خَاتَمُ النَّبييِّن مُحَمَّد (ص) (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1568
تاريخ النشر :   2006




البحث الثاني: إقبال الناس على الإسلام

قدوم الوفود إلى المدينة
كانت غزوة تبوك - بأحداثها التي تبدو لأول وهلة أحداثاً عادية بسيطة - غزوةً من جملة الغزوات التي أثبت فيها المسلمون وجودهم تجاه أعتى الأمبراطوريات يومئذٍ.. ولكنَّ النتائج التي أتتْ بها، أبَتْ أن تُصَنِّفَها في هذه العاديَّة والبساطة من الأمور أو الأحداث، بل قدَّرتها على أنّها فترةٌ زمنيةٌ من أهم فترات الدعوة الإِسلامية عطاءاتٍ واجتناء ثمراتٍ طيبة. ففي هذه الغزوة لم يجرِ قتالٌ بين المسلمين والروم. إلاَّ أنه بدا واضحاً للعيان، وجليّاً في الأذهان، وبصورة خاصة لقبائل العرب، الواقعة على أطراف شبه الجزيرة، أن أولئك الروم الذين تدين لهم بالولاء، وتستمدّ منهم القوة والنفوذ، قد ظهروا ضعافاً أمام المسلمين، بانسحابهم من مواقع المواجهة، تفادياً لخوض حرب معهم. فلماذا لا تفكر هذه القبائل إذن في أن تُعيد النظر بهذه التبعية للأجنبي الرومي، والدلائل كلها تشير إلى اضمحلال سلطانه، والتوقعات تدلُّ على زوال حكمه - على الأقل في ما خصَّها هي - وتأثيره المباشر عليها؟!.
مثل هذا الإِطار الفكريّ الجديد، الذي أخذ يطغى على ذهنية تلك القبائل، لم يكن ليوجَدَ لولا غزوة تبوك. وقد جاءت العهود التي أعطاها النبيُّ لبعضِ الملوك والأمراء، الذين كانوا يدينون بالولاء للروم، تدعم هذا الإِطار وتزيده متانة. هذا، فضلاً عما ألقاه الاتصال بين محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأولئك الحكام من ظلالٍ روحيةٍ جديدة، تبعث على التلاقي ما بين الفكر النصرانيّ القائم في تلك المنطقة، وبين الفكر الإِسلاميّ في شبه الجزيرة، الذي يبدو بملامح مستقيمة، لا اعوجاج فيها، لأنه يهدف في جملة ما يهدف، إلى التعامل مع الحياة الإِنسانية وفق قواعد جديدة، وإلى معالجة قضايا الناس وشؤونهم بمفاهيمَ في غايةِ الرحابة والسموّ، وأحكامٍ في غايةِ العدل والحق...
هذا بالنسبة إلى قبائل العرب الواقعة على الناحية الشمالية من أطراف شبه الجزيرة.
أما في الداخل، فقد رأى الأعراب، ورأت مختلف القبائل والبطون، في البعيد والقريب، أنه لا شأْنَ بعد اليوم لتلك الكيانات الفردية التي كانت تقوم عليها حياتها. فتلك قريش، على الرغم من المكانة والسيادة اللتين كانت تتمتع بهما على جميع القبائل، قد أذعنت لسلطان الإِسلام، وأضْحَت تدين له بالولاء. فهل من العجب إذن، أن أقبلت تلك القبائل على الإِسلام تدخل فيه أرتالاً، وأنْ جاءَ الناسُ من كل فجٍّ عميق يدخلون في دين الله أفواجاً؟!.
أما على صعيد البنية الإِسلامية، وحيث المجتمع الإِسلاميّ قد قام على أُسس متينة، فقد كانت غزوة تبوك حدّاً فاصلاً، أفرز المسلمين إلى فئاتٍ برزت متباينة في أحوالها النفسية والاجتماعية والسلوكية.. فالأولون من المهاجرين والأنصار، لم يتغيّر في أحوالهم شيء. فهُمْ رجالات الدعوة الخلّص، يمنحونها عوامل القوة والاستقرار، ويمدّونها بكل أسباب الانتشار والاستمرار. إنهم القاعدة الصلبة، والدعامة الراسخة للمجتمع الإِسلاميّ، وفوقها يُشادُ البناءُ ويشمخ.
وإلى جانب هؤلاء المؤمنين الصادقين، كان المنافقون الذين تشعَّبت أهواؤهم، واختلفت نزعاتهم وميولهم. منهم الضعاف الجبناء، الذين لا يعطون للدعوة بقدر ما يريدون الأخذ منها.. ومنهم المتآمرون الدخلاء على هذه الدعوة، يدّعون الإِسلام في الظاهر، ويعملون في الخفاء للقضاء عليه، وإِجهاض مسيرته. ومنهم الحانقون على الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالذات لأنه جاء - كما ظل الوهم يتحكَّم بهم - يسلبهم ملكاً كانوا يسعون إليه، أو يقضي على آمال كانوا يحلمون بها..
وإلى هؤلاء وأولئك يضاف طلاب الدَّعة والراحة، الذين لا يأبهون كلما دعا الداعي للجهاد، ولا يتحملون أية مسؤولية في سبيل المصلحة العامة، بل يسيرون مع الرياح كيفما اتجهت. همُّهُمُ الوحيد تأمين المنافع والحفاظ على مصالحهم الشخصية، يسعون إلى تحقيقها من أي مصدر أتت، سواء أكان ذلك في ظلِّ حكمٍ قبليٍّ جاهلي، أم في ظل الإِسلام، أو حتى في ظل التبعية للأجنبي، أو تحت أي حكم أو كيان قد يقوم ويسود، أيّاً كان نوعه وشكله..
وقد يبدو هذا الفرز لفئات الناس في المجتمع الإِسلاميّ، وكأنه مظهر من مظاهر ضعفه. إلاَّ أنه في الحقيقة كان ضرورة حتمية لتصحيح الخلل في هذا المجتمع، وتخليصه من عوامل الضعف التي تكمن فيه، ومن أوكار التآمر التي قد تُحدث الاضطراب في بعض جوانبه.. ومن هنا نزلت الآيات القرآنية المباركة تكشف المنافقين، وتحمل عليهم حملةً شديدة، حتى تُبعِدَ كل تأثيرٍ لهم في حياة الجماعة الإِسلامية.
نعم، هذه بعض ثمرات غزوة تبوك، التي كانت خاتمة غزوات النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . وبعدها تمَّت كلمة الله تعالى في شبه جزيرة العرب كلها، فأقبل الناسُ وفوداً على المدينة، يقدِّمون الولاء والطاعة لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويعلنون إسلامهم أمام الله ورسوله وصالح المؤمنين.
وهذه بعضٌ من تلك الوفود، التي وقع عليها اختيارنا، تدليلاً على المسيرة العظيمة التي قاد خطاها محمد رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بنجاح وفلاح رائعين.
نعم، لقد شاء الله تعالى أن يفتح أغلاق القلوب على الإسلام، فأقبلت قبائل العرب على المدينة المنوَّرة تدخل في دين الله - عز وجل - وتدين بالولاء لرسوله محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .
وفد أهل الطائف
وكان وفدُ الطائف أولَ الوافدين، إذْ قد لحقَ أحدُ سادةِ ثقيف، عروةُ بنُ مسعود، النبيَّ بعد رفع الحصار عن بلدهم، يحدّثه في شؤون بني قومه، ثم يعلن إسلامه، ويبدي حرصَهُ على أن تكون لديه القدرةُ لإقناعهم بالدخول في دين الله - تعالى ـ. وكان رسول اللّه يعرف ما يكنّه أهل الطائف من عداوة للدعوة الإسلامية، فخاف أن تغلبَ عليهم نزعة جاهلية، وتجعلَهم يقدمون على عمل طائشٍ، فحذَّره قائلاً له: «إنهم قاتِلوك».. ولكنَّ عروة اعتزَّ بمكانته من قومه فقال:
»يا رسول اللّه، أنا أَحَبُّ إليهم من أبصارهم».
وعادَ عروة إلى ثقيف يدعوها للإِسلام، فلم تستجب له، بل ولم تُطِقْ صبراً على دعوته فغدروا به، ورموه بالنبال، فقيل له : ما ترى في دمك؟ وقبل أن يسلم الروحَ لبارئها، قال:
»كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقَها الله إليَّ، فليس فيَّ إلاَّ ما في الشهداء الذين قُتلوا مع رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل أن يرتحل عنكم من حصاره لبلدكم»[*].. وكانت وصيته الأخيرة، أن يدفنوه مع أولئك الشهداء، فدفنوه معهم. ويروى أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال فيه: «إنَّ مَثَلَهُ في قومه كمثل صاحب ياسين في قومه: دعاهم إلى الله تعالى فقتلوه»[*].
ولم تكن مكابرة ثقيف في محلها، فهي قد رأت من نبيِّ الإسلام رأفةً وحلماً، فامتنع عن قطع شجرها، وترك محاصرتها على الرغم ممّا كان يتمتع به من قوة وعزة.. إذ لو أرادَ فتح بلدها عنوةً، لأكل جيشُهُ ثمار كرومها وخيرات أرضها، وأبقى الحصار عليها حتى تستسلم.. ولكنه لم يفعل، ووكلها إلى الفطرة والعقل.. وها هي - بعد مقتل عروة بن مسعود - تجد الخوف على مستقبلها يربكها بصورة فعلية، لأنَّها إن ظلت على عنادها فسوف تكون وحيدةً، في نأيها عن الإسلام، بينما يدخل جميع العرب في هذا الدين، كما تشير الدلائل كلها إلى ذلك.. كما أنَّ «محمداً» لن يقبل ببقائها على الشرك وهو قادرٌ على إعادة الكرَّة عليها لفتح بلدها، ولا أحدَ فيها يقدِّر النتائج التي قد تترتب على ذلك!.
وبمثل هذا التفكير ندمت ثقيف على ما فعلته، بقتل أحد زعامتها، أشدَّ الندم، ورأت أنَّه لا طاقة لها على مقاومة الدولة الإِسلامية. فذهب عمرو بن أمية، وكان من أدهى العرب، يتحدث إلى عبد ياليل بن عمرو بن عُمير، فقال له: «إنه قد نزل بنا أمر ليست معه هِجْرة، إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت. قد أسلمت العرب كلها، وليست لكم بحربهم طاقة فانظروا في أمركم»[*]. وبنتيجة التشاور حزمت ثقيف أمرها، وبعثت وفداً إلى «محمد» لمفاوضته على دخولهم في الإسلام. فانتدبوا عبد ياليل بن عمرو رئيساً للوفد ومعه رجلان من الأحلاف، وثلاثة من بني مالك.
وخرج بهم عبد ياليل في شهر رمضان من سنة تسع هجرية. فلما دنَوا من المدينة التقَوا المغيرة بن شعبة، وهو في نوبته يرعى طروش الصحابة - إذ كان رعيُها بالتناوب - فلما أخبروه بمقصدهم، وافدين على رسول اللّه، وثَبَ ليبشِّر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقدومهم عليه. وإنّه وإذ هو في طريقه يشتدُّ حتى يبلغ المدينة، لقيه أبو بكر الصديق (رضي اللّه عنه)، فاستوقفه يسأله عما يُعَجِّل به على هذه الحال، فقال له: هؤلاء وفدٌ من ثقيف، بني قومي، قد قدموا يريدون البيعة والإِسلام. فقال له أبو بكر (رضي اللّه عنه) : «أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى أكون أنا الذي أحدّثه»[*]. وقَبِلَ المغيرةُ، فعادَ إلى وفد ثقيف، يحدّثهم، ويوجِّهُهُم إلى ما يليق أن يلقوا به رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا سيما مبادأتَهُ بتحية الإِسلام: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته».. ولكن يبدو أن أولئك الأشخاص لم يفقهوا معنى هذه التحية، فلما قدموا على رسول اللّه حَيَّوهُ بتحية الجاهلية، وكان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُدرك غِلظتهم فلم يأْبَهْ لتصرّفهم الجاهلي، بل أَمَرَ أن يُنزلوهم في خيمةٍ من خيام الوافدين إليه، في ناحية المسجد. وأتاهم رسول اللّه يحدثهم عن الإسلام ويبيّن لهم أحكامه، ويدعوهم للإيمان بإلهٍ واحدٍ أحدٍ، هو الله الذي لا إلهَ إلاّ هو، وأن يعبدوه، ولا يشركوا بعبادته أحداً، ومع كل ما يترتب على هذه الوحدانية والعبادة من تحقيق للذات البشرية وخلاصها، وترفّعِها عن مادية الحياة الدنيا، وسعيها للآخرة..
وكان الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد أمر - كالعادة - أن يقوم على خدمة هذا الوفد أحدُ الصحابة، فلم يطمئنوا إلاَّ إلى خالد بن سعيد بن العاص، فكانوا لا يذوقون طعاماً قُدِّم لهم إلاَّ إذا طَعِمَ منه، أو شراباً إلاَّ إذا شربَ منه. وقد ظلوا على هذه الحال مدةً من الزمن حتى أقرُّوا فيما بينهم ما يريدون من النبي، ففاتحوه في أمرهم، وقالوا: يا رسول اللّه نحن ما أتينا إلا لنسلم، ولكن لنا بعض المطالب فأمهلنا قليلاً.. فأرجأهم إلى المهلة التي يريدون.
على أن تلك المدة التي أمضَوْها في رحاب المسجد، وبين المسلمين، لم تفعل فعلها في قلوبهم، فلم يشعروا بحلاوة الإِسلام، وطعم الإِيمان الحق. ولذلك كانت أولى مطالبهم - في بقيِّةٍ جاهلية - أن يدَعَ لهم الرسولُ «اللات»[*] - وهو الطاغوت الذي كانوا يعبدون - فلا يهدمها إلى ثلاث سنين.. ولكنَّ الرسولَ الأمين أبى ذلك عليهم مستنكراً. فعادوا يسألونه أن يخفض المدة إلى سنتين، ثم إلى سنة، حتى رجوه أن يتركها ولو شهراً واحداً، فرفض (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يستمع لمثل هذا الكلام، لأنه لا يمكن أن يجتمع الإسلامُ والوثنية، إذ لا إيمان مع الكفر، ولا طهارة مع النجاسة.
وعاد وفدُ ثقيف يطلب «ألاَّ يهدموا أوثانهم بأيديهم» فوافقهم الرسولُ على ذلك. إذْ ما الفرق بين أن يزيلوا تلك الأوثان بأيديهم، أو أن يهدمها غيرهم، طالما أن الغاية هي محو آثار الشرك، من حولهم ومن حياتهم. وإن المؤمنين الصادقين جميعاً على استعداد تامٍّ لذلك، فكان أن قبل الرسول هذا السؤال منهم.. ثم عادوا للطلب بأن يعفيَهم من الصلاة. فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لهم: «أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه»[*].
ولعلَّ الإِنسان يأخذه عجبٌ من هؤلاء القوم وهم يسألون إعفاءهم من الصلاة، بعد أن أقاموا بجوار المسجد النبويّ حقبةً، كانوا يرون خلالها بأمّ العين كيف يتدافع المؤمنون إلى الصلاة، فيقفون خاشعين للّه رب العالمين، معْرضين عن كل متاع في دنياهم. وكيف يعودون إلى التحلّق حول رسول اللّه بعد الصلاة، ليفقّهَ الناسَ في الدين، ويهديهم إلى نورانية الإِيمان، ويدلَّهم على صدق القول والفعل، ويحدِّثهم بكل ما من شأنه أن يرفع من قدر الإنسان حتى ليكاد يبلغ به مرتبة الملائكة المقربين..
نعم، إنه لمن شديد العجب ألاَّ يأنَسَ وفد ثقيف إلى تلك الصلوات التي كان يرى، وألاَّ يتأثَّرَ بنفحات تلك الحلقات التي كان يشهد، فيجعل جفوة الجاهلية هي التي تغلب عليه، ويطلب ما يطلب من رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يدَعَ الطاغوت، وأن لا تكون لهم صلاة!.
ولكن قد يكون في قرب أولئك الثقفيين من عهد الجاهلية ما يعذرهم، أما أناس اليوم فما عذرهم؟ ألم تر إلى هؤلاء الذين يتركون صلاتهم عمداً؟ ألم ترَ إلى هؤلاء الذين يشيِّعون صديقاً لهم، أو قريباً من أقربائهم، ويدخلونه المسجد للصلاة على جثمانه، ثم يقفون في أغلبهم خارج المسجد، وكأنَّ الصلاة لا تخصّهم ولا تعنيهم من قريب أو بعيد؟! بينما الصلاة على الميت فريضة فرضها الله تعالى على المسلمين الذين يحضرون الجنازة ويرافقون النعش حتى يُوارى الميتُ جدثَ الرحمة؟!..
أجل، إنَّ وفد ثقيف الذي اعتادَ الوثنية قد يكون أقلّ جفوة من هؤلاء الذين فطروا على الإِسلام، بل، ولعلَّهُ خيرٌ منهم، لأنَّ ذلك الوفد ناقش في الصلاة، ثم التزم بها، ولكنَّ كثيراً من المسلمين اليوم، يماحكون، ويناقشون، ويجادلون ثم لا يلتزمون بما فرضَ اللَّهُ تعالى عليهم، ولاسيما إقامة الصلاة، مع علمهم - أو ما يسمعون من المؤمنين - عمّا للصلاة من ثواب، وما يترتب على تركها - عمداً - من عقاب.. وهذا ما يوحي بأنَّ جاهلية اليوم أشدُّ وطئاً، فكثر من جرائها الذين ظلموا أنفسهم وهم لا يعلمون!..
وكان الوفد الثقفي يرى أنَّ النبيَّ إذا خطب بعد الصلاة، لا يذكر نفسه، فتساءلوا:
«كيف يأمرنا أن نشهد بأنه رسول اللّه وهو لا يشهد به في خطبته أمام الناس؟».
وسرى تساؤلهم إلى النبيِّ فأرشدهم وقال: «إني أولّ من شهد أني رسولُ الله». وفي الذكر الحكيم قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عِمرَان: 144] وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} [المنَافِقون: 1]، وقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً *} [المُزّمل: 15].. ثم تابع إرشاده لهم بأن المؤمنين مأمورون من الله - تعالى - أن يشهدوا بأنَّ محمداً رسولُ الله، بل وأن يصلّوا عليه ويسلّموا تسليماً، في كل وقت، ولاسيما في الأذان، وإقامة الصلاة، مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *} [الأحزَاب: 56].
وكان مكوث وفد ثقيف قد طال في المدينة، فأحبّ أن يرجع إلى بلده. ولذلك، جاؤوا إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يسألونه أموراً أخرى غير التي طلبوها من قبل. فقال سيدهم عبد ياليل «يا رسولَ الله، هل أنتَ مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا؟».
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «إن أنتم أقررتم بالإِسلام أقاضيكم، وإلاَّ فلا قضية بيني وبينكم».
قال عبد ياليل: «هنالك أمور نرجو أن تعفيَنا منها، فنحن لا نقدر على فراقها وتركها. وأما أولها فهو الزنى، فإنَّا قوم نغترب ولا بد لنا منه».
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : الزنى حرام، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وسَاءَ سَبِيلاً *} [الإسرَاء: 32].
قال عبد ياليل: «أفرأيت الرِّبا، فإنه أموالنا كلها».
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : إنَّ الله تعالى يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ *} [البَقَرَة: 278-279].
قال عبد ياليل: «أفرأيت الخمر، فإنه عصير أرضنا لا بد لنا منه».
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : لقد حرَّم الله تعالى الخمر بقوله الحق: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ *} [المَائدة: 90-91].
وأخيراً أذعن وفد ثقيف، وأقرَّ بما أنزَلَ الله تعالى، ودعا إليه خاتمُ أنبيائه، فقال جميع أعضائه: آمنَّا وأسلمنا، ونحن مستجيبون لما أمَرَنا الله ورسولُهُ، وملبُّون لما يطلب منَّا الله ورسوله.
وسأَلَ وفد ثقيف رسولَ الله أن يختار أميراً على بني قومهم، فاختار أصغرهم سنّاً عثمان بن أبي العاص، لأنَّ عثمان وحدَهُ، كان من بين أعضاء الوفد، من حفظ سُوَراً من القرآن الكريم، وعرف معانيها[*]. وذلك أنه كان إذا وقف على رحالهم، تركها وانصرف إلى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتعلم منه ويتفقّه، حتى صار يملك من الإِدراك بأمور الدين ما يجعله قادراً على إرشاد بني قومه، وهدايتهم إلى الحق والصواب. قال عثمان: «وكان آخر عهدٍ عهِدَهُ إليَّ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «أن اتخذْ مؤذناً لا يأخذ على أَذانه أجراً، وإذا أممْت قومَك فاقدِرهُمْ بأضعفهم (أيْ خفّف عنهم) وإذا صلّيت لنفسك، فأنت وذاك»[*]. وأبقى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى عبد ياليل صلاحية التحدُّث إلى ثقيف عند العودة، لِمَا رأى فيه من جدارة بالإقناع، وقدرة على النفاذ إلى القلوب.. فلمّا خرجوا مرتحلين إلى بلدهم، بَعَثَ الرسول معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة، لكي يهدما «اللات» وبقية أوثان ثقيف..
وأما اختيار أبي سفيان والمغيرة دون غيرهما من الناس فلعلَّهُ لحكمةٍ بالغة أرادها الرسول الأعظم، وهي ترمي إلى هدفين كبيرين:
أولاً : أن يقوم زعيم قريش بالذات بهدم أكبر الأوثان في الطائف، ليكون في عمله دليلُ الإقناع لثقيف بأن دخولها في الإسلام خير من بقائها على الشرك، وخاصة بعد أن دانَ الناسُ، بمن فيهم الأشراف والكبراء لهذا الدين - ومثالهم سيّدُ قريش قبل إسلامها - وصاروا ينفِّذون أوامر نبيه بطواعية وانقياد.
ثانياً : أن يشارك المغيرة بن شعبة، وهو من أبناء الطائف، بهذا الهدم، حتى يكون بذلك قهرٌ للتمرّد الموجود في نفوس أولئك القوم، وقضاءٌ على ما استحكم في قلوبهم من معتقدٍ جاهليٍّ بحيث يتأكد لهم أن تلك الأوثان التي كانوا يعبدونها هي فعلاً جوامد لا تنفع ولا تضر بشيء. ثم إنَّ في اختيار المغيرة ميزةً له على غيره، إذ يستأهل أن يُكافأ على ما أبدى من حماسةٍ واندفاعٍ في الاهتمام بوفد ثقيف عندما لقيه أثناء قدومه إلى مدينة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومكافأتُهُ أن ينال ثوابَ المشاركة في هدم أحد رموز الشرك والكفر المعظّمة عند المشركين.. أجل، ربما كان ذلك تقدير رسول اللّه في اختياره للرجلين دون سواهما.. وإنَّ في هذا التقدير - في مطلق الأحوال - من الحكمة والصواب ما لا يتوافر لإِنسان غيرِ محمدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .
ولمَّا وصَلوا إلى الطائف، أرادَ المغيرة أن يقدِّم أبا سفيان لهدم الطاغوت، فأبى هذا وقال له: ادخل أنت على قومك.
وبالفعل، وبعد أن أبلَغَ الوفدُ ثقيفاً بأن رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو أتقى الناس وأوفاهم، وبأنه شرط لهم، وشرط عليهم، ومن ذلك هدم «اللات» وجميع معالم الوثنية من حولهم، قام المغيرة بن شعبة لتنفيذ المهمة الموكولة إليه، واعتلى «اللات» وراح يهوي عليها بمعوله، والناس ترقب واجمةً خائفةً، فقال لهم: «قبحكم الله معشر ثقيف! إنما هي حجارة ومَدَر»... وتابع عمله في تحطيم «اللات» وسورها حتى لم يُبقِ حجراً على حجر. وكان قومُهُ بنو معتَّب يحيطون به خشيةَ أن يُرمى من أحد غدراً. وكان صاحب مفتاح «اللات» يرى بأم عينه ما يحدث، فلا يتماسك نفسه عن بكاء الوثن المهشم، وندبه مع نسوةٍ من ثقيفٍ بهذه الأرجوزة:
لتُبْكَيَنَّ دُفّاعْ[*]
أَسْلَمَها الرُضَّاعْ[*]
لم يُحْسِنُوا المِصَاعْ[*]
ولم يُصدّقْ صاحب المفتاح أن ذلك قد حصل فعلاً، بل نأى به وهْمُهُ عن أَن يُذعِنَ للواقع، فصرخ مولولاً:
»الويل لمن يقترب من الأساس».
وقهقه المغيرةُ منه ساخراً، ثم صاح بالناس: «هيا وانظروا يا قوم، عليَّ بالأساس».. ثم تقدم ومن تبعه من بني قومه، الذين أخذتهم الحماسة، وهم يرونه على تلك الحال، وراحوا يحفرون أساسَ بيت اللات، ويذرون ترابه في الهواء، حتى لم يبقَ منه موطىءُ قدم. عندها فقط، أيقنَ أهل المكابرة أن هذه «الربّة» التي يسمّونها «اللات» لا تملك شيئاً.. وأنَّ إيمانهم بها لم يكُ إلاَّ وهماً كاذباً، خدعوا به أنفسهم، وخدعتهم به الأجدادُ طوال أجيال، حتى بَعَثَ الله سبحانه من يُبدّد ذلك الوهم، ويقضي على ذلك الخداع.. وعاد الناسُ إلى بيوتهم، والكل في شتات من الفكر بين الماضي والحاضر، يسخرون بأنفسهم من أنفسهم، متلوّمين، مُحْنقين، مستهزئين..
على أنَّه وإنْ كان اللومُ والحنَقُ قد أخذاهم في تلك الساعة، إلاَّ أنهما كانا تعبيراً عن الانفعال الجديد الذي ملأ فراغ قلوبهم، وهم يأسفون على ما أضاعوا من عمرٍ بالتفاهة، ويندمون على ما صرفوا من أيام على عبادةٍ باطلةٍ.. لقد انجلت الغشاوة عن بصائرهم، وتبيّن لهم أن الله سبحانه وتعالى لا بدَّ من أن يعوِّض عليهم إذا شاء، فيودع في قلوبهم الإيمانَ الذي يحيَون به ما دامت الأرض تدور في فلكها، والسماءُ مرفوعة بلا عمدٍ يرونها..
هُدِمتِ «اللاتُ» وأزيلت أصنام الطائف، فعادَ المغيرة وأبو سفيان، يقدّمان لرسول اللّه ما احتملاه من الأموال والحليّ التي كانت عندها، بعدما قضيا منها الديون التي كانت على عروة والأسود، ابْنَيْ مسعود بن عروة، هذا الإنسان الذي ذهب شهيد الإيمان بحقيقة وجود الله الواحد الأحد، وبتصديق رسوله محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ..
وفد همْدان
ومن بعيد، من بلاد اليمن، أقبل على المدينة وفدٌ من همدان، على رأسه مالك بن نَمَط. لقد جاؤوا مسلمين غير مترددين ولا متلوِّمين، بل مبشّرين بوصول الإِسلام إلى ديارهم. فَسُرَّ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقدومهم أعظم سرور.
وكان هؤلاء الرجال يلبسون من الحلل المقطَّعات الحِبَرَات[*]، والعمائم العدنيّة، فأقرَّهم الرسول على هذا المظهر، لأنَّ الاعتناء بالهندام، واللياقة باللباس، دليلُ المحافظة على شخصية الإنسان، واحترامه لذاته. ولذلك كان ارتياحه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لتلك الأناقة، ورضاه عن الأثواب التي يلبسون، خاصةً وأنها قد خلت من أيِّ وشْيٍ بالذهب أو الفضة، وبعدت عن أي مظهر من مظاهر الإِسراف والترف الفاحشين اللذين لا يقرهما الإِسلام.
ورأى وفدُ همدان ما يحيطهم به رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من حفاوة وتكريم، فأراد بعضُهم أن يبديَ امتنانه وسعادته بالتشرف بحضرة النبيّ، فقام مالك بن نَمط ينشد بين يديه. فلما فرغ، انبرى رجل آخر منهم يرتجز وهو يقول:
إليك جاوَزنَ سوادَ الرِّيفِ[*]
في هبَوات[*] الصيفِ والخريفِ
مُخَطَّماتٍ[*] بحبالِ اللِّيفِ
فقام بعده مالك يقول: «يا رسولَ الله، لقد جاءك خيارُ القوم من هَمْدان، من كل حاضر وباد، أتوك على قُلُص نَواجٍ (إبل فتيَّة)، لا تأخذهم في الله لومة لائم، من مخلاف[*]: خارف ويامٍ وشاكر[*]، أهل السود والقود[*]، أجابوا دعوة الرسول، وفارقوا الآلهاتِ والأنصاب[*]، عهدُهم لا يُنقض ما أقامتْ لَعْلَع[*]، وجرى اليعفور[*] بضَلَع»[*].
ثم أقام وفْدُ همدان في المدينة ما شاءَ الله تعالى أن يقيم، فلمَّا أراد العودة إلى بلاده، جعل رسولُ الله مالك بن نَمَط أميراً على من يُسلم من بني قومه، وأمَرَه بجهاد من يَقربهُم من المشركين. وقد عاونهم النبيُّ بإرسال خالد بن الوليد في سَرِيَّةٍ، ليدعوَ إلى الإِسلام في اليمن.
وكان في تلك السرية البراء بن عازب، قال: «كنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد إلى أهل اليمن. وقد مكث يدعوهم إلى الإِسلام، ستة أشهر، فلم يجيبُوهُ، كما كنّا نحب. فبعث النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من بعد ذلك عليَّ بن أبي طالب جاءَ يدعو الناس إلى دين الله تعالى، لا بقولٍ ولا بقتال، بل بكتاب من رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . ونزلَ عليٌّ في ديار همدان. وقد صفَّ المقاتلين معه صفاً واحداً، ثم نادى في القوم، حتى اجتمعوا إليه، فقرأ عليهم كتاب رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . وما إن انتهى من قراءته، حتى تغير الموقف فجأة، فإذا بالقوم يفاوضونه، وإذا بهمدان جميعاً تألف الإِسلام، وتدخل فيه مؤمنة طائعة».
وفد الأزد
وقدم من اليمن أيضاً وفد من الأزد، كان على رأسه صُردُ بن عبد اللّه الأزديّ، وما إن أقام فترة بين يدي رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى أسلم وحسن إسلامه، فأمَّر الرسول صُرْداً على من أسلم من بني قومه، وطلب إليه أن يدعو إلى دين الله الواحد بين قبائل اليمن.
وكان بجوار الأزديين مدينة مغلقة يقال لها جُرَش. وقد ضوت[*] خَثْعَمُ إلى قبائلها، فتحالفوا حين سمعوا بسير المسلمين لقتالهم. فجاء صرد وحاصرهم في مدينتهم نحواً من شهر، ثم ترك الحصار، بعد أن امتنعوا منه، حتى إذا بلغ جبلاً يقال له كشْر، خرج أهل جرش في طلبه، ولكنه انعطف عليهم، ودارَ بين الفريقين قتال شديد انتهى بنصر المسلمين.. وقد بَلَغ خبرُ هذه الواقعة رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فسأل بأي مكان حدثت، فلمّا قيل له عند جبل يقال له كشْر، قال عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام: «إنه ليس بكَشْر، ولكنه شَكْر»[*]. قيل: فما شأنُهُ يا رسول اللّه؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «إنَّ بُدنَ الله لتُنْحَرُ عندَهُ الآنَ»[*].
وفد جرش
ثم قدم بعد ذلك وفد من جُرَش، فأسلموا وحسن إسلامهم، فأقطعهم رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حول بلدهم حمىً ليستغلّوه، كما كان يفعل ذلك مع أهل أيٍّ من البلاد يأتونه مسلمين، ليتمكنوا من استغلال الأرض، ولا يتركوها بوراً.
وفد بني تميم
وقدم على المدينة المنورة وفد من أشراف تميم، وعلى رأسه عُطارد بن حاجب بن زرارة بن عُدُس التميمي. وجاء مع ذلك الوفد الأقرع بن حابس، وعُيينة بن حصن، وكانا قد شهدا مع رسول اللّه فتح مكة وحنيناً وحصار الطائف. فلمَّا دخل الوفدُ المسجدَ، أخذوا ينادون رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من وراء الحجرات: «أن اخرج إلينا يا محمد». فآذى صياحُهم رسولَ الله فخرج إليهم، وقد بدا عليه الضيق، فقالوا له: يا «محمد»، جئناك لنفاخرك فأْذنْ لشاعرنا وخطيبنا!..
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : قد أذنتُ لخطيبكم، فليقُل...
فقام عطارد بن حاجب فقال: «الحمد لله الذي له علينا الفضْلُ والمنُّ، وهو أهله، الذي جعلنا ملوكاً، ووهب لنا أموالاً عظاماً، نفعل فيها المعروف. وجعلنا أعزَّ أهل المشرق وأكثره عدداً، وأيسره عُدَّةً، فمن مثلنا في الناس؟ ألسْنا برؤوس الناس وأُولي فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدّدْ مثل ما عدَّدْنا. وإنّا لو نشاءُ لأكثرنا الكلام، ولكنا نحيا من الإِكثار فيما أعطانا، وإنا نُعرف بذلك. أقول هذا لأن تأتوا بمثلِ قولنا وأمرٍ أفضلَ من أمرنا»[*].
وما إن جلس، حتى قال رسول اللّه لثابت بن قيس بن الشمّاس - أخي بني الحارث بن الخزرج - : «قم، فأجِبِ الرجلَ في خطبته».
فقام ثابت، فقال: «الحمد الله الذي السمواتُ والأرض خَلْقُهُ، قضى فيهنَّ أمرَه، ووسع كرسيُّه عِلْمَهُ، ولم يكُ شيءٌ قطُّ إلاَّ من فضله. ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكاً، واصطفى من خير خلقِهِ رسولاً أكرمه نَسَباً، وأصدقه حديثاً، وأفضله حَسَباً، فأنزل عليه كتابه، وائْتَمَنَهُ على خَلْقِه، فكان خِيرَة الله من العالمين. ثم دعا الناسَ إلى الإِيمان، فآمن برسول اللّه المهاجرون من قومه وذوي رحمه: أكرمُ الناس حسباً، وأحسنُ الناس وجوهاً، وخيرُ الناس فِعالاً. ثم كان أوّلَ الخلق إجابةً، واستجابَ لله حين دعاه رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . نحن أنصارَ الله ووزراءَ رسوله، نقاتلُ الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع منّا ماله ودمه، ومن كَفَرَ جاهدناه في الله أبداً، وكان قتله علينا يسيراً. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم»[*].
قال بنو تميم: يا محمد! إئذنْ لشاعرنا.
فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : فليفعلْ.
وقام شاعرهم الزّبرقان بن بدر، فألقى قصيدة مليئة بالمدح والفخار ومما جاء فيها[*]:
نحن الكِرامُ فلا حيٌّ يُعادِلُنا
مِنَّا الملوكُ وفينا تُنصَبُ البِيَعُ[*]
وكم قَسَرْنا من الأحيَاءِ كُّلِّهِمِ
عند النِّهابِ، وفضْلُ العِزّ يُتَّبَعُ
ونحنُ يُطعِمُ عِندَ القحْطِ مُطْعِمُنا
من الشِّواء إذا لم يُؤنَس القزعُ[*]
بِما تَرى الناس تَأتينا سرَاتُهُمُ
من كلِّ أرضٍ هُوِيّاً[*] ثم نَصْطَنِعُ
وردَّ عليه حسان بن ثابت - شاعر رسول اللّه - بما يَعْلو شعره، ويستفيض عليه قوةً وبلاغة، وذلك بقصيدة طويلة، ومنها[*]:
إنَّ الذوائِبَ[*] مِنْ فِهْرٍ وإخوتِهِمْ
قد بَيَّنوا سُنةً للناسِ تُتَّبَعُ
يَرضى بهم كلُّ مَنْ كانت سريرتُهُ
تقوى الإِلهِ وكلَّ الخيرِ يصطَنِعُ
قومٌ إذا حاربوا ضرُّوا عدُوَّهُمُ
أَوْ حاولوا النَّفْعَ في أشْياعِهِمْ نفعوا
سَجِيَّةٌ تلك مِنهُمْ غيرُ مُحْدثَةٍ
إنَّ الخلائقَ، فاعلمْ، شَرُّها البِدَعُ
أكرِمْ بقومٍ رسولُ الله شيعتُهُم
إذا تفاوتتِ الأهواءُ والشّيَعُ
فلمّا فرغ من إنشاده قال الأقرع بن حابس: «وأبي إن هذا الرجل (يعني رسول اللّه) لمُؤَتَّى له (أي موفَّق)! لَخَطيبُه أفصَحُ من خطيبنا، ولشَاعِرُه أشعرُ من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا»[*].
وأَسْلَمَ بنو تميم، وأجازهم رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأحسن جوائزهم. وكانوا قد خلّفوا في إبلهم عمرو بن الأهتم، فقال قيس بن عاصم: يا رسول اللّه، إنَّه قد كان رجل منا في رحالنا، وهو غلام حَدَثٌ وأُزريَ به، فأعطاه رسول اللّه مثل ما أعطى القوم.
وفي بني تميم، أنزل الله تعالى قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ *وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [الحُجرَات: 4-5].
قدوم ضِمام بن ثعلبة[*]
وبعثَ بنو سعد بن بكر، إلى المدينة، أحد رجالهم، ضِمامَ بنَ ثعلبة، كي يقف على حقيقة ما يدعو إليه «محمد». فلما دخل عليه وهو في المسجد جالساً بين أصحابه، وكان ضِمامُ رجلاً جلْداً، أشْعرَ ذا غديرتين، سأل بجفوة: «أيكم ابنُ عبد المطلب؟»[*].
فلما سمعه الرسول قال: «أنا ابن عبد المطلب».
قال: «يا ابن عبد المطلب، إني سائلُكَ ومُغْلِظٌ عليك في المسألة، فلا تجِدَنَّ في نفسك».
فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «لا أجِد في نفسي، فسَلْ عمّا بدا لك».
قال: «أنشُدُك اللَّهَ إلهَكَ وإلهَ مَنْ كانَ قَبْلَكَ، وإلهَ مَنْ هو كائِنٌ بعدَكَ، آللّهُ بعثَكَ إلينا رسولاً؟».
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «اللَّهم نعم».
قال: «فأنشُدُك باللَّهِ إلهِكَ وإلهِ مِن كانَ قَبلَكَ، وإلهِ مَنْ هو كائن بعدَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تأمُرَنا أن نَعْبُدَهُ وحدَهْ ولا نشركَ به شيئاً، وأن نخلَعَ هذه الأندادَ التي كان آباؤنا يعبدون معه؟».
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «اللّهم نعم».
وتابع ضِمام يسأل النبيَّ عن فرائض الإِسلام فريضةً فريضةً: فسأل عن الصلوات الخمس، والزكاة، والصيام، والحجّ، وهو يناشِدُهُ بنفس الصيغة... حتى إذا فرغ ولم يعد في نفسه حاجةٌ للسؤال، قال: «فإني أشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول اللّه. وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنبُ ما نهيتني، ثم لا أزيد ولا أنقص»[*].
وانصرف ضِمام، فقال رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حين ولَّى: «إنْ يَصْدُقْ ذو العَقيصَتَيْنِ[*] يدخُلِ الجنة، إن شاء الله تعالى». فلما قدم على قومه واجتمعوا إليه، أعلن كفره بأصنامهم ورذَّل اللاتَ والعزَّى وحقَّرهما. فأشفق عليه أبناء قومه مما يقول، إذ كان في زعمهم أن من يصيب آلهتهم بسوء فإنه يصاب بمرضٍ عُضالٍ، فقالوا له:
ـ مَهْ يا ضِمام! اتّقِ البرصَ، اتّقِ الجذام، اتّقِ الجنون!
قال:«وَيْحَكم، إنهما والله لا ينفعان ولا يضرّان، إنَّ الله - تعالى - قد بعث رسولاً، وأنزلَ عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه. وإني أشهد أن لا إله إلاَّ الله وحدَه لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. وقد جئتكم من عنده بما أمركم به، وما نهاكم عنه».
وراح ضِمام يعيد على مسامع بني سعد بن بكر كلَّ ما سألَ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عنه، وبما أجابهُ الحبيبُ المصطفى، والقوم يصغون إليه بكلِّ جوارحهم. وهُم، كلما استمعوا إليه، أحسّوا باطمئنان لم يعرفوه من قبل، وبمشاعر لم تداخل أفئدتهم قطّ. إذ لامَسَ الإِيمانُ قلوب بني سعد بن بكر فاستجابوا لداعي الله «فواللَّهِ ما أمسى في ذلك اليوم في حاضِرِه رجلٌ ولا امرأة إلاَّ وشهد بشهادة الحق (وهي: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله)»[*]. وإن عبد اللّه بن عباس قال: فما سمعنا بوافِدِ قومٍ أفضَلَ من ضمام بن ثعلبة[*].
قدوم وفد بني حنيفة
ومن اليمامة جاءَ إلى المدينة المنورة وفدٌ من بني حنيفة، وفيهم رجلٌ داهية، منافق، حادُّ الذكاء، بارعٌ في المراوغة، يدعى مُسَيْلِمَة بن تمامة بن كبير بن حبيت بن الحارث. نزل هذا الوفد في دار ابنة الحارث، امرأة من الأنصار، بعد أن خَلَّفَ مُسَيْلِمةَ في رحاله. فلمّا أسلموا، وسألوا النبيَّ فأعطاهم، قالوا: يا رسول اللّه، إنّا قد خلَّفنا صاحباً لنا في رحالنا وركابنا يحفظهما لنا. فأمر الرسول له بمثل ما أمَرَ به للقوم. ثم انصرفوا وجاؤوا مسيلمة بما أعطاه له رسول اللّه. فأخذته العزّة بنفسه، وغرَّه الغَرور، لأن النبي أكرمَهُ وأعطاه دون أن يَمْثُلَ بين يديه. فلما قفل راجعاً إلى اليمامة راح يدّعي النبوّة، ويزعم أنَّ الله سبحانه أشركه في الأمر مع «محمد». ثم جَعَل مسيلمة اللعين يسجع السّجعات، ويقول لهم، فيما يقول، مضاهاةً للقرآن: «لقد أنعم الله على الحبلى، وأخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق[*] وحَشَا»!! ثم راح يُحِلُّ الخمرَ والزنى، بل ووضع عن قومه الصلاة، ترغيباً للناس في تصديقه واتِّباعه. ولكي يزيد الناس إيهاماً في دعواه، بعث بكتاب إلى «محمد رسول اللّه» جاء فيه: «من مسيلمة رسول اللّه إلى محمد رسول اللّه. سلامٌ عليك. فإنّي قد أُشرِكت في الأمر معك، وإنَّ لنا نِصْفَ الأرض ولقريش نِصفَ الأرض. ولكنَّ قريشاً قومٌ يعتدون»[*].
وقد حمل كتابَه هذا اثنان من الغفلة الضالين، فلمّا قُرىءَ للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سأل الرجلين:
»فما تقولان أنتما؟».
قالا: نقول كما قال.
فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «أَما والله لولا أنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لضربتُ أعناقكما».
ثم كتب إلى مسيلمة: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول اللّه إلى مُسيلِمة الكذّاب. سلامٌ على من اتبع الهدى. أما بعد، فإنَّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين».
وقد روي أنَّ مسيلمة ما تجرّأ وأعلن ادعاءه للنبوة إلاَّ بعد انصراف رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من حجة الوداع، ومرضته التي مرضها.
على أنه ومهما تكن المدة التي كتب خلالها مسيلمةُ إلى رسول اللّه فإنَّ ردَّ الرسول الأعظم عليه ووصفه بالكذّاب، جعله سخريةً لدى الناس، يتضاحكون عليه إذا ذُكر لهم، ويهزأون به إذا حدّثهم، ولا يتورَّعون عن لعنِهِ وجهاً لوجه، والقولِ له بأنه منافق كاذب، حتى صار يعرف بمسيلمة الكذّاب. إلاَّ أنه بوفاة رسول اللّه، عادَ واشتدَّ أمره حتى غلب على اليمامة. ثم قُتِلَ في خلافة أبي بكر (رضي اللّه عنه) بسبب ادعائه للنبوة ـ كذباً وبهتاناً ـ.
قدوم مبعوث ملوك حمير (من اليمن)
لقد واجهت الدعوة الإِسلامية - أكبرُ وأهمُّ دعوةٍ عرفها العالم - من المحاربة والشدّة ما لا يوصف. وذلك من أجل صدّ الناس عنها، وإيقافها عن مسيرتها، حتى لا يكون لها أي انتشار في أرض الله الواسعة. ولكنْ أنّى لأهل الكيد والتآمر، وأنَّى لأهل التعصّب والجهل، أن يصمدوا في وجه دين الفطرة الذي ما إن يهتدي إليه خَلْقُ الله، ويدركوا ما فيه من الحقائق المطلقة، والمفاهيم السامية والبراهين الدامغة، حتى يقبلوا عليه مختارين، راضين، استقامةً لعقولهم، واطمئناناً لقلوبهم، وصحة لأجسادهم..
وإذا كان أهلُ الحكم، وأصحابُ السلطان ينزعون - في أي مكان - عن كل دعوة جديدة، خوفاً على مكاسبهم من أن تزولَ، وعلى نفوذهم من أن يضيع، فإنَّ الأمرَ كان مختلفاً مع أمراء القبائل في اليمن، فلم يقفوا في وجه أتباعهم، أو يقيموا الحواجز أمام بني أقوامهم، وهم يقبلون على الإِسلام مهتدين.
بل ولم يستطع أولئك الأمراءُ أن يحبسوا الناسَ عن الإِسلام، وهم يعلمون أنَّ نبيَّهُ الكريم لا يظلم أحداً، بل يحارب الظلم وأهلهُ. ولا يعتدي على أحدٍ، بل يقاتل المعتدين على النفوس والحرمات والأرزاق. ولا يدعو إلى باطل بل إلى كل ما هو حق وخير وعدل. ولا يبخس إنساناً حقَّهُ، ولا يسلب أميراً إمارته بل يثبّتهُ عليها ما استقامَ أمرُهُ، وعَدَلَ في قومِهِ، وأنْصَفَ الناسَ جميعاً منه!
لقد أدرك ملوك حِمْيرَ - وهم أصحاب الكثرة الغالبة في اليمن - تلك الحقائق، ووعوا ما يهدي إليه الإِسلامُ عقلاً وشعوراً ومنهج حياة، فآمنوا به ديناً لله الواحد الأحد، عقيدة وشريعة.
ولذلك فإنهم ما إن عرفوا بتراجع جيش الروم أمام المسلمين، بقيادة النبيِّ العربيِّ الأميّ، وعودته إلى مدينته المنوّرة ظافراً، مرفوع الرأس، عاليَ الجبين، ومؤيداً بنصر الله تعالى حتى تنادَوا فيما بينهم، وكتبوا إليه كتاباً يعلنون فيه إسلامهم، وبَعَثُوهُ إليه مع موفدٍ خاصٍ اختاروه لهذه المهمة..
وصلَ كتاب ملوك حِميرَ إلى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقرأَهُ وحَمِدَ الله الهادي. ثم كتب إليهم كتاباً، يبيّنُ ما لهُم وما عليهم في شرع الله، وأحكامِ الدين التي وجَبَ أن يسيروا عليها، حتى تكون لهم البيّنة من شؤون حياتهم وأمور آخرتهم. وهذا نص الكتاب[*]:
بسم الله الرحمن الرحيم
» من محمد رسول اللّه النبيّ، إلى: الحارث بن عبد كُلال، ونعيم بن عبد كُلال، والنُّعمانِ قَيْلِ ذي رُعَينَ ومعافرَ، وهمْدان.. فإني أحمَدُ إليكم الله الذي لا إله إلاَّ هو. أما بعدُ، فإنه قد وقع بنا رسُولُكُم حين مُنْقَلَبِنَا من أرض الروم، فلقيَنا بالمدينة، فبلَّغ ما أرسلْتُم به، وخبَّر ما قِبَلَكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتالكم المشركين، وأَنَّ الله قد هداكم بهداهُ إن أصلحتم وأطعتم الله ورسولَهُ، وأقمتُمُ الصلاة، وآتيتُمُ الزكاةَ، وأعطيتم من المغانِمِ خُمُسَ الله، وسهم رسولِهِ وصفيِّه (ما يصطفيه الرئيس من الغنيمة لنفسه قبل تقسيم المغانم) وما كُتب على المؤمنين من الصدقة[*] من العَقار: عشر ما سقتِ العين أو ما سقتِ السماءُ، وعلى ما سُقِيَ بالغَرْب (الدلو): نصف العشرِ..
وفي الإِبل: في الأربعين ابنةٌ لَبُون. وفي الثلاثين ابنٌ ذكرٌ. وفي كل خَمْسِ من الإبلٍ شاة، وفي كل عشرٍ شاتان. وفي البقر: في كل أربعين بقرةٌ، وفي كل ثلاثين تَبيعٌ - جَذَع أو جَذَعة (الصغير من البهائم)...
وفي الغنم: في كل أربعين من الغنم سائمةٌ (شاة) وحدها. وأَنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصَدَقة، فمن زادَ خيراً فهو خيرٌ له، ومن أدَّى ذلك وأشهَدَ على إسلامه، وظاهر (عاون) المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين له ما لهم، وعليه ما عليهم، وله ذمة الله وذمة رسوله. وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنَّهُ من المؤمنين له ما لهم، وعليه ما عليهم. ومَن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يُفَتَنُ عنها (لا يرد عنها) وعليه الجزية: على كل حالم - ذكر أو أنثى، حرّ أو عبد - دينارٌ وافٍ من قيمة المعافر (ثياب اليمن) أو عِوَضُه ثوباً. فمن أدى ذلك إلى رسول اللّه، فإنَّ له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منعه فإنه عدوٌّ لله ولرسوله»[*].
أما كتابه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى زرعة ذي يَزِن، فقد جاء فيه[*]:
بسم الله الرحمن الرحيم
»أما بعد، فإنَّ رسولَ الله محمداً النبيَّ أرسَلَ إلى زُرعة ذي يَزن أنْ إذا أتَاكمُ رُسُلي فأوصيكم بهم خيراً: معاذُ بن جَبَل، وعبدُ اللّه بن زيد، ومالكُ بن عُبادة، وعُقبةُ بن نمر، ومالك بن مُرَّة وأصحابهم، وأَنِ اجمَعُوا ما عندكم من الصدقة، والجزية من مخاليفكم[*]، وأبلِغوها رُسُلي، وأنَّ أميرهم معاذ بن جبل[*]، فلا ينقلبَنَّ إلاَّ راضياً.
أما بعد، فإنَّ محمداً يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، ثم إنَّ مالك بن مرة الرَّهاويّ قد حدّثني أنك أسلمت من أول حِمْيَر، وقتلت المشركين، فأبشر بخير، وآمرك بِحِمْيَر خيراً. ولا تخونوا ولا تخاذلوا، فإنَّ رسول اللّه هو وليُّ غنيّكم وفقيركم. وإنَّ الصدقة لا تحمل لمحمدٍ ولا لأهل بيته، إنما هي زكاة يُزَّكى بها على فقراء المسلمين وأبناء السبيل. وإنَّ مالكاً قد بلَّغَ الخبرَ وحفِظ الغيب، وآمركم به خيراً. وإني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأُولي دينهم وأُولي علمهم، وآمرك بهم خيراً فإنه منظور إليهم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
وفد الحبشة
وقدم من الحبشة إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفدٌ من اثنين وسبعين رجلاً على رأسهم ذو مِخْبر (ويقال: ذو مخمر) ابن أخي النجاشي، فأسلموا جميعاً، ولازم ذو مخبر النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخدمَهُ، وروي عنه أحاديث رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومنها أنه قال: «سمعت رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: ستصالحون الروم صلحاً آمناً»[*].
تلك هي بعض الوفود التي جاءت المدينة. ونحن لم نستطع أن نَسيرَ في زحمة هذه الوفود مساراً يتوافق مع مواقيت قدومها، لأنَّ التاريخ الإِسلامي خلو من تعيين وتحديد زمانها تحديداً دقيقاً. وإن اتفقت الآراء، على أن معظم الوفود التي أتت تنضوي تحت راية الإِسلام بدأت بعد غزوة تبوك التي انتهت في شهر رمضان من السنة التاسعة للهجرة، واستمرت خلال الأشهر الباقية من تلك السنة، وعلى امتداد أيام السنة العاشرة حتى انتقال خاتم النبيين (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الرفيق الأعلى.
والذي حملَنا على عدم التفصيل في الوفود، ما كان من تشابه في أمرها، وتماثل في الغاية التي سعت إليها، إلاَّ ما رأينا فيه حالةً معينة، أو حكماً يستوجب الذكر. وإننا وإن لم نفصِّل في ذلك، فإنا نورد أسماء القبائل والبطون التي وفدت، وكان من أبرزها الوفود التالية[*]:
1 - مُزينة، وأسَدَ، وتميم، وعبْس، وفزارة، ومرَّة، وثعلبة، ومحارب، وكلاب، وعَقيل بن كعب، وجَعْدة، وقُسير بن كعب، بني البكّاء، وكنانة، وأشجع، وباهلة، وسُلَيْم، وهلال بن عامر، وعامر بن صعصعة.
2 - ومن ربيعة جاءت وفود: عبد القيس، وبكر بن وائل، وتغلب، وحنيفة، وشَيْبان.
3 - وجاءت من اليمن وفود: طيء، وتجيب، وخوْلان، وجعفّي، وصُداء، ومُراد، وزُبيد، وكِندة، والصَّدِف، وخُشَينْ، وسعد هُذيم، وبِلّى، وبهراء، وعُدْرة، وسلامان، وجهينة، وكلْب، وجَرْم، وغسّان، والحارث بن كعب، وسعد العَشيرة، وعَنْس، والداريّين، والرَّهاويّين (حي من مذحج)، وغامِد، والنّخع، وبجيلة، وخَثعَم، والأشعريين، وحضرموت، وأزد عُمان، وغافق، وبارق، ودوس، وتمالة، والحُدَّان، وأسْلَم، وجُذام، ومهرة، وحِمْيرَ، ونجران، وجيشَان.
تبليغ الإمام علي آيات من سورة التوبة، وحج أبي بكر بالناس
كانت سنوات قليلة في عمر الزمان، وقام الإِسلام ديناً لله تعالى، يقهرُ الأعزَّ في جبروته، وينزل المستكبر عن غطرسته، ويزيح الطاغية عن طاغوته.. فدخَلَ الناسُ فيه عن قناعةٍ ورضىً.
ولقد برز أصحاب رسول اللّه، والمؤمنون من المسلمين، خلال تلك السنوات، أوفياءَ للعهد، أمناء على الدعوة. لم يهنوا ولم يَقْعُدوا، بل بذلوا وأعطوا الكثير. وخاضوا تحت لواء رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبقيادته وحكمته، معارك الجهاد المقدس، مسجلين أروع الانتصارات، ناشرين دعوة الإِسلام، رافعين راية الله سبحانه خفّاقة على الأرض، حيثما استطاعوا أن يثبّتوا حقَّ ربهم على عباده، الذي من أجله يجاهدون.
ورأت قبائل العرب، القريبُ منها والبعيد، ما يفعله الإِسلامُ بنفوس أصحابه، وأدركت عظمةَ هذا الدين وجليلَ أمره، فأقبلت على المدينة، زرافاتٍ ووحداناً، تدخل في الإِسلام، دينِ الله - تعالى - للناس كافةً.
وكان رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قائماً على ملاقاة تلك الوفود، صارفاً معظم أوقاته في توضيح معالم هذا الدين الكريم، شارحاً أحكامه، مبيِّناً دقائقه، بما يملأ القلوب هدايةً، والعقول بصيرة، والنفوسَ أمْناً وسكينةً.
ولقد ظلَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على هذه الحالة من الانشغال، منذ أن عادَ من غزوة تبوك، التي انتهت في شهر رمضان من سنة تسع هجرية، حتى حلَّ موسم الحج، فرأى أنه غير قادر على مغادرة المدينة ليظل على استقباله للوفود وهدايتها؛ لأن هداية الناس من مستلزمات الدعوة المقدسة، بل هي منتهى غاياتها القاصدة، وإنّ بين المؤمنين رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله ورسوله عليه، ويمكنهم أن يكونوا أمراء على الحج بالناس. ومن هؤلاء أبو بكر الذي صدَّق الرسول وآمن به، وظلّ إلى جانبه في مختلف مراحل الدعوة في عسرها ويسرها. وإنه ما يزال على وفائه للعهد لا ينفك على نفس الطبيعة والدأب، طائعاً، مؤمناً، مصدّقاً.
ولقد وقَعَ خيار رسول اللّه على الشيخ أبي بكر الصديق (رضي اللّه عنه) أميراً على الحجيج، فخرج في ثلاثمائة رجل من المسلمين في شهر ذي القعدة من تلك السنة، ومعه عشرون بُدنة لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولنفسه خمس بدنات. وسارَ بالناس على هُدى الله تبارك وتعالى حتى كان بـ «ذي الحُليفة»، فإذا بعليِّ بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) في أثره، وهو يركب ناقة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) القصواء.
وكان الرسول الأعظم قد اختار موسم الحج ليبلغ الناس الآيات البيّنات التي أنزلها ربُّه تعالى عليه، والتي تحدد للدعوة الإسلامية مزاياها على المعتقدات والأفكار الأخرى، وللمسلمين القواعد الثابتة في العلاقات والعهود التي أقيمت من قبل، وما ستكون عليه من الآن وصاعداً. وتلك الآيات هي ما يعرف بـ«سورة براءة» في القرآن الكريم. «فلمَّا نزلت «براءة» على رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكان قد بعث أبا بكر الصديق ليقيم للناس الحج، قيل له: يا رسول اللّه، لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «لا يؤدّي عنّي إلاَّ رجلٌ من أهل بيت.، ثم دعا عليَّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال له: اخرج بهذه الآيات من صدر «براءة»، وأذّن بها في الناس يوم النحر إذ اجتمعوا بمنى»[*].
وخرج عليٌّ يحمل «براءة» إلى أن أدرك أبا بكر في الطريق، فسأله: أمير أم مأمور يا أبا الحسن؟ فقال له: بل مأمور[*] من رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأبلِّغ «سورة براءة» للناس التي نزل بها جبرائيل الأمين من الله العلي العظيم على قلب رسوله الأمين، ثم مضيا معاً.
وأهمية سورة براءة - أو سورة التوبة - أنّ صدْرَ آياتها يتناول علاقة المشركين بالدولة الإسلامية، هذه الدولة التي تدين بدين الله الواحد الأحد، وتطبِّق حكم الله تعالى في الأرض، فلا بد أن يكون كيانُها خالصاً من الشرك، ومن الآفات التي يسببها أهل الكفر والنفاق!.. وهذا ما لم يكن متوفراً بصورة كاملة بعد، لأنه كان لا يزال في بعض أنحاء شبه الجزيرة بقايا من المشركين، الذين ظلوا يحجون إلى بيت الله الحرام على عهدهم القديم في الجاهلية. ومثلهم أولئك الذين عاهَدهم النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لمواعيدَ مؤقتة، منتظراً أمر الله سبحانه، بما قد ينزّل من أحكام تبيّن علاقتهم النهائية بالبيت العتيق، وبالدولة الإِسلامية.
وها هي تلك الأحكام قد تجلَّت بما أنزل الله عز وجل من آياتٍ محكمات تبيّن أنَّ الله سبحانه وتعالى بريءٌ من المشركين ورسولُهُ، لا عهد لهم بعد الأشهر الحرم، إلاَّ إذا تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فيكونون إخواناً في الدين. هذا هو قانون رب العالمين الذي لا يقبل بأن يُترك الناسُ، الذين لا يعبدون الله تعالى حقّ عبادته، لأهوائهم ومعتقداتهم البالية الخرقاء. وإلاَّ كان في تركهم إقرارٌ بالباطل إلى جانب الحق، وقبول بالكفر في جانب الإِيمان. وهذا ما يتنزّه عنه الإسلام، وهو دين أهل السماوات والأرض، كما أرادَهُ الخالق العظيم والمدبر الحكيم.
ثم إنه في قوانين الحكم والاجتماع، أنه من غير الطبيعي أن يجتمع الناس وهم على تناقض في الفكر والشعور، وأن يتوافق الثائرون على الشرك والأوثان، مع المقيمين عليهما. فكيف إذا كان هذا الاجتماع حول بيت الله الحرام، الذي أراده سبحانه وتعالى أمناً ومثابة للناس، لأنه أول بيت عُبد فيه الله تعالى على وجه هذه الأرض؟!
ولذلك فإنه من حق الدولة الإِسلامية، بل من واجبها، أن تصون عهد الله تعالى، فتبعد كل ما هو قائم على الشرك بالله، وأن تحميَ أبناءها ممن يخالف أفكارهم، ويعارض مشاعرهم، حتى تستطيع أن تُطهّر أرضَها ممن ينابذها في العَقيدة، وتحافظ على وجودها، بعيداً عن عوامل الضعف، والاضطراب والانحلال.
ثم إن التعارض ما بين العقيدة الإسلامية وما بين عقائد الكافرين والمشركين إنْ في الجوهر والشكل، أو في المعنى والمبنى، يوجب على الدولة الإسلامية محاربته والقضاء عليه. فحقتْ كلمة الله العلي القدير، عندما أنزل آيات «براءة» على قلب رسوله الكريم، فأودعَها الرسولُ أحدَ أهلِ بيته، ابنَ عمه، وزوجَ ابنته فاطمة الزهراء، علي بن أبي طالب (كرم اللَّهُ وجهه) كي يبلّغها للناس يوم الحج، وفي أحد أهمّ الأماكن التي يجتمع فيها الناس لأداء المناسك.
وتأتي الحكمة من إبلاغ تلك الآيات يوم الحجّ، باعتباره اليومَ الجامعَ لأكبر عدد من الناس، لأنَّ هذه الآيات تتضمن أحكاماً خاصة بالمسجد الحرام نفسه، إذ كان من عادة العرب في الجاهلية، عندما يأتون حاجّين، أن يطوف رجالٌ منهم عُراةً، وليس على أحدهم ثوب يستره. وكان الظن عند هؤلاء أنهم بذلك يعظِّمون حرمات البيت. فيقول أحدهم وهو يطوف عارياً: «أطوف كما ولدتني أمي، ليس عليَّ شيء من الدنيا خالطه الظلم». وهو من التقاليد الجاهلية التي لا تليق بكرامة الإِنسان، ولا بحرمة البيت الحرام، التي يرفضها الإِسلام رفضاً باتّاً، لأنَّ مِن أُولى أهدافه الاهتمامَ بتهذيب النفس الإنسانية مما يشوبها من الأمراض والعاهات، وصيانةَ الجسد ممّا يعرّضه للآفات المرضيّة، والمظاهر الإِباحية. ولذلك كان رفض الإِسلام لكل ما يجعل الإِنسان متحلّلاً من القيم الخلقية والآداب العامة، وفي مقدّمتِهِ العُريُ بجميع أشكاله.. وإذا كان قد وقَرَ في ذهن العربيِّ الجاهليِّ أن طوافَهُ بالبيت الحرام عارياً يخلِّصه من ظلم الدنيا، فإنَّ وسيلته إلى هذا الخلاص غير مبرّرة، لأنه لا يمكن محاربة الظلم بظلم أشدَّ منه، أو الشرَّ بشرٍّ أعتَى منه. ففي العُري ظلم للجسد وللنفس، لأنه من أكثر الفعال التي تهدرُ كرامة الإنسان، وتحطُّ من قيمته. ولو لم يكن كذلك، لما هدَى الله سبحانه وتعالى آدمَ وحوّاءَ (عليهما السلام) إلى ورق الشجر يخصفانه ليسترا به عوراتِهما، وهما لا حسيب عليهما ولا جليس لهما، لأنهما كانا وحيدين في الجنّة التي خلقهما فيها الله تعالى.
ومن العجيب، أن يعودَ الإِنسان، في عصرنا الراهن، عصر الذرّة، وغزو الفضاء، وعصر التكنولوجيا والمعلوماتية، وعصر التمدن - وفقاً لما يدَّعون - إلى وثنية عارية، لا تقيم لمفهوم الكيان الآدمي أيَّ وزن أو اعتبار، فتجيز قوانين العُري، ويُسمح للعراة بإقامة النوادي وأماكن الاجتماع بترخيصٍ حكوميٍّ تحت ستار الحرص على تأمين الحريات الشخصية واحترام الحقوق الفردية. بل وأسوأ من ذلك أن تنشأ محطات فضائية للتلفزيون وبتراخيص قانونية تنقل الصور والمشاهد عن الدعارة، وممارسة الجنس بأبشع المظاهر والأساليب والانحلال.. وتظل هذه المحطات تعمل في الليل والنهار وتبث إلى مختلف أنحاء الدنيا!!.. دون أنْ يتنادى أهل الشرف والكرامة إلى منعها!!..
فأين الفرق - في مثل هذه القوانين أو التراخيص أو الأعمال - بين الإِنسان (بكماله الجسدي والنفسي) وبين الحيوان في الغاب (ولا عقل عنده ولا حضارة أو مدنية). {يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ *الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ *فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ *} [الانفِطار: 6-8]. لقد جعلك الخالقُ العظيمُ، يا أيها الإنسانُ، بشراً سوياً، جميلاً في الخَلْق، حسناً في التصوير، فهل تُذْهِبُ جمال خَلقك وحسن صورتك في عُرْي يحطُّ من قدرك، ويقضي على كرامتك؟!.. عُدْ إلى الإِيمان، وابتعد عن وثنية العري والاستهتار، وعن جاهلية الإِباحة والخلاعة، تسلَمْ ويسلمْ معك مجتمعك، وتسلَمْ كرامة إنسانيتك!..
وفي العودة إلى مسيرة الحج الأكبر، فقد حارب الإِسلامُ الوثنية والشرك والجاهلية بكل الأشكال التي كانت عليها، وما بُنيَ على تلك المعتقدات من الأفكار والمفاهيم الملتوية، والعادات والتقاليد الفاسدة، فكان الحكمُ القرآنيُّ الذي يمنع على المشركين الحجّ إلى بيت الله الحرام لئلا يدنّسوه بالنجَس، ولذلك أنزلت «براءة» التي تجيزُ لهم الحجَّ الأخير في السنة التاسعة للهجرة، فيتبلّغوها بهذه المناسبة على الرغم ممَّا بينهم وبين المسلمين من الفوارق، حيث يطوف - مثلاً - هؤلاء مستورين، متجمِّلين بكل ما يليق بقدسية المكان وكرامة الإِنسان، بينما يطوف المشركون مكشوفين، متحلِّلين من مقاييس الآداب والكياسة.. وحيث المسلمون يلبّون قائلين: «لَبيك اللّهم لبَّيك، لَبَّيك لا شريك لك لَبَّيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، في حين يلبّي المشركون قائلين: «لبيك لا شريك لك إلاَّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملكك».. وحيث المسلمون يهلّلون ويكبّرون، والمشركون يصفّقون ويصفّرون..
أجل، كان التناقضُ في العقيدة، والتضاربُ في الأفعال والأقوال.. وهذه الفوضى لا تليق بكرامة دولةٍ، ولا تُناسِبُ وحدة أمة، ولا تتفق مع الأهداف من الاجتماع حول بيت الله الحرام. لا سيما وأن الحجَّ بالنسبة للأمة الإسلامية، لا يعني فقط أداء الفريضة ومناسكها، بل واجتماع عدد كبير من أبنائها على الأخوة، والمحبة، والألفة والوفاق في مشهد واحد، ومظهر موحِّد حيث يقتضي أنْ تتطهّر القلوبُ وتشفى النفوس، من جراء المحاسبة التي يقيمها كلُّ حاجٍّ مع نفسه عما سَلَفَ منه، والإنابة لربه رجاء التوبة والمغفرة. وفوق ذلك، فإن موسم الحج يأتي ليكون مناسبة للمعنيّين من أبناء الأمة لينظروا سوياً بأمورها الهامة، ومعالجة مشكلاتها، وتدعيم الروابط والعلاقات بين مختلف شعوبها...
وهل يمكن أن تكون للمسلمين تلك الوحدة الجامعة، الهادفة، وبين ظهرانيهم عناصر غريبة عنهم في كل شيء: في العقيدة، وفي التفكير، وفي الشعور، وفي المنهج والقول والسلوك؟!
كان من الضروري إذن لأمن الدولة، وسلامة وجودها - بالإضافة إلى العقيدة الدينية وهي الأصل - أن تحدّد موقفها من كل الجماعات الأخرى غير المسلمة، وتُصحِّحَ وضْعَها على النحو المألوف في كل دولة.
وبسبب تلك الاعتبارات الهامة انتظر عليٌّ (كرم اللَّهُ وجهه) حتى كان الناس على منى، فنادى مناديه بالاجتماع إليه، ثم وقف على مرتفع مطلٍّ طالباً الإِصغاء والانتباه، ثم رَاح يتلو عليهم صَدْرَ سورة التوبة، المعروف بـ «براءة»، بقوله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ *وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ *فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [التّوبَة: 1-5].
وظَلَّ عليٌّ (كرَّم اللَّهُ وجهه) يتابعُ التلاوة حتى وصَلَ إلى قولِهِ تعالى:
{ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ *} [التّوبَة: 27-29].
ثم تتعاقَبُ تلاوةُ عليٍّ (كرَّم اللَّهُ وجهه) للآيات البيّنات حتى ينتهيَ إلى قولهِ تعالى:
{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ *} [التّوبَة: 36].
وبَعْدَ أن أتَمَّ عليُّ بنُ أبي طالب تلاوة هذه الآيات المباركات من «سورة التوبة» على مسامع الحجيج في منىً، وقَفَ هنيهةً، ثم تابع - بأعلى صوته - معقّباً على آيات الله سبحانه بالقول: «أيها الناس! إنه لا يدخل الجنةَ كافرٌ، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ومن كان له عند رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عهد فهو إلى مدته».
وكان في تبليغ آيات «براءة»، وتوضيحِ هذه الأمور الأربعة التي أعقب بها عليٌّ (عليه السلام)، إنذارٌ عامٌّ للمشركين، ونبذٌ لما بينهم وبين المسلمين من عهود الأمان، على أن تكون لهم مهلةُ أربعةِ أشهرٍ، وهي مهلةٌ كافية كي يتدبروا أمورهم، ويحددوا مواقفهم: فإنْ تابوا وآمنوا، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فهم إخوانٌ مسلمون، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم. وإنْ رفضوا وأصَرّوا على الشرك، وهُم في أرض الإِسلام، فإنَّ الذنْبَ يَقعُ عليهم، واللوم على أنفسهم، لأنَّ على المؤمنين، بعد انقضاء تلك المهلة، أن يملأوها عليهم خيلاً ورجالاً، وأن يقاتِلوهم كافّةً، كما أمَرَهُمُ الله تعالى بذلك، حتى يقطعوا كلَّ دابرٍ للفوضى والاضطراب، ويقضوا على مكامن الغدر والخيانة، فلا يكون أمام المشركين مجالٌ للتآمر على الدولة، كما كانوا يفعلون في الماضي، وكما تدلُّ عليه الشواهِدُ والأحداثُ الكثيرة منذ ظهور الإِسلام.. نعم، إنه لا شيء يجيز للمشركين البقاء بين المسلمين، وهم على تلك الأحوال المضرّة. وما عليهم إلاَّ الإِذعانُ للحق، أو الهربُ من وجه هذا الحق..
وهكذا كان اختيارُ يومِ النحر بـ «منىً»، لأنه يوم جامع حافل، فيه يأتي الناسُ من كلِّ فجٍّ عميق، ويتلاقون من كل صُقْع.. ولقد كان اختيار هذا اليوم، حتى يُعلِنَ الإِسلامُ على الملأ كلّهِ، نبْذَهُ لعهود المشركين، وإعلان الحرب عليهم عامة. وبذلك فإنَّ الإِسلامَ لم يُبَيِّتْ لهم غَدْراً، ولم يأخُذْهُمْ بغْتَةً، ولم يُعامِلْهُمْ على نقضِ عهودهم معه بمثل ما قد يفعلون، فيأخذهم خُلسةً وهم غافلون.. أبداً لم يكن الإِسلامُ ليقف هذا الموقف، وقد ألِفَهُ كثيراً من أعدائِهِ الذين لم يلق منهم إلاّ الغدر والخيانة. فعندما أرادَ أن ينهي العلاقةَ التي فرضت الظروفُ إقامتَها مع معسكر الشرك، وأن يضَعَ الحدودَ الفاصلة بينَهُ وبين أعدائه، فلا يكون بعدها رجعة ولا تردد، أنذر المشركين علانيةً، وأعطاهم المهلة كي يتدبّروا أمورهم، ويتصرّفوا على ضوء ما يَرَوْن. وكانت تلك المهلةُ أربعةَ أشهر لمن لهم عهودٌ غيرُ محدَّدة الأجل، ونهاية الأجل لمن كان لهم عهود معلومة ومحددة.. وإنَّ لهم خلال هذه المهلة - الكافية - أن يسيحوا في الأرض، فينظِّموا أمورهم، ويتدبَّروا أحوالهم، فمن كانت له تجارة أو دَين، أو أية علاقة مع غيره، عرف كيف يعالجها، بما يؤمِّن حقوقه، ويصون حقوق الآخرين.. هذا هو العدل والإِنصاف مع الخصوم، والشرف والسمو مع الأعداء، والأمانة والاستقامة مع المعاهدين وغير المعاهدين، وهو طريق مستقيم للناس أجمعين. ومثل هذا الأفق الوضيء، بمداه الإِنساني البعيد، الذي لم يبلُغه إلاَّ الإِسلام، يعطي الإِنسانَ القدرةَ على الجزم بأنَّ هذا الدين هو وحدَهُ الحق، في العقيدة والأفكار، وفي المعاملات والعلاقات، كما أثْبتتهُ أحداثُ الماضي، وكما تدلُّ عليه أحكام هذا الدين في منطلقاتها وأهدافها السوية الكاملة.
وكما حدَّدَ الوحيُ للنبيِّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) موقفَ المسلمين من المشركين، فقد حدَّدَ له أيضاً الموقفَ من أهل الكتاب الذين يعيشون في ظلِّ الدولة الإِسلامية، أو يحيطون بأطرافها. فأمّا أهل الشرك فقد دعاهُمُ الله ورسولُهُ إلى الإِيمان بالإِسلام واعتناقه عقيدة ونهج حياة، فإنْ لم يُلَبُّوا هذه الدعوة فلا جَرَمَ أنَّ على المؤمنين قتالَهم وإخراجَهم من بين ظهرانيهم أو وجبَ عليهم الركون والتقيد بأحكام الدولة وقوانينها، والطاعة لحاكمها دونما تآمر أو تخريب بين الناس وفي المؤسسات.. ودونما الظهور بمظاهر الشرك والوثنية، بشتى صورها وأشكالها، أو حتى العمل في الخفاء بما يتعارض ومصلحة الناس.. وإن اهتدَوْا وأسلموا، فلا بأس عليهم ولا خوف، بل هُمْ إخوةٌ في الدين، وشركاء في الهدف والمصير.. وأما أهل الكتاب، فلهم الحق المطلق في البقاء على العقيدة التي بها يدينون. ولهم ملءُ الحق في مشاركة المسلمين في أوطانهم، ومخالطتهم في معايشهم، على أن يكونوا أبناءَ المجتمع الواحد، الذين يعملون لخيره وصلاحه، ويحرصون على سيادته ومنعته. فالكل متساوون في الحقوق والواجبات، والكل مدعوون لإِقامة الأمن والسلم وحسن الجوار.. ولكن إنْ بدا من أهل الكتاب أمارةُ غدر أو محاولة فتنة، أو اعتداء على أمن الدولة، أو على أخوانهم في الوطن، أو مخالفة للأحكام الشرعية، أو تجاوز للحدود التي أرادها الله سبحانه لتسوية الأوضاع المجتمعية وإصلاحها!.. نعم إن بدا أنهم يعملون لذلك، فعلى المؤمنين أن يردعوهم بكل الوسائل حتى يخضدوا شوكتهم، ويُخضعوهم لحكمهم، وذلك بأمرٍ من الله تعالى:
{قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ *} [التّوبَة: 29].
هكذا حدَّدَ الإِسلام موقفه من المشركين، وموقفه من أهل الكتاب، الذين يعيشون في كنف دولة الإِسلام أو على حدودها. وليس في تحديد هذا الموقف ما يخالف الدساتير والقوانين والأسس التي تقوم عليها الدول، لأننا نرى في الحضارة القائمة اليوم، أنَّ لكل دولة قوانينها وأنظمتها الخاصة، ولها حقوقها الكاملة في اتخاذ كافة التدابير التي ترى فيها حماية شعبها وأرضها. وتأتي المعاهدات والاتفاقات الدولية لتزيد الترابط والتعاون في العلاقات الدولية، ولكنَّها لا تمسُّ بسيادة الدولة على أرضها وشعبها.. هذا من حيث المبادئ التي يَقوم عليها القانون الدولي والأعراف الدولية، أما ما يحصل في الواقع، فهو أمر آخر تعرفه شعوب العالم ودوله بأسرها ولا يتسع المجال لبحثه هنا.. فالمهم أن دولة الاسلام، كدولة جديدة كان جديراً بها أن تضَعَ الشرائع وأن تسنَّ القوانين التي ترعى مصالح أفرادها، وتحفظ سلامتها وكيانها، مع الفارق بين هذه الدولة، وغيرها من الدول الأخرى، بأنَّ ما تضعه دولة الإسلام من أحكامٍ شرعيةٍ يجب أن يكون مستقىً من القرآن الكريم، كتاب الله الأزليّ، الثابت على مدى الدهور، ومن السنّة النبويَّة الشريفة، وأنَّ ما تسنُّه من قوانين إدارية عصرية، أو ما تستعين به من العلوم والتكنولوجيا التي تأخذها من أي مصدرٍ كان.. يجب أن تؤخَذَ، وأن تستعملَ بما يتوافق مع الأحكام الشرعية، ولا يخالف جوهَرَ الاسلام..
وعلى هذه الأسس وبفضل أحكام القرآنِ، وبهدْي «براءة» من هذا الكتاب المبين، لم يحجَّ - والحمد لله - من يومئذٍ، مشرك إلى بيت الله الحرام، ولم يَطُفْ حوله عريان. ومن يومئذٍ وُضِع البنيانُ المتين الذي تقوم عليه دولة الإِسلام في علاقاتها الداخلية والخارجية.
وفاة إبراهيم ابن رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
كانت الوفود ما تزال تترى على المدينة، وملءُ جوارحها الشوق للقاء النبيِّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومنتهى رجائها الاجتماع إليه، والاهتداء إلى دين الله تعالى على يديه.. وكان الرسولُ الأعظمُ يستقبل تلك الوفود، بنفس راضية وصدر منشرح دون أن يضيِّع ساعةً من وقتٍ.. إذ كان عليه - بالإضافة إلى إكرام الوفود وهديها ـ، أن يتدبّر الشؤون العامة، مثلما يرعى الحالات الفردية الخاصة، ناهيك عن القيام بالفرائض والطاعات، وهدي المؤمنين، والأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم.
على أنه، في خضمّ الانشغال بالوفود من قريب ومن بعيد، وعلى الرغم من جسامة مهمته في القيام بشؤون الأمة، وعِظَمِ مسؤوليته في تسيير شؤون الدولة، لم يكن النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليغفلَ قطُّ عن رعاية أهل بيته، والاهتمام بهم اهتماماً كبيراً، فكان بعد الفراغ من القيام بجميع الأعباء وتدبير شتَّى الأمور، يذهب إلى أزواجه، فيطوف عليهن واحدة، واحدة، يتفقدهُنَّ بعطفه، ويستمع إلى مطاليبهنَّ بحنانه، ويؤمن لهنَّ حاجاتهن بكفايته. ثم يقصد بعد ذلك زيارة ابنته فاطمة الزهراء وحفيديه الحسن والحسين (عليهم السلام) حتى يأنس بقربهم بعض الوقت. ثم يتوجه لرؤية ابنه إبراهيم (عليه السلام)، الذي يعيش في كنف أمِّه، السيدة مارية، على الدفء والحنان، ويترعرع في ظلال أبيه على المحبة والرحمة.
وكان إبراهيم (عليه السلام) وهو طفل في شهره السادس عشر، قرة عين لأبيه، إذ ما إن يطلُّ عليه حتى يمتلىءَ ثغرُهُ النديُّ بابتسامةٍ عريضة معبّرةٍ، ثم يخلد إلى صدره بهدْأة عميقةٍ مريحة، فيحتضنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالحبِّ الأبوي، والعطف النبويِّ اللذين لا تدانيهما أية مشاعر في الوجود مهما بلغت من السمو، لأنه الإنسان المؤمن الذي يدرك معنى الطفولة، عطاءً من الخالق العظيم، يتجسَّدُ في أروع صورة وأحسن تقويم.. فكان من الطبيعيِّ أن يكون حبُّه لطفله إبراهيم (عليه السلام) حبّاً كبيراً، وكان من البديهي أن يُغدق عليه من نفحات الحب، وخالص الشعور، ما يؤمِّنُ له العيش في أنقى الأجواء طهراً وحناناً وإنسانية، فيمتلىء عافية وحيوية، ويشعُّ نورانية وبهاءً، ويكون أشبه الناس خَلْقاً بأبيه محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .
كان كل شيء من حول الطفل يشير إلى أنه سوف ينمو ويكبر إذا شاءَ الله تعالى له الحياة. ولكن من أين للإِنسان أن يعلَمَ ما يقدِّر الله العزيز الحكيم، وما يشاء في خلائقه أجمعين؟... وها هو حكم الله - عزَّ وجلَّ - يحلُّ على إبراهيم، ابن رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فيقع، بين ليلة وضحاها، في مرضٍ شديدٍ، يجعله طريحَ فراشه الصغير، لا تفيده مداواة ولا تُجديه طِبابة. بل على العكس كانت حاله تسوء وتسوء حتى خيفَ عليه، فقرَّ الرأي على نقله إلى نخلٍ بجوار العالية - التي تعرف اليوم بمشربة أم إبراهيم - علَّ في الجو النقي، والمكان المرتفع، ما يساعد الطفل على أن يُبِلَّ من مرضه، ويستعيد عافيته..
وهنالك، وبين النخيل، قامت أمُّهُ وأختُها السيدة سيرين تمرّضانه، وتدأبان في السهر عليه ليلَ نهار، كما راح النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يصرف معظم أوقاته - خارج انشغاله بالأعباء العامة - إلى جانب ابنه، يحوطه بعنايته، ويحنو عليه برحمته. إلاَّ أنَّ قضاءَ الله تعالى كان فوق كل شيء، فلم تمضِ على مرض إبراهيم (عليه السلام)، إلاَّ فترة وجيزة، وجاءَ أجلُهُ الذي لا رادَّ له، فأسرع من يخبر النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المسجد، أنَّ ابنهُ في الاحتضار.
ووقع الخبرُ على النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقْعاً شديداً، فقام يسعى إلى ابنه، وقد وهنت بعض قواه، بما جَعَلَ قدميه لا تكادان تحملانه على المضي في دربه، فطلب إلى عبد الرحمن بن عوف، بجانبه، أن يقترب منه لكي يعتمد على كتفه في الطريق.
وكان كثيرون من الصحابة قد وصَلوا والتفّوا حول رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو يأخذ بيديه الشريفتين طفله ويضعه في حجره، بكل أسىً ولوعة، فيفتح الصغير الطاهر عينيه الغائرتين، وهو يجود بنفسه وكأنَّه يودع أباه الوداع الأخير، في هذه الدنيا، ثم يغمضهما مستسلماً لله - سبحانه - وقد قبضه إليه، مخلِّياً وراءه أباً يعتصره الألم، وأمّاً تأخذها اللوعة.. ففاضت عينا محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالدموع، وغمرته الأحزان.. إلاَّ أنه وهو النبيُّ الصابر المصابر لم يجعل المصابَ يقوى عليه، فقال، وهو يُعزّي نفسه: «يا إبراهيم لولا أنه أمرٌ حقّ، ووعدٌ صادق، وأنَّ آخرَنا سيلحق بأولنا، لَحَزِنَّا عليك بأشدَّ من هذا».. وصمتَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعض الوقت، وأنظاره لا تحيد عن الجسد الصغير المسجّى أمامه. ثم عاد وقال: «تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب. وإنَّا يا إبراهيم عليك لمحزونون».
وقد رأى الناسُ في تلك الساعةِ السيدة مارية، أمَّ إبراهيم، في حالةٍ من الهلع لا توصف، وهي ترتمي على جسد ابنها ملهوفةً، مكلومةً، وبجانبها أختُها السيدة سيرين تولول وتصرخ، حتى أبْكَتَا الناسَ جميعاً من حول رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .
ورأى النبيُّ ما تفعله الأمُّ وأختُها، فلم يُرضِهِ ذلك. ثم أشار إلى الناس بالهدوء، وقال: «ما عن الحزنِ نهيتُ وإنما عن رفع الصوت بالبكاء. وإنَّ ما ترون بي من حزن أثَرُ ما في القلب من محبةٍ ورحمة. ومن لم يُبد الرحمةَ، لم يُبدِ غيرُهُ الرحمة عليه».. ثم تطلع إلى تلك الأم المحزونة وأختها، مواسياً فقال لهما: «إنَّ له لمرضعاً في الجنة».. ومبدياً أنَّ إبراهيمَ طيرٌ من طيور الجنة، يذهبُ إلى ذلك النعيم الأبدي فيَسْعَدُ - بإذن الله - في رحابه غِرّيداً، ويخلُدُ في عوالمِهِ شادياً يسبّح بآلاء الله تبارك وتعالى، ويرتِّل أنغامه القدسية الأزلية.
وفي غمرة الأحزان قام الفضل بن العباس، ابن عم النبيِّ، فغَسَل الطفل وألبسَهُ كفنَهُ، كي يرتحل عن هذه الدنيا طاهراً مطهَّراً، حتى إذا أكمل تجهيزه، وضع على سرير صغير، فحمله المشيّعون، ومشت الناس وراء أبيه، ليواروه جدث الرحمة في مقبرة بقيع الغرقد، بعد أن صلَّى عليه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمسلمون.
وأُنزل الجسدُ الصغير إلى مثواه الأخير، ثم سوَّوْا القبرَ عليه، فأخَذَ النبيُّ الماءَ وراح يرشُّ على ترابه ويسوّيه بيديه الشريفتين، ثم يعلِّم عليه بعلامة، وهو يقول. «إنها لا تضر ولا تنفع، ولكنها تُقِرُّ عين الحيِّ، وإنَّ العبد إذا عمل عملاً أحب الله أن يُتقِنَهُ»[*].
ووافق ذلك اليوم الذي توفي فيه إبراهيم (عليه السلام) كسوفُ الشمس، فدهش الناسُ وظنوها معجزةً حققها الله - سبحانه - كسلوى لقلب نبيِّه، فراحوا يقولون: «كُسِفت الشمس لموت إبراهيم»... وعندما سمِعَ نَبِيُّ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما يقولُهُ الناس، وقف يردعهم عن ذلك بقوله: «إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان ولا تنخسفان لموت أحد ولا لحياته. فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله بالصلاة»[*].
وقد يكون من حق الناس في ذلك اليوم أن يعجبوا لكسوف الشمس، وأن يظنوه معجزة من اللّه سبحانه وتعالى، لأنهم لم يكونوا في غالبيتهم يعرفون، كما تعرف الملايين من البشر - اليوم - النظامَ الدقيق الذي يخضع له الكون كله، ودوران الشمس على نفسها، والعلاقة بينها وبين الكواكب السيارة التي تدور في فلكها. بل لعلَّ الملايين من الناس - في وقتنا الراهن - لا يعرفون بأن الكسوف يأتي من احتجاب نور الشمس عن قسم من الأرض أثناء النهار لوجود القمر بين الشمس والأرض، ووجود الثلاثة معاً: الشمس والقمر والأرض على خط مستقيم واحد. كما لا يعرفون بأن الخسوف هو ما نراه من ظلمة للقمر في وقت من أوقات الليل بسبب وجود الأرض بينه وبين الشمس وعندما يكون الثلاثة على خط مستقيم واحد.. وعند حدوث مثل هذه الظواهر الكونية عليهم اللجوء إلى الصلاة، وإلى ذكر الخالق وتسبيحه، لأنهم يشعرون - بالفطرة - برهبةٍ في الأعماق تدفعهم إلى ذكر الله تعالى، كي يُبعد عنهم البلاءَ والكوارث..
وإذا كانت فطرة الإِنسان المؤمن توحي له بالخشوع، وبذكر الله (عزَّ وجل) عند كسوف الشمس أو خسوف القمر، فإنَّ الفطرة هي نفسها التي اعتملت في نفوس الصحابة، يومئذ، وإنْ توهم بعضهم بأن ذلك الكسوف الذي حصل يوم وفاة ابن رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان معجزة. إلاَّ أنَّ نبيَّ الله الصادق، ورسولَه الأمين، أبى على الناس ذلك الوهم، ووقف يُظهر حقيقة تلك الظاهرة الكونية[*]، وذلك برفضه القاطع لمقولة المعجزة، وتبيان أن اللَّهَ الذي خلق السموات والأرض، وأنه القادر على تسيير الشمس والقمر والأرض، وسائر النجوم والكواكب، وكلِّ ما في الكون من أجرام سماوية وعوالم بعيدة، وفق نظام كامل، غاية في الدقة والانضباط. وما كان علم النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاَّ ما علَّمهُ إياه ربه الكريم، في قرآنه المبين، ومن قبيل ذلك قوله تبارك وتعالى:
{وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ *لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ *} [يس: 38-40].
وقد سار رسول الهدى على طريق العلم والمعرفة، بما يتكون لديه من علم القرآن، فرأى حادث الكسوف الذي حَصَلَ يوم وفاة ابنه إبراهيم ظاهرةً كونية، دلَّل عليها بقوله: إنها «آيةٌ من آيات الله». لأنه في الحقيقة ما من شيء في الكون حدث أو يحدث إلا وهو آية من آيات الله سبحانه وتعالى. ولذلك أبى الرسولُ الأعظمُ على الناس أن يذهلوا لتلك الظاهرة، وأن يتوهَّمُوها على غير حقيقتها. وقام يدفن حزنه بين ضلوعه ليواجه الناسَ بالحقيقة، ويبيّن لهم أن الشمس والقمر لا ينكسفان ولا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، حتى ولو كان ابنَ النبيِّ أو النبيَّ نفسه، وأنَّهُ على الناس، أمام حدث من هذا القبيل، أن يسلكوا النهج الذي يُرضي الله تعالى، ويعبّر عن عبوديتهم لخالقهم، فيهرعوا إلى الصلاة[*]، وإلى ذكر الله بالتسبيح والاستغفار، والدعاء حتى تبقى صلة العباد بربهم قائمة على الخضوع لسلطانه، والتفكر بعظمته، والإِقرار بأنه على كل شيء قدير.
وإذا كان نبيُّ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد عاش للحقيقة دوماً، وكانت مشاعره حِيال الموت هي مشاعر المؤمن الصادق، إلاَّ أن مشاعر الناس بصورةٍ عامة، تبقى ضمن إطارها الذي يغشّيه الموت بالأحزان والآلام..
وهذا الواقع الذي يعايشه الإنسان دوماً بحكم تكوينه البشري، كان له تأثير أقوى عند العرب في عصر النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إذ كانوا يرون في موت الولد الذَّكَر مصيبة ما بعدها مصيبة، ونكبة قد تفوق كل النكبات. وأما السبب فهو عيش البدوي في صحراء شبه قاحلة، وفي شظف من العيش كان يفرض الغزو والسلب، ودعامتهما الرجال دون النساء. من هنا كانت النظرة إلى الذكَرِ تختلف عنها إلى الأنثى التي لم تكن موضعاً للعزة والافتخار، ولا مصدراً للقوة والمنعة. بل على العكس كانت تشكل عنصر ضعفٍ في تلك البيئة القاسية، ومحلًّا للفقر أو العار. إذْ كان ابنُ جزيرة العرب يحزن من جراء ولادة الأنثى، فإذا أُخبرَ بمولودةٍ جديدة له، اكفهرَّ وجهه واسودَّ، وشعر بالخزي والعار، حتى ليتوارى عن أعين القوم، من سوء ما بُشر به، وهو حائر يفكر بما يفعل، أيتركها على قيد الحياة، وفي ذلك الذل والهون، أم يدسُّها في التراب ويئدها فتموت، وفي ذلك راحةٌ من همومها وأعبائها؟!...
تلك العقلية الخرقاء التي انتشرت في الجاهلية هي التي جعلت العربيَّ يقترف أشنع جريمة بحق الإِنسانية، عندما كان يقدم على وأدِ مولودةٍ جديدةٍ ليس لها أي ذنبٍ إلاَّ أنها أنثى.. وقد ظلت هذه العادة الذميمة شائعةً حتى جاء الإِسلام فحاربها وقضى عليها. وقد صوَّر القرآن تلك الحالة النفسية التي كان يعيشها العربيُّ عندما تولد له «أنثى» أدقَّ تصوير وأصدق تعبير، وانتهى إلى الحكم عليه بسوء التقدير والفعل جزاءً لما احتملَ من ذهنية جاهلية، وما اقترفَ من جريمةٍ إنسانيةٍ، وذلك بدليل قوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ *يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ *} [النّحل: 58-59].
وبحكم نور الحق الذي جاءَهُ من ربه، وبالفطرة الصادقة التي فطره اللَّهُ تعالى عليها لم يُفرِّق سيدُنا محمدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)،لا قبل نزول الوحي عليه، ولا بعده، في خلق الله - تبارك وتعالى - بين مولود ومولودة، بل أحبَّ الذكر والأنثى، وعطف على الذكر والأنثى، سواءً بسواء.. فقد وهَبَهُ الله تعالى الذكور والإِناث، فأجْملَ في الثناء على الخالق، وأقرَّ له بالنِّعْمة، فكان أعظم الآباء للبنين والبنات.. ومن يتأمل في حياة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) العائلية يجد أماراتٍ وعلائمَ لا يعرف تقديرَها وحكمتها إلاَّ الله سبحانه. فلم تلِدْ له من أزواجه إلاَّ السيدة خديجة (عليها السلام) فكان منها ابناه القاسم، والطاهر (قيل: سمّاه عبدَ الله وكنيته: الطاهر) وقد توفاهما الله تعالى قبل أن يبلغ الواحد منهما الثالثة من العمر، وكانت من الزوجة الطاهرة بناته: زينب ورقية وأم كلثوم، وفاطمة الزهراء، وقد عِشنَ جميعهن حتى كَبرنَ وتزوجن، ولكنْ لم تنجب أيٌّ منهنَّ، إلاَّ فاطمةَ الزهراء، زوجَ علي بن أبي طالب، وأم السبطين: الحسن والحسين (عليهم جميعاً سلام الله ورضوانه)[*]. ثم يتوفى الله - سبحانه - بنات محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الواحدة بعد الأخرى، حتى لم يبقَ له إلاَّ ابنته فاطمة الزهراء، فكانت سلوى للقلب، ومبعث راحةٍ للنفس. فلمَّا رزقه الله - سبحانه - على الكِبَرِ ابنه إبراهيم من زوجه السيدة مارية، وَجَدَ فيه قرَّةَ عين - حقّاً - إلى جانب فاطمة، وولدَيها الحسن والحسين (سلام الله عليهم ورحمته). ويشاء الله العزيز الحكيم أن يختار إلى جنانه مولودَهُ الجديد، وهو ما يزال في أول طفولته، فيدفنه أبوه تحت صفائح الثرى كما دَفَنَ، من قبلُ، أخَوَيْه وأخواته، وهو يحتسب نفسَهُ عند ربِّه، خاضعاً لقضائه وحُكْمِهِ، لأنه يرى في الموت حقّاً، وفي المنقلب صدقاً.
وإذا كان قضاء الله تعالى بأن يموت أولادُ نبيّهِ محمدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جميعاً - إلاَّ فاطمة الزهراء - فإنه كان مُقدَّراً أن يعيش هذا الأبُ في مأساة دائمة، وأن تكون حياته سلسلةً من الأحزان والآلام، مع ما قد يجرُّ ذلك من وَهَنٍ وضعف، أو ما قد يصرفه عن مواجهة الحياة بنفس العزم والثقة... ولكنَّ شيئاً من ذلك لم يتأتَّ للنبيِّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لأن إيمانه بربِّه يعلو كلَّ شيء، وقوة ثباتِهِ على مجالدة الصعاب وتقبّل المصائب فوق حدود التصور، ليكونَ كما صنَعَهُ ربُّهُ تبارك وتعالى على عينه - المثالَ الأعلى للمؤمنين، والأسوةَ الحسنةَ للناس أجمعين، ليس أمام الموت وحسب، بل وفي كل أمر وشأن..
ولقد كان الرسولُ الأعظم حقاً الأسوة الحسنة.. فقد عرفوه أمام الشدائد والمصاعب أشدَّ الصابرين وأروعَ المصابرين، تماماً كما عرفوه في مختلف جوانب حياته كتاباً مفتوحاً، يقرأون في صفحاته النقيّة، ما يروي ظمأ النفوس، ويهدي بصيرة القلوب: فقد رأَوْهُ في الحرب - مثلاً - قائداً حكيماً، ومقاتلاً شجاعاً، وعند كل فتح أو تحقيقِ أيِّ نصر، أعظمَ المسامحين وأكرمَ العافين، وأكثرَ الشاكرين الحامدين لربِّهِ تبارك وتعالى.
لقد كان المثالَ للناس والقدوة، لأنه الإِنسان والرسولُ الذي يستقي من معين الله - تعالى - الذي لا ينضب، ويستوحي من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، ولا يَخلقَ من كثرة الردّ .. ويضع نصب عينيه هذه الحقيقة المطلقة، المجرّدة، العلوية، ألا وهي «ولله المثل الأعلى» في كل شيء: في الشعور والسلوك، في الاعتقاد والعمل، في التصوّر والتعامل، وفي كل وجود في الأرض والسماوات، وفي الأكوان والعوالم.. وإنَّ من استقى من ذلك المعين واستوحى من هذا المثال، لَخَليقٌ به أن يكون للناس فيه أسوةٌ حسنة، فكان محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو هذه الأسوة الحسنة، وصَدَق الله العظيم - حيث جعل في رسوله الكريم هذه الخَصلةَ الفريدة - لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا *} [الأحزَاب: 21]. نعم، من كان يرجو لقاءَ ربه، مطمئن النفس، ويرجع إليه راضياً مرضياً، ومن أرادَ أن يفوز في اليوم الآخر، وينعم في جنات عرضُها السموات والأرض، فإنَّ الله ربَّهُ يأمرُهُ أن يتخذ من رسوله محمد بن عبد اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أسوةً له، وأن يذكُرَ الله كثيراً: في قيامه وقعوده، وفي قوله وعمله، وفي شعوره وإحساسه، وفي فرائضه ونوافله...
مباهلة وحكم
لقد سبب موتُ إبراهيم (عليه السلام) الحزنَ لأبيه محمدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولكنَّه صَبَر تسليماً لله (تعالى)، لأنه الأبُ والإنسان المؤمن الصادق، بل وصبرُهُ هو من سمات النبوة والرسالة، فكان عليه أن يغالب أحزانه كي يتمكّن من الاضطلاع بأعباء الدعوة، ومتابعة استقبال الوفود التي كانت تأتيه من كل أنحاء شبه الجزيرة.
وكانت بلاد الجنوب، وفيها اليهودية والنصرانية والمجوسية، قد عرفت بالدعوة الإِسلامية منذ بضع عشرة سنة، أي من قبل أن يهاجر النبيُّ إلى المدينة، وذلك عندما كان يعرض الاسلام وهو في مكة على القبائل التي تجتمع في موسم الحج، وفي مواسم الأسواق.. وإذا كانت تلك القبائل قد أشاحت، في الماضي، بوجهها عن النبيِّ، ولم تستجب له، فإنَّ الوفود تأتيه اليوم إلى المدينة، من اليمن وحضرموت، ومن عمان واليمامة، وغيرها من المناطق، للاستماع إليه ...فعندما تتبيَّنُ لها معالمُ دعوته، وحكمته، نجدها تتخذ قرارها - الصواب - وتدخلُ في الإسلام، يحدوها إلى ذلك قناعتها بهذا الدين، لا سيما بعدما تغيرت الأوضاع، وتبدلت الظروف، وتحدَّدت علاقة المسلمين بسائر الأطراف والجماعات، في شبه الجزيرة يحيث صار واضحاً موقف الاسلام من مختلف التيارات العقائدية، كما صار واضحاً موقع أصحاب تلك التيارات من الاسلام وأهله.. فأهل الشرك، ومن أرادوا البقاء على عبادة الأنداد كان على المسلمين، وجوباً، قتالهم، امتثالاً لأمر الله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [البَقَرَة: 191]؛ بينما اختلفت النظرة إلى أهل الكتاب باختلاف مواقفهم من الدعوة: فاليهود، بوجه عام، حاربوا الإسلام بقوة وضراوة للقضاءِ عليه، إلاَّ أنهم فشلوا في ذلك وهُزِمُوا شرَّ هزيمة، ولذلك كانوا أشدَّ الناس عداوة للذين آمنوا.. . وأما النصارى، فقد حضنوا الدعوة في أول أمرها بشخص النجاشي ملك الحبشة، ثم قام نصارى الروم من بعدُ يناصبونها العداء، ويدخلون في حربٍ مع النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بينما كان موقف نصارى العرب، وخاصة في الجنوب - بخلاف بلاد الشام - أقربَ مودةً للذين آمنوا، وذلك لقوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ *} [المَائدة: 82].
وبمثل هذا التحديد القرآني للعلاقة بين المسلمين من ناحية، والمشركين وأهل الكتاب من ناحية ثانية، سارَ النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على نهجه في استقبال جميع الوفود. بل كان يبادر في أحيان كثيرة، إلى بعث موفدين عنه للاتصال بالناس، وبالقبائل ودعوتهم إلى الإِسلام، كما فعَلَ في السنة العاشرة للهجرة، عندما بعث خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب، من نجران، وأمَرَه أن يدعوهم للإِسلام ثلاثاً، فإن أجابوا واستجابوا كانت لهم الهداية، وإلاَّ فعليه مقاتلتهم. واستجاب بنو الحارث لأمر النبيِّ، فلبث عندهم خالد مدة من الزمن، ثم جاء المدينة بصحبةِ وفدٍ منهم، ضمَّ بين أعضائه: قيسَ بن الحصين بن يزيد بن قنان ذا الغُصَّة، ويزيد بن عبد المَدان، ويزيد بن المحجَّل، وعبد اللّه بن قراد الزِّيادي، وغيرهم.. وبقي الوفد ردحاً من الزمن عند رسول اللّه، يستمع إليه، ويتفقه على يديه، حتى إذا قفل راجعاً إلى بلده، أرسل معهم رسولُ الله عمرو بن حَزْم (الأنصاري) كي يقوم على تعليمهم الشريعة في بلدهم، وأخذ الصدقات..
ثم إنَّ رسولَ الله عادَ وبعث إلى نصارى نجران[*]، ممن لم يُقبِلوا على الإِسلام، بكتابٍ يدعوهم فيه إلى الدخول في هذا الدين، أو دفع الجزية، وقد جاء فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
»بسم إله إبراهيم وإسحاقَ ويعقوبَ. أما بعد، فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد. وأدعوكم إلى ولاية الله تعالى من ولاية العباد. فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب، والسلام».
وصَلَ الكتابُ إلى يد أسقف نجران حارثة بن علقمة، أحد بني بكر بن وائل، فلما قرأه دعا إليه شرحبيل خازن أسراره وموضع مشورته. فلما أطلعه على كتاب النبي «محمدٍ»، لم يزد شرحبيل على أن قال: «لستُ يا سيدنا بصاحب رأي في هذا. ولو كان لأمر من أمور الدنيا لَرجَوتُ أن يكون لي فيه نصيب أو رأي جازم أقوله. على أنني علمت ما وعَدَ الله به من النبوة في ذرية إسماعيل، فما أدري أن يكون هو ذاك»..
ووقع أبو حارثة في الحَيْرة، فهو إن أشار على القوم بالدخول في الإسلام، فمعناه التخلّي عن مناصبه، وإثارة ملوك الروم عليه، وقطعهم الأموال الطائلة التي يمدُّونه بها، فلا يبقى له خدم ولا حشم، ولا تبقى له المكانة التي يعلو بها.. وإنْ هو نصح لهم برفض دعوة «محمدٍ»، فإن هذا يعني إيذاناً بدفع الجزية أو الحرب.
وأعلن أبو حارثة الأمر عندما دعا إلى ضرب النواقيس، وتعليق المسوح في الصوامع، فاجتمع الناس إليه من كل حدبٍ وصوب. وبعد طول جدال ونقاش، قرَّ الرأي على أن يذهب وفدٌ منهم إلى المدينة، يقابلون «محمد بن عبد اللّه»، فيحاجُّونه، ويجادلونه، ثم يرون بعده ما يكون!
وكان وفد نصارى نجران مؤلفاً من ستين راكباً، منهم أربعة وعشرون رجلاً من أشرافهم. وإلى ثلاثة منهم يؤول أمر بلدهم. أما أولئك الثلاثة فهم: العاقب (وهو أمير القوم، وذو الرأي، واسمه عبد المسيح) والسيّد (وهو الذي يتولى الأمور الثقافية والاجتماعية وصاحب رحلهم، واسمه الأيهم) وأبو حارثة بن علقمة (وهو أسقفهم وحبرهم وصاحب مدارسهم). وبينما هم في الطريق، وقد عثرت بغلة الأسقف، إذا بأخيه كُوز بن علقمة، الذي كان يركب بجانبه، يقول: تعس الأبعد.. (وهو يعني بذلك النبيَّ محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) )، فنفر الأسقف وقال له: «بل أنت تعستَ! والله إنه للنبيُّ الذي كنا ننتظر».
فقال له كوز: ما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟.
قال: «ما صنع بنا هؤلاء القوم (ويعني الروم). شرَّفونا وموَّلونا وأكرمونا. وقد أبَوْا إلاَّ خِلافَه، فلو فعلتُ نزعوا منَّا كل ما ترى».
وكان أصحاب الوفد قد أتوا يدخلون إلى المدينة وهم يلبسون أفخرَ الثياب، ويرتدون أبهى الحلل، ويضعون الحليَّ، والقلائد من الأحجار الكريمة، والخواتم من الذهب والفضة، وقد تمنطقوا بالسيوف، وحملوا الرماح.. وكان دخولهم بانتظامٍ صفاً واحداً والناس ينظرون إليهم، وهم على تلك الأحوال، نظرة إعجاب بالغ.
وبعدما أُنزلوا بالحرَّة، خرجوا بعد صلاة العصر إلى المسجد يريدون الاجتماع بالنبيِّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فرفض مقابلتهم، فعادوا إلى منزلهم بالحرّة. وظلوا على هذه الحال عدة أيام، من امتناع النبي عنهم. وكانوا في خلالها يصلّون ووجوههم نحو الشرق، فرآهم الناسُ واستغربوا، ولكنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نهاهم عن التعرّض لهم بشيء، لأنَّ لهم أن يُصَلّوا كيف يشاؤون، إذ لأهل كل كتاب طقوسٌ وشعائرُ، ولكنها جميعها تصبُّ في غاية واحدة، ألا وهي عبادة الله تعالى، مالك الملك. فلا ضيرَ إنْ صلّوا نحو المشرق أو المغرب طالما أن صلاتهم لله تعالى خالقهم، خصوصاً {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ *} [البَقَرَة: 115].
وعجب أهل نجران من عدم مقابلة النبي لهم، ولاسيما أن هذا الموقف النبوي لم يكونوا ينتظرونه من صاحب رسالة، يُفترض فيه أن يعلّمَ الناسَ أصول المقابلات وحقوق الضيافة، ومراعاة الكرامات!!!. فلما طال بهم الانتظار لم يروا بدّاً من مشاورة أصدقاء لهم في المدينة؛ فذهب بضعة رجال منهم إلى عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف (رضي اللّه عنهما)، اللذين لم يبديا رأياً بما يجب على أشراف الوفد أن يفعلوا، إلاَّ أنَّ الصحابِيَّيْن ارتأيا الذهاب إلى علي بن أبي طالب (كرّم اللَّهُ وجهه) علَّه ينصح في هذا الأمر بشيء. فلما دخل عليه عثمان وعبد الرحمن قالا له: ما رأيك يا أبا الحسن في أمر هؤلاء القوم؟
وأشار أبو الحسن على صاحبَيْه أن يخلع أهلُ نجران الثياب الحريرية المزركشة، وينزعوا عنهم القلائد والخواتيم الذهبية، ثمَّ يأتوا نبيَّ الله في مظهر أقربَ ما يكون إلى التواضع والاحترام، بعيداً عن أي اختيال ومفاخرة، فقد لا يتأخَّرُ عندها عن مقابلتهم والاجتماع بهم، إذا شاء الله تعالى..
وصحَّ تقديرُ عليّ (كرّم اللَّهُ وجهه).. فما إن فعل القوم بما أشارَ، وجاؤوا النبيَّ على حالتهم الجديدة حتى خرج يلقاهم، ويبشُّ في وجوههم، مثل عادته عند لقاء الناس، كل الناس، وكان موقف النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتوافق مع عقيدته وإيمانه بربه (تعالى). إذ لمَّا رأى أولئك القوم يَفِدون إليه بمظاهر الاعتزاز، وقد غلب عليهم بهرجُ الدنيا وزخرفها، أنِفَ أن يلقاهم، لأنهم لم يفدوا على مَلِكٍ في أبهة، حتى يلبسوا ما لبسوا، ويتزينوا بما تزينوا، بل جاؤوا لمقابلة نبيٍّ، يعيش عيش الفقراء من الناس، والاتقياء من عباد الرحمن. وإنَّ كرامته ليست في ثوب أو مال، بل في رسالةٍ جامعةٍ، وفي خُلُقٍ عظيم، وإن كان يهمه المظهر اللائق، والهندام الجميل، والتصرف الكيّس، كما أقرَّ على ذلك وفد همدان يوم أن جاؤوه بالحلل والبرود اليمنية والتي لم تَنِمَّ عن مظاهر الخيلاء والتكبّر. أضف إلى ذلك أن رسول الهدى أراد أن يجعل أهل نجران أخفَّ في غلواء خيلائهم، وأقل في شدة تفاخرهم، لا لأنه يريد الاعتراض على الآخرين في سلوكهم، بل ليكونوا إلى الحق الذي سيدعوهم إليه أقربَ، وإلى الهداية والتعويل على الأصالة الإِنسانية أميل..
المهم أن الاجتماع قد عُقِدَ، وحضره حشدٌ كبيرٌ من المسلمين، جاء يشهد هذه المناظرة التي تجمع بين أهل الرسالتين السماويتين: النصرانية والإِسلام، وكل واحد من أهل الفكر يتساءل في نفسه: أوَليسَ الخلق كلهم عيالَ الله، وأن أفضلهم عند الله أتقاهم؟! أوَليس الدِّين عند الله الإِسلام، وقد بُعِثَ النبيُّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مصدّقاً لما بين يديه من التوراة والإِنجيل؟! فلِم إذن المناظرة، ما دام هذا النبيُّ الكريم لا ينقض الناموس الأكبر، الذي يقوم على الحق المطلق، وهو أنَّ الله - سبحانه - هو الواحد الأحد لا شريك له، الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد؟!
أما من الناحية الإيجابية، فقد كان ذلك الاجتماع بين أهل الفكر والرأي من النصرانية والإِسلام، فحق أن يكون مؤتمراً للتاريخ يمكن أن تبحث فيه العقائد على حقيقتها، وتفنَّد فيه الأمور على طبيعتها، ولتأتِ النتائجُ بعدئذٍ مرادفةً للحق والعدل والصواب، لأنه شتان بين المؤتمرات التي تبحث في شرع الله - تعالى - ومنهاجه، وفي عهوده إلى خلائقه، وبين المؤتمرات التي تبحث في قوانين أهل الأرض، وتعقد المعاهدات والاتفاقات التي تؤمن مصالح الأقوياء دون غيرهم!.
ودار الحوار الذي شهده التاريخ، وسجَّلَ صفحاتٍ خالدةً في الرقيِّ الفكريّ، والتسامح الإِنسانيّ، والجدّية في الخطاب... وقد بدأت المحاججةُ عندما سأل السيّدُ - وهو من ذوي الرأي والشأنِ في وفد نجران - الرسولَ محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو يقول له:
ـ يا أبا القاسم، موسى مَنْ أبوه؟
فأجابه: عمران.
وسأل: فيوسف من أبوه؟.
فقال له: يعقوب..
فسأل: فأنت من أبوك؟
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : عبد اللّه بن عبد المطلب.
فسأل: فعيسى من أبوه؟
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : إنه عبدُ الله ورسولُهُ، وكلمتُهُ ألقاها إلى مريم، وروح منه..
وربما داخل الظنُّ السيّدَ بأنه قد بلغ ما يريد. فقال يبدي عجباً:
ـ فهل يكون روح بلا جسد؟.
فأجاب النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *} [آل عِمرَان: 59].
وعظم الأمرُ على السيّد، وهو يسمع أن عيسى قد خُلق من تراب، فقال: «أتزعُمُ أن الله أوحى إليك أن عيسى خُلق من تراب؟ ما نجد هذا في التوراة ولا في الإِنجيل. فما وجَدَهُ اليهودُ فيما أوحي إلى رسلهم، وما وجَدَهُ النصارى فيما أوحي إلى نبيّهم».
وهنا راح النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتلو على المسامع آياتٍ بيّناتٍ من «سورة مريم» في القرآن الكريم، تدل على حقيقة خلق المسيح عيسى ابن مريم، بقوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيًّا *فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا *قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا *قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَِهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا *قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا *قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا *} [مَريَم: 16-21]، ومن سورة الأنبياء قوله تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ *} [الأنبيَاء: 91].
وعلا الوجوهَ الصمتُ لهذه التلاوة: إلاَّ أن العاقب - رئيس الوفد - قطع هذا الوجوم، فقال:
ـ إنا لَنُنكِرُ واللَّهِ ما تقول يا أبا القاسم، ولا نقول في المسيح إلاَّ أنه ابنُ الله، وأنه ثالثُ ثلاثة: الآب والابن والروح القدس. وهذا ما يقوله الله في قرآنكم: فَعَلْنا وجعَلْنا وخلقْنا، وأمرنا، وقضينا (بصيغة الجمع)، ولو كان واحداً أحداً، ما قال إلاَّ: فعلتُ وجعلتُ وخلقتُ وقضيت وأمرت، (بصيغة المفرد).
وهنا أوضح الرسول الأعظم، بتلاوة من القرآن الكريم، كم هي الآيات التي تتكلّم بصيغة المفرد وتدلُّ على وحدانية الله سبحانه ومنها قوله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *} [الفَاتِحَة: 1-4]. {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *اللَّهُ الصَمَدُ *لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ *} [الإخلاص: 1-4]. {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [البَقَرَة: 255]، {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ *وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ *} [البَقَرَة: 29-30].
... إلى ما هنالك من الآيات البينات التي يفيض بها القرآن الكريم بصيغة المفرد إلى جانب الآيات التي تتكلم بصيغة الجمع، وكلّها تدلُّ على وحدانية الله سبحانه وتعالى.. مما لا يمكن سردُهُ لبيان أقوال الله تعالى الدالة على تفرّده، ووحدانيته، سواء بصيغة المفرد أم بصيغة الجمع، والتي تتخلل القرآن من أول سورة فيه «الحمد» إلى آخرة سورةٍ فيه «الناس»...
وعاد العاقب فقال: إنك يا أبا القاسم تزعم أن المسيح هو عبدُ الله، ونحن ما رأينا في الإنجيل مثل هذا، فهل يعني ذلك أنك لا تصدِّق بالمسيح، ولا تؤمن به؟! وهنا تلا النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قول الله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البَقَرَة: 285]. ثم راح يقرأ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من سورة مريم قوله تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا *قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا *وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا *} [مَريَم: 29-31]، وقوله تعالى في سورة المائدة: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ *} [المَائدة: 75]، {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ *مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ *} [المَائدة: 116-117].
قال العاقب: إنك تقول عن المسيح إنه عبدٌ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلاَّ بأمر الله، ولا يملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً. ولكن ألم يكن يُحيي الموتى ويبرئ الأكمهَ والأبرص، ويُنبِّئهم بما يأكلون، وما يَدَّخِرونَ في بيُوتهم. فهل يستطيع ذلك إلاَّ الله؟
وهنا أبان نبيُّ الإسلام «مُحمد» أن اللّه سبحانه وتعالى هو الذي مَنَحَ عبدَه ونبيَّه عيسى ابن مريم (عليه السلام) القدرةَ على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وغيرهما من القدرات، وقد أوتيها المسيحُ عيسى ابن مريم بإذن الله عز وجلّ آياتٍ بيّناتٍ معجزاتٍ، حتى يؤمِنَ به الناس ويتّبعوه، شأنَ النبيين والمرسلين جميعاً، يمدُّهُم باعثُهم بمعجزات تؤثر في العقول، حتى تتبين مكانةُ المبعوث بين سائر أبناء عصره.. وما كانت لتتأتَّى لهم تلك القدرات والمعجزات إلاَّ في سبيل الأمر الحق الذي إليه يدعون، والغاية النهائية التي إليها يسعون، وهي الإِيمان بالله الواحد الأحد، وبأنه هو الأول والآخر، له ما في السموات والأرض وإليه المصير. وتلا رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قولهُ تعالى: {وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائيِلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ *إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ *} [آل عِمرَان: 49-51].
وطال النّقاشُ، واستمرّ الحوارُ، والكلُّ مِنْ وفدِ نجرانَ يسألُ عمَّا يجيش في صدره.. والرسولُ الأمينُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقدم لهم البراهين الدَّالة، والشواهد الثابتة، والآيات الموحيةَ المعبّرة، حتى بانَ له أخيراً أن لا أحَدَ في الوفد يريد أن يُقرَّ بالحقيقة ويذعنَ لها.. أما لماذا؟ فاللَّهُ وحده يعلم.. وهم - ربما لغاية في نفوسهم - يعلمون!!. وبعد أن رأى الرسولُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تشبثهم بآرائهم من غير وجه حق، دعاهم للمباهلة. والمباهلة هي التضرع إلى الله سبحانه وتعالى، وذلك بأن يدعو كلُّ فريق من المتحاجّينَ على الآخر كي يتبيّن الحقُّ من الباطل، ويظهرَ الصادقُ من الكاذب؛ وتلا دعوةَ الله للمباهلة بقوله تعالى: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ *} [آل عِمرَان: 61].
وبُهت القومُ لطلب المباهلة، إذ لم تكن في حسبانهم قطُّ، ولكن هل يستسلمون؟
إن هذا الاستسلام والإقرار بالحق، على ما يبدو، غيرُ وارد عندهم. وكي يتخلّصوا من هذا المأزق، قال قائلهم: «أنصَفْتَ يا أبا القاسم، فإنَّ المباهلة آية معجَّلة بيننا وبينك».
وانفضَّ الاجتماع وذهب وفد نجران يتفكَّرون بما يصنعون. فقالوا لبعضهم البعض: «قد جاءكم الرجل بالفصل من أمره وأمركم، فانظروا بمن يباهلكم، أبكافَّة أتباعه وأهل المكانة من أصحابه، أم بذوي الخشوع والمسكنة والصفوة منهم، وهم دائماً قليل؟»..
قال أحدهم: «صدقت يا هذا! لئن جاءنا بالكثرة وذوي الشدة، وهذا صنع الملوك، باهلناه، وكان النصر لنا دونه، وليس هو نبيّاً من عند الله. أما إن أتانا بنفرٍ قليلٍ من صحابته، أو من أهل بيته - خاصَّة - كما هي سجيّةُ الأنبياء وصفوتهم، فلا نُباهله.. وإياكم يا قوم عندئذٍ والمباهلة، فإنَّهُ لا يقدم على أهل بيته، وعلى كبار صحابته، إلاَّ وهو صادق.. وهذه لكم أمارة.
أما النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقد صلَّى بالناس، ثم أمَرَ أن يسوَّى المكان تحت الشجرتين الكبيرتين القائمتين عند مقبرة البقيع من أرض المدينة، وأن يوضع كساءٌ كبيرٌ أسودُ رقيقٌ على الشجرتين حتى يتدلّى من الجوانب، فيكونَ على شكل خيمة، تتسع لبضعةٍ من الأشخاص.
وفي أول شوّال من السنة العاشرة للهجرة، حضر اليومَ - المشهود - وفدُ نجران، وجمعٌ غفير من كبار الصحابة والمسلمين. وفي صحبة العاقب والسيد، ابناهما: صبغة المجنّ، وعبد المنعم، وابنتاهما: سارة ومريم. وقد جاء أهل نجران إلى البقيع على نفس المظهر الذي أتوا به المدينة، بالحلل الفاخرة، والزينة الباهرة.. وبينما كانت الجموع تصطفُّ، إذا بصوت يرتفع بالتكبير: الله أكبر.. الله أكبر.. وإذا برسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد قَدِمَ مُحتضِناً الحسين (وهو في حوالي السادسة من عمره) وآخذاً بيد الحسن (وهو في حوالي السابعة من عمره)، ومن خلفه مشى عليُّ بن أبي طالب وزوجُه فاطمةُ الزهراء، ابنة رسول اللّه (عليهم سلام الله ورحمته). فهؤلاء كانوا عترةَ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهلَ بيته، وقد جاء يباهل بنفسه وبهم. وهؤلاء يمثلون في آية المباهلة في القرآن الكريم: الحفيدان السبطان الحسن والحسين (أبناءَنا)، وابنته فاطمة (نساءنا)، وزوجها عليٌّ (أنفسنا).. أجل، لقد جاء بهم، لأنهم يمثّلون له الأبناء والنساء والأنفس، فيكونون القربان الذي يقدمه لله تعالى على مذبح الحق واليقين. وتقدَّم نبيُّ الله يشير للجموع إلى أهل بيته، ثم يدخلهم تحت الخيمة، ويقف أمامهم وهو يقول لهم: إذا دعوتُ فأمِّنُوا (أي قولوا: آمين).. ثم يرفع يَدَيْه نحو السماء، ويدعو الله سبحانه قائلاً: «اللَّهمَّ هؤلاء أهل بيتي»[*]..
ورأى الناسُ، ورأى وفد نجران أن هؤلاء الأربعة الذين أدخلهم رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تحت الكساء على شجرة البقيع، هم وحدَهم الَّذين سيباهلُ بهم، ولا أحَدَ غيرهم من المؤمنين.. فخافَ أصحابُ الوفد، بعدما رأَوا بأمِّ العين، ما حدَسوا وظنّوا، فقال لهم السيد: «والله إني لأَرَى وجُوهاً لو سألُوا ربَّهم أن يُزيل الجبلَ عن مكانِه لأجابَهُمْ وأَزَالَهُ.. فما تقولون يا قوم، أَنُباهِلُ الرجلَ؟».
وخافَ القومُ على مصيرهم من الزَّوال، فقالوا لبعضهم البعض: «لا تُباهلوا فَتَهلكوا. أَوَمَا عَلِمتُم أنه ما باهَلَ قومٌ قطُّ نبيّاً إلاَّ خسروا»؟!
واقترب السيد من الأسقف، يُسِرُّ في أُذنه، ويقول: «أُدْنُ يا أبا الحارثة، فأنت حبرُنا وأسقفُنا وأعلمُ الناس فينا. تقدَّم وادعُ دعاء المباهلة على محمد بن عبد اللّه وأهل بيته».
ولكنَّ أبا الحارث رفض رفضاً قاطعاً، وقال لصاحبه: «إني والله لا أرى رَجُلاً جَريئاً على المُبَاهَلةِ مثله. وأخافُ أن يكونَ صادقاً، فلا يحولُ علينا الحولُ ونحن على قيد الحياة. انظر إليه، إنه والله جثا أمام كسائه، كما جَثَا الأنبياءُ قبلَهُ للمُبَاهَلَة»..
وعادَ السيد يحثّ رئيسهم العاقب على المُباهلةِ، ليظهر للجموع الغفيرة أنهم قادرون على هذه المباهلة ومطمئنون إلى النتيجة. ولكنَّ العاقب خشي سوء العاقبة فأراد التملّص. وبخاطرة ذكاء تقدم من رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مبدياً احتجاجه بالقول:
- أبهؤلاء تباهلنا؟
وأدرك النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما يَرمي إليه سيد وفد نصارى نجران، وهو عدم الرضوخ للمباهلة والتهرب منها.. فأراد أن يسدَّ عليه كل ذريعةٍ، وذلك بأنْ أَبانَ له أنه قد جاءَ بأهله وأبنائه، فليأتِ منهم من شاءَ بأهله وأبنائه، عدداً بعدد، لا بأقلّ ولا بأكثر.. إذ لا شأن للكثرة في مثل هذه المواقف، لأنَّ الابتهالَ إلى الله تعالى، والدُّعاء على الكاذب، يمكن أن يصدرا عن جماعة من الناس، كما يمكن أن يصدرا عن إنسان واحد، وعن نفس واحدة. فإن كان الذي يباهلُ صادقاً صدَّقَهُ الله تعالى وأجزاه، وإن كان كاذباً كذَّبه الله تعالى وأخزاه، وحاق به العذاب الذي يستحق.
عندها ارتدَّ العاقب إلى بني قومه، يجتمعون ويتشاورون.. فقالوا لبعضهم: «ويحكم يا قوم! اذكروا ما عثرتم عليه في الجامعة من صفات هذا الرجل، فوالله إنكم لَتَعلمون حقَّ الْعِلْمِ إنه لَصَادق».. وراحوا يحذِّرون أنفسهم مما صَنَعَ الله العلي القدير بالأمم الغابرة، وما حلَّ بها من مسخ وخسف لتكذيبها الرسل، وبما أنزل بها من عذاب أليم.. حتى هلعت صدور القوم.. وكان المنذر بن علقمة - أخو الأسقف، وأحد أعضاء الوفد البارزين - على حظٍّ كبير من العلم والمعرفة، فقال لأصحابه: «أتعلمون يا قوم! إنه ما باهل قوم نبياً قطُّ إلاَّ كان الله مهلكَهم كلمح البصر. وقد علمتم وعلم كل ذي إرْبٍ من ورثة الكتب أن محمداً هذا هو الرَّسولُ الذي بشَّرت به الأنبياء وكتب السماء.. انظروا إلى محمد، وإلى الأربعة من أهله، تجدوهم مستعدين أبداً لرفع أيديهم نحو السماء، والابتهال إلى الله. وإنهم لمنتظِرون منكم قبولاً.. ويلكم يا قوم إن تَفَوَّهَ هذا النبي بكلمةٍ من بهْلَة، فإنّا لا نتدارك من بعدها هلاكاً، ولا نرجع إلى أهلٍ ولا إلى مال».
وهنا قال لهم الأسقف: «يا قوم! إن الأنبياء إذا ظهروا بأمر لا يرجعون إلاَّ بقضائه، وإنَّ الحظَّ لنا في النكول. فالبدارَ البدارَ إلى محمد نصالِحهُ ونُرضيه. ولا نؤخرنَّ ذلك، فإنَّا والله، ومن معنا، بمنزلة قوم يونس، لمَّا غَشِيَهُمُ العذاب»..
وإذْ تَوافَقَ وفد نجران على الرأي بمصالحة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأَنْ يَرضى ألاَّ يباهلهم، فقد ندبوا المنذر بن علقمة إليه وهم يقولون: «يا أبا المثنّى، كن أنت الذي يلقى محمداً، الآن، وكن الكفيلَ لنا عنده بكل ما يريد، ولا تبطئنَّ في ذلك لنطمئنّ بما ترجع إلينا».
ونهض المنذر يتقدم خفيفاً إلى رسول الهدى، ويحيّيه بتحية الإِسلام، وهو يقول: «السلام عليك يا رسول اللّه، أشهد أن لا إله إلا الله الذي بعثك بالحق. وإنك وعيسى، عبدان لله، مُرْسلانِ».
لقد دخَلَ الإِسلام إلى قلب المنذر بن علقمة، ففرح رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) به فرحاً شديداً. ثم انتحى به جانباً عن الكساء، حيث أهل بيته، فأجلسه بجانبه، وأقرَّه على إسلامه، فأخبره المنذر بما قرَّ عليه الرأي عند بني قومه، بأَلاَّ تكون بينهم وبين نبيِّ الله مباهلة، على أن يدفعوا الجزية التي تُفرض عليهم، فصالحهم على ألفي حلة، ألف في رجب، وألف في صفر[*].
وانتهى المؤتمر، وعادَ الجميع إلى منازلهم وإلى تدبّر شؤونهم. بينما انتهى المقام برسولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأن يعقد لأهل نجران عهداً، دُوِّنَ بوثيقة خطية، وقد جاء في العهد النبويِّ إليهم، ما يؤمِّن أهل الكتاب على دينهم، فكتب لهم:
«بسم الله الرحمن الرحيم
«من محمد النبيِّ ورسول اللّه إلى الأسقف أبي الحارثة بن علقمة، وأساقفة نجران، وكهنتهم ورهبانهم، وأهل بيتهم ورقيقهم، وملَّتهم. على كل ما تحت أيديهم من قليل وكثير، جوار الله ورسوله، لا يغيَّر أسقفٌ من أسقفيته، ولا راهبٌ من رهبانيته، ولا كاهنٌ من كهانته، ولا يغيَّر حقٌّ من حقوقهم، ولا من سلطانهم، ولا مما كانوا عليه. على ذلك جوارُ الله ورسوله، أبداً ما نصحوا وأصلحوا، غيرَ منقلبين بظلمٍ ولا ظالمين».
وهكذا عادَ وفد نجران إلى بلاده مُقرّاً بنبوة محمد بن عبد اللّه - ولو لم يدخلوا في الإسلام - ومعجباً بحكمة هذا النبيِّ وقدرته على التعامل مع الناس، وإعطاء كل ذي حق حقه. «ثم طفق الإسلام يفشو فيهم، فقد ذكروا أن السيد والعاقب أسلما بعد رجوعهما إلى نجران، وأن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعث إليهم عليّاً (رضي اللّه عنه) ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم، ومعلوم أن الصدقة إنما تؤخذ من المسلمين«[*].



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB