا ما اتخذَهُ رسولُ الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) حجةً دافعةً لمواجهة المشركين عندما طلبوا منه - في محاولة لتعجيزه - أن يأتيهم بجبال من ذهب، أو أنهار تتدفق في الصحراء، وغير ذلك من المعجزات، فأوحى إليه ربه أن يجيبهم بقوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعرَاف: 188]، أي لأحببت الإِكثارَ من الخير لنفسي، حاضراً ومستقبلاً، وما مسني سوءُ الفقر بنابه.. بل وحبُّ الإنسان للخير هو حبٌّ شديدٌ في أصل تكوينه، مصداقاً لقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ *} [العَاديَات: 8]. لأنَّ بمعناه الشمولي، الخير هو كل ما يفيد الإنسان في حياته مادياً أو معنوياً، لذلك كان توكيد القرآن الكريم على أنَّ الإنسانَ لشديدُ الحبّ إلى الخير، ولا سيما المال منه..
ب - حب الناس
وهذا الحب ناشئ عن العلاقات الاجتماعية والعلاقات المجتمعية، وحاجة الناس إلى بعضهم، لأنَّ عليه تُقامُ أواصرُ التعـاون والتكافـل، وروابط الـمشاعـر والأهداف المشتركة، وغيرهـا من الدوافع التي تعزِّز وجود الجماعات، ولا سيما في التنمية والتطور في شتى مجالات الحياة..وحب الآخرين يعتبر مظهراً من مظاهر غريزة النوع، التي أودعهـا الخالق في الأنفس للحفاظ على الجنس البشري، إذْ إنَّ فنـاء البَشَـرِ إنَّمـا يعني فنـاء كل فـردٍ منهم، لذلك كان محتومـاً أنْ تتـداخـل الغرائز، ولا سـيما غريزة البقـاء مع غريـزة النوع، ليحصل التماسـك المطلوب في بنـاء المجتمعات، وتمتين العلاقـات الإنسانية.
ومن هذا الحب: حب الزوجين لبعضهما، وحبهما لأولادهما، أو حبّ المنفعة للغير: كمحبة الكريم للمساكين، والقوي للضعفاء، والغني للفقراء وإنْ كان العَطف والرحمة والرأفة تعتبر من أهم المقومات للحربِ على الآخرين، والإحساس بحاجاتهم، والنظر بأوضاعهم.. وقد تتداخل في نفس الإنسان مشاعر أخرى، وأهمها المشاعر التي تتعلق بالقيم والمثل: كمحبة العالِمِ للحقيقة، والحاكم للعدل، والشاعر للجمال، وما إلى ذلك من المعاني التي تلذها الأنفس، ويحبها الناس...
ويشيد القرآن الكريم بالمحبة والتآلف بين الناس، وبتعاونهم على البر والتقوى، بل ويأمرهم بهذا الإِيلاف والتعاون في الوقت نفسه الذي ينهاهم فيه عن التعاون على الإثم والعدوان. يقول تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المَائدة: 2]. ويعطينا القرآنُ الكريم نموذجاً للتعاون على البر والتقوى في ذلك التفاني الذي أظهره الأنصارُ تجاه إخوانهم من المهاجرين، وإيثارهم إياهم على أنفسهم، في المسكن والمال والرزق، حتى أنَّ أحد الأنصار عرض على أخٍ له في الدين، من المهاجرين، أنْ يطلق إحدى زوجتيه ليعود ويزوّجها له على سنة الله ورسوله، لكنَّ الصحابي المهاجر أبى ذلك. وفي هذا الإيثار والتفاني بين المسلمين قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *} [الحَشر: 9].
أمَّا الرسول الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فقد كان من سمات تربيته للمسلمين أنْ يتحابّوا فيما بينهم، لأنَّ في هذه المحبة الإِيمانَ الذي يوصل إلى الجنة، قال (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «لا تَدْخُلونَ الجنَّةَ حتى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حتى تَحَابُّوا. أَوَلا أدُلُّكُمْ على شيءٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ؟ أَفْشُوْا السَّلامَ بَيْنَكُمْ»[*] . وقال (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «والذي نفسي بيدِهِ لا يُؤْمِنُ عبدٌ حتى يُحِبَّ لجارِهِ أو أخَيهِ ما يُحبُّهُ لنفسِهِ»[*] .
هذا هو منهج الإسلام الذي يعلو على سائر مناهج أهل الأرض. وقد سبق الإسلام سائر العلوم النفسية والاجتماعية - التي ينادون بها - في الدعوة إلى حب الإنسان للإنسان، ولم يجعل لهذا الحب البعدين النفساني والإنساني فحسب، بل جعل له بعداً روحانياً عندما قرنه بالإيمان، ونشر السلام والأمن بين الناس، فربط بين حب الإنسان لأخيه الإنسان وحبه لله تعالى ورضوانه. قال الله تعالى في الحديث القدسي: «حقَّتْ محبَّتي للمتحابِّينَ فيَّ. وحقَّتْ محبَّتي للمتواصلين فيَّ. وحقَّتْ محبَّتي للمُتَناصِحِينَ فيَّ. وحقَّت محبَّتي للمتزاوِرِيْنَ فيَّ. وحقَّت محبَّتي للمتباذِلِيْنَ فيَّ. المتحابُّونَ فِيَّ على مَنابِرَ مِنْ نورٍ يَغْبِطُهُمْ بمكانِهِم النبيُّونَ والصدّيقُونَ والشُّهَداءُ»[*] .
بل وجمع رسولُ الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) كلَّ علامات حب الإنسان عندما قال وهو جالسٌ في مسجده في المدينة المنورة للصحابة من حوله: «أحبُّ الناس إلى الله تَعالى أنفعُهُم للنّاس. وأحبُّ الأعمالِ إلى الله عزَّ وجلَّ سرورٌ يدخِلُهُ المسلمُ على المسلمِ، أو يَكْشِفُ عنهُ كُرْبةً، أو يَقْضي عنه دَيْناً، ولَأَنْ أَمْشي مع أخي في حاجةٍ أحبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أعْتَكِفَ في هذا المسجدِ شهراً»[*] .
ج - الحبُّ الأبوي واحترام الأبناء لوالديهم
إن حب الأبوين للأبناء حب غريزي طبيعي. وهو مظهر من مظاهر غريزة النوع، إذ يريان فيهم استمراراً لحياتهم، وقوةً لوجودهم، فضلاً عن كونهم قرة للعين، وراحة للنفس.. ولذلك كان هذا الارتباط الأبويّ الشديد بالأبناء، وهذا التفاني والتضحية بكل غال ونفيس من أجلهم، فالإنسان قد لا يؤثر على نفسه إلا ولدَهْ، وإنه ليعطيه دماً من دمه، أو عضواً من جسده، إن احتاج إلى ذلك، بل وقد يكون مستعداً لأنْ يفديه بحياته إذا اقتضى الأمر..
ورسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الذي جعله الله تعالى قدوة للناس في الخُلُق والسيرة، كان يحرص على توجيه المسلمين ليقوموا على رعايةِ أبنائهم رعايةً تامةً وصحيحةً،وتربيتهم تربيةً حسنةً فاضلةً. وقد ضربَ المثل بنفسه في حبه لأبنائه، ولكن شاءَ الله - تعالى - أنْ يتوفاهم وهم في حداثة السن، فانصبَّ حبُّه على حفيدَيْهِ الحسنِ والحسينِ فأحبهما حباً عظيماً، كان يتجلَّى بحملهما على عاتقه، وضمهما إلى صدره وتقبيلهما، وذلك على مرأى من المسلمين والناس أجمعين؛ فعن أنس ابن مالك أن رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) كان يطلب إلى ابنته فاطمة الزهراء - أم الحسن والحسين، سلام الله عليهم أجمعين - «ادعي ابنيَّ» فيشمهما ويضمهما إليه. وعن البراء قال: رأيت النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) والحسن على عاتقه وهو يقول: «اللَّهُم إنّي أُحبُّهُ فَأَحبَّهُ» . وعن البراء أيضاً أنَّ النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أبصر حسناً وحسيناً فقال: «اللَّهُمَّ إنّي أُحبُّهما فَأَحبَّهما».
أما حب الأبناء للوالدين فيكون ارتباطاً عاطفياً، وقناعة بحمايتهم والذود عنهم، والعمل على كل ما من شأنه احترام شخصيتهم وتقديم العون لهم. لذا وجب أن يظهر هذا الحب بطاعة الوالدين، واحترامهما منتهى الاحترام. وهو فضلاً عن أنه واجب عائلي، وإنساني وأخلاقي، فهو واجب ديني أيضاً. وقول الله تعالى أصدق النبأ في كيفية وجوب معاملة الوالدين والإحسان إليهما، وخاصة عندما يكبران ويصيران في حالة ضعف يحتاجان فيها إلى الولد. قال الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ *} [لقمَان: 14].
وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا *وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا *} [الإسرَاء: 23-24].
فهل بعدُ أسمى من هذه العلاقة التي يريدُ ربُّ العالمين أنْ يرتبط بها الأبناءُ تجاه والديهم؟ وهل حافظ الأبناء على والديهم، وحفظوهما ولاسيما في الكبر، حتى يؤجروا عند الله تعالى... وإن في أي معاملة لهم بغير ما يُرضي الله تعالى، يكون الأبناء قد خالفوا أمرَ ربهم، وفي ذلك الخسران المبين!.
حب الله تعالى
إن حبَّ الله تعالى يحمل كلَّ معاني التقديس والإجلال والتعظيم. وهو منتهى اليقين والتقوى، ولذلك كان حبُّ العبد لربّه وبارئه مظهراً من مظاهر غريزة التدين أو التقديس.
وحب الله تعالى أسمى أنواع الحب الإنساني، وأكمل الشعور وأجله على الإطلاق. ويتجلى حب الإنسان لله تعالى في كونه عبداً من عباده الصالحين، واجبٌ عليه عبادتُهُ وطاعتُهُ، والدعاءُ إليه، والخشيةُ منه، وشكُرُه على نعمِهِ. وإذا تملك حب الله تعالى قلب الإنسان ظهر في كل عمل يقوم به، وفي كل سلوك يصدر عنه، بحيث تكون حركاته وسكناته منقادة لطاعة الله تعالى، وموجهة إلى فعل ما يحبه - سبحانه - ويرضاه. والإنسان الطائع العابد يتجنب كل ما يثير الكراهية التي ينهى ربُّه تعالى عنها.
وفي الحقيقة، لا شيءَ في نفس المؤمن يعدل حبه لله تعالى. وهذا ما يبيّنه القرآن الكريم بوضوح، بل ويهدّد الناس أن يجعلوا حبَّ أيِّ شيءٍ يفضلُ حبَّ الله تعالى ورسوله، وذلك بقوله عزَّ وجلَّ: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ *} [التّوبَة: 24].
ويقول تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البَقَرَة: 165]. إذْ من الناس من يتخذُ غيرَ الله - سبحانَهُ - آلهةً يشركونهم مَعَهُ في العبادة، ويحبونهم - بالتعظيم والتقديس - كحبهم له - عزَّ وجلَّ!.. ومثل هؤلاء الناس هم الذين استحبوا الكفر والشرك على الإيمان، فآثروهما على هدى الله وطاعته! ولكنَّ الذين آمنوا أشدُّ حباً لله تعالى من حب الكفار والمشركين لتلك الآلهة - المدعاة - من الأصنام، فهم لا يعدلون عن ربهم بحالٍ من الأحوال، بينما الكفار والمشركون يعدلون عن الله - تعالى - إلى الأنداد، وفي ظنهم أنهم يستطيعون حمايتهم ومساعدتهم، أمَّا حين تحيق بهم الشدائد فلا يجدون معيناً ولا ناصراً إلاَّ الله تعالى، فيلجأون إليه بصورة عفوية وتلقائية كي ينجيَهم.. ولذلك كان المؤمنون أشدَّ حباً لله تعالى لأنهم لا يشركون به شيئاً يمكن أن يتداخَلَ حبُّهُ مع حبِّ الله تعالى، ثُمَّ إنّهم يُولون النعم التي ينعم بها عليهم ربُّهُمْ حقها من الحمد والشكر والطاعة، وكلها تعبير عن الإخلاص لمن تفضَّل عليهم فاستحقَّ التقديس والتعظيم كله، واستحق المحامد كلها على آلائه كلها.. والتعبير بالحبّ إنَّما هو عن الصلة الوثيقة التي تربط المخلوق بخالقه، والمؤمن الصادق بربه تعالى، أي وهي صلة المخلوق بالخالق العظيم، الذي وجَبَ عليه أن يحبه، وقد خلقه في أحسن تقويم. عن معاذ أنَّ رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) روى عن ربه سبحانه وتعالى أنه أمره بأن يدعوه بهذا الدعاء المحبب اللطيف: «أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يَقرِّبُ إلى حبك»[*] .
وقال رسولُ الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): «مَنْ أَحَبَّ لله، وأَبْغَضَ لله، وأَعْطَى لله، فقدِ اسْتَكْمَلَ الإيمانَ»[*] .
حبّ رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم)
إنَّ حبَّ الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) واجبٌ على كل مسلم، وهو يأتي بعد حبه لله تعالى. وقد أمرنا - سبحانه - بحب رسوله محمدٍ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، وقرن حبه - عزَّ وجلَّ - بحب هذا الرسول الكريم، بل وقد أنزلَ تعالى قرآناً مبيناً، يَحملُ الأمرَ لنبيّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) - مع ما في الأمر من التكليف الموجب للعمل - بأنْ يقول للناس: إنْ كنتُم تحبونَ الله، فاتبعوني على ديني وملّتي يحببكم الله تعالى، ويغفر لكم ذنوبكم.. وفي هذا وعْدٌ لا أجلَّ ولا أعظمَ لمن يحبُّ الله ورسولَهُ كما يبيّنُهُ قول الحق تبارك وتعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [آل عِمرَان: 31].
والمؤمن الذي يحب الله تعالى ورسوله الكريم يصبح كلُّ سلوكه مع الناس متوجهاً إلى الله تعالى، فلا يفعل إلا ما يُرضي ربَّهُ، لأنَّ في رضاه - جلَّ وعلا - الفوزَ العظيمَ، والسعادةَ الدائمةَ.
وحبُّ الإنسان لربه هو منبع كل حب، ومصدر كل عطاء، لذلك كان من واجب المسلمين أن يحبُّوا الله ورسوله، ويعملوا على طاعتهما، ولا يكون لهم ذلك إلاَّ بتمسكهم بتعاليم الإسلام والسير على منهج الدين القويم، ولا يتسنَّى لهم ذلك إن لم يقتدوا برسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، لأنَّهُ القدوةُ الحسنة، كما يصفُهُ القرآنُ المنزل من الله - عزَّ وجلَّ - وهذا بالفعل ما كان عليه السلفُ الصالحُ، عندما كانوا يلتفّون حول رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يتعلمون منه، ويقتدون به، ويأتمرون بأوامره، حتى صاروا كالبنيان المرصوص يشد بعضهم أزر بعض، فكان ذلك من أهم العوامل في نجاح الدعوة وانتشار الإسلام. فما أحوجنا نحن المسلمين اليوم أن نعود إلى ربنا تعالى، وإلى رسوله الكريم طائعين مختارين، نعمل بما أمرنا الله وننتهي عما نهانا عنه، ونقتدي بسيرة رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فتظلنا السماء بالبركة، وتقلّنا الأرض بالخير، وتتدافع إلينا مقاليد الأمور بالنصر، فنرفع حينئذٍ كلمة الله تعالى ونجعلها هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
إنَّ هذه المعاني للحبّ، على تنوعها، هي بمثابة المفتاح الذهبي لسعادة النفس، وإسعاد الإنسان لغيره، بل ويمكن اعتبارها مصدراً لتماسك المجتمع، وتنميةً للحياة وتطورها. فالحب المتبادل يشبع الحاجات النفسية والجسدية للمحبِّ والمحبوب إذا التقيا واجتمعا وفقاً للشرع الحنيف.. ولا سيما أخوة الدين الذين يحبون لله، ويبغضون لله.. وقد ثبت للعلماء، وخاصة منهم علماء المناعة النفسية، أن مشاعر المودة والمحبة تُنشِّطُ أجهزةَ المناعة النفسية والجسمية، وتُنَمِّي القدرة على مواجهة الأزمات ومقاومة الأمراض، ما يقوّي الأبدان والعقول ويجعلها سليمة معافاة، فيصحُّ بذلك القول المأثور: «العقل السليم في الجسم السليم.
cetirizin netdoktor cetirizin yan etkileri cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB