خَاتَمُ النَّبييِّن مُحَمَّد (ص) (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1568
تاريخ النشر :   2006




البحث الثاني: إنطلاقُ الدّعوَة خارج جزيرة العَرب

وانقضت بضعة شهور بعد معاهدة الحديبية وغزوة خيبر، يُمناً وبركة على الدعوة الإِسلامية، لما حفلت به من الأعمال المثمرة. فبعد أن أمِنَ الرسول (صلواتُ الله عليه وآله) من مقاتلة قريش وغدر اليهود، انصرف لتقوية البناء الداخلي أكثر من ذي قبل، لأن الأوضاع الاجتماعية قد تحسنت، والأحكام التشريعية تتنزَّلُ من رب العالمين، ولا بدَّ من تطبيقها على أرض الواقع لتكون أحكاماً ثابتةً للمسلمين على مدى الزمان..
ولم تمرَّ تلك المدة بلا مناوشاتٍ يقوم بها بعض قبائل الأعراب طمعاً في الغنيمة والسلب من القوافل التي تجوب أنحاء الجزيرة... فيأتيها التأديب السريع من المسلمين أنفسهم، وإبعادها، ليس عن طريق القوافل فقط، بل وأحياناً عن أرض الجزيرة التي أصبح النفوذ الإسلامي فيها يسودُ سائر القوى ويهيمن عليها.. والخسارة الوحيدة للمسلمين في تلك الفترة كانت باستشهاد بعض المؤمنين، الذين كانوا يخرجون في السرايا، وهو أمر طبيعي، لأنه ما من قتالٍ أو حرب أو احتكاكٍ مسلّحٍ يحدث، إلاَّ ويؤدي إلى إزهاق النفوس البشرية. وفيما عدا ذلك ظلت الدعوة الإِسلامية طوال السنة السابعة للهجرة، تسير من حسنٍ إلى أحسن، ومن توسعٍ إلى توسُّع، وهي تكرس هيبة الدين في النفوس، وتوطّد دعائم الإِيمان في القلوب، حتى دار الحول على عهد الحديبية، وحان الموعد لخروج المسلمين إلى بيت الله الحرام، كما قضى به ذلك العهد.
عمرة القضاء
وهكذا وما إن أهلَّ شهر ذي القعدة من السنة السابعة حتى أعلن رسولُ الله الاستعدادَ للخروج إلى العمرة على أن لا يتخلف عنها أحدٌ ممَّن شهد الحديبية..
وكان لهذا الإِعلان أثره الكبير في القلوب المؤمنة التي اشتاقت لرؤية البيت العتيق، فاندفع أصحاب الحديبية يتهيأون للخروج الميمون، ومعهم جمعٌ كبير من المسلمين غيرهم، حتى بلغ العدد حوالى الألفين من الرجال، عدا النساء والصبيان[*].
وحان اليوم الموعود فاستخلف رسول اللّه على المدينة أبا ذر الغفاري (رضي اللّه عنه)[*]، وأحرم للعمرة من على باب المسجد[*]، ثم خرج في تلك الجموع على هدى الله تعالى وبركاته..
وسار ذلك الركب الإِسلامي يتدفق على الطرقات بأعداده الغفيرة، ويملأ الأجواء بتلبياته ونداءاته. فلا ترى في صفوفه إلاَّ معتمرين ينشرون في الدروب البِرَّ والسلام، ويشيع من نفوسهم العزم والإيمان، يتقلدون السيوف ويحملون الدروع والرماح، لا تنكّراً لعهد الحديبية - وهو يقضي بألاَّ يحملوا معهم إلاَّ السيوف في أغمادها - ولكن حذر غدر قريش ولؤمها، لأن تجارب الماضي تشهد أنَّ زعماءها لا يتورعون - في معظمهم - عن ارتكاب الذميمة، وافتعال الشر إذا وجدوا الظروف المؤاتية، والأوضاع المساعدة لذلك.
وكانوا يسوقون معهم من الهدي ستين بدنة، ويقودون من الخيول مئة، لا ليوجفوا بها على أحدٍ من الناس، ولكن تحسباً من هجومٍ مباغت من عدو حاقد وإعلاناً عن هيبة الدعوة وعلوّ شأوها، حتى ولو كانت وجهةُ الركب زيارةَ بيت الله الحرام، طالما أنه ليس لدى أصحابه أية نية لقتال أو حرب. وقد قدَّم رسول اللّه، وهم في الطريق، قائد السلاح بشير بن سعد، وقائد الخيالة محمد بن مسلمة، مع كتيبة من الفرسان لتكون طليعة للمسلمين، على ألاَّ يتخطَّوا حرم مكة، وأن ينحدروا إذا هم بلغوا مرَّ الظهران إلى وادٍ قريب منها. ومضت خيول المسلمين على أمر قائد الركب، وما إن تقدموا بعيداً حتى التقوا نفراً من قريش أربكهم الفزع، ولكنَّ المسلمين طمأنوهم قائلين: «لا تخافوا، ولا تجزعوا فهذا رسول اللّه صلَّى الله عليه وآله وسلم يصبّح هذا المنزل غداً إن شاءَ الله تعالى».
وعاد ذلك النفر من قريش، يخبر القوم بأن المسلمين قادمون عليهم بالخيول والسلاح. فأخذتهم المباغتة والخوف، وقالوا: «والله ما أحدثنا حدثاً! وإنا لعلى كتابتنا ومعاهدتنا، ففيم يغزونا «محمد» وأصحابه؟». ثم أسرعت قريش، فأوفدت مكرز بن حفص في عدد من رجالها كي يسترحموا «محمداً»، ويذكّروه بعهد الحديبية، وما ينص عليه من عدم القتال. فقدموا إليه قائلين: يا محمد! ما عُرِفْتَ صغيراً ولا كبيراً بالغدر. وقد شرطنا عليك ألاَّ تدخلها علينا «إلاَّ بسلاح المسافر: السيوف في القرب؟»[*]. فتبسَّمَ رسولُ الله وطمأنهم، بلهجة الصادق الواثق، أنه لن يدخل عليهم إلاَّ بالسيوف، بينما يضع السلاح الآخر خارج مكة. فقال له عندئذٍ مكرز بن حفص: «وهذا الذي تُعرف به من البر والوفاء». ثم عادَ ليقول لبني قومه: يا معشر قريش! إن محمداً على الشرط الذي شرط لكم.. فلا تخافوا، ولا تجزعوا، فما محمدٌ بالذي ينقض عهوده، ولا بالذي يخون أمانته. إنه جاء معتمراً، وهذا من حقه، فعليكم أن تفوا أنتم بعهدكم وتفسحوا له في الطريق، بلا مضايقات، ولا خبث أو مكيدة!.
وإذا كان صلح الحديبية قد شرط على قريش أن تجلوَ عن مكة عند دخول «محمد» وأصحابه إلى الكعبة، فإنّه كان في نفوسهم من الضغينة والحقد ما هو أقوى من شروط المعاهدة، وبنود المواثيق. فقد أبت مشاعر الكراهية على زعمائهم إلاَّ أنْ يحملوا معهم أهلهم، ويصعدوا إلى التلال المجاورة، وهم يرددون: «لا ننظر إليه ولا إلى أصحابه».. ولو أنّ معشر قريش جرَّبوا عدم الخروج من مكة، لوجدوا أن نبيَّ الإِسلام كان يؤْثر لقاءهم، والاجتماع إليهم بعيداً عن كل مساومة أو شروطٍ سابقة، لأن في ذلك ما يؤلف القلوب، ويبعد التنافر..
ودخل رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الثنيّةِ التي تطلعه على الحجون.. وكانت الشاثعات قد سرت في مكة بأن المسلمين قد أصابتهم الحمّى، وأنهم في عسر وشدّةٍ من جراء المرض، فرأى أهل الشماتة أن يصطفّوا لهم عند دار الندوة، ليروا من ضعفهم وهزالهم ما يسرّهم. ولكنهم وجدوهم على خلاف ذلك تماماً، إذ كانت وجوه المسلمين تطفح بالبشرْ، وأجسادهم تمتلىء بالصحة والعافية. ويزيد في رونقهم التفافُهم حول نبيّهم وهو يعتلي ناقته «القصواء»، وهم لا يتوشحون إلاَّ بالسيوف، ولا يتنقلون إلاَّ بالتوثب، ولا يغريهم شيء في هذه الدنيا - كما يظهر عليهم - إلاَّ محبة هذا النبيِّ الكريم، وبلوغ بيت الله الحرام.. وكان موكب المسلمين يسير متهادياً في أرجاء مكة، والأصوات تصدَحُ بالتلبية لله العلي القدير، الذي منَّ عليهم بهذه العمرة: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبَّيك، لبيك لا شريكَ لكَ لبيك، إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لَكَ والملكَ، لا شريكَ لَكْ».. فتأخذ نشوة الفرح عبد اللّه بن رواحة وهو آخذ بزمام ناقة النبيِّ، فيندفع راجزاً وهو يقول:
خَلُّوا بني الكُفَّارِ عن سَبيلِهْ
خَلُّوا فإنَّ الخير مع رسولِهْ
قد أنزل الرَّحمـنُ في تَنْزيلِهْ
بأنَّ خيرَ القتلِ في سبيلِهْ
اليوم نضربكم على تأويلهْ
كما ضربناكم على تنزيله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله
ويُذهلُ الخليلَ عن خليله[*]
يا ربِّ إنّي مؤمِنٌ بقيلِهْ
إنّي رأيتُ الحقَّ في قبولِهْ
ويجد الرسول في إنشاد عبد اللّه[*] ما ينمُّ عن صيحة حرب، فيأمره قائلاً : مهلاً يا ابن رواحة، وقل: «لا إلهَ إلا الله وحده، أنجزَ وعده، ونصَرَ عبدَه، وأعزَّ جُندَه، وهَزَمَ الأحزابَ وحدَه».
فنادى بها ابن رواحة بأعلى صوته، وردَّدها المسلمون من بعده بقوة وحماسة، فتجاوبت مع أصدائها جنبات مكة كلها، وارتفعت رهبتها إلى قلوب الحانقين، الذين أبوا إلاَّ أنْ يفارقوا بيوتهم لئلا ينظروا ويسمعوا، فيأبى الله سبحانه إلاَّ أن يُسمعهم ما يشاء، وأن يريهم ما يريد، رغماً عنهم، وخلافاً لإِرادتهم.
قيام المسلمين بفريضة العمرة
وسار الموكبُ على روعته وبهائه حتى بلغ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المسجد، فنزل عن ناقته، والتفَّ بردائه، ثم انتقل بخطوات ثابتة وئيدة حتى لامس الركن عند الحجر الأسود، وقال: «رحم الله امرأً أراهم اليومَ من نفسه قوة»[*]. ثم لمَّا وصل إلى الركن اليماني راح يمشي بما يقرب من الهرولة، والجموع معه تسير على نفس المشية حتى قطعوا سبعة أشواطٍ في طوافهم حول الكعبة الشريفة، وقد ظهر عليهم مدى ما تحفل به نفوسهم من إيمانٍ عامرٍ، وما تزخر به أجسادهم من قوة صلبة، وهذا ما جعل رجال قريش يقولون لبعضهم البعض: «أهؤلاء الذين تزعمون أن الحمّى أضعفتهم؟ إنهم لينفرون كما تنفر الظباء!». وبذلك أدركت قريش أنها تشهد وترى بأم العين ما يكفل للمسلمين تفوقهم عليها، وما يمحو من أفئدتها كلَّ وهمٍ بوهَنِ «محمدٍ» وأصحابه.
ولما أتمَّ النبي والمسلمون الطواف حول الكعبة المباركة، انتقل بهم إلى السعي ما بين الصفا والمروة في سبعة أشواط. حتى إذا أتمّوها، وقف (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يدعو إلى نحر الهدي قائلاً: «هذا المنحر، وكل فجاج مكة منحر». ونُحِرَ الهديُ عند المروة، وشارك في النحر مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كل من شهد الحديبية مسلماً. وما كادوا ينتهون حتى حلق النبيُّ رأسه، وحلق أصحابه، متِمّين بذلك فرائض العمرة. وكان رسول اللّه عندما بلغ بطن يأجج وضع السلاح وخلَّف عليه أوس بن خولي الانصاري في مائتي رجل، فبعث من يقوم مقامهم على حراسة الخيل والسلاح، لكي يأتي أصحاب الحراسة ويتمّوا مناسك العمرة أسوةً بسائر المسلمين المعتمرين، فلا تفوت الفرصة المباركة على أحدٍ منهم.
وأقبل بعد ذلك رسول اللّه إلى الكعبة، وفي قلبه شوق للفيء في ظلالها، وفي نفسه توق للإِخلاد والسكينة في رحابها.. أوَ ليست الكعبةُ بيتَ الله الآمن، وزيارتُهُ مباحةً لكل قبائل العرب وأبنائها؟ فلِمَ تتعنَّتُ قريش إذن وتحرمُهُ وأصحابَه من دخوله؟! ولِمَ هذا الظلم والعدوان على المسلمين؟!.. وإذا أمكن لقريش ذلك فيما مضى فإنَّ الله سبحانه أبى إلاَّ أن يخذلها، وأن يدع رسولَه الكريم يعود إلى بيته الحرام معزَّزاً مكرَّماً.. وها هو ذا خاتم النبيين يدخل الكعبة على مرأى من قريش، فيدور في أرجائها، ويتلمَّس مواضع الطهر والعبادة التي كان يقضي فيها كل يوم شطراً من أوقاته. ثم يجلس مستنداً إلى ركن من أركانها، وهو يتلو قرآناً كريماً تتردّد أصداؤه في جنبات البيت الحرام آياتٍ بيّناتٍ أنزلت من عند الله تبارك وتعالى، وذلك في الرحاب المقدسة الطاهرة ذاتها، التي كان يتلو فيها إبراهيمُ وإسماعيل (عليهما السلام) آياتِ ربهما الكريمة منذ أجيال عديدة، فلا ينقطع بعد هذا اليوم - الذي يعتمر فيه محمد رسول اللّه ويتلو القرآن - ذكرُ الله - عزَّ وجلَّ - عند الكعبة أبداً ، بل يبقى قائماً ما دامت الأرض أرضاً، والسماءُ سماءً.
ولم يأبه رسول اللّه لتلك الأصنام والأوثان المنصوبة في جوف الكعبة تعلن عن أباطيل الكفر والشرك - لأن هدمها آتٍ إن شاء الله - حتى إذا حان موعد صلاة الظهر، دعا بلالاً ليصعد فوق ظهر الكعبة ويؤذّن للصلاة!
وتردَّدَ نداء الحق يملأ الآفاق: الله أكبر، الله أكبر.. أشهد أن لا إلهَ إلاَّ الله، أشهد أن محمداً رسول اللّه.. وتليه الدعوات الصالحات: حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح.. فترتجف أوصال قريش، وترتعد فرائصها لهذا الأذان يرتفع عالياً فوق ظهر الكعبة، التي تستمدُّ منها المكانةَ بين العرب، والسيادةَ بين القبائل، فتحسُّ بالقهر والذلّ، وتأبى - حتى على جوارحها - أن تسمعَ وأن ترى!.. فيضع بعضُ رجالها أصابعهم في آذانهم، ويغطي غيرُهُم وجوهَهم بأيديهم... ومثالهم الصارخ يومئذٍ سهيل بن عمرو وجماعة معه.
ثم لا تقف قريش في غلوائها ضد نداء الحق عند هذا الحد، بل يدفع الضيق والغيظ بعض أبنائها للتعبير عن مشاعرهم الحاقدة بما يخالف كل مألوف في التصرف قولاً وفعلاً، فيقول عكرمة بن أبي جهل، ذاكراً في هذا الموقف عداوة أبيه للإِسلام: «لقد أكرم الله أبا الحكم - يعني أباه، أبا جهل الجاهل الجهول ـ فلم يسمع هذا العبد - يعني بلالاً - يقول ما يقول»!.. ومثله يذكر صفوان بن أمية أباه في حقده ضد الدعوة فيقول: «الحمد الله الذي أذهب أبي قبل أن يرى ويسمعَ هذا الذي نراه ونسمعه».
ويتمثّل بهما خالد بن أسيد، فيقول: «الحمد الله الذي أمات أبي ولم يشهد هذا اليوم حتى يقوم ابن أم بلال ينهق فوق الكعبة».
لقد آذى القرشيين أن يروا المسلمين يؤذّنون ويصلُّون عند الكعبة، فجاؤوا رسول اللّه يقولون: «يا محمد! إنَّ هذا لم يكن في شرط الحديبية».. فردَّهم الرسولُ الأعظم خاسرين، وهو يعلن لهم أن صُلح الحديبية يخوِّله زيارة المسجد الحرام مع ما تحمل هذه الزيارة من حق للمسلمين في إقامة شعائر العمرة طوافاً وسعياً ونحراً وصلاةً، وأنَّ منعهم من الأذان فوق ظهر الكعبة هو النقض نفسه لمعاهدة الحديبية.. فلتكفَّ إذن قريش عن دعواتها الباطلة، وعن افتراءاتها الجوفاء، لأنها لن تجد - بعد اليوم - ما يفيد عنتَها وبغيَها!..
واحتملت قريش آلامها على مضـضٍ، فلاذت بالسكون، دون أن تجرؤ على التحرّش بالمسلمين مرة أخرى.
وكان المسلمون أثناء مكوثهم في مكة، يروحون ويجيئون آمنين، من غير أن يحاول المشركون التصدّي لهم بشيء.. على أنه لم تكن هنالك من حجّةٍ للمشاكسة.. فهؤلاء المؤمنون لا يأتون من الفعل إلاَّ ما يدل على البر والتقوى، ولا يتحدثون من القول إلاَّ بما يعبِّر عن القيم والمثل الرفيعة، وهم في ذلك كله آياتُ إخلاص لدين الله، وقناديلُ محبةٍ لرسول اللّه... وهذا ما جعل المشركين يتساءلون:
»ماذا فعل الإِسلام بهؤلاء الناس؟!»..
...لم يكن المسلمون يوم هجرتهم من مكة إلاَّ أفراداً متفرقين ضعافاً، ينزل عليهم الأذى والعذاب، ويفرون من الملاحقة والنكال.. وها هم اليوم يعودون، وقد بدّلوا الضعف قوةً، والشتات وحدةً، والظلم والاستبداد محبةً وتسامحاً.. إنهم يبدون متآلفةً قلوبُهم، موحدةً أهدافُهم. لا اختلاف بين العصبيات، ولا أحقاد بين القبائل.. لا يغرّهم تفاخر ولا يوزعهم تدابرٌ، بل تلفّهم أُلفةٌ ومحبة، وهم على نهج واحد، ومسيرة واحدة..
نعم هذا ما فعله الإِسلام بهؤلاء الناس. وهذا ما سعى إليه محمد بن عبد اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وجهد من أجله، حتى جمع الناس في هذه الوحدة المتماسكة التي جعل قوامها التعاطف والتساند، وأساسها التحرر من الوثنية، والعبودية لله الواحد الأحد.
...ذلك ما ظهر لأهل مكة جلياً واضحاً، فقال بعضٌ: إنه والله لَدِينُ حق، وإنه لنبيٌّ كريم.. أما سادة قريش فقد أخافتهم مشاعر الناس، وأوجفتهم أحاديثهم، فقالوا: لئن بقي «محمد» وأصحابه في ديارنا لَيَفتنوننا عن ديننا فلن يبقى أحد في مكة إلاَّ وتَبعَ هذا الدين.. فالخير في رحيله عنّا قبل أن يطغى علينا المدُّ وتفرقنا أمواجه الدافقة!.. ولذا، ما كادت الأيام الثلاثة تنقضي حتى أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى في نفر من القوم، فقالوا له: قد انقضى أجلك فاخرج عنا.. فقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعنا لكم طعاماً فحضرتموه؟[*].
وكان يريد بذلك زواجه من السيدة ميمونة..
زواج النبي (ص) من ميمونة بنت الحارث[*]
وأما السبب في هذا الزواج فهو أن إقامة المسلمين، وعلى رأسهم رسول اللّه، في مكة خلال تلك الأيام القليلة، كان لها آثارها البالغة في النفوس كما يعبّر عنه إقدام إحدى السيدات الفاضلات على إظهار إسلامها، التي حرمت منه في ظل التعسف القرشي، وهي السيدة برة بنت الحارث بن حَزْنٍ الهلالية (أبوها أحد أشراف مكة، وأمها هند بنت عوف) التي اشتهرت في مكة بالفضل والنسب الرفيع.
لقد كانت برة إحدى أخواتٍ أربع، إحداهنَّ أم الفضل، لبابةُ بنت الحارث الهلالية، زوج العباس بن عبد المطلب، التي كانت ثانية امرأة آمنت بالرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد خديجة الطاهرة (عليها السلام)[*].
وفي بيت أمّ الفضل،هذه الأخت المؤمنة الشجاعة، عاشت برّة إثر فراقها عن زوجها مسعود بن عمر، بعدما استحكم الخلاف بينهما على الإِسلام، إذ كانت تريد أن تعتنق هذا الدين ولكن زوجها، ركبَ الضلالة والغيَّ، وأبى عليها - وعلى نفسه - الهدى، حتى انتهى بهما الأمر إلى النزاع والافتراق، فذهبت تعيش عند أختها. فلمَّا كانت عمرة القضاء لم تتورع تلك الصادقة عن الإفضاء لأختها بسرّها وأغلى أمنية لها في هذه الحياة، وهي أن تكون زوجة لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . ولم تتردد أم الفضل بإخبار زوجها العباس، والطلب إليه أن يحدِّثَ الرسولَ الكريم بالأمر. وكان ذلك مدعاةَ سرور للرسول من امرأة فاضلة كريمة. فدعا إليه ابن عمه جعفر بن أبي طالب (لأنه زوج أخت السيدة برة من أمها، أسماء بنت عميس الخثعمية) وبعثه فخطبها له. ثم تولى عمه العباس بعد ذلك أمر تزويجها، ودفع صداقها أربعمئة درهم، وقد أرادَ النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنْ يُعرسَ في مكة، بعد انقضاء الأيام الثلاثة المتفق عليها في عهد الحديبية، علَّه يقنع القرشيين بتمديد الإِقامة بعد تلك الأيام، بغرض تأليف القلوب، وزيادة عُرى التواصل، وانتزاع بعض كوامن الحقد من نفوس هؤلاء القوم.. أجل، لهذا الغرض تمنَّى النبيُّ على مبعوثَيْ قريشٍ إليه، أن يُعرِس بين أظهرهم، ويدعوهم إلى وليمة العرس..
ولكنَّ الرفض القرشي كان قاطعاً، خوفاً من أن تفتح مكةُ أبوابها طائعة لـ«محمد»، فيفوز بقلوب أهلها، ويزيل ما بينه وبينهم من حواجزَ جهدت قريش في إقامتها طوال تسع عشرةَ سنةً، حتى تبعدَ الناس عنه، وتمنعَهم من الوصول إليه. ولذلك كان الردُّ عليه: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا. نناشدك الله والعهدَ لما خرجت من أرضنا فهذه الثلاث قد مضت[*].
وأثارت هذه الغلظة التي أبداها سهيل بن عمرو وجماعتُه حفيظةَ سعد بن عبادة - سيد الأنصار - فقام ـ غاضباً - إلى سهيل يصرخ في وجهه: «كذبت لا أمَّ لك، ليست بأرضك ولا أرض آبائك[*]، والله لا يبرح منها إلاَّ طائعاً راضياً». فابتسم رسول اللّه وقال له:
«يا سعد!. لا تؤذِ قوماً زارونا في رحالنا»..
وقد كان في قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حسمٌ للموقف، وإعلانٌ منه للرحيل عن مكة، موفياً بذلك ذمته لما عاهد به قريشاً، ومثله من يفي بالذمم والعهود. وبذلك أذّن مؤذن رسول اللّه - مولاه أبو رافع - بالخروج من مكة، ثُّمَّ خلَّفُه وراءه ليلحق به في صحبة زوجه برة بنت الحارث. وكان رسول اللّه قد أمر بألاَّ تترك ابنة عمه، عمارة بنت حمزة - سيد الشهداء - في مكة، فطلب إلى عليٍّ ( (عليه السلام) ) أن يحملها في ركبه، فسلَّمها كرّم الله وجهه إلى زوجه فاطمة الزهراء (عليها السلام) وهو يقول: «دونك ابنةَ عمك لحمايتها، فإنّا والله لا نترك ابنة عمٍّ لنا يتيمة بين ظهرانيِ المشركين».. وكذلك أخرج رسولَ الله سلمى بنت عميس زوج حمزة (رحمه الله)، كي لا تظل في مكة وحيدة بعدما حبسها وابنتَها، جورُ قريشٍ عن اللحاق بزوجها حمزة عندما هاجر من مكة.
وكانت السيدة برة قد أكملت تجهيزها، فأدرك أبو رافع الركب في محلة سرف، وهنالك أعرس النبيُّ بزوجه، وأبدل اسمها من برة إلى «ميمونة»، لأنه رأى في زواجه منها مناسبة ميمونة عليه وعلى المسلمين، إذ أمكنهم الله تعالى بهذه المناسبة من دخول مكة، وزيارة المسجد الحرام بعد حرمان دام سبع سنين، بسبب تعنُّتِ قريش وصلافتها.. ومنذ ذلك الحين أغفل الناس اسم برة لينادوا أم المؤمنين باسمها الجديد «ميمونة». أما هي فقد فرحت كثيراً بذلك لأنها رأت فيه يمناً وبركة يضيفهما النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليها..
ولم يكن مجيء عمارة بنت حمزة (رضي اللّه عنه) حادثاً عابراً بالنسبة إلى بعض الصحابة الأبرار. فقد أراد زيد بن حارثة أن يحتضنها ويرعاها لأنها ابنة أخيه في الإسلام، إذ كان الرسول قد آخى بينه وبين حمزة وقت المؤاخاة بين المسلمين، فهو أحق بأن يكون وصيّاً على ابنة أخيه وأولى الناس بها.. وأرادَ جعفر بن أبي طالب ذلك أيضاً لأن عمارة هي ابنة عمه، ومقامها مع زوجه أسماء بنت عميس آنس لها لأنّها خالتها، فذلك أَحنى عليها، وأقرب إلى القيام على رعايتها.
أما علي كرّم الله وجهه فقد كان يأبى أن يتخلى عنها لأحدهما، لشدة حرصه عليها ووفاءً لعمه حمزة (رحمه الله)، وهذا ما جعل هؤلاء الصحابة يحتكمون إلى الرسول في أمر عمارة بنت حمزة، فكان حكمه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن قال لعليٍّ: أنتَ مني وأنا منك، وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي، وقال لزيد: أنت أخونا ومولى الله ورسوله [*] وخالتها أولى بحضانتها، لأن المرأة لا تنكح على خالتها ولا عمتها.. وبذلك قضى رسول اللّه بأن تكون عمارة في ولاية جعفر زوج خالتها، مؤْثراً واجب الحكم الشرعي على العواطف والأحاسيس، لأنه لو أرادَ أن يكون للمشاعر المكان الأول لكان هو (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أولى الناس بها وباحتضانها، إذ كانت عمارة ابنة عمه وأخيه حمزة في الرضاعة، كما أفصح (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن ذلك للصحابة: «وهي ابنة أخي من الرضاعة». هذا فضلاً عن حبه لعمِّهِ حمزة الذي وقف إلى جانبه في الشدة، وجاهد معه في سبيل الله - عز وجل - حقَّ جهاده حتى استشهد في أُحُد، ولقَّبته الملائكة بـ «سيد الشهداء»..
على أنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد أحاط «عمارة» بالرعاية والحنان منذ أن جيءَ بها إلى المدينة، فلما بلغت سن الزواج، اختار لها من يليق بها، ويحفظ كرامتها ويحبها، فزوّجها من سلمة بن أبي سلمة كي يطمئن إلى مصيرها ومستقبلها، نظراً لما كان يتمتَّع به سلمة من خلق رفيع اكتسبَهُ في رعاية النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومن إيمان صادق عايشَ كيانَهُ منذ نعومة أظفاره وجعله وفياً على العهد للَّهِ ورسولِهِ طوال حياته..
ومثل هذا الاهتمام من رسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في شؤون الأفراد، لم يكن ليحول دون اهتمامه بشؤون القبائل لكي يجعلها تقبل على الإسلام، وتنهل من معين التربية الإِسلامية التي تتعمق جذورها في النفوس: تعاليم هداية، ومصابيح نور، تشعُّ على الناس حيثما كان المسلمون وأينما وجدوا.
إقبال وجهاء من قريش على الإسلام
وتلك التعاليم، وإشعاعات ذلك النور، هي ما بهرت أهل مكة في عمرة القضاء.. وإذا كانت هذه العمرة قد سمِّيت عمرة القصاص[*]، لأنها كانت نوعاً من القصاص للمشركين بدخول المسلمين إلى مكة، وزيارة الكعبة الشريفة، رغماً عن أنوف الذين وقفوا في وجههم قبل عام، وصدُّوهم عن زيارة المسجد الحرام.. إلاَّ أنها تبقى في جوهرها تحلّق في نورها القدسي وهي تعكس على أهل مكة سيرة الإِسلام، وسيرة أهله الذين يؤدون إلى الله (تعالى) كل يوم الصلوات، ولا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُوْنَ مَا يُؤْمَرُونَ. فكان أنْ مالت نفوس كثير من المكيين إلى الإِسلام وأدركت عقولهم أنه الدِّين الحق، وأن نبيَّه صادق مصدَّق. فأقبل بعضهم على هذا الدين، وكان من بين الذين هفت نفوسهم إلى الإِسلام، ثلاثةٌ من وجهاء قريش، هم: خالد بن الوليد بطل المشركين في «أحد»، وعمرو بن العاص مبعوث قريش إلى النجاشي ملك الحبشة، لإغرائه بتسليم المسلمين المهاجرين، وعثمان بن طلحة الموكلة إليه مفاتيح الكعبة المكرمة، بيت العرب المقدس، ومكان حجهم وأمنهم.
هؤلاء الرجال التقوا في صفر من سنة ثمان للهجرة في محلة تدعى «الهدة» ليسيروا معاً إلى المدينة، ويدخلوا في الإِسلام.
أما خالد بن الوليد فقد كان من فرسان قريش الذين شهدوا المواطن كلها على الرسول، وعلى المسلمين. فلما أراد الله تعالى له الخير جلَسَ يتفكَّر بعداوته للنّبي وأتباعه، وما آلت إليه الأحوال، وخاصة من بعد عهد الحديبية، وهو يقول:
أي شيء بقي؟ أأذهب إلى النجاشي أم إلى هرقل؟ أم أترك ديني إلى يهودية أو نصرانية؟ أفأقيم في غربة، أم أقيم في داري؟
وزاد في حيرته وحسرته على نفسه ما حلَّ بالأحزاب عندما جاءت تغزو المدينة، وكيف شتت الله (تعالى) جموع القبائل بالريح العاتية، فكتمها - يومئذ - خالدٌ في نفسه.. ولكنها كانت من العبر التي غيرت كثيراً من آرائه عن الدين الجديد، الذي لولا بركاته لما كانت لتحلَّ بالأعراب، وبقريش بالذات، تلك الهزائم والخسائر المتلاحقة.. ولكنه مع ذلك، لم تطاوعه نفسه على البقاء في مكة عندما دخلها المسلمون في عمرة القضاء، فغاب حتى لا يشهد حضورهم. وتفقَّدهُ في تلك الأثناء أخوه الوليد بن الوليد، الذي كان قد أسلم، وصار من الصحابة، فلم يجده، فبعث إليه بكتاب يخبره فيه أن رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد سأل عنه، وأنه يعجب من أمره، وذهاب رأيه وعقله عن الإسلام، وإصراره على الشرك، ثم يدعوه فيه إلى الإسلام. فلما قرأ خالد كتاب أخيه زادت ملامته لنفسه. ورأى في المنام كأنه يهيم في بلادٍ ضيّقةٍ جدبة، ثم خرج إلى بلادٍ واسعةٍ خضراء. فسرَّه ذلك وأزمع على الخروج إلى المدينة للدخول في الإسلام. والتقى، وهو على تلك النيّة، صفوان بن أمية، فقال له:
ـ يا أبا وهب، أما ترى أن «محمداً» قد ظهر على العرب، فلو قدمنا عليه واتّبعناه فإنَّ شرفه شرف لنا؟
فأجابه صفوان:
ـ لو لم يبقَ أحد غيري ما اتبعته أبداً.
فقال خالد: هذا رجل موتور، قتل أبوه وأخوه ببدر.
ولم يكن عكرمة بن أبي جهل أقلَّ من صفوان حقداً على الإسلام عندما ذهب إليه خالدٌ يكلمه، فتركه، حتى إذا لقي عثمان بن طلحة، تجرأ بعد تردد وفاتحه بالأمر، ثم ما زال يحدثه، حتى قال له:
ـ ألا ترى يا عثمان، إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر لو صُبَّ فيه دلوُ ماء لخرج؟
ووافق عثمان على رأي خالد، وتواعدا على اللقاء في محلّة الهدة. وهناك التقيا بعمرو بن العاص، وعرفا منه أنه قد قدم المدينة يريد الدخول في الإسلام، فساروا سويةً، حتى قاربوها، فأناخوا رحالهم عند النخيل، وبدلوا ثيابهم، ثم دخلوا على رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . وتقدّم خالد بن الوليد يشهد بشهادة الحق، ففرح الرسول بإسلامه وقال له:
»الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلاً رجوت ألاَّ يسلمك إلاَّ إلى خير». فقال خالد: يا رسول اللّه، ادع الله تعالى يغفر لي تلك المواطن التي كنت أشهدها عليك. فقال له رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «الإسلام يجبُّ ما قبله».
وأما عمرو بن العاص فإنَّ كتب السيرة تروي عنه بنفسه قصة إسلامه، أنه لما انصرفت قريش مع الأحزاب عن غزو المدينة، جمع بعض الرجال الذين كانوا يسمعون منه، وقال لهم:
ـ تعلمون، والله إني أرى أمر «محمد» يعلو الأمور علواً منكراً. وإني رأيت أن نلحق بالنجاشي في الحبشة، فنكون عنده، فإن ظهر الصابئون - يعني المسلمين - على قومنا كنا تحت يد النجاشي، فإنه أفضل وأحب إلينا من أن نكون تحت يد «محمد»، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلاَّ خير.
واتفق عمرو مع رجاله أولئك، ثم جمعوا أدَماً ممَّا كان يحبُّ النجاشي ليهدوه إليه. وذهبوا إلى بلاد الحبشة؛ وظلوا هنالك إلى أن جاء عمرو بن أمية الضمري ليعود بالمهاجرين، فقال عمرو بن العاص لأصحابه:
ـ لو دخلت على النجاشي وسألته هذا الرجل فأعطانيه، فضربت عنقه. فإذا فعلتُ رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسولَ «محمد».
وبالفعل، فقد دخل عمرو بن العاص على النجاشي وراح يتملّقه، حتى رأى أنه طابَ نفساً بحديثه، فقال له: أيها الملك قد رأيت رجلاً خرج من عندك وهو رسولُ عدونا الذي وترنا، وقتل أشرافنا وخيارنا، فأعطنيه لأقتله.
فما كان من النجاشي وقد سمع ذلك، إلاَّ أن ضربَهُ على أنفه بشدة حتى سال الدم منه.. فقال عمرو: أيها الملك، لو ظننت أنك تكره هذا ما سألته.
ـ فقال له النجاشي: أتسألني أن أعطيك رسولَ رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي عيسى لتقتله؟
قال عمرو: أيها الملك، أكذاك هو؟
قال النجاشي: ويحك يا عمرو، فوالله إنه لعلى الحق، ويظهر على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده.. فخرج عندها عمرو بن العاص وهو يقول في نفسه: «عرف هذا الحقَّ العربُ والعجمُ، وتخالف أنت؟». وأخفى عمرو عن أصحابه ما أضمره في نفسه. ثم ارتحل على سفينة، وعاد إلى مكة.. ولم يلبث أن شمَّرَ إلى المدينة، فالتقى في الهدة بخالد وعثمان، فلما سألهما وجهتهما قال له خالد:
ـ دخل الناس في الإسلام، فلم يبق أحد، وإني والله أرى أنه قد استقام الميسم، وإن الرجل لنبيّ، أذهب إليه فأُسلم.
فقال له عمرو: والله ما جئت إلاَّ لأُسلم.
وهكذا دخل مع صاحبيه المدينة، ومثلوا بين يدي رسول اللّه، فأسلم خالد أولاً، ثم تبعه عثمان بن طلحة، ثم تقدم عمرو بن العاص وبايع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أن يغفر له ما تقدم من ذنبه في معاداته للإسلام وأهله. فقال له (صلّى الله عليه وآله وسلّم) :
»الإسلام يجبُّ ما قبله، والهجرة تجبُّ ما قبلها».
ولم يكن هؤلاء الثلاثة وحدهم من الذين أقبلوا على الدخول في الإسلام بعد عمرة القضاء، بل غيرهم كثيرون أنعم الله تعالى عليهم، فجاؤوا المدينة، ودخلوا في الدين على يدي رسول اللّه، ليكون هذا الدين مغسل قلوبهم بماء الطهارة، وملاذ نفوسهم إلى قدسية الإيمان بحقيقة وجود الله تعالى، وانبعاث الحق الذي يخرجهم من الظلمات إلى النور، فيصبح الإسلام عندهم عقيدة ومنهجاً. ثم يرتحلون إلى المضارب والديار مهتدين، هادين بالسلوك والتصرف، فيحتذي الناس بهم، ويقبلون على دين الله تعالى قانعين، راضين.
دعوة الملوك والأمراء للدخول في الإسلام
وإذْ كان رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يخطط لتثبيت دعائم دولة الإِسلام، وتقوية هيبتها في داخل شبه الجزيرة، فإنه في الوقت نفسه كان يتحَسَّسُ الموقف الدوليّ، ويرقب ما يدور فيه من أحداث لمعرفة السبل التي تمكّن من إِقامة العلاقات خارج حدود دولته، بما يجعل الترابط وثيقاً ما بين الاتصال الداخلي والاتصال الخارجي.. فأمّا من حيث الداخل فقد انتزع من قريش الصلح انتزاعاً، بينما أخضع اليهود لسيطرة الدولة، ولم يعد لكل من تينك الفئتين كيان مستقل يعوق القيام بالاتصالات الخارجية، فأصبح بذلك ممكناً الاتصال بين الدولة الإسلامية وبين الأقاليم التي تقع على أطراف الجزيرة، والتي تشكِّل إما دولاً قوية، أو إماراتٍ تابعةً لتلك الدول، أو كياناتٍ صغيرةً مستقلة. ولكن السؤال الأساسي: هل بالإمكان إقامةُ العلاقات الدبلوماسية ما بين دولة الإِسلام وتلك الدول والإِمارات؟ وهل تلك الدول والإِمارات تعترف لدولة الإِسلام بكيانها المستقل أو تقبل بإقامة علاقات معها؟ أما الجواب فهو أنَّ الاتجاه العامَّ يَدُلُّ على انعدام كافة الروابط السياسية ما بين شبه الجزيرة وسائر الكيانات السياسية والقبلية الواقعة على أطرافها، لأن تلك الكيانات لم تكن لتعبأ، يوماً، بما يجري في داخل بلاد العرب إلاَّ فيما نَدَر، ولم تهتم لظهور الدعوة الإِسلامية وسيرها إلا ببعض ما كان يتصل بها من الأخبار، ولاسيما المعارك التي كانت تحصل بين الحين والآخر في مناطق متفرقة من تلك البلاد، من هنا كان استبعاد فكرة العلاقات الدبلوماسية، والإقدام على ما هو أهم من ذلك بكثير، ألا وهو نشر الدعوة الإسلامية في تلك البقاع، أيّاً تكن فيها الكيانات السياسية!...
القرار التاريخي
ولكنْ إذا كان ذلك هو وضعَ تلك الكيانات السياسية المحيطة بالدولة الإسلامية، فإن تفكير رسول اللّه كان دائماً منصبّاً على إيصال دعوته إلى الأمصار البعيدة، لأن الدين عند الله الإِسلام، وهو دين الناس جميعاً، ولأنَّ محمداً هو رسول اللّه للناس كافة، وهذا هو حكم الله تعالى في عليائه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سَبَإ: 28] وتأييده لرسوله بقوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ *} [التّوبَة: 33].
إذن فالإِسلام ليس ديناً خاصّاً بالعرب، ولا ديناً خاصّاً بالعجم، ولا هو دينٌ للشرق أو للغرب، بل هو دين لجميع الأمم والشعوب، وفي أي بقعةٍ من بقاع هذه الأرض وجدَ الإنسانُ، فالإسلامُ دينٌ له.. فيجب، وهذا شأنُهُ، ألاَّ يبقى محصوراً في جزيرة العرب، بل لا بُدَّ أن ينطلق إلى البعيد البعيد متخطياً حدود الأقاليم، ومتجاوزاً الأبعادَ والفوارق.. هذا هو الاهتمامُ الذي كان يشدُّ رسولَ الله إلى إيصال الإسلام للناس جميعاً. ولقد ازداد هذا الاهتمام بعد أن تمكَّن من تثبيت دعائم دولته، وتركيز سياستها الداخلية، وإعداد كافة الأسباب لولوج باب السياسة الخارجية.
لذلك وبعد تفكير عميق ودقيق، قرَّر الرسولُ الأعظم أن يوجه الدعوات إلى كل الملوك والأمراء والحكام في أطراف الجزيرة العربية، وما وراءها للدخول في الإِسلام..
ويتوقف العالم بأسره عند هذا القرار..
إذ كيف يمكن لهذا الحاكم، وما تزال دولته في بدء نشوئها، وفي أول عهدها بالفتوة، أن يقرِّرَ دعوةَ هرقل ملك الروم لأن يغيِّرَ ديانته النصرانية، ودعوةَ كسرى ملك الفرس لأن يتخلَّى عن ديانته المجوسية، مع ما يحمل ذلك من تنازل عن السلطان، وفقدان للعرش وذهاب للعظمة؟!
إنه قرار خطير، ولا شك، أن يعزم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على مخاطبة أباطرةٍ وملوكٍ عظام في أَدَقِّ الأمور وأهم القضايا، ألا وهي العقيدة الدينية!.
وتنبع خطورة القرار من كون دولتَيِ الروم والفرس أقوى دول العصر في ذلك الحين. فقد كان لهما من القوة والنفوذ ما يبعد التفكير عن بال أي حاكم إلاَّ بالتقرب إليهما، وطلب ودِّهما ورضاهما.. فأمبراطورية الروم، بالإِضافة إلى رقعة امتدادها الشاسعة على بلاد الغال وسائر أنحاء ما يعرف اليوم بأوروبا كانت تُخضِعُ لسلطانها بلاد الشام ومصر بأسرهما.. وكذلك أمبراطورية الفرس، إذ بالإِضافة إلى ترامي أطرافها، كانت تُسيطر على اليمن والعراق. ولقد كان لهما وحدهما السلطة في تقرير مصير السياسة الدولية، بحيث يمكن لكل منهما أن تملي إرادتها على غيرها من الدول الأخرى أو الإمارات، بحيث لا تجرؤ إحداها على الاعتراض لأنها لا تملك أية قدرة على التأثير في مجريات الأحداث. وكان من البديهي أن تبقى الكيانات السياسية الأخرى، ولاسيما في بلاد الشرق، بعيدة عن القيام بأي دور على مسرح السياسة، كما هو الحال مثلاً بالنسبة إلى اليمامة وعُمان والبحرين، التي كانت إماراتٍ مستقلةً، واهنةً ضعيفة. أو كما هو الحال بالنسبة إلى تهامة والحجاز، أو إلى نجد والطائف، التي تفرقت عن بعضها تحت النظام القبلي، فلم تعرف الوحدة السياسية، أو كيان الدولة الموحدة. ولذلك كانت العلاقات بين مختلف تلك الكيانات الهزيلة وبين الدولتين الكبيرتين مقتصرة على المبادلات التجارية، والخضوع لنفوذهما السياسي.
ومن هنا، ومن انعدام وجود الدول ذات القوة والهيبة، التي يمكن أن تقف في وجه الهيمنة الرومانية والفارسية، ومن تحكم هاتين الامبراطوريتين فعلياً بمصائر الأمم جميعاً، كانت الخطورةُ والجرأةُ، في آنٍ معاً، باتخاذ محمدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قراره بدعوة هرقل الروم، وكسرى الفرس للدخول في الإِسلام.
ولكن متى علمنا أن محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يعمل في سبيل الله تعالى بفهم سياسي مستنيرٍ، مستوحىً من الإِسلام، فإننا ندرك أن أيَّ شأن للأباطرة والملوك قد يهون في عينيه.. فلقد كان مُحَتَّماً على خاتم النبيّين (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يتوجه بدين الله تعالى إلى أولئك الحكام حتى يؤدي الأمانة الكبرى التي عهد الله عزَّ وجلَّ إليه بأدائها، وأن يدعوَهم إلى اعتناق هذا الدين ليؤمن مَن آمن عن بيّنة، ويكفر من كفر عن بينة، وأمره إلى الله سبحانه.. فالغاية تنحصر في إيصال الإِسلام إلى الناس، قبل التفكير بالعلاقات السياسية وبالروابط التجارية أو غير التجارية. فهذه كلها تبقى دون الغاية التي فيها الخير كل الخير لأولئك الحكام وشعوبهم، ألا وهي اعتناق الإسلام. ولذلك كان الواجب يحتِّم على خاتم النبيين (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دعوةَ الملوك والحكام للدخول في هذا الدين..
وإنَّ أكثر ما يُبرِز عظمة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه اتَّخذ قراره الخطير والهامّ، ونفَّذَهُ - أجل ونفَّذه - بتوجيه الدعوات بصورة واضحة وصريحة، لا لَبْسَ فيها ولا غموض، ولا ممالأة ولا محاباة قطُّ لأحد من الأباطرة والملوك والأمراء.. وفي الوقت نفسه دون مناصبة أحدٍ العداء. بل توجهَ إلى الجميع - أقوى الملوك وأضعف الحكام - بدعوة الحق المبين، وبلهجة الحاكم النبيل العادل، وبعزم النبيِّ الأمين الصادق. وذلك على الرغم من معرفته بقلة الحيلة عند الملوك الصغار، وبالعداوة الشديدة بين امبراطوريتي الروم والفرس، وأثر تلك العداوة على مشاعر أهل شبه الجزيرة، بل على سير الدعوة نفسها.
فقد كان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعيش الأحداث ويرافق التطورات، حتى أيام القهر والأذى في مكة، ومن قبيل ذلك ما شهدت قريش، وشهدت معها قبائل العرب في السنة التاسعة من بعث محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يوم أن ذهب يعرض الإسلام على أهل النصرة في مِنىً، كيف أنه أعلم الناسَ بخبر الوحي الذي نزل عليه، والذي أكَّد فيه أن الروم، وعلى الرغم من الهزائم التي حلَّت بهم على أيدي الفرس، سوف يعودون ويغلبون في بضع سنين.
وتفصيل ذلك أنَّه كان للحروب التي تدور رحاها ما بين الروم والفرس تأثيرُها على سكان جزيرة العرب. فقد اتخذ المسلمون موقفاً يظهر ميلهم إلى الروم، بينما كان موقف المشركين يؤيد الفرس. والسبب في ذلك تأثير المشاعر الدينية في النفوس. فالمسلمون مع الروم لأنهم أهل كتاب، وهوى المشركين مع الفرس لأنهم مثلهم على الوثنية. ولذلك كانت جميع الأطراف تتابع تلك الحروب باهتمام بالغ، وكلٌّ يتمنَّى غلبة الدولة التي يؤيدها. فالمسلمون يؤملون انتصار الروم، والمشركون يتمنون انتصار الفرس.
غُلبت الروم
ولقد ظهر ذلك الموقف جلياً، عندما اجتمع رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى بني شيبان يدعوهم إلى الإسلام، وقد انتهى لقاؤه بهم، وهو يخبرهم بأنَّ الله سبحانه وتعالى، سوف يمنح لأهل الإِسلام بلاد الفرس وأموالهم، بعد أنْ تكونَ الروم قد غلبت الفرس في أدنى الأرض، وهذه الغلبة ستكون في بضع سنين، وتلا قول الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
}الم *غُلِبَتِ الرُّومُ *فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ *فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ *بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ *وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ *} [الرُّوم: 1-6].
واستغرب الناس مثل هذا الأمر!.. فتلك هي الفُرْسُ تسحقُ الرومَ بحروبٍ طاحنةٍ بحيث لا يمكن أن يقوم للروم بعدها قائمة.. ومع ذلك فهذا الرجل محمد بن عبد الله يُنبئُ العكس، ويقول بأنّهم بعد غلبهم سوف يغلبون، وفي مدة لا تتجاوز بضع سنوات!.. فهل هذا معقول؟!
ومردُّ هذا الاستغراب القصورُ في إدراك الناس، وعدم ربطهم النبأ بقول الله سبحانه وتعالى، عالم الغيب والشهادة.. ومهما يكن من أمر فقد ذاع الخبرُ بين القبائل، وباتَ الناس يردِّدون أنَّ «محمداً» يتنبَّأ بأن الروم ستغلب الفرس في بضع سنين؛ فكان ذلك مدار اهتمام المسلمين والمشركين على حدٍّ سواء، نظراً لأهميته البالغة على الجميع. فأما المشركون، وخاصة في قريش، فرأوا فيه مدعاةً للهزء والسخرية، وراحوا يتهكمون على المسلمين، وينعتون نبيَّهم بما ينمُّ عن ضلالتهم وجهالتهم. بينما كان الوحي يقيناً قاطعاً عند المسلمين، فانبروا يحاولون إفهام الناس معانيَ هذا الوحي، وأنه من لدن عزيز حكيم، وهو وحده - سبحانه - الخالق العظيم، ومالك الأقدار والمصائر كلها، فلا تسقط شعرة من رأس إلاَّ أن يشاءَ لها السقوط.. ولا تسقط ورقةٌ من شجرة، ولا حبةٌ في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلاَّ بعلمه تعالى.. ينصرُ من يشاء، ويُعِزُّ من يشاء، لأنه على كل شيء قدير.. ولكنْ أنّى للمشركين أن يفهموا مثل تلك المعاني وهم في الجهالة يعمهون؟!
وأما قضية تلك الحروب ما بين الروم والفرس، فتعود إلى تاريخ طويل.. إذ عندما اعتنقَ الأمبراطور قسطنطين النصرانية عام 325م، جعلها الديانة الرسمية في بلاده، فآمنت بها أكثر رعايا الروم، في حين كان الفرس ما يزالون على عبادة الشمس، أو النار أو الكواكب..
وتوالت على حكم الأمبراطورية البيزنطية سلالةُ قسطنطين حتى كان آخرهم الملك موريس، وكان ملكاً غافلاً عن إدارة شؤون البلاد، فقام الجيش بثورة ضده بقيادة فوكاس، الذي قتله سنة 602 ميلادية، ثم أعلن نفسه ملكاً على الروم بعد قضائه على العائلة المالكة السابقة كلها. وكان كسرى أبرويز الثاني (ابن أنو شروان) صديقاً وفياً للملك موريس، إذ كان قد التجأ إليه بسبب مؤامرة داخلية في الأمبراطورية الفارسية، فقدم له الملك الروماني كل المساعدة لاستعادة عرشه. وقيل إنَّ أبرويز الثاني قد تزوج من ابنة موريس أثناء إقامته في بلاد الروم. فلما عرف بانقلاب فوكاس وما حلَّ بالملك موريس غضب غضباً شديداً، وأمر بسجن السفير الذي كان فوكاس قد أرسله إليه بعد سيطرته على الحكم، ثم أعلن الحرب على بلاد الروم، فزحفت جحافله عابرةً الفرات إلى الشام. ولم يتمكن فوكاس من مقاومة جيوش الفرس التي استمرت باحتلالها لأرض الروم حتى استولت على مدينتي أنطاكية والقدس، مما جعل حدود الأمبراطورية الفارسية تتسع لتصل إلى وادي النيل.
في ذلك الوقت بعث أعيانٌ من الروم برسالة سريّة إلى الحاكم الروماني في المستعمرات الأفريقية يناشدونه إنقاذ الأمبراطورية، فجهّز جيشاً كبيراً بقيادة ابنه الشاب هرقل من قرطاجنة، وسار هذا الجيش في الطريق البحرية، فلم يدر به فوكاس إلاَّ عندما شاهد الأساطيل تقترب من سواحل بيزنطية. وقد استطاع هرقل - دون مقاومة تذكر - أن يقتلَ فوكاس ويستوليَ على الأمبراطورية سنة 610م.
بيد أن هرقل، وعلى الرغم من ذلك الانتصار الذي أحرزه، واستيلائه على السلطة، لم يتمكن من إيقاف المدّ الفارسي، حتى ضَاع من الروم كلُّ ما ملكوا من البلاد في شرقي العاصمة قسطنطينية وجنوبيّها. ولم يعد العلم الروماني يرفرف على العراق والشام ومصر وآسيا الصغرى، بل عَلَتْهَا رايةُ الفرس.. وهكذا تقلَّصت الأمبراطورية الرومانية، وعمَّ القحطُ وفشت فيها الأمراض الوبائية.. وتوالت الهزائم النفسية في الداخل، والخسائر العسكرية في الخارج، واستولى الفرس على الصليب المقدس وأرسلوه إلى المدائن. وحينها بات الروم يخشون ضرب العاصمة واحتلالها.
واستبد اليأس والقنوط بهرقل من تلك الأحوال السيئة، وقرر العودة إلى قصره في قرطاجنة على الساحل الأفريقي، لأن شغله الشاغل أصبح إنقاذ نفسه. وبالفعل جهّز هرقل لتلك العودة، وهمَّ بالخروج ليستقلَّ إحدى السفن إلى منفاه الاختياري، لولا أن جاءه، في ذاك الوقت بالذات، كبيرُ أساقفة الروم يناشده باسم الدين والمسيح البقاء، حتى أقنعه.. وبإشارة من القائد الفارسي «سين» أرسل هرقل سفيراً إلى كسرى طالباً منه الصلح. وكانت قد انقضت تسعة أعوام على الحرب عندما رضي الأمبراطور الفارسي أن يصالح هرقل على شروط معينة، تعتبر مخزية جداً للروم.
وبعد طلب الصلح بسنتين أي سنة 621م، وبعد استيلاء الفرس على جميع المناطق الشرقية من دولة الروم، كان الحدث التاريخي الهامُّ في الجزيرة العربية، عندما تنبَّأ القرآن الكريم بغلبة الروم على الفرس في بضع سنين، أي في الوقت الذي كان فيه الروم بأشدّ الحالات ضعفاً وانهزاماً. وهو الوقت الذي كان فيه المسلمون أيضاً بمكة في أضعف وأسوأ أحوالهم المادية.. وفي ظل تلك الأوضاع نزل مطلع سورة الروم من القرآن الكريم، وأذاع رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) النبوءة العظيمة، آياتٍ من كتاب الله المجيد.. بل وأكثر من ذلك، ففي تلك السنة بالذات حدث في داخل هرقل انقلاب نفسي جعله يتحوّل من ملك متخاذل، راكن إلى الدّعة والترف، إلى قائد متحمّس غيور، إذ منعَ عن نفسه جميع الملذات، ثم راح يضع الخطط استعداداً لحرب الفرس.. فلما أكمل استعداداته وتجهيز جيشه، خرج على رأس جنده للحرب، فلم يصدق سكان القسطنطينية ما رأوه، بل بدا للكثيرين منهم أن هذا الجيش قد يكون آخر الجيوش في تاريخ الأمبراطورية البيزنطية.
وكان هرقل يعرف أن قوة الفرس البحرية ضعيفة، ولذلك أعدّ بَحْريته للإِغارة على الفرس من الخلف. وسار بجيوشه عن طريق البحر الأسود إلى أرمينيا، وشنَّ على الفرس هجوماً مفاجئاً في الميدان الذي كان الإسكندر المقدوني قد هزم جيوش الروم فيه، عندما زحف على أراضي مصر والشام. ولم يستطع الفرس مقاومة غارة هرقل المفاجئة، فلاذوا بالفرار.
وكان للفرس جيش كبير في آسيا الصغرى. فباغتهم هرقل هناك أيضاً بأساطيله، وأنزل بهم هزيمة فادحة. وبعد إحراز هذا النصر الكبير عاد إلى عاصمته القسطنطينية عن طريق البحر بعد أن عقد معاهدة مع الأقاريين.
وبعد هاتين الحربين، قام هرقل بثلاث حروب أخرى ضد الفرس في سنوات 623 و624 و625 ميلادية، واستطاع أن ينفذ إلى أراضي العراق القديم عن طريق البحر الأسود، مما اضطر الفرس إلى الانسحاب من جميع الأراضي الرومية تقريباً.. وكانت آخرَ تلك الحروب المصيرية الحربُ التي خاضها الطرفان في نينوا على ضفاف دجلة في ديسمبر (كانون الأول) عام 627م.
أما من ناحية الفرس، فلم يستطع كسرى أبرويز مقاومة سيل الروم، وحاول الفرار من قصره دستكرد، فنشبت ثورة داخلية في فارس، واعتقله ابنه شيرويه وزجّ به في سجن داخل القصر الملكي، حيث لقي حتفه في اليوم الخامس من اعتقاله.
ولكن شيرويه هو الآخر لم يجلس على العرش أكثر من ثمانية أشهر، إذ قتله أحد أشقائه. وهكذا توالى الشقاق داخل البيت الملكي في بلاد الفرس، حيث تولى تسعة ملوك زمام الحكم في غضون أربعة أعوام. ولم يكن ممكناً، ولا من المعقول، في مثل تلك الأحوال السيئة، أن يواصل الفرس حربهم ضد الروم.. فأرسل قباد الثاني ابن كسرى أبرويز الثاني يرجو الصلح، والتنازل عن الأراضي الرومية، وإعادة الصليب المقدس.
وفي سنة 627م. توجه هرقل إلى بيت المقدس، ليعيد الصليب المقدس، وفاءً للنذر الذي أخذه على نفسه، فكان الناس يبسطون له البسط ليمشي عليها، وينثرون عليه الرياحين، احتفاءً به وإجلالاً له..
لذلك يتبين جلياً من مجرى الأحداث أن نبوءة القرآن الكريم التي أعلنها رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو بمكة سنة 621 ميلادية، قد تحققت في بضع سنين عندما استطاع هرقل أن يقهر الفرس في مدة تقل عن تسع سنوات، لأن البضع (في لغة العرب) هو ما بين ثلاثة وعشرة. وقد وصف أحد مؤرخي الغرب هذه النبوءة بقوله: «لم تكن أية نبوءة أبعدَ منها وقوعاً، لأن السنين الاثنتي عشرة الأولى من حكومة هرقل كانت تُؤْذِنُ بانتهاء الأمبراطورية الرومية».
وهكذا ومن رؤية الرسول للأحداث الدولية عامة، ومن مراقبته المستمرة لما يدور حول جزيرة العرب خاصة، اتخذ قراره بدعوة الملوك والحكام خارج الجزيرة للدخول في الإِسلام، وعزم على بعث موفدين له يحملون تلك الدعوة. ثم خرج يوماً على أصحابه وقال لهم: «إن الله تعالى قد بعثني رحمة للناس كافة، فلا تختلفوا عليَّ كما اختلف الحواريُّون على عيسى ابن مريم (عليه السلام)»[*].
قال الصحابة: «وكيف اختلف الحواريُّون يا رسول اللّه؟».
قال لهم: «دعاهم إلى الذي دعوتُكُم إليه، فأما من بعثه مبعثاً قريباً فرضي وسلّم، وأما من بعثه مبعثاً بعيداً فَكَرِهَ وجهتَهُ وتثاقل»[*].
ولما تساءل الصحابة عن مقصد رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أخبرهم بأنه مرسِلٌ إلى الملوك والأمراء: هرقل الروم، وكسرى الفرس، ونجاشي الحبشة، والمقوقس حاكم مصر، والحارث الغساني ملك الحيرة، والحارث الحميري ملك اليمن، رُسلاً تحمل إليهم كتبه التي يدعوهم فيها للإِسلام. فلا يَكْرَهَنَّ الأمرَ أحدٌ يختاره لهذه المهمة.. ولكنَّ فرحة الصحابة كانت عظيمة جدّاً وهم يسمعون ما عزم عليه الرسولُ الأعظم. بل وقدّمَ كلٌّ نفسه للذهاب في المهمة التي يريد الرسول أن يوفده بها، مُبدين أتمَّ الاستعداد لذلك والدعاء إلى الله سبحانه أن ينصُرَ دينه، ويُعلي كلمة الإِسلام.
وصَنَعَ رسول اللّه له خاتماً من فضة نقش عليه: «محمد رسول اللّه» ليمهر به كتبه، ثم اختار سفراءه إلى الملوك والحكام، الذين يحملون إليهم رسالة الدعوة للدخول في الإِسلام. وهم: دِحْيَة بن خليفة الكلبيّ إلى هرقل، وعبد اللّه بن حذافة السَّهمي إلى كسرى، وعمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، وحَاطِب بن أبي بَلْتعة إلى المقوقس عظيم القبط في مصر، وعمرو بن العاص السَّهميّ إلى ملكَيْ عُمان، وسَلِيط بن عمرو إلى ملكَيْ اليمامة، والعلاء بن الحَضْرَميّ إلى ملك البحرين، وشُجاع بن وهب الأَسَديّ إلى الحارث الغسانّي ملك تُخوم الشام، والمهاجر بن أُميَّة المخزومي إلى الحارث الحِميريّ ملك اليمن.
وحمل كلٌّ من هؤلاء الصحابة كتاب رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يبلِّغه إلى صاحبه، فكانوا أول رُسُل يحملون رسالة الإِسلام خارج الجزيرة العربية.
ولقد تضمنت تلك الكتب النصوص التالية:
نص الكتاب إلى عظيم الروم
بسم الله الرحمن الرحيم
»من محمد رسول اللّه وعبده إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتَّبع الهدى. أمّا بعد فإني أدعوك بدعاية الإِسلام. أسلِمْ تسلَمْ يؤتك الله أجرك مرَّتَين. فإنْ تولَّيْتَ فعليك إثم الأريسيّين[*].
{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ *} [آل عِمرَان: 64].
وكان رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد أمر دحية أن يدفع هذا الكتاب إلى عظيم بصرى ليقدّمه بدوره إلى هرقل، فسلّمَهُ إياه وهو في مدينة حمص، ذاهباً إلى بيت المقدس ليوفي نذره ويحجّ إلى بيت المقدس ماشياً، بعد انتصاره على الفرس. وتُلي خطاب رسول الإسلام على هرقل وتُرجِم له، فلم يأخذه منه ما يأخذ الملوكَ عادة من خوف على مُلكهم، بل تأثَّرَ به تأثرَ عالِم ينتظر خبراً هاماً له صلة بعلمه. وذلك أن هرقل كان رجلاً عنده سعةُ اطِّلاع، ومعرفةٌ بالملاحم، وعلمٌ بالفلكِ وأخبارِ الأنبياء. فلما بلغه كتاب «محمد رسولِ الله» لم يغضب ولم تثر ثائرته، بل طلب أن يأتوه بقوم لهم صلة بأخبار نبي الإِسلام. وكانت قافلةٌ لقريش قد جاءت إلى بلاد الشام وعلى رأسها زعيم المشركين - يومئذٍ - أبو سفيان بن حرب، فدعاهم جنود هرقل إلى مجلس الملك بأمر منه. فلما دخلوا عليه وحوله عظماء الروم، سألهم بلسان الترجمان:
ـ أيّكم أقرب نسباً إلى ذاك الرجل الذي يزعم أنه نبي؟.
قال أبو سفيان: أنا أقربهم نسباً إليه أيها الملك.
وأمر هرقل جنوده بأن يُدنوا منه الرجل، ويقرّبوا أصحابه فيجعلوهم عند ظهره، ثم التفت إلى ترجمانه يأمره قائلاً:
ـ قل لهم: إني سائل هذا (وأشار إلى أبي سفيان) فإن كَذَبني فليكذِّبوه..
وعند سماع أبي سفيان لما قاله الترجمان، تضاربت في نفسه المشاعر، فهو يريد أن يبخس محمداً حقه، لأنه عدوه اللدود، ولكنه يخاف من غضب هرقل إن عرف أنه كاذب.. على أنّ أبا سفيان عادَ وجعل أصالة البداوة، وصفاء الصحراء ينتصران على ما تنطوي عليه نفسه من الأحقاد، فقرر أن يجيب بالصدق. فلمَّا سأله هرقل:
ـ كيف نَسَبُ من يدَّعي النبوة فيكم؟.
قال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب.
قال هرقل: فهل كان من آبائه من ملك؟.
قال أبو سفيان: لا.
قال هرقل: فهل قال قولَهُ أحدٌ منكم قطُّ قبله؟.
قال أبو سفيان: لا.
قال هرقل: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟.
قال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم.
قال هرقل: أيزيدون أم ينقصون؟.
قال أبو سفيان: بل يزيدون.
قال هرقل: فهل يرتدّ أحد منهم سخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟.
قال أبو سفيان: لا.
قال هرقل: فهل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟
قال أبو سفيان: لا.
قال هرقل: فهل هو يغدر؟.
قال أبو سفيان: لا، ولكن نحن معه الآن في هدنة لا ندري ما هو فاعل فيها.
قال هرقل: فهل قاتلتموه؟.
قال أبو سفيان: نعم.
قال هرقل: فكيف كان قتالكم إياه؟.
قال أبو سفيان: الحرب بيننا وبينه سجال، ينالُ منَّا، وننال منه.
قال هرقل: وماذا يأمركم؟.
قال أبو سفيان: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً. واتركوا ما يعبد آباؤكم. ويأمرنا بالصلاة والصدق، والعفاف وصلة الرحم، وإيتاء ذوي القربى واليتامى والمساكين.
فلما فرغ هرقل من استجواب أبي سفيان، تفكَّر ملياً ثم أجمل لترجمانه يأمره: «قل لهذا الرجل:
»سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب.. وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها.
»وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول الذي يقوله؟ فذكرت أن: لا. فقلتُ: لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلت: رجل يتأسَّى بقولٍ قيل قبله.
»وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن: لا، قلتُ: فلو كان من آبائه من ملك، فهذا رجل يطلب ملك أبيه.
وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما يقول؟ فذكرت أن: لا، فعرفت أنه لم يكن ليذَرَ الكذب على الناس ليكذب على الله.
»وسألتك: أأشراف الناس اتَّبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن الضعفاء منهم أتباعه، وهم هؤلاء أتباع الرسل. وهل إنهم يزيدون أو ينقصون؟ فعرفت منك أَنهم يزيدون. وكذلك أمر الإِيمان حتى يتمَّ.
»وسألتك: أيرتدّ أحد من أتباع هذا الدين الجديد سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن: لا. وكذلك الإِيمان حين تخالطُ بشاشتَهُ القلوبُ.
»وسألتك: هل يغدر؟ فنفيت عنه الغدر. وكذلك الرسلُ والأنبياءُ لا تغدر، ولا يمكن أن تغدر.
»وسألتك: بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بدلاً عنها بإقامة الصلاة والتحصّن بالعفاف وكرم الأخلاق.
»هذا ما قلت لي أيها الرجل ولم يُكذِّبك أحَدٌ من بني قومك.. إذن فلتعلم يا هذا: إن كان ما تقول حقاً، فسيملك رجلكم موضع قدميَّ هاتين (يقصد العرش الذي يجلس عليه).. وقد كنت أعلم أنه خارج، ولكني لم أكن أظن أنه في العرب. فوالله لو أني أعلم أنّي أخلُصُ إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه»[*].
وخرج أبو سفيان وصحبه يزفرون بالتأوّهِ، وهو يقول لهم: لقد أَقَرَّ أَمْرَ ابنِ ابي كبشه...
أما هرقل فقد اختلى بنفسه متفكّراً بما جاءه من دعوةٍ، وبما سمعه من أخبار صاحب الدعوة، فأيقن أنه حقاً النبيُّ المنتظر، وخاتمُ النبيين على الأرض. ومثل تلك القناعة قد هيَّأت الاستعداد لديه لقبول الحق إذ جاءَه بشيرُهُ. وقد شاءَ أن يتحرَّى عن صدق هذا البشير، فجاءت الصورة واضحة جلية في أخبار من رأَوا ذلك النبيّ وعايشوهُ، وبما يؤكِّدُ صدقَ نبوَّتِهِ.
نعم! أرادَ هرقل أن يقف على الحقيقة فتحرّاها بدقة، دون تعصّب لفكرة، أو شطط في المعرفة، فلما اكتملت عنده القناعة السويّة، ولم يعد لديه من شكٍّ بأنّ ما يُعرض عليه هو الحق، عاد يجمع الملأ من الوزراء والمستشارين ورجال الكهنوت في مجلسه، ثم غلَّقَ عليهم أبواب دسكرته في حمص، وخاطبهم قائلاً: «يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت لكم ملككم؟ لئن أردتم ذلك فاتبعوا هذا النبيَّ الذي جاءتنا دعوته»..ثم تابع يقول: «هو والله رسولُ الله الذي بشَّرنا به موسى وعيسى»[*].. قالها ثلاثاً، وسكت، ليرى رَدَّة الفعل عند القوم!...
وأجفل أهلُ الجمع وخافوا.. لم يناقشوا ملكهم، ولم يحاوروه، بل جلُّ ما فعلوه وهو يعرض عليهم ما يعرض، أن سكتوا وظلّوا مطأطئي الرؤوس. فقد قلقوا على مصيرهم ونفوذهم، وعلى الامتيازات التي يتمتعون بها، دون أن يأبهوا لدعوة حق أو لداعي إيمان. وأنكروا في قلوبهم ما يقوله الملك، ولكنَّ أحداً لم يجرؤ على البوح له بمكنون نفسه.. ورآهم هرقل على تلك الحال، وأنهم يحيصون حِيصة حمر الوحش، فأمر بارفضاض الاجتماع.
وقاموا يسرعون في الخروج، فاصطدموا بالأبواب ما تزال مغلّقة في وجوههم.. وأدرك هرقل - ما عندهم من نفرة، وأيقَنَ ما في خلدهم من مطامع، وكان يعرفهم أهل دهاء وخبث، وذوي قدرة على تدبير المكائد والدسائس، فخاف على نفسه وعلى ملكه منهم، فأمر سريعاً بردِّهم عليه. وأجلسهم يقول لهم: «ما أظن قادة الرأي في ملكي يبلغ بهم الشطط إلى هذا الحد من اختبارٍ أراد مليكهم أن يمتحن به صلابة مواقفهم، وقوة ثباتهم على دينهم. وقد رأيت من ردة الفعل ما يزيدني اطمئناناً، ويزيدني ثقة بكم».
ومثل لمح البصر تبدلت المشاعر، وتغيّرت المواقف، فقاموا إليه يسجدون له خاشعين راضين، وبالمجد له داعين. وهكذا غلبت الشقوة على هرقل، واستحب العمى على الهدى. لقد برق له نور الحق وأضاءَ جوانب فكره، ولكن كان ذلك للحظات، ثم ما لبث أن خيَّمت عليه ظلماتُ المطامع، وغطّته سُحُبُ الإغراءات، وغلبته شهوات الملك والسلطان، عندما وقفت الدنيا ومادياتها في وجه ذلك الملك فصدّته عن الآخرة وروحانياتها، منتصرة عليه بحفنةٍ من الدهاقنة وذوي المطامع، فانصاع إليهم هاوياً في الضلالة.. ولم يكتف هرقل بالمراوغة والمداهنة، بل وحتى يُبعد عنه شبح الاغتيال، أو الانقلاب عليه، ولكي يُطمئن أولئك الذين يخافهم على عرشه، انبرى يقدم لهم البرهان على صدق ما يقوله لهم، وكان ذلك البرهان أمرَهُ بقتل كل مسلم يعثرون عليه في بلاد الشام.
ولكن ماذا جرى لرُسُل النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الباقين وهم يحملون كتبه إلى الملوك والحكام الآخرين؟.
كتاب رسول اللّه (ص) إلى كسرى عاهل الفرس
دخل عبد الله بن حذافة السهمي على كسرى أبرويز بن هرمز، عظيم الفرس، في إيوانه بالمدائن، وقد اجتمع من حوله القادة والوزراء والعظماء، لكي يسلّمه كتاب رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . فأمَرَ كسرى أن يأخذوا الكتاب ليروا ما فيه، إلاَّ أنَّ عبد الله رفض، وقال:
ـ لقد أمرني رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأن أسلِّمه إلى كسرى يداً بيد.
ورأى عاهل الفرس في هذا التصرّف شيئاً جديداً لم يألفه من قبل، فأدناه وتناول الكتاب، ثم فتحه ودفعه إلى كاتبٍ لديه من أهل الحيرة، فقرأ ما فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
»من محمد رسول اللّه وعبده إلى كسرى عظيم الفرس. سلام على من اتَّبع الهدى، وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده، لا شريك له، وأن محمداً عبدُه ورسوله. وأدعوك بدعاء الله - تعالى - فإني أنا رسول اللّه إلى الناس كافة، لأُنذرَ من كان حيّاً، ويحقَّ القول على الكافرين. فأسلِمْ تَسْلَم. فإن أبيت فإنَّ إثم المجوس عليك».
واستشاطَ كسرى غضباً، وهو يسمع ما كتب إليه «محمد»، فإذا به يأخذ خطابه ويمزّقه. ثم أَمرَ على الفور بالكتابة إلى بازان - عامله على اليمن - يتوعده، ويأمره بأن يبعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين جلدين من عنده، ليأتياه به!...
فلما عاد عبد اللّه وأخبر الرسول مقالة كسرى، قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «مزَّق الله ملكه»[*]. أما عامل كسرى على اليمن، فما إن بلغه أمرُ سيده، حتى استدعى على الفور قهرمانه ويدعى بابويه، وكان كاتباً حاسباً، كما دعا إليه رجلاً ذا عضلٍ وقوة واسمه خرخرة، وبعث بهما إلى محمد بن عبد اللّه، مع كتاب يدعوه فيه للذهاب معهما إلى كسرى.
وعرف أهل الطائف بأمرِ هذين الرجلين، وبأنَّ كسرى عظيم الفرس غاضبٌ من «محمد»، وقد بعث من يحمله إليه؛ فاستبشروا بهما فألاً حسناً، وقالوا: «إن محمداً قد ناصب كسرى ملك الملوك، كُفيتمُ الرجل».
أما رسول اللّه فلما جاءه المبعوثان من عند «بازان»، وعرف مهمتهما وهي حمله إلى كسرى، لم يزد على أن تبسَّم لهما. ثم قام أصحابه يأخذونهما بعيداً عن مجلسه الكريم، ويكرمون وفادتهما بناءً على أمره (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، مما جعل الرجلين يطمئنان بعد الخوف الذي اعتراهما، لكثرة ما رأيا من الرجال الذين تجمعوا حولهما، عندما كانا بين يدي رسول اللّه.
ودعا الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في اليوم التالي الرجلين إليه، وأخبرهما بأن كسرى أبرويز قد قتله ابنهُ شيرَوَيْه، واعتلى العرش مكانه. ثم صرفهما برفق، وهو يقول لهما: «اذهبا إلى سيدكما بازان وأخبراه عني بأن الله تعالى قد أوحى إليَّ بمقتل المليك. وأبلغاه أن ديني سيبلغ مدى ما بلغ ملك كسرى. وقولا له إن رسول اللّه يقول لك: إن أسلمت أعطيتك ما تحت يدك، وملّكتك على قومك».
وعجب أهل المدينة من إخبار النبي عن مقتل شاهنشاه الفارسي على يد ابنه، إلاَّ أنهم في الحقيقة كانوا يصدقون كلَّ ما يقوله رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإذا أخبر بهذا الأمر، فإنه يكون قد وقع فعلاً، والأيام ستؤكد قول رسول اللّه ولا ريب...
أما بازان فلم تصدق أذناه في بادئ الأمر ما جاء يرويه موفداه حول ما لقياه قولاً وفعلاً من معاملة رسول الإسلام، وعظيم خُلُقِهِ، وما أنبأ به عن مقتل كسرى. فلما عادَ من شرود فكره، قال: «ما هذا بكلام ملك. وإني لأرى الرجل نبيّاً، فلئن كان ما ذكره عن كسرى حقّاً فإنه لنبيٌّ مُرْسَل. وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا». ولم يمضِ عليه وقت طويل، حتى جاءه كتاب من شيرويه، وفيه يقول له: «أما بعد، فإني قتلت كسرى، ولم أقتله إلاَّ غضباً لفارس لما كان استحلَّ من قتل أشرافهم ونحرهم في ثغورهم. فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قِبَلك، وانظر الرجل الذي كان كسرى كتب فيه إليك، فلا تهيِّجهُ حتى يأتيك أمري فيه».
إسلام بازان حاكم اليمن
ولقد كان لكتاب شيرويه أبلغُ الأثر على بازان، فقد جاءَ يصدق خبر ذلك النبيِّ في بلاد الحجاز، فقال في نفسه: وإلاّ فكيف أمكنه أن يعلم بالأمر، وبين فارس والحجاز كل تلك المسافات البعيدة التي لا يمكن قطعها وإيصال الخبر بينها إلاَّ بانقضاء مدة طويلة؟! ثم ألم يقل له كهرمانهُ بابويه: «ما كلمت رجلاً قطُّ أهيب عندي منه؟».. إذن ليس علم ذلك الرجل إلاَّ من نبوءات الأنبياء.. فهو إذن نبيٌّ حقّاً..
ويشاء اللَّهُ تعالى له الهداية، فيؤمن بالإسلام، وصدق نبيّه، دون أن يراه، ويؤمن معه كثيرون من أهل الفرس الذين يقيمون في اليمن، ممّا هيَّأ أرض تلك البلاد لأن تكون نقطة «ارتكاز قوية للإسلام في جنوب شبه الجزيرة» كما دلت الأحوال عليه بعد عامَين اثنَين[*].
كتاب رسول اللّه (ص) إلى النجاشي، ملك الحبشة
أما الكتاب إلى نجاشي الحبشة «أصحمة بن الأبجر» فقد كان نصه التالي:
بسم الله الرحمن الرحيم
»من محمد رسول اللّه إلى النجاشي عظيم الحبشة. أما بعد، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلاَّ هو الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن. وأشهد أن عيسى ابن مريم روحٌ من الله وكلمتُه ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه الله (تعالى) من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده ونفخه. وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني، فإني رسول اللّه. وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجلّ، وقد بلَّغتُ ونصحتُ، فاقبلوا نُصحي والسلام على من اتَّبع الهدى»[*].
وبعد وقوف النجاشي على ما جاء في الكتاب، وارتسام علامات الرضى على محياه، استأذنه عمرو بن أمية الضمري بالكلام، فقال:
»أيها الملك، إنَّ عليَّ قولاً فأرجو أن تسمعني. أنت كأنك في الرقة علينا، ونحن كأنا في الثقة بك. لم نظنّ بك خيراً إلاَّ نِلْناه، ولم نَخَفْكَ على شيء إلاَّ أَمِنَّاه. وقد أخذنا الحجة عليك من فيك: الإنجيلُ بينَنا وبينَك شاهدٌ لا يُرَدُّ، وقاضٍ لا يجور. وفي ذلك الموقع الحزُّ وإصابةُ المِفْصَل، وإلاَّ فأنت في هذا النبيِّ الأمي كاليهود في عيسى ابن مريم، وقد فرَّق النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رُسله في الناس فَرَجاك لما لم يَرْجُهم، وأَمِنَك على ما خَافَهم عليه، بخيرٍ سالفٍ وأجرٍ ينتظر».
فأجابه النجاشي قائلاً:
»أشهد أنه النبيُّ الأميُّ الذي ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى براكب الحمار، كبشارة عيسى براكب الجمل، وأن العيان ليس أشفَى من الخبر».
وبعد إكرام وفادته، حمَّل النجاشيُّ عمرَو بن أمية كتاباً إلى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى محمد رسول اللّه من النجاشي أصحمة.
»سلام عليك يا نبي الله، ورحمة من الله وبركات، الله الذي لا إله إلاَّ هو.
أما بعد، فقد بلغني كتابك يا رسول اللّه فيما ذكرت في عيسى - عليه السلام ـ. فوربِّ السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت، إنه كما قلت. وقد عرفنا ما بعثتَ به إلينا. وقد قَرَيْنا ابن عمك جعفر بن أبي طالب وأصحابك. فأَشهدُ أنك رسولُ الله، صادقاً مصدِّقاً، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يدَيه لله رب العالمين»[*].
تلك كانت إجابة النجاشي ملك الحبشة. وفيها الدلالة الواضحة على إيمان الرجل بصدق النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتصديقه. فأسلم، ودعا معه أبناء قومه إلى الإِسلام، ولكنه لم يُكرههم على الإِيمان بما آمَن به، لأنه كان ملكاً عادلاً. وقد استجاب لنداء الحق من غير تباطؤ أو تردد، فكان من ذوي الإِيمان الصادق والحكم العادل. وقد روي أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نعاه إلى المسلمين يوم وفاته، وصلَّى عليه صلاة الغائب، وذلك في رجب سنة تسع من هجرته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عند الرجوع من تبوك.
كتاب رسول اللّه (ص) إلى المقوقس عظيم القبط في مصر[*]
حمل حاطب بن أبي بلتعة هذا الكتاب وقد جاء نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد عبد اللّه ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط. سلام على من اتَّبع الهدى. أما بعد، فإني أدعوك بدعوة الإِسلام. أسْلِم تَسْلَم، أسْلِم يُؤتِكَ الله أجرك مرَّتين، فإن تولَّيت فإن عليك إثم أهل القبط. {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ *} [آل عِمرَان: 64].
وقدم حاطب على المقوقس، فأكرمه وأنزله منزلة كريمة. ثم جمع إليه بطارقته يستشيرهم في أمر الكتاب، فأشاروا عليه بأن يتحرَّى الأمرَ بعناية، ويعلم من خبر هذا النبيِّ الذي يدعوه إلى دينه بما يجعله قادراً على اتخاذ القرار الذي يراه مناسباً... فاستدعى إليه حاطباً، ثم راحَ يسألُهُ، فقال:
هلمَّ أيها الرجل، وأخبرني عن صاحبكم، هل هو نبيٌّ حقاً؟
قال حاطب: بلى والله، إنه نبيٌ، ومرسلٌ من الله سبحانه وتعالى للناس كافة.
قال المقوقس: فما له حيث كان هكذا!.. فقد بلغنا أن قومه آذَوْه، وأخرجوه من بلده إلى غيرها، فلِمَ لم يدعُ على هؤلاء القوم؟ فيسلط عليهم؟
قال حاطب: ألستَ تشهد أن عيسى ابنَ مريم هو رسولُ الله؟ فما له حيث أخذَهُ قومُه، فأرادوا أن يصلبوه، ألاَّ يكونَ دعا عليهم أن يهلكهم الله تعالى؟
قال المقوقس: أحسنتَ، أنت حكيم قد جاء من عند حكيم..
ثم قال حاطب: أنت تعلم أيها الملك أنه كان في هذه البلاد من قبلُ رجلٌ يزعم أنه الرَّبُّ الأعلى (ويعني به فرعون)، فأخذه الله - تعالى - نكال الآخرة والأولى، فانتقم به، ثم انتقم منه. فاعتبر بغيرك، ولا يعتبرْ غيرك بك!.
قال المقوقس: إنَّ لنا ديناً لن ندعه إلاَّ لما هو خيرٌ منه.
فقال حاطب: «ندعوك إلى الإِسلام الكافي به الله سبحانه ما سواه. إن هذا النبيَّ دعا الناس، فكانت قريشٌ أشدَّهم عليه، واليهود أعداهُم له، والنصارى أقربَهم منه. ولعمري ما بشارة موسى بعيسى ابن مريم إلاَّ كبشارة عيسى بمحمد بن عبد اللّه (عليهم جميعهم الصلاة والسلام). وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلاَّ كدعاء أهل التوراة إلى الإنجيل. وكل نبيٍّ أدرك قوماً فهم أمته، فالحقُّ عليهم أن يطيعوه، وأنت ممَّن أدرك هذا النبيّ.
قال المقوقس: إني نظرت في أمر هذا النبيّ، فوجدت معه آيات النبوة بأخبارِ الجنِّ والإِخبار بالنجوى، وهو لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه.. وسأنظر[*].
ثم جعل المقوقس كتاب رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في وعاء من عاج، وختم عليه، وأمر بحفظه في مكان أمين. ثم أملَى على كاتبٍ لديه - يتقن العربية - كتاباً إلى رسول اللّه جاء فيه:
»إلى محمد بن عبد اللّه من المقوقس عظيم القبط
»سلام عليك، أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه. وقد علمت أن نبيّاً قد بقي، وكنتُ أظن أنه يخرج بالشام. وقد أكرمتُ رسولك، وبعثت إليك بجاريتَيْنِ لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوةٍ، وأهديت إليك مطيةً لتركبها والسلام عليك»[*].
ودفع المقوقس الكتابَ إلى حاطب وهو يقول له: القبط لا يطاوعوني في اتّباعه.. وأنا أَضَنُّ بملكي أن أفارقه، وسيظهر على البلادِ.. فارجع إلى صاحبك.. ولا تسمع منك القبط حرفاً واحداً، أو تعلم بمحاورتي إياك[*].
وصَحِبَ حاطب مارية بنت سمعون القبطية، وأختها سيرين وكانت أمهما مسيحية روميّة. وكانتا قد ولدتا في قرية من صعيد مصر. ثم انتقلتا في مطلع شبابهما الباكر إلى قصر المقوقس، وعاشتا فيه، حتى جاء حاطب فبعث بهما المقوقس هديةً إلى النبيِّ..
ولما بلغ كتابُ المقوقس رسولَ الله، قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : أدرك هذا الرجلَ مثلُ هرقل الروم، فقد عرف الحقَّ ولكنه أحجم عن الدخول في الإسلام، «لقد تمسّك بملكه، ولا بقاء لملكه».
زواج النبي (ص) من مارية القبطية
وقد أسلمت مارية وأختها سيرين، فأعتقهما رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتزوج من مارية القبطية، ثم تزوج حسان بن ثابت من أختها سيرين. وقد ولدت مارية للنبي ابنه إبراهيم، وولدت سيرين لحسان ابنه عبد الرحمن.
وقد حفظ الصحابة وصية الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في قوم زوجه السيدة مارية (رضي اللّه عنها)، ففي صحيح مسلم ـ في كتاب الفضائل 227 ـ عن أبي ذر الغفاري (رضي اللّه عنه) قال: قال رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «إنكم ستفتحون مصر، إن شاء الله، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإنَّ لهم ذمّة - أي حرمة - ورحماً - أي لكون أم اسماعيل منهم - أو قال: ذمة وصهراً، أي بكون مارية أم المؤمنين منهم»[*]. وفي معجم البلدان لياقوت الحموي «أن الحسن بن علي (عليهما السلام) كلم معاوية لأهل «جفن» فوضع عنهم خراج الأرض - لأنها بلد مارية[*]؛ وقيل: إن عبادة بن الصامت لما جاء مصر بعد فتحها بحث عن تلك القرية وسأل عن موضع بيت مارية فبنى به مسجداً»[*].
كتاب رسول اللّه (ص) إلى الحارث بن أبي شمر الغساني
كان الحارث بن أبي شمر الغساني حاكماً على دمشق من قبل الروم عندما جاءه كتاب رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع شجاع بن وهب الأسدي وقد كتب له فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
»من محمد رسول اللّه إلى الحارث بن أبي شمر. سلام على من اتَّبع الهدى، وآمَن به وصدق، وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك».
وقد بلغ شجاع دمشق في وقت كان فيه الحارث يستعد لتهيئة الضيافة لقيصر، وقد سار من حمص إلى إيلياء - بيت المقدس - وفاء للنذر، حيث كشف الله (تعالى) عنه جنود فارس - كما أبدينا من قبل - وكان تصرف الحارث لئيماً للغاية، إذ رمى الكتاب، وقال: «من ينزع مني ملكي؟»، ثم أمَرَ بردّ شجاع موفد رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خائباً. وأمر من بعدها بتجهيز الجيش، ليبعث به إلى المدينة، ويقاتل المسلمين. ولكنه لما استأذن قيصر بالأمر أرسل إليه بالتريث. إلاَّ أنه لم يلبث بعدها إلاَّ قليلاً، حتى «بادَ مُلْكُه»[*] تصديقاً لقول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .
كتاب رسول اللّه (ص) إلى هوذة بن علي الحنفي حاكم اليمامة
حمل سليط بن عمرو العامري كتاب الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى حاكم اليمامة وقد جاء نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
»من محمد رسول اللّه إلى هوذة بن علي. سلام على من اتَّبع الهدى. واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر. فأَسْلِم تَسْلَم، وأَجْعَلُ لك ما تحت يدَيك».
كان هوذة حاكمُ اليمامة على دين النصرانية، فلم يرغب في الردِّ على دعوة رسول اللّه له إلى الإِسلام. ولكنه بعث إليه جواباً على كتابه قال فيه: «ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله. وأنا شاعرُ قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتَّبعك».
وكأنَّ هذا الرجل قد أراد الشركةَ في النبوَّة، أو استخلافَ رسول اللّه له من بعده. فلما جاء ردُّهُ قال الرسول: «لو سألني بلحةً من الأرض ما فعلت».
كتاب رسول اللّه (ص) إلى المنذر بن ساوى التميمي حاكم البحرين
بعث النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بكتابه إلى حاكم البحرين، مع العلاء بن الحضرمي، وكان نصُّهُ مثل كتابه إلى حاكم اليمامة، فكتب المنذر إلى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كتاباً جاء فيه:
»أما بعد يا رسول اللّه فإني قرأت كتابك على أهل البحرين فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه، ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود، فأحدث إليَّ في ذلك أمرك»[*].
فلما رأى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الصدق في لهجة الرجل، وحسن النية لديه، ردَّ عليه بكتاب آخر، وجاء فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
»من محمد رسول اللّه إلى المنذر بن ساوى. سلام عليك. فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد فإني أذكرك الله عزّ وجلّ، فإنه من ينصحْ فإنما ينصحُ لنفسه، وإنه من يطعْ رسلي ويتَّبعْ أمرهم فقد أطاعني. ومن نصح لهم فقد نصح لي. وإن رُسلي قد أثنوا عليك خيراً. وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوتُ عن أهل الذنوب فاقبل منهم. وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته، فعليه الجزية»[*].
أجل، لقد كان المنذر حاكم البحرين سليم الفطرة، فأقبل على الإسلام بقلبه من خلال كتاب رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثم عرضَهُ على أهل بلده، الذين كانوا على اليهودية أو المجوسية. فدخل في هذا الدين من أحبَّ، وبقي الآخرون على دياناتهم. ولم يقبل المنذر، بعد أن دخَلَ في الإِسلام وحسن إسلامه، إلاَّ أن يأتي من البحرين، ويلتقي رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يتزوَّد منه تعاليم دينه الجديد ومفاهيمه، فيعمل بها مطمئن النفس.
كتاب رسول اللّه (ص) إلى ملِكَيْ عُمان جَيْفر وعبد ابْنَيْ الجلندي[*]
حمل الكتاب إلى هذين الملكين عمرو بن العاص. وقد جاء فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
»من محمد بن عبد اللّه إلى جيفر وعبد ابنَيْ الجلندي، سلام على من اتّبع الهدى، أما بعد فإني أدعوكما بدعاية الإِسلام. أسلما تسلما. فإني رسول اللّه إلى الناس كافةً، لأنذرَ من كان حيّاً، ويحقَّ القول على الكافرين. فإنكما إن أقررتما بالإِسلام ولَّيتكما. وإن أبيتما أن تُقِرّا بالإِسلام فإن ملككما زائلٌ، وخيلي تحلُّ بساحتكما، وتظهر نبوّتي على مُلْكِكُما»[*].
ودخل ملكا عمان في الإِسلام، وأسلم معهما غالبية أهل بلدهما. أما من لم يُسلم فقد وُضعت عليه الجزية.
تلك هي الكتب والرسائل التي بعث بها محمدٌ رسول اللّه إلى الأباطرة والملوك والأمراء على تخوم بلاده. ولقد حملت في مضمونها دعوةَ الرسول الأعظم لهم ولشعوبهم إلى التخلِّي عن دياناتهم ومعتقداتهم، والدخول في الإِسلام، لأنه كان واثقاً من قوة رسالته، وأحقيتها من عند الله سبحانه وتعالى. ولو لم يكن محمدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الرسل ذوي العزم، بل سيدَ المرسلين، وخاتمَ النبيين، لما أقدم على بعث سفرائه بقلبٍ ثابتٍ وعزمٍ صادقٍ إلى أهل النفوذ والسلطان في كلِّ البقاع التي تحيط بجزيرة العرب، وهو يدعوهم إلى الدين، باعتبار {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عِمرَان: 19].
ولقد ترتب على تلك المراسلات دخول بعضهم في الإِسلام، وإقبالُ العرب على هذا الدين، فتتابعت وفودهم على المدينة تعلن إسلامها. أما غير العرب، خارج حدود الجزيرة، فقد كان منتظراً أن يأتيهم الإِسلام، منذ أن بدأ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُعِدُّ العدة ويمهد السبيل لتبليغ الدعوة في تلك البلاد.
والحق أنَّ ما قام به محمد رسول اللّه في هذا المجال، لآياتٌ تتصدَّرُ التاريخ بما ينبئ عن إقدام الأبطال، وعزم الرجال، وثقة الأكْفاء.. وإنها لتبدو في نظر كل باحث عن حقائق الحياة، والطاقات الكامنة في الإنسان، وتأييد الله عز وجل، قوىً فاعلةً تندفع من عزم «محمد»، لوثوقه يقيناً بأن الإِسلام سوف ينتشر، ويسود حتى يعمَّ نورُهُ الوهَّاج فجاجاً بعيدةً في العالم.
وتبرز أهمية تلك الكتب التي وجهها رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى أولئك الملوك والحكام، وبخاصة منهم: هرقل، وكسرى، والنجاشي، والمقوقس، لا بصفتهم أباطرةً أو أقيالاً يكثر عددهم أو يقلّ، بل لأنهم أصحاب مكانةٍ عظيمةٍ في التاريخ السياسي، خلال تلك الحقبة من التاريخ، لِمَا كان لكلٍّ منهم من ملك واسع، أو حولٍ وطول، وسطوةٍ ورهبة... وبذلك يكون عمل الرسول ذا مدلولات بعيدة لا يُقْدِمُ عليه إلاَّ نبيٌّ مأمور من الله سبحانه وتعالى، ومكلَّفٌ بالدعوة إلى دينه، بعيداً عن كل ظلٍّ من ظلال الخوف والضعف.. فقد تجلَّى له ملكوت ربِّ السموات والأرض فظهر له أولئك الملوك أشخاصاً عاديين، لا قيمة في نظره لكل ما يملكون إن لم يستجيبوا لنداء الإِيمان، ويسخّروا سلطانهم لنصرة دين الله عزَّ وجلَّ، والسير على خطى رسوله الكريم.
وإنَّ في الفوارق الكبيرة بين القوى المادية - من جيوش وعتادٍ وأموال - التي كان يملكها أولئك الأباطرة والملوك والأمراء، وبين ما كان يملكه رسول الإسلام لأقوى برهان، وأصدقَ ردٍّ على أولئك الذين يشكُّون في نجاح دعوة الإِسلام، ولاسيما دعاة العداوة لهذا الدين في زماننا، بحجة أن المسلمين يفتقرون إلى المعرفة بالأمور الدنيويَّة المؤثِّرة والقوى المادّية الفاعلة، بالنسبة إلى غيرهم من الأمم الأخرى..
والحقيقة الناصعة التي يجب أن يدركها أولئك الذين يحتجّون بالقوة المادية هي أنَّ المسلمين في بقاع الأرض لا تنقصهم الخيرات والثروات المادية. فهم إن لم يكونوا يملكون معظمها وأكثرها تأثيراً على مصير العالم الحاضر، فإنهم ولا ريب يملكون الطاقة الأكثر فاعلية والأشدّ تأثيراً من كل أنواع القوى المادية. وأما المعرفة فإنَّ رأسها هذا الإيمان بحقيقة وجود الله تعالى، الواحدِ الأحد، الإلهِ الحقِّ المطلق، والربِّ الحقِّ المطلق.. وهو الإيمان الذي يتميز به الإنسان المسلم، والإيمان الصادق الذي يشكِّلُ القوة الهائلة التي لا سبيل إلى قهرها إنْ عمل المسلمون بوحيه.. لأنه هو الإيمان نفسه الذي استطاع المسلمون الأوائل أن ينتصروا به حيثما أقدموا على قتالٍ، أو سيَّروا جيوشاً، أو أرادوا فتح أمصار لنشر دين الله..
فما أجدر المسلمين أن يتدبروا هذه الحقيقة! بل إن العالم بأسره ليحتاج اليوم إلى الإِسلام أكثر من أي وقت مضى، وهو يتعطش إلى هذا الدِّين عطش الظمآن إلى الماء الزلال. فالمادية التي تطغى على كل الناس، وعلى جميع جوانب الحياة، لا تختلف من حيث مضمونها عما كانت عليه أيام ظهور الإِسلام. والزمن تغطِّيه دائماً موجات من المادية والروحانية، ومن الإِلحاد والإِيمان، يلي بعضها بعضاً. ولعلَّ هذه اليقظة الإيمانية التي أخذت تدبُّ في عالم اليوم، إنما تشير إلى أنَّ موجة الإِيمان قد أخذت في الظهور لتدعو الناس إلى صحوة ضمير، وعودةٍ إلى ربهم العلي العظيم، وإن موجة الإِلحاد المادي، الذي أغرق العالم حيناً من الدهر، وموجةَ العولمة تحت ستار محاربة الإرهاب، لهي دعوات باطلة، لأنها مغلّفةٌ بكلامِ حقٍّ يُرادُ به باطل ولن يكتب لها الاستمرار مهما طال الزمن، وهي لا بد منتهيةٌ إلى زوال بإذن اللّه تعالى: «وَتِلْكَ الأَيّامُ نُدَاوِلُها بَيْنَ النَّاسِ».
معركةُ مؤتة[*]
انقضت بضعة شهور على عودة النبيّ من عمرة القضاء إلى المدينة. وكانت اهتماماته ما تزال منصبَّةً على تأمين السبل التي يعبر فيها الإِسلام إلى الأمصار البعيدة، لا سيما بعدما بعث السفراء والموفدين إلى الملوك والحكام على أطراف شبه الجزيرة، بمن فيهم ملك الروم، هرقل، الذي عادت بلاد الشام تخضع له. وهي البلاد التي كان الرسول يرى أنها وما جاورها من أفضل المنافذ لانطلاق الدعوة إلى الخارج، وخاصةً بعدما أمِنَ جانب اليمن، فأذعن له عامل الفرس عليها، ودخل في الإِسلام. وبهذه التوجهات، بعث (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خمسة عشر رجلاً من المسلمين إلى ذات الطَّلح على حدود الشام، يدعون بدعوة الإِسلام، إلاّ أنّ جزاءهم كان القتل الذي لم ينجُ منه إلاَّ رئيسهم، فقد حالفه الحظّ، وأمكن له الفرار من أيدي أهل ذلك البلد..
وهذا الحادث لم يمنع الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم يثْنه عن التطلع إلى بلاد الشام، لكي تكون أول البلاد التي يفتتحُها الإِسلام بنفحةِ الإِيمان. ولذلك بعث الحارثَ بن عمير الأزدي بكتابٍ إلى عظيم بصرى يدعوه للإسلام، فلما وصَلَ الحارث إلى مؤتة، عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني - وكان عاملاً على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر - فأوثقه ربطاً، ثم قدَّمه، فضرب عنقه[*].
وبلغ خبرُ هذا القتل العمد رسولَ الله فغضب له كثيراً، لأنه ينطوي في ذاته على خرقٍ فاضحٍ للمناقب والقيم التي تمنع قتل الرسل والموفدين، ولأنه يحمل التحدّي الصارخ لمكانة الإِسلام، الذي كان في أول المراحل لتثبيت هيبته في النفوس، وبداية الطريق التي يشقّها معتدلةً بين الناس، لكي يرسّخ لدى القاصي والداني مفاهيمه الحقة، باعتباره عقيدةً ليست كسائر العقائد، ومبدأً ليس كمثلِ كافة المبادئ، فهو دين الله الحق، وهو مؤيدٌ بنصر الله عزَّ وجلَّ، تصديقاً لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ *} [التّوبَة: 33].. ولو كره الكافرون..
هذه الاعتبارات التي كانت مدار حياة الرسول والمؤمنين هي التي جعلته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يجد في فعل شرحبيل بن عمرو، جريمةً تمتلئ بالتعدّي والغدر من عاملٍ للروم، الذين كانوا يجهزون، مِنْ قِبلِهمْ، الجيوش - على خلاف ما كان يُظَنُّ بهم كأهل كتاب - للزحف على المسلمين ومقاتلتهم.. وما ذلك إلاَّ بسبب خوف بطانة البلاط الرومي من ذهاب سلطانهم ونفوذهم.. بل، ولم يكن عمّال البلاط بأقلَّ لؤماً من رجال تلك البطانة، فراحوا يرتكبون الجرائم ويقتلون كلَّ من تقع عليه أيديهم من أتباع الإسلام..
وهكذا تضافرت الأسباب التي تدفع إلى اتخاذ عمل عسكري في بلاد الشام. فجهّز رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة (629م) ثلاثة آلاف[*] من خيرة رجال المسلمين، وأمَّر عليهم زيد بن حارثة للمسير ومقاتلة ذلك الأعرابي شرحبيل بن عمرو، حتى ولو عضده أسيادُهُ الروم ـ وهم لا ريب سيفعلون - بقواهم التي لا تقهر في تلك الحقبة. ولذلك كان الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتوقع لجيشه مواجهةً كبيرة، فقال: «إن أصيب زيدٌ فجعفرُ بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد اللّه بن رواحة على الناس»[*].
أما لماذا يسمي رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأمراءَ على الجيش، الأميرَ تلو الأمير فذلك بوحيٍ من الله تعالى. والوحي هو من مقومات العهد للأنبياء والمرسلين، بل إنه عمَدُ هذا العهد، وأساسه وركنه الركين. ثم تأتي بعده الملكات والقدرات التي يهبها العليُّ القديرُ لتلك الثلة من بني البشر التي تحمل رسالات الله إلى الأرض. فلا غرابة إذن أن يعيّن رسولُ الهدى القادةَ لجيشه إلى مؤتة ممن يريد الله تعالى بهم خيراً وهم يُنتدبون لتلك المهمة الشاقة.
ولم يكن ليغيبَ عن رسول اللّه قطُّ ما لدولة الروم من قوة العتاد والسلاح، ومن كثرة الجيوش والمحاربين، وما حققته جيوشها من انتصارات على الأمبراطورية الفارسية غير بعيدة في الزمان. ومع ذلك فإنّ الدعوة إلى الله تعالى تستوجب الإخلاص والعمل مهما كان فيهما من التضحية والفداء.. من هنا كان تدبير العليّ القدير، عالم الغيب، لتعيين هؤلاء القادة - خصيصاً - حتى يكونوا طليعةً للفتوحات الإسلامية، في مقبل الأيام، التي بشَّر بها جبريلُ الأمينُ رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحياً من ربه تعالى.
وتبرز سمات هؤلاء القادة في ما قاله زيد بن حارثة، عندما جاءه رجل يهودي يدعى النعمان بن فنحص ينصحه قائلاً: «إعهد (أي أوْص) يا زيد، فإنك لن ترجع إلى محمد إن كان نبياً، فإن الأنبياء في بني إسرائيلَ كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم، ثم قالوا: إن أصيب فإنّ فلاناً، فلو سمّوا مائة أصيبوا جميعاً».
فأجابَهُ زيد (رضي اللّه عنه) : «أشهد أنه رسولٌ صادق بارّ».
وهذا الإيمان الذي يتدفق من قلب زيد، فيدحَضُ كلَّ شك لليهودي، أو لغير اليهودي، بأن محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو نبي الله، وخاتم النبيين، هو الإيمان ذاته الذي يجعل عبد اللّه بن رواحة يبكي، وهو يودِّع رسول اللّه، فلما قيل له: وما يبكيك؟ قال: أما والله ما بي حبُّ الدنيا، ولا صبابةٌ إليها، ولكني سمِعت قول الله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا *} [مَريَم: 71]. فلست أدري كيف لي بالصَّدَرِ (يقصد عن النار في الآخرة) بعد الورود؟:
ثم وجَّه كلامه إلى رسول اللّه، وقال[*]:
فَثَبَّتَ اللّهُ ما آتاكَ من حَسَنٍ
تَثْبِيتَ موسى، ونَصْراً كالذي نُصِرُوا
إنّي تَفَرَّستُ فيكَ الخيرَ نافِلةً
اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي ثابِتٌ بَصِرُ
أنت الرَّسُولُ فَمَنْ يُحْرَمْ نوافِلَهُ
والوَجْهَ مِنْهُ فقد أَزْرَى بِهِ القَدَرُ
واستعدَّ الجيش للمسير. فعقد الرسول لواءً أبيضَ ودفعه إلى قائد الجيش زيد بن حارثة، الذي لم يسبق له أن تولى قيادةً مثل هذه من قبل. ثم أوصاه بأن يأتوا مقتل الحارث بن عمير الأزدي، وأن يدعوا مَنْ هناك إلى الإِسلام[*]، فإن أجابوا كان خيراً، وإلا فليستعينوا عليهم بالله العلي القدير، وليقاتلوهم جميعاً ومَنْ والاَهُم أو عَضَدَهم...
وانطلق جيش المسلمين في أول غزوة له خارج حدود شبه الجزيرة، وكان فيه مقاتلون أشداء، أمثال خالد بن الوليد الذي كان حديث عهد في الإِسلام، إلاَّ أنه آثر أن يعوّض عما فاته من جهاد في سبيل هذا الدين، فكان في عداد الجيش في تلك المسيرة الهامّة.
وتقدّم رسولُ الله على رأس الجيش حتى بلغ ظاهر المدينة على ثنية الوداع، فوقف يُلقي وصيته على الجند، وهو يقول لهم: «أوصيكم بتقوى الله، وبمن معكم من المسلمين خيراً. أغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله. لا تغدروا، ولا تغلّوا، ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة، ولا مكفوفاً، ولا كبيراً فانياً، ولا منعزلاً بصومعة، ولا تقربوا نخلاً، ولا تقطعوا شجرةً، ولا تهدموا بناءً»[*].
تلك كانت وصية رسول اللّه إلى جنود الإِسلام. وهي وصية يجدر بأهل الأرض، ولا سيما في هذا العصر بالذات، أن يتفكّروا بها وأن يتخذوها موعظة وذكرى لهم في ما يقومون به من حروب[*]..
وانطلق الجيشُ الإِسلاميُّ في مسيرته، التي كانت بأمرٍ من الله (تعالى) ورسوله الأمين، حتى بلغ معان من أرض الشام. فنزل ينصب معسكره، بينما اجتمع قادته لوضع الخطة التي تمكّنهم من خوض المعركة، إن استحبَّ أهل تلك البلاد الحربَ على السلم.
وكانت المفاجأةُ كبيرةً عندما جاءتهم الأخبار بأن هرقل قد نزل مآبَ من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضمّ إليهم من قبائل العرب (لخم وجُذام والقيْن وبهراء وبليّ) مائة ألف آخرون[*].
وراع المسلمين أنباءُ تلك الحشود الهائلة، التي لا طاقةَ لجيشٍ قوامه ثلاثة آلاف مقاتل على مواجهتها. فرأى قادتُهُ أن يكتبوا إلى رسول اللّه يُعلمونه بواقع الأمر، فإمَّا أن يمدَّهم بالرجال، وإمَّا أن يأمرهم بأمره فيمضوا فيه، لولا أن عبد اللّه بن رواحة قام يثنيهم عن هذا الرأي قائلاً: «أيها المؤمنون، والله إنَّ التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة. وما نقاتل الناس بعددٍ ولا قوةٍ ولا كثرةٍ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله - تعالى - به. فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة»[*].
ومثل وَمْضِ البرق، سرت حماسة الإِيمان في نفوس الجيش كله، فقاموا يمضون على هدى الله تعالى، حتى بلغوا تخوم البلقاء (وهي كورة من أعمال دمشق) فوجدوا جموع هرقل من الروم والعرب قد تقدمت لتلقاهم عند قرية يقال لها «مشارف». فلمَّا لم يجدوا في تلك الناحية ما يدفع عنهم، انحازوا إلى مكان أكثر ملاءمةً بالنسبة لموقعهم، فاتخذوا من قرية «مؤتة» معسكراً لهم.
وتقدمت جيوش الضلال، من الروم، وقبائل العرب، بزحفها إلى مؤتة حيث جرت معارك ضارية ليس فيها تكافؤ بين الطرفين لا في العدد والعتاد، ولا في أي شيء آخر، بل وعلى أرضٍ، كان الروم وحلفاؤهم خاضوا فيها معارك كثيرة ودامية مع الفرس.. ودارت رحى الحرب حامية الوطيس في أعنف قتال وأشدّه، فاندفع زيد بن حارثة في صدر العدو، لا يُرهبُهُ تكاثر الأعداء من حوله، وإن كان يقينه بأنه ملاقٍ حتفه لا محالة.. ولكن ما همَّ!.. وشريطُ حياته نبراسُ شرفٍ على جبين الدهر.. لقد كان عبداً فرفعه «محمد» إلى مرتبة السادة. ولقد صحبه معه على مدار السنين الماضية، ينفحه بروح الإِيمان، وصدق العزيمة، حتى جاءَ اليوم الذي أمَّره فيه على الناس وجعله قائداً لجيشه.. وها هو الآن - في منصبه الرفيع - يُقبل على الموت في سبيل ربِّه تبارك وتعالى، لتكونَ كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، فينال وسام الجهاد الأكبر، ويحظى بالشهادةِ، أمنيةِ المؤمن المخلص الصادق. وعلى هذا الأفق الرحب استُشهد زيد بن حارثة في مؤتة، وعيناه ترنوان إلى هنالك في البعيد.. إلى المدينة المنورة حيث رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي اختاره للشهادة في مقامها الأسمى.. وهنا في مؤتة تفيضُ روحه الطاهرة، وترجع إلى ربها راضية مرضية، وكأنَّا بنفس هذا المؤمن،وهي تعرج إلى الأعلى تترنّم بأناشيد الوفاء، وتصدح بتراتيل الإِيمان.
واقتحم جعفر بن أبي طالب الوغى - وكان شاباً وسيماً في الثالثة والثلاثين من عمره - بقلب شجاع، وإقدام بطوليّ، هو في طبعه بالأصالة. فقد ورِثَ الجرأة من بيتٍ دعائمه المجد، ولبناته الفضائل، وظله الودُّ والرحمة، ناهيك عن البطولات العامرة في ميادين الحروب. فهو ابن أبي طالب، عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، أول هاشمية وَلَدت لهاشمي. ولقد عايش جعفرُ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تحت سقف واحد، ورأى بأم عينيه مكانته عند أبيه، وما كان يغدقه عليه من الحنان والعطف، ومن الرعاية والمحبة، فظلت علائق الأخوة وطيدة بينهما على مدى الأيام. ولا عجب إن تمتَّع جعفر بقوةٍ كانت قبساً من نور النبوَّة، كما يدلُّ عليها قول النبيِّ نفسه لجعفر: «أشْبَهَ خَلْقُكَ خَلْقي، وأشبهَ خُلُقك خُلقي، فأنت مني ومن شجرتي».. ولا عجب إن انبرى في حمَّى المعركة يقاتل قتال الأبطال الأشداء، ويَذُودُ عن حمى الدين ذَوْدَ الفارس النبيّل. لقد اقتحم المعركة وهو يقول[*]:
يا حبذا الجنةُ واقتِرابُها
طيبةً وبارداً شرابُها
والرومُ رومٌ قد دنا عذابُها
عليَّ إن لاقيتُها ضِرابُها
وما زال يضرب الأعداء ضرباتٍ تُطيح بالأعناق، ولواء رسولِ الله في يمينه، حتى قطعها له العدو، فأخذ اللواء بشماله فقُطِعت هي الأخرى، فاحتضنه بعضُدَيْهِ، وما زال كذلك حتى سقط شهيداً، وقد وُجد في جسده الشريف نحو تسعين طعنة.
أية شجاعة أعلى من شجاعتك يا ابن أبي طالب وأنت تذود عن دين الله تعالى؟! ها هنا في مؤتة فليشهد التاريخ على البسالة النادرة، وعلى الأمثولات الرائعات.. وها هنا في مؤتة، كما في أية أرض أخرى، فَلْيُقْتَلِ المؤمنون في سبيل الله تعالى، فهم ليسوا - في قتلهم - أمواتاً، بل شهداءَ، وهم أحياءٌ عند ربهم يرزقون، كما وصفهم الله سبحانه في قوله تعالى:
{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ *فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ *} [آل عِمرَان: 169-171].
نعم، هوى جعفر (عليه السلام) في أرض المعركة، فاندفعت روحه ترفرف نحو ذرى المجد، لتعبر في أجواء المدينة، وهي تحمل وصية الشهيد، وكأني به يقول: «ألا بلِّغي ابن عمي، رسولَ الله وخاتَم أنبيائه، بأنني وفيت في مؤتة، وما وهنتُ وما قَلَيْتُ، وما كان عندي إلاَّ خوفٌ واحدٌ، أن تسقُط رايةُ الإِسلام من يديَّ، فحميتها حتى قُطعتا، ونثرتُ دمائي على الأرض كي تسقيَ في الدروب غرساتٍ يرفرفُ على أغصانها الإِيمان، وتفرِّخَ في الحقول حباتٍ ينبتُ على أوراقها الإسلامُ».
ألا يا واصلاً مدينة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قل لهم: هناك في أرض الشآم جعفر لم يمت، بل هو شهيدٌ يفرح بما آتاه الله من فضله، وبما منحه من أجر، ألا فليهنأ ذوو القربى لمكانته الرفيعة عند ربّه، وليبارك المحبّونَ له جنة اللَّهِ ورضوانه..
... ثم تقدم عبد الله بن رواحة يأخذ الراية ونفسه تحدِّثه بالموت، حتى لكأنها تُغريه بالتردد في خوض المعركة، ولكنه سرعان ما يُغالبُ ضعفَ الإنسانِ فيه، فيقول:
أقسمتُ يا نفسُ لَتَنْزِلِنَّهْ
لتَنْزِلِنَّ أو لَتُكْرَهِنَّهْ
قد طالما قد كنتِ مطمئنهْ
مالي أراكِ تكرهينَ الجنَّهْ
ثم يقول مذكراً برفيقَيه[*]:
يا نفسُ إلاَّ تُقتَلي تموتي
هذا حِمامُ الموتِ قد صَليتِ
وما تمنيتِ فقد أُعطيتِ
إن تفعلي فِعلَهُما هُديتِ
لقد أذهب عبدُ اللّه كلَّ أثر للتردد عنه، فأقبل على القتال، مقداماً غير هيّاب، مطمئناً غيرَ جزع، وما زال يقاتل بطلاً عظيماً حتى استشهد، ولحق بزيد وجعفر إلى الخلود..
وأخذ الراية ثابتُ بن أرقم من بني عجلان، فقال: «يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم». قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل..
فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، وكان رجلَ حربٍ مجرَّباً، وقائداً ماهراً، ما إن أخذ الراية حتى عمد إلى جمع الصفوف. وراح يداور الأعداء في مناوشاتٍ محدودةٍ حتى انتهى النهار، وتحاجز[*] الجيشان لطلوع الصباح.. وأثناء الليل، تدبَّر خالد الخطة التي تمكّنهم من الصمود، فغيَّر أوضاع الجيش، وعبَّأه من جديد، فجعل مقدمته مؤخرته، وميمنته ميسرة، وعلى العكس، ثم وزع عدداً من الرجال غير قليل في المؤخرة، وأمرهم أن يحدثوا جلبة وضوضاءَ، ليوهموا الأعداءَ بأنَّ المدَدَ قد جاءهم من المدينة. وبالفعل فقد سلكت تلك المكيدة الحربية على الروم، لا سيما بعدما رأوا المسلمين يتأخرون قليلاً قليلاً، فظنوا أنهم يخدعونهم ويحاولون القيام بمكيدةٍ، ترمي بهم في الصحراء.. فتأخَّروا عن الهجوم، ثم انحازوا إلى بلادهم.. وبذلك أمكن للجيش الاسلامي أن يفلت من القتال مجدداً بل ومن مطاردة الروم وأعوانهم له، وأن يرجع إلى المدينة بأقل خسائر ممكنة..
ولمَّا بلغ خبر رجوع الجيش الإِسلامي على تلك الحالة، هبَّ الناسُ، كباراً وصغاراً، لرؤية ذلك الجيش المنهزم وما حلَّ به على يد الروم. ولقد بلغ من تراكض الصبيان ما جعل الرسول يشفق عليهم فقال: «خذوا الصبيان فاحملوهم، وأعطوني ابن جعفر». وأخذ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عبدَ اللّه بن جعفر فحمله بين يديه على دابته، وما زال يتقدم الناس حتى بلغوا الجرف، وهناك كانت ملاقاةٌ مريرةٌ للمقاتلين، إذ أقبل عليهم أهل المدينة يحثون التراب في وجوههم، وهم يقولون: «يا فُرَّار، فَررتم في سبيل الله؟!».. فيقول الرسول: «ليسوا بالفُرَّار، ولكنهم الكُرَّار إن شاء الله تعالى»[*].
وتلك أحوالُ الجموع، فهي لا ترحم - عادة - عندما تغشى أعينهم عن الحقيقة، فتندفع وراء المشاعر، غيرَ مدركة الخطأ من الصواب.. فقد ظنَّ الناسُ أن جيشهم توانى حتى لحقت به الهزيمة، ولكنَّ الواقع كان بخلاف ذلك بدليل ما أكّده رسولُ الله وهو ينفي عن ذلك الجيش تهمة الفِرار، وما أثبتته الوقائع أثناء القتال في مؤتة..
لقد كانت أسباب الفرار متوافرة وعديدة أمام الجيش الإِسلامي. إذ كان مقدّراً له، بعدما رأى الجحافلَ من جيوش الأعداء، أن يتخلى عن القتال، ويعود أدراجَهُ، أو أن يطلب - على الأقل - المددَ قبل أن يباشر المعركة.. ولكنه لم يفعل بل آثر المواجهة.. كما كان مقدّراً له، بعد مقتل قادته الثلاثة أن يتفرق مدحوراً، بما يمكّن العدو من مطاردته وإنزال أقصى الضربات به، ولكنه لم يفرّ، بل ثبت في أعنف قتال وأشد معارك.. يضاف إلى ذلك أنه وافق على خطة قائده الجديد خالد بن الوليد، وبقي في مؤتة لمدة سبعة أيام يرقب الأحوال.. فلو لم تكن في نفوس ذلك الجيش القوةُ الكافية، وفي قلبه الشجاعةُ الزائدة، لكان آثر الانسحاب تحت جنح الظلام. ولو فعل لكان عندها عُدَّ منهزماً. أما وأنه ثبت في أماكنه - كما ثبت إبَّان القتال - حتى أوجس منه أعداؤه خيفةً، وامتنعوا عن مهاجمته ثم انحازوا إلى بلادهم، فتلك هي البطولة حقّاً، وذاك هو الصمود بعينه.. لا، لم يكن مقدراً لثلاثة آلاف أن يهزموا مئتي ألف، ولكنَّ ثباتهم أمام هذه الجحافل يعتبر نصراً بذاته..
ثم إنَّ ما قام به هذا الجيش، وفي طليعته قادتُه، إنما يُعدُّ من البطولات النادرة، وفوق الانتصارات المادية. فيكفي أنهم كانوا يقبلون على الموت بحماسةٍ منقطعة النظير، ويخوضون المعارك بكل ضراوة، وسلاحهم إيمان المسلم الصادق الذي يعرف أنَّ دينه يأمره أن يقاتل في سبيل الله حتى يَقتُلَ أو يُقتَلَ. ويكفي أن نعرف أن عدد الشهداء في مؤتة بلغ اثني عشر صحابياً - بينما تفصيل المعركة يدل على كثرة قتلى عدوهم[*] - حتى ندرك مدى البسالة التي كان يقاتل بها الجيش الاسلامي، والتي تدفع عنه تهمة الهزيمة.. ثم إن ذلك القتال وفي ظل تلك الظروف، إنما كان في حقيقته جهاداً في سبيل الله (تعالى).. وجهادٌ من هذا القبيل لهو التجارة الرابحة التي يبيع فيها المؤمنون أنفسهم لله فيقتُلُون ويقتَلون لقوله: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *} [التّوبَة: 111].
نعم، ذلك هو الفوز العظيم الذي ناله شهداءُ الجيش الإِسلامي، قادةً وأفراداً، في مؤتة، فهل يعدُّ بعد ذلك جيشاً فَرَّاراً؟!.. لا والله، بل هو الكرَّار كما وصفه رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ..
ولقد حزن النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لمقتل الشهداء والأمراء الثلاثة حزناً كبيراً. فبكاهم، وراح يطوف على بيوت الشهداء، يواسي أهلهم وأبناءهم، حتى انتهى به المطاف إلى بيت ابن عمه جعفر بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) فاستأذن بالدخول على أسماء بنت عميس، وطلب أن تأتيه بغلمانها الثلاثة: عبداللّه، وعون ومحمد. فأخذهم في حضنه، وراح يقبلهم ويشمّهم وعيناه تذرفان بالدمع. ثم أخذ يمسح على رأس عبد اللّه وهو يقول: «اللَّهم إنَّ جعفراً قد قدم إلى أحسن الثواب، فاخلُفه في ذريته بأحسن ما خلَفْتَ أحداً من عبادك في ذريته». ثم التفت إلى أسماء وقال لها: «يا أسماء! ألا أبشرك؟».
قالت: بلى، بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه.
قال: «إن الله سبحانه قد جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء»[*].
وكان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يريدُ أن يبيّن لها - وللناس - أن الله تعالى قد أثاب جعفراً، كما أخبره جبريل الأمين، بدَلَ يَدْيهِ جَناحَيْنِ يطيرُ بهما في الجنة.
رضي الله عن جعفر ذي الجناحين، وصاحب الهجرتين، أبي المساكين، صاحب لواء الإسلام ولواء رسول اللّه، المدافع عن حياض الدين.. لقد كان يحب المساكين ويجلس إليهم، يخدمهم ويخدمونه، ويحدثهم ويحدثونه، وكان الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يكنّيه «أبا المساكين»، ويقول عنه: «كان أَخْيَرَ الناس للمساكين جعفرُ بن أبي طالب ينقلب بنا فيطعمنا ما في بيته». ومثْله، في ذلك، مثل أهل البيت أولئك الذين قال اللَّهُ تعالى فيهم: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا *إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا *} [الإنسَان: 8-9]. وصدق الله العظيم الذي يورثهم المجد في الدنيا والآخرة، فيكونون الوارثين - عن حق - للخلد: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ *الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *} [المؤمنون: 10-11].
تلك كانت معركة مؤتة، بما حفلت من مخاطرة وجرأة. ولكنها كانت ضرورية لإِرهاب الروم، فيرون فيها بأس المؤمنين وقتالهم، وإن قلَّ عددهم. كما كانت لازمة حتى ترتسم أمام المسلمين طريق الجهاد في مقبل الأيام، وهم ينشدون نشر دينهم في الأمصار، كما دلّت عليه الأحداث المتعاقبة.
cetirizin netdoktor cetirizin yliannostus cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB