خَاتَمُ النَّبييِّن مُحَمَّد (ص) (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1568
تاريخ النشر :   2006




البحث الثالث: تنظيم الإدارة ورعاية شؤون الناس

كانت «البراءة» التي أذَّنَ بها عليٌّ (كرَّم الله وجهه) في الناس، يوم النحر بـ «منى» في الحجّ الأكبر، أحَدَ أهمِّ الدوافع التي أقنعت المشركين، بأن الخلاص لا يكون إلاَّ بالدخول في الإِسلام، لأن البقاءَ على عبادة الأصنام والأوثان، فوق أنه يُجيزُ للمسلمين قتالهم أينما ثقفوهم، فإنه يحرمهم من زيارة الكعبة، التي نشأوا على تعظيمها، إلى الحد الذي جعل أفئدتهم تهوي إليها دوماً، وليس بيدهم أية وسيلة لانتزاع تلك الجذور من أعماقهم، ممَّا يجعل التخلي عنها مستحيلاً.. فدخلوا في الإسلام مذعنين، حتى لم يبقَ أحدٌ في شبه جزيرة العرب يتعبَّدُ على الوثنية...
شؤون الإدارة
وهكذا شاء الله سبحانه أن تتطهر شبه الجزيرة، من أدناها إلى أقصاها، من رجس الوثنية وعبادة الأصنام؛ فانتشر الإِسلام في شتى الربوع، وأصبحت له دولةٌ مترامية الأطراف، شاسعة الرقعة، وكان لا بُدَّ من تنظيم شؤونها، وإدارتها بما يتوافق وأحكامَ الشريعة.. ولذلك عيّن رئيس الدولة (الرسول الأعظم) الولاةَ والقضاة، وفرَّق العمالَ على الصدقات، وعهد إليهم بالمهمات، وأعطاهم الصلاحيات التي تمكّنهم من ضبط أمور الناس، وتأمين مصالحهم بما يشيع العدل والأمن في مختلف الأنحاء. وكان في كثير من الأحيان يعهد إلى نفس الشخص أن يقوم بكافة الوظائف، في الإِدارة والقضاء وجباية الأموال، وأخذِ الصدقات المكتوبة على المسلمين.
ولقد كان يتخيّر حكّامَهُ وولاتَهُ من ذوي الفضل إيماناً وعلماً وخُلُقاً، حتى يكونوا على مستوى المهام التي يتحمّلونها. خاصة وأنَّ عليهم، إلى جانب الاضطلاع بمسؤولية الحكم، حملَ الدعوة التي لا تنقطع، وتعليمَ الناس القرآن، وتفسيرَ أحكام الدين وتوضيحَ تعاليمه..
أما بشأن عباد الله، فإنّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - كان تشدّده مُنْصبّاً على أن يكون الحاكم أو الوالي ليّناً مع الناس في الحق، وشديداً عليهم في الظلم، ينهاهُم عن العصبية إنْ رأى هَيْجاً إلى القبلية أو الفتنة، ويوجههم التوجيه الصحيح، حتى يكون التوجّه خالصاً لله وحده لا شريك له. مع ما يحمل ذلك من قضاء على العقلية الجاهلية البائدة، والتخلي عن العادات والتقاليد البالية، ومع ما يتضمن من تربية جديدة غايتها تكيّف الناس مع أجواء عقيدتهم، واعتمادهم المنهجَ السويَّ، الذي ترسمه هذه العقيدة لحياتهم.
معاذ بن جبل إلى اليمن
وكان الرسول الأعظم ، زيادةً في الاطمئنان إلى صلاح الحاكم وعدله، يختبره بطريقةٍ تظهر مدى كفاءته وجدارته للمنصب الذي يختاره له؛ فإن وجده على مستوى المسؤولية عيَّنهُ، وإلاَّ اختار غيرَهُ ممَّن تتوفر فيه الشروط كافة لتولية الحكم. من ذلك مثلاً حديثُهُ لمعاذ بن جبل (الخزرجي)، حين أرادَ بعثه على بعض مقاطعات اليمن، إذ سأله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «يا معاذ، بمَ تحكم؟».
قال معاذ: بكتاب الله..
قال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : فإن لم تقدر أنْ تجد؟.
قال معاذ: بسنّة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .
قال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : فإن لم تقدرْ أَنْ تجدَ؟
قال معاذ: أجتهد رأيي.
فقال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «الحمد لله الذي وفّقَ رسولَ رسولِ الله لما يحبه الله ورسولُهُ».
وكانت وصيته إلى معاذ وهو يخرج في سريته إلى اليمن تنضح بالحق والصدق حيث يقول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) له: «لا تقاتِلوهم حتى تَدْعوهم. فإنْ أبَوْا فلا تقاتِلوهم حتى يبدأوكم. فإنْ بدأوكم فلا تقاتِلوهم حتى يَقتُلوا قتيلاً منكم. ثم أرُوهم ذلك القتيل وقولوا لهم: هل إلى خيرٍ من هذا سبيل؟. فَلأَن يهدي الله تعالى على يديك رجلاً واحداً خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس وغربت»[*].
هذا في ما يتعلق بحالة القتال. أما في ما وجب على المؤمن في كل حال، فقد أكّدت وصية الرسول لمعاذ على أهم القيم الإسلامية، ومنها قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «لا تشرك بالله شيئاً وإنْ قُتِلْتَ وحُرِّقت. ولا تَعُقَّنَّ والديك وإنْ أمَراك أن تخرج من مالك وأهلك. ولا تتركنَّ صلاةً مكتوبة متعمِّداً فإنَّ من تركَ صلاةً مكتوبةً متعمداً فقد برئت منه ذمةُ الله. ولا تشربنَّ خمراً فإنه رأسُ كلِّ فاحشة. وإيَّاكَ والمعصيةَ فإنَّ بالمعصية يحلُّ كلُّ سُخط. وإيَّاكَ والفرارَ من الزحف، وإنْ هلك الناس. وإذا أصابَ الناسَ موتٌ وأنت فيهم، فاثبُتْ. وأنفِق على عيالك من طَوْلِك، واجْبَهْهُمْ في الله عزَّ وجلَّ».
وأما بخصوص أهل الكتاب فقد تضمَّنت وصيةُ رسول اللّه الأحكامَ التالية: «يسّر ولا تعسّر، وبشر ولا تنفّر، يا معاذ. وإنك ستقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أولَ ما تدعوهم إليه عبادةُ الله تعالى، الواحد الأحد. فإذا عرفوا الله تعالى فأخبرهم أنه فرض سبحانه عليهم زكاةً تؤخذ من أغنيائهم وتُرَدُّ على فقرائهم. فإن هم أطاعوا لذلك فخُذْ منهم، وتَوَقَّ كرائم أموالهم، واتقِ دعوةَ المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».
وبمثل هذا الهدْي النبويِّ، بَعَث محمد رسول اللّه معاذَ بن جبل عاملاً على أحد مخاليف اليمن، وعبدَ اللّه بن قيس (أبا موسى الأشعري) على مخلاف آخر، فكانا متجاورَيْن، يذهب كل منهما إلى صاحبه، يتشاوران ويتدبَّران، تنفيذاً لأوامر النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إذ أوصاهما، بأن يتطاوعا ولا يختلفا.
أما غيرهما من الولاة والعمال على الصدقات فكانوا كثيرين أمثال: عتّاب بن أسيد على مكة، وخالد بن سعيد بن العاص على صنعاء، وزياد بن لبيد بن ربيعة الأنصاري على حضرموت، والعلاء بن الحضرميّ على البحرين، وعمرو بن العاص على عمان، وباذان بن ساسان - بعد إسلامه - على أجزاء من اليمن. كما بعَثَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عديَّ بن حاتم الطائي على صدقات طيء وأسد، ومالك بن نُوَيرة على صدقات بني حنظلة. وجعل الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم على صدقات بني سعد. وبعث عليَّ بن أبي طالب (كرَّم اللَّهُ وجهه) إلى نجران ليجمع الصدقات ويأخذ الجزية.
شؤون القضاء
ولم تكن عنايةُ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بشؤون القضاء أقلَّ من اهتمامه بشؤون الادارة.. وذلك لما للقضاء من أهمية في حياة الشعوب والأمم تحقيقاً للعدالة، إذ في الحقيقة لا حضارة أو مدنية، ولا ازدهار أو تقدم، ولا حقوق للإِنسان - على شتى أنواع هذه الحقوق - إلاَّ في ظل قانون سيّد عادل، يحقق أهداف الناس وتطلعاتهم. والقاضي هو الذي يملك السلطة القضائية التي لا تعلوها، إذا طبقتْ أحكام العدل، وحرصتْ على احترام القوانين، أيةُ سلطة، مهما بلغ شأوها، إذ للسلطة القضائية وحدها صلاحية الحكم على الناس، إلى حدِّ الحكم بالحياة أو الموت. ومَن كانت له هذه السلطة القوية وجَبَ أن يكون أهلاً لها، وإلاَّ فقد ساء كلُّ شيء، لأنه ويلٌ للأمة إذا نخَرَ السوسُ عظامَ القضاء فيها، فمات ضميرُ القاضي، واندحَرَتِ العدالة على مذبح القوس الذي يجلس عليه.. وويل للشعب إذا سادَ مجتمعَهُ الظلمُ، وعمَّهُ الباطلُ، وافتُقد القاضي النزيه العادل الذي هو الملجأ الأخير للناس!!. ومن هنا كان اهتمام رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالقضاء الذي يستلهم العدالة من مصدرها الأول والأخير وهو الله تبارك وتعالى الحاكم الحكيم، والعادل الرحيم.
ونحن يمكن أن نتبيّن صورةً لهذا العدل على حقيقته وفي أصوله، عندما نتذكّر أن النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جَعَلَ سعدَ بنَ معاذ حكَماً بينه وبين اليهود في المدينة على أثر غزوة الأحزاب، إذ إنه، على الرغم من كونه رئيساً للدولة وقاضي القضاة، بل وسيّدَ القضاء في الناس، فإنه اعتمد القاعدة الأصيلة التي تمنع الجمع بين الخصم والحكَم، فلم يصدر هو (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حكمه على اليهود، بل انتدب لذلك سعداً وجعله قاضياً له ملء الصلاحية بأن يحكم بما يراه عدلاً في أمرهم. وهذه هي القاعدة الصحيحة لتحقيق العدالة، وَجَعْلِ العدل أساساً للملك والحكم..
ولقد كان أمر العدالة يوكل في المجتمعات القديمة إلى أسنِّ الرجال، وأكثرهم حكمة وتجربة، لما يملكون من دراية كبيرةٍ بأحوال الناس، ومعرفةٍ بعاداتهم وتقاليدهم وأنماط عيشهم، وقد تمسّك العربُ في الجاهلية بهذا النهج، فكان شيخ القبيلة الذي يمتاز بكثير من تلك المواصفات هو القاضي والحاكم، وصاحب الأمر والنهي، فلا تقطع القبيلة بأمر من أمورها الهامة إلاَّ برأي شيخها وموافقته.. وهذا النهج لم ينقضه رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بكليِّتُه، بل أكَّدَ على سلامته، ولكنه لم يجعل حكمة السنين والتجربة وحدها هي المعيار في اختيار القاضي، بل جعل الكفاءة في العلم والحكمة، والإيمان والتقوى، والسلوك والخلق الحسن هي التي تؤهل الرجل للحكم بين الناس، ولذلك اختار للقضاء على اليمن عليَّ بن أبي طالب، ولو لم يتجاوز الثالثة والثلاثين من عمره.. ويروي علي (كرَّم اللَّهُ وجهه) كيف أنه تهيّب الموقف، ورسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعيّنه في هذا المنصب الجليل. وحدّث عن ذلك، فقال: «بعثني رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى اليمن، فقلت: يا رسولَ الله، تبعثني إلى قوم هم أسنُّ مني، وأنا حدثٌ لا أبصر القضاء. فوضع يده على صدري وقال: اللهم ثَبّتْ لسانَهُ واهدِ قلبَهُ.. ثم نظر إليَّ وقال: يا عليُّ، إذا جاءك الخصمان فلا تقضِ بينهما حتى تسمع من الآخر ما سمعتَ من الأول، فإنّك إن فعلتَ، تبيّن لك الحق».
ونحن قد نجد في الاستماع إلى الخصمين أمراً بديهيّاً في عصرنا اليوم. ولكن إذا عرفنا بأنَّ النبيَّ داود (عليه السلام) كما يقرّر القرآن الكريم، قد قضى بين الخصمين لمجرد سماع دعوى أحدهِما، وقبل أن يستمع إلى دفاع الخصم الآخر، فنهاه ربُّ العالمين عن ذلك، وأمَرَه أن يستمع إلى دعوى الفريقين قبل الحكم. أجل، إذا عرفنا ذلك ظهرت لنا القاعدة الأصيلة التي سنَّها القرآنُ، كتاب الله المبين، فأبانها النبيُّ لقضاته، وفي طليعتهم علي (كرَّم اللَّهُ وجهه) وهو يولّيه على قضاء اليمن.. وأما دعوتُهُ له: بأن يثبّتَ الله لسانه ويهديَ قلبَهُ، فكانت دعوة نبوية أُعطيت لعليٍّ ولم تُعطَ لأحدٍ غيره، فكان بعدها أخطب الناس وأثبتهم قولاً وعدالةً بعد رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إذ كان مهدياً لا يلين في حقٍّ أو يُمالئ في باطل. وأما هدايته في القضاء فكانت هدايةً تامة، ما اختلف عليه بعد تلك الدعوة السنيّة - من رسول اللّه - قضاءٌ بَعدُ. وحياته حافلة بالمآثر في هذا المضمار، وخاصة مع أخيه في الإِسلام، عمر بن الخطاب (رضي الله عنهما وأرضاهما) الذي قال: «لولا عليّ لهلك عمر».. فقد كان يعود إليه في كل معضلة تستعصي فيجد عنده الحلَّ العادل لها. ويكفي دلالة على مصداقية قضاء علي (كرَّم اللَّهُ وجهه) قولُ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «أقضاكم علي. لا يقضي أحدكم وعليٌّ في المسجد»[*].
ولم تكن تولية عليّ بن أبي طالب قضاء اليمن إلاَّ من وحي الفكر النبويِّ الثاقب الذي يرتكز دوماً على الحقائق التي بها يؤمن. فقد رأى في هذا المؤمن الصادق ملكاتٍ وقدراتٍ كبيرةً حباه الله - سبحانه - بها، ومارس تجاربَ وخبراتٍ كثيرةً اكتسبها في كنف النبوة حتى شبَّ ولديه علمٌ وافرٌ وغزير. وإلى جانب هذه الصفات كان علي (كرَّم اللَّهُ وجهه) قد اطَّلَعَ على عادات أهل اليمن ووقف على أحوالهم من خلال المهام العديدة التي نَدَبَهُ إليها رسولُ الله في تلك البلاد. فقد بعثه إلى هنالك في أول مهمة إسلامية سنة ثمانٍ للهجرة، على إثر فتح مكة. ثم عاد وبعثه إلى بني همدان، وقد أسلموا على يديه، فكتب يومَها إلى رسول اللّه يعلمه بإسلامهم، فسُرَّ الرسولُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للبشرى السعيدة، وسجد شكراً لله تعالى، ثم قال ثلاث مرات: «السلام على همدان».. كما أنه بعثَهُ بعد ذلك إلى بني مذحج، ومعه ثلاثمائة فارس، وقد أوصاه حين خروجه إلى أولئك القوم: «سرْ بكلاءة الله حتى تنزل في ساحهم، وتحلَّ في فنائهم، فَادعهُم إلى الإِقرار بالشهادتين، فإنْ أجابوا فَمُرْهُمْ بالصلاة ولا تَبْغِ منهم غير ذلك، فلأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس وغربت. ولا تقاتلهم حتى يقاتلوك»[*].
نعم، إنَّ ما كان لعليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) من صفات شخصية، وما اكتسبه من علم النبوة، وما حباهُ به ربُّهُ تبارك وتعالى من سجايا وعطاءات فريدة كما عبَّر عنها عبد الله بن عباس، فقال: «ليس آيةٌ في كتاب الله : {يا أيُّها الذين آمنوا} إلاَّ وعليٌّ أولُها وأميرُها وشريفُها»[*] وما قام به من مهام في اليمن، جعل كثيراً من الناس يُسلمون على يديه. وإنّ هذه الأمور مجتمعة كانت وراء اختياره لتولية القضاء على اليمن رغم صغر سنه، فلبث في تلك البلاد يقضي بين الناس، ويعلّمهم الدِّين، ويحفِّظهم القرآن، ويجمع الصدقات، حتى وافى الرسولَ الكريمَ على مشارف مكة، أثناء حجة الوداع..
وجوه أخرى لرعاية شؤون الناس
هذه بعض الملامح الوجيزة للإِدارة الرشيدة، وللقيادة الحكيمة، كما توخَّاها محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأرسى لها القواعد المتينة، وشيد لها البنيان الراسخ.. فهو منذ وصَلَ المدينة راح يعمل لإِقامة الدولة الإِسلامية بنهجٍ واضح، وجهاز كامل، وهدف سام..
ولقد قامت سياسته الداخلية على بناء المجتمعِ الإِسلاميِّ الصافي، كما أقام سياسته الخارجية على المعاهدات والمواثيق التي تحفظ حق الله، وحق العباد.. ولذلك كان اختياره للحكام والولاة مِنْ أمثل مَنْ دخلوا في الإِسلام فهماً للعقيدة، وإخلاصاً للمبدأ، وصدقاً في المعاملة. ومع ذلك كله فإنّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يزوّدهم بالوصايا التي تمهّد لهم النهج القويم، وتمدُّهم بالتَّوجهات السويَّة، ومنها على الأخص ما يتعلق بأهل الكتاب، فإن أسلَمَ من كان يهودياً أو نصرانياً إسلاماً خالصاً من نفسه، فإنه من المؤمنين له مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يُفتن عنها، وإنما عليه الجزية، وله حقوق المسلمين كافة..
وكان الرسول الأعظم لا يكتفي بالاختيار والتوجيه والتولية، بل يكشف عن حال الولاة والعمال، ويتقصَّى أخبارهم بصورة دائمة. فقد أمر واليَهُ عندما بعثه على البحرين، وقال له: «استوصِ بعبد قيسٍ خيراً وأكرم سراتهم». فجاءه يوماً وفد من عبد قيس شاكياً عاملَه العلاء بن الحضرمي، فعزلَهُ.
وكان يدقق في حسابات عماله، ويحاسبهم على المستخرج والمصروف. ولذلك كان يوصيهم قائلاً: «من استعملْناه على عمل ورزقْناه رزقاً، فما أخذَ بعد ذلك فهو غلول»[*].
ومن الشكاوى التي وصَلَتْ رسولَ الله، شكايةُ أهل اليمن من تطويل معاذ في الصلاة، فنهاه، وقال: «مَن أمَّ في الناس فليخفِّف»[*]. وقد جاءه يهود خيبر يشتكون عبد اللّه بن رواحة[*]، الذي كان يبعثه كلَّ عام إليهم، يخرص (يقدّر ما على النخل من الرطُّب تمراً) عليهم نخلَهم. فسأله النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن ذلك، فنفاه عبد الله نفياً قاطعاً، مبدياً أنه لا يتوخَّى إلاَّ قسمة الحق، فلا يأخذ من نصيب اليهود، ولا يحيف بحقوق المسلمين.. فلما رأى يهود خيبر أنَّ شكواهم الكاذبة لم تنفع، لجأوا إلى وسيلة أخرى، وهي محاولة تقديم الرشوة إلى عبد اللّه بن رواحة، فجلَّلوا له حلياً من حليِّ نسائهم، وقدَّموها له قائلين: «هذه لك، وخفِّفْ عنا وتجاوز في الْقَسْم».. فضحك عبد الله مستهزئاً وقال لهم: «يا معشر اليهود إنكم لَمِنْ أبغض خلق الله تعالى إليَّ، ومحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أحبُّ الناس إليّ، وهذا ليس بحاملي على أن أحيف عليكم. وأما ما عرضتم من الرشوة فإنها السُّحتُ (الحرام)، وإنَّا لا نأكلها». وبهذا اقتنع يهود خيبر أنَّه لا رشوة في الدولة الإِسلامية، ولا يرتشي مَنْ هو مسلمٌ صادق، فقالوا: «بهذا قامت السماواتُ والأرضُ»..
ولما كان اهتمام رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقضايا الناس اهتماماً شديداً، وعنايته بأحوالهم كبيرة، فإنه لم يكتفِ بتعيين القضاة، بل عيّن أشخاصاً يُعنَوْن بالمظالم، فوجّهَ راشد بن عبد اللّه أميراً على القضاء والمظالم، وجَعَلَ له صلاحية النظر في قضايا المظالم، حيث يقف على شكاية المظلومين، ويردُّ الحيف عنهم..
في كل أمر من أمور الناس اهتمَّ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وفي كل شأن من شؤونهم اعتنى.. أدارَ مصالح الناس، وعيّن الكتّاب لإِدارة هذه المصالح، فكانوا بمقام مديري الدوائر اليوم. وهكذا جعل عليَّ بن أبي طالب (كرَّم اللَّهُ وجهه) كاتب العهود إذا عاهَدَ والصلح إذا صالح، والحارث بن عون المري على خاتمه، ومعيقيب بن أبي فاطمة كاتباً على الغنائم، وحذيفة بن اليمان يكتب خرص (تقدير) ثمار الحجاز، والزبير بن العوام يتولى كتابة أموال الصدقات (الزكاة)، والمغيرة بن شعبة يكتب المداينات والمعاملات، وشرحبيل بن حسنة يكتب التوقيعات إلى الملوك..
وبمقتضى هذا النهج قامت دولة الإِسلام منيعة، لا محلَّ فيها للانحلال والتفكك في الداخل، ولا مجال لإِرهابها أو إضعافها من الخارج. وذلك بفضل إيمان أبنائها، وقوة شجاعتهم، وما لديهم من وسائلَ وقُدُراتٍ يُرْهِبُونَ بها عدوَّ الله وعدوَّهم. ذلك أن رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومنذ بداية تكوين الدولة رأى أنه لا يمكن أن يكون لدين الله سلطان إلاَّ إذا اعتمدت الدولة على نفسها في توفير كافة أسباب القوة وتأمين السلاح والعتاد اللازمين. وعلى الفور بعث شباب المسلمين إلى اليمن كي يتعلموا صناعة الأسلحة المعروفة في ذلك العصر، وفي يقينه أنَّ لا شأن للدولة إلا برجالها وسلاحها والموارد المالية التي تؤمّنها بالحق والعدل.. فكان اهتمامه بصناعة السلاح وتأمينه، كما كان اهتمامه بشراء ما يحتاج إليه من عتاد إذا أعوزه الصنع.. وهذا لعمري ما تحتاج إليه بلاد الإِسلام اليوم، إن أرادت أن يكون لها موقع قدم على هذه الكرة الأرضية، وأن تصبح في مصاف الدول العظمى التي تمتلك حالياً صناعة السلاح، وهو الذي مكّنها من أن تكون أقوى الدول وأعتاها، وجعلها تتحكم بمصائر الشعوب المستضعفة صغيرها وكبيرها..
وإذا كانت مثل هذه القدرات بحاجة إلى الإِمكانات المالية، فإنَّ رسولَ الله قد أمَّن الجانبَ الماليَّ بما وضع من إلزامات مالية على عاتق جميع الرعايا في دولته، من مسلمين وغير مسلمين. أما المسلمون فقد فُرِضَ عليهم الخمس والزكاة على النقود والأراضي والثمار والماشية.. وأما من غير المسلمين فكان يجري استيفاء الفيء والخراج والجزية.. على أن توزع حصيلة تلك الأموال أو تصرف وفقاً للغايات المعيَّنة لها، بينما توزع أموال الزكاة على الأصناف الثمانية التي عيَّنهما القرآن الكريم دون غيرهما لقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *} [التّوبَة: 60].
أجل تلك بعض الملامح للتدليل على إدارة شؤون الدولة ورعاية مصالح الناس، كما أرادها خاتم النبيين (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأرسى لها القواعد القويمة، وأشادَ لها البنيان المتين. ويكفي الحاكم المسلم أن يهتدي إلى كتاب الله المبين، وأن يقتدي بسيرة رسوله الكريم، حتى يَصْلُحَ ويُصلِحَ أحوال العباد بما يُرضي الله ورسولَهُ. ولا نظنُّ حكماً يقوم على القرآن المبين وعلى سنَّة النبيّ الكريم إلاَّ ويكون أمثل حكم في الأرض، لأنه يستقي من الينابيع الصافية النقيَّة، ويستوحي من المصادر الشريفة الوحيدة...
حجة الوداع
لم يتوقّف قطّ تطلّع الإنسان، ومُذْ وُجِدَ على هذه الكرة الأرضية، إلى قوة غيبيَّة، يؤمن بأنها هي سيدة الكون، وهي وحدها القادرة على تسييره والتحكم بمصيره. ومن هذا الاعتقاد بوجود تلك القوة المهيمنة انبثقت المعتقدات الدينية، وعبادات الناس. فكان لكل جماعة الطقوس والشعائر والمناسك الخاصة التي تمارسها.
وقد ثبت من خلال الرسالات السماوية أن الاعتقادَ الدينيَّ لدى الأمم كان يضعف حتى يحل محله الشرك. فكان يأتي الأنبياء والرسل بني قومهم فيكذِّبونهم، ويؤثرون الكفر والشرك على الإيمان بالله تعالى.. وليس بعيداً عن الماضي ما تشهد البشرية اليوم من موجةٍ جديدةٍ للإلحاد وعدم التمسك بتعاليم الرسالات السماوية، بل وعدم الإيمان الحق بحقيقة وجود الله تعالى خالق الإنسان والحياة والكون، بحيث بات الناس يؤثرون المادة وزخرف الحياة الدنيا على كلِّ قيمة أو اعتبار...
على أن الإِطار العام للحياة يبقى هو نفسه، أي الإطار الذي يجمع ما بين المادية والروحانية، وهذا ما لم يخرج عنه سكان شبه جزيرة العرب في قديم حياتهم. ولذلك كانت لهم نظرتهم الدينية التي تقوم على الاعتقاد بالله (سبحانه وتعالى)، فلا تنقطع أَيْمانُهم عن الحلف بالله، وبأنه هو الخالق، إلاَّ أنهم اتخذوا الأنصاب والأزلام والأصنام والأوثان آلهة تُقَرِّبهم زلفى إلى الله، فدانوا لها بالعبادة الوهمية وسيطرتْ على حياتهم الوثنية والجاهلية.. على أن شيئاً واحداً ظلَّ العرب يُجمعون عليه على الرغم من عقيدة الشرك التي كانوا عليها، وهو التمسك بسنّةِ إبراهيمَ وإسماعيلَ (عليهما السلام) في تقديس الكعبة واعتبارها بيت الله الحرام. فكانوا يحجون إليها كل عام، ويُقيمون في رحابها ومِنْ حولِها المناسكَ التي توارثوها عن الآباء والأجداد، والشعائرَ التي وصلت إليهم بتعاقب الأجيال.. وجاءَ الإِسلام فأبقى للكعبة الشريفة حرمتها وقدسيتها، بل وزادَها رفعةً ومقاماً بأن جعلها قبلةً للمسلمين. وجعلَ زيارة البيتَ الحرام فريضةً من فرائض دينهم، بحيث يحجُّ إلى هذا البيت كلُّ من استطاع إليه سبيلاً.
وقد أكّد الإِسلام على النظرة الشمولية للحجّ من خلال الشعور الفرديّ بالتطهر والخلاص من موبقات الشهوات الدنيوية، ومن خلال الأحكام الشرعيّة التي تجعل الجميع متساوين أمام الله تعالى، يتنادون لبحث قضاياهم ومشاكلهم، والتعاون على ما فيه نفع الأمة. وإذا كان الله سبحانه وتعالى، قد أفْسحَ في المجال، - كما عرفنا - حتى سنة تسع هجرية، للمسلمين ولغير المسلمين، بزيارة البيت الحرام، واجتماع الناس في آخر موسم للحجّ على عادات متضاربة، وعلى شعائر متناقضة.. فإنَّه لمَّا آن الأوان، وأُبلغتْ «براءة» في ذلك الموسم، وجبَ التفريق بين المسلم والمشرك، ووجب ألاّ يَحجّ إلى الكعبة إلاَّ من اتخذ الإِسلام ديناً، ما دامت روحية الحجّ بالنسبة للمسلمين، تقوم على عقيدة التوحيد، التي يؤمنون بها وحدهم[*]، مِنْ دون غيرهم، وما دامت الغاية التي يرومونها من الحجّ أداء الفريضة، والتوبة إلى الله (تعالى) توبة نصوحاً حتى يغفرَ لهم، ويتوب عليهم.
ولم تَكُنِ المَنَاسِكُ والشعائرُ حتى تلك السنة (9هـ.)، قد توضحت معالمُها بالشكل الكامل في أذهان المسلمين. فكان لا بدّ أن يشهد الحجَّ الأكبر رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بنفسه، حتى يبيِّن للناس السُنَّةَ التي يقتدون بها في إقامة مناسكهم وعباداتهم. ولم يكن عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام قد حجَّ من قبل الحجَّ الأكبر، وإن كان قد اعتمر[*]، وحجَّ الحجَّ الأصغر مرتَين. ولذلك رأى بهداية ربه وبثاقبِ بصيرته، أنَّ عليه أن يحجَّ بالناس. يدعوه إلى ذلك برهان ربه، إذ كان الإِسلام قد أكمل انتشاره في ربوع شبه الجزيرة، وأصبحت تلك البقاعُ أمةً واحدةً يُظلّها لواء واحد هو لواء محمد رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتدينُ كلها بدين واحد هو الإِسلام، وتتَّجِهُ قلُوبهم جميعاً إلى عبادة الله وحده لا شريك له، بعد أن طُهّرَتْ من رجس الوثنية، واستراحت إلى حكم الواحد الديَّان.. هذا البرهان الربَّاني استجاب له الرسول الأعظم، فلما استهلّ ذو القعدة من السنة العاشرة للهجرة أذَّنَ في الناس للحجّ، وراح يتجهّز له، وفي مقاصده أن يشهد الناسُ كيفية قيامه بالمناسك، وطريقة أدائه للشعائر، حتى تبقى لهم السُّنة النبويَّة قائمة على مدى الزمان، وأن يسمعوا منه كلمة جامعة عن الدِّين الذي بعثه الله تعالى به، فيكون ما قام به أمامهم، وما سمعوه من قوله، الطريقَ الذي يهديهم إلى الحق، والسبيلَ الذي يقودهم إلى الرشاد، والجُنَّة (السُّترة والترس الذي يُحتمى به) التي يعتصمون بها عند الزلل، ويسترشدون بها من الضلال.
وما كاد الناس يعرفون ما صحَّ عليه عزم رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ودعوته إياهم للحج معه، حتى انتشرت تلك الدعوة في كل ناحية من نواحي الدولة الإِسلامية. وأقبل الناس على المدينة المنوّرة - عاصمة الدولة وقاعدة حكمها - ألوفاً مؤلفة، جاؤوها من كل فجٍّ عميق: من المدائن والبوادي، ومن الجبال والصحارى، ومن كل بقعة من أراضي هذه الدولة المترامية الأطراف، التي أنارها الإِسلامُ بقبسٍ من نور الله، نور السماوات والأرض، وبهَدْي رسوله الكريم.. وحول المدينة المنوّرة ضُربت الخيام للجموع الغفيرة، التي تزيد على تسعين ألفاً من المسلمين، وقد جمعت بينهم أخوَّة الإِسلام، بعد أن كانوا إلى سنواتٍ خلت أعداءً متنافرين.
وحلَّ الخامس والعشرون من ذي القعدة في تلك السنة، فكان يوم سبت، وفيه خرج رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قاصداً بيت الله الحرام، بعد أن صلى الظهر أربعاً، وخطب الناس خطبة علَّمهم فيها الإِحرام وواجباته وسننه. وقد أخذ معه نساءه جميعاً (رضي الله عنهنَّ)، وابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام). وكانت كل واحدة منهنَّ في محفَّة خاصة بها، بعد أن كتب إلى عليٍّ (كرّم الله وجهه)، وهو في اليمن، أن يتوجّه إلى الحج، فيلاقيه في الرحاب الطاهرة.
وسارَ الرسول الأعظم وهو يلبِّي ويقول: «لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شرِيك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، ومن ورائه ذلك الجمع الزاخر من المسلمين يلبُّون، وقد ملأت قلوبَهم - بتلك التلبيات - الغبطةُ، وبدا على وجوههم الإِشراق، ما داموا يتوجهون إلى بيت الله الحرام، ويؤدون برفقة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فريضة الحج الأكبر. وبلغ الحجيج «ذا الحليفة» فنزل به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهناك أقاموا ليلتهم. حتى إذا أصبحوا، أحرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأحرم معه المسلمون، فلبس كل واحد إزاره ورداءه، وصاروا بزيٍّ واحد، هو أبسط ما يكون زيّاً، ولكنّه الزيُّ الذي يحقق المساواة بأجلى مظاهرها وأسمى معانيها. وبعد الإِحرام ركب الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ناقته، فلما استوى عليها وهمّت به قائمةً، رفع صوته ملبّياً فصاح الناسُ جميعاً، من شتى أنحاء هذا البحر المتماوج من البشر، وبصوت واحد: «لَبَّيك اللَّهمَّ لَبَّيك، لَبَّيك لا شريك لك لَبَّيك، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لك والمُلك، لا شريك لك». وتجاوبت البطاح والهضاب مع النداء الذي كان يُدوِّي في فضائها الواسع، وهي ترى مسيرة السلام تنطلق في دروب الصحراء سعياً إلى بيت الله الحرام. فخشع كل من في تلك الدروب، من إنسٍ، ووحشٍ، وطير، وجبلٍ وحجرٍ يسبِّح لله تعالى في مسيرةِ خلقه إليه، مسيرة الأمان والاطمئنان لكل شيء، ومسيرةِ السلام والوئام لكل حي.
إنه خشوع الخلائق لخالقها، وهي ترى هذه الجموع من المؤمنين وقد تداعوا يلبّون ويسعون إلى مرضاة ربهم، وفي جوارحهم الشوق يحدوهم إلى بيته الحرام الذي جعله مثابةً للناس وأمناً.. وإنه تسبيحٌ لرب العالمين، ورب هذه الألوف المؤلفة من المسلمين الذين تدفقوا في الصحراء، لا يصعدون نجداً ولا يهبطون وادياً من الأرض، ولا ينزلون منزلاً أو يقيمون صلاة، ولا يستذكرون حادثاً أو يرون مظهراً من مظاهر الطبيعة التي خلقها الله تعالى، وبثَّ فيها الرونق والجمالَ، إلاَّ وانطلقت أصواتهم تعجُّ بالتلبية، وألسنتهم تكبّرُ وتهلّل للَّهِ الواحد الأحد..
هكذا انطلق ركب الحجيج يَؤُمُّهُ رسولُ الإِسلام، وشعاره السلام لكل ما في الوجود.. أوَ ليس هو الاسلامُ؟! بلى.. فهو - إذن - السلام الذي لا ينوي غدراً بأحد، ولا يُضمر شراً لمخلوق.. أو ليس هو ركب الإِيمان الذي لا يحمل سلاحاً يخيف به الإِنسان؟ أو يمتشق أداةً يؤذي بها الحيوان؟ أو يعتمد وسيلة يهيج بها الطيرَ ويقطع الشجر، ويتلف الزرع، أو يحقّر الجماد؟! نعم.. فهو - إذن - ركب السلامِ الحقيقي، لأنه سلام الإِسلام، فحقَّ أن تكون مسيرته شعارَ البشرية للسلام، وحقَّ أن يكون ركبُه ركبَ الحضارة للإِنسان، بل ركبَ الوجود الإِنساني بأسره في تطلعه نحو أشرف الأهداف وأسمى الغايات.. إنه سلام الإِسلام الذي وحده يجب أن تعرفه الأرض، وعليه تبني محبتها، ما دام هو السلام الذي يقوم على الإِيمان بالله الذي لا إلهَ إلا هو، وحده لا شريك له، وما دام السائرون فيه يقرُّون بالعبودية للخالق العظيم والرب الحكيم والرازق الكريم، ويتطلعون إليه وحده، لاستجلاب رأفته ورحمته بعباده وخلائقه كلها. فسبحان الله الذي لا إله إلاَّ هو الرحمن الرحيم، العفوّ الغفور، والرؤوف الحليم بالخلائقِ أجمعين..
وإذا كان هذا هو سلام محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مسيرته بالناس إلى الحجّ، فأي معنى للسلام من بعده؟!...
يتحدث الناسُ، في أيامنا هذه، عن السلام، وقد أنشأوا لذلك المنظمات الدولية والإقليمية، وفرَّعوا منها الوكالات المتخصصة، وعقدوا المعاهدات والاتفاقيات.. ولكنْ بقي السؤال: هل إنَّ السلام قد تحقق فعلاً، وعاشَ الناس بالأمان الذي ينشدون؟!..
لا، وألف لا!.. ونحن لا نوارب الحقيقة، ولا نخالف الواقع، إن قلنا بأنَّ إنسان اليوم لا يعرف السلام. ولا شيء من السلام النفسي أو الاجتماعي، أو السلام الغذائي أو الصحي، أو السلام والأمن الدوليين.. لا شيء من ذلك متوفر، بحقه وحقيقته!..
إنه الواقع الأليم الذي يعايشه الناس سواء في البلدان التي يعتبرونها متخلفة، أو النامية أو المتقدمة، والتي غاب عن شعوبها - كلِّها - الشعور بالأمان الكامل، لأنَّ السلام الحق قد غاب عن الأرض. وإذا كانت وراء ذلك أسباب عديدة ومتنوعة، فإنَّ أهمها على الإطلاق بُعْدُ الإِنسان عن الإيمان الدينيّ، ومجافاتُه للصلة الروحانية التي تربطه بخالقه، ومن هنا كان السلام الذي برز في مسيرة النبيِّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالناس إلى الحجّ هو السلام الذي ينشده الإِنسان، لأنه سلامُ الإيمان، ومسيرة التوجه إلى الخالق الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، ديّانِ الدينِ ذي الجلال والإِكرام..
وقد ظلت هذه المسيرة الإِسلامية العظيمة منطلقةً على هدى الله (تعالى) حتى بلغت سرَفاً (وهي محلة بين المدينة ومكة) فنادى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) منبّهاً الناس: أنَّ من كان معه هدْيٌ فهو حاجٌّ، ومن لم يَسُقِ الْهَدْيَ فَلْيَجعلها عمرةً لأنَّهُ لا حجَّ بلا هَدْي.. وقد ضرب المثلَ بنفسه، إذ ساق معه يوم خروجه ستاً وستين بدنةً جعلها هدياً له..
وعقد الناس النوايا، فمنهم من نوى الحجَّ، ومنهم من نوى العمرة، ثم تتابَعَ السيرُ على شآبيب الرحمة الربانية حتى التقاهم عليُّ بنُ أبي طالب (عليه السلام) وقد جاءَ مع جيشه، الذي قدم به من اليمن، إلاَّ أنه سبقَهُ للقاء حبيبه محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعدما جعل عليه أميراً، في غيابه، أحَدَ الفرسان من أصحابه. وما إن رآه رسولُ الله مقبلاً حتى امتلأت نفسه الزكية بالسرور، وانبسطت أساريره الطاهرة بالحبور، فأجلسه بجانبه يتقصّى أخباره، ويقف على ما فعل باليمن، منذ أن غادرَ المدينة وحتى عودته هذه الساعة... وأثنى على همته، ودعا له بالتوفيق، ثم سأله بماذا أهلَلَ، فقال علي: «لم تكتب لي إهلالك يا رسول اللّه، ولا أنا عرفته، ولكنني عقدت نيتي بنيتك، فقلت حين أحرمت: اللهم إني أُهِلُّ بما أهَلَّ به نبيك وعبدك ورسولك محمد». فقال له (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «فهل معك هدي؟» قال: «نعم، لقد سقت معي أربعاً وثلاثين بدنة». فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «الله أكبر، قد سُقْتُ معي ستاً وستين بدنة، فأنت شريكي في حجي ومناسكي وهديي، فأقم على إحرامك وعد إلى جيشك، فعجِّل بهم حتى نجتمع بمكة إن شاء الله تعالى».
أجل! اللَّهُ أكبرُ، كما قال رسولُ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .. ولكن أيَّةُ صلةٍ هذه الصلة الروحية بين محمد رسول اللّه، وعليّ بن أبي طالب؟ لا، لا عجب، فهو أخوه في الدنيا والآخرة،[*] كما كان يقول له الرسول الأعظم، ويردّدُهُ على مسامع الصحابة.. وهو الذي كان يقول له رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «أنت مني وأنا منك»[*]. لا، لا عجب، وقد روى عبد الله بن حنطب قال: خطبنا رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم الجمعة فقال: «أيها الناسُ أوصيكم بحبّ أخي وابن عمي عليّ بن أبي طالب، فإنه لا يحبُّهُ إلاَّ مؤمن، ولا يبغضه إلاَّ منافق، من أحبَّهُ فقد أحبَّني، ومن أبغضَهُ فقد أبغضني، ومن أبغضني عذّبَهُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ»[*].
أجل، هذه بعضُ ملامح تلك الصلة الروحية التي تجمع بين محمد رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبين عليٍّ إمام المتقين، فلا عجب أن يشركَهُ رسولُ الهدى بحجِّهِ.. وانطلق عليٌّ، شريكُ النبي في حجه الأكبر، عائداً إلى جيشه، فوجَدَ الرجل الذي استخلفه على الجيش قد جعل لكل فرد من أفراده حلةً من البَزّ يكتسي بها. فأدهشَهُ هذا التصرفُ غيرُ المسؤول، وأغضبه، فصرخ في الرجل: «ويلك ما هذا»!
قال: كسوت الجند لكي يتجمّلوا به إذا قدموا في الناس واجتمعوا بإخوانهم المؤمنين.
قال له علي: ويلك يا هذا! إنزع عنهم هذه الحلل قبل أن ننتهي إلى رسول اللّه.
وعلى الفور سارع الجنود لتلبية أوامر قائدهم عليّ الذي أبى أن يركبَ الناسُ النعامَ، أو أن يلبسوا الأثوابَ التي جمعها من الصدقات والجزيات، لأنها كانت ما تزال أموالاً عامة، ولم تجر عليها القسمةُ بعدُ. وإذا كان تصرّف عليٍّ هو تصرف المسؤول الحكيم، الذي يخافُ الله ورسولَهُ، ويحرص على المال العام حرصَهُ على نفسه وأشدَّ، فإنَّ تصرّفه هذا لم يعجب بعضاً من أفراد جيشه، فراح يبدي التذمر، ويظهر الشكوى. وما انفكَّ على تلك الحالة، بعد دخولهم مكة والقيام بفرائض الحج، حتى بلغت شكواهم مسامع النبي، فقام خطيباً في الناس، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «أيها الناس لا تشكُوا علياً، فوالله إنه لأخشن (يعيش عيشة خشنة) في ذات الله، وفي سبيل الله من أن يُشكى»[*].
هذا ما كان من أمر عليٍّ (رضي اللّه عنه) مع جنده. أما النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فكان قد بلغ في مسيرته «ذي طوىً» فنزل فيها وبات ليلته. ثم قام في صبيحة اليوم التالي، الرابع من ذي الحجة، فاغتسل ومضى على حجه، فدخَلَ مكة نهارَ ذلك اليوم، ووجهتُه بيتُ الله الحرام. وما إن أقبل عليه حتى رفع يديه نحو السماء بالدعاء، وقال: «اللَّهم زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً ومهابة. وزد من عظَّمه - ممَّن حجَّهُ واعتمرَهُ - تعظيماً وتشريفاً وتكريماً وبِرّاً. اللَّهم أنت السلام، ومنك السلام، حيِّنا ربَّنا بالسلام».. وتابَعَ صلوات الله عليه وعلى آله الأطهار، تقدُّمه نحو البيت العتيق، ولسانه يلهج بالشكر لله سبحانه وتعالى، وبالدعاء والتلاوة المباركة حتى بلَغَ الكعبةَ أعزَّها اللَّهُ، فنزل يطوف حولها سبعة أشواط، وكان كلما حاذى الحجر الأسود، أشار إليه واستلمه بمحجنه. فلما فرغ من طوافه جاء إلى خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) فقرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} [البَقَرَة: 125] ثم صلَّى ركعتين. فلما فرغ من هذه الصلاة، أقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه. ثم خرج إلى الصفا من الباب الذي يقابله، فلما قرب منه قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البَقَرَة: 158] وتابع يقول: أَبْدَأُ بما أَمَرَ اللَّهُ أَنْ أَبْدَأَ به. فبدأ بالصفا فَرَقِيَ عليه، حتى إذا رأى البيت كبّر وهلَّل وقال: «لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. لا إله إلاَّ الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». وقد دعا بهذا الدعاء النبويّ السامي ثلاث مرات. ثم نزل يَسْعى نحو المروة حتى إذا تعبتْ قدماه رَمَلَ[*] في بطن الوادي، فلما قَطعَهُ، مشى حتى أتى المروة، فعلاها ودعا كما فعل على الصفا، فلما كان آخر السَّعْيِ على المروة، قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «إني لو استقبلت من أمري ما استدبرتُ لم أسُق الهَدْيَ وجعلتها عمرة». ثم أعلن في الناس: «أن على من لم يَسُقْ معه هدْياً فلْيَحْلُلْ من إحرامه إلى يوم التروية - وهو اليوم الثامن من ذي الحجة - وبعده يُهِلُّ بالحجِّ مذ أن يخرج إلى منى».
ثم أقامَ الرسول الأعظم، بعد أن أتمَّ العمرة، في مكة يصلي ويطوف ويسعى لمدة أربعة أيام، وظلَّ على هذه الحال إلى أصيل يوم التروية. وعندما مالت شمس الثامن من ذي الحجة إلى المغيب، ذهَبَ النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى منىً، فأقام بخيامه فيها. وقضى الليل حتى مطلع الفجر، فقام يصلي حتى بزغت الشمس، فركب ناقته القصواء ويمَّمَ بها جبل عرفات، والناسُ من ورائه. فلما ارتقى الجبل أحاط به ألوف المسلمين يتبعونه في مسيرته وهم يُلَبُّون. وضُربت للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبةٌ بِنَمِرة (قرية بشرق عرفات). ثم طلب ناقته القصواء فركبها إلى بطن الوادي من عرفة، وهنالك وقف على راحلته، ثم نادى في الناس أن يجتمعوا إليه..
وانطلق نداء النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يطرق مسامع الألوف، فهبّت تلبي النداء، وعلى عجل تراصّتِ الصفوف، وحدّقت العيون وأصاخت الآذان، إلى حيث يقف نبيُّ الهدى والإِيمان، فإذا بتلك الجموع تستمع إلى خطبة جامعة منه، كان يلقيها، وربيعة بن أمية بن خلف - وكان جهوريَّ الصوت - يردِّدُ كل كلمة منها، حتى لا يفوت السامعين شيء منها.
وبدأ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خطبته تلك بحمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهلُهُ، ثم راح يبيّن ما يريد بيانه للناس، فقال[*]: «أيها الناس، اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً.
«أيها الناس، إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقَوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا. وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم. ألا هل بلَّغت؟».
قالوا: نعم.
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «اللهم اشهد»..
ثم تابع يقول: «ألا ومَنْ كانت عنده أمانة فليؤدِّها إلى من ائْتَمَنَهُ عليها. ألا وإنَّ كل ربا في الجاهلية موضوع (مهدور)، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون. قضى الله تعالى أنه لا ربا. وإنَّ أول ربا أبدأ به ربا العباس بن عبد المطلب، فهو موضوع كله. وإنَّ كل دم كانَ في الجاهلية موضوع، وإنَّ أولَ دمائكم أضعُ دمَ عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب[*].. ألا هل بلَّغت؟».
قال الناس: نعم.
قال الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «اللَّهم اشهد».
وتابع رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خطبته فقال: «أيها الناس إنما النسيء[*] زيادة في الكفر يُضَلُّ به الذين كفروا يُحلُّونه عاماً ويُحَرِّمونه عاماً ليواطئوا عِدَّةَ ما حرَّم الله فيُحلوا ما حرَّم الله ويُحَرِّموا ما أحلَّ الله.
»وإن الزمان قد استدار كهيئته، يوم خلق الله السمواتِ والأرض. وإن عدَّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً منها أربعة حُرُم، ثلاثة متوالية (ذو القعدة، ذو الحجة، المحرم)، ورجب. ذلك الدِّين القيِّمُ فلا تظلموا فيهن أنفسكم، ولا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض.. ألا هل بلَّغت؟».
قالوا: نعم.
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «اللَّهم اشهد».
ثم قال: «أما بعد، أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقاً، ولهنّ عليكم حقاً، لكم عليهنّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحداً تكرهونه، وأنْ لا يُدْخِلْنَ بيوتكم أحداً إلاَّ بإذنكم، وعليهنَّ أن لا يأتين بفاحشةٍ مُبَيِّنة، فإن فعلْنَ فإنَّ الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضرباً غير مبرِّح. فإن انتهين فلهنَّ رزقهنَّ وكسوتُهنَّ بالمعروف فإنهنَّ عندكم عَوانٍ[*] لا يملكن لأنفسهن شيئاً. وإنكم إنما أخذتموهنَّ بأمانة الله واستحللتم فُروجَهنَّ بكلمات الله. فاتَّقوا الله في النساء، واستوصوا بهنّ خيراً.. فاعقلوا أيها الناس قَوْلي، ألا هل بلَّغت؟».
قالوا: نعم.
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «اللهم اشهد».
ثم تابع خطبته فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «أيها الناس، إنما المؤمنون إخوة، فلا يحلّ لامرئٍ من أخيه إلاَّ ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلِمنَّ أنفسكم. وإن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب. وإن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضلٌ على أعجمي إلاَّ بالتقوى.. ألا هل بلَّغت؟».
قالوا: نعم.
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «اللَّهم اشهد».
وتابع (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «أيها الناس، إنَّ الشيطان قد يئس أن يُعبدَ بأرضكم هذه أبداً. ولكنه إن يُطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تَحْقِرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم. فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلَّغت. وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً،أمراً بيّناً، كتابَ الله وسنّة نبيِّهِ. ألا هل بلّغت؟».
وردد المسلمون: «نشهد أنك قد بلّغت وأديت ونصحت». فجعل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يشير بإصبعه السبابة إلى السماء، ثم إلى الناس، وهو يقول: «اللَّهم اشهد، اللَّهم اشهد».. فلما فرغ الناس من الترداد، قال: «ألا فليبلغ الشاهدُ منكم الغائبَ، فلعلَّ من يُبَلَّغُهُ يكون أوعى له من بعض من سمعه».
كان النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يلقي هذه الخطبة الجامعة، وربيعة واقفاً تحت صدر ناقته ينقلها إلى الناس. حتى إذا فرغ رسول اللّه نزل عن ناقته القصواء، وأمَرَ بلالاً فأذّن للصلاة، ثم تقدم يصلّي بالجموع، فجمع بين الظهر والعصر، وقد صلَّى كلاًّ منهما ركعتين. وراح يتلو القرآن الكريم ويكثر من الدعاء لله تعالى. وكان في دعائه يضع يديه على صدره وهو يقول: «اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سرّي وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق المقرُّ المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت له رقبته، وفاضت له عيناه، وذل جسده، وَرَغِمَ أنفُه لك. اللهم لا تجعلني بدعائك ربِّ شقياً، وكن بي رؤوفاً رحيماً، يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين». وما زال الرسول الأمين على تلاوته ودعائه واستغفاره حتى غابت الشمس، وذهبت صفرتُها من السماء، فأفاض من عرفات، وأفاض الناسُ معه إلى المزدلفة، وهو لا يفتأ يوصي بالسكينة والرفق في السير، وبألاّ يغلب قويُّهّم ضعيفَهم. وفي المزدلفة، صلَّى رسول اللّه وهو يجمع ما بين المغرب والعشاء. ثم استراح يقضي ليلهُ هناك. فلمّا كان الغدُ صلَّى الفجر، ثم ركب ناقته وأتى المشعر الحرام[*]، فوقف يدعو ويكبّر ويهلل حتى أسفر الصبح وبان النهار من يوم العاشر من ذي الحجة، فخرج من المشعر الحرام إلى منىً بعد شروق الشمس. وهنالك استقبل العقبة الكبرى[*] ـ الجمرةَ الكبرى ـ، فرماها بسبعِ حَصيّاتٍ، كان قد جمعها من المزدلفة، وهو يكبّر الله تعالى. وبعد هذا الرمْيِ ذهب إلى خيامه بمنىً، فَنَحَرَ ثلاثاً وستين بدنة، واحدةً عن كل سنة من سني عمره الشريف على هذه الأرض. ثم طلب من عليٍّ أن ينحرَ باقيَ الْهَدْي وما ساقَهُ مَعَهُ في رجوعه من اليمن.. وبعد النحر أحلَّ النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من إحرامه. فحلق رأسه وقصَّ أظفاره، وتطيَّب ولبس ثيابه ليعود إلى ما كان عليه قبل إحرامه ثم نادى مناديه في الناس: «إنها أيامُ أكلٍ وشربٍ وحِلّ».. فهو أول أيام عيد الأضحى المبارك..
ونزل النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعدها إلى المسجد الحرام فطاف حول الكعبة الشريفة سبعة أشواط وصلّى بعدها ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام)، ثم دلف يسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط، وعاد فصلّى بعدها ركعتين خلف مقام إبراهيم، ثم طاف حول الكعبة الشريفة سبعة أشواط لينهي بذلك حجه المبرور وسعْيَهُ المشكور...
غدير خُم
وكان الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد ذلك يرمي الجمار الثلاثَ يومي الثاني والثالث من عيد الأضحى المبارك، وفي ظهر الثالث من أيام التشريق، وبعد زوال الشمس نزل إلى مكة، ليودّعَ البيت الحرام، بالطواف والسعي والصلاة، ويقفلَ راجعاً إلى مدينته المنوّرة.. وأثناء الطريق، وعندما وصَلَ إلى غدير خُم - وهو مكان قريب من الجحفة - أمَرَ الرسولُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الناس بالنزول، فنزلوا يرتاحون، وينامون ليلَتَهُمْ تلك، وكان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد اختار مكاناً له تحت شجرة، فسوّوه ونظفوه، فما إن حلّت صلاة الظهر من الغد، أَمَرَ أن يُنادى إلى صلاة جامعة. حتى إذا أنهى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تلك الصلاة دعا إليه عليَّ بن أبي طالب، ثم جعله إلى جانبه، وأمر المؤمنين أن يُصغوا إليه. فرانَ السكوت على الناس، كما في عادتهم، عندما يدعوهم نبيُّهم الكريم للاستماع إليه. فوقف وخطبهم بعد أن حَمِدَ الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهلُهُ فقال: «أيها الناس ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟».
قالت الجموع: بلى يا رسولَ الله.
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟». فأجابت الجماهير: بلى يا رسول اللّه..
وهنا أخذ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بيد عليِّ بن أبي طالب ورفعها حتى يرى الناسُ جميعاً ثم قال:
«من كنت مولاه فعليٌّ مولاه. اللَّهمَّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وَانْصُر مَن نصرَه، وأَعِنْ مَنْ أعانَهُ، واخذُلْ من خذلَه»[*].
وفرح المسلمون بهذه التولية لعلي (عليه السلام) تأتيه من نبيَّ الله ورسوله الكريم، فتقدموا يهنئونه على هذا الشرف العظيم. وكان أول المتقدمين أخواه في الدين: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب (رضي الله عنهما وأرضاهما) وكل واحد منهما يقول له:
«بخٍ بخٍ لك يا عليّ، أصبحت مولاي ومولى كلِّ مؤمن ومؤمنة».
وازدحم من بعدهما الصحابةُ على تهنئته، يتقدَّمون إليه زرافات ووحداناً. والنبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واقفٌ على ذلك كلّه يشهده ويباركه، مغتبطاً مسروراً بأنه اقد استجاب لدعوة ربه سبحانه وتعالى حين خاطبه بقوله العزيز: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المَائدة: 67][*]. ثم رفع الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يديه إلى السماء فحمد الله وأثنى عليه، وشكَرهُ على حسن توفيقه، فنزل عليه جبريل الأمين بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} [المَائدة: 3]. فقرأها رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للناس. ورفع يديه بعد تلاوتها، داعياً ربَّه عز وجل بهذا الدعاء الكريم: «الحمد لله على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضاء الرَّب». فهلَّل الحجيجُ وكبَّروا لاغتباط الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأداء رسالته كاملةً غير منقوصة. وحمدوا الله على توفيقهم لما فيه مرضاة الله سبحانه وتعالى، ومرضاة رسوله الكريم.
ومن «غدير خم» انطلق الركب عائداً إلى المدينة المنوّرة، بعدما أرى الرسولُ الأعظمُ الناسَ مناسكهم، وأعلمهم سُنَنَ حجِّهم، وبعدما خطب خطبته التي بيّن فيها بجوامع كَلِمِه ما بيَّن، وأبلغ ما عنده وأتمَّ.. وعندما أطلَّ على المدينة كبَّر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثلاث مرات، وقال: «لا إله إلاَّ الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون. صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». ثم دخلها نهاراً.
لقد حجَّ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى بيت الله الحرام في السنة العاشرة من الهجرة، ولكنها كانت حجته الأخيرة، وفيها ودَّع الجموعَ الغفيرة من المسلمين عندما قال لهم: «لعلِّيَ لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً». ومن أجل ذلك سميت هذه الحجة، حجة الوداع. على أنَّ بعضهم يسميها حجة البلاغ، وآخرون يسمونها حجة الإِسلام. وهي في الحقيقة ذلك كلُّه. فقد كانت حجةَ الوداع لأنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يودع المسلمين وحسب، بل لقد رأى فيها مكة والبيت الحرام للمرة الأخيرة. وكانت حجةَ البلاغ لأنَّه بلَّغ للناس آخر وحيٍ نزل عليه، كما بلَّغ أهمَّ ما أمَرَه الله تعالى به من أمور دينهم الذي ارتضاه لهم. فقد بيَّن للناسِ شَرْعَ الله في الحج قولاً وفعلاً. وببيان أحكام الحج، يكون رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد أوجز كل قواعد الإِسلام وأحكامه. وبذلك يكون قد أدى الأمانة، وبلّغ الرسالة بصورة كاملة، وأوصاهم أن يبلِّغ الشاهدُ منهم الغائب، ليكونوا شهداء على الناس يبلِّغونهم ما بلّغهم رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يوم كان شهيداً عليهم.
وهي حجة الإِسلام، لأنَّ الله تعالى أكمل فيها للناس دينهم وأتم عليهم نعمته ورضيَ لهم الإسلام ديناً.
وهكذا تكون هذه الحجة ذاتَ معنىً خاص، ولها أهميةٌ بالغة في حياة المسلمين، إذ وضَعَ الرسولُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أثناءها رسالتَهُ أمانةً في أعناقهم، يتناقلونها جيلاً بعد جيل، ويتواصَون بالمحافظة عليها والعمل بها دهراً بعد دهر. ولأنها الأمانة الكبرى التي أوكلها الله تعالى ورسولُهُ إليهم، فقد وجب عليهم أن ينشروها بين الناس بصدق، وأن يبيِّنوا ما تشتمل عليه من خير ونفع لبني الإِنسان، باذلين من أجل ذلك المهَج والأنفس، مُقْدِمين على الجهاد في سبيل إيصالها إلى القلوب والعقول، حتى تعمَّ جميعَ أقطار الأرض، وتشمل كل نواحيها، فيجتمع البشر، كل البشر، على الدِّين الذي أراده الله ديناً للناس كافة، وأكمله لهم، حتى يكون بكماله قد تمت نعمته الكبرى على الناس، كل الناس، فيعيشون في ظلاله سعداء آمنين.
علامات الانتقال
...أثناء العودة من حجة الوداع، والناسُ وقوفٌ بين يدي رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بغدير خم نزل البلاغ الأخير من الله رب العالمين إلى عباده وسائر خلقه، بأنه - سبحانه - قد أكمَلَ لهم الدين، وأتمَّ عليهم النعمة، ورضيَ لهم الإِسلام ديناً، فرأى الناسُ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مشرقَ الوجهِ سعيداً، مطمئن النفس راضياً..
ولقد كان الناس يسمعون النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو في وسط أيام التشريق من حجِّه الأكبر، يكثر من تلاوة سورة النصر: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا *فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا *} [النّصر: 1-3].
على أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يكن ليكثر من تلاوة هذه الآيات بالذات، وفي تلك الأيام المباركة بعينها، إلاَّ لأمر علمه وأيقن بحدوثه، ألا وهو اقتراب أجله، ولحوقه بالرفيق الأعلى. فآيات سورة النصر، تحمل في ما تحمل، الأمرَ له من ربه بأن يسبِّح بحمده ويستغفره. وما هذا الاستغفار إلاَّ للتعبير عن العلاقة الوثيقة التي قامت بين محمد وربِّه، منذ أن قُدّرَ له، وكان في علم الله وحده، بأن يكون محمدٌ الرسولَ الأعظم، وخاتم النبيين والمرسلين، وحتى يبقى هذا الاستغفار على مدى عمر الزمان، الطريقَ الأمثَلَ الذي يربط ما بين الله تعالى وأهل الأرض.
وإذا كانت آيات السورة تعبق بفوح النصر، وتزهو بجلاله، فإنَّ النصرَ من عند الله تعالى، يؤتيه من يشاء، وقد آتاه للنبيِّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في كل شيء: في ما وهبه من ذاتٍ إنسانية كاملة، وما منحه من قوة على الاحتمال، والائتمان على أكبر رسالة سماوية إلى بني البشر، وهي الرسالة الخاتمة، كما أن حاملها هو النبيُّ الخاتم.. فلا عجب إن كان جُلّ اهتمامه التسبيحَ بآلاءِ الله وحمده، والاستغفارَ إليه سبحانه وتعالى في كل أمر، والاستزادةَ في الشكر والامتنان له على فضائله ونعمائه، حتى ينطلق النبيُّ العظيم، والرسول الكريم في تسبيحه واستغفاره وشكره، من قيود الذات، وتكون روحه معلقة بالمحلِّ الأعلى، وليس لها غايةٌ إلاّ محبةَ الله ومرضاته.. وكل ذلك يدلُّ، كما علمه رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّ اللَّهَ تعالى قد أوحى إليه في سورة النصر باقتراب موعد أجله (كما قال ابن عباس)..
ولقد شهد الناسُ على الأرض، وشهدت الملائكة في السماء بأن رسولَ الهدى، ونبيَّ الحق، ما كان يوماً إلاَّ مسبِّحاً ومستغفراً وشاكراً حتى صلَّى الله عليه وملائكتُهُ في الأعالي، وما عرفته الأرضُ والحياة البشرية إلاَّ منطلقاً من قيود ذاته، ومتوجِّهاً أبداً إلى الخير المطلق والحق المبين. فكان جهادُهُ نصرةً للدين، ومبدأه إحقاقاً للعدل، وعقيدته إقراراً للعبودية من المخلوق للخالق، وعمله عمارةً للأرض، وترقيةً للحياة ترقيةً نظيفة، وقيادتُه للبشرية قيادةً رشيدةً، وقوامُ ذلك عنده الاتجاه لله سبحانه وتعالى وحده ونوال رضاه الكريم..
علاماتٌ كثيرةٌ ظهرت في حجة الوداع وكانت توحي بأن سيدَ المرسلين، وخاتَم النبيين، قد قرب انتقاله إلى الرفيق الأعلى. ولئن بدت تلك العلامات في أفق حياة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واضحة، أثناء تلك الحجة، فإنَّ كلَّ شيء بعدها بات يوحي به.. فهذه الرسالةُ الكبرى التي كُلّف بها قد بُلّغتْ، والأمانةُ العظمى التي عَهِدَ بها الله سبحانه إليه قد أُدِّيَتْ. ثُمَّ إنَّ الوحيَ قد اكتمل، والنعمةَ على عباد الله قد تَمَّتْ، فهل بعدُ من شيء غير ذلك لانتهاء المهمة، والإِخلاد إلى الراحة في أسمى الرحاب التي يَعِدُ الله تعالى بها عبادَه الصالحين، ويختارُ إليها أنبياءَهُ ورُسُلَهُ المصطفَيْن، وهي الرحابُ المباركاتُ في جناتٍ عرضُها السموات والأرض حيثُ النعيمُ المقيم الخالد؟
لا، لم يبقَ بعدُ إلاَّ أن يرتحلَ صاحب المهمة لملاقاة الباعث العزيز الرحيم. وقد أحَبَّهُ - سبحانه - من عليائه، فقدَّر له أن يكون سيدَ البرية، وعنوانَ كمال البشرية.
وجاءت الأيام تصدّق حقيقة تلك العلامات. فمنذ عودة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من حجة الوداع، ومكوثه في المدينة المنوّرة، لم ينزل عليه أيُّ وحيٍ، ولم يُؤمَرْ بأي تكليف يتعلق بحلال أو حرام. بل بات ساهراً على تطبيق الشريعة والالتزام بأحكامها، مع ما يشمل هذا التطبيقُ من بيانٍ لجميع الأحوال والعلاقات، وتوضيحٍ لكل السُّبل والمعاملات، فلا تبقى شاردة أو واردة إلاَّ ويكون لها المصدر والدليل، في كل ما ترك خاتم النبيين من إرث في هذه الأرض قوامه قرآنٌ كريمٌ به يهتدون، وسنَّة نبوية شريفة بها يتمسكون، وعترة طاهرة بها يقتدون، والاعتصام بهذا كله في الدين والدنيا، كما علَّم هو نفسه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهدى، وأرشد، وذكّر، وحذّر، حتى لم يخلُ شيء، ولم يبقَ أمرٌ إلاَّ وأبان منهجه ومرماه، في مقامه بين المسلمين، وتفقيه أصحابه المنتجبين..
وكانت تلك الأيامُ هانئةً بالنسبة إليه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا يعكر صفو طمأنينته فيها شيء يمكن أن يحسب له حساب، حتى ما بلغَهُ عن ادّعاء بعض الأشخاص النُبوّة، فإنه لم يهتمَّ له أو يُثِرْ عنايته، وذلك ليقينِهِ القاطع بأنه هو خاتم النبيين، فلا نبيَّ بعده، ولأنَّ أيَّ ادّعاءٍ للنبوة لا يعدو ضَرْباً من الجهالة والمهاترة، ولن يكون له تأثير يُذكر على الإِسلام من قريب أو بعيد، طالما أن سلطان هذا الدين قد عمَّ شبه جزيرة العرب كلها، وعنت وجوَه الناس للحي القيوم، وآمنت القلوب بالله الواحد القهار... أجل لقد كان اطمئنان رسولِ الهدى إلى ديمومة الاسلام، وبقائه صرحاً خالصاً للإِيمان ما دام كتابُ اللَّهِ القرآنُ هو الهادي، وقد حفظه ربُّه - الذي أنزلَهُ - من أي ّ تحريفٍ أو تزييف، بقوله تبارك وتعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *} [الحِجر: 9]. وما دامَ الاسلام، بفضل هذا القرآن والسنةِ النبوية الشريفة، سوف يحتضِنُ يوماً الناسَ جميعاً، توكيداً لقول الله عز وجلَّ {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ *} [التّوبَة: 33] وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا *} [الفَتْح: 28].
بعثُ أسامة بن زيد إلى أرض فلسطين[*]
ولكن على الرغم من ذلك الاطمئنان للَّه، فإنَّ شيئاً واحداً ظلَّ في بال النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لا يفارق مخيّلتَهُ، وهو ضرورة توطيد دعائم الدولة الإِسلامية على حدود الروم، حتى لا يكون لأمبراطوريتهم أيُّ مجالٍ تنفذ منه إلى داخل الدولة، وتعمل على إضعاف قوتها، وتهديد كيانها. بل على العكس من ذلك تماماً، حيث يكون في توطيد دعائم دولة الإسلام ما يمهّدُ السبيلَ أمام جيوش المسلمين لتنطلق إلى البعيد، وتنشر دينَ الله الحق، فتصل بهذا الدِّين إلى المدى الذي يريدُهُ الله - سبحانه وتعالى - أن يَصِلَ إليه..
وقد جعل النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يزدادُ تفكيراً في هذا الأمر ما بلغه عن فروة بن عمرو الجذامي. فقد كان فروة والياً من قبل الروم على معان وما جاورها، إلا أنَّ اللّه سبحانه قد هداه فاعتنقَ الإسلام، وهذا ما لم يُعجب أسيادَهُ القدامى من الروم، فجرّدوا عليه حملةً كبيرة أمكن لها أن تعتقِلَهُ وتودِعُه السجن، ثم تجري محاكمته ويقرَّر فيه حُكم الإعدام... وجاءَ يوم التنفيذ فاقتادوه من سجنه وهو لا يعبأ بهم ولا يتأثر، بل يقول وهم يقدّمونه للقتل:
بلِّغْ سُراةَ المسلمينَ بأنَّني
سلمٌ لربِّي أَعْظُمِي ودِمائي
وضُرِبَ عنُقُه على ماء بفلسطين يقال له عفراء. ثم تُرِكَ مصلوباً في مكان قتْلِهِ، حتى يكون عبرةً لغيره من الولاة والحكام، بل ولكل من تسوِّل له نفسه الخروج على سلطان الروم، أو التفكير بالدخول في الإِسلام.. هذا الحادث، وغيره من الحوادث التي افتعلتها دولة الروم، أوْلاها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اهتماماً كبيراً، وجعلته دائم التفكير أثناء تلك الهدْأة من عودته بعد حجّهِ الأكبر بما عليه أن يفعل حيال الروم، ولذا لم يطل به المقام كثيراً في المدينة حتى أمَرَ بتجهيز الجيش إلى الشام، وكان ذلك لأربعِ ليالٍ بقين من صفر سنة إحدى عشرة هجرية. وقد جَعَلَ فيه المهاجرين الأولين، وكبارَ الصحابة المقرَّبين، أمثال أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وطلحة والزبير وغيرهم (رضي اللّه عنهم وأرضاهم).
وفي الغداة، دعا إليه أسامة بن زيد بن حارثة[*]، وجعلَهُ أميراً على الجيش الذي أمَرَ بتجهيزه. ثم أوصاه وقال له: «سرْ إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد ولَّيتك على هذا الجيش. واغزُ صباحاً على أهل أُبْنى[*]، وحرِّق عليهم. وأسرع السير لتسبق الأخبار. فإن أظفرك اللّه بهم، فأقِلَّ اللُّبْث فيهم، وخُذْ معك الأدلاّء، وقدِّمِ العيونَ والطلائع أمامك».
مرض رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
هذه كانت أوامر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأسامة بن زيد وهو يؤمّرُهُ على جيشٍ يغزو به بلادَ الروم، ويطأُ بخيولِهِ تخوم البلقاء والداروم من أرض أُبْنى، قريباً من مؤتة حيث قتل أبوه زيد بن حارثة، فينزل على أعداء اللّه وأعدائه في عماية الصبح، معتمداً كل ما أمكنه من وسائل وأساليب قتالية للظفر بهم[*].
لم يَمضِ أكثرُ من يوم واحد على تأمير أسامة قائداً على جيش المسلمين، حتى ظهرت بوادرُ المرض على رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . إذ ما إن طَلَعَ صباحُ الأربعاء من أواخر شهر صفر، حتى دهمتْهُ حمّى شديدة، كان أكثرها إيلاماً الصداعُ القويُّ في رأسه الشريف، مما اضطره لملازمة فراشه. ولم يبارحْهُ إلاَّ في صبيحة اليوم التالي، وقد احتمَل أوجاعَهُ، وصبر على كربه، حتى يخرج ويعقد اللواءَ بيده لأسامة، ثم يدعوه للتوكّل على اللّه تعالى فيقول له: «اغْزُ بسم اللّه، في سبيل اللّه، فقاتل من كفر باللّه».. ثم لا يلبث أن يعودَ إلى الفراش منهكاً، خائر القوى..
وخرج أسامة يعسكر في الجُرْفِ (على مقربة ثلاثة أميال من المدينة) حتى يكمل الجيشُ تجهيزه، ويُتِمَّ استعداداته للمسير إلى أرض فلسطين. ولكن يبدو أنَّ تأميرَهُ على هذا الجيش، وفيه المهاجرون الأولون، وكبارُ الصحابة، قد أثار حفيظة البعض، ممن كانت نزعة الأنانية تغلب في نفوسهم، فلم يتقبَّلوا الأمر إلاَّ على مضـضٍ، وراحوا يتقوَّلون بما ليس فيه حقّ، مِنْ مِثْلِ قولِ بعضهم: «أمّر رسولُ اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، غلاماً حَدَثاً على جِلّة المهاجرين والأنصار». وبلغت هذه المقالة سَمْعَ رسول اللّه، فغضب لها غضباً شديداً، دفعه لأن يقوم من فراشه، فيخرج إلى المسجد، وهو عاصب الرأس، ثم يعتلي منبره، مخاطباً الناس، بلهجة مقتضبة فيها استفسار وعتاب وتحذير، فيقول لهم: «أما بعد أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة. أَلاَ إنَّكم تُعيبونُ أسامةَ وتطعنون في إمارته، وقد فعلتم ذلك لأبيه من قبلُ وإنْ كان لخليقاً للإمارة، وإنْ كانَ لأحبَّ الناس كلهم إليَّ! وإنَّ ابنَهُ هذا من بعده لأحبُّ الناس إليَّ، فاستوصوا به خيراً، فإنه من خياركم»[*].
ونزل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن المنبر، وعادَ سريعاً إلى فراشه لشدة تأثّره وازدياد الألم عليه، حتى مرَّت فترة من النهار لا يرغب فيها أن يحدّث أحداً بشيء..
كان النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعاني من مرضِهِ أشدَّ المعاناة، فيقضي نهارَهُ متألماً موجَعاً، وليلَهُ قلقاً ساهراً.. وفي شدّة هذه المعاناة، أحسَّ ذات ليلة بأنه يريدُ الخروج إلى الفلاة، والتأمّل في الكون، في ساعة صفت فيها السماءُ، وهدأت الحركة على الأرض، ولكنه ما إن أطلَّ الليل بسكونه، حتى جذبَهُ شعورٌ قويٌّ إلى بقيع الغرقد، حيث مقابر المسلمين، فنادى على مولاه «أبي مويهبة» يستصحبه معه إلى تلك المقابر. وهنالك بين القبور، راح النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتجوّل، متنقلاً من قبر إلى قبر، مستذكراً هؤلاء الذين ضمَّهُمُ الثرى، ومعدّداً مآثرهم واحداً، واحداً، ومستغفراً لهم اللّه سبحانه. حتى إذا طاف بهم جميعاً، وقف يخاطبهم، مسلِّماً ومهنئاً، فقال: «السلام عليكم يا أهل المقابر. لِيَهْنَ لكم ما أصبحتم فيه ممّا أصبح الناس فيه. أقبلَت الفتن كقطع الليل المظلم يتبعُ آخرُها أولها، الآخِرَة شرٌّ من الأولى»[*].
وعن رفقة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تلك الليلة، حدَّث مولاه «أبو مويهبة» أن النبيَّ قال له أول ما بلغا بقيع الغرقد: «إني أُمِرْتُ أن أستغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معي». فلما استغفر لهم وآن له أن يؤوب، أقبل ناحيتي، فقال لي: «يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخُيّرتُ بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة». قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه!! فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة. قال رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «لا والله يا أبا مويهبة! لقد اخترت لقاء ربي والجنة»[*].
وأمضى رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد تلك الليلة عدة أيام عصيبة، لا يقوى فيها على جمع الناس. بل جُلُّ ما كان يقوم به هو أن يؤمّهم بالصلاة، ثم يعود ليلازم فراشه. ويشتدُّ عليه المرض حتى لم يَعُدْ قادراً على التنقّلِ بين أزواجه، فدعاهُنَّ إليه، وهو في بيت السيدة أم سلمة، وأخبرهُنَّ أنه لم يَعُدْ يطيق مغالبة الألم، وأنه يرى في نفسه حاجةً إلى التمريض، مستأذناً أن يُمرَّض في بيت عائشة، فوافَقْنَهُ على ما يريد. وكيف لا يوافقن، وكلُّ الأمل عندهن راحتُهُ والحرصُ عليه؟!..
ورقَدَ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في فراشه، ولا همَّ يؤرّقُهُ إلاَّ إنفاذ جيش أسامة. ولذلك دعا إليه جمعاً من كبار الصحابة يسألهم عن هذا الأمر، فلما اجتمعوا إليه قال لهم: «ألم آمركم أن تنفذوا بعْثَ جيش أسامة»؟.
قالوا: بلى يا رسول اللّه.
قال لهم: «فِلمَ تأخرتم عن أمري؟».
وحار الصحابة فيما يجيبون، فخيَّمَ عليهم الصمت، ولم ينبس أحدٌ ببنت شفة..
لقد كانوا يعرفون شدّة اهتمام الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ببعث جيشٍ إلى بلاد الروم، ولكنَّهم لما رأوا ما يعانيه من آلام ولاحظوا اشتدادَ المرض عليه، حتى كان يُقعده عن الخروج ساعات متواصلة أحياناً، دبَّتْ بهم الحيرة ووقعوا في الارتباك لا يدرون ماذا يصنعون. فمثل هذا الذي أصابَهُ كان عجيباً، إذ لم يعهد أحدٌ من قبل شكايته من مرض يجبره على ملازمة الفراش، أو إصابته بوهن أو ضعف يقعده عن الحركة. وذلك على الرغم من كثرة المصاعب التي اعترضته في حياته، وشدّة النوائب والمخاطر التي حفّت به في مسيرته.. فلما رأوه على تلك الحالة، وكانت المسافة بين المدينة ونواحي مؤتة طويلة، والمشقة قاسية، خالطهم الخوف من السفر ومنعتهم الحيرة عن الخروج، فكانت ساعةُ ضعف غلبت فيها العاطفة، وأنستهم قولَ الله تعالى في مواضع عدَّة من القرآن الكريم حيث يأمرهم بطاعة الله ورسوله.. فإنْ خالف المؤمِنُ أمر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وارتضى عدمَ طاعته بما أَمَرَ، أيّاً كان نوعُ الأمرِ وشأنُهُ، فذلك إثمٌ كبيرٌ يرتكبه - سواء أكان عن قصد أم غير قصد - وذلك ما حصل مع بعض الصحابة الذين قعدوا عن تجهيز أنفسهم للالتحاق بالجيش الذي أمرهم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يكونوا في عداده، وأن ينفذوا بعثه... ولذلك وجدوا أنفسهم يقعون في الارتباك ساعة أن دعاهم الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يسألهم عن التأخير في نفاذ أمره، فصمتوا حتى عادَ يأمرهم بالإِجابة. فقال أبو بكر ( (رضي اللّه عنه) ): «إني خرجت ثم رجعت يا رسول اللّه لأجدِّد بك عهداً».. ثم قال من بعده عمر بن الخطاب ( (رضي اللّه عنه) ): «يا رسول اللّه، إني لم أخرج لأنني لا أحب أن أسأَلَ عنك الركبان، ولكني أسألُ اللّه لك العافية»..
فلم يَزِد النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أن قال: «أنفذوا جيش أسامة...». وردَّدَ قوله هذا ثلاثَ مرات!.. ثم أشاحَ بناظريه عن الحضور، وأغمض عينيه لشدّة التأثّر، حتى ظُنَّ أنه أغمي عليه. وتوهَّمَ البعض أنها غيبوبة الموت، فارتبك الجميع، وعلت الأصوات بالضجيج والبكاء، فأشار عليهم بالتزام الصمت، والانصراف من حوله.. لقد آذتْه معصيةُ أمره، وأعياه التأثرُ كثيراً بعد هذا الاجتماع بالصحابة. ولما حاول أن يقومَ في غده ليصلِّيَ بالناس، كما عوّدهم، لم يقدر على ذلك، عندها قال «مُرُوا أبا بكر فليُصَلِّ بالناس».
وكانت السيدة عائشة ترى في أدائه للصلاة مظهراً من مظاهر الصحة والتماسك، فقالت: «إنَّ أبا بكر رجلٌ رقيق ضعيف الصوت كثير البكاء إذا قرأ القرآن».. فعلا صوت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «مُرُوه فليُصلِّ بالناس». فكررت أم المؤمنين قولها، فصرخ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بها والمرض يَهزّه: «إنكُنَّ صواحبُ يوسف! مُرُوه فليصلِّ بالناس». وذهب من يبلغ أبا بكر (رضي اللّه عنه) أمر نبيه الكريم، فراح يصلّي بالناس، فكانت صلاته بهم سبع عشرة مرّة..
وكان وجَعُ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يزداد كل يوم شدّة، فرأى ضرورةَ التحدث إلى الناس حتى يعهد إليهم، فقال لأهله وأزواجه: «هَرِيقوا عليَّ سبع قِرَبٍ من آبارٍ شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم». وجيء بالماء من آبار مختلفة. وقعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مِخْضب[*] لزوجه حفصة، فَصُبَّ عليه ماءُ القِرب السبع، حتى طفق يقول: «حسبكم، حسبكم».. ثم قام يعصبُ رأسه، وهو يعتمد، بدخوله المسجد، على علي بن أبي طالب بيده اليمنى وعلى ابن عمه الفضل بن العباس بيده اليسرى، إلى أن اعتلى المنبرَ، فبدأ كعادته بحمد الله تعالى والثناء عليه، ثم راح يصلّي على أصحاب بدرٍ وأُحد ويستغفر لهم، بل ويكثر من الصلاة عليهم.. ثم خاطبَ الناس، فقال: «معاشرَ الناس، قد حان مني خفوق[*] من بين أظهركم، فمن كان له عندي أمانةٌ فليأتني أعطِهِ إيّاها. ومن كان له عندي دَيْنٌ فليُخبرني به.
»معاشر الناس، ليس بين اللّه وبين أحد شيء يعطيه به خيراً أو يصرف عنه شراً إلاّ العمل الصالح.
»أيها الناس، لا يدّعي مدّع ولا يتمنّى متمنٍّ. والذي بعثني بالحق نبياً لا يُنجي إلا العمل مع رحمة اللّه، ولو عصيتُ لهوَيت. اللهم هل بلَّغت؟».
وسكت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هنيهةً، خيَّمَ خلالها الصمتُ والوجومُ، ثم عاد إلى الحديث، فقال: «إنَّ عبداً من عباد الله خيَّرَهُ الله بين الدنيا والآخرة، وبين ما عنده، فاختار ما عند الله».. وسكت النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من جديد، والناس كأنما على رؤوسهم الطير، وهم يدركون بأنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعني بهذه العبارة الأخيرة نفسَهُ. فأجهش كثيرون بالبكاء...
ونزل رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن المنبر يريد أن يعود إلى بيته، على أنه لم يلبث أن التفت نحو الناس وقال: «يا معشر المهاجرين، استوصوا بالأنصار خيراً، فإنَّ الناس يزيدون، والأنصار على هيئتها لا تزيد. وإنهم كانوا عيبتي[*] التي أويت إليها، فأحسنوا إلى مُحسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم».
وعادَ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى فراشه، معتمداً على ابني عَمَّيْهِ كما جاء، وقد اشتد به المرض أكثر، وقويتْ عليه الحمّى، فكان إذا وضع أحدٌ يده عليه، لا يكادُ يطيقُ حرَّ الحمّى كما وصفها أبو سعيد الخدري، عندما جاء يعودُهُ، فجلس بجانبه، ومدَّ يدَهُ إلى جبينه الشريف، فقال: واللَّهِ إنها لشديدةٌ حُمّاك يا رسول اللّه، بأبي أنت وأمي.. فقال له النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «إنَّا معاشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء، كما يضاعف لنا الأجر».. وقد قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أثناء مرضه أيضاً «أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل. يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة شُدّد عليه»[*].
وفيما هو في هذه الشدّة، وفي البيت رجال، قال: «ائتوني بدواة وصحيفة اكتبْ لكم كتاباً لا تَضِلّوا بعده أبداً»[*]. قال بعض الحاضرين: «إن رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، وحسبُنا كتاب اللّه». ويذكرون أنَّ عمر بن الخطاب هو الذي قال هذه المقالة. واختلف الحضور، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتُب لكم رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كتاباً فلا تضلُّوا بعده، ومنهم من يأبى ذلك مكتفياً بكتاب اللّه.. فلما رأى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خصومتهم قال: «قوموا! ما ينبغي أن يكون بين يدَي النبيِّ خلاف»[*].. وكان ابن عباس يرى بعدها أنهم أضاعوا شيئاً كثيراً بأن لم يسارعوا إلى كتابة ما أرادَ النبيّ إملاءه، [أما عمر فظلَّ ورأيَهُ: أَنْ قالَ اللَّهُ في كتابِهِ الكريم: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعَام: 38][*].
ومثل هذه الشدة في المرض جعلت بعض أهل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يرون أن يسعفوه بعلاج، فأعدّت أسماءُ بنت عميس شراباً، عرفته أثناء مقامها بالحبشة، وانتهزوا فرصة إغماءة من إغماءات الحمى فصبّوه في فِيهِ. فلما أفاق قال: من صنع هذا؟ ولِمَ فعلتموه؟! قال عمه العباس، وكان أحد الذين قرَّ رأيهم على ذلك: خشينا يا رسول اللّه أن تكون بك ذاتُ الجنب. قال: «ذلك داء ما كان اللّه عز وجل ليقذفني به»!.
وكان عند النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سبعة دنانير خاف أن يقبضه اللّه تعالى إليه وما تزال باقية، فأمَرَ أن يتصدّقوا بها. فلما كان يوم الأحد الذي سبق وفاته، أفاق، وكان أول ما سأل عن الدنانير ما فعلوا بها؟ فأجابت السيدة عائشة: إنها ما تزال عندها. فطلب إليها أن تحضرها ووضعها في كفه ثم قال: «ما ظَنُّ محمد بربه لو لقي اللّهَ وعنده هذه». ثم تصدّق بها على فقراء المسلمين.
وكان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد قضى ليلاً هادئاً، إذ نزلت عنه الحمى، فلما كان الصبح، وفيما أبو بكر (رضي اللّه عنه) يصلّي بالناس، تقدم وأزاحَ الستارَ من أمامه، ثم وقف ينظر إلى جموع المصلين بعين ملؤها الارتياح والرضى، ولكن من غير أن يتلفظ بكلمة واحدة، حُبّاً بالصلاة وتقديساً لها. وانفلتت من بعض المصلِّين لمحاتُ بصر وقعت على رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقد رأوه واقفاً والبشر على وجهه بادٍ بوضوح، فظنوا أنه شُفي من مرضه، مما جعل الفرح يأخذ بألبابهم حتى كادوا أن يفتنوا في صلاتهم. ولاحظ رسول الهدى انفعالاتهم تلك، فأشار إليهم: أَنِ اثبُتُوا في صلاتكم..
ولم يعرف هؤلاء المصلُّون كيف أنهَوا صلاتهم، فهبت جموعهم تتدافع نحو نبيِّهم الهادي، وكلٌّ يريد أن يلمسَ يده، أو يقبّلَ رأسه، أو يمسكَ طرف ثوبه. وأحيط به من كل جانب، وقد اختلطت الأصوات ببعضها البعض، فلا يَسمعُ أحدٌ ما يقوله الآخر، وهم بلسان واحد يهنئون نبيهم بالسلامة ويدعون له بالشفاء الكامل كي يعودَ إليهم، ويقودَهم في المسيرة العظيمة التي حمل لواءها بعزم وثبات..
وأشار النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ببعضٍ من هدوء، ثم خاطب الناس، وقد رفع صوته حتى سمعه من كان خارج المسجد، فقال. «أيها الناس، سُعِّرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم. وإني واللّه ما تمسكون عليَّ بشيء. إني واللّه لم أُحِلَّ إلاَّ ما أحلَّ القرآن، ولم أحرّم إلاَّ ما حرّم القرآن»[*].
وراحَ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد هذا البيان الوجيز الواضح يسألُ عن الأحوال وعن الشؤون، ويستفسر عن كل أمرٍ يريده، حتى قضى بعض الوقت بين الناس. ثم دعاهم للتمسك بحبل اللّه، والمواظبة على الجهاد وعلى العمل الصالح، ما دامت الأرض قائمة، وما دام فيها مسلمون لا يريدون إلا وجه اللّه عز وجلّ. وعَظُمَ فرح المسلمين بما رأَوا من ظاهر الصحة على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقاموا يسعون إلى أرزاقهم، وهم يظنون أن الخطَرَ قد زال عنه، وأنه لن يلبث أن يعود إليهم، على أتمّ عافيةٍ وسلامة!..
هكذا كان لقاء المسلمين لنبيِّهم في صبيحة يوم الإثنين، الواقع فيه الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة للهجرة. وهي صبيحة رأَوها مباركة لعودة الرسول إليهم، فتفرقوا وكلهم سعيد بتلك العودة، ومطمئن إلى الغد، من غير أن يدور بخلد أحد منهم قطُّ، أنها كانت اللحظات الأخيرة التي يُرى فيها الرسولَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على تلك الحالة من رونق الحياة، وأنه الاجتماع الوداعيّ الذي لا لقاءَ بعدَهُ في هذه الدنيا، وأنَّ ما رأوه من ظاهر الصحة لم يكن إلاَّ الصحوةَ التي تسبق الموت، والومضةَ التي ينتهي فيها زيت السراج وينطفئ...
وفاةُ الرسول العظيم والنبيّ الكريم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
لم يترك الرسولُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المسجدَ، بل ظلَّ في مجلسه إلى أن خلا من المؤمنين، فقام يدور في جوانبه، ويتأمّلُ كلَّ ناحية فيه، ثم يُسرِعُ إلى فراشه، وقد وهنَ منهُ كلُّ عزم، وخارت منه كلُّ قوة.. وكان يوماً قائظاً، فدعا إليه بإناء ماء بارد، راح يضع يدَهُ فيه ويمسح بها وجهه. وقد اجتمع إليه أهلُهُ وأزواجه، الذين لازموه في مرضه، ولم يفارقوه قطّ، بل ظلّوا يحيطون به، كما يحيط الهدبُ بالعين، وهم يقومون على تمريضه بالمحبة والتفاني، بل ويتسابقون على خدمة هذا الحبيب إلى قلوبهم جميعاً، وكلٌّ يتمنَّى لو يكون طريح الفراش بديلاً عنه.
لقد كانت تلك هي الساعات الأخيرة من عمر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في هذه الدنيا، ولكنَّها ساعاتٌ مضنية حقاً، اشتدت فيها الحمى، وقوي الألم، ونبيّ اللّه يعالج سكرات الموت بصمت، ويقاسي الأوجاع بصبر، لا تَبْدُرُ منه بادرةُ تأفّفٍ، ولا تَخرُجُ من فمه كلمةُ تأوُّهٍ. بل جُلُّ ما يفعله أنّه كان ينظر إلى أهله وأحبائه بعين ملؤها الحنان، ثم يرنو بناظريه إلى الأعلى، مسبحاً بحمد ربه، مثنياً عليه، مستغفراً، شاكراً، منيباً.. ولقد كان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يحرص كلما دخلت عليه ابنته فاطمة الزهراء أن يقوم إليها ويقبلها ثم يجلسها في مجلسه[*]، حتى اشتدّ عليه المرض، فباتت تجلس إلى جانبه، تتلمّسُهُ بلهفة ومحبة، وتنظر إليه بحرقة ولوعة، وهي لا تستطيع أن تدفع عنه بما يخفف من آلامه، أو يكابدُ من كربه، فتبكي وتتأوّه، وهي تقول: «واكرب أبتاه». ولكنَّ الأب العظيم يهدّئ من روعها، ويقول لها: «لا كرب على أبيك بعد اليوم يا بنيّة. إذا أنا مُتُّ فلا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تُرخي شعراً، ولا تنادي بالويل، ولا تقيمي عليَّ نائحة».
وأدركت فاطمة الزهراء (عليها السلام) أنَّ كلَّ شيء قد انتهى، أو شارف على الانتهاء. فهذا المرض الذي كرَبَ أباها سيزول عنه، ولا يمكن بعد اليوم لِهَمٍّ أو غمٍّ مهما عظم أو اشتدَّ أن يقترب منه. ذلك أن حياة المؤمن في هذه الدنيا مليئة بالبلاء، حُبلى بالمكاره، لأنه يعيش في نطاقه الضيِّق، سجيناً في جسده، وفي حيّزه المحدود، مقيداً بأقواله وأفعاله، ولا يمكن له التحرر من ذلك السجن، والانعتاق من هذه القيود إلاَّ إذا توفاه اللّه سبحانه وتعالى، فينطلق عندها إلى الرحاب القدسية، ويخلد إلى الراحة الأبدية.. وإذا كان المؤمن على هذا الكرب في دنياه، تلاحقه الهموم، وينزل عليه الشقاء كونه يعيش في دار تكليف وبلاء، فكيف يكون كَرْبُ الرسول الأعظم، بما عُهِد إليه من عظيم التكليف، وبما ألقي على عاتقه من جسيم المسؤولية، حتى أنه كان يحمل همومَ الناس وآلامهم في نفسه - الأشقياء منهم والأتقياء - على حدٍّ سواء.. فأشقياؤهم كاد أن يُذْهِبَ نفسه عليهم حسراتٍ، لأنه يرى مصيرهم إلى النار، وما فتئ يتحسَّرُ عليهم إلى أن نهاه ربُّهُ عن ذلك بقوله عزَّ وجلَّ: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فَاطِر: 8] لأنهم غير أهلٍ لذلك.. وأتقياؤهم كان يحزنه ما يحزنهم، ويؤلمه ما يؤلمهم، لشدة حرصه عليهم، ورأفته بهم، كما وصفه ربُّ العالمين وهو يخاطب المؤمنين بقوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ *} [التّوبَة: 128].
وإذا كان اللّه سبحانه وتعالى قد أظهر للمؤمنين بما ينزل من آياتٍ قرآنيةٍ كريمةٍ، شدَّةَ تعاطف رسولهم معهم، وحرصه على كل أمر من أمورهم، واهتمامه بكل شأن من شؤونهم، فإنَّهُ عزَّ وجلَّ قد أمرهم بطاعة هذا الرسول، والامتثال لأوامره ونواهيه، يأخذون ما آتاهم، ويتركون ما نهاهم عنه، وذلك بقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحَشر: 7].
ولقد أبانَ الرسولُ الأعظم للناس الطريق الذي يسلكون إذا أرادوا الجنة مأوى ومثوى، وذلك بالمجالدة على النوائب، والصبر على المصاعب، بعيداً عن الرغبات والشهوات، وعن المطامع والمكائد، وعن كل عَرَضٍ من أعراض الدنيا ومتاعها، إذا كان كسبُه عن طريقِ الحرام. وهذا بخلاف من يركضون وراء أهوائهم، ولا يميِّزون بين حلال أو حرام، وبين هيّن وصعب، مهما كان الهيّن شراً أو الصعب خيراً، فهؤلاء مصيرهم النار.. ويتجلّى هذا البيانُ النبويُّ بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «الجنة حُفَّت بالمكاره، والنار حُفَّت بالشهوات»[*].
هذا هو محمدٌ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .. كان طيلةَ حياته تجاه كلِّ الناس: رؤوفاً رحيماً، متعاطفاً وهادياً. وذلك الكرب العظيم الذي حَمَلَهُ في دنياه سوف يفارقه في الآخرة، ويرتاح منه. ولذلك قال لابنته فاطمة الزهراء قول الحق والصدق: «لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة».
وإذا كان لا راحة لمؤمن إلاَّ بلقاء ربه، واللّه ـ سبحانه ـ هو أكرم الأكرمين على عباده الذين اصطفى، فكيف بأكرم وافد إليه، وخير من اصطفى على الإِطلاق؟. إنه حقاً سيفارق الكرب، وينزل عن أكتافه العبءُ الثقيل، في نفس اللحظة التي سوف ينتقل فيها إلى الرفيق الأعلى..
وتدرك فاطمة الزهراء (عليها السلام) ذلك كله، وتنزل عند رغبة أبيها، فلا تثور، ولا تنادي بويلٍ أو ثبور.. ولكنّ الحرقة تشتدُّ في قلبها، فلا تجد لها متنفَّساً إلاَّ الدموع تنهمر من مآقيها، لتغطيَ وجهها الحزين، الشاحب.. لقد أدركت أن أباها محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سوف يفارق هذه الدنيا، فركنت إليه تلتصق به، وتشدُّه إليها بشوق يغلب كل شوق، وبمحبة تفوق كل محبة.. وكيف لا!.. أوَ ليس هذا الأبُ غيرَ سائر الآباء؟ إنه نبيٌّ ورسولٌ حقّاً، ولكنه الأب الذي كان لها كل شيء في الوجود، أعطاها من نفسه، ومن قلبه فأحياها بأبوّتِهِ، وأعطته من نفسها ومن قلبها فسرَّته ببنوَّتها. كان هو يشدُّها إلى الحياة أكثرَ مِنَ الحياةِ نفسِها، وكانت هي تؤنس وجوده الأرضي بطبيعته الإنسانية التي كانت تستوعب خلقَ اللّه كلهم، وتخصّها وحدها بالقدر الكبير من إنسانيّتِهِ..
إنساناً وإنسانةً كانا، وأباً وابنةً عاشا، ولكن تداخلت روحاهما، وتمازجت نفساهما، حتى باتا يؤلِّفان وحدةً من المشاعر لا تنفصم، وكتلةً من الأحاسيس لا تنفصل، والرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يؤكد هذا بقوله: «فاطمة بضعةٌ مني، من أغضبها أغضبني»[*]، وبقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «إنَّما فاطمةُ بضعةٌ منّي، يؤذيني ما آذاها، ويُنصِبُني ما أَنْصَبَها»[*].
عاشتْ فاطمة الزهراء في خدمة أبيها، فشقّ عليها أن ينزل به المرض، وعظم عليها أن يتفاقم عليه الكرب، ولذلك لم تفارقه قط في أيامه الأخيرة، بل ظلت بقربه، حتى حانت الساعة التي لا بدَّ منها. ورأى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه قد أشرَفَ على مفارقة هذه الدنيا، فأسرَّ إليها حديثاً فبكت، وآلمه أن يراها تبكي بحرقة ولَوعة، فعاد يشير إليها أن تُدْني أذنها من فمِهِ، فأسرَّ إليها حديثاً آخر، فابتسمت، فانفرجت أساريره (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لابتسامتها مما جعل الحاضرين يستغربون ما يرون!. إذْ كيف بلحظات تحوّلت فاطمة من العبوس والدمع، إلى الانفراج والابتسام، ومن التجهّم والكرب، إلى الانشراح والارتياح.. وإنه لأمرٌ قد يستدعي العجب من كل من يرقب ويشهد، ولذا بادرت السيدة عائشة تسألها عن ذلك، فقالت: ما كنت لأفشي سرَّ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . وحاوَلَ كثيرون، غير عائشة أن يعرفوا السرَّ، ولكنَّه ظلَّ في وجدان صاحبته... إلاَّ أنَّ هذا الانشغال بالسرِّ لم يدم إلاَّ هنيهات، وفي ومضة عين وارتداد طرف، رأى الحاضرون أن عيني النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد أغمضتا، وأنفاسه قد توقفت، فظنّوا أنها سكرةٌ من سكرات المرض قد عاودته، وإغماءة قد أثقلت عليه. ولكنَّ الحقيقة كانت غير ذلك، إذ كان خاتم النبيين قد قُبض، وصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها لتستقبل حياة الخلد في جنة اللّه الواسعة.
... مات محمد، مات رسول اللّه، أو لا تدرون؟!...
هذا ما صرخ به أحد الحاضرين..
ورانت لحظاتُ هدوء، وكأنَّ شيئاً لم يحصل، وخيّمت السكينة وكأنْ لا أحَدَ بقرب الجسد الشريف المسجى.. إنها لحظات الذهول، فيها طاشت الأفئدة، وطُمِسَ على العقول..
على أنَّ تلك اللحظات لم تَدُمْ بمداها الزمنيّ إلاَّ قليلاً، وأفاقَ الحاضرون من الذهول، ليجدوا أن المصيبة الكبرى قد وقعت، والكارثة المُروِّعة قد حلّت، فانفلتت العواطف هلِعةً، وانعتقت الأحاسيس مذهولةً، فإذا البكاء والصراخ والضجيج والنواح تملأ الأرجاء، وتصل إلى أطراف المدينة، فتبعث الذعر!..
ولم تصدّق عيون الرائين بأنَّ عين النبيِّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد أغمضت فلن تَفتحَ على هذه الدنيا، بعد. ولم توقن الأنفس بأن جَسَدهُ الطاهر، الذي كان على امتداد عمره السنيّ يمتلىء حيويةً ونشاطاً، يمكن أن يصبح جثةً هامدة لا حراك فيها..
لا أحد يريد أن يتقبَّل ما يرى أو يسمع، لأنه ينشُدُ في أعماقه الهربَ من هذا الواقع الأليم المرّ، فلا تجبهه الحقيقة بأن رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد مات. وكان أن سيطر الذهول على الناس، واعترتهم الدهشة ..
الحدثُ كان له أشدُّ الوقع على قلوب المسلمين وعقولهم، حيث ذُهل الجميع، فلم يقبل كثيرون أن يصدّقوه. ولكن كان الجواب القاطع، من كل من أفَاقَ ووعى الحقيقة: إنه الموتُ قد خطفه منا، ونحن في غفلةٍ من الزمن... أمّا من عقَلَ النبأُ الفاجعُ لسانَهُ ولم ينطق بكلمة، فقد اندفع إلى بيت رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو بين الشك واليقين، يريد أن يتأكَّدَ مما يُشاعُ ويقالُ، فلعلَّهُ دسٌّ من المنافقين، أو شعوذةٌ من المشعوذين!.
وكان أولَ من هرع، وقد جاءَ على جناح السرعة، وهو يقطع طريقَهُ ركضاً، عمرُ بن الخطاب. إذْ دَخَلَ إلى بيت رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأقبل على فراشه، يزيح الغطاء عن وجهه، ثم يهبُّ واقفاً، وهو يصرخ في وجوه الناس: أن يخفضوا أصواتهم ويمنعوا الضجيج حتى لا يوقظوا رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في إغفائه.. لقد تراءى له، وهو يحدّق في وجهه الشريف أنه نائم، فلم يَعُدْ يفرّق بين إغماضة الموت وإغفاءة الحياة.. وتقدم المغيرة بن شعبة في محاولة لردِّه إلى حالة الوعي، فلمَّا ألحَّ عليه، صاحَ في وجهه: «كذبت يا هذا، إنَّ رسولَ الله لم يَمُت»..
وانقلب عمرُ إلى داخل المسجد، وهو على نفس الحدَّة من الانفعال، وراح يصرخ في الناس: «إنَّ رجالاً من المنافقين زعموا بأن النبي تُوفِّي، وأنا أقول ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ورجع إلى قومه بعد أربعين ليلة. واللّهِ ليرجعَنَّ رسول اللّه كما رجع موسى بن عمران، فليقطعنَّ أيدي رجال زعموا أنه مات»..
وجاء أبو بكر الصديق بعد أن ذهب إليه سالم بن عبيد، يؤكد له الخبر، وعيناه تهملان بالدمع، وأنفاسه تتقطع في صدره من اللُّهاث، فانكبَّ على الجسد الطاهر المسجى، يلثم حَبْرَتَهُ اليمنية بحرقة، وهو يجهش بالبكاء على قائد المسيرة، ورفيق العمر، وحامل اللواء. ثم يلتفت إلى عليِّ بن أبي طالب، فيراه كسيرَ الخاطر، منهمرَ الدمع، حتى لكأنه إنسان آخر، وليس الفتى عليّاً، الشجاع، المقدام، الجَلْدَ على الصعاب، الصّابرَ على النوائب...
واجتمع حول الجسد الطاهر كبارُ الصحابة محزونين، هلعين. وكلٌّ يندبُ نفسَهُ، ويندبُ معها هذه الدنيا بأسرها لفقد سيِّد المرسلين، وقائد البشرية الحكيم، والمعلِّم الهادي، والرفيق الرحيم..
الخواطر كانت تتزاحم في بال الصحابة وهم يحوطون بالجسد الطاهر من كل جانب، إلاَّ أن الأفكار مشتتة، والمشاعر ذائبة، وكأنّي بكلٍّ منهم يقول في نفسه:
بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه.
بأبي أنت وأمي يا حبيب الله.
بأبي أنت وأمي يا رفيق العمر، ويا ملاذ الصحبة وعشير الروح، ويا صنو الفؤاد..
بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه، كيف تتركنا ونبقى نحن على قيد الحياة من بعدك؟!.
بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه، يا من كنتَ أحبَّ الناس إلى قلوبنا، وأقربَ الأحياء إلى ضمائرنا ونفوسنا، كيف تفارقنا وأنت قوام وجودنا، ومطلع شمسنا وغروبها؟!.
بأبي أنت وأمي يا من وداعهُ يُدمي، وبعاده يُضني... لئن اختارك الله تعالى إليه، فأنت رسولُهُ المختار، ونبيه المصطفى، وحبيبه المجتبى. إننا من بعدك على العهد قائمون، وعلى حمل المشعل ساهرون، فإلى جوار الله صُعُداً، وإنّا لله وإنا إليه لراجعون.
بكى الصحابةُ وأبكَوا الناس، ولكن أيُّ بكاء هذا وفقيدهم هو محمد سيد المرسلين، وخاتم النبيين؟! إذن فليبكوا.. وليكثروا من البكاء.. لأنَّ بكاءهم مهما اشتدَّ يبقى قليلاً على هذا الفقيد، وعلى هذه الخسارة العظيمة التي لا تعوّض.
الناسُ في بكاء وجزع، ولكنَّ أهل البيت هم أشدُّ الناس إيلاماً، وأوجعهم حزناً، لأنهم الأكثر مصاباً.
لقد كان فيهم وهو ينبض بالحياة، فيجعل للحياة معنًى. وها هُمُ الآن يحيطون به، جسداً بلا نفس ولا روح، فأي غاية من الحياة بعدُ يرومون، وإلى أي أملٍ بعد يتطلعون؟!...
لقد هزَمَهُمُ المصابُ الأكبرُ، فتراهم في تلك اللحظة بشراً حقاً، ولكنهم في الأعماق كتلةٌ من الإحساس لا تعرف إلا الألم، ونبضات من المشاعر لا تخالطها إلاَّ الحرقة...
أهل البيت، والناس جميعاً، حَزانَى، ثَكالى، فاقدون، مصابون مكْلومون!.
نعم كلُّهُم هكذا.. لأن المصاب ما بعده مصاب، والخسارة ما بعدها خسارة.
الجميع في ذعر!..
الناسُ على الأرض في مأتم الوداع الأليم، والفراق الحزين..
ولكنَّ الملائكة في السماء في عرس أعظم الوافدين، وملاقاةِ خاتمِ النبيين.. إنه مأتم الأرض كلها لأنَّها فقدت سيّد البرية حامل مشعل الإيمان بالله الرحمن الرحيم، وقائد عقيدة التوحيد، بعمادها: لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وحدَه لا شريك له... وإنه عرس الملائكة لأنَّها تستقبل أكرم الوافدين إلى الله عز وجلَّ، خالق السموات والأرض والملائكة والجن والناس أجمعين.
وفي مأتم الأرض، قعدت فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ابنة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تذرف الدموع، وترسل العبرات، وهي تنعى أباها إلى خالقه عز وجلّ، وإلى حبيبه جبرائيل الأمين (عليه السلام) قائلة: «واأبتاه!.. أجاب داعٍ دعاه.. واأبتاه! الفردوس مأواه.. واأبتاه! إلى جبريل ننعاه»..
إنه مأتم أهل الأرض حقاً بموت الحبيب على القلوب، العطوف على الفقراء، الحاني على الضعفاء، الساعي إلى إشباع الجائعين، العامل على إرواء الظمآنين، المجاهد من أجل التعساء المظلومين، الهادي للأحرار والمؤمنين. فمن يكون لكل هؤلاء من بعده، ومن يقدر على عطائه الذي كان يغدقه، أو يستطيع أن يكون له الفضل الذي يُسديه؟!..
الكلُّ بات يتيماً بارتحال محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن هذه الأرض.
وإنَّ ما أصاب أهل مدينة الرسول المنوّرة من ذهول ودهشة، وما اعتراهم من خوف وذعر، لم يكن إلاَّ خلجة من خلجات الشعور بالمأساة الكبرى. فلا عجب إن لم يصدّق الكثيرون أن الرسول قد مات. ولا عجب إن بقي عمر بن الخطاب واقفاً في المسجد يتهدد ويتوعّد كلَّ من تسوّل له نفسه القول إن محمداً قد مات، حتى جاءَ أبو بكر الصديق، يمسكه بكتفه ويَهُزّه، طالباً إليه أن يصغي، ثم يخاطب الناس قائلاً: «أيها الناس، من كان يعبدُ محمداً فإنَّ محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت. ثم تلا قولَ اللّه تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ *} [آل عِمرَان: 144].
كان الناسُ يُنصتون، وما إن سمعوا قولَ الله عز وجلَّ، وأبو بكر يتلوه، حتى عادَ إليهم الوعي، وكأنَّهم نسوا تماماً هذه الآية من كتاب الله المبين، وأخذها الناسُ من فورهم، وراحوا يردّدونها، فإذا هي على كل شفةٍ ولسان، تهدّئ من الروع، وتهدي إلى الحق الذي لا مراءَ فيه. لقد أدركوا أن محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بشر كسائر البشر، وعليه يقع الموت كما يقع على سائر خلق الله «كل نفس ذائقة الموت»، وأنّ كلَّ من عليها فانٍ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام، لأنه وحده الحيُّ القيّوم، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، بيده الحياة والبقاء، وبيده الموت والفناء... لقد أدركوا أن الموت حقّ، فتتالت في أذهانهم آيات الله تعالى الدالةُ على هذا الحق، ومنها قوله تعالى وهو يخاطبُ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «إنك ميت وإنهم ميتون». إنه الموت فعلاً، ولكنه الحق من ربهم. ولا يجوز التفجع به لأن التفجع يكون بمثابة اعتراض على حكم الله عز وجلَّ، وحاشَا للصحابة الكرام أن يفعلوا شيئاً مخالفاً لأمر الله تعالى، أو يأتوا شيئاً نهاهم عنه رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - إلاَّ في بعض الحالات من الضعف في النفس البشرية ـ.
مات محمدٌ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حين اشتدَّ الضحى من يوم الإثنين الموافق للثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة للهجرة، وقد بلغ من العمر ستين وثلاثة أعوام.
وفي نفس هذا اليوم، وقبل أن يُغسل، اتجه الصحابة لإقامة خليفة يُعهد إليه بشؤون المسلمين، بينما انشغل أهل البيت بتجهيز حبيبهم للرحلة الطويلة التي لا رجوع منها... فاجتمع من حول جسده الطاهر ابن عمه وصهره عليّ بن أبي طالب (رضي اللّه عنه)، وعمه العباس، وابنه الفضل وغيرهم كثيرون من بني هاشم، الذين فدوه بكل ما يملكون من مهج وقدراتٍ، يوم تألّبت عليه قوى الشرِّ في مكة، لتمنعه من أداء واجبه القدسيّ، ونشر دين الله عز وجل.
وتكفَّل عليٌّ (رضي اللّه عنه) بغَسْلِ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فكان يحسُّ بفوح الطيب يعبق منه، فيقول كلّما صبَّ عليه الماء: «بأبي أنت وأمي ما أطيبك حياً وميتاً يا رسولَ الله، لولا أنك أمرتَ بالصبر، ونهيت عن الجزع!!.. بأبي أنت وأمي.. إن الصبر لجميلٌ إلا عنك، وإن الجزع لقبيح إلا عليك.. اذكرنا عند ربك، واجعلنا من همِّك».. وقد غَسّلَهُ بالماء والسدر، ثم جفَّفَهُ وكفَّنَهُ في ثلاثة أثواب، اثنين أبيضين صحاريين، والثالث بُرد حبرة أُدرج فيه إدراجاً.
وروي عن عليّ نفسه ما قام به أثناء غَسْل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذ قال: «أوصى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن لا يغسله أحدٌ غيري، فكان الفضل بن العباس وأسامة بن زيد يناولانني الماء من وراء الستر، فشققتُ قميصه من قُبُلِ صدره حتى بلَغَ سُرَّتَهُ، وتوليت غسله وتحنيطه وتكفينه. والفضل يعطيني الماء ويُعينني. حتى إذا فرغت من تجهيزه وقفت وصلّيت عليه وحدي، والمسلمون يخوضون في مَنْ يؤمّهم بالصلاة على رسول اللّه، كما يخوضون في مكان دفنه. فخرجت إليهم وقلت: إنَّ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إمامُنا حيّاً وميتاً، فليدخل عليه فوج بعد فوج منكم، فيُصلّوا عليه وينصرفوا. وإنَّ الله سبحانَهُ وتعالى لم يقبض رسولاً في مكان الاَّ وقد ارتضاه لرمسه فيه. وإني لدافنٌ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حجرته التي قبض فيها. فسلَّم الناس بذلك ورضوا به».
وصلَّى المسلمون على رسولِ الهُدى أرتالاً متتابعين، من غير أن يؤمهم أحدٌ في هذه الصلاة. فدخل المهاجرون، ثم الأنصار، ثم النساء والغلمان... وقد جاءَ أبو بكر بعد أن تمهدت له الأمور، وبويع خليفةً، فدخَلَ وصلَّى، ثم قال، وقد استوى المكان بالناس: «السلام عليك يا رسول اللّه ورحمة الله وبركاته، نشهد أنك نبيُّ الله ورسوله قد بلّغ رسالة ربه، وجاهد في سبيله حتى أتمَّ اللَّهُ النصرَ لدينه، وأنه وفى بوعده، وأمر ألاّ نعبد إلا الله وحده لا شريك له».. وكان المسلمون، الذين امتلأ بهم المكان، يجيبون عند كل جملة من كلام أبي بكر في هيبة وخشوع: آمين، آمين..
وبقي الجثمان الطاهر في مكانه إلى ما بعد ظهر اليوم التالي الثلاثاء (13 ربيع الأول سنة 11هـ)، وقد أنفذَ عليٌّ ابنَ عمه الفضلَ بن العباس إلى زيد بن سهل فأتى وحفر قبر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفق ما لزم. وحانت ساعة الوداع الأخيرة، فوقفت الجموعُ في الخارج، بينما تولّى الدفنَ عليٌّ، وعمُهُ العباسُ، وابنُه الفضلُ، وأسامةُ بن زيد (رضوان الله عليهم). فنادت الأنصارُ من وراء الباب:
»يا عليّ! إنا نذكّرك الله وحقَّنا اليومَ من رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . أَدْخِلْ منا رجلاً يكون لنا به حظٌّ من مواراة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جدثَ الرحمة»!..
فطلب عليٌّ إليه أوسَ بنَ خوليّ من بني عوف، من الخزرج، وكان بدريّاً فاضلاً، ومقداماً في الجهاد باسلاً. فلمّا صارَ في داخل الحجرة، أشار إليه أن ينزل إلى اللحد، ويتناول منه الجسد الشريف ففعل، فاحتضنَ عليٌّ حبيبَهُ إلى صدره، وحمله على يديه، ثم ناوَلهُ إلى أوس، فوضعه على مَهَلٍ في أرض قبره. ونزل إليه عليٌّ وحده، يكشف عن وجهه المشرق، ويجعل خدَّه ملامساً التراب، ووجهه نحو قبلة المؤمنين في بيت الله الحرام في مكة، بعد أن لحده على جانبه الأيمن..
وغُطّيَ لحدُ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) باللبن، ثم هيل عليه التراب حتى استوى قبره قائماً، فربَّعَهُ عليٌّ ووضع اللبنَ فوق التراب حتى ارتفع عن الأرض بمقدار شبر وأربع أصابع..
رقدَ جَسَدُ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مثواه الأخير، وبقي أن يدخل المسلمون يُقرئونه السلامَ، ويتلون على روحه الطاهرة سورة الفاتحة من القرآن الكريم.. كان أولَ المتقدّمين فاطمةُ الزهراء (عليها السلام) ابنةُ الراحل العظيم، إذ جثت فوق القبر ترسلُ الدمعَ غزيراً، ثم تمسك ترابَه فتشمُّهُ، وتمسحُ به وجهها وتكحّل به عينيها، وهي تقول:
ماذا على مَنْ شَمَّ تُربةَ أحمدٍ
أن لا يَشُمَّ مدى الزمان غَوَالِيَا
صُبَّتْ عليَّ مصائبٌ لو أَنَّها
صُبَّتْ على الأَيامِ عُدْنَ لَيَالِيَا
وغصَّت، بعد ابنة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ردهة القبر المقدس بالمسلمين، يتبرَّكون من الثرى النبويّ، ويسلّمون على النبيِّ تسليماً كثيراً... وها هو القبرُ، وبعد أربعة عشر قرناً، لا يزالُ مزاراً لكل مسلم مؤمن يأتيه من أقاصي بقاع الأرض وأدناها، ليزورَهُ ويقدم له الولاء، والإخلاص لدينه القويم.. ومَنْ لم يقصدْهُ خصّيصاً، فإنَّهُ لا يتوانى عندما يذهب لأداء فريضة الحج - بل ولا تطاوعه نفسُهُ - إلاَّ أن يزورَ نبيَّهُ الأكرم قبل أن يعود إلى بلاده.. أجل إنهم يأتون إليه قاصدين أو حجّاجاً لبيت الله الحرام - في مماته، كما كانوا يأتون إليه في حياته، من كلّ فجٍّ عميق، فينحنون أمام الضريح المقدّس وفوقه القبة الخضراء، خاشعين، متبرّكين، ثم يتسابقون للصلاة في رحاب مسجده الشريف، عابدين، حامدين..
طيَّبَ الله ذلك الثرى بالمدينة المُنوّرة - وقد أنارها الله بهُدى رسوله محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) منذ وصولِهِ إليها - وجعلَهُ دائماً وأبداً مقصداً، ومحجةً للمسلمين، وملاذاً للمؤمنين، في فناء مسجده الطاهر يطمئنّون، وبجوار الحضرة الشريفة يتعبدون ويتذاكرون، وبهديه يستغفرون وينيبون..
هكذا انتهت الحياة الدنيوية لأكرم خلق الله - سبحانه - على الله. وخرج محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من هذه الدنيا لا يحمل معه إلاَّ كفنَهُ وريحَهُ الطيب، وعملَهُ الصالح، الذي كان ملؤهُ الخير والعطاء، والجهادُ في سبيل الله... لقد أطلَّ على الحياة وليداً من البشر، فعاش بين الناس مكتملَ الصفات الفردية، ومثالاً أعلى للنفس الإنسانية. حتى إذا أنزَلَ الله تعالى عليه الوحيَ، وانتدبَهُ لحمل أكبر رسالة سماوية إلى الأرض، امتثلَ للأمر السنيّ، وانطلق ينشر دينَ الله - تعالى - حتى تكون كلمة الله العُليا، وكلمة الذين كفروا السُّفْلى!... ولم تكنْ إلاَّ مدة قصيرة لم تتجاوز ثلاثاً وعشرين سنة - هي لا شيء في عمر الزمان - حتى نَشَرَ الإسلام ديناً لله على الأرض. ثم لم يلبث بعدها حتى فارق هذه الدنيا، وقد خلَّفَ ميراثاً للحقِّ لا يحول ولا يزول، ودعوةً للإيمان لا تستكين ولا تنقطع، يُلْزَمُ المؤمنون بحملهما جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن، حتى تبقى الهدايةُ مستمرَّةً، والإيمانُ ثابتاً، والاتصالُ ما بين الخالق وعباده قائماً..
هذا ميراث محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي خلّفه على الأرض، قبل أن ينتقلَ إلى الرفيق الأعلى، ليخلد في الجنة سيداً مع النبيين المصطفَيْن الأخيار، والرسل الطاهرين الأبرار، والثلة المختارة من عبادِ الله الصالحين...
لقد صَدَقَ الله تعالى رسولَهُ وعدَه، وصَدَقَ رسولُهُ مع عباده وعْدَهُ، وكان آخرَ بيانٍ لصدقِ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما وعَدَ به ابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) وهو على فراش الموت، ساعةَ أنْ أودعَها سرّاً فأبتْ أن تكشفه لأحد، وهو ما زال على قيد الحياة. فلمَّا كانت في بيتها تعيش على ذِكْرِ هذا الأب، سألها زوجُها عليٌّ (عليهما السلام) عن ذلك السرّ، فذكرت أنه في المرة الأولى أسرَّ إليها أنه سيُقبض في مرضه، فبكت، ثم أسرَّ إليها أنَّها أولُ أهله لَحَاقاً به، فضحكت. وصَدَق وعْدُ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذ لم تلبث فاطمة الزهراء بعد أبيها إلاَّ مدةً لا تزيد على ستة أشهر حتى لحقت به. رحمها الله وأسكنها فسيح جناته إلى جانبِ أبيها محمدٍ سيّد المرسلين وخاتم النبيين.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB