خَاتَمُ النَّبييِّن مُحَمَّد (ص) (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1568
تاريخ النشر :   2006




الخاتمة

{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *} [المُلك: 1] خلق كل شيء فقدَّرَهُ تقديراً. وكان من تقديرِهِ السَّنيِّ أن يجعل الإنسان خليفةً في الأرض، فيحيا بهذا الاستخلاف مؤمناً بالله الواحد الأحد لا شريك له، ويعيشَ مديناً لربه بالطاعة والخضوع والعبودية، وفي رحاب هذا الإيمان، وفي ظل هذه العبودية للواحد الديَّان، ينطلق الإنسانُ إلى عمارة الأرض، نقيَّ الفكر والشعور، طاهرَ القلب والضمير، باعثُه إلى العمل: البِرُّ والخير، فيستحقّ الخلافة ويكونُ لها أهلاً.
وهذا الإنسان المخلوق البشريّ، هو الذي اصطفاه خالقه وكرَّمه بأن جعلَهُ سيّد المخلوقات على الأرض في مرتبته الإنسانية، التي تحدوه لتوثيق الصلة مع خالقِهِ ومولاه، فلا يعبدُ شيئاً سواه.. وتقودُه إلى طريق الحق المبين، واعتناق الدين القويم فيرتقي بفضل ذلك نحو التكامل ويحقق السعادة في الدارين: الدنيا والآخرة... ذلك ممّا قدَّر الله عزَّ وجلَّ لبني آدم. وتلك كانت غاية الوجود الإنساني، أي أن يعبدوا الله الواحد الأحد، لا شريك له..
ولكنْ ما الذي حَدَثَ بالفعل والواقع؟
... لقد ساحَ الإنسان على وجه هذه البسيطة، وتاهَ في أطراف الدنيا، ليشهد على نفسه بنفسه: أنَّ مسيرته مع الحق، لم تكن دائماً، كما شاءها الله تعالى أن تكون مسيرةً خالصةً لوجهه تعالى. بل نأى عن الهداية، وانحرف عن الدرب المستقيم حتى لجَّ به المقامُ، وغلب عليه الضلال، فانحدَرَ إلى الدرك الأسفل من الانحطاط الفكريّ، وإلى أشقى حالةٍ من المرض النفسيّ، عندما اتخذ من دون الله آلهةً لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا يملكون موتاً ولا حياةً ولا نشوراً... {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ *مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ *مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ *ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ *ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ *ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ *كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ *} [عَبَسَ: 17-23]..
إنَّ هذا التنكُّرَ للإيمان بالوحدانية، وعدم الإقرارِ بالعبودية للَّهِ - عزَّ وجلَّ - هو الجحود الذي يشكل فعلاً المأساة الحقيقة التي يعيشها الإنسان مع نفسه. ولكنَّ الله سبحانه وتعالى لم يقابله إلاَّ بالرأفة والحلم، وبالعون والرحمة (ألا إنه هو الرحمن الرحيم والرؤوف الحليم) فبعث في الناس النبيين والمرسلين، يحملون إليهم تعاليمَ هدايةٍ من لدن عليم حكيم - لو اتبعوها - لأخذت بيدهم إلى الرشد والصواب، وأوصلتهم - لو حفظوها - إلى أعلى الدرجات من النضوج الفكري، والقدرة على التمييز، وأمّنتْ لهُم - لو اعتنقوها - السلامةَ في الأنفس والعافيةَ في الأبدان من جميع الشوائب والأدران. على أنَّ الناس كانوا يهتدون إلى تلك التعاليم حيناً من الدهر، ثم لا يلبثون بعده أن يعودوا إلى سابق عهدهم من الجحود والغواية، غير عابئين بدينٍ، ولا مكترثين بخُلُق، بل همهم المطامع والشهوات، ودأبهم اكتساب أعراض الدنيا الزائلة، حتى عمَّ الفسادُ واستشرى، وظهر في بَرِّ الأرض وبحرها، كما بيَّنَهُ الله تعالى في كتابه الكريم: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *} [الرُّوم: 41].
نعم، إن مثل هذا الفسادِ العام قد ظهر - في البرِّ والبحرِ - عندما أمكن لأهل الكفرِ والشركِ أن يسيطروا على مقدرات عباد الله، وأن ينشروا الجهلَ والضلال.. حتى خيَّم الظلمُ والجور، وعمَّ الاستغلالُ والاستعباد في مشارق الأرضِ ومغاربها، ولم يبقَ أمام الناس - والمستضعفين منهم خاصة - إلاَّ أن تتنزَّلَ رحمة الله العلي القدير على عباده، حتى ترتاح الأرضُ وسكانها، مما شاع وسيطر وعمَّ فيها من الأباطيل.. وهذا لن يكون إلاَّ ببعث نبيِّ آخر الزمان.. وكان المؤمنون من أهل الديانتين اليهودية والنصرانية، أكثرَ الناس اهتماماً ببعث هذا النبي، الذي يعيد إلى الأرضِ السلام، وفي الناس المسَرَّة.. وتحقق الرجاء وحقَّت كلمة الله (تعالى)، فأنزَل الرسالة السماوية الأخيرة، لتكون رسالةَ الإسلام الجامعة الشاملة. وأوكل إلى خير البرية وسيِّد المصطفين، حَمْلَ هذه الرسالة ليكون خاتم النبيين إلى أهل الأرض.. أجل لقد حقَّتْ كلمةُ ربِّك، فبعث منذ أربعة عشر قرناً ونيفٍ، النبيَّ العربي الأميَّ، محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كَرِهَ المشركون.
ولقد نزل عليه الوحيُ من ربه، وهو في الأربعين من عمره الشريف، وفيه يعهد إليه بالإسلام ديناً لله وعقيدةً للناس، وبشعائره ومناسكه وأحكامه نظاماً للعباد، وبتعاليمه منهجاً للحياة، وذلك في قرآن كريم، فتبارك الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالَمين نذيراً...
وإنه يتجلَّى لنا، مما حملته بطون التاريخ، أنَّ سيّدنا محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد جاءَ إلى هذه الدنيا، ورائحةُ الفساد تزكمُ الأنوف، فطهَّرَ بدعوته الحقِّ أرجاء جزيرة العرب من الرجس، كما طهَّر سماءَ الدنيا بأسرها بأنفاس الإسلام العطرة.. فلقد أطَلَّ على العالم والظلمُ يفتكُ بالناس، فأقام في كل ناحية دخل إليها قواعِدَ العدل والإنصاف. وحيثما وجَدَ الالتواءَ يهيمن على العقليات بادر إلى تسويته بالصلاح، وحيثما رأى الخطأ يسيطر على المعاملات ، انبرى إلى معالجته بالصواب، حتى شَملَ فكره وعملُه، وقيامُهُ بتكلِيفِهِ، كلَّ ما يمتُّ إلى إصلاح الحياة الدنيا، والفوز بالحياة الآخرة..
ولم يكن تحقيق المسيرة العظيمة لإعلاء كلمة الله، وهداية الناس سهلاً على الإطلاق، بل كانت مسيرةُ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شاقةً وعسيرةً إلى أبعد حدود التصور، وهو يحمل الأمانة الكبرى بكل ثقة وعزم، ويضطلع بالعبء الثقيل بكل إخلاص وجهد. فقد انبرى إلى محاربة الشرك بأعتى أشكاله، والقضاء على الكفر بأبشع صوره، وتحطيم الوثنية بأسخف مظاهرها... ولقد لاقى من جراء ذلك العنت والقهر من بني قومه، وواجَه مشقة الحرمان والحصار في شعاب مكة من مختلف قبائل بيئته، فما زاده ذلك إلاَّ إيماناً بربِّه واستمساكاً بالإسلام... آذَوْه وعذَّبوا المسلمين الأوائل، وابتدعوا كلَّ وسيلة ليخنقوا الدعوة في مهدها، حتى لم يبقَ إلاَّ التآمُر على قتله، فأتمروا.. ولكنَّ الله باعِثَهُ كان مانِعَهُ، فأمَرَه بالهجرة إلى يثرب ليلتفَّ حولَهُ جنودٌ لله من المهاجرين والأنصار، فيكون وإيّاهُمُ سيوفَ الحق مسلولَةً على الباطل وأهله من الكفرة والمشركين، إلى أنْ مكَّنَ الله سبحانَهُ لرسولِهِ من أن يدحرهم، ويحقّق النصرَ عليهم... ألا إنَّ النصرَ من عند الله يؤتيه من يشاء..
وأسَّسَ الرسولُ الأعظمُ في المدينة المنوَّرة الدولة التي تحكم بما أنزلَ الله، فكانت أول دولةٍ لله - تعالى - على الأرض. وبعثَ بالرُّسُلِ إلى حكامِ أقوى دولِ العصرِ، وإلى سائر الملوك والأمراء في المقاطعات والجهات المجاورة، يدعوهُمْ ورَعَاياهُمْ للدخولِ في دينِ الله الحنيفِ، فمن كفر، من بعدِ ما أراهم الحق، فعليه كفرُهُ، ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون.. وقد لاقتْ دعوتُهُ، مع الأيامِ، القَبولَ مثلَما لاقت الرفض من قبل، ولكنَّ هذا الرفض لم يؤثر على انتشارها والسير بها قُدُماً، إلى أن عمَّ سلطانُ الإسلام ربوعَ شبه جزيرة العرب كلّها، وآمنتِ النفوسُ بالواحِد الأحدِ، وعنتِ الوجوهُ للحيِّ القيوم..
نعم، لقد حُفَّت المسيرة العظيمة التي قادها محمدٌ رسولُ الله بالمخاطر والمؤامرات، واعترضتها الصعاب والعقبات، إلى الحدِّ الذي تألَّبتْ جميع قوى الشر ضدَّهُ، وعملت كل ما بوسعها كي تقضيَ عليه، وتمنَعَ دينَ الله تعالى من أن يُبصِرَ النورَ فلا يسود الأرضَ.. ولكنَّ ذلك كله لم يَثْبُتْ أمام غَلَبَةِ الإيمان الحقّ، وأمكن لرسول اللّه بعد مضيِّ ثلاث وعشرين سنة فقط، أن يحقق من الانتصارات المادية والمعنوية ما لا تقدر الأمم والشعوب على تحقيقه خلال أجيال عديدة، وحقبات مديدة... إنه حقّاً الإيمانُ الذي حملَهُ محمدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأصحابُهُ، كان هو الباعثَ لتحقيق تلك الانتصارات، إذْ إنَّ العبرة دائماً بالباعث الذي يتأتَّى عنه العمل، لا بشكل العمل ومظهره. فقد يكون الباعثُ طيباً، ولكنه حين لا يقوم على الإيمان، يكون مجرَّدَ خاطرةٍ عارضةٍ، أو فكرةٍ طارئة، فلا يتصل بمنهج ثابت واضح في الضمير، ولا بخطِّ سير الحياة العريض... فلا بُدَّ إذن من الإيمان ليشُدَّ النفس إلى أصلٍ تصدرُ عنه كلُّ اتجاهاتها، وتتأثر به في كل انفعالاتها. وحينئذٍ يكون للعمل الصالح معناه، ويكون له هدفُه، ويكون له اطّرادُهُ، وتكون له آثارُهُ وفق منهج الله تبارك وتعالى الذي يربط أجزاء هذا الكون كله برباطه الوثيق، ويجعل لكل حركة وظيفةً وأثراً في كيان هذا الوجود، وفي قيامه بدوره وانتهائه إلى غايته.
وإذا كانت انتصارات محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) التي حققها وهو يدعو إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، تُعْتَبَر بذاتها، وبنتائجها، إنجازاتٍ غيرَ محدودة للناس كافة - كما كان هو الرسولَ للناس كافة - فإنَّ أعظم تلك الإنجازات تبقى تلك الحضارة الإسلامية التي شهدها العالم. وقد أقامَها رسولُ الإسلام على أسسٍ وقواعدَ لا تتغير مع الزمان، بل تبقى قائمةً ثابتةً، لترافق حياةَ الإنسان، وتدفعَه أبداً نحو التقدم والرقي والتكامل. وذلك وفق طرقٍ للعبادة مُغْنيَة، وقواعد للمعاملات مُرْضِيَة، لا تخرجُ في جوهرها عن غنى الأخلاق ورِفْعَتِها، ولا تحيدُ في صميمها عن تهذيب النفوس وشفائها، ولا تميل في حقيقتها عن تنقية الضمائر وصفائها، وإنارة العقول وتفتحها. فيرقى الفردُ من خلالها إلى ذُرى إنسانيته، وتحقق الجماعة بواسطتها وجودَها المجتمعيَّ، بل وتأخذ بيد الشعوب والأمم ليتعارفوا في رحاب الإنسانية بكل مضامينها.. وكل ذلك على أسسٍ من التكافل والتضامن رائعة، وعلاقات من التواصل والتعاون صادقة..
هذه بعض شذرات من ميزات محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الشخصية، وخصاله الإنسانية. وهي لا يمكن أن تنطبق إلاَّ على ذاته المقدسة..
وهذه بعضُ جوانبِ نهضته الإيمانية، ومواقفه النبوية، وحضارته الإسلامية. وهي لا يمكن أن تنبعث إلاَّ عن تنزيلٍ من لدن حكيمٍ حميد.
ومن أجل هذه وتلك كان محمدٌ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المثالَ الأعلى إنْ في ميزاته وخصاله، وإنْ في إيمانه بربه وخالقه، وإنْ في معرفته المطلقة بحقيقة وجود الله تعالى، وبحقائق الكون، والخلق، والحياة، والموت، وحقيقة البعث، أو أية حقائق أخرى أتى على ذكرها القرآن الكريم، ووعاها في جوهرها وحدودها وأبعادها رسولُهُ الأمين، فأوصلها إلى قلوب الناس وعقولهم، لتكون على الدهر مِشعل هداية للناس، وقبس نور لنجاتهم..
إنه محمد بن عبد الله خاتم النبيين وسيدُ المرسلين، العظيم بذاته، العظيم بإيمانه، العظيمُ بحمل رسالته وأدائها... لقد أقام الدينَ الحقَّ، وألَّفَ بين القلوب، وطهَّرَ النفوسَ، وهدى العقولَ، فكان النورَ الذي يشعُّ حكمةً ومعرفةً، والينبوعَ الذي يَروي محبةً ورحمةً، والقوةَ التي تزرَعُ الطُّهْرَ والقداسة، والقدرةَ التي تنشُرُ الخيرَ والسلام... عاشَ عمرَهُ الشريفَ كلَّهُ من أجل الإنسان، وفي سبيل الله تعالى، ولم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلاَّ وهو في غاية الرضى والاطمئنان. فكان الرضيَّ المرضيَّ على وجه هذه الأرض الطيبة، كما هو الرضيُّ المرضيُّ عند ربه في جنة الخلد المباركة... إنه محمدٌ في الأرض، وأحمدُ في السماء، وفي بشارات النبيين من قبله، ولاسيما بشارةُ موسى وعيسى (عليهما السلام) .. وهو النبيُّ الذي يصلّي الله (تعالى) وملائكته عليه ويأمر المؤمنين بالصلاة عليه، كما جاء في محكم التنزيل، بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *} [الأحزَاب: 56].
وإنَّ الناس جميعاً، والباحثين منهم خاصة، مدعوون لأَنْ ينظروا إلى القرآن الكريم، وإلى سيرة محمدٍ الرسول الحكيم على أنهما نهج مترابط متكامل، تعلو معطياتهما على الظروف الموقوتة زماناً ومكاناً، على الرغم من ملامستهما اليومية المباشرة للوقائع الزمانية والمكانية. ولكنها الملامسة التي تنبثق عنها قيم ومعالجات ودلالات ذات طابع شموليّ، ما جاز لأحدٍ من بني البشر، والقياديِّين منهم خاصة، أن يغفلوا عنها، لأنها تشكل حقائقَ دامغةً في الوجود.
أيها القارئ الكريم:
لقد سعينا لأن نقتفيَ آثار السيرة النبوية الشريفة، وأن نستقيَ من معين حياة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) العظيمة. وقد عملنا لأجل ذلك بما أعاننا الله تعالى عليه، وبما أمدَّنا به من جهدٍ، وقدَّرَنا عليه من إخلاص. وغايتنا من وراء ذلك، ليس فقط إبراز ما حفلت به تلك الحياة العظيمة من سماتٍ بارزةٍ خاصة بصاحبها، وما امتلأت به مسيرة تلك الحياة من وقائع وأحداث متعاقبة، ولكن لنستخرج أيضاً من هذه الحياة الرشيدة، البانية، التي تفيض بالعبر والآيات والعظات، وتزخر بالدروس والمواقف والأمثولات، صوراً كثيرة ومتنوعة، هي خطيرةٌ إذا عكسها الإنسان، ومثيرةٌ إذا تفكر بها، وعظيمةٌ إذا اقتدى بمثالها... ولا نقول ذلك إلاَّ لأنَّ حياة كل فردٍ منا، تقوم منذ ولادته وحتى مماته، على ما عنده من قوى ذاتية، وعلى ما يطرأ على هذه القوى من تبدلات أو تحولات بفعل ما يتأثَّر به من شتَّى صور الحياة وما يكسب من الأعمال الصالحة، أو يكتسب من الفعال الطالحة.. ويمكن التدليل على مدى ما يأخذ الإنسان وما يعطي، وما يستوعب ويعمل في مسيرة حياته الدنيوية. ويمكن التدليل أيضاً على ما أكْتَشَفَ الإنسانُ في العصر الحاضر من أن العين - كأداة للبصر - قادرةٌ على أن تُصَوِّرَ وتسترجعَ من الصور ما يقارب خمسين ألف صورة في اليوم الواحد. ومن الطبيعي أن تكون هذه الصور متنوعة الأشكال والأجناس والألوان، وأن يكون من بينها الخطيرُ، والمثير، والحقير، وما عداه من تعدّد وتنوّع في الميزة والوصف... وكل ذلك بحسب ما قدّر للإنسان أن يبصر من آيات الله في الخلق، وما قد يروم - أو ما قد يفرضُ عليه - أن يسمعَ، ويرى، ويقول، ويفعل!..
فحواسّ الإنسانُ إذن تلتقط، وملَكاته تختزن وتسترجع... وقلّما يستذكر الإنسان أو يسترجع إلاَّ تلك الصورَ أو الأشياء أو الحالات التي أثَّرت فيه، أو انعكست عليه، والتي كانت بالنسبة إليه الأكثرَ خطورة أو إثارة.. في حين أنَّ ما حسبه ممتهناً أو حقيراً أو قليلَ الشأن، فإنّه قلّما يسترجعه وقد يصبح بعد مدة في عالم النسيان عنده... إذن فالعبرة بالنسبة للإنسان هي بالصور أو الأشياء أو الحالات الخطيرة والمثيرة لأنها المؤثِّرةُ فيه، وهي التي يتكيّف ويتفاعل معها، أو يمقتها ويزدريها وأخيراً يبتعدُ عنها..
من هنا أيها القارئ وقد اطلعتَ على سيرة خاتم النبيين، ووقفت على ما فيها من صور هامة وخطيرة ومثيرة، فإنك إذا خلوت إلى نفسك، فأنت مدعوٌّ لاسترجاع مواقف رسول اللّه وأعمالِهِ وأقوالِهِ، وتذكُّرها بصورة دقيقة وواعية، حتى يكونَ كلُّ ما عمل، أو قالَ أو سكت عنه، المثالَ الذي تقتدي به في كل مرة قد يهبك الله الكريم نعمةً، أو يحفُّ بك من فضله نجاحٌ، أو يطرأ عليك حادث... ففي أي حالةٍ، تَصَوَّرْ ماذا قالَ أو عملَ رسولُ الله، والموقفَ الذي وقفَهُ حِيالَ الواقع الذي واجهه، سواءٌ كان عندَ إحلالِ نعمةٍ، كما عندما تزوج أمَّ المؤمنين السيدة خديجة (رضي اللّه عنها) وما كانت عليه من الغنى والجاه، وما قدمت له من حنان الأم، وصداقة الأخت، وإخلاص الزوجة، فما استكبر ولا استعلى بل ظلَّ على خُلُقِه العظيم مثلما كان أيام العسرة والفقر والضيق... أَمْ عند تحقيق نصر، كما في فتح مكة، كيف لم تبهره هالةُ النصر، ولم تأخذه نشوةُ القائد المنتصر، بل انحنى على ظهر راحلته شاكراً لله، محتسباً ومستغفراً... أَمْ عند مصيبة ألمّت به، كما في موت أبنائه وبناته، كيف كان جلداً، صبوراً، مصابراً، حكيماً، مذعناً لأحقيةِ الموت، رغم ما يكابد من أحزان... أَمْ عند خطر عامٍّ دهَمَ الدعوة والمسلمين، كما في غزوة الخندق حيث بلغَ الخوف بالمؤمنين أشدّه وصاروا في الحالة التي وصفهم الله تعالى عليها، بقوله عز وجل: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا *} [الأحزَاب: 10]، فلم يؤخذ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بذلك الخوف، بل ظلَّ مُصِرّاً في نفسه على النصر، ضارعاً إلى الله تعالى، والمؤمنون يردِّدون من بعده بالدعاء الذي يقول فيه: «اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا».
هذه صورٌ خاطفةٌ من حياة الرسول الأعظم، أوردناها مثالاً عن تلقّي الرسول للحدث، وموقفه منه، وردة فعله عليه... وأنت أيها القارئ، دَعْوتُنا إليك بأن تكون لك المواقف المماثلة وردّات فعلها، لأنَّ عليك الاقتداء برسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) امتثالاً لأمر الله تعالى بقوله عزَّ وجلَّ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا *} [الأحزَاب: 21]. وإنك إنْ فعلتَ، واقتديتَ بسيرة محمد رسولِ الله، وخاتم النبيين (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وسلم) اهتديت وخرجت من هذه الدنيا عزيزاً كريماً.
وفي الختام، فإننا ونحن نضع بين أيدي المسلمين كتابَ «خاتم النبيين»، فإننا نسأل الله تعالى أن نكون قد وُفِّقنا إلى إبراز أهمِّ السماتِ التي تتميّزُ بها السيرة النبوية الشريفة، سيرة محمد رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) التي يجب أن تظلَّ دائما الكائنَ الحيَّ بين ظهرانيْهم، وذلك حتماً بعد القرآن الكريم، كتابِ الله المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه... ولعّلنا لو عدنا إلى هذين المصدرين: الكتاب والسنَّة، لاهتدينا إلى الإيمان الخالص، وحققنا الغاية من وجودنا... وفي ذلك ما فيه من الكفاية على إدراك حقيقة الإسلام، ومعرفة عظمة النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي بُعث لحمل هذا الدين وإيصاله إلى الناس. فصلوات الله وسلامه على سيد الخلق، وخاتم النبيين محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين. ورضي الله تعالى عن أصحابه الأبرار الميامين وعلى من اتَّبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين. ونسألُ الله تعالى أن نكون قد وفّينا الرسولَ الأعظم جزءاً يسيراً مما يستحق. وأن نكون قد دخلنا مدخل صدقٍ إلى جمع كلمة المسلمين وتوحيدهم تحت لوائه، راجين رضوانَ الله تعالى في تقديم هذا العمل المتواضع الذي تناول «قصص الأنبياء في القرآن الكريم» ومنها هذا الكتاب في جزءَيْن خاصّيْنِ بحياة خاتم النبيين (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . وعلى المسلمين أجمعين أن لا ينسوا سيرة خاتم النبيين لأنها جزء من السنة الشريفة. ومطلوب منهم أن يعملوا بالكتاب والسنّة، وأن لا يهملوا من السنّة شيئاً ولو كان يسيراً. لأن الله سبحانه أمر المسلمين خاصةً والناسَ عامة بقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحَشر: 7] فإنه لم يقل: وما آتاكم القرآن وحده فخذوه. وربما نرى بعضَ المتحذلقين[*] والمتفذلكين في هذه الأيام يقولون: نحن نكتفي بالقرآن الكريم فقط. فهذا القول هرطقةٌ يؤدِّي حتماً إلى الكفر. نعوذ بالله من هذا القول وأمثاله ونبرأ مما يقولون.
سلامُ الله عليكم أيها المؤمنون الصادقون ورحمةُ الله وبركاته، وعلى كلِّ من اتَّبع الهدى، وخشيَ عواقب الرّدى، وسار على نهج الرسول المصطفى وبه اقتدى، ورحمة الله وبركاته.
ciloxan notice kobhvorlangtid.site ciloxan alkohol
amantadin cena amantadin medikament amantadin nedir



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB