خَاتَمُ النَّبييِّن مُحَمَّد (ص) (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1568
تاريخ النشر :   2006




البحث الثالث: فتح مكّة

السرايا بعد مؤتة
لقد اعتبرت غزوة مؤتة - وفقاً لذهنية الجموع - هزيمةً حلَّت بالجيش الإسلامي. فكان جمعٌ كبير يعيّرهم بأنهم فُرَّار، فَروا من الواجب في سبيل الله. حتى أن بعضهم صار يخشى الظهور بين الناس، كما يدل عليه سؤال أم سلمة لزوجة ابنها، عندما قالت لها: «ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومع المسلمين؟ قالت: والله ما يستطيع أن يخرج، كلما خرج صاح به الناس: يا فرّار، فررتم في سبيل الله، حتى قعد في بيته فما يخرج»[*]!. وكثيراً ما حاول الذين شاركوا في مؤتة أن يدفعوا عنهم تلك التهمة البغيضة، وأنهم هم الذين عايشوا الأحداث، وأنهم لو لم يجاهدوا في سبيل الله (تعالى) لَمَا نفى عنهم الرسولُ تهمة الفرار وسماهم «الكرّار».. إلاَّ أنَّ ذلك لم يُجدِ، مما جعلَ المدينة تعيش أجواء القلق وعدم الرضى، حتى هيّأ الله تعالى سبيلاً يعيد للمقاتلين احترامهم، ويرفع الحيف الذي لحق بهم. وكان ذلك عندما بلغ الرسول أن قضاعة تستعد للإغارة على المسلمين، فدعا إليه عمرو بن العاص، وعقد له لواءً على ثلاثمائة رجل من الذين حاربوا في مؤتة، ثم أمرهم بالانطلاق والانقضاض على تلك الجماعة المعادية.
سرية ذات السلاسل[*]
وخرجت السرية في جمادى الثانية، سنة ثمانٍ للهجرة، فلما كانت على ماءٍ بأرض جُذام يقال له السَّلْسَل، رأى قائدها كثرة جموع الأعداء، فبعث رافعَ بن مكيث الجهني إلى المدينة يطلب المدد من رسول اللّه. وجاءه مئتان من المقاتلين على رأسهم أبو عبيدة بن الجراح، وكانوا من سراة المهاجرين والأنصار. وقد أمَرَ الرسولُ أبا عبيدة أن يلحق بعمرو بن العاص، وأن يكونا جمعاً ولا يختلفا، لأن عمرواً كان ما يزال حديث عهدٍ بالإِسلام، بينما أبو عبيدة كان من المسلمين الأوائل، الذين تعمّقت العقيدة في نفوسهم، فلا يحفلون بالأمور العارضة. فلما أراد أبو عبيدة أن يؤمَّ الناسَ، أبى عمرو بن العاص عليه ذلك وقال له: «إنما قدمت عليَّ مدداً وأنا الأمير»[*] - أي القائد على الجيش - فأجابه أبو عبيدة، وكان رجلاً ليناً، سهلاً: «لقد أمرنا رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ألا نختلف، وإنك إن عصيتني أطعتك».. وبذلك بقي عمرو على إمارة الناس، فصلَّى بهم. وتقدموا إلى العدو يحملون عليه، حتى أجبروه على الفرار، محققين الغرض الذي بعثهم الرسول الأعظم من أجله، وهو أن يبعدوا عن الجيش الشعور بالهزيمة التي كان الناس يصمونَهُ بها.
سرية الخبط
وكانت بعدها سرية أخرى في شهر رجب، خرج فيها أبو عبيدة بن الجراح إلى جماعة من جهينة بالقبلية مما يلي ساحل البحر. ولقد قلَّ زاد المسلمين في الطريق، أو كاد ينفد، مما جعلهم يأكلون عشباً يدعى الخبط أو ورق السَّلَم، فاشتهرت هذه السرية «بسرية الخبط»، وعادت دونما قتال، أو نكدٍ من أحد.
ثم إنه كان في شعبان سريةٌ ثالثةٌ بعث فيها رسول اللّه أبا قتادة الأنصاريّ في خمسة عشر رجلاً ليغيروا على جماعة من غطفان كانت قد ناصرت جيش الروم في وقعة مؤتة. ولقد عاد أصحاب هذه السرية جميعاً سالمين بعد خمس عشرة ليلة من خروجهم.
ومثل هذه السرايا كانت ضرورية حتى يظلَّ الإسلام في حركة دائمة: فلا تكفُّ ألسنةُ الناس عن التحدُّثِ به، وهم يتابعون أخبار دولته الجديدة، التي قامت في قلب الجزيرة، وتحاول أن تفرض سلطانها في كل مكان. ولذلك كانت موقعة مؤتة في الحقيقة فاتحةَ خير على الإِسلام والمسلمين، بحيث جعلت الناس يُقبلون على دين الله عن إعجاب وقناعة، لاسيما في ما أظهر الجيش الإِسلامي من بسالة وثبات، أمام جحافل الروم، بُهرت بهما قبائل العرب المتاخمة للشام، فدفعت أصحاب النفوس الصافية إلى هذا الدين، وإلى سلوك دروب الحق. ولقد كان ممن حضر مؤتة قائد عربي على فرقة من جيش الروم يدعى فرْوة بن عمرو الجذاميّ. فقد رأى هذا الرجل من المسلمين ما جعله يعجب بهذا الدين الذي يمنح أبناءه مثل هذا الإيمان الصادق، بحيث يستهينون بالموت في سبيل دينهم، فآمن بالإسلام، واهتدى إليه من تلقاء نفسه. ولما انتهت مؤتة سارع بإرسال كتاب إلى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المدينة يعلن فيه إسلامه، ويهدي له بغلته البيضاء.
وعرفت الروم بأمر إسلام فروة، فأصدر هرقل أمراً بالقبض عليه، وزجّه في السجن. ثم عُرِض عليه أن يعود إلى المسيحية مقابل الإفراج عنه، ورده إلى مركزه العسكري، فأبى وأصرَّ على إسلامه، فكان جزاؤه القتل.
ويشاءُ الله العلي القدير أن يعزِّزَ دينه ويزيدَ في انتشاره، فإذا بالأحوال المالية للدولة البيزنطية تضطرب اضطراباً كبيراً، ويجيء عرب الشام الذين اشتركوا في وقعة مؤتة لقبض رواتبهم فلا يلاقون إلا الشتيمة، وذلك عندما ردهم عامل هرقل - المكلف بالدفع - وهو يصيح فيهم قائلاً: «انسحبوا، فالأمبراطور لا يجد ما يدفع منه رواتب جنده إلاَّ بمشقة، وليس لديه ما يوزعه على كلابه».
ولقد أثَّر هذا الأمر في نفوس أولئك الأعراب أيَّما أثر إذ دعاهم عامل هرقل: «كلاب الأمبراطور». فثارت عندهم الحمية العربية وإباؤها، وغلب عليهم الحرص على الكرامة والشرف، فأقبلوا على الإِسلام، يرتجون رفع المهانة والذل، فيستقبل الإِسلام في رحابه أقواماً من سُلَيْم[*] وعلى رأسهم العباس بن مرداس، ومن أشجع وغطفان الذين كانوا حلفاء اليهود قبل فتح خيبر، ومن عَبْس وذُبيان وفزارة، وغيرهم من قبائل العرب أناساً كثيرين.
وهكذا ظهرت موقعة مؤتة، وخلال مدة وجيزة، سبباً من أسباب استتباب الأمر للمسلمين إلى الشمال من المدينة المنورة حتى الشام، وفي ازدياد الإِسلام عزة وقوة ومنعة...
الأحداث التي سبقت فتح مكّة
وعلى الرغم من ذلك الدخول الجماعي في الإِسلام، فإن قريشاً لم ترَ فيه إلاَّ نوعاً من الابتزاز للدولة الرومية، لا تلبث بعده أن تعود غالبية تلك الأقوام إلى حظيرة الروم!. كما ظلت على الاعتقاد بأنَّ المسلمين قد هزموا في موقعة مؤتة هزيمةً نكراء، قد أضعفتهم إلى الحدّ الذي يمكن معه معاودة حربهم وقتالهم. ولكنَّ المشكلة في نظرها كانت في عهد الحديبية الذي يقيدها، وليس أمامها والحال هذه إلا أحد خيارين: إما نقض هذا العهد بصورة مباشرة وعلنية، وإما تحريض من دخلوا في حلفها، على قتال حلفاء «محمد»، وبذلك تُشرَّعُ أبواب الحرب من جديد، وتنطلق قريش إلى تحقيق مراميها!..
ولمَّا كانت خزاعة قد دخلت في عقد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبنو بكر قد دخلوا في حلف قريش، فالسبيل إذن هو غزو خزاعة وتقتيلها، وأن يقوم بذلك بنو الديل بن بكر بن عبادة حتى يصيبوا منها بثاراتهم القديمة، منذ حروب الجاهلية وأيامها، التي هدأت بسبب انشغال الناس بالإسلام، وارتقابهم ما قد تسفر عنه الأحداث المتلاحقة في شبه الجزيرة. وهكذا راح شياطين قريش يحرضون بني الديل بن بكر على خزاعة ويُمدّونهم بالسلاح، حتى حان الوقت الموعود.
غزو بني بكر لخزاعة
وخرج نوفل بن معاوية الديلي في جماعة من بني قومه، ومعه جماعة من خيَّالةِ قريش أمثال: صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وحويطب بن عبد العزى، وشيبة بن عثمان، وسهيل بن عمرو، ومكرز بن حفص[*]، حتى أتَوا خزاعة وهم على ماءٍ لهم بأسفل مكة يدعى الوتير، فانقضّوا عليهم في جوف الليل، ينزلون بهم الطعن والتقتيل، فلاذوا بالفرار والاحتماء بالبيت الحرام، لكي يكون لهم سبيل للنجاة. فلما أدركوه ودخلوا إلى رحابه راحوا ينادون: «يا نوفل! إنا قد دخلنا الحرم إلهك، إلهك»[*].
ولكنّ الكافر اللعين أبى أن يكفَّ عن قتالهم، وهو يقول: «لا إلهَ له اليوم! يا بني بكر أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم فيه؟»[*].
ولمَّا رأى بنو خزاعة أن أعداءَ الله لا يأبهون لحرمة بيته المقدس، وأنهم يريدون الدخول عليهم وتقتيلهم فيه، انقلبوا إلى بيت أحد زعمائهم، بُدَيْل بن ورقاء بن عمرو الخزاعي وإلى دار مولى لهم يُقال له «رافع»، فأوعزت قريش لحلفائها بالتوقف عن القتال...
وخرج عمرو بن سالم الخزاعي، في الغداة إلى المدينة، وأتى رسولَ الله وهو جالسٌ بين الناس في المسجد، يخبرُهُ بما حدث، ويستنصره على أولئك الذين نقضوا عهده وقتلوا حلفاءه، ومن ذلك ما قاله شعراً[*]:
يَا رَبِّ إنّي نَاشِدٌ مُحمَّداً
حِلْفَ أَبينا وأبيه الأَتْلَدَا[*]
قَدْ كُنْتُمُ وُلْداً وكنا وَالِدا
ثُمَّتَ أَسْلَمْنا فَلَم نَنْزِعْ يَدَا
فانصُرْ هَداكَ الله نَصْراً أَعْتدَا[*]
وادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدا[*]
فِيهم رَسُولُ اللَّهُ قد تَجَرَّدا[*]
إنْ سِيمَ خَسْفاً[*] وجْهُهُ تَرَبَّدا[*]
في فَيْلَقٍ كالبحر يجري مُزْبِدا
إنَّ قُريشاً أخْلَفوكَ المَوْعِدا
وَنَقضُوا مِيْثاقَكَ المُؤكَّدَا
وَجَعَلوا لي في كَدَاءٍ[*] رُصَّدَا[*]
وَزَعَمُوا أَنْ لستُ أدْعُو أَحَداً
وهُمْ أذلُّ وأقلُّ عَدَدا
هم بيَّتونا[*] بالوَتِيرِ هُجَّدا[*]
وقَتَلُونا رُكَّعاً وَسُجَّدا[*]
فانْصُرْ هَداكَ الله، نصراً أَيِّدا
فقام رسول اللّه يجرُّ رداءه، وقال له: «نُصِرتَ يا عمرو بن سالم»[*].
ثم جاء المدينة بُدَيْلُ بن ورقاء في نفرٍ من جماعته خزاعة، وأخبروا رسول اللّه بما أصيبوا به، وبمظاهرة قريش بني بكرٍ عليهم. فما وجد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خيراً من أن يطيّب خاطرهم، ويواسيَهم بمصابهم، ويعدَهم بالنصرة على أعدائهم.. ولكن عليهم بالصبر إلى أن يأتيَ أمرُ الله (تعالى)، ويأذنَ بالقصاص من أولئك المعتدين..
لقد بات واضحاً أنَّ قريشاً وحلفاءها من بني بكر قد نقضوا معاهدة الحديبية التي اشترطت فيها قريش، ومع ذلك أجابها رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .. لعلَّها ترتدُّ عن الضلالِ، وتثوب إلى الرشد، فيعمَّ السلام والأمان في ربوع شبه الجزيرة. أما وهي لا تعبأ بسلام، ولا تحفل بمواثيقَ أو عهود، فلا بد من معاجلتها بما يقهرها، ويفرض عليها الاستسلام والخضوع بصورة نهائية!. ولن يكون ذلك إلاَّ بالزحف عليها في عقر دارها، وفتح مكة أمام المسلمين والعالم أجمعين، إذا شاء الله ربُّ العالمين.. نعم هذا ما عَزَم عليه الرسول الأعظم بعد الغزو الذي تعرَّض له حلفاؤه من خزاعة، وما حلّ بهم من مصاب جسيم..
طلب قريش تمديد معاهدة الحديبية
ويبدو أن أهل الرأي من قريش، وبعد مراجعة دقيقة لحساباتهم، قد أدركوا ما أوصلهم إليه الطيش والرعونة من خطر حالٍّ بهم لا محالة، فبعثوا أبا سفيان بن حرب ليثبّت المعاهدةَ مع رسول اللّه، ويطيل في مدة الهدنة..
وخرج أبو سفيان من مكة حاملاً هموم قريش على عاتقه، فالتقى في محلة تدعى عسفان ببديل بن ورقاء وأصحابه، فسأله من أين أقبلوا.. ولكنَّ بديلاً أدرك ما يريده الزعيم القرشيّ المتغطرس، فقال له:
»سرتُ في خزاعة في بطن هذا الوادي».
ولم يصدّق أبو سفيان، فقال في نفسه: «لئن جاء بديلٌ المدينة فقد علف بها النوى». فذهب إلى مبرك راحلتِهِ، فأخذ من بعرها ففتَّه، فقال: «أحلف بالله لقد جاء بُدَيلٌ محمداً». وهذا ما جعل الخوفَ ينتاب أبا سفيان أكثرَ، فنوى ألاَّ يأتيَ محمداً ويلقاه مباشرة، بل يتوسل إليه لدى شخص عزيز عليه، فأسرع إلى المدينة، ودخل على ابنته أم حبيبة (رضي اللّه عنها) كي تكونَ الوسيلة إلى زوجها، ولكنْ ما إن أراد أن يجلس على الفراش، حتى سارعت أم المؤمنين تطويه من أمامه!.. فاستغرب هذا الأمر، وقال لها:
»إيه بنية، ما أدري أرغبتِ بي عن هذا الفراش، أم رغبتِ به عني؟!».
فقالت أمُّ حبيبة المؤمنة الصادقة:
»بل هو فراش رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأنت رجلٌ مشرك نجس، ولم أحبَّ أن تجلس على فراش رسول اللّه»[*].
وكانت المفاجأة شبه قاتلة لأبي سفيان، فقال لها: «لقد أصابكِ يا بنية بعدي شرٌّ»[*].
وخرج أبو سفيان، مضعضعَ النفس مما لاقاه من ابنته. فذهب إلى المسجد، وجلس إلى رسول اللّه يكلمه في توثيق المعاهدة وفي زيادة مدتها، إلاَّ أن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يردَّ عليه بشيء.. وألحَّ أبو سفيان في الكلام، والنبيُّ لا يجيب، حتى قنع أن لا جدوى من المتابعة، فقام يجرُّ أذيال الخيبة والخسران، وهو يشعر بأن إعراض «محمد» عنه كان صدمة أشدَّ من تلك التي تلقاها من ابنته..
ولكن ماذا على أبي سفيان أن يفعل، وقد جاء في مهمة لا يريد الفشل فيها؟ فرأى أن يذهب إلى أبي بكر الصديق كي يكلم رسول اللّه بأمره، فما وجد عنده إلاَّ الرفض.. فأتى عمر بن الخطاب، ولكنَّ الحال هنا كان أسوأ لأن عمر أغلظ له في الردّ، وهو يقول له:
»أأنا أشفع لكم إلى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ؟ فوالله لو لم أجد إلا الذرَّ[*] لجاهدتكم به»[*].
وضاقت الدنيا في وجه أبي سفيان بن حرب.. فهؤلاء الذين أمِلَ في العون عندهم قد خيّبوا رجاءَهُ، بل ورذلوه، فماذا يفعل ومصير قريش كله متوقف على مساعيه هنا في الفشل أو النجاح؟!
ولم يرَ أبو سفيان إلاَّ أن يقصد عليَّ بن أبي طالب فلعله الرجل الوحيد الذي يمكن أن يعينه على مبتغاه، فلمَّا جلس إليه، قال له: «يا عليّ، إنك أمسُّ القوم بي رحماً، وإنّي جئت في حاجة فلا أرجعنَّ كما جئت خائباً، فاشفع لنا عند محمد»[*]. فقال له علي (كرَّم الله وجهه): «ويحك يا أبا سفيان! والله لقد عزم رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أمرٍ ما نستطيع أن نكلّمه فيه»[*].
وكانت فاطمةُ الزهراء في البيت، وبين يديها ابنها الحسنُ، وهو ما يزالُ طفلاً صغيراً يدبُّ، فالتفت أبو سفيان - وقد أدرك حراجة الموقف - إلى الزهراء وقال لها:
»يا بنت «محمد»، هل لكِ أن تأمري بُنَيَّكِ هذا (يعني الحسن (عليه السلام) ) فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟»[*].
قالت فاطمة الزهراء: «والله ما بلغ بُنيَّ ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحدٌ على رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»[*].
قال: «يا أبا الحسن! إني أرى الأمور قد اشتدت عليَّ، فانصحني»[*].
قال أبو الحسن: «والله ما أعلم لك شيئاً يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجِرْ بين الناس ثم الحق بأرضك»[*].
قال: «أو ترى ذلك مغنياً عني شيئاً؟».
قال أبو الحسن: «لا والله ما أظنه، ولكني لا أجد لك غير ذلك».
وقام أبو سفيان، فأتى المسجد قائلاً: «أيها الناس! إني قد أجرتُ بين الناس»[*].
ولم يلبث أن خرج فركب بعيره ثُمَّ انطلق إلى مكة، خالي الوفاض، يجرُّ أذيال الخيبة، إذ لم يستطع أن يحقق شيئاً ممَّا جاءَ لأجله. فلما وصل إلى قومه وسألوه عما وراءه، قال لهم: «جئت «محمداً» فكلمته، فوالله ما ردَّ عليَّ شيئاً.. ثم جئت ابن أبي قحافة، فلم أجد فيه خيراً.. ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أعدى العدو.. ثم جئت عليَّ بن أبي طالب فوجدته ألين القوم، وقد أشار عليَّ بشيء صنعته، فوالله ما أدري هل يغني ذلك شيئاً أم لا؟».
قالوا: «وبما أمرك؟».
قال: «أمرني أن أُجير بين الناس، ففعلت».
فقالوا: «فهل أجاز ذلك «محمدٌ»؟».
قال: لا!
قالوا: «ويلك إن زاد الرجلُ على أن لعب بك، فما يُغني عنك ما قلت».
قالَ: «لا والله، ما وجدت غير ذلك»!.
صحيح أنَّ أبا سفيان قد ترك المدينة وفي نفسه الألمُ والذلُّ. ولكنه ما درى أن رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يكلمه في شيء إلاَّ لأنه كان قد عزم على أن يفتح مكة، وليكون هذا الفتح فتحاً للقلوب على الإِيمان، وهدىً للأنفس إلى الحق. أجل، لم يكن (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يريد بمكة شرّاً قطّ، بل طلب فتحاً بلا قتال ولا مقاومة، دون أن تراقَ فيه قطرة دم واحدة، إلاَّ أن يكون هنالك بعضُ أهل الشرك الذين وجب قتلهم بالحق. ومن أجل هذه الغاية، ولكي لا يشيع الأمرُ في الناس، وتستعدّ قريش للمقاومة، ويكون القتال أمراً مفروضاً لا مفرَّ منه، رغب رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن محادثة أبي سفيان بشأن معاهدة الحديبية كي يكون بإمكانه العمل على إقامة عهدٍ جديدٍ بديلٍ عن هدنةٍ هشَّةٍ، وليرسيَ سلاماً مبنياً على العدل والحق والشريعة، يبقى إلى أبد الدهر، ما دام البلدُ الحرام آمناً، وما دام البيت الحرام آمناً إلى يوم القيامة..
من أجل هذه الغاية، أرادَ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يكون أمره سراً. فلم يقل لأحدٍ ما عزم عليه من فتح مكة، بل راح يخطط بتأنٍّ ورويَّة، حتى تأتيَ العواقبُ سليمة والنتائجُ محققة بإذن الله تعالى. وقد رغب بأن يؤلِّف مسيرة تضم حشوداً من الناس، فبعث إلى القبائل من حول المدينة، وإلى الأعراب في البادية أن يأتوا، ويحضروا رمضان في عاصمة البلاد، فجاءت الوفود، ومعها الرايات، تقيمُ المضارب، بعضَها إلى جانب بعضٍ، حتى غصَّتِ المدينةُ وجوارها بالوافدين. ولمَّا رأى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن الجموع قد لبَّت النداء على النحو الذي أراده، أعلم الناس بالزحف إلى فتح مكة، وأمرهم بالتهيؤ والاستعداد لذلك.
خطأ حاطب وإعذاره
وعندما تأكَّدَ لحاطب بن أبي بلتعة[*] أنَّ الخروج بات وشيك الوقوع، عمد إلى امرأة من مزينة، وأعطاها كتاباً كي توصلَهُ إلى قريش، على أَنْ تُبقيَ الأمر سراً. وقد أغراها بالمال من أجل أن تكتم خبرَهُ، ولا تبوحَ به لأحد. فقامت تلك المرأة من فورها تخبّئ الكتاب في ضفائر شعرها، ثم خرجت تريد مكة. ولكن رسول اللّه، وقد أتاه الوحي يخبره بما فعل حاطب، عاجل بدعوة عليِّ بن أبي طالب والزبير بن العوام[*]، وأمرهما أن يلحقا بالمرأة ويأتياه بالكتاب. فخرجا حتى أدركاها بـ«ذي الخُليقة» - خليقة بني أبي أحمد ـ. فتقدّم منها الزبير يطلب الكتاب، فأنكرت، فأخذ يبحث عنه في رحلها من غير أن يجدَهُ، فتقدم عليٌّ واخترط السيف، ثم قال لها: «أحلف باللَّهِ ما كذب رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا كذبنا، أما والله لتُخرِجِنَّ الكتابَ أو لنكشفنَّكِ، ثم لأضربَنَّ عنقك بسيفي هذا». وإزاء هذا الحزم، وما رأت عنده من الإِصرار والجدّية فيما يقول خافت على حياتها، فقالت: «أَعْرِض بوجهك».. وحلَّت تلك الماكرة ضفائرها، وأخرجت الكتاب ثم دفعته إليه. فأخذه عليٌّ وانطلق مع رفيقه الزبير عائدين إلى رسول اللّه. وجيء بحاطب إليه فسأله عما حمله على هذا الفعل الشنيع! فلم يجد إلاَّ الصدق منجيّاً له، فقال والغصَّة تكاد تقتله: «يا رسولَ الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله وما غيّرت ولا بدّلت. ولكني كنت أمرأً ملصقاً في قريش، لست من أنفسهم، وليس لي في القوم من أصلٍ ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم. وكان مَن معك من المهاجرين، ممن له أهل ومال بمكة، لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني النسب في قريش، أن أتَّخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي. فكتبتُ كتاباً لا يضرُّ اللَّهَ ولا رسولَهُ [*] ولم أفعله ارتداداً عن ديني، ولا ارتضاءً بالكفر بعد الإِيمان»[*].
لقد أبدى حاطب بن أبي بلتعة عذره، ولكن هل هذا يكفي؟! فلئن عُذِرَ مَنْ يَجْهَلُ حقيقةَ الدعوةِ، وسموَّ مَرامِيها، فهل يُعذرُ صحابيٌّ جليلٌ رافق هذه الدعوة في مختلف مراحلها، وكان إلى جانب حاملها رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مختلف المراحل والأحوال التي مرّت بها؟ وخاصة أنه كان من المجاهدين في سبيل الله تعالى، وحضر المعارك كلها، بما فيها معركة بدر، وتحمَّل المسؤولية التي عُهدَت إليه، يوم حمل كتاب الرسول إلى المقوقس عظيمِ القبط؟
الجواب نجده في قوله عزَّ وجلَّ، الخالق البارئ، إذ يبيِّنُ لنا في كتابه العزيز أنَّ الإنسان ضعيف: {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا *} [النِّسَاء: 28].
وحالات الضعف عند بني البشر عديدة ومتنوعة، وما من مخلوقٍ بشريٍّ إلاَّ وعنده نقطة ضعف معينة إمّا تجاه المال، أو النفوذ، أو حُبِّ السلطة والحكم، أو قد يكون الضعف حيال المرأة فتغلب عليه الشهوة والرغبة، أو قد يأتي هذا الضعف من حبِّ الإنسان لعياله وعاطفته تجاه الآباء والبنين، إلى غير ذلك من حالات الضعف البشري التي لا تحصى..
وحاطب بن أبي بلتعة، إنسانٌ - كسائر الناس - أضعَفه الخوف على أهله بمكة، إذا ما أقدمت قريش - عندما يبلغها خبر زحف المسلمين - على قتل المسلمين المستضعفين هناك. وقد رغب أن يحميَ أهله، فكان منه ما كان، وبعث بالكتاب تحت وطأة ذلك الضعف!..
ومحمد رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قد ربَّاهُ ربه سبحانه وتعالى على عينه، ليعدّه لأعظم رسالة سماوية إلى الأرض، فإنَّ هذه التربية الربانية هي التي أودعت في نفسه المعرفةَ بالنفس الإِنسانية، وبما تحفل به نفوس الناس من المشاعر، وبما يعترضها من مؤثرات.. ولقد رأى في اعتذار حاطب ما ينمُّ عن حالة من الضعف اعترته خوفاً على الأهل والولد. وهي حالة عابرة فرضَها عليه ظرفٌ حرجٌ، لأن ماضيَ الرجل كلَّه يشهد على صدق إيمانه، وحسن بلائه في الذود عن حياض الدين الذي أنزله الله تعالى رحمة للعالمين.
ورأى الرسولُ الأعظم أن ما ارتكبه حاطب من خطأ - وإن كان فادحاً - إلاَّ أن هذا الخطأ لا يعدل ذلك الماضيَ الحافلَ بالتضحية والعطاء. وإنَّ في عدالة بني البشر ما يأخذ بالأسباب التخفيفية، وحتى بالأسباب التي تمنع أحياناً العقاب، فإذا كانت هذه عدالةَ الناس، فكيف يجب أن تكون عدالةُ النبوّة؟..
وأرادَ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يُظهر عفوه عن حاطب، فقال لمن حوله: «أما إنه قد صدقكم فيما أخبركم به». وفي رواية ابن مردويه: أن رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سأله: «يا حاطب ما دعاك إلى ما صنعت؟» فقال: «يا رسول اللّه! كان أهلي فيهم، فكتبت كتاباً لا يضرُّ اللَّهَ ولا رسوله»[*].
وفي هذه الحادثة أنزل الله تعالى في أول سورة «الممتحنة» من القرآن الكريم، حكمه الذي يحذّر فيه المؤمنين من موالاة أعداء الله (تعالى) ومصانعتهم، ومن إفشاء بعض السرّ لهم أيّاً كان الدافع للموالاة، ومهما كان السبب للإِفشاء، لأن العدو عدوٌّ حيثما كان، ومهما اختلفت أوضاعه وأحواله. وإن التقرب إليه وموادّته أو محاباته إنما هي خيانة ما بعدها خيانة، فقال سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ *إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ *لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ *} [المُمتَحنَة: 1-3].
بدء المسيرة إلى مكة
وانتهت حادثة حاطب بن أبي بلتعة بالعفو عنه. إذ شفعت له أعماله وتضحياته في سبيل الدعوة: فقد شهد بدراً، وكان من الرماة الذين صمدوا على الجبل يوم أحد، وكان من المؤمنين المجاهدين، فكان لا بدَّ، وتلك سيرته، أن يشفع له جهادُهُ في سبيل الله، لأنَّ العدلَ كلَّ العدل في ميزان الحكم الإسلامي، وجهادُ حاطب ترجح كفتُهُ على خطئه..
وعزم الرسول الأعظم على المسير، فاستخلف على المدينة أبا رُهَم، كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري. ثم خرج لعشر خلَون من شهر رمضان سنة ثمان للهجرة، في نحو عشرة آلاف من المسلمين، كان فيهم المهاجرون والأنصارُ، وكل من جاء المدينة من قبائل العرب.. خرجوا في أكبر جيش عرفته المدينة حتى ذلك التاريخ.
وسار جيش المسلمين تعجُّ به الطرقات، فلم يضرب خيامه في بطاح إلاَّ واكتست أرضها بأجسادِ أولئك الناس ذوي الضمائر الحيّة، الذين لا يرغبون - ولو خرجوا فاتحين - بسفك دمٍ أو قتْلِ بريء، ولا يرنون إلى أخذ مالٍ أو استلاب حق أو اغتيال فضيلة.. بل على العكس من ذلك كله، كانت الغاية فتحَ البلد الحرام، ورفعَ الحواجز والسدود التي أقامتها قريش، فيكون ذلك البلد - كما أراد له الله سبحانه وتعالى - مثابةً للناس وأمناً، يسوده دينُ الحق الذي أُنزل على قلب رسول اللّه محمد بن عبد اللّه، سيّد المرسلين وخاتم النبيين، ليُخرج الناس، كل الناس، من الظلمات إلى النور. ولذلك كان الرسولُ يدعو الله تعالى في تلك المسيرة قائلاً: «اللَّهم خُذِ العيونَ والأخبارَ عن قريش حتى نَبْغَتَها في بلادها»[*].
الإفطار في السفر
وكان الخروج في شهر الصوم المبارك، فظلوا صائمين حتى بلغوا الكُدَيْدَ - ما بين عُسفان وأمج - فأفطر النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لأن في شرع الإِسلام أنَّ من كان على سفر رُخّصَ له أن يفطر، بدليل قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البَقَرَة: 184] والله سبحانه وتعالى يحبّ أن تُؤتى رُخَصُهُ، فما دام قد رخَّص للمسافر بالإِفطار، فعليه ذلك، لأن الصيام في السفر يكون - عادةً - شاقّاً ومضنياً، إذ قد يلاقي المسافر الصائم من الإجهاد ما لا يطيق، ولذلك كانت حكمة الله تعالى - وهو الرؤوف بعباده، الرحيم بخلقه - الترخيص بالإِفطار في رمضان، إبعاداً للنفس عن وعثاء السفر وتمكيناً للجسم من الاحتفاظ بقواه.. وعلى هذا فالأَوْلى بمَنْ خرج للجهاد أن يُفطر، لأن الجهادَ، أو القتال في سبيل الحق، يتطلب استجماع كافة القوى الجسدية والمعنوية[*].
نعم، لقد أفطَرَ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الكُدَيْدِ لأنه صارَ على سفر، ولكنَّ جماعةً من المؤمنين - المتحرّزين - رأوا في الإِفطار حرجاً.. فهم في شهر رمضان، شهر الصوم والتوبة وشهر الرحمة والمغفرة وشهر العتق من النار.. ويريدون أن يصوموا كي ينالوا الثواب الذي يعدُ به اللَّهُ تعالى الصائمين.. وأدرك الرسولُ ما يعتمل في الأنفس، فطلب إليه إناء، واعتلى على راحلته في وضح النهار، فشرب أمام الناس. فلما رأوه كذلك، أفطروا.
وعاد الركبُ الإسلاميُّ يتابع طريقه، حتى كانوا في محلة تدعى «نيف العقاب» - أو في الأبواء - فيما بين المدينة ومكة، فالتقوا ببعض أقرباء النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكان فيهم: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب (ابن عمه) وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة (ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب، وأخو أم سلمة من أمها) فماذا كان موقف الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من هذين الرجلين النكدين، اللذين قد لقي منهما في مكة - قبل الهجرَة ـ من شدة الأذى والهجو ما لا يطاق؟ لا شيء.. إلا أنه أعرض عنهما!..
بشائر مسيرة الفتح
وجاء أبو سفيان بن الحارث إلى عليٍّ، يستجير به أنْ يُدخلهُ على رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال له عليٌّ: إئتِ رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من قبل وجهه، فقل له ما قال إخوةُ يوسفَ ليوسف: {تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ *} [يُوسُف: 91][*]، كما جاء عبد اللّه بن أبي أمية إلى أخته أم سلمة، يطلب إليها أن تكلم النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كي يأذن له ولصاحبه بالدخول عليه في قبته (وكان الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد أخرج معه من نسائه أم المؤمنين أم سلمة، وأمّ المؤمنين زينب)[*] فأتته أم سلمة وقالت: «لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك، وهما يلتمسان الدخول عليك يا رسولَ الله».
ولكن هل من السهل دخول ذينك الرجلين عليه، مع أنه هو المسامحُ الكريم؟!
إنَّ عودةً إلى الماضي، وإلى أيام مكة بالذات، قد تُذَكِّر بما لاقى المسلمون جميعاً، والنبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معهم، من عنتِ قريش وصلافتها، وما لجّت فيه من عذاب وعناد، وما غالت فيه من سخرية وأذى. وكان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب شاعراً، فانبرى يهجو النبيِّ بأقذع القول وأمرِّه، حتى وصلت به القحة لأن ينالَ منه في عرضه وشرفه - على الرغم من صلة قرباه الوثيقة به - وأما عبد اللّه بن أبي أمية فقد تعمَّد السخرية منه على مرأى من الناس، يوم جاءت قريش تدّعي طلب المعجزات لتصدقه وتؤمن بنبوته، فأظهر عبد اللّه هذا كل كيده، عندما قال لرسول اللّه: «والله ما آمنت بك حتى تتخذ سلّماً إلى السماء، فتعرج فيه وأنا أنظر إليك ثم تأتي بصكٍّ وأربعٍ من الملائكة يشهدون بأن الله أرسلك»..
هذه المواقف الخبيثة من الرجلين، وغيرهما من قريش، لم تكن لتسيء إلى شخص رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحسب، بل وعرَّضت المسلمين للأذى، ووقفت في طريق مسيرة الدعوة تمنعها من الانطلاق، وتقيم الحواجز فيما بينها وبين الناس. ولذا لم يكن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لينسى تلك الآثار البشعة لمجرد أن يلتمس أحد من أصحاب تلك المواقف الدخولَ عليه.
ولكنَّ أبا سفيان بن الحارث، وما إنْ بلغَهُ أنَّ رسول اللّه لا يرغب برؤيته، وكان معه ابنٌ له صغيرٌ يدعى جعفراً حتى قال: «والله ليأذنَنَّ لي أو لآخذنَّ بيدي بُنيَّ هذا، ثم لنذهبنَّ في الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً»[*]. فلما بلغ ذلك رسول اللّه رقّ قلبه الكبير، وخاصة على الطفل الصغير - الذي لا ذنبَ له في ما اقترفَهُ أبوه، حتى يتشرَّدَ به ويذيقه مرَّ العذاب، كما يحلف هذا الأب - فأذِن للرجلين بالدخول عليه، فتقدما يبديان الندَم والعذر، ويُعلنان إسلامهما بين يديه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . فكانت هذه أول بركة من بركات المسيرة لفتح مكة..
ملاقاة العباس للمسيرة
وعاد رسول اللّه يتابع المسيرة؛ فلقيه في الجحفة عمُّهُ العباس بن عبد المطلب، وكان قد خرج بأهله وعياله مسلماً مهاجراً إلى المدينة[*]، وقد كان قبل ذلك مقيماً بمكة على سقايته، ورسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) راضٍ عنه[*].
وبسبب الخلاف الذي كان قد احتدم في قريشٍ، بعد عودة أبي سفيان من المدينة، بين الدّاعين للتهدئة، والمحرّضين على القتال، آثَرَ العباس ألاَّ يتابعَ الطريق إلى المدينة،كي ينضمّ إلى مسيرة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) علّه يجد الوسيلة التي قد تُنجي قريشاً، إنْ ظلَّ البغاة على عنادهم، وإصرارهم على القتال..
وبالفعل فقد قام العباس بدور هام في حقن الدماء، وتذليل العقبات في طريق الفتح. ذلك أنه بعدما بلغ جيشُ المسلمين مُرَّ الظهران أمر الرسول بالنزول - وكان الوقت عشياً - فدعا كلَّ نفرٍ في هذا الجيش أن يُشعِلَ ناراً، وكانوا عشرة آلاف شخص.. ولنا أن نتخيَّل مشهد عشرةِ آلاف نارٍ موقدة! وما تحدثه ألسنةُ اللهب المتصاعدة، من أنوار تسطع في جوف الظلمة فتجعل فضاءَ الصحراء متلألئاً وهّاجاً، وأطرافَها منيرةً وضّاءةً.. وأنْ نُقدّرُ ما يبعث هذا المنظر من رعبٍ في قلوبِ الأعداءِ، وخوفٍ في نفوسهم.
وأدرك العباس، وأنظارُه تلاحق الأبعادَ التي تمتدُّ إليها الأنوار، أنَّ قريشاً هالكةٌ لا محالة، إنْ هي أصَرَّت على الغيّ والعناد. وهي - لا ريب - النتيجة الحتمية للظلم والضلال، لأنه وإنْ تطاولَ الظالمون، وظنوا أنَّهم قادرون!... فسوف يأتي اليوم الذي يسحق فيه الظلمُ أصحابَهُ، ويقضي القهرُ على صانعيه.. فقال مفصحاً عما يدور في خلده «واصباحَ قريش! والله لئن دخل رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مكة عَنْوةً قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر»[*]. وأسرع العباسُ يعتلي بغلةً بيضاء لرسول اللّه للذهاب إلى الأراك، علَّهُ يجدُ بعض الحطّابة أو صاحب لبن، أو أيَّ إنسان، فيبعثه إلى مكة، كي يخبر أهلها بمكان رسول اللّه، ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم بالقوة والسلاح!..
ولم يكن خروج المسلمين قد بلَغَ قريشاً بعد، فقد عميت عنها الأخبارُ، بفضل تدبّر رسول اللّه، وقدرته على التخطيط، ودعائه إلى ربه تبارك وتعالى ألاَّ تدركها أخباره فلا يصل إلى مسامعها شيء عن مسيرة جيش المسلمين حتى لا تغلبَ عليها الدعوةُ إلى الحرب، ويحدث المكروه.. أمَّا من ناحية قريش، فإنَّ الأحوال التي وصلت إليها، كانت تجعلها تعيش في الوساوس والقلق على المصير. ومن جرّاء ذلك الوضع خرج في تلك الليلة زعيم حربها، أبو سفيان بن حرب، ومعه حكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، يتعسَّسُون الأخبار، وكلٌّ في نفسه مآربُ لا يفصحُ عنها لصاحبيْه!.. فأمَّا بديلٌ الخزاعيّ فكان يتمنَّى لو تصدقُ ظنونُهُ، فيفاجأُ بالزحف الإسلامي الذي ينتظر لقهر قريش.. بينما في نفس كلٍّ من رفيقيه هاجسُ الخوف من غزوٍ إسلامي يقضي على زعامتِهِ، ويذهب بالمكانة التي وصَلَ إليها في السنوات الأخيرة!.. ويروي العباس ما حصل في تلك الليلة[*] وهو أنه لما سمع أولئك الرجال يتحدثون، وقد عرفهم، أنصت ليتبيّن ما يدور بينهم، فإذا بأبي سفيان يشير إلى النيران قائلاً «ما رأيت كالليلة نيراناً قطُّ ولا عسكراً!». فيجيب بُدَيْلٌ: «هذه - ربما - خزاعة قد حَمَشَتْها[*] الحرب». فيقول أبو سفيان: «خزاعة أذلُّ وأقلُّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها»..
فنادى العباس على أبي سفيان «يا أبا حنظلة»! فعرف صوته، فقال: أبو الفضل؟ قال: نعم.. فاندفعوا نحوه، وأبو سفيان يقول له:
ـ ما لك؟ فداك أبي وأمي!..
قال العباس: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الناس، واصباحَ قريشٍ والله!
قال: فما الحيلة؟ فداك أبي وأمي!
قال: والله لئن ظفر بك ليضربَنَّ عنقك. فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتيَ بك رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأستأمنَهُ لك[*].
فركب خلفه، بينما رجع صاحباه إلى مكة. وكان أبو سفيان كلما اقترب من نيران المسلمين ازداد خوفهُ، وحنقه، حتى إذا مرَّت البغلة بنار عمر بن الخطاب، تقدَّم يعترض الطريق، فلمَّا رأى أبا سفيان وراء العباس صرخ في وجهه: «أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد»[*]. ثم خرج يشتد راكضاً نحو رسولِ الله حتى دخلوا عليه سوية، فقال عمر: «يا رسولَ الله، هذا أبو سفيان فدعني أضربْ عنقه».
وتدخل العباس، فقال: «يا رسول اللّه، إني قد أجرته».
ثم جلس العباس إلى رسول اللّه، يأخذ برأسه وهو يقول في نفسه: «والله لا يُناجيه الليلة أحدٌ دوني»..
وراح عمر يُلحُّ ويكثر في شأن أبي سفيان حتى يريح المسلمين من شرّه، والعباس يحاول أن يهدّئ من غضبِهِ، حتى حسم رسولُ الله الموقف، وهو يقول لعمه:
»اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحتَ فأْتنِي به».
وبات أبو سفيان تلك الليلة قلقاً، مؤرقاً، حتى كان الفجر، وهبَّ الناس من الرقاد يلبّون نداء الصلاة. فلما أبصرهم أبو سفيان يركضون ويتسابقون للوضوء، والسجود وراء النبي، نظر إلى العباس بدهشةٍ، وقال له: يا عباس، واعجباً ممّا أرى، فوالله ما يأمرهم «محمدٌ» بشيء إلاَّ فعلوه! فقال له العباس: لا تعجبنَّ يا صاح، فواللَّهِ الذي لا إلهَ إلاَّ هو، لو نهاهم عن الطعام والشراب لأطاعوه.
وطلع نور الصباح، وجاء العباسُ بأبي سفيان، فقال له الرسول الأعظم[*]: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يَأنِ[*] لك أن تعلم أنه لا إلهَ إلاَّ الله».
قال أبو سفيان: «بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لو كان مع الله إلهٌ آخر لأغنى عني شيئاً ولأعانني لأصلَ إلى ما أصبو إليه وأرغب فيه».
قال رسول اللّه: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يَأْنِ لك أن تعلم أني رسول اللّه؟».
قال أبو سفيان: «بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أمّا هذه، فإنَّ في النفس حتى الآن منها شيئاً»[*].
والتفت إليه العباسُ مغضباً،وقال له: «ويحك يا أبا سفيان! أَسلمْ واشهدْ أن لا إلَه إلاَّ اللّهُ وأن محمداً رسولُ الله، قبل أن تُضرب عنقُك»[*].
وتفكَّرَ صخرُ بنُ حرب بن أمية قليلاً، وهو مطرق إلى الأرض، فرأى أنه لا سبيل له بعدُ إلى الإفلات: فإما الإسلام، وإما الموت!.. فرفع حينئذٍ رأسه فشهد شهادة الحق، وأسلم.
عندها قال العباس: «يا رسولَ الله، إن أبا سفيان هذا رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئاً».
وهنا يبرز العباس رجلَ حكمة وبصيرة. فقد رأى أنه لو أتيحت لأبي سفيان ميزةٌ معينة، وهو يومئذٍ زعيم قريش وسيّد مكة، فقد تكون من العوامل المساعدة على منع القتال، لأنها لا تتأتّى إلاَّ عن حِلْم هذا النبي بالرجلِ، بل وبأهل مكة جميعاً.. فيستقبلهم البلدُ الحرام، فيما لو هدأتِ النفوس قليلاً، لا أعداءً فاتحين، بل هُداةً، مسالمين، آمنين... ولعلَّ نيةَ العباس تلتقي مع ما كان الرسول الأعظم قد عزم عليه، وهو أن يتمَّ له فتح مكة بدون إهراق نقطة دم، أو قتل أحد إلاَّ بالحق. وإنه للرسولُ الحكيمُ، الذي لا تفوته لفتةٌ، فأدرك ما يرمي إليه عمه العباس من طلبه «أن يجعل لأبي سفيان شيئاً»، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابَهُ فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن»[*]. ولكنه عاد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وطلب من العباس أن يأخذ أبا سفيان ويحبسه بمضيق الوادي عند خَطْم الجبل[*] حتى تمرَّ به جنود الله فيراها، فيعجَلَ إلى بني قومه بما رأى - بالعين المجرّدة، والبيّنة الدالة - من قوة للمسلمين، فيعلموا أنْ لا قبِلَ لهم على المقاومة، إن ابتَغَوْا مقاومة!..
الفتح المبين: دخول مكة المكرمة
واتخذ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كل أُهبة لدخول مكة المكرمة، فراحت القبائل تمرُّ براياتها أمام العباس وأبي سفيان في مضيق الوادي. وكان أبو سفيان، كلما مرت قبيلة، قال: يا عباس من هذه؟
فيقول العباس: هذه سليمٌ. وهذه مزينةٌ.. وهذه قبيلة بني غفار.. وهذه... وهذه...وأبو سفيان يقول: ما لي ولبني فلان.. وبني فلان .. وبني فلان...
وما زالت القبائل والكتائب تترى، حتى مرَّ رسول اللّه في كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار، وقد لبس أصحابها الدروع والحديد فلا يُرى منهم إلاَّ الحدَقُ من الحديد، فبُهر أبو سفيان، وسأل:
»سبحان الله يا عباس، من هؤلاء؟».
قال: «هذا رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المهاجرين والأنصار».
قال أبو سفيان: «ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة! والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملكُ ابن أخيك الغداةَ عظيماً».
قال له العباس بغضب: «يا أبا سفيان! إنها النبوَّة».
قال: «فنعم إذن»..
قال العباس: «النجاءَ إلى قومك».. (أي هيَّا إليهم بسرعة منجية، وإلاَّ فهم هالكون).
واندفع أبو سفيان إلى مكة يصرخ بأعلى صوته: «يا معشر قريش! هذا «محمد» قد جاءكم في ما لا قبل لكم به. فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن».
وهرعت إليه زوجه، أم معاوية هند بنت عتبة تأخذه من لحيته وشاربيه وهي تصيح: يا آلَ غالب! اقتلوا هذا الشيخ الأحمق، ولا تَدَعوهم، بل قاتلوهم دفاعاً عن أنفسكم وبلدكم. قُبِّح هذا الرجل من طليعة قوم![*].
وصاح فيها أبو سفيان: ويلك أسلمي وادخلي بيتك!. ثم عادَ ينادي في الناس: «ويحكم لا تغرَّنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قِبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن»[*]..
قالوا: «قاتلك الله وما تغني عنا دارك؟».
قال: «ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن».
فقال الناس: إذن ندخل بيوتَنا أو الحرمَ، ولا حاجةَ لنا بدار ابن حرب...
وكان أبو قحافة (والد أبي بكر الصديق) ما يزال على الشرك، وقد بلغ من الكِبر عِتيّاً، فطلب من حفيدة له أن تأخذ بيده، لأنه كان مكفوفَ البصر، وأن تصعد به على جبل أبي قبيس. فلما علت به صغيرته الجبلَ سألها: «أي بنيّة ماذا ترين؟».
قالت: «أرى سواداً مجتمعاً».
قال: «تلك الخيل».
قالت: «لقد انتشر هذا السواد».
فقال: «تلك الخيل قد دُفعت إلى مكة، فأسرعي بي إلى بيتي».
وفي هذه الأثناء، كان جيش المسلمين قد انتهى إلى «ذي طوى»، وأشرف على أبواب مكة، مزوّداً بأوامر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، التي تمنع القتال، إلاَّ إذا فُرض عليهم فرضاً، ولم يجدوا إلى ردّه من سبيل، أو إذا وجدوا في دخولهم أحداً من جماعة باغية قد سمّاهم النبي كُلاًّ باسمه، فهؤلاء يقتلونهم، ولو وجدوهم متعلقين بأستار الكعبة!.
وفرَّق الرسول الجيش على مداخل مكة بشكل يمكنه معه أن يطْبق عليها من جميع النواحي. فجعل الزبير بن العوام على الجناح الأيسر وأمره بالدخول من كداء في الناحية الشمالية، وأن يغرز رايته بالحجون، ولا يبرح حتى يأتيه.. وجعل خالد بن الوليد على الميمنة وأمره أن يدخل من أسفل مكة. وأمر سعد بن عبادة أن يدخل من كداء في الجانب الغربي. ثم قدّم بين يديه أبا عبيدة بن الجراح ليدخل هو (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من أعلى مكة، أي من ناحية أذاخر.
وتقدمت فرق الجيش الإِسلاميّ على ذلك التنظيم الذي أمر به رسول اللّه، حتى إذا بلغ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأبطح طلب أن تضرب له قبته هناك ليكون فيها مع أهله، فقيل له: «يا رسول اللّه، ألا تدخل دارك؟» قال: «وهل أبقى لنا عقيل من دارٍ؟».
جماعة من قريش تعترض الدخول
وظلت الفرق تتقدم في دخولها وسط الأمان والهدوء، ما عدا فرقةَ خالد بن الوليد، إذ اعترضتها جماعة من قريش على رأسها صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو. وكان هؤلاء من أشدّ الناس عداوة للنبي وللإسلام، وهم الذين اشتركوا في تحريض بني بكر ليغيروا على خزاعة، بل كانوا معهم في الإِغارة. فلما كانت فرقة خالد بن الوليد بالخندمة، انبرت تلك الجماعة تمطرها بالنبال، ولكنَّ عجالة الموت ارتدَّتْ عليها أسرع من نبالها، إذ انقضّ جنود المسلمين انقضاض الصواعق، يبدّدون شمل تلك الشرذمة الحاقدة، ويقتلون منها ما يزيد على اثني عشر رجلاً. ولم يرَ حينئذٍ قادتها، ومَن لحق بهم، إلا اللواذ بالفرار.. فهدأ الوضع تماماً، ولم تعد تبدر من أحد أَدنى إِشارةٍ بالمقاومة، إذ أسلست قريشٌ كلها القيادَ، وهدأت لتحظى بالنجاة والأمان.
وكان رسولُ الله يرقب من أعلى مكة مجرى الأمور، فلما بَصُرَ لمعان السيوف في أسفل مكة غضب مُنكراً أيَّ قتال. وأرسل من يستطلع له الخبر، حتى إذا علم باستعداء تلك الجماعة من قريش على فرقة خالد، قال: «قضاء الله خير».
الأمر بقتل البغاة
نعم، كان الخيرُ في ما اختارَه الله سبحانه وتعالى، كما ذكر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . وقد اختارَ الله تعالى للبلد الحرام أن يكون بلداً آمناً فيدخله رسولُ الاسلام يوم الفتح، ليصونَ المقدسات والحرمات، وينتزع الغلَّ والحقد، ويزيل أسبابَ العداوة والبغضاء، لأن فتح مكة ينبغي أن يكون بالسلام، لا بالقتل إلاَّ لمن بغى وأفسَدَ.. فالبُغاة كُتِبَ عليهم القصاص ليكونوا عبرةً لغيرهم من الذين بَعُدُوا عن الحق واتّبعوا الباطل أو يتوبوا وأمرهم إلى الله تعالى.. ومن أجل ذلك كان أمرُ رسولِ الله بأن تُقتل كلُّ جماعةٍ باغية، قامت بأعمالٍ إجراميةٍ استوجبت إِهدارَ دم أفرادها، وإنزال القصاص بهم، حتى وإن طالت المدة بين ارتكابهم لتلك الجرائم وبين اليوم الذي أمكن فيه الله تعالى لرسولِهِ أن يطالهم وينالَ منهم.
ولعلَّ التذكير السريع بأعمال بعض أولئك البغاةِ من قريش يبيّن شيئاً من مخازيهم...
فمن هؤلاء: عبد اللّه بن أبي سرح، كان قد دخل في الإِسلام ثم ارتدَّ مشركاً[*]. وقد لجأ يوم الفتح إلى عثمان بن عفان (رضي اللّه عنه) وكان أخاه في الرضاعة، فغيّبه حتى هدأ الناس، ثم أتى به رسولَ الله يستأمنه، فأعرض عنه الرسولُ، ولم يجب بشيء. وما زال عثمان يلحُّ في طلب الأمان له حتى قال النبيّ: «نعم»!.. وقد رغبَ (عليه وعلى آله الصلاة والسلام) أن يقوم إليه أحد من الصحابة فيقتله، إذ قال لهم: «أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا، حيث رآني كففتُ، فيقتله؟».
قالوا: «ما يُدرينا، يا رسول اللّه ما أردت منّا، هلاَّ أَوْمَأْتَ إلينا بعينك».
قال: «إنه لا ينبغي أن يكون لنبيٍّ خائنةُ الأعين، وما كان لنبيٍّ أن يقتلَ بالإِشارة»[*].
ومنهم: عبد العزّى بن خطل، كان قد أسلم، فسمّاه رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عبد الله، وقد بعثهُ مصَدِّقاً (أي يجمع الصدقات)، وكان معه مولى له من المؤمنين الصالحين، فطلب منه أن يُعدّ له الطعام، ثم نام. فلما أفاقَ ولم يجد طعامه قد جُهِّز بكامله، عدا عليه، وقتله عمداً، ثم ارتدَّ إلى قريش مشركاً. وأقام بعد ذلك في مكة يهجو النبي بشعره. وكانت له قيْنتان تغنيانه بذلك الهجاء البشع، إحداهما تدعى فرتنا والأخرى قريبة. فلما كان يومُ الفتح قتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي. أما جاريتاه فقتلت منهما قريبة لإصرارها على الغيّ، بينما، وَجَدَت «فرتنا» من يستأمن لها من رسول اللّه، فأمَّنها.
ومنهم: عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وقد ظلاَّ على عداوتهما البغيضة لرسولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى يوم الفتح، فبعد هزيمتهما بالخندمة، هربا نحو ساحل البحر يريدان الذهاب إلى اليمن، إلاَّ أنهما أعيدا والسفينة على أهبة إقلاعها. وكانت زوج عكرمة أم حكيم بنت الحارث بن هشام قد أسلمت، فاستأمنت لزوجها، كما استأمن لصفوان أحد أبناء عمه ويدعى عمير بن وهب الجمحي. فأسلم عكرمة، إلاَّ أن صفوان طلب من رسول اللّه أن يمهله بالخيار شهرين، فقال له: «أنت بالخيار أربعة أشهر».. فلمَّا أسلَمَ عكرمة وصفوان أقرَّهما رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على النكاح الأول[*].
ومنهم: الحارث بن نُفيل بن وهب، وقد كان يعظّم القول في النبي، ويكثر من أذى المسلمين في مكة. وهذا لم يستأمنه أحد، ولم يدخل في الإسلام، فقتله علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه)[*].
ومنهم: مِقْيَس بن صبابة، الذي كان رجلٌ من الأنصار قد قتل أخاه، في غزوة ذي قرد، وهو يظن أنه من العدو، فأعطاه النبي ديَتَهُ. وعلى الرغم من ذلك عاد مِقْيس وقتل الأنصاري بأخيه، ثم رجع إلى قريش مرتداً إلى الكفر. فكان جزاؤه القتل على يد رجل من بني قومه يدعى «نميلة بن عبد اللّه الليثي».
ومنهم: أسيد بن أبي إياس بن زنيم، الخليعُ الذي كان يسابق الفرسَ على رجليه، جاء به إلى رسول اللّه سارية بن زنيم يطلب له الأمان، فأمّنهُ الرسول الاعظم، ثم أسلم وحسن إسلامُهُ.
ومن هؤلاء الذين أمَرَ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقتلهم أيضاً: كعب بن زهير بن أبي سلمى. فقد كان مِثْلَ أبيه شاعراً، ولكنه سخّر شعره لهجاء النبي، والنيل من أعراض المسلمين. بل كان يؤذي أخاه بجيراً لدخوله في الإسلام. فلما كان يوم الفتح هرب كعب من مكة، وما زال متخفياً حتى عاد الرسول إلى المدينة، فجاءه مسلماً، تائباً، وقد أنشده قصيدته المعروفة بمطلعها:
بانتْ سعادُ فقلبي اليومَ متبولُ
مُتيَّمٌ إِثْرَها لم يُفْدَ مكبولُ[*]
وفي هذه القصيدة مَدَحَ رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومما قاله:
نُبِّئْتُ أنَّ رسولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي
والعفُو عندَ رسول اللّه مأمولُ
مهلاً هَدَاكَ الذي أعطاكَ نافلةَ الـ
ـقرآنِ فيها مواعيظٌ وتفصيلُ
لا تَأْخُذَنّي بأقوالِ الوُشاةِ ولم
أُذنِبْ ولو كَثُرَتْ فيَّ الأقاويلُ
إنَّ الرسولَ لَنُورٌ يُستضاءُ بهِ
مُهَنَّدٌ من سَيوفِ الله مسلولُ
في عصبةٍ من قريشٍ قالَ قائلُهُم
ببطنِ مكَّةَ لمَّا أَسلَمُوا زُولُوا
وكذلك منهم: هبّار بن الأسود. كان من شدة أذاه للمسلمين أنِ اعترض، مع الحارث بن نفيل، راحلة زينب بنت رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم هاجرت إلى المدينة، فنخس الراحلة حتى أجفلت وأوقعت ابنة النبيِّ أرضاً، مما آذاها كثيراً فأسقطت جنينها، وما زالت منذ ذلك اليوم تعتلُّ حتى توفاها الله تعالى. وقد جاءَ هبّار إلى رسول اللّه، تائباً، فعفا عنه.
وكان الحارث بن هشام (أخو أبي جهل) وزهير بن أبي أمية بن المغيرة، من الكفرة الظالمين، الحاقدين على كل ما يمتّ إلى الدعوة بصلة، وقد هربا يوم الفتح واختبآ في بيت أم هانىء (بنت أبي طالب)[*] فجاءت رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واستأمنتهما ثم أتت بهما إليه، فأسلما تائبين.
وآخرُ مَنْ يُذكر مِنْ رجال تلك العصابة هو: وحشي بن حرب، قاتل حمزة بن عبد المطلب (رضي اللّه عنه) غدراً يوم أحد. وقد هرب يوم فتح مكة إلى الطائف، حتى كان دخول النبي إليها، فجاءه مسلماً، فقال له النبي: «لا تُريَنِّي وجهك». فخرج من حضرة النبي مخذولاً مهموماً يتخبط في البلاد حتى توفاه الله سبحانه في حمص، بعد أن قضى بقية عمره هائماً على وجهه غير قادرٍ على نسيان غدره، بحق حمزة سيّد الشهداء - بمنطوق الوحي الإِلهي ـ.
أما النساءُ اللواتي أمر النبي بقتلهن، فكنَّ:
ـ مولاة لعمرو بن هاشم بن عبد المطلب تدعى سارة. فقد كانت تغني أيضاً بهجاء رسول اللّه، وقد استؤمن لها فأمَّنها وعفا عنها عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام.
ـ وهند بنت عتبة، (زوج أبي سفيان بن حرب). وقد اشتهرت بأنها أكثر النساء عداوة للنبي وللمسلمين. وكان من فعالها المعروفة أن مثَّلت بسيد الشهداء حمزة ولاكت كبده. وقد حاولت يوم الفتح أن تهيِّج قريشاً وتدفعها للقتال، ولكنها خسئت ولم تفلح، فارتدت إلى داخل بيتها ملومة مكظومة. وقد استؤمنت من رسول اللّه، فأمّنها.
ثلاثة رجال وامرأة لاقوا القتل فقط، من الذين أهدر دَمَهم رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم الفتح. وفي هذا أكبر دليل على ما يحمل الإِسلام من تعاليمَ ساميةٍ في التسامح، والعفو والنبل والحرص على حياة الإنسان، وفي ما تنطوي عليه نفس رسول الإسلام، حامل لواءِ هذا الدين، من العفو والرحمة..
الفاتح الحامد المتواضع
وفي العودة إلى تتابع رواية فتح مكة نجد أنَّ جيوش المسلمين قد دخلت هذا البلد الآمن وهي تحمل معها الأمن والسلم، وتنشر في ربوعها الهدوء والطمأنينة.
...لقد جاؤوها مسلمين، يفتحون أحضانهم بالمودة واللين لمن آذَوهم وهجَّروهم، وأخذوا أموالهم وسلبوا دورهم، ولمن تحزَّبوا عليهم وقاتلوهم، فلا يُعقَل أن تبنى العلاقات الجديدة بين هؤلاء الفاتحين وبين أهل مكة، إلاَّ على الأسس التي أرادها وتشدَّدَ بها نبيُّ الإسلام ورسول الهدى، والتي تنبع من وجدانه الإِنساني، وتفيض من نبوَّته السمحاء. وإنَّ في تصرفه، ومسلكه، ما يفرض على جيشه الاقتداءَ به. فها هو الرسول الأعظم يدخل مكة، لا كما يدخل الفاتحون من ذوي الكبرياء والجبروت، بل بخشوع وتواضع، مكبّاً على راحلته، حتى ليكاد رأسه الشريف يلمسها، معبِّراً عن آيات الشكر الجزيل لله تعالى، وقد هداه إلى هذا الفتح المبين، ومنّ عليه بهذا الفضل الكبير.
فالشكر على كل نعمة أنعمها الله تعالى على عبدٍ من عباده يجب ألاَّ يكون إلاَّ بنعمةٍ من قبيلها أو توازيها. فشكر القوة يجب أن يكون بالرفق والعدل، وشكر الرفعة يجب أن يكون بالتواضع والتسامح. وهذا ما برز به محمد بن عبد اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عظيماً إلى أبعد حدود العظمة. فقد أوتي القوة والرفعة في فتح مكة. وكان تواضعه، وكان عفوه، أسمى من القوة والرفعة، إذ لا أحد في العالمين غيره اجتمعت له التربية الربانية إلى التربية الذاتية لتجعله أعظم إنسان في الخلائق، فكان حقاً ألاَّ يبدر منه يوم فتح مكة إلاّ ما شهده أهلها، بل وما جعلهم يشهدون بأنه النبيُّ الصادق الحليم، والرسول الأعظم الكريم.
لقد عاد «محمد» إلى البلد الذي عذَّبه أهلوه، وآذوه وهجّروه، عزيزاً منتصراً. ولكنَّ ذلك كان من الماضي، وقد ذهب إلى غير رجعة.. وها هي الجبال والأغوار التي تلقّى فيها الوحيَ تستقبله بين أحضانها فخورةً، والشعابُ التي أوى إليها وقت الظلم تبتسم مُعْتزَّةً. وها هو البلدُ الحرام يفتح له الأبواب مشرَّعةً، والمسجدُ في البيت العتيق يدعوه لتثبيت دعائم الإِيمان، وتحطيم الأصنام والأوثان إلى الأبد.. فنزل عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام من أعلى مكة، وهو على ظهر ناقته القصواء، وأمامه لواؤه الأبيض ورايته السوداء (العقاب) ليفتح مكة ويدخلها، ومعه المسلمون، آمنين، حامدين.. وسارَ به الركب، وهو يقرأ «سورة الفتح» ليكون، كما أرسله الله تعالى، شاهداً ومبشراً ونذيراً للعالمين..
جاء الحق وزهق الباطل
نعم، لقد جاء الرسول الأعظم يفتح مكة، فرآه الناسُ غيرَ حافلٍ بمظاهر الفاتحين، بل كان شاكراً حامداً لربه تعالى، قارئاً «سورة الفتح» من القرآن المبين. وظل على هذه الحالة حتى انتهى إلى الكعبة الشريفة، والناسُ تحفّ به من جميع الجوانب، فاستلم الحجر الأسود وكبَّر، فكبَّر المسلمون وراءه حتى ارتجت أركان مكة لهذا التكبير. ثم راح يطوف على راحلته، وهو في كل طوافٍ يستلم الحجر الأسود، ويعود بعده إلى طواف جديد، حتى أكمل سبعة أشواط.
وكان للعرب بجوار الكعبة، وفي مكة، ومن حولها، أصنام كثيرة، بلغت ستين وثلاثمئة صنم، فكان النبي أثناء طوافه يطعن منها ما وجَدَ في طريقهِ بمحجن في يده ويقول: {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ *} [سَبَإ: 49]:
ويقول: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا *} [الإسرَاء: 81].
نعم هذا هو الحق من رب العالمين، وما يبدىءُ الباطلُ وما يُعيد..
فتلك الأصنام والأوثان التي عبدها العربُ - كما كانت أمم وشعوب كثيرة في الأرض تقوم على عبادة أمثالها لعصور طويلة - ها هي تهوي بضربة محجنٍ من يد رسولٍ كريم، ونَبِيٍّ عزيز، بُعِث ليمحوَها من حياة الناس، حتى لا يظلَّ بعدها - في شبه الجزيرة، بل وفي مختلف بقاع الأرض - جاهلية، ولا كفر، ولا شرك، بل دينٌ لله الواحد الأحد، يُسلم فيه الإِنسان لربه، ويستسلم لأوامره ونواهيه، فيسيرُ به على صراط مستقيم، حتى تكون له السعادة في الحياة الدنيا، ويكون له الفوز في الحياة الآخرة، والنَّعيم الدائم في جنات خلدٍ عرضها السموات والأرض أُعدَّت للمتّقين.. وهذا الدين الحقُّ بالذات هو الذي جاء محمدٌ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يفتح به ولأجله مكة، فكان له هذا الفتح مؤيداً بنصرٍ عزيزٍ من الله سبحانه. ثم ينزل بعد الطواف حول الكعبة الشريفة عن راحلته، ويدعو إليه حاجب الكعبة، عثمان بن طلحة، ويطلب إليه أن يفتح هو الباب.. فيمتثلُ عثمان، ويدخلُ رسول اللّه، ومعه أسامة بن زيد ومؤذِّنه بلال.
تطهير الكعبة من الأصنام
ويدخل الرسول الأعظم إلى جوف الكعبةِ الطاهرة، التي دنستها الأصنام والأوثان، فيأمر بإخراجها وتحطيمها. ويتأمل في صورة إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) وقد نقشت على الجدار تظهرهما يستقسمان بالأزلام، فيقول: قاتلهم الله، جعلوا النبيِّين يستقسمون بالأزلام! والله ما استقسما بها. ما شأن إبراهيم وإسماعيل والأزلام؟ {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *} [آل عِمرَان: 67] فأمر بالصورة، وبصور الملائكة، على شكل إناثٍ ذوات جمالٍ، أن تطمس كلها، وأن تمحى بالتكسير والتحريق.. وكان «هُبَلُ» كبيرُ آلهة قريش ما يزالُ على جموده في جوف الكعبة، فجرى تحطيمه مثل سائر الأصنام الأخرى.. وما زال الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يأمر بإخراج تلك التماثيل وتحطيمها حتى طهّر البيت الحرام منها، وأتمَّ بذلك، وفي أول يومٍ لفتح مكة، القضاءَ على الوثنية في البيت الحرام. ثم أغلق باب الكعبة على نفسه، واستقبل الجدار قبالةَ هذا الباب، حتى إذا كان بعيداً عنه قدر ثلاثة أذرع وقف وصلّى.
»اذهبوا فأنتم الطلقاء«
وما كاد رسولُ الله يفرغ من صلاته داخل الكعبة الشريفة، حتى عادَ يدور في رحاب هذا البيت الطاهر، مكبّراً، ثم انتهى إلى الباب، فوقف، وقد التفَّ الناس حوله، فقال:
»لا إله إلا الله وحده، صدق وعدَهُ، ونصَرَ عبدَهُ، وهزَمَ الأحزابَ وحدَهْ، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يُدَّعَى فهو تحت قدميَّ هاتين إلاَّ سَدَانةَ البيت وسِقايةَ الحاجّ.
»يا معشر قريش! إنَّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظُّمَها بالآباء. ألناس من آدمَ، وآدمُ من تراب. قال الله تعالى:
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ *} [الحُجرَات: 13].
»يا معشر قريش!! ويا أهل مكة! ما تظنون أني فاعل بكم؟
قالوا: «خيراً، أخٌ كريم، وابنُ أخٍ كريم».
قال: «أقول كما قال أخي يوسف: لاَ تَثريبَ عَليْكُمُ الْيَوْمَ، يَغفرُ الله لكم وهوَ أَرْحَمُ الراحمينَ. اذْهبُوا فأنتم الطُّلقاء»[*].
هذه هي العظمة وروعة التسامح! فقد أمكن الله تعالى للنبيِّ محمدٍ من رقاب قريش عَنوةً، فلم يبادلهم الأذى والعداوة، ولم يعاملهم بمثل الشرِّ الذي أرادوه به، بل أعتقهم، وأحلَّهم من الافتراءات، والجرائم التي ارتكبوها بحقه وبحق أصحابه وأتباع دعوته. أجل، لقد أطلقهم من المكر والكيد والتآمر عليه وعلى دينه، فكانوا الطُّلَقَاءَ وسمّوا «الطلقاء». فكان حقاً أوَّلَ فاتح في التاريخ ضرب مثلاً أعلى في هذا العفو، وما أجمل العفو عند المقدرة!.
لقد خطب رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أهل مكة، وأعطاهم الأمان، مضمّناً خطبته بعض الأحكام الشرعية مثل القتل الخطأ، وماهية الديّة، ومركّزاً فيها على العلاقة الطيبة، وهي التعارف بين الشعوب والناس، والوقوف على ما يتميز به الناسُ من خصائص وسمات جماعية وفردية، لأن في ذلك نفعاً للإنسان وخيراً للبرية.. على أن يبقى عماد الحياة لدى الناس التقوى، إذ بالتقوى، تقوى الله - تعالى - عبادةً وخشيةً - تُؤتى الأعمال الصالحة، وتبنى العلاقات السويّة..
مفاتيح الكعبة بأيدي بني طلحة
وبعد هذه الخطبة دعا الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عثمان بن طلحة، فأعطاه مفاتيح الكعبة وقال: «خذوها يا بني طلحة تالدة خالدة».
ويروي عثمان بن طلحة بنفسه، تسليمَ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) له مفتاح الكعبة، وهو يسترجع ذكرى أيامٍ مضت، كان له فيها من محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مواقفُ معينة، فيقول: «كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يومي الإثنين والخميس، فأقبل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوماً قبل هجرته إلى المدينة، يريد أن يدخل الكعبة مع الناس، فاعترضْتُهُ مُغْلِظاً في القول، حتى نلتُ منه. فحَلُمَ عني وقال: «يا عثمان! لعلك ترى هذا المفتاح يوماً بيدي أضعه حيث شئت»[*]. ورددتُ متطاولاً عليه في الأذى، فقلت له: «لقد هلكتْ قريشٌ يومئذٍ وذلَّتْ». فقال لي: «بل عَمَرَتْ وعزَّت». ووقعت كلماته في أذنيَّ موقعاً أحسست بصدقها. ثم تتالت الأيام حتى كان يوم الفتح، فدعاني نبيُّ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إليه وقال لي: «يا عثمان! ائتني بالمفتاح».. فامتثلت مسرعاً أناوله مفتاح الكعبة وأنا أتذكر ذلك اليوم الذي اعترضته فيه، وقال لي ما قال، فلم أجرؤ على النظر إليه. وبعد أن أخذ المفتاح، وعادَ فدفعه إليَّ قال: «خذوها خالدة تالدة. يا عثمان! إنَّ الله تعالى استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف»[*]. فقلت: نعم يا رسولَ الله. وانصرفت من أمامه، فاستوقفني وقال: «ألم يكن الذي قلت لك يا عثمان، سترى هذا المفتاح بيدي أضعه حيث شئت». فقلت: بلى يا رسولَ الله، وأشهد أنك رسولُ الله صلى الله تعالى عليك وسلّم».
هذا ما رواه عثمان بن طلحة عن مأثرةٍ من مآثر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .
ومثلها الآلاف من المآثر التي تشهد أنه رسول اللّه الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاَّ وحيٌ يوحى إليه من ربه تبارك وتعالى، فيترجمه أقوالاً وأفعالاً تسري سُنَّةً شريفة على مدى الأزمان. بل وإنَّ ما فعله مع عثمان بن طلحة هو التسامح بعينه فلم يحفل بموقفه العدائي منه في السابق، كما لم يحفل بعداوة أهل مكة جميعاً بل منحهم عفواً عاماً وجعلَهم أحراراً طلقاءَ، ومنح عفواً خاصاً لبعض الذين أهدر دمهم، وأمر بقتلهم.
السقاية في بني العباس
وبعدما أعطى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة، ثبّت السقاية أيضاً لعمّه العباس، وكانت من قبلُ لأبيه عبد المطلب، فقام بها العباس خير قيام، ثم كانت من بعده لابنه عبد الله بن عباس حَبْرِ الأمّةِ.. وتلك السقاية كانت تقوم على ملء أحواض من جلد الحيوان بالماء العذب، فيشرب منها الحجيج، ويطرح فيها تمرٌ وزبيب في موسم الحج، فيأكل الناس.
... وكان وقت صلاة الظهر قد حان، فصعد بلال فوق ظهر الكعبة مؤذِّناً للصلاة. وتجاوبت أرجاء مكة لنداء الأذان حتى يبقى هذا النداء خالداً - على الأزل - بشهادة أنْ لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وبأنّ محمداً رسول اللّه. وهو النداء الذي يهْدي المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها إلى دعوة الفلاح والخير، ويوقر في أذهانهم أن الله سبحانه وتعالى وملائكته يصلُّون على النبيّ، فأولى بكم أيها المؤمنون أن تصلُّوا عليه وتسلّموا تسليماً.
بعث السرايا لتحطيم الأصنام
وصلّى محمدٌ رسول الهدى بالمؤمنين. ثم نادى مناديه: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنماً إلاَّ كسره». وبعد هذا النداء، الذي تكرر بعد الصلاة مرات عديدة، لإِزالة كل معالم الشرك والكفر في مكة، بعث النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سراياه لتحطيم الأصنام في كل ناحية وجدت بها حول مكة. وكان العرب قد اتخذوا لهم أصناماً كثيرة، وجعلوا لها بيوتاً، يعظمونها فيها، ويهدون إليها، ويطوفون بها كما يطوفون بالكعبة.. وأهم تلك الأصنام كانت: العُزّى (وهي شجرة كبيرة كانت موضع العبادة لقريش وكنانة)، وسواع (صنمُ هذيل)، ومناة (صنم كلب وخزاعة)، وغيرها من أصنامٍ وأوثانٍ كانت تعبدها القبائل.. فذهبت تلك السرايا لأيام قلائل بقين من رمضان تكسّر الأصنام وتمحو كلَّ أثر لها، حتى يستقر الإِسلام ديناً لله وحده في جزيرة العرب.
وصعد رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - يوم الفتح - الصفا يسعى ويهرول، ويحمد الله سبحانه، على ما أفاءه عليه، وجزاه به من فتح مبين. وكان الأنصارُ يرون كل ما يجري فقالوا: «أترون رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذ فتح الله عليه أرضه وبلده أن يقيم بها؟»[*]..
ولم يكن تهامسُ الأنصار فيما بينهم إلا حباً برسول اللّه ورغبةً أكيدة في ألاَّ يتخلى عنهم، حتى تظل لهم المكرمات بجواره، والاعتزاز بالإِحاطة به. وتناهى إلى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو على الصفا، ما يتخوَّف منه الأنصار فقال لهم: «معاذَ الله! المحْيا محْياكم والممات مماتُكم»[*].. فسلام الله عليك يا رسول اللّه، ما أعظمك وما أوفاك!.
كلُّ جانب من جوانب حياة الرسول الأعظم يحفل بالعظمة.. وما كان قراره - يقيناً - أن يبقى بين ظهراني الأنصار في المدينة إلاَّ وفاءً لأولئك المؤمنين الذين ناصروه وأيَّدوه يوم أن تخلَّى عنه الناس.. وليس من السهل أن يضحّي بموطن الآباء والأجداد، ومثوى الأهل والأحبة، وأن يتخلَّى عن مكة التي نشأ وترعرع في ربوعها، وتلقّى الوحي في رحابها. ولكنه الوفاء الذي ينبع من ذاتِ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيقرر أن يعيش بين الأنصار وأن يدفن في أرض الأنصار، لأن قوله كان صريحاً وواضحاً لهم: «المحيا محياكم والممات مماتكم».
مبايعة الرجال
وانتهى رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الصفا، إلى المسجد، فأقبل الناس عليه يدخلون في دين الله أفواجاً ويبايعونه على الإسلام. فاستقبل (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أولاً الرجال في المبايعة، يُسلمون على يديه مهتدين. وكان أن تقدم أحد الرجال، فلمّا صار بين يديه أخذته الرعدة، فقال له النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «هوِّن عليكَ، فإني لست بِمَلِكٍ، إنّما أنا ابنُ امرأةٍ من قريشٍ كانت تأكلُ القديدَ». وكان ممن بايعه في ذلك اليوم على الإِسلام: أبو قحافة عثمان بن عامر التيمي (والد أبي بكر). فقد ذهب الصدّيق وجاء بأبيه، فأعلن أبو قحافة إسلامه يوم الفتح، بعد أن كانت عشرون سنة قد خلت على إسلام ابنه أبي بكر، كما جاء أبو سفيان صخر بن حرب بابنه معاوية ودخل في الإسلام مبايعاً رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على الطاعة..
مبايعة النساء
ولما فرغَ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من مبايعة الرجال، بايع النساءَ. وكانت بيعته لهنَّ أَنْ وضعَ إناء بين يديه، فلمَّا أخذ عليهنَّ البيعةَ وأَعطينه إياها، غمسَ يدَهُ في الماء ثم أخرجها، فغمست النساء أيديهنَّ بعده. وإنْ دلت بيعة النساء هذه على شيء فإنما تدلُّ على أن النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يكن يصافحُ النساء ولا يمسُّ امرأة إلاَّ إذا كانت حلاًّ له، أو ذات محرم منه، فإن المصافحة من امرأة غير مَحْرَم للرجل، محرَّمةٌ في الشرع.
وكان بين النسوة - وقد اجتمع عدد كثير منهنَّ - هند بنت عتبة (زوج أبي سفيان بن حرب، وأم معاوية) جاءت متنقبة، متنكرة، خائفة من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لفعالها الشنيعة السالفة. فلمّا اجتمعن إليه قال لهنَّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) :
»تبايعنني على ألاَّ تُشركن بالله شيئاً».
فقالت هند: «وإنك لتأخذ علينا أمراً ما تأخذه على الرجال، وسنُؤْتيكَهُ».
وتابع النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، من غير أن يردَّ عليها، فقال: «ولا تَسْرِقْنَ».
فقالت هند: «إنَّ أبا سفيان رجل شحيح».
فقال لها: «وإنك لهند؟».
قالت: «نعم! فاعفُ عما سلَفَ، عفا الله عنك».
وعاد يخاطب جميع النساء فقال: «وَلاَ تَزْنِيْنَ».
فعادت هند تقول: «أَوَتَزْني الحُرَّة؟».
وتضاحك بعض من كان في المسجد وهم يرون أن الرسولَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يبد اعتراضاً على المرأة. ثم تابع (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قوله للنسوة: «ولا تقتُلْنَ أولادكنَّ بوأْدٍ ولا إسقاط».
وقالت هند: «ربيناهم صغاراً وقتلتهم يوم بدر كباراً، فأنت أعلم».
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «ولا تأتِين ببُهتانٍ تفترينَهُ بين أيديكن وأرجلكن».
قالت هند: «وإنّ إتيان البهتان لقبيح».
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «ولا تَعْصينني في معروف».
فقالت هند: «ما جلسنا هذا المجلس ونحن نريد أن نعصيَك في معروف».
تلك كانت بيعة النساء. وهي بيعةٌ هامّةٌ لأن الإِسلام ساوى فيها بين الرجال والنساء. وما دامت البيعة من الأمور العامة المهمة، فإنه يكون قد فُرض وجوب مشاركة المرأة للرجل في هذه الأمور. ومن هنا تتبدى أهمية بيعة النساء، ولا سيما أيضاً فيما أقرَّهُ النبيَّ لمجموعةٍ من القواعد العائلية والمجتمعية والإِنسانية التي تُبرز المرأةَ عنصراً فاعلاً في المجتمع، ويتوقف إلى حدٍّ بعيد، على سلوكها وتصرفها، صلاحُ هذا المجتمع أو فسادُه، مثلما يتوقف على سلوكها وتصرفها صلاح العائلة أو فسادها..
فالمرأة من خلال هذه البيعة، يجب أن تكون مؤمنةً بالله تعالى فلا تشرك به شيئاً، وأن تكون أمينةً على المال والحقوق فلا تسرق، وأن تكون شريفةً في عرضها فلا تزني، وتحفظ النسل سليماً، ولا تقدم على قتل المولود، إن جنيناً، وإن بعد الولادة، حفاظاً على قدسية الحياة، وصوناً لأبناء المجتمع من الهلاك، وأن تكون صادقةً، لا تقولُ إلاَّ الحقَّ، بعيدةً عن زورٍ أو بهتانٍ أو ادِّعاءِ باطل، وأن لا تعصيَ الرسولَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - والحاكم عامة - في معروف (أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)... وذلك كله بتنزيل الخالق العزيز في محكم كتابه الكريم: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [المُمتَحنَة: 12].
أجل! إنَّ في بيعة النساء على هذا النحو ما يعطي للمرأة دوراً هاماً وكبيراً في المجتمع، ويبرزها عنصراً فاعلاً في بناء الفرد، وبناء الأمة، بل والمشاركة في تثبيت أواصر اللحمة الإنسانية بحقها وحقيقتها..
وفي مبايعة الرجال والنساء على الإِسلام، اطمأنَّتْ قريش إلى مصيرها، فلم يعد عندها أدنى خوف من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولا قلق على حياتها، إذ رأت من عفوه ورحمته فوق ما كانت تتصور، ومن حسن صنيعه أبعد مما كانت تعتقد، فأقبل أبناؤها على الإِسلام، رجالاً ونساءً قانعين، راضين.
ولما كان الغد من يوم الفتح، عثرت خزاعة على رجل مشركٍ من هذيل، فقتلوه ثأراً، فغضب النبيُّ لهذا العمل الجاهليّ، وقام في الناس خطيباً، فقال:
»يا أيها الناس! إن الله حرَّم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام بحرمة اللَّهِ إلى يوم القيامة، فلا يحِلُّ لامرئٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً أو يعضد[*] فيها شجرةً.. لم تَحلِلْ لأحدٍ كان قبلي، ولا تَحِلُّ لأحدٍ يكونُ بعدي، ولم تُحْلَلْ لي إلاَّ هذه الساعة غضباً على أهلها.. ثم رجعت كحُرمتها بالأمس. فليبلّغِ الشاهدُ منكم الغائبَ، فمن قال لكم: إنَّ رسول اللّه قد قاتل فيها، فقولوا: إنَّ الله قد أحلَّها لرسوله ولم يُحْلِلها لكم. يا معشر خزاعة: ارفعوا أيديكم عن القتل.. لقد قتلتم قتيلاً لأَدِيَنَّه، فمن قُتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النَّظَرَيْنِ: إن شاؤوا فدمُ قاتله، وإن شاؤوا فَعقْلُه»[*].
تطبيق الإسلام في مكة
وأقام رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مكة يهدي الناس للإِيمان، ويُفقِّههم في الدين، مطبقاً الأحكام الشرعية بصورة تامة وكاملة لا هوادة فيها، ولا مراعاة ولا تهاون. فعندما أقدمت امرأة من قريش على السرقة، وهي مخزومية اسمها فاطمة، وثبتت عليها التهمة، كان لا بد من وجوب تطبيق الحكمِ الشرعيِّ عليها بإنزال حدِّ السرقة وهو القطع، لأنَّ القطعَ جابرٌ للسرقة، ولذلك قرَّر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قطع يدها.
ولكنَّ قريشاً كانت ما تزال حديثة عهد بالإِسلام، فأفزعها الأمرُ، وصَعُبَ عليها كثيراً أن تُقطعَ يدُ سيدةٍ من نسائها، فجاء نفرٌ من أشرافها إلى أسامة بن زيد، يتوسّطون لديه حتى يستشفع بها عند رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لعلمهم بحبِّ الرسول له، وذهب أسامة يفاتحه بالأمر. فغضب (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقال له: «أتشفع في حدٍّ من حُدود الله؟».
واستدرك أسامة خطأه، فقال: «أستغفر الله يا رسولَ الله»!...
فلما كانت صلاةُ العشيِّ قام رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الناس خطيباً، فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «ما بالُ أقوامٍ يشفعون في حدّ من حُدود الله. فإنما أهلكَ مَن كان قبلكم أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه. فوالذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».
هذا هو التطبيق الأمثل لمن أراد أن يقيم مجتمعاً صحيحاً تسوده العدالة والمساواة. وما هلاك الشعوب من جراء ما يستشري فيها من فوضى، وما ينزل بها من جور وفساد وظلم، إلاَّ بالابتعاد عن العدالة والمساواة اللتين يُقضى عليهما بتضييع حدود الله، أو بعدم الاهتداء إلى هذه الحدود وجعلها الأسس للبناء العام[*]. فالرأسمالية أو الشيوعية أو الاشتراكية وما انبثق عنها من نظريات ومبادئ، وما أنشأت من أنظمة أو سنَّت من قوانين لمعالجة أمراض مجتمعاتها تبقى مجرد جهود وضعية من البشر تلاقي القبول والإِيجاب بصورة متفاوتة ومؤقتة، ولكن من غير الإِجماع على جدواها. بدليل أن الشيوعية سقطت بعد خمسين عاماً سقوطاً كاملاً، وأن الرأسمالية ما يزال يتعاظم فشلها في تطبيق العدالة الاجتماعية وحفظ حقوق الإنسان، كما نشاهده في جميع المجتمعات الرأسمالية.. ويبقى شرعُ الله (تعالى) وحده، بما يتضمَّن من أحكامٍ سنَّها اللَّهُ العليُّ العظيم، هو الشرعَ القادرَ على أن يحقّق القواعد السليمة والثابتة لإصلاح شؤون الحياة بكل جوانبها..
وبرحمةٍ من الله العزيز الحكيم، ورأفةٍ من محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لم يكن فتح مكة، فتحاً لبلد عدوٍّ، بل كان في صميمه فتحاً من الله (تعالى) لقلوبٍ مُغْلَقَةٍ، ولجماً لعَنان نفوسٍ مستكبرة.. فإذا بالغالبية الساحقة من أهل مكة نفوسها تفيض بالقناعة والرضى، وتدين بالطاعة والولاء للدين القيّم. ثم راحت تنضوي تحت لواء رسول عزيز هو منها ولها، طائعة مستسلمة، وتدخل في دين الله مختارة مطمئنة. وصدق الله العظيم حيث يقول: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *} [فُصّلَت: 34].
ولقد فتحت مكة أبوابها، كما فتح أهلُها قلوبهم، فإذا كلمة الله هي العليا، ودينه صاحب السلطان الأوحد، وإذا كل المقاليد ملقاة بين يدي رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .. فلا شِرْكَ بعد اليوم، ولا صدَّ عن بيت الله الحرام. وكان ذلك هو النصر المؤيد من الله تعالى، والفتح المبين... ودانت مكة لدولة الإِسلام، ولم يبقَ في شبه الجزيرة إلاَّ بعض الجيوب الداخلية في حنين والطائف، فلا بدَّ من التوجُّه إلى تلك النواحي...
حادثة بني جذيمة
انقضى شهر رمضان ورسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما زال مقيماً في مكة، يُفْطِرُ ويَقْصُرُ في الصلاة، فيصلِّي الأربع ركعتين فقط، لأنه يعتبر نفسه لا يزال على سفر، إذ لم يكن ينوي الإِقامة. كما أنه لم يعتبر نفسه مقيماً في مكة، إذ لم يعد له دارٌ فيها. فلمّا كان شهر شوال من تلك السنة (الثامنة للهجرة) بعث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى مختلف النواحي حول مكة ببعض السرايا لدعوة الناس إلى دين الله عزَّ وجلَّ، ولكن دونما قتالٍ، إذ لا قتال - بعد اليوم - في مكة وما حولها من القرى والبوادي.
وخرج خالد بن الوليد في سريةٍ من ثلاثمئةٍ وخمسين مقاتلاً بينهم رجالٌ من المهاجرين والأنصار، ومن قبائل العرب، أمثال بني سليم بن منصور، ومدلج بن قرّة.. وسار بأسفل تهامة ليكون داعياً كما أمره رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى بلغ منازل بني جذيمة، الذين كانوا قد أسلموا، وصدَّقوا النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأقاموا مسجداً لهم يؤذنون فيه ويصلون.. وعلى الرغم من هذا الواقع ومعرفة خالد بإسلامهم، فقد طلب إليهم أن يسلِّموه السلاح الذي كان معهم، وكانوا قد شهروه عندما رأوا السرية مقبلة عليهم فظنوا أنها قبيلة معادية جاءت تغيرُ عليهم. ولكن خالد بن الوليد لم يأخذ بالحساب ما أبدوه له من عذر على شهر السلاح، بل أمرهم بوضعه جانباً فامتثلوا..
وكان في بني جذيمة رجل اسمه جَحْدم، يعرف خالداً ويعلم طباعه، فأشار على بني قومه ألاَّ يضعوا أسلحتهم، قائلاً:
ـ ويلكم يا بني جذيمة! إنه خالد بن الوليد! واللَّهِ ما بعد وضْع السلاحِ إلاَّ الإسار، وما بعد الإسار إلاَّ ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحي أبداً[*].
وأنكر قومُهُ عليه ما يُبدي، فقالوا له:
ـ يا جحدم! أتريد أن تسفك دمنا؟ إنَّ الناس قد أسلموا ووضعوا السلاح، وانتهى القتالُ، وأمِنَ الناس..
وهكذا نزع خالد السلاح من بني جذيمة. ونام الجميع حتى كان السحَر، فقام يأمر أصحابه أن يكتِّفوا القوم، وأن يقتلوهم وهم مكتَّفون بالحبال والسلاسل!..
وأطاع رجالٌ من بني سُلَيْم أمر خالد، فقتلوا أسراهم، بينما أبى المهاجرون والأنصار ذلك فأرسلوا أسراهم[*]. ووقف عبد الله بن عمر[*]، وعبد الرحمن بن عوف مستنكَرين على خالد فعله، فقال له عبد الرحمن:
ـ يا خالد! لقد عمِلتَ بأمرِ الجاهلية في الإِسلام.
فقال خالد: إنما ثأرتُ بأبيك.
فقال له عبد الرحمن: بل كذبتَ، فقد قتلتُ قاتلَ أبي، ولكنك ثأرتَ بعمِّكَ الفاكه بنِ المغيرة.
ورفض المهاجرون والأنصار قتل أحد من بني جذيمة امتثالاً لأوامر النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي سيَّرهم دعاةً لا مقاتلين، وإعمالاً للقاعدة التي تمنع قتل الأسرى، فكيف إذا أعلنوا أنهم دخلوا في الإِسلام، وأنهم لم يعودوا من الأعداء، ولم يريدوا قتالاً؟! بل وكيف إذا جاء دعاة مسلمون ورأوا مسجداً لقوم يقيمون فيه الصلاة، فهل يجوز إلاَّ أن يعاملوهم كمسلمين إخوة لهم؟!...
أما سبب هذه النزعة الجاهلية التي برزت عند خالد بن الوليد، فعود إلى الماضي يوم أن عادَ بعض تجار مكة من اليمن، وكان بينهم عمه الفاكه بن المغيرة المخزومي، وعوف بن عبد عوف من بني زهرة وبرفقته ابنه عبد الرحمن بن عوف. لقد عادَ أولئك التجار وهم يحملون مالاً لرجل من بني جذيمة كان قد هلك باليمن، ومرادهم أن يؤدّوه لأهله، إلاَّ أنَّ خالد بن هشام - من بني جذيمة - لقيهم وقاتلهم بمن كان معه من قومه على ذلك المال، فقُتل يومها الفاكه بن المغيرة وعوف بن عبد عوف.. ولقد أمكن لعبد الرحمن بن عوف أن يقتل ذاك الرجل المعتدي خالد بن هشام. وسُوِّيت القضية بعد أن همَّت قريش أن تغزوَ جذيمة، فجاءها نفرٌ من هؤلاء القوم قائلين:
«ما كان مصابُ أصحابكم عن مَلأٍ منَّا، إنَّما عدا عليهم قوم بجهالة فأصابوهم ولم نعلم، فنحن نعقل لكم ما كان لكم قِبَلَنَا من دم أو مال».
وقبلت قريش ذلك ووضعوا الحرب.
ويبدو أن نزعة الثأر من بني جذيمة، لم تذهب من نفس خالد بن الوليد، على الرغم من دخوله في الإِسلام، وبلائه بلاءً حسناً في موقعة مؤتة. فلمَّا أن حانت له الفرصة ولقيَ هؤلاء القوم، أمَرَ بأسرهم وقتلهم، مخالفاً بذلك أحكام دينه، وأوامرَ نبيّه الذي لم يبعثه مقاتلاً، وإنما داعياً إلى الله ورسوله.. ولذلك ما إن بلغ نبيَّ الرحمة ما فعله خالدٌ حتى رفع يديه إلى السماء متبرئاً من فعلته، وقال: «اللَّهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد»[*].
بل وعلم الرسول بالمواجهة الكلامية بين خالد وبين المهاجرين والأنصار، وأن عبد اللّه بن عمر، وعبد الرحمن بن عوف وسالماً مولى بني حذيفة قد أنكروا عليه تلك النزعة الجاهلية. فقال رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «مهلاً يا خالد! دع عنك أصحابي، فوالله لو كان لك أُحُدٌ ذهباً ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غَدْوةَ رجلٍ من أصحابي ولا روحتَهُ»[*].
ورأى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن خير وسيلة لتدارك مساوئ ذلك الحادث المؤلم، ومداواةِ قلوبِ أولئك الناس المظلومين من بني جذيمة أن يبعث إليهم من يؤمّنهم ويؤدي لهم الدّيات، فدعا إليه عليَّ بن أبي طالب كرم الله وجهه وقال له:
»يا عليّ، أُخرجْ إلى هؤلاء القوم، فانظرْ في أمرهم، واجعلْ أمر الجاهلية تحت قدمَيك»[*].
وخرج عليٌّ كرّم الله وجهه حتى جاءهم ومعه المال الذي بعثه به رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فودَّى لهم الدماء وما أصيب من الأموال، حتى لم يبقَ شيء من دم أو مال إلاَّ ودّاه. وبقي معه بعض المال فقال لهم: «هل بقي لكم بقية من دم أو مال لم يُوْدَ لكم؟».
قالوا: لا.
قال: «فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطاً لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مما لا يعلم، ولا تعلمون».
ثم رجع عليٌّ إلى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يخبره بما فعل. فقال له الرسول: «أصبت وأحسنت يا عليّ».
ثم قام (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فاستقبل القبلة، متوجهاً إليها بكلِّ قلبه، باسطاً يديه إلى السماء، حتى ليُرى بياض ما تحت إبْطيه، وراح يدعوه سبحانه ويقول: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد». وردَّدَ هذا الدعاء ثلاث مرات[*] حتى يرتاح قلبه مما لازمَهُ من أسىً، وما ملأه من حزن، إذ روّعه ما فعلَهُ خالدٌ، فبدل أن يدعو إلى دين الله تعالى كما بعثه، ذهب يقتل أبرياء لا ذنب لهم فيما وقع من أحداث ماضية، إلاَّ ما فرضته عليهم وعلى سائر أبناء جزيرة العرب، تلك الجاهلية العمياء من عادات بالية - ولاسيما الثأر - فراح الأبناءُ يتوارثونها عن الآباء، بلا وعي لنتائجها العقيمة، أو محاولة لتغييرها بأنماط جديدة من الحياة.. حتى كان الإسلام الذي دعا إلى محاربتها والقضاء عليها..
كانت المدة، التي قضاها رسولُ الله والمؤمنون في مكة، بعد الفتح المبين، قليلةً في أيامها، ولكنَّها مليئةٌ بأحداثها المتلاحقة، رحيبةٌ بأجوائها العابقة بالإِيمان.. فهذا البيت الحرام، وقد عادت له طهارته كاملةً من الأصنام والرجس، يرتفع فوق ظهره الأذانُ بإعلان الشهادتين والدعوة إلى الصلاة، ويؤمُّ رحابَهُ المؤمنون يؤدون الفريضة وراء رسول اللّه، ثم يلتفون حوله مهتدين إلى نور الحق، الذي أضاءَ شعلته هذا الرسول الكريم، ليبقى السناءَ المشع إلى آخر الدهور..
وكان حريّاً بالناس، وهم يعيشون في ظلال رحمة الله (تعالى) التي فُتحت أبوابها لهم، وهم يدخلون في الإسلام، أن ينزعوا ما في قلوبهم من غلٍّ سابق، وأن يتحوّلوا في أفكارهم ومشاعرهم نحو الدعوة الإسلامية ورسولها.. وبالفعل فقد حصل كثير من التحول في حياة أهل مكة، وخاصة بعد الذي رأوه، وعايشوه وعاينوه من محمد رسول اللّه، وكان له أكبر الأَثر في جعلهم يتخلّون عن عقيدة الشرك راضين، ويُقبلون على الإِسلام مطمئنين وقد ظهر ذلك جلياً عندما ذهبت السرايا لتحطيم الأصنام، وإزالة معالم الشرك في مختلف النواحي حول مكة، وعادت كلها ظافرة دون أن تلقى مقاومةً قطُّ، مما جعل داخل مكة يلتقي مع البقاع المجاورة على الإِيمان يسري في نفوس الناس وكياناتهم.. إلاَّ أولئك المؤلفة قلوبهم الذين دخلوا الإِسلام إمّا رغبة أو رهبة، فإنهم كانوا غيرَ مخلصين له بكلّيتهم، ولكنهم مع ذلك ارتضَوا بالواقع الجديد، على الرغم ممّا يحمل من تحوّل في العادات والتقاليد، وتبدُّل في الأوضاع والأحوال، وتغيُّرٍ في المفاهيم والأفكار..
على أنه مهما بدا من إقبال الناس على الإِسلام، أو مهما ظلّ في بعض النفوس من ضغائن دفينة، فإنَّ سلطان الإِسلام قد حلَّ، ومعه السلام والأمان لقريش وغيرها من قبائل العرب، إلاَّ بعضاً من تلك القبائل التي ظلت تتوهّم في نفسها قوة، تقدر من خلالها على محاربة المسلمين، وصدّ هذا الركب - السائر في شبه جزيرة العرب - عن الوصول إلى ديارها.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB