خَاتَمُ النَّبييِّن مُحَمَّد (ص) (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1568
تاريخ النشر :   2006




البحث الأول: بين السّياسة والحرب

لقد تفكر الرسول الأعظم طويلاً بكل تلك الأمور المتعلقة بالسعي لإقامة سلام في ربوع شبه الجزيرة، فما وجَدَ أفضل من الذهاب إلى بيت الله الحرام، ومقصدُهُ أداءُ فريضة الحجّ دون أية غاية أخرى، لعلَّ في ذلك ما يتيح لقريش أن تقبل بحجّه الذي سيكون الطريق إلى هدنة بين الطرفين، لاسيما أن احتمالات القبول، مثل احتمالات الرفض، غير مستبعدة تماماً، نظراً للظروف والأوضاع التي آلت إليها قريش... فالوحدة التي كانت تتمتع بها قد عراها الضعف، والقوة التي كانت تتعالى بها قد شابها الوهن، فقد باتت تخشى المسلمين، وترهب جانبهم. بل ويستبدُّ بها القلق، وتأخذها الهواجس كلما تناهت إليها أخبارهم، أو علمت بمآثرهم في البناء والمنعة، والنهج على الدين.. ومثل هذه الأحوال التي آلت إليها قريش لم تعد خافية، لا على القبائل، ولا على المسلمين، أو أية جماعات أخرى في الحجاز ونجد، التي تعيش الأحوال لحظة بلحظة، وتقبع في زوايا الانتظار لمعرفة ما ستؤول إليه الأوضاع في تلك المناطق..
ولذلك عزم رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يتخذ من الحج إلى بيت الله الحرام خطةَ سلامٍ تمكّنه من الاجتماع بقريش، والتفاوض معها على مختلف الشؤون التي تهم الطرفين.. وإنه لفي تدبُّر الطرق الكفيلة بتنفيذ هذه الخطة، إذا برؤيا نبويَّةٍ شريفةٍ تجيئه وهو نائم بأنه سيدخل المسجد الحرام مع أصحابه آمنين، محلّقين رؤوسهم ومقصّرين، لا يخافون عدواً يصدّهم، ولا مانعاً يمنعهم، وذلك مصداق قوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا *} [الفَتْح: 27].
وبشَّرَ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المسلمين بذلك، ففرحوا كثيراً، وارتسمت أمامهم الآمال الواسعة، وأقبلت عليهم الأماني العريضة. فأمَّا الأنصار فقد كان الشوق يغالبهم لزيارة المسجد الحرام الذي حرموا منه منذ ست سنوات، عندما منعوا من دخول مكة والوصول إلى الكعبة الشريفة للطواف حولها، واللواذ بجوارها آمنين مطمئنين...
وأمّا المهاجرون فلم تفارقهم صورة البيت العتيق منذ أن ارتحلوا عنه مكرهين، فهم ما زالوا على عهدهم للعودة إلى أحضانه وبركاته.. إلى مكة - موطن الطفولة والشباب، وموئل الأهل والأحباب - التي لم يفارقهم الحنين إليها قط، ففيها قد خلّفوا شطراً من حياتهم لا يمكن أن يُصدئه النسيانُ أو أن يمحوه البعادُ....
وهكذا سرت بشرى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في النفوس، شوقاً لرؤية البيت العتيق، وحنيناً للعودة إلى الديار، خاصةً وأنَّ في روحانية الإسلام، وما يبعثه في الجوارح من صفاء ونقاوة، ما يزيد في تأثّر النفوس المؤمنة، ويجعلها أكثر رهافة وشفافية. وراح المسلمون يستعدّون للسفر إلى الحجّ، وقلوبهم مليئة بالأمل والرجاء..
على أن رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رأى ألاَّ يذهب بالمسلمين وحدهم في ذلك السفر المشهود، بل شاء أن يرافقهم من قبائل العرب التي لم تدخل في الإسلام، كلُّ من يرغب في ذلك، حتى تستيقن قريش بأن «محمداً» لم يأت مكة ليغزوها، وإنما جاء إلى الحجّ، ومعَه من الناس من ليسوا على دينه.. فإن وقفت في وجهه، وحالت دون وصوله إلى البيت الحرام، فسيكون ذلك حجة ضدها، وسبيلاً للنظر إلى الدعوة الإسلامية على أنها دعوة لدين جديد، يهدي للتي هي أقوم، بعيداً عن العداوة والقتال.. ومن أجل ذلك بعث الرسولُ العظيم والسياسيُّ الحكيم إلى قبائل العرب المجاورة للمدينة يدعوهم ليشتركوا معه في الذهاب إلى الحجّ في ذلك العام.
الخروج إلى الحجّ
وتهيّأت الأجواء للمسير، وتعالى الأذان بالحج، فخرج رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من قبائل العرب، بعدما استخلف على المدينة نميلة بن عبد اللّه الليثي، وكان ذلك في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، قاصدين بيت الله الحرام في مكة. وعقد اللواء لعليّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه فتقدم المسيرة، وقد أخذ معه سبعين بُدنةً من الهدي[*] ساقها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحده، وحمل معه من نسائه أمَّ سلمة (رضي اللّه عنها) . وكانت عدة الناس يومها، من مسلمين وغير مسلمين ألفاً وأربعمائة رجل، لا يحملون من السلاح إلاّ السيوف في أغمادها، وهي سلاح المسافر عادة في الصحراء. وكيف يحملون السلاح، بل ما الحاجة إليه ومقصدهم الحَجّ، في الأشهر الحرم التي كانت العرب تحرم فيها القتال أو الحرب؟.
وتقدَّم رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك الموكب على ناقته، حتى بلغ «ذا الحليفة»[*] وهنالك أحرم وأمر بالإِحرام، فلبّى المسلمون بالعمرة: «لبّيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».
وسار الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بركبه نحو مكة، مقدّماً أمامه عبّاد بن بشر - من سادات الأنصار - في عشرين فارساً، ليكونوا للحاجّين طليعةَ حذرٍ وانتباه، وكشَّافةَ سلامٍ وأمان..
وفي الطريق بعث رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بشر بن سُفيان الكُعبيّ، يتقصّى أخبارَ قريش، وردَّة الفعل لديها على خروجهم.. وعادَ عين الرسول، وهم على مقربة من عسفان - على بعد مرحلتين من مكة - يخبره بأن قريشاً قد أخذتها المخاوف، وهي ترى - واهمةً - أن «محمداً» ما جاء مكة إلاَّ غازياً، كما غزت الأحزاب المدينة من قبل، وإن كان مجيئه تحت ستار الحج إلى بيت الله الحرام. ولذلك أجمعت على الحؤول بينه وبين دخول بلدها، وجهَّزت جيشاً لذلك بلغ عدد فرسانه مئتين، عدا الرجّالة والمحاربين الذين استنصرت بهم من أقوام آخرين. وقد خرج ذلك الجيشُ بقيادة خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل.. وكان ممَّا قاله بشرٌ: «يا رسول اللّه هذه قريشٌ قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العوذُ المطافيل (الإبل التي معها أولادها) قد لبسوا جلود النمور، ونزلوا بذي طُوى (موضع قرب مكة)، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبداً. وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدّموها إلى كُراع الغَمِيم»[*].
فلمّا سمع رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما فعلت قريش، قال: «يا ويحَ قريش! لقد أكلتهم الحرب. ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة. فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يُظهره الله أو تنفردَ هذه السالفة»[*]..
وصدق الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تقديره عزم قريش على الحرب!.. وإلاَّ فلماذا أخرجت كل ذلك الجيش لصدِّ المسلمين عن المسجد الحرام؟! ولو حصلت المواجهة ـ وهذا ما لا يريده الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ فهل تقع الهزيمة إلا على القرشيين، عندما يعود المسلمون إلى المدينة، ويستعدّون لغزوهم؟!..
إن محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد خرج لا يبتغي حرباً، لأن خطته هي السلم والسلم وحده.. ولذلك كان بإمكانه أن يُظهر للملأ من الناس أن قريشاً لا تريد إلاَّ الظلم والعدوان. وها هي فعلاً قد بعثت بجيشها لتحول بين هذه الجماعات التي جاءت مسالمة، تبتغي حقاً مشروعاً لا يجوز لأحدٍ أن يمنعها عنه. فإن استبدّت قريش برأيها فكأنها تريد أن تقتل كل بذرة ما تزال في النفوس على دين جدهم إسماعيل وملة أبيه إبراهيم (عليهما السلام) . وإنَّ في ذلك ما قد يجعل العرب كلها ضد قريش.. إذ ماذا يضمن للقبائل ألاَّ تتحكم تلك الفئة من أهل مكة بمصائر الحجيج فتمنع أو تأذن بالحجّ لمن تشاء، ومتى تشاء؟!.. وما افتضاح أمر قريش هكذا أمام الرأي العام في جزيرة العرب، إلاَّ انتصار للدعوة الإسلامية، وعاملٌ هامٌّ في نشرها بين الناس.. ولذلك آثر رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن لا يحيد عن خطة السلم التي اعتمدها. فإن حيل بينه وبين مقصده، ومُنع هو ومن معه من الحجّ، وقدّر الله تعالى هذا المنع، فإنه يريده منعاً سلمياً لا عن طريق الحرب والقتال. وإن قدّر له دخولُ مكة والوصولُ إلى المسجد الحرام، فإنه يريده كذلك دخولاً سلميّاً، لا دخولَ عنوة وإذلال.
وبذلك كان رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تفكيره أبعدَ نظراً وأكثرَ حكمةً، وأدقَّ سياسة من قريشٍ، بل ومن أي إنسانٍ قد يكون في نفس الموقف، فقرَّر - على الرغم من أنباء قريش - ألاَّ يغيّرَ الخطة التي اعتمدها. فأعلن في الناس ما فعلت قريش، وما بعثت من جيش يرابط في طريقهم. ثم نادى في الجموع: من يخرج بنا على طريقٍ غير طريقهم التي هم بها؟.
فقال حمزة بن عمرو الأسلمي: أنا يا رسول اللّه.
معاهدة الحديبية
وانطلق حمزة أمام حجاج بيت الله الحرام، يسلك بهم طريقاً وعرة، ضاقت ممراتها، وكثرت نتوءاتها، مما جعل السير فيها صعباً للغاية، قد لا يأمن السائر على نفسه من الانزلاق بين لحظة وأخرى، أو الانحدار نحو أعماق الوادي الذي يمرون فوقه. وما زالوا يجهدون في قطع تلك المسالك حتى وصلوا إلى سهل، عند منقطع الوادي، فسلكوا ذات اليمين حتى خرجوا على ثنيّة المُرار، مَهبط الحديبية من أسفل مكة. وما إن بلغوا الحديبية حتى بركت ناقةُ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) القصواء - على حين فجأة، فظنها الناس قد جهدت، فقالوا: «لقد خلأت القصواء» - أي حرنت لا تريد القيام ـ. ولكنَّ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لهم مستدركاً: «ما خلأت وما ذلك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة! والذي نفس محمد بيده، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صِلَة الرحم - وتعظيمَ حرمات الله تعالى - إلا أعطيتهم إياها»[*].
ثم دعا الناسَ إلى النزول وإقامة معسكرهم في الحديبية، ولكن ما لبثوا أن جاؤوه يشتكون ويحذّرون مما قد يصيبهم من العطش والجفاف لعدم وجود الماء هناك، فأشار عليهم أن يتفقدوا قعر الآبار، وهي كثيرة، فلعلّ الله سبحانه يهديهم إلى ماء وفير.. وبالفعل، وببعض من الجهد والبحث وجدوا من الماء في عدة آبارٍ ما يكفيهم للإقامة ما طاب لهم، فزالت العقبة التي كانوا قد ظنُّوها سبباً للضعف، وعدم الإقامة..
أما جيش قريش، فما إن بلغه تحوّل المسلمين عن وجهة سيرهم، واتخاذهم مسلكاً يؤدي بهم إلى الحديبية، حتى أخذه الخوف والفزع، من تجاوزهم له واقتحامهم حدود مكة، فأصدر قادته الأوامر سريعاً بالاندفاع للتصدّي لهم، والوقوف في الناحية التي يمكن أن يشنوا منها الهجوم، لأنهم ظلوا على الظن بأن «محمداً» قد جاء غازياً، ولا شيءَ غيرُ هذا الغزو!.
ومرت بضعة أيام، والحالة على ما هي، فلا قرعُ طبولٍ، ولا إنذارٌ بالحرب، بل موادعة ومسالمة في عسكر المسلمين!. وحارت قريش في أمرها، لا تدري ما تصنع.. فإن هي خلّت بين المسلمين والدخول إلى مكة يحجّون، ويقيمون الشعائر فذلك دليل ضعفٍ، بل ومذلة ـ كما تتوهَّم - سوف تصمها بالعار مدى الحياة!. وإن هي قاتلتِ المسلمين فإنها لن تضمن النصرَ أن يكونَ لصالحها!.. وكلا الأمرين أشدُّ عليها من الآخر. ولذلك سيطر عليها الحنق حتى كاد يقتلها، إلاَّ أنها ظلَّت ترصدُ الأجواءَ، من دون اتخاذ أي موقف حيال النازلين في الحديبية.
وكذلك المسلمون من ناحيتهم، فإنَّ الضيق والتململ كانَ قد بدأ يدبُّ في نفوسهم، وهم يرون بأنَّ قريشاً لن تمكّنهم من زيارة المسجد الحرام، فانطلق البعض يتساءلون: وماذا علينا لو نقاتلها، كي نردَّها عن غيّها، فتستوي الطريقُ آمنةً أمامنا لزيارة الكعبة التي غلبنا الشوق إليها؟!..
وجاءت جماعة كبيرة تعرض على رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فكرة القتال، ولكنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رفض بشدّة، مؤكداً أنه لن يحيد عن خطة السلم التي رسمها منذ أن أعدَّ - في ذي القعدة - للحج عدته، وأنه يؤثر أن تكون قريش هي المعلنة عن نياتها..
وخلال تلك الفترة من الترقب والانتظار جاء بُديْل بن ورقاء الخزاعي في رجال من بني قومه، يسألون رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عمَّا جاء به. فكان جوابه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه ما جاء يريدُ حرباً وإنما جاء زائراً للبيت العتيق، ومعظِّماً لحرماته..
وذهب بديلٌ إلى قريش قائلاً: «يا معشر قريش! إنكم والله تعجلون على محمد، إنه لم يأتِ لقتالٍ وإنما جاء، مع أصحابه، زائراً هذا البيت». ولكنهم اتَّهموا رجلَ خزاعة بالمراوغة، ممالأةً ونصرةً للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقالوا:
»وإن كان جاء لا يريد قتالاً، فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبداً، حتى لا يتحدث بذلك عنّا العرب»[*].
وأوفدت، بعدها، قريشٌ مِكرَزَ بن حَفْص بن الأَخْيَف، أخا بني عامر بن لؤي، فما سمع هذا الرجل من رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاَّ ما سمعه بديلٌ وأصحابه، فعادَ يحدِّثُهم بنيّة «محمد» ومقصده، ولكنهم لم يصدّقوا..
ورأى القرشيون بعد مشاورات طويلة فيما بينهم أن يبعثوا إلى «محمدٍ» الحُليسَ بن علقمة، وكان سيد الأحابيش - يومئذ - وغرضهم إثارةُ حفيظة هذا الرجل على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إن فشل في مفاوضته، ممَّا يدفع بالأحابيش في وجه «هذا الغازي» مغضبين، مقاتلين!.. ولكنَّ رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يدرك خلفيَّةَ تفكير قريش في كل من تُوفِده إليه. فلما أشرف الحليس على المسلمين قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البُدْنَ، فابعثوها أمامَهُ، ومرادُهُ أن تكون البدنُ دليلاً مادّياً محسوساً على حسن نية المسلمين في مقصدهم بيت الله الحرام..
فلما رأى الحليسُ الهدْيَ مقبلاً عليه من عرض الوادي في قلائده، وكأنه قد أكل أوباره من طول الحبس عن مَحلّه، ولمَّا لم يقع بصرُهُ في معسكر الحديبية إلاَّ على أناسٍ مُحرمين، تحفُّ من حولهم مظاهر العبادة، وتنتشر في أجوائهم نفحاتُ الأمان.. كل ذلك جعل نفسه تثور لتلك المشاهد التي لا يراها ذو نفسٍ صافية إلاَّ ويشعر بأنها تنفذ إلى أعماقه، وتزيل منها كوامن الحقد والضغينة..
أجل، لقد رأى الحليس بأم العين حقيقة ما جاءَ المسلمون - ومن معهم ـ لأجله، فانقلب إلى مكة من غير أن يلقى رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ليقول لهم بأنْ يُخلّوا بين الرجل ومقصده، لأنه جاء طالبَ عبادة ليس إلاَّ... فقالوا له: «اجلس فإنما أنت أعرابيّ لا علمَ لك»[*].
وأحسَّ الحليس بالمهانة، فنفر في وجوههم مغضباً، وهو يهدّدهم قائلاً:
»والذي نفس الحليس بيده لتُخَلُّنَّ بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرنَّ بالأحابيش، عن مكة، نفرةَ رجل واحد».
وخافت قريش من مغبَّة سوء فعالها، وانقلبَ السحرُ على الساحر، فبدلَ أنْ يُغاضِبَ «محمدٌ» الأحابيش - كما رسمت العقول الشريرة - ها هو سيدُهم الحليس يهدد بالنفور عن مكة في بني قومه.. ولئن فعل فإنها ستخسر قوماً محاربين، أشداء في القتال، فتضعف قوتها، وتخور عزيمتها، وبذلك تصبح لقمة سائغة، يستطيع أن يقضيَ عليها «محمد» قضاء تاماً... فاستدرك زعماؤها الأمر، وأجمعوا على أن يوفدوا إلى «محمد» رجلَ حكمةٍ ورأي ليقنعه بالعودة من حيث أتى؛ فذهبوا إلى عروة بن مسعود، سيد بني ثقيف، فلما حدّثوه بالأمر قال: أنا آتيه..
وجاء عروةُ الثقفيُّ يلقى النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويقول له: «يا محمد! جمَّعت أوشاب (أخلاط) الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك[*]. لتفضَّها [*] بهم. إنها قريش قد خرجت معها العُوذُ المطافيل[*] قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبداً. وأيم الله، لكأني بهؤلاء (يريد المسلمين) قد انكشفوا عنك غداً»[*].
وكان أبو بكر الصديق (رضي اللّه عنه) حاضراً في الاجتماع، فلم يحتمل الطعن في إخلاص الصحابة لنبيهم فقال:
ـ ويحك يا عروة، أنحن نخذل رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وننكشف عنه، وكلنا مستعد للموت دونه؟! لا والله يا من تعبد الصنم الذليل المهين! ونحن نعبد الله العلي.
ونظر إليه عروة حانقاً، ثم قال له:
ـ أما والله لولا يدٌ كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، ولكن هذه بها.. (وكان عروة يشير بذلك إلى أنه كان يحمل دية فيما مضى فأعانه ابن أبي قحافة على أدائها، وكان في نيته ردُّها إليه، أما الآن فإن إهانته له بمقابلها)..
وطال الحوار بين رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعروة، والمسلمون من حولهما، وفيهم المغيرة بن شعبة، قد لبس على وجهه، فخفي أمره على عمه، فلما رآهُ يمدُّ يده لتناول لحية رسول اللّه - جرياً على عادة العرب في الملاطفة، والرغبة في التحية والتواصل - ضرب يده بكعب السيف، وهو يقول له: «أُكفُفْ يدك عن لحية رسول اللّه قبل أن لا تصل إليك»، فأجفل عروة وأبدى مضايقةً ونفوراً من الرجل المقنَّع، فقال له: «ويحك ما أفظّكَ وأغلظك!».
ثم سأل النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : من هذا؟ فتبسَّم وقال له: إنه ابن أخيك المغيرةُ بن شعبة..
فدهش عروة وقال: ويحَك يا ثقفي (ويعني نفسه)!.. إن حبَّ «محمد» عند أصحابه فوق حبهم لأهليهم.
ولم يسمع عروةُ طوال الحديث إلاَّ جواباً واحداً: السلم.. ولم يجد عند رسول اللّه إلاَّ شيئاً واحداً: الدخول إلى بيت الله الحرام، إلى الكعبة التي اشتاقت لها النفوس المؤمنة.
فلما أفرغ كلَّ ما في جعبته، رجع عروة بن مسعود إلى قريش قائلاً: «يا معشر قريش! والله لقد وفدت على الملوك، فجئت كسرى، وقيصر، والنجاشي في ملكهم، وإني والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابُهُ كما يعظِّمُ محمداً أصحابُهُ،.. وقد عرض عليكم خطة رشد[*] فاقبلوها».
ولم يعد لدى قريش ذريعةٌ تحتجُّ بها: خزاعة، وعامر، والأحابيش، وثقيف وغيرهم.. فقد بعثت بهم جميعاً إلى «محمد» بغية التشكيك به والتحريض عليه، وجميعاً عادوا مصدّقين «محمداً»، ومُثبتين صفاء سريرته في مجيئه.. فآثرت الترقب والانتظار!..
ورأى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن قريشاً قد توقفت عن بعث المفاوضين، فأرسل إليها خراش بن أمية الخزاعي، على جملٍ له، لكي يبلّغهم أنه يريد الدخول. فقاموا إليه يعقرون جملَ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويريدون قتله، لولا أن منعته الأحابيش، فخلّوا سبيله..
واحتمل الرسول الأعظم ذلك الجرم الكبير الذي اقترفته قريش، على الرغم من أن مهانة الرُّسلِ لا تُغتفر، وتناسى تلك الحماقة التي ارتكبتها.. ولكنَّ هذا الموقف المتسامح لم يزدها إلاَّ إمعاناً في الغرور والشطط، فراحت تبعث سفهاءها في جوف الليل يرمون جيش المسلمين بالحجارة، ويُسمعونهم شتى أنواع الشتائم وأقذر السباب، والمسلمون ساكنون لا يردون عليهم بشيء.. وفي ليلةٍ خرج من مكة سبعون من المشركين، فهبطوا من ناحية التنعيم، وفي نيتهم التسلل إلى معسكر المسلمين؛ غير أنَّ محمد بن سلمة قائد الحرس ورفاقَهُ اعتقلوهم جميعاً، وقادوهم إلى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كي ينظر في أمرهم، فما كان منه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاَّ أن عفا عنهُم، وأطلق سراحهم، كما يبيّنُهُ قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفَتْح: 24].
تلك الفعال الشنيعة من قريش، وما قابلها من سماحة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخُلُقه العظيم، كانت لها أصداؤها المدوِّية في مكة، حتى باتت غالبية الرأي العام فيها إلى جانبه، ولو أرادَ دخولها من أقطارها لما وجد من يصده، إلاَّ الذين وترهم الحقد والضغينة. ولكن مقاصده (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كانت بعيدة، فترك لقريش أن تثوب إلى رشدها.. وقد نجح فعلاً في ذلك، فارتضت بمعاودة المفاوضة والركون إلى السلام، ولكن بصعوبة شديدة...
أما كيف حصل ذلك، فقد كان عندما قررَ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يبعث إلى قريشٍ موفده الخاص، فدعا إليه عمر بن الخطاب، وعرض عليه أمرَ الذهاب إلى قريشٍ فأبدى العذر قائلاً: «يا رسول اللّه، إني أخاف قريشاً على نفسي وليس لي بمكة أحد من بني عدي بن كعب يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي لها وغلظتي عليها»[*].
فدعا رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إليه عثمان بن عفان، وأوفده إلى قريش مفاوضاً.. وكان أوَّلَ من لقيه في مكة، أبانُ بن سعيد بن العاص، فطلب إليه أن يجيره[*]، فقط إلى الوقت الذي يفرغ فيه من أداء مهمته. وقصد عثمانُ أبا سفيان بن حرب، واجتمع إليه في عدد من كبار رجال قريش، ليخبرهم بأن رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا ينفك يريد زيارة المسجد الحرام.. ولكنَّ القوم ثاروا في وجهه، وأبوا ذلك قائلين: «يا عثمان! إن شئت أن تطوف بالبيت فطف».
فأجابهم عثمان:
ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . إنما جئنا لنزورَ البيت العتيق، ولنعظِّمَ حرماته، ولنؤديَ فرض العبادة عنده. وقد جئنا بالهدي معنا، فإذا نحرناها رجعنا بسلام.
ورفضت قريش مُصرّة على عنادها.. ورفض عثمان (رضي اللّه عنه) أن يفارق مكة قبل أن يصل إلى ما يمكّن من تقارب وجهات النظر، وبذلك طالت المفاوضات بينه وبينها ثلاثة أيام، الأمر الذي أقلق المسلمين عليه، ثم سرت الشائعة بأنَّ قريشاً قد غدرت بعثمان بن عفان وقتلته. وكانت تلك الشائعة كافية لأن تهيج غضب المسلمين، وأن يطلبوا من رسول اللّه أن يعزم على القتال.. إلاَّ أن الرسول الأعظم كان لا يزال مصرّاً على تنفيذ خطة السِّلم، وقد أعطى لقريش كلَّ الفرص كي تأنس منه هذا الموقف، وهو لا يريد أن يفقد الأمل بأنَّ الفرصة آتية لا شك. ولكنْ! عليه أن يحسب لجميع الاحتمالات حسابها. فهو وإن كان يستبعد قتلَ قريش لعثمان، إلاَّ أنَّ ذلك لا يمنعه من اتخاذ التدابير التي يمليها الموقف. لذلك عزم على القتال إن تأكد له غدْر قريش بصاحبه، فقال لمن حوله: «لئن فعلت قريش فلا نبرح حتى نناجز القوم».
ولكي يهدّئ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من ثائرة غضب المسلمين، ويمنَعَ ذلك الهياج الذي يسيطر عليهم، دعاهم إليه، ثم وقف تحت شجرة وطلب أن يبايعوه، فأقبلوا يبايعونه جميعاً «ألاَّ يفروا حتى الموت».. وهم يبدون من عميق الإِيمان أخلصه. وفيهم نزل قولُ الله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا *} [الفَتْح: 18].
وطابت نفوس المسلمين ببيعة الرضوان، وزادهم سكينةً رجوع عثمان بن عفان سالماً، وفي تلك الاثناء كان خبر البيعة قد تناهى إلى قريش، فخافت على نفسها، ورأت أنَّ الأمر لم يعد يحتمل التسويف، والمماطلة، ولذلك ائتمرت وأقرّت بأن تفاوضَ على صلحٍ حدّدت هي شروطه بصورة مسبقة، ثم بعثت بها سهيل بن عمرو، أخا بني عامر، وهي توصيه قائلة: «ائتِ محمداً فصالحه، ولا يكن في صلحه إلاَّ أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تحدِّث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبداً».
وجاء سهيل بن عمرو إلى الحديبية يطرح مطالب قريش على بساط المفاوضات.. وعلى الرغم ممَّا وجَدَ فيها الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من صلافةٍ وقصرِ نظر، فقد وافق على البحث بها، لأن مقاصدَهُ أبعدُ بكثيرٍ ممَّا تتصوّر قريش. فقد كان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يرى أنَّ مجردَ إقامة عهد بينه وبين قريش إنما فيه مصلحة الدعوة والمسلمين.. فلا شيء يُضير إن زاروا البيت الحرام هذا العام، أو أن يأتوه العام المقبل - إن شاء الله تعالى - فالمهم أن يجعل قريشاً توقع على عهدٍ معه، لأن فيه اعترافاً منها بالإِسلام ديناً من أديان جزيرة العرب، وبحق أبناء هذا الدين في زيارة البيت العتيق.. بل وهم أولى من غيرهم بزيارته بعد أن جعله الله سبحانه وتعالى قبلةً للمسلمين، فأعطاه قدسية أعلى من قدسية قريش له، لأن تقديسها غناءٌ وتصديةٌ، وغاياتٌ نفعيّةٌ طالما نالت بسببها مكانة بفضل هذا البيت الذي أعزه الله تعالى وكرَّمه في دنيا الناس. ثم أليس في إقامة صلح ما بين «محمد» وقريش ما من شأنه أن يعزل اليهود في خيبر، وهم ما يزالون يطمعون في محاربته والقضاء عليه؟! ولعلَّ أهمَّ من ذلك كله فرضُ الشروط التي تمنع على قريش الوقوف في وجه انتشار الدعوة الإِسلامية، فتنطلق هذه الدعوة آمنة من الغدر ونصْب المكائد لها من جانب العرب على الأقل، وقريش بالذات؟!..
من أجل تلك المقاصد البعيدة، رضيَ رسولُ الله أن يتفاوض مع سهيل بن عمرو بالأناة والصبر، لما كان يبدي ذلك المشركُ، مرةً تلو مرةً، من رغبةٍ بالتوقف والانقطاع عن المفاوضة.. إلاَّ أن الرسول الأعظم، وبما عُهِدَ فيه من حِكْمةٍ، ورؤيا واضحة صائبة، وبما عُرِفَ عنه من دقة في السياسة، وقدرة على المحاورة، كان يحول بينه وبين رغبته تلك، مبدياً من التساهل ما أدهشَ الصحابةَ، ومن التسامح ما عقلَ ألسنتَهم، وإن كانوا في قرارة أنفسهم مغضبين على ابن عمرو لصلافته وتشدّده، إذ بدا كأنه يمثّل أصحاب القوة الغالبة، ومن بيدهم اتخاذُ القرار، بينما - في الواقع - هم على خلاف ذلك تماماً!.
ومهما يكن من أمر، فقد جرت مناقشةُ كافة المسائل المطروحة، حتى التأم الأمر على الصلح، ولم يبق إلاَّ كتابةُ المعاهدة.. فدعا الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليَّ بن أبي طالب ليكون كاتبَهُ، فجلس أمام رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإلى جانبه سهيل بن عمرو، وقد أحاط بهم الناس من مسلمين وغير مسلمين...
وبدأ الرسول قائلاً لعليّ: «اكتب: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم».
فقال سهيل بن عمرو: «أما الرحمان فوالله ما ندري ما هو، ولكن اكتب باسمك الَّلهُمَّ»[*].
فقال الرسول «اكتب: باسمك اللهم». فكتبها عليّ.
ثم عاد، فقال له: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسولُ الله سهيل بن عمرو». فاعترض سهيل وقال: «فوالله لو كنا نعلمُ أنك رسول اللّه ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله»[*] فقال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : إني رسول اللّه وإن كذبتموني. ثم أشار إلى عليٍّ قائلاً: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمدٌ بنُ عبد اللّه سهيلَ بنَ عمرو».
وتابع النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يملي على عليٍّ نصَّ المعاهدة حتى اكتملت، فجاء أبرزُ بنودها:
1 - إقامة هدنة بين المسلمين وقريش إلى عشر سنين، فلا يجري أثناءها قتال أو حرب، ولا إسلال أو إغلال[*].
2 - من أسلَمَ من قريش وأتى محمداً بغير إذن وليّه ردَّه عليهم، ومن ارتدَّ من المسلمين وجاءَ قريشاً لم يردّوه عليه.
3 - من أحبَّ من العرب محالفة محمد وإقامة عهدٍ معه فلا جناح عليه، ومن رغب في محالفة قريش ومعاهدتها فَلَهُ ذَلك.
4 - رجوع محمد وأصحابه عن مكة عامهم هذا، على أن يعودوا إليها العام المقبل، فيدخلوها ويقيموا فيها ثلاثة أيام، وليس معهم من السلاح إلاَّ السيوف في أغمادها، ولا تتعرض لهم قريش بأي نوع من أنواع التعرض.
5 - مدة المعاهدة عشر سنين من تاريخ توقيعها.
وجرى التوقيع، وأشهد الشهود: رجال من المسلمين ومن المشركين.
فدخلت خزاعة في عقد مع «محمد» وعهده، بينما دخل بنو بكر في حلف مع قريش وعهدها.
على أن تلك المعاهدة، وعلى الرغم من أن رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو الذي أبرمها، ووافق على ما فيها من الشروط (التي يقدّرُ، وحده، أبعادَها ومراميها) فإنها لم تُرضِ كثيراً من المسلمين، حتى أنَّ البعض ثارت ثائرته، مندِّداً بقريش وصلافتها علناً، مما أدّى إلى الهياج في المعسكر.. ويمكن أن نستَدِلَّ على غضب أكثرية المسلمين من تلك المعاهدة بما دارَ من جدال طويل حولها بين عمر بن الخطاب الذي كان يعارضها، وبين أبي بكر الصديق الذي خالفه في معارضته وهو يقول له في نهاية النقاش: يا عمر! الزم غرزَهُ (أي أمرَهُ ونهيَهُ)، فإني أشهد أنه رسول اللّه[*]. فقال عمر: وأنا أشهد أنه رسول اللّه.
ولكنَّ عمر لم تحمله نفسه على السكوت، فأتى الرسول قائلاً: ألستَ برسول اللّه؟.
قال رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «بلى!».
قال عمر: «أوَ لسنا بالمسلمين؟».
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «بلى».
قال عمر: «أو ليسوا بالمشركين؟».
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «بلى».
فقال عمر: «فعلام نعطي الدَّنيَّة في ديننا؟».
فقال رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «أنا عبدُ الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يُضيِّعني»[*].
وليس لأحد من بني البشر أنْ يقدِّر الأقدار، لأنَّها تجري بأمرٍ من الله (سبحانه وتعالى)، فما إن انتهى توقيع المعاهدة ولمَّا يجفَّ حبرُها بعدُ، فقد حدث ما فيه امتحانٌ لصبرِ المؤمنين ووفائهم للعهد الذي أخذه النبي الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على نفسه، وكتَبه ميثاقاً بينه وبين قريش أجل، في تلك الساعة التي اضطربت فيها النفوس، ظهر أبو جندل، ابنُ سهيل بن عمرو ذاته، رئيسِ وفد المفاوضة، وقد جاءَ هارباً بإسلامه من مكة، يرسف في قيوده، مؤملاً أن يلحق بإخوانه المسلمين، ويذهب معهم قبل مغادرتهم الحديبية، فعمل ما في طاقته حتى يفلت من السجن، وقد واتَتْهُ الفرصة، فهرب يلوذ بالجبال، ويتجنب الطرقات، حتى قدر على إدراك الحديبية، ولكن في ساعةٍ كان العهدُ فيها قد جرى توقيعه، وأصبح ملزِماً للطرفين..
ورآه المسلمون يندفع نحوهم على تلك الحال المزرية، فتلقَّوه مهللين، مكبِّرين، وكأنه جاء تنفيساً عن الكرب الذي كان يملأ قلوبهم في مثل هذا الموقف الذي اعتبروه حرجاً بالنسبة إليهم.. وقام سهيل ابن عمرو يشتدُّ مسرعاً إلى ابنه، فيأخذه بتلابيبه، وهو يصرخ بأعلى صوته: هذا يا محمدُ أول ما أقاضيك عليه، على أن تردَّه.
وحاول رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جاهداً أن يخلّص أبا جندل من قساوة أبيه، فقال لسهيل بن عمرو: «هَبْهُ لي أو أجرْه من العذاب».. ولكنَّ ذلك لم ينفع شيئاً مع سهيل بن عمرو، بل قال للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : لقد تمَّت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا.
وهنا راح أبو جندل المسكين يصرخ:
ـ «يا معشر المسلمين أَأُرَدُّ إلى المشركين يفتنونني عن ديني؟!»..
وماذا بيد رسولِ الله أن يفعل؟! فقد رمق أبا جندل بنظرة صبر واحتساب، ثم قال له مواسياً: «يا أبا جندل! اصبر واحتسب، فإِنَّ الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً. إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم عهد الله، وأعطَوْنا، وإنّا لا نغدر بهم»[*].
ولم يكن أمام أبي جندل إلاَّ الرضوخُ لحكم الله تعالى، فخفض صوته ولاذ بالصمت، وأسلس الزمامَ لأبيه، يُعيده إلى مكة كما جاءَ، وهو يرسف في قيوده.
لقد حزن النبي على أبي جندل - كما حزن عليه سائر المسلمين - وتمنَّى أن يخلّصه من كربته، ولكنَّ قسوة الأب قد غلبت وهو يحتجّ بالعهد، مما اضطر النبيَّ للسكوت وفاءً لعهدٍ ما كان ليعقده لو لم يرَ فيه خيرَ المسلمين، والحفاظ على المصلحة العامة التي يجب احترامها ومراعاتها، حتى ولو تعارضت أحياناً مع مصلحة الفرد..
وبالفعل فقد كان رسول اللّه مطمئناً إلى ما فعله. ولكن ما أغاظه هو ما بدر من المسلمين من هياج، وعدم رضى، دون أن يتفكروا في النتائج التي سوف يحققونها في مستقبل أيامهم، لاسيما وأنه قد أمَرَ ببُدنة فنحرت، ولم ينحر مثلَهُ أغلبُ المسلمين، فذهب إلى خيمته وما تزال آثار الغيظ باديةً عليه، فسألته زوجه أم سلمة (رضي اللّه عنها) عما به قائلة: ما شأنك يا رسول اللّه؟!.
فأخبرها (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما عليه الناس من غضبٍ ونقمة، فقالت:
»يا رسولَ الله، أنت الأسوة لأبناء أمتك، وما رأيتُ مؤمنين أكثر إخلاصاً لرسالتهم، ولا أشدَّ حبّاً لله ولرسوله من هؤلاء المسلمين الذين تخلوا عن الدنيا ومباهجها واتبعوا دعوتك. فعلى بركة الله يا رسول اللّه، فستجدهم بعون الله راضين، يُقبلون على ما تقبل عليه، ويفعلون مثل ما تفعل».
وقام رسول اللّه إلى الصلاة منفرداً في خيمته - كعادته في كل أمر يحزبه في الشدة - مبتهلاً إلى الله تعالى أن ينير سبيل المسلمين، حتى امتلأت نفسه الشريفة بالطمأنينة والرضى، فخرج وحلق إيذاناً بالعمرة. وما إن رأى المسلمون صنيع رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى تواثبوا ينحرون ويحلقون. وقد تخلّف البعض عن ذلك مقصِّراً.. ولاحظ رسولُ الله ذلك، فقال: «يرحم الله المحلِّقين».
فسألوه: والمقصّرين يا رسول اللّه؟
فأعاد: «يرحم الله المحلّقين».
وخافت الجماعة التي قصَّرت، فجاءت تسأله مسترحمة: والمقصِّرين يا رسول اللّه؟
فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «والمقصّرين».
وسألوه لماذا خصَّ بالرحمة المحلقين أولاً، فأجاب (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «لأنهم لم يَشُكُّوا»...
لقد استجاب المسلمون، فنحروا الهدي، وحلقوا، وقصّروا، ولكنَّ أكثرهم كان ما يزال في قرارة نفسه، على مضـضٍ من الصلح الذي جرى إنفاذه، فقد وجَدَه أولئك المعترضون مجحفاً بحق المسلمين، ونالهم فيه شيء من الحيف والغبن.. فتساءلوا: ولمَ؟ أمِن أجل إقامة صلحٍ مع قريش وهي الأضعف والأذلّ؟! أم من أجل سلامتهم، وهم على نيّةِ القتال بسبب الصلف القرشي؟!...
ولشدة ما كان يعتمل في نفوس هؤلاء الغاضبين، فقد جاؤوا يستجلون حقيقة الأمر من رسول اللّه، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّه، ألستَ نبيَّ الله؟!
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «بلى».
قال عمر: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟!
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «بلى».
قال عمر: فعلام نعطي الدنيَّة في ديننا إذاً، ونرجع ولمّا يحكم الله بيننا وبين أعدائنا؟!
فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «إني رسول اللّه، وهو ناصري، ولست أعصيه».
قال عمر: أو لست كنتَ تحدّثنا أنَّا سنأتي البيتَ، ونطوفُ به؟!
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «بلى، أفأخبرتُكَ أنكَ تأتيه العامَ»؟!..
قال عمر: لا.
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «فإنَّك آتيهِ، ومطوِّفٌ به».
قال عمر: فكيف نردُّ إلى الكفار من جاءنا مسلماً، ولا يَردُّونَ علينا مَن ذهب إليهم؟!
فأوضح لهم رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : أنَّ من ذهب إلى المشركين فلا ردَّهُ الله، لأنه ذهَبَ مرتدّاً كافراً، وأمَّا من جاء مِنَ المسلمين، ورُدَّ إلى الأعداء فإنَّ الله العلي القدير سيجعل له مخرجاً وفرجاً..
وكانت إقامة المسلمين في الحديبية قرابة عشرين يوماً، أذّن بعدها مؤذِّنُ الرسول بالعودة إلى المدينة. ولكنْ، حتى لا يبقى في نفوس المسلمين أثر للقلق مما أنفذ رسولُه من عهد، فقد شاء رب العزة والجلال أن يجعل الأمن في قلوبهم، والسكينة في نفوسهم، فأنزل على رسوله الكريم وهم في طريق العودة «سورة الفتح»، التي تبشِّر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنَّ ربَّهُ العليَّ العظيم قد فتح له فتحاً مبيناً وأنه قد أنعمَ عليه من المغفرة، وإتمام النعمة ما يطيب به نفساً، ويقرُّ به عيناً، وذلك بقوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِيناً *لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا *وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا *} [الفَتْح: 1-3] - فلما أتمَّ الرسولُ الأعظم تلاوةَ السورة المباركة، وما تحمل من وعود كريمة وعظات بالغات للمؤمنين، أيقنوا بأن معاهدة الحديبية كانت حقاً فتحاً مبيناً لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - ولهم على السواء - أما ذلك الجموحُ الذي أخذ بنفوسهم، لفترة من الوقت، فإنما كان هفوةً ارتكبوها، فاستغفروا الله (تعالى) وأثنوا عليه، معاهدين على الوفاء والإخلاص في النية والعمل.
أما الأغراض التي قصد رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تحقيقها من معاهدة الحديبية فهي ترمي إلى ما يلي:
1 - العمل على تغيير الرأي العام من العداوة للدعوة الإِسلامية إلى قبولها واقعاً قائماً، وفاعلاً، ليس عند قريش وحدها، بل عند العرب عامة. وهذا يعني الاعتراف بالإِسلام ديناً، والإقرار بنبوة محمدٍ رسول اللّه..
2 - إثبات مكانة المسلمين بين مختلف الأطراف في الجزيرة، بل واعتبارهم طرفاً قوياً، قادراً على عقد المعاهدات والمواثيق، والالتزام بتنفيذها.
3 - التأكيد على قوة العقيدة الإسلامية في نفوس المؤمنين، إذ لولا أحقيّة هذه العقيدة، وصدق الإيمان بها، لما كان ذلك العزم الذي يجعل المسلمين يقدمون على خطوات جريئة - بل وخطيرة - كما في ذهابهم إلى الحج، ونيَّتِهِم دخولَ مكة على الرغم من عداوة قريش لهم وحقدها عليهم.
4 - قطع الطريق على قريش بالتحالف مع اليهود، ومع قبائل العرب للقتال ضد المسلمين؛ وهذا يعني تأمين جانب عسكري هامٍّ في مسيرة الدولة الإسلامية الجديدة التي بدأت تفرض نفسها في جزيرة العرب.
5 - جعل المسلمين المستضعفين داخل مكة يشكلون جيباً داخل معسكر العدو.. إذ لم تعد قريش تتعسَّفُ بظلمها لهم، وخففت كثيراً من القيود التي كانت تسلبهم حرية الحركة ووضعهم تحت المراقبة، وفرض الانصياع لأوامرها.
6 - التبيين للمسلمين أن المناورات السياسية هي من وسائل الدعوة الإِسلامية، وأن الطريقة في السياسة هي من جنس الفكرة: صدقٌ ووفاءُ عهد.. لكن الأساليب يمكن أن يتخلّلها دهاء من المسلمين بإخفاء الأهداف عن العدو، وصرفه عن السبل الكفيلة بتحقيق تلك الأهداف.
ولكنَّ أبرز النتائج التي حققها صلح الحديبية، وأبعدها أثراً، يبقى ذلك الفتح المبين على الإسلام والمسلمين.. فالإِسلام منذ أن بزغ فجرُهُ دينَ التوحيد، قامت ضدّه العرب بأجمعها، وحجتها البقاء على دين الآباء والأجداد... فكان محتوماً وجود الصراع الفكري والعسكري بين الإسلام الذي يدعو لعبادة الله الواحد الأحد، وبين الوثنية التي تقوم على الشرك والكفر.. وبحكم قلّة المسلمين في بداية ظهور دعوتهم، لاقوا من الظلم والاضطهاد عنتاً شديداً.. وكانت قريش عدوَّهم الأول، لأنها - يومئذٍ - صاحبة أقوى كيان سياسي في شبه الجزيرة، والقبائل الأخرى تتأثر بمواقفها، وتحذو حذوها في كثيرٍ من الأمور، وفي كثير من الأحيان.. وهذا أمر واقع في حياة الدول والشعوب، نراه اليوم، كما كان قائماً في الماضي... وعلى الرغم من الانتصارات التي حققها المسلمون، ولاسيما في معركة بدر، فإن حدَّة ذلك الصراع لم تنكسر حتى كانت الحديبية، وعقد الصلح مع قريش، الذي أدى إلى تخفيف وطأة العداوة في نفوس القبائل ضد الدعوة الإسلامية، ممّا قد يفتح أمامها سبل التقدم إلى الأمام، ويقضي على كثير من العوائق التي كانت تقف في طريقها؛ وهذا من شأنه أنْ يتيح للمسلمين المجال للاهتمام بالشؤون الحياتية، بدلاً من الانشغال الدائم في الغزوات والسرايا والمعارك، كما حصل خلال السنوات الماضية..
وهذا - بالفعل - بعضٌ مما حققته معاهدة الحديبية، إذ كان الصلح الذي انبثق عنها فتحاً مبيناً للمسلمين بكل معنى الكلمة، وقد أَمَرَ به ربُّ العالمين، وأثبته التنزيل الحكيم، وقد أجراهُ اللَّهُ تعالى على يَديْ رسولِهِ الكريم بما حَبَاهُ من بعد في النظر، ودقةٍ في الأمور السياسية. يقول الزهري: «فما فُتح في الإسلام فتحٌ قبله كان أعظم منه، ولقد دخل في الدين الجديد مثل من كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر»، والدليل على قول الزهري، كما قال ابن هشام، أنَّ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج عام فتح مكة - كما سنرى - بعد ذلك بسنتين - في عشرة آلاف[*].
غزوة خيبر
عادَ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الحديبية مطمئناً إلى هَدْي الله (تعالى) ومنّته على المسلمين بالفتح المبين، فكان في ذلك عامل إضافي لاستكمال الخطة التي كان يفكر بها لتحركه الجديد... فقد بلغه قبل خروجه قاصداً الحجَّ أن اليهود وقريشاً يأتمرون به، ويعدّون العدّة لغزو المدينة من جديد. ولذلك كان من مقاصده عندما نادى مناديه إلى الحجّ، إقامةُ سلامٍ مع قريش حتى يأمن غدرها من ناحية الجنوب، فلا يبقى أمامه إلاَّ معالجة أمر يهود خيبر المقيمين في ناحية الشمال من المدينة.. فلما كان له ما أراد، وأبرم عهد الحديبية، عادَ إلى المدينة يتفكّر في شأن اليهود والسبيل الذي يسلكه معهم.. فرأى أنَّ إقامة صلحٍ معهم على غرار الحديبية، غيرُ ممكن، لما في نفوسهم من ضغائن وأحقاد.. وعلى فرض موافقتهم على الصلح - وهذا أمر مستبعد كثيراً منهم - فكيف يؤمن ألاَّ يفعلوا كما فعلوا من قبل بنقض العهود والمواثيق التي أقامها معهم؟! مما لا ينفع معهم أي ميثاق على صلح.. ومن ناحية أخرى، فإنه لا يمكن ترك اليهود في خيبر وهم على ما هم عليه في حصونهم المنيعة، وعندهم من الثروات والأموال والأسلحة ما يجعلهم يمتلكون القوة الضاربة، التي تشكل أهم الأخطار على المسلمين؟!.. كما أنه ليس ما يمنع هؤلاء اليهود - بعد أن نفضوا يدهم الآن من قريش - من الالتجاء إلى الملوك خارج جزيرة العرب، لإقناعهم بإعلان الحروب على الإسلام والمسلمين، حتى لا يقوى سلطان الإسلام في الجزيرة ويهدد كياناتهم وعروشهم بالزوال!!.. ولهذا فإنَّ صالح الدعوة يستوجب القضاء على شوكة يهود خيبر قضاءً تاماً، حتى لا تقوم لهم بعد ذلك ببلاد العرب قائمة حرب وفتنة.
ومكث رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالمدينة، بعد عودته من الحديبية، بضعة أسابيع. ثم أمَرَ الناس بالتجهيز لغزو خيبر، على ألاَّ يغزوَ معه إلاَّ من شهد الحديبية. أما غيرهم ممَّنْ يريدون الخروج غزاةً متطوعين فلهم ذلك، ولكن لا يكون لهم من الغنيمة شيء، لأنهم من الذين تخلفوا عن الخروج إلى الحجّ، وفيهم نزل قول الله تعالى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا} [الفَتْح: 15].
وفي فترة وجيزة استُكمل الاستعدادُ، فاستخلف الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، ثم انطلق في بقية المحرم (سنة 7 هجرية) إلى خيبر في أصحاب الشجرة، وفيهم مئتان من الفرسان، وقد صحب معه عشرين امرأة من نساء الصحابة لمداواة المرضى، وإسعاف الجرحى والاهتمام بشؤون الطعام، وغيرها من الشؤون التي توكل في الحروب - عادة - إلى النساء.. وساروا ثلاثة أيام حتى نزلوا بوادٍ يقال له الرجيع[*] كي يحولوا بين غطفان وإمدادها لليهود حين القتال في خيبر.. وذلك أن كبير المنافقين عبد الله بن أبيّ بن أبي سلول كان قد أرسل إلى يهود خيبر «أن محمداً قصدكم وتوجه إليكم فخذوا حذركم، ولا تخافوه، فإن عددكم وعدتكم كثير، وقوم محمد شرذمة قليلون» فأرسل يهود خيبر كنانة بن أبي الحقيق وهوذة بن قيس إلى غطفان يستمدون منها العون، وشرطوا لهم نصف خيبر إن هم غلبوا على المسلمين[*].. من أجل ذلك كان نزول المسلمين في وادي الرجيع، إذ لمَّا رأت غطفانُ الجيش الإسلامي قد نزل تلك المحلة خافت أن يغزوها، فرجع رجالها الذين كانوا في الطريق إلى خيبر حفاظاً على وجودهم.. وهكذا وبعد أن أمَّن المسلمون هذا الجانب - بعزل غطفان - عاودوا المسير إلى خيبر فبلغوها ليلاً، فلم يُغِرْ عليهم رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفقاً للنهج الذي اتبعه، بألاَّ يغزو قوماً إذا أتاهم بليلٍ حتى يصبحوا..
وكان أهل خيبر، بعدما نقلت عيونهم أخبار خروج «محمد» ناحيتهم، قد تداعوا إلى الاجتماع والتشاور، فتفرَّق بهم الرأي بين التصدي لجيش المسلمين ومقاتلته، وبين موادعة «محمد» على عهدٍ يضمن عدم غزوهم. إلاَّ أنهم في نهاية المطاف آثروا الحرب على السلم، معتمدين على منعة حصونهم، وشدة مراسهم، وكثرة سلاحهم ومؤنِهم، وبمثل هذا الاطمئنان ضرب الله (تعالى) على أبصارهم وبصائرهم غشاوة، فلم يعلموا بنزول الجيش قريباً منهم.. حتى إذا طلع الصباح، وخرجوا - كعادتهم - إلى أعمالهم في بساتين النخيل وقد حملوا المعاولَ والفؤوس والمكاتل (أخواص توضع فيها التمور)، إذا بهم يفاجأون بذلك الجيش يعسكر قريباً منهم فولّوا مدبرين، وهم يتصايحون وينادون: محمد والخَميسُ مَعَهُ (أي ومعه جيشه).
فلما رآهم المسلمون على هذه الحالة مذعورين، مدبرين هرباً، قال رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «الله أكبر خربت خيبر. إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فسَاء صباح المُنذَرين»[*]. وكان رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عندما وطئ أرض خيبر، قد نزل عن راحلته، ورفع يديه نحو السماء يبتهل إلى الله سبحانه وتعالى ويسأله النصر على الأعداء بدعائه وهو يقول:
»أللّهم ربَّ السمواتِ السبع وما أَظْلَلْنَ، وربَّ الأرضين السبع وما أَقْلَلْنَ، وربَّ الشياطين وما أَضْلَلْنَ، وربَّ الرياح وما أَذْرَيْنَ، فإنا نسألُك خيرَ هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرّ هذه القرية وشرّ أهلها وشرِّ ما فيها. أقدموا بسم الله»[*]..
ولم يتبين للمسلمين، وقد صاروا في أرض خيبر، أيٌّ من حصونهم قد تجمعت فيه مقاتِلة اليهود وقواها.. ذلك أنَّ تلك الحصون ومساكنها كانت موزعة على سفوح الجبال أو على رؤوس الهضاب في ثلاث مناطق: ففي منطقة «النطاة» قامت ثلاثة حصون: حصن الناعم، وحصن الصعب بن معاذ، وحصن الزبير، ويقال له حصن فلّة. وفي منطقة «الشق» برز حصنا أبيّ والبريء. أما في المنطقة الثالثة وهي «الكتيبة» فقد قامت حصون: الوطيح، والسَّلالم، والقموص (ويقال له حصن نزار). ولقد ساعد على إقامة تلك الحصون انتشار قرى اليهود في واحةٍ كبيرة خصبة، ذات ماءٍ وفير، وزروع ونخيل كثيرة فاستطاعوا بما أغنى اللَّهُ - تعالى ـ تلك الأرض من الخيرات أن يجمعوا الأموال، ويقيموا تلك الآطام المنيعة، لتشكل، خِصّيصاً، معاقل تمنع عنهم العادين، وتردّ الغازين.
وفي الوقت الذي وُضِعَ فيه المسلمون في حالة من الترقب والانتظار، كان اليهود قد أسرعوا يُلجِئُونَ النساءَ والأولادَ، ويجمعون الأموال في حصون «الكتيبة»، بينما كان مقاتِلوهم يستعدّون في حصون «النطاة»، وقد عقدوا لواء القيادة لأحد زعمائهم: سلام بن مشكم..
ولئن لم يتمكّن المسلمون من معرفة الحصن الذي تجمَّع العدو فيه للقتال، فإنَّ الله سبحانه وتعالى قد مهَّدَ لهم هذا الأمر، عندما رأَوا اليهود يعتلون حصن الناعم - في منطقة النطاة - وكأنَّما يريدون أن يدلّوا على أنفسهم بأنفسهم.. فاندفع المسلمون لاقتحام هذا الحصن، إلاَّ أنهم سرعان ما تراجعوا لكثرة ما نزل عليهم من السهام والنبال والحجارة؛ وقتل، في هذا الهجوم محمود بن سلمة، برحى ألقيت عليه.
وجرت المناوشات بين اليهود والمسلمين عن بُعد لبضع ساعات، حتى رأى اليهود أن لا جدوى منها، لأنها في الواقع لا تصيب المسلمين بخسارة، بل تضيّع السلاح اليهودي وتذهب به بدداً، وهم أضنُّ من أن يفقدوا شيئاً منه لحاجتهم الماسّة إليه في مثل هذا الظرف العصيب، الذي يحاصرهم به عدوهم، ويمنع وصول أي إمداد إليهم. ثم هل يقبلون بهذا الوضع من الحصار؟ وأين اعتدادهم إذاً بالقوة واعتزازهم بالخبرة في القتال؟ لا! إنَّ كرامتهم تأبى عليهم الاكتفاء بموقف الدفاع، وفقدان السلاح عن طريق الاستنزاف.. لذلك قرر اليهود المواجهة لتكون معركةً طاحنة يُقتل فيها من يُقتل، ولكنها في النهاية تُجلي المسلمين عن أرضهم. لذلك، ما كاد صباح اليوم التالي يؤذِنُ بنورِهِ، حتى اندفع اليهود خارج الحصن، ودار قتال شديدٌ مريرٌ، أراد منه كلُّ فريق أن يُنزل بعدوه الضربة القاضية، ولكن لم يحصل شيءٌ من ذلك.. فاليهود بكثرة عددهم وعدتهم، وغرورهم بأنفسهم كانوا يتوهمون بأنهم سيسحقون المسلمين. وهؤلاء بقوة إيمانهم، وبسالة أبطالهم كانوا يرجون تحقيق النصر. ولكنْ لم ينَلْ أي الجيشين من الآخر، حتى قُتِل قائد اليهود سلام بن مشكم، فارتعدوا، وانكفأوا إلى داخل حصنهم، وهم يُحكمون إغلاقه وراءهم.
فتوحات علي كرّم الله وجهه في خيبر
ودامت حالة القتال على هذا النحو طوال سبعة أيام.. يخرج اليهود، وتنشب المعركة، ثم يدخل اليهود حصنهم، حتى أجهدوا المسلمين، وقلَّ معهم الزاد.. وإنَّ استمرارَ مثل هذا الوضع يؤدي - ولا ريب - إلى الوهن في صفوفهم، ويقلل من صمودهم، بل ويجعل القتال أمراً صعباً عليهم. وكان رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعطي كلَّ يوم لواءه لأحد الصحابة كي يقود المسلمين إلى فتح الحصن، فيرجع ومن معه منهوكي القوى، تعبين، دون أن يقدروا على فتحه.. فقد أعطى اللواء إلى أبي بكر الصديق (رضي اللّه عنه) فقاتل ومن معه قتالاً شديداً، بدون جدوى.. ثم أعطاه إلى عمر بن الخطاب (رضي اللّه عنه) فقاتل وأصحابه قتالاً أشدَّ، ولكنه عجز أيضاً عن فتح حصن الناعم[*]، حتى بدا وكأنه لمنعته مستعصياً على المسلمين.. إلاَّ أن الرسولَ الأعظم، بدَّد تلك الفكرة من رؤوسهم عندما قال لهم:
»أمَا والله لأدفعنَّ غداً بلوائي إلى رجل يحبُّ الله ورسولَه، ويُحِبُّهُ الله ورسولُه، ولَنْ يرجعَ حتى يفتح الله عليه»[*]. فارتاح المسلمون قاطبةً لهذه البشارة بالفتح، ثم اشرأبَّت أعناق القوم - من أبطال المسلمين - تتطلَّع إلى من يُعطى الرايةَ في غدٍ ليفتح الله تعالى على يديه، وليكون الفائز بحب الله - عز وجل - ورسوله الكريم!..
فما إن صلّى رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الفجر من الغد حتى دعا إليه عليّ بن أبي طالب (سلام الله عليه)، فجاءه وهو أرمدُ العين، فأمسك الرسولُ برأسه، وراح يمسح على عينيه ويَرقيه بتلاوة آيات من القرآن الكريم، وهو ينفخ فيهما، ويُمسّدهما بشيءٍ من ريقه الشريف، حتى شعر عليٌّ بأنه قد برئ من الرمد، وأن رأسه قد صفا، ونظره قد قوي، فوقف أمام رسول اللّه متأهباً، مستعداً، وهو في أحسن حال، فأخذ راية رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) البيضاء، واندفع هو والمقاتلون لفتح ذلك الحصن، والرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول لقائد الفتح: «قاتِلْهم يا عليّ على أن يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمداً رسولُ الله بحقها، فإن فعلوا حقنوا منَّا دماءهم وأموالهم، وحسابُهم على الله عزَّ وجل،َّ فوالله لَأَنْ يهدي الله بك رجلاً واحداً خير من أن يكون لك حمر النعم»[*].
وخرج اليهود يسبقهم فارس مقدام، عليه مغفر يمانيٌّ، قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وقد تدجج بالسلاح، وعجَّل في تقدمه كأنه يهب الموت لعدوّه قبل أن يلقاه!..
وصرخ عليٌّ في اليهود داعياً إياهم إلى الإِسلام، فذهبت صرخاتُهُ صدىً في الفضاء، وكأنهم لا يريدون سماعها. وكان أكثرَهم تعبيراً عن هذا الرفض لنداء الإسلام الفارسُ اليهوديُّ الذي كان يتقدم وهو يرتجز:
قد عَلِمَتْ خيبرُ أَنّي مَرَحب
شاكي السلاحِ بطلٌ مجرَّبُ
أَطعنُ أحياناً وحيناً أضربُ
إذا الليوثُ أقبلتْ تُحَرَّبُ[*]
إنَّ حِمايَ للحِمَى لا يُقْرَبُ
يُحْجِمُ عن صَوْلَتِي المجرَّبُ[*]
فانطلق عليٌّ للقائه بقوة المؤمن الصادق، وبعنفوان البطل الأبيّ، وهو يردُّ عليه راجزاً:
أنا الذي سمَّتْني أمي حَيْدَرَهْ
كليثِ غاباتٍ شديدٍ قسورةْ
أَكيلُكُمْ بالسيفِ كَيْلَ السَّنْدَرَةْ[*]
ثم الْتقَى البطلان، وثار النقع تحت حوافر فرسَيهما في مبارزة عنيفة مريرة، كان يشهدها المقاتلون فتهلع لها قلوبهم، وترتعد لمرآها فرائصهم. واستطاع مرحبُ اليهوديُّ أن يقارب علياً وأن يوجِّه إليه ضربة أرادها كالصاعقة، ولكنَّ علياً تلافاها وحاد عنها، فذهبت في الهواء طائشة خائبة. ثم لم ترتدَّ يدُ صاحبها منها، حتى كانت الضربةُ النجلاءُ من بطل الإسلام قد هوت فوق رأسه تقدُّ مغفره، وتفلقه شقَّين حتى وصلت إلى رقبته[*]، فهوى مرحبُ، اليهوديُّ الصنديدُ، عن ظهر فرسه، مجندلاً والدم الغزير يفور منه، ويروي التراب من تحته.
ورأى المحاربون اليهود ما حلَّ ببطلهم مرحب، فاندفعوا نحو المسلمين في هجمة شرسة عاتية، وقد استبدَّ بهم الحقد، وهاجت في نفوسهم الضغينة، فكأنما يريدون أن يستأصلوا أعداءهم عن وجه الأرض استئصالاً.. ولكن من أين لهم تحقيق الوهم الخادع، والمسلمون يلاقونهم كالليوث الكاسرة، فيفرقون صفوفهم، ويشتتون جموعهم. وأراد أحدهم أن ينتقم من عليٍّ بالذات فراح يلحقه ويترصّده من مكان إلى آخر، يريد أن يختلسه بضربة تعجِّل عليه. وما زال كذلك حتى أمكنه الدنوُّ منه، فأهوى عليه بسيفه، فتلقَّى عليٌّ ضربته بدرعه، غير أنها وصلت إلى مقبضه فقطعته وأطاحت به من يده، فما كان من فارس الوغى إلاَّ أن عاجله بسيفه البتّار، وأهوَى عليه بإحدى ضرباته البكر، لتفلقَ هامه، وتَذَرَهُ على البطحاء شطرَين.
ولم يكن اليهود قد شهدوا في سالف أيامهم مثل تلك الضربات التي تفلق هام الرجال. فأخذهم الهلع، وتقهقروا إلى الوراء مرتدّين إلى الحصن، فارِّين من هول ما رأوا. ثم حاولوا إغلاق بابه وإحكام إقفاله من الداخل، ولكنَّ علياً المغوار كان أسرَعَ من أن يمكّنهم من إيصاده في وجه المسلمين، إذ اندفع يدحوه في مقابلهم حتى اقتُلع، فحمله يتترَّس به، ويهجم على الأعداء يدحوهم به دحواً حتى أبعَدَهُم عن المدخل، فأجفلوا وولوا هاربين وأحدهم يولول ويقول: من هذا البطل؟! فلما سمع أنه علي بن أبي طالب قال: «علوتم - يا مسلمين - وما أنزل على موسى»[*].. ثم عجَّلَ عليٌّ (رضي اللّه عنه) وجعل الباب قنطرة على الخندق - الذي كانوا قد حفروه أمام الحصن - فاجتاز المسلمون عليها إلى داخل أبنية الحصن[*]، يلاحقون الأعداء من ناحية إلى ناحية، ومن زاوية إلى زاوية، وهم يقتلون من يلحقون به حتى سقط حصن الناعم كله، بفعل بطولة عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه وأرضاه).. فدعاه الرسولُ إليه، يضمُّهُ إلى صدره، ويشكر الله تعالى على ما أنعَمَ به على هذا البطلِ الإسلامي، وعلى المسلمين، من أول فتوحات خيبر..
وكان شاعر رسول اللّه حسان بن ثابت، يرقب الحنان الذي يُفيضُهُ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على حبيبه وأخيه عليّ فينفذ أثره إلى مشاعره، ويلتقي في ذهنه مع صور جولات عليٍّ وصولاته، فاستأذن النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأنشد في ذلك شعراً معبّراً، كان من جُملته، قوله:
وكان عليٌّ أرمدَ العين يَبتَغي
دواءً فَلَمَّا لم يُحِسَّ مداويَا
شفاهُ رسولُ الله مَنْهُ بِتَفْلَةٍ
فَبُوركَ مَرْقِيّاً وبُورِكَ رَاقِيَا
وقالَ سأُعطي الرايةَ اليومَ صارماً
كَمِيّاً مُحبّاً للرسولِ مُوالِيَا
يُحِبُّ إلهي والإلهُ يُحِبُّهُ
به يفتحُ اللّهُ الحصونَ الأَوابِيَا
فَأَصْفَى لها دُونَ البريّةِ كلِّها
عَليّاً، وسمَّاهُ الوزيرَ المُؤَاخِيَا
وارتاح المسلمون إلى فتح الحصن الذي استعصى عليهم أياماً.. إلاَّ أنَّ ما شهدوه بأنفسهم - قبل اليهود - من بطولة عليٍّ (رضي اللّه عنه)، وشجاعته في ذلك اليوم كان محور سمرهم وأحاديثهم في تلك الليلة، والبعض يتساءل: كيف أمكن لعليٍّ أن يقتلع ذلك الباب الضخم ثم يهجم على الأعداء يدحوهم به دحواً؟
يقول أبو رافع مولى رسول اللّه: «فقد رأيتني في نفر سبعة معي، أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه[*].. بل وروي عن أحدهم أنه قال: كنا عشرين نحاول رفع الباب الذي دحاه عليٌّ فلم يستطع الضوء أن ينفذ من تحته!.. وكانوا كلّهم أمناءَ صادقين، وقد خلّدوا لنا إرثاً نفاخر به، ونحمد اللَّهَ تعالى على عزّة المسلمين، كما كان الصحابة الأخيار يحمدونه تبارك وتعالى على ما منح علياً من القوة حتى أمكنه فتح الحصن، وكما منحَهُ - عزَّ وجلَّ - الفضلَ بقتل عمرو بن ودّ، فكان فريداً في الحَدَثين، كما كان فريداً في أُخوَّته لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .
وطلع صباح اليوم التالي فقاموا ، بعد أداء فريضة الصلاة، يتأهبون لمعركةٍ جديدة. ولكنَّ عمَّار بن ياسر لم يقدر على مغالبة مشاعره التي تُلِحُّ عليه برؤية عليٍّ، فقصد خيمته ليجده قد قعدَ وأمامَهُ بعضُ الخبز اليابس، ووعاءٌ فيه ماءٌ يريد أن يتبلَّغَ به قبل الخروج.. وسمعَ عمارُ بأذنٍ واعية، ورأى بعينٍ بصيرةٍ ما أغناه عن كل سؤالٍ جاء يحدث به نفسه.. فقد أدهشه أن يرى عليّاً يأخذ كسرة الخبز اليابس بين يديه، وكأنه يجهد بفتِّها، فيقول له عمَّار: واعجباً مما رأى الناس منك بالأمس، وما أراه اليوم؟!..
قال عليٌّ: وماذا يا أخي؟.
قال عمار:لقد شهدك الناس تفتح الحصن كطودٍ هُدَّ من علٍ، وأجدك أمامي تجالد كسرة الخبز وكأنك لا تقوى عليها!.. أأنتَ، أنتَ عليٌّ، داحي باب خيبَر ويعجزك رغيف يابس؟!.
فابتسم عليٌّ وقال: يا عمار! بالأمس كنتُ أقاتل لله (تعالى)، فكانت قدرةُ الله، والآن أبذل جهداً لنفسي فهذه قدرتي.
وهنا تكمن العظمة في نفوس العظماء!.
ليس من الصعب على ولدٍ صغيرٍ أن يكسر رغيف خبز يابس... ولكنَّ أدبَ المائدة، وتقديرَ قيمة لقمة العيش التي جعلها الله تعالى لحياة الإِنسان، هي بعض شمائل العظام!.. ولم تكن شيمة علي بن أبي طالب ألاَّ يتأدب وهو يتناول طعامه، ويعطي لقمة العيش حقَّ قدرها، فيأخذ كسرة الخبز على هونٍ حتى ليبدو لناظره أنه يجد صعوبةً في كسرها.. وليس هذا وحده ما قد يتوقف الإنسان عنده - وإن كان ينمُّ عن أرفع الأخلاق وأسماها - بل ذلك الإِيمان العميق في قلب عليٍّ وهو يؤكد أنَّ الله سبحانه وتعالى يهب لعباده المخلصين من القوة ما يجعل أعمالهم بمثابة المعجزات، عندما تكون الغاية خالصةً لله العلي الكبير، ويكون الجهد مرصوداً لنصرة دين الله عز وجل.. أما في شؤونه الخاصة، وفي حياته الشخصية، فإنَّ شموخ عليٍّ يتبدَّى في بساطته، وفي تقشفه، ولا سيما في تواضعه، فلا يفاخر بأنه أتى عملاً عظيماً قطّ، وإنما يجعل الفضلَ كله لله تعالى وحده.
نعم، هذا هو الإِيمان الصادق، وهذا هو الخلق السمح! فكان جديراً أن يستحق علي بن أبي طالب المكرمة السنية عندما أعلن رسول الإسلام، إلى مدى الدهر: بأن علياً يحبُّ اللّهَ ورسولَهُ، ويحبُّهُ اللّهُ ورسولُهُ.
ذاك هو علي بن أبي طالب (رضي الله عنه وأرضاه)، بطلُ خيبر الأول، الذي استطاع أن يدحر اليهود مع رفاق أوفياء في حصن الناعم، ويضطروهم إلى ترك الحصن والفرار منه، كي يلتحقوا بحصن الصعب بن مُعاذ ويحتموا في داخله.. ولكنّ المسلمين لم يمكنوهم من ذلك، إذ أظفرهم الله تعالى بعدوِّهم، ففتحوا هذا الحصن سريعاً، وأخذوا منه الأسارى، وغنموا الأموال والخيرات، مما أمّن لهم الزادَ الذي أوشك على النفاد، وإبعادَ شدة الجوع والعطش التي قاربت أن تحلَّ بهم، كما يعبّر عن ذلك بنو سهمٍ من ألم، عندما أتوا رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقالوا: والله يا رسول اللّه لقد جهدنا وما بيدنا من شيء.. فقال: «اللَّهُمَّ إنك قد علمت حالهم، وأَنْ ليست بهم قوة، وأن ليس بيدي شيءٌ أعطيهم إيّاه. فافتح عليهم أعظم حصونها قوةً، وأكثرها طعاماً»[*].. أجل، لقد وجد المسلمون في هذا الحصن ما يغنيهم عن أية حاجة لكثرة ما فيه من التمر والعسل والسمن والزيت والقمح، وشتى أنواع المؤن ومختلف أصناف المتاع. بل وعثروا في داخله على دهليز قادهم إلى كهفٍ مليءٍ بآلات الحروب وأدواتها من السيوف والدروع والحراب والنبال، بالإضافة إلى منجنيق كبير، ندر وجوده في بلاد العرب، فسُرّ المسلمون بالعثور عليه سروراً عظيماً.
فتوح الحصون الأخرى
لقد كانت ذخائر حصن «الصعب بن معاذ» كثيرة، وأصبحت غنائمَ للمسلمين، وكادت تغريهم بحملها، وتشغلهم عن متابعة القتال - تماماً كما حدث يوم أحد - في حين أن حصون الأعداء كانت ما تزال عديدة ولم يفتحوها جميعها بعد.. من أجل هذا، ولكي لا يتوانى المسلمون عن متابعة أداء الواجب، نادى منادي رسول اللّه أن: «كُلوا واعلفوا ولا تَحْمِلوا».. فكان ذلك تطبيقاً لقاعدته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقوله: «لا يُلدغ المؤمن من جُحرٍ مرَّتين»[*]. إذ لا مجال للانصراف إلى الغنائم، والانشغال بها، ما دامت غزوة خيبر لم تحقق مقاصدها كلها بعد!.
وكان اليهود قد فروا إلى قلعة الزبير التي تقوم على رأس قمة عالية، تجعل مهمة اقتحامها أمراً صعباً، والوصول إلى داخلها، أمراً شاقاً.. وواجهت المسلمين عقباتٌ كأداء إذ كان عدوّهم يعلو فوقهم، ويسدّد إليهم السهام والنبال التي كانت تنزل عليهم مثل المطر المدرار، فتمنعهم من التقدم، وتجبرهم على البقاء في أماكنهم. وكان يمكن أن يدوم هذا الحصار طويلاً وليس ثلاثة أيام، وعلى نفس الحال، لولا أن سخَّر الله (سبحانه) أسيراً من اليهود يقال له «عزال»، فأخبرهم بوجود جدول تحت القلعة يتزوَّدُ منه اليهودُ بالماءِ ليلاً، ثم يرجعون إلى قلعتهم.. فلمَّا حال المسلمون بينهم وبين الوصول إلى ذلك الجدول، اضطروا للمواجهة، فدار قتال عنيفٌ، قُتِلَ فيه لليهود عشرة رجال مقابل رجل واحد للمسلمين. ثم دارت الدائرة في النهاية على اليهود وغُلبوا على أمرهم، ففروا إلى الحصون الأخرى. وبسقوط قلعة الزبير، صارت منطقة «النطاة» برمتها تحت سيطرة المسلمين.
وكان فرار اليهود في هذه المرة إلى حصن «أبي» على رأس جبل شمران في منطقة الشق، فاندفع المسلمون يصعدون الجبل ويشنُّون عليه هجوماً عنيفاً، وعدوهم يفرُّ أمامهم من فوق الجُدُر التي توصل إلى حصن آخر، هو حصن «البريء» حيث احتمى اليهود فيه، وراحوا يرشقون المسلمين بالحجارة، ويرمونهم بالنبال، حتى أنَّ نبلاً طال ثوبَ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلقَ به. وإذْ رأى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه لا قدرةَ للجيش على التقدّم، وإلاَّ تعرض لخطر شديد، أمر بالمنجنيق فنصب.. وخاف اليهود أن يقذفهم المسلمون بتلك الآلة الهدامة التي لا قِبَل لهم باحتمال قصفها، فولّوا هاربين إلى حصن آخر، فتقدَّم المسلمون ودخلوا حصن البريء دون حرب، وهم يشكرون الله تعالى على ما أيَّدهم به من نصر عزيز. وسقطت منطقة الشق كلّها في أيديهم، كما سقطت منطقة النطاة من قبل. ولم يبق أمامهم من بلاد خيبر إلاَّ المنطقة الثالثة والأخيرة وهي منطقة «الكتيبة» التي لاذَ اليهود للاحتماء في أشدّ حصونها منعة، وهو حصن القموص الذي كان لبني الحقيق - أبرز زعماء اليهود وأعلاهم قدراً - فجمعوا النساءَ والذراري فيه، وخبَّأوا الكنوز والثروات... وتحوَّل المسلمون إلى ذلك الحصن وأخذوا يضيّقون الخناق عليه، في حصارٍ شديد دام بضعَ ليال، أمكنهم بعدها فتحه على يدي علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، والاستيلاء على ما فيه، بعد أن سبَوا النساءَ والذراري وأسروا عدداً من الرجال والمقاتلين كان بينهم كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، الذي أبى أن يفارق الحصن، مفضلاً الأسر على تركه.
وكان معروفاً أن كنانة هو الذي حمل كنز بني النضير يوم إجلائهم عن المدينة[*]. فلما جيء به إلى رسول اللّه أنكر معرفته بوجود أي كنزٍ، وقال: أذهبتْه النفقات والحروب، فقال له الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : العهد قريب والمال أكثر من ذلك[*]. فلم يردَّ، فحذَّرَه رسول اللّه من الإنكار، وإلاَّ، إنْ وجدوه، فإنَّ مصيره سيكون القتل. ولكنَّ كنانة ظلَّ على إصراره نافياً معرفته بمكانِ الكنز، فأتى من يقول للرسول بأنَّ كنانة كان يتردّد إلى خربةٍ جانبية في الحصن، فأمر بحفرها فعثروا على الكنز.. حينئذ دعا رسولُ الله الصحابيَّ محمد بن مسلمة، ليأخذ هذا اليهودي الخبيث ويضرب عنقه.
وكان بين السبايا صفية بنت حييّ بن أخطب وابنة عمتها، فأمر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بلالاً أن يذهب بهما إلى رحله، فمرَّ بهما على القتلى حتى تريا مصارع القوم، لشدة كيدهم للإِسلام، وتآمرهم على نبيِّه الكريم؛ فانتاب ابنة عمةِ صفية الهلع والجزع وراحت تولول وتصرخ، وتلطم وجهها وتشدُّ شَعرَهَا، وتمزقُ ثوْبها، حتى كادت تقتل نفسها. فكره الرسول ذلك وقال: «أغربوا عني هذه الشيطانة». ثم قال لبلالٍ يؤنّبه: «أنُزعت منك الرحمة يا بلال حتى تمرّ بامرأتين على قتلى رجالهما؟»[*]، فأبدى بلال شدة الندم، وهو يعتذر إلى رسول اللّه ويقسم على ألاَّ يعود إلى مثلها أبداً. فصَرَفه رسول اللّه، الرحيم بالناس، لأنه يرفض رفضاً قاطعاً ما فعله بلال، أو أي فعلٍ مشابه يصدر عن غيره.
ولقد كانت صفيةُ ابنةَ سيّدٍ في قومه، وسليلةَ نسب نبوي، تعود فيه إلى هارون بن عمران، أخي موسى (عليهما السلام)، وأمها بَرَّة بنت سموأل، أخت رفاعة بن سموأل من بني قريظة. وقد تزوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق بعد أن فارقها زوجها سلام بن مشكم، وهي ما تزال في السابعة عشرة، فأراد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن ينزلها منزلة كريمة، تليق بمثلها، خصوصاً أنَّ تجلّدها ووقارها كانا يحبسان آلامها عن الظهور، فأمر أن تُنحى جانباً عن السبايا، وأن يوضع عليها رداؤه، فكان ذلك إعلاناً من الرسول بأنه اصطفاها لنفسه.
ولم يبقَ أمام المسلمين إلاَّ اقتحام حصنَيْ الوطيح والسلالم، فضربوا عليهما حصاراً قويّاً، وهمّوا بعد ثلاثة أيام من الحصار أن يقذفوا عليهما بالمنجنيق؛ فلمّا رأى يهود خيبر أنَّ سلاحهم الذي بقي بين أيديهم قد قارب على النفاد، وأبطالهم وقادتهم، الذين كان يُعوّلُ عليهم، قد تهاوَوْا واحداً إثر آخر، وأن بقاءهم على تلك الحال إنما يعني هلاكهم وقَطْعَ دابرهم نهائياً.. حيال هذا الواقع، ولمّا لم يعد بيدهم حيلة، رضخوا وطلبوا الاستسلام. وخرج نفرٌ منهم يحملون رايةً بيضاء، ويطلبون من رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الصلح على أن يحقن دماءَ المقاتلين منهم، وأن يترك لهم الذرية، وعلى أن يخرجوا من خيبر، ويخلّوا وراءهم كل ما لهم من أرضٍ وزروع، وما عندهم من أموال وأسلحة وخيول.
وقبل رسولُ الله بهذا الصلح لأنَّ مقصده الأول والأخير من غزو خيبر إنما كان لقطع دابر الفتن، والقضاء على مكامن المؤامرات التي كان يحيكها اليهود ضده، وضدَّ الدعوة. وها قد أظفره الله تعالى بهذه الفئة الباغية، التي أنكرت تعاليم التوراة، فأرادت القضاء على الإِسلام - خلافاً لتعاليم كتابهم - فأنفذ معهم الصلحَ مشترطاً ألاَّ يكتموه شيئاً ولا يغيّبوا شيئاً وإلاَّ فلا ذمةَ لهم ولا عهدَ[*]. أجل لقد قبل رسولُ الله بالصلح لأنه نبيُّ الرحمة، وقد أعانهُ ربُّه تعالى على دفعِ كيدِ تلك الفئة اليهودية عن المسلمين، التي لم يقاتلها - في الأصل - إلاَّ للقضاء على ضلالها، وبغيها، وما كانت تمثّل من شرٍّ مستطير على الناس أجمعين....
وبفتح حصون خيبر واستسلام اليهود انتهى عهدهم وما كان لهم من سلطان سياسي، ومن قوة مادية سواءٌ في المدينة أو في بلاد خيبر..
.. وبات على اليهود التهيؤ للرحيل عن أرض الجزيرة كما طلبوا هم في صلحهم.. ولكنهم، وبعدما عزموا على الخروج، عادوا يستعطفون الرسولَ بالسماح لهم بالبقاء، على أن يقوموا على الأرض مقابل نصف الثمار. فوافقهم على ذلك، ولكنه حذّرهم ونبّههم إلى أنه إذا شاءَ أن يخرجهم خرجوا.. فقبلوا مرغمين.. أما موافقة رسول اللّه على إبقائهم في أرضٍ صارت فيْئاً للمسلمين، فإنَّما كانت من أجل الدعوة ليس إلاَّ، إذ إنَّ عدم طرد اليهود، بعدما قطعوا عهداً بالمسالمة، من شأنه أن يُبقي على أراضي خيبر مصدراً للخيرات، يفيد منها المسلمون، بقدر ما يفيد منها اليهود، بما توفّره الثمارُ والزروع من مداخيلَ هم بأمسّ الحاجة إليها فضلاً عمَّا يتيحُ عدمَ انشغالِ المسلمين بالأرض وخيراتها، من مجال لبقائهم مجنّدين، من أجل الدفاع عن حقوقهم، ولاسيما حقهم في العمل على نشر الدعوةِ، وإيصالها للناس..
وأما اشتراط الرسول الأعظم على اليهود إخراجهم متى شاء، فكان من أجل ردعهم عن التآمر، وإبعادهم عن المكائد. لأنه وإن كان قد أمِنَ بأسهم بسقوط خيبر، واطمأن إلى أنه لن تكون لهم قوة مانعة بعدها، إلاَّ أنهم لن يعدموا الوسيلة للغدر ونقض الصلح، ولن يتورّعوا عن سلوك شتى الطرق الملتوية، واستخدام مختلف الوسائل والأساليب التي تمكّنهم من الوصول إلى أغراضهم والنيل من كرامة الآخرين. فحتى لا يكون لهم سبيل إلى ذلك، ولكيلا تسوِّل لهم أنفسهم معاودة التآمر - ما داموا هم الذين طلبوا عدم الخروج - من أجل ذلك كله كان شرطُ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي اشترطه، سيفاً مصلتاً فوق رؤوسهم، يهددهم دائماً بالتشريد النهائي من جزيرة العرب إن قاموا بما يبرّر ذلك.
وكان بين الغنائم التي أحرزها المسلمون في حصون خيبر، صحائفُ مقدسةٌ من التوراة[*]. فلما رأى اليهود معاملة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الحسنة لهم، زادَهم ذلك طمعاً به، فطلبوا أن يعيد لهم تلك الصحائف، التي حملها بنو النضير معهم يوم أن أُخرجوا من المدينة، وكان من بينها صحف تحتوي على وصية موسى (عليه السلام) لبني إسرائيل من بعده، فأمر الرسول الكريم بردِّ تلك الصحائف إليهم. وهذا يدل على ما كانت لهذه الصحائف في نفس رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من المكانة العالية.. الأمر الذي جعل اليهود يشيرون إليه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالبنان ويحفظون له ذاك الجميل، حيث لم يتعرض لصحفهم المقدسة بشيء.. ويذكرون بإزاء ذلك ما فعله الرومان حين تغلبوا على أورشليم وفتحوها سنة 70 ميلادية، إذ أحرقوا الكتب المقدسة، وداسوها بأرجلهم. أو ما فعله المتعصبون من النصارى في حروب اضطهاد اليهود في الأندلس، حيث أحرقوا أيضاً صحف التوراة. بل ويتذكَّرون ما فعله بختنصر من قبل حين قتل اليهود وأسر الرجال والنساء والأطفال، وهدم الهيكل وأحرق ودمَّر.. وها همُ الآن يرَون البَون الشاسع بين أولئك الفاتحين، وبين رسول الإِسلام (عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام)، لِمَا يجدون في تعامله معهم من رحمةٍ ولطفٍ، وخُلقٍ سمحٍ رفيع..
ولمّا فرغ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من تسوية الأمور في خيبر، بعث إلى أهل فدك - وهي قرية يهودية إلى الشمال من خيبر، وبها قوم من بني مرة، وقوم من بني سعد بن بكر - أن يدخلوا في الإِسلام أو يسلِّموا أموالهم. فقذف اللَّهُ الرعبَ في قلوبهم، وبعثوا إلى رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يصالحونه على ما صالح عليه أهل خيبر، أي على نصف أموالهم من غير قتال. وبذلك كانت فدك خالصة لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لأنه لم يوجف عليها بخيل أو ركاب، بخلاف خيبر التي أصبحت فيئاً بين المسلمين، لما جاهدوا في سبيل الله تعالى، حتى أمكنهم فتحها بالقوة. ولذلك فقد قسَّمَ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) غنائمها بين المسلمين، بعد أن خمَّسَها، فأعطى الراجل سهماً، والفارس ثلاثة أسهم - له سهم ولفرسه سهمان [*]ـ كي يحثَّ المسلمين على اقتناء الخيول، والاعتناء بها لتكون أداة مفيدة ومساعِدَةً لهم في حروبهم مع المشركين والأعداء. ثم أعطى من خُمسِهِ ما أراه الله تعالى لذوي القربى من الأهل، رجالاً ونساءً، كما أعطى للسائل واليتيم وابن السبيل. وكذلك أعطى شيئاً من تلك الغنائم لبعض النسوة والموالي ممن شهدوا خيبر، دون أن يسهم لهم، واستبقى فدكاً لنفسه - كما قُلنا - لأنها مما أفاء الله تعالى عليه بلا قتال..
لقد كانت مغانم خيبر كثيرة زادت على كل المغانم التي كسبها المسلمون حتى ذلك الوقت. وقد قدّر عبد اللّه بن رواحة الذي أقامه رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكيلاً على بلاد خيبر، ليقسم الغلال كلَّ عام، أنَّ ما في خيبر من تَمْرٍ فقط بلغ حوالى أربعين ألف وَسَقْ (والوسق حمْل بعير)، هذا من التمور.. عدا المتاع الكثير ومختلف أنواع الغلال والمؤن والأموال.. وبذلك جرى تقسيم تلك المغانم على المسلمين ممن شهدوا الحديبية وخيبر معاً، تطبيقاً لأمر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إذ دعا للخروج إلى غزوها من كانوا معه في الحديبية، إلاَّ من شاءَ أن يخرج غازياً متطوعاً فلا يكون له سهم في الغنائم. ولكنه - وهو نبيُّ الرحمة - قد أعطى منها كلَّ من وجده بحاجة، أو كانت أحوالُه تستدعي عطاءه.. ومن هؤلاء الذين برَّهم النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، المهاجرون إلى الحبشة. إذ كان قبل خروجه إلى خيبر قد أرسل كتاباً إلى النجاشي، يطلب فيه أن يبعث المهاجرين من المسلمين، فوصَلَ هؤلاء - بصحبة جعفر بن أبي طالب - المدينة، ثم لحقوا بالرسولِ إلى خيبر، بعد أن كان النصرُ قد تمَّ للمسلمين. فاستقبلهم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مسروراً ولاسيما بقدوم جعفر، فقال له: «واللّهِ ما أدري بأيهما أَنا أُسَرُّ؟ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟»[*]. وقسمَ لهؤلاء المهاجرين من الغنائم ما أراه الله سبحانه وتعالى..
وللتدليل على مغانم خيبر الوفيرة، نوردُ قصةَ أحد المجاهدين، الذي كان قد تزوج من إحدى النساء على سنة الله ورسوله، وعلى ما اتفقا عليه من رضى وقبول، ومهر مقدَّمٍ ومؤخر. حتى إذا أتاه الأجل أوصى هذا الرجلُ قائلاً: «لقد زوجني رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من امرأتي، ولم أُعْطِها في حينه شيئاً، وإني أَشهد أنني أعطيتها صداقَها سهمي بخيبر»، فلما أرادت أرملته أن تبيع ذلك السهم، بلغ ثمنُهُ - يومئذٍ - مئةَ ألفِ درهم.
وهكذا كان في فتح خيبر خيرٌ كثيرٌ أفاضَهُ الله (تعالى) على المسلمين - كما دلّت عليه قصة الأرملة التي باعت سهماً واحداً من فَيْءِ تلك البلاد بمئة ألف درهم - ونعمةٌ كريمةٌ منَّ بها سبحانه على جنوده المخلصين، لتبقى نفوسهم متوثبة دوماً لنصرة دينه العزيز، فلا يشغلهم الكسب والمعاش وغيرهما من ضرورات الحياة - ولو بالحدّ الأدنى - عن الدعوة التي ما تزال بحاجة إلى من يذود عنها، ويحمل لواءها، حتى إذا تحققت لها عوامل النجاح والاستقرار أمكن لأولئك المسلمين الأوائل، متابعة شؤون حياتهم، والالتفاتُ إلى الكسب والرزق الحلال، وفقاً لسنَّة الله - تبارك وتعالى - في تسيير الإنسان كي يعمر الأرض.
... وكان رسولُ الله لا يزال مقيماً في خيبر يرتّب شؤونها، ويبعث برسُلِه إلى اليهود من حولها، عندما أتته هديةُ زينب بنت الحارث، زوجة سلاَّم بن مشكم، بعد فراقه صفية بنت حيي، وكانت تلك الهدية شاةً مشويةً أرادت أن تخصَّ بها النبيَّ، فجلس ومِنْ حولِهِ أصحابُهُ ليأكلوا.. ولكن، ما إن تناول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قطعةً من ذراع الشاة، ولاك منها حتى لفظها، لأنه لم يُسغ طعمها، وأحسَّ منها رائحةً غير مقبولة، بخلاف بشر بن البراء بن معرور[*]، الذي ازدرد سريعاً ما تناوله من الشاة وأكله.. فأمر (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الصحابةَ ألاَّ يتناولوا شيئاً، وقال لهم: «إن هذا العظم يخبرني بأنه مسموم». ثم دعا إليه صاحبة الهدية يسألها عمَّا وضعت في الشاة.. فلم تُنكر تلك المرأة أنها وضعت فيها السمَّ، بل اعترفت بجريمتها وقالت: لقد سألتُ عن أي عضوٍ من الشاة أحب إليك، فقيل لي: الذراع، فأكثرت فيه من السم، ثم جعلته في سائر الشاة.
وسألها رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «ما حملكِ على ذلك يا امرأة؟».
قالت: بلغتَ من قومي ما لم يَخْفَ عليك. فقلتُ: إن كان كاذباً أو ملكاً استرحنا منه، وإن كان نبيّاً فَسَيُخْبَر أو لم يَضُرَّه.
وسواء أكانت تلك المرأة صادقة فيما قالت أم احتجَّت به حتى تخفّف من عقوبة جريمتها، فإنَّ الجريمة قد وقعت ومات بشر بن البراء بسبب السم. ولكنَّ رسول اللّه رأى ألاَّ يقتلها به، تجاوزاً عنها، وأنفةً من قتل النساء. وذلك أخذاً بالحسبان لما لديها من دوافع للغدر به، إذ كانت امرأةً موتورة، قد قُتِلَ أبوها وزوجها، وأُخْضِعَ بنو قومها. وفي ذلك ما يكفي لملء قلبها بالحقد، والتفكير بتدبير الحيلة الخبيثة التي تقتل فيها محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فجاءت هذه الدوافع لتعفيها من عقوبة الإعدام، تعبيراً عن معرفة رسول الهدى بالنفس الإنسانية، وما تبلغ به حكمته من مراعاة مشاعر الإنسان على أيّةِ حالةٍ وُجد فيها هذا المخلوق الضعيف..
فماذا يريد اليهود بعد هذا التسامح الكريم من رسول الإسلام؟!
لقد حرص (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أن يقيم معهم العلاقات الطيبة، لأنهم أهل كتاب، وقد وجدوا في كتبهم ما يدلُّ عليه بصفاته، ويبشّر بنبوّته.. إلاَّ أنَّهم بدلَ أن يؤمنوا به - أو يصدّقوه على الأقل - شهروا له العداوة، وأعلنوا الحرب على دعوته.. ثم نقضوا المواثيق والعهود التي عاهدهم عليها أماناً لهم في ديارهم وأموالهم. وبدل أن يحفظوا عهوده تلك، راحوا يتآمرون على قتله، بل لقد توغّل اليهود في عداوتهم إلى أن صاروا يشكلون خطراً مستفحلاً على الإِسلام، وحتى صار من الضرورة - وفاءً لعهد الله تعالى بحمل الدعوة - كسرُ شوكتهم وإزالةُ نفوذهم السياسي والاقتصادي والعسكري. فلمّا غزاهم الرسول وهزمَهم شرَّ هزيمة في آخر معاقلهم في خيبر، عادَ يصالحهم على البقاء في أرضهم. وفوق هذا كله، فإنَّ الذي يُفاخَر به من نبلِ نبي الإسلام محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأخلاقه أمران: أنه لم يَحرمهم من تراث تاريخيٍّ هامٍّ لهم (بعض صحائف التوراة)، وأنه لم يقتل تلك المرأة الخبيثة التي أرادت أن تقضي عليه بالسم، بل نظر إليها بعين التسامح والعفو.. فهل يطلب اليهود أكثر من ذلك؟.
نعم طلبوا! إذ على الرغم من الضعف والهزيمة، جاؤوا بعد الصلح يشكون إليه أن بعضاً من المسلمين يقع في حرمهم. فما كان منه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاَّ أن جمع المسلمين وخطبهم، بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال: «يا معشر المسلمين. إن بني يهود شكَوا إليَّ أنكم وقعتم في حظائرهم، وقد أمَّنّاهم على دمائهم وأموالهم التي بين أيديهم، وعاملناهم على أراضيهم. وإنه لا يحل أموال المعاهدين إلاَّ بحقها»... فكان المسلمون بعدها لا يأخذون من بقولهم أو زروعهم أو ثمراتهم شيئاً إلاَّ بثمن[*].
وهكذا كانت معاملات الفاتح الرحيم محمد بن عبد اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لبني اليهود. ولا نظن أن فاتحاً غيره في التاريخ كانت له مع الشعوب التي أَخْضَعها، والبلدان التي احتلها نفس المعاملة. ولقد كان حريّاً باليهود بعد تلك المعاملة أن يرجعوا إلى تعاليم التوراة، فيصدِّقوا محمداً ويتخذوا الإِسلام ديناً، ولكنهم ظلُّوا مكابرين، معاندين:
{حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البَقَرَة: 109].
.. وأخيراً انتهى رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من تثبيت الأمور في خيبر، واطمأنَّ إلى رضوخ أهل فدك، فأذّن مؤذنُهُ بالانصراف بعد أن عزم أن تكون عودته للمدينة عن طريق وادي القرى، وهو الوادي الذي تتوزع فيه قرى صغيرة عديدة، تسكنها جماعات من اليهود، تقوم حياتها على الزراعة لما فيها من تربةٍ خصبةٍ، وعيون وآبار في تلك الأراضي الواقعة ما بين خيبر وتيماء.. ونزل الرسول بالجيش الإِسلامي قريباً من وادي القرى، وبعث إلى أهلها يدعوهم إلى الإِسلام، فأبوْا وتجهزوا للقتال، فما كان من الرسول إلاَّ أنْ أمر بمحاصرتهم وتضييق الخناق عليهم، فجرت مبارزات ورمي بالنبل طيلة ثلاثة أيام قتل خلالها منهم أحد عشر رجلاً، فأعطوا ما بأيديهم من سلاح ثم فتحها المسلمون وأغنمهم الله أموالهم ومتاعاً كثيراً[*].. وعلى الرغم من أنَّ «وادي القرى» كانت فيئاً، إلاَّ أن رسولَ الله، عادَ وأنفذ، خلال إقامته فيها، صلحاً مع أهلها، بنفس الروحية من الرحمة والشفقة التي عامل فيها يهود خيبر.. وعندما رأى أهلُ تيماء أنه لم يبقَ غيرُهم من اليهود، وأنه لا قِبَلَ لهم بمواجهة المسلمين وقتالهم، بعثوا إلى النبيِّ يطلبون الصلح دون أي قتال، فوافقهم عليه وكتب لهم كتاباً بذلك، ونصه: «هذا كتاب محمد رسول اللّه لبني عاديا، إنَّ لهم الذمة، وعليهم الجزية، ولا عداء ولا جلاء، الليل مد، والنهار شد»[*].
وبذلك سقطت بلاد اليهود، وانتهى كلُّ ما كان لهم من نفوذ في جزيرة العرب. وأصبح المسلمون بمأمن من ناحية الشمال إلى الشام، كما أمنوا بعد صلح الحديبية من ناحية الجنوب إلى اليمن.
وإذا كانت كل مظاهر القتال قد هدأت من حول المدينة، فإنَّ سُعُرَ المعركة كان ما يزال يحتدم هناك في نفوس قريش، ولذلك نجد رجالها - ومنذ خروج المسلمين لغزو خيبر - ينقسمون إلى فريقين، ويقفون في جانبين: جانب يرى في قوة اليهود، وكثرة عددهم وعدتهم، وفي محالفة غطفان وما انضاف إليهم من الأعراب، عوامل تؤمّن لهم الغلبة، فيقول: «تظهر يهود وحلفاؤها»، وجانب يأخذ عبرةً من ماضي المسلمين وما يتميزون به من إيمانٍ قويٍّ بالدين الذي اعتنقوه، فيرى في هذا الإِيمان، وما يمنحه لهم من عزم في القتال، ووحدة في الصف وتماسك في الشدة، واستهانة بالموت في سبيل عقيدتهم.. أجل كان الفريق الآخر يرى في ذلك كله الدليل الكفيل بتحقيق نصرهم، فيقول: «يظهر محمد وأصحابه»[*].
وكان كل فريق في قريش يأمل في كسب الرهان، فظلوا في ترقب، محاولين استطلاع غزو خيبر، حتى قدم عليهم الحجاج بن عِلاط السُّلمي.
وكان الحجّاج حديثَ عهد في الإِسلام - فلم يعرف بأمره أهلُ مكة - وقد شهد خيبر مع إخوانه المسلمين. فلمَّا أتمَّ الله سبحانه وتعالى لهم فتحها، أتى النبيًّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يستأذنه في الذهاب إلى مكة، قائلاً:
»يا رسول اللّه، إنَّ لي بمكة مالاً أودعته زوجتي أم شيبة بنت أبي طلحة (أخت بني عبد الدار بن قصي)، وديوناً متفرقة عند التجار هناك، وقد جئت أستأذنك بالذهاب إلى مكة لاسترداد مالي.. فإن أذنتَ لي يا رسول اللّه، فلا بدَّ لي أن أقول[*]».. أَذن له النبيُّ بذلك، قائلاً: «قل..».
وذهب الحجاج حتى إذا قدم مكة، وجد عند أحد مداخلها - بثنيّةِ البيضاء - رجالاً من قريش يتسقَّطون الأخبارَ، ويسألون عن «محمدٍ» وأصحابه ماذا فعلوا بخيبر؟!..
فقال لهم بدهاء: هُزِمَ هزيمةً لم تسمعوا بمثلها قطُّ، وقُتِلَ أصحابُه شرَّ مقتل، وهو الآن أسيرٌ بين يَدَيْ عدوه، يقولون: لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة، فيثأرون منه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم[*]...
وما يلفت في ذكاء الحجاج أنه لم يذكر - في كل مقالته وحديثه - اسم محمد أو النبيَّ، بل جلُّ قوله كان إخباراً عاماً عن غزوٍ وهزيمة!.. ولكنَّ رجال قريش أُخذوا بوقع الخبر، فأطار صوابهم، وراحوا يركضون نحو منازل مكة وهم يصيحون، ويصرخون: «يا معشر قريش! يا معشر قريش! قد جاءكم الخبر. وهذا محمد إنما تنتظرون أن يُقدَم به عليكم فيُقتل بين أظهركم»[*].
وإنْ هي إلاَّ تلك الصيحات، وخرجت مكة بأسرها إلى الساحات فمُلئت بالحاقدين، وإلى الأزقّة فعجّت بالموتورين، وكلهم يزغردون بالفرح، ويهزجون بالنشوة! إنه منتهى الأمل الذي يصبون إليه. وهل إلاَّ هزيمة «محمد» هي وحدها ذلك الأمل، فلِمَ لا يفرحون، ولِمَ لا ينتشون؟!..
وعمَّ الابتهاج أنحاء مكة فرقص أهلُها وغنَّوْا.. وتناسى أصحاب الرهان ما تراهنوا عليه: فأمَّا من كان يقول بأن «محمداً» سينتصر، فلم يعد يهمه الآن - وقد بلغته هزيمته - أن يخسر، لأنه على استعداد لأن يدفع أضعافاً مضاعفة في ذلك الرهان، طالما أنَّ «عدوَّه اللدود» قد هُزم.. وأمَّا من كان يقول بأن الغلبة ستكون لليهود فلا يعبأ برهان يأخذه طالما أن الخبرَ عنده أهم من أي مالٍ!..
هكذا سيطرت عليهم الأوهام، فطابوا بها نفساً.. وأقبلوا على الحجاج، وهو من زفَّ لهم البشرى، يريدون أن يولموا له الولائم، ويقيموا له المآدب.. ولم يُبد الحجاج بن علاط أية ممانعة، إلاَّ أنه رجاهم التريث في الأمر، وهو يتذرع بقوله:
يا قوم! إن أردتم تكريمي فأعينوني على جمع مالي بمكة من غرمائي، فإني أريد أن أقدم خيبر فأصيب من فلِّ محمدٍ[*] وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى هنالك.
وانطلت، بالفعل، على قريش حيلةُ الحجاج، فراحوا يعينونه على جمع ماله بكل طيب خاطر، وكذلك أُخِذَتْ زوجُهُ على حين غِرَّة، حينما قال لها: «يا أم شيبة، اجمعي ما كان لي عندك من مالٍ، فإني أريد أن أشتري من غنائم «محمد» وأصحابه ما قد أُحرِزُ به أرباحاً وفيرة!..» فانطلت عليها حيلته، وأعطته كلَّ ما كانت تحفظه له.. وكان العباس بن عبد المطلب لمَّا سمعَ الخبر، قد أخذهُ مثلُ الوجوم، فانزوى في بيته ساكناً، ولكنَّ نفسه لم تطاوعه على القعود أكثر ممَّا قعد، فهبَّ يبحث عن الحجاج حتى وجده في خيمة أحد التجار، فأومأ إليه هذا بطرف عينه، ثم أسرَّ إليه أن يستأخر عنه حتى يفرغ، فحفظها العباس في نفسه، إلى أن خلا به، فقال له الحجاج: احفظ عليَّ حديثي يا أبا الفضل ثلاث ليال، فإني أخشى أن يطلبوني، ثم قل ما شئت. قال العباس: أفعلُ. قال الحجاج: فإنّي واللَّهِ لقد تركتُ خيبرَ بعد أن افتتحها رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وغنم أموال اليهود، وقد اصطفى صفية بنت حييّ بن أخطب لنفسه، وقد أسلمت، وما جئتُ إلاَّ لأخذ مالي، ولو عرفتْ زوجي وأهلُها، وتجارُ مكة بإسلامي، فلا مال لي... فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك فهو واللَّهِ على ما تحبّ[*].
وانتظر العباس بفارغ من الصبر.. ثم خرج في اليوم الثالث - كما وَعَدَ الحجّاجَ - في أجمل حلة لديه، وقد تطيّب بالعطر، وحمل عصاه حتى أتى الكعبة طائفاً.. ورأته قريش على تلك الحال، فظنت أنه يموّه بفعله، كي يخفف من وقع المصيبة على نفسه، ويُذهب عنه بعض الحزنِ لهزيمة ابن أخيه محمد، فجاؤوا يقولون له: «يا أبا الفضل، هذا والله التجلّد لِحَرِّ المصيبة». فما كان من العباس إلاَّ أن ابتسم وقال:
»كلا، والله الذي حلفتم به، لقد افتتح محمد خيبراً، وتُرك عريساً على ابنة ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها، فأصبحت له ولأصحابه»[*].
قالوا متعجبين: «هراء!.. ومن أتاك بهذا الخبر الكاذب؟»!.
فقال لهم العباس: الذي جاءكم بخبركم.. فلقد دخل عليكم مُسْلماً، فأخذ ماله وانطلق، هازئاً بكم، ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معهم..
قالوا مغضبين: يا لعباد الله!!.. لقد سخر بنا عدو الله، وقدر على أن يستغفلنا؟.. أَمَا والله لو عَلِمْنا، لكان لنا وإياه شأن..
وهمدت قريش مكظومة، حتى أن كثيرين لم يريدوا أن يصدِّقوا ما قاله العباس، واعتبروه إيهاماً لهم.. ولكنَّهم لم يلبثوا إلاَّ قليلاً حتى جاءهم الخبر اليقين. فقد توافد القادمون إلى مكة من جهات كثيرة، وكلُّهم يؤكد خبرَ العباس بن عبد المطلب، مما لا يدع مجالاً للشك عند قريش بنصر «محمد» على بلاد خيبر، فقعدت ملومة، محزونة، مقهورة.
لا، لم تكن قريش لتتوقع أن تنهار خيبر بهذه السرعة، وهي على ما هي عليه من التحصين والمنعة. ولم تكن لتعتقد بأن محمداً قد بلغ وأصحابه هذا الحد من القوة. فَنَصْرُهُ قد أذهلها حقاً، وجعل أفراحها أحزاناً، وابتهاجها كآبة.
وتفكَّر رؤوس الشرك بالأمر: فهؤلاء اليهود عندهم ما ينوف على عشرة آلاف مقاتلٍ مدرّبين على أشد فنون القتال وضروبه. ولهم حصون كبيرة، منيعة، ملئت بآلات الحرب على اختلافها، وبالمؤن الوفيرة على تنوعها. ولا يتوقع لهم هزيمة في القتال، ومع ذلك فقد هزموا شر هزيمة، ولكن لماذا؟ وماذا فعل اليهود حتى آلت حالهم إلى هذا النحو؟!..
قد يشفع للمشركين مثل هذا التفكير طبقاً للواقع الذي كانت عليه حياة اليهود في خيبر من جميع الجوانب.. ولكنهم تناسَوْا أن العنصر الأهم، الذي قادَ المسلمين إلى النصر، هو ما كانوا يحملون في جوارحهم من بأس وعزيمة أقوى من كل الحصون، وأمنع من جميع المعاقل. فهم عندما جاؤوا لغزو خيبر لم يكن عددهم يزيد على ألفٍ وستمئة مقاتل[*]، ولم يحملوا معهم من آلات الحرب إلاَّ السيوف والرماح والقِسِيَّ والنبال، ولكنّهم بفعل إيمانهم القوي، استطاعوا أن يحققوا النصرَ على الشعب الذي استبدّت به روح الغرور، وطغى عليه عنفوان الغطرسة، حتى ظَنَّ بنوه أنهم هم الأقوى و{أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحَشر: 2]، بعدما قذف في قلوبهم الرعبَ وزلزل كيانهم، فكانوا فِرقاً أشتاتاً.
هذا النصرُ - الرَّباني، بحسب اعتقاد المسلمين - هو ما أذهل قريشاً، فكان حريّاً بها أن تدهش بعد أن تحققت خبره. وقد بُهرت مثلَها، على كل حال، قبائلُ العرب وجموعُهم، فقالوا متعجِّبين: «خيبر تسقط؟!»..
ولشد ما كانت الحيرة تأخذهم، وهم يرددون: «وتذعن اليهود في شتى ديارهم، وفي سائر أماكن تواجدهم: في فدك وتيماء مستسلمين بلا قتال، وينهارُ وادي القرى في بضعة أيام... إنه حقاً لَلْعَجبُ العجاب؟!»..
نعم لقد أَخَذَ هذا النصرُ - من رب العالمين - بألباب الناس، وجعلهم يُقِرُّون بأنه بات للمسلمين قوةٌ يُخشى معها بأسهم، وشدةٌ يُرهبُ بها سلطانهم، وأنهم لا يقيمون للكثرة وزناً، ولا للحصون حساباً، بل إن أيديهم تضرب بسرعة مذهلة، وإلى أماكن بعيدة، فلا يقف بوجههم حائل، ولا يَعوق تقدمَهم مانع..
ولذلك صار على قريش، بعد الذهول والانبهار اللذين أطارا صوابها، أن تستفيق لتدرك الحقيقة، وهي أن حلفاءها من بني يهود، وشركاءها ـ من القبائل - في العداوة للإسلام، قد زال كلُّ ما لهم من نفوذ في أقاليم الحجاز، وأنها بقيت وحدها في الميدان، فماذا يمكنها أن تفعل حيال هذا الواقع المرير؟. إنها لن تقدر بعد اليوم على البقاء في الصلافة والغطرسة، بعد أن وجدت نفسها، حيال قوة المسلمين، ملويةَ العنق، وطيئةَ الجبين. لقد فاتتها الحيلة بالمقاومة، وبعدت عنها الطريق إلى القرار، فلا ترى إلاَّ الاستسلام للأمر الواقع، والمكوث في ديارها منتظرة ما قد يدهمها به غدها من أحداث...
تلك كانت الآثار التي خلّفتها غزوة خيبر على المكابرين والمشركين.
أما بالنسبة للمسلمين فقد كان الأمر مختلفاً تماماً، إذ جاءت النتائج عظيمةً ومشجِّعة للغاية.
فإلى جانب النصر وما ينطوي عليه من تعزيز الثقة بالنفس، كان ذلك الفيءُ الكبير من المغانم التي أذهبت عنهم الفقر والحاجة إلى حد بعيد. ولكن الأهم من ذلك كله شعورهم الجديد، وهو أنّ السير بالدعوة على الدروب التي من شأنها أن تمهّد لانتشارها داخل جزيرة العرب وخارجها، قد أخذ يشق طريقه إلى النفوس والقلوب.
ولم تستغرق غزوة خيبر وما جاورها من بلاد اليهود إلاَّ نحواً من شهر ونصف الشهر، فقد ذهب إليها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أوائل المحرم من السنة السابعة للهجرة ورجع منها ظافراً في النصف الثاني من صفر.
زواج النبي (ص) من صفية بنت حيي بن أخطب
وسبق لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَنْ أَكْرَمَ من السبايا صفية بنت حييّ بن أخطب، سليلة البيت النبوي، إذ رفع عنها السبيَ وأعتقها، وترك لها حرية الاختيار ما بين الإِسلام فيتزوجها، أو اليهودية فتبقى في بني قومها.. فاختارت صفية الحقَّ الذي ملأ نفسها، وقالت للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بلهجة المؤمنة الواثقة: «يا رسول اللّه! لقد آمنت بالإِسلام، وصدقت بك قبل أن تدعوني حيث صرت إلى رحلك، وما بي في اليهودية إرب، وما لي فيها والدٌ ولا أخٌ. وقد خيَّرتني بين الكفر والإِسلام. فاللّهُ ورسولُهُ أحبُّ إليَّ من العتق وأن أرجع إلى قومي.. وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول اللّه».
ودخلت صفية في الإِسلام طائعة، مختارة، فعقد عليها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قرانَهُ، ولكنه لم يُعرّس بها على الفور، لانشغاله في ترتيب الشؤون العامة، ولكي يترك لها فترة من شأنها أن تُذهِبَ عنها الحزن والأسى، لما حلَّ بها من نكبات ومصائب. ولمّا كان في طريق العودة إلى المدينة، ونزل العسكر في مكان يقال له «تبار»، على بعد ستة أميال من خيبر، مالَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يريد أن يعرّس بها، فرآها لا تزال في جوِّ ذكرى المواقع والحروب والقتلى، فتركها. ولما بلغ المكان المسمى «الصهباء» توقف الجيشُ ليأخذ قسطاً من الراحة، وأقبلت صفية، تبدي استعدادها وتهيؤها للعرس، فطلب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من أم سليم بنت ملحان - والدة أنس بن مالك - أن تقوم على تهيئتها. وقال لها ولمن كان معها من نساء: «عليكنَّ بصاحبتكنَّ فأمشطنها».
ولاحظ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عندما أُدخلت عليه عروسه في خيمته، آثار كدمة قرب عينيها، فلما سألها عنها، تنهدت طويلاً وقالت: يا رسول اللّه، إني رأيت في المنام ليلة زواجي من كنانة بن الربيع وكأنَّ قمراً أقبل من يثرب حتى وقع في حجري. وفي الصباح أفقت وما زال الحلم في مخيلتي لا يفارقني، ترتسم صورته أمام ناظريَّ، فأحسُّهُ وكأنه حقيقة راهنة أشهدها في اليقظة، مما أشعرني بالسعادة. ورجوت أن يشاركني زوجي هذه السعادة، فأقبلت أقصُّ عليه رؤياي في المنام، واللَّهِ ما ذكرت من شأنك شيئاً، فقال لي: «تمنين هذا الملك الذي بالمدينة» ثم راح يلطمني، وهذا الأثر على وجهي، كما ترى يا رسول اللّه.
وبعد أن طيَّب (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خاطرها، ودعا لها بأن يعوّضها اللّهُ - سبحانَه - مَن هو خير من كنانة، عاد يسألها بتؤدة عما حملها على المحاذرة، وعدم الإعلان عن إسلامِها قبل تخييرها بين الزواج منه، أو الذهاب إلى بني قومها، فقالت بحزم: ما حبسني يا رسول اللّه إلا خشيتي عليك من دسّ أعدائك، وحقدهم الذي أعرفه عليك وعلى رسالتك. وأُثلج صدر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بهذا الوفاء والنبل من إنسانةٍ حكيمة مؤمنة، قد صدقت ما عاهدتْ عليه اللَّهَ ورسولَهُ، فحق لها أن تكون من أمهات المؤمنين الخيّرات.
وأَزِفَ موعدُ المسير، فأُذِّن في العسكر للعودة إلى المدينة، ليدخلها المؤمنون محفوفين بنصر الله تعالى ونعمائه.
وكان رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد رأى ألاَّ تقيم صفية مع إحدى زوجاته. فلما وصَلَ المدينة أنزلها في بيت أحد الصحابة، وهو حارثة بن النعمان[*]، حتى يبتني لها حجرة قرب المسجد، أسوة بنسائه الأخريات.
وانتشر خبرُ زواج النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من السيدة صفية، بين نسوة المدينة جمعاء، لكثرة ما كان يتردّدُ على ألسنتهنَّ من الكلام حول جمالها وحسن أخلاقها وآدابها، فصرْنَ يتوافدن ويجلسن إلى أم المؤمنين صفية، فيجدن فعلاً أن الله سبحانه وتعالى قد وهَبَ هذه المرأة من حسن الخُلق، وجمال الخَلْق ما تستحق معه كل تقدير واحترام. وهذا ما أثار الغيرة في نفس أم المؤمنين عائشة، وجعلها تعزم على الذهاب لرؤيتها بنفسها. فخرجت من حجرتها متنقبة على حذر، إلاَّ أنها لم تعلم بأن رسولَ الله كان يراقبها، ويدرك ما ترمي إليه، فلما عادت فاجأها بسؤالها: «كيف رأيتِ يا شُقَيراء؟».
قالت، والغيرة ما تزال تستبدُّ بها: رأيت يهوديَّة!.
ولكنَّ النبيَّ نهاها عن ذلك، وقال لها: «لا تقولي ذلك فإنها أسلمتْ وحَسُنَ إسلامها»[*].
وفي الوقت الذي كان رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُعِدُّ لعقيلة بني النضير - أم المؤمنين صفية - بيتها الزوجي، كان يُعِدُّ لبيتٍ زوجيٍّ نبويٍّ آخر، ليُدخِلَ فيه أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، التي أرسل في طلبها من الحبشة مع عمرو بن أمية الضمري، بعد أن أوفده إلى النجاشي كي يعقد له قرانه عليها ويعود بها وبمن بقي في تلك البلاد من المهاجرين الأولين.. والسبب في ذلك أن أم حبيبة كانت قد تزوجت من قبل بعبيد الله بن جحش، وأقامت مع زوجها في مكة حتى بعث الله تعالى محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نبيّاً، فآمنا به ودخلا في الإِسلام، على الرغم من معارضة والدها أبي سفيان بن حرب، الذي كان يأتيها، ويزيّن لها ترك دينها وزوجها، وهو يقول: «ابنتي رملة، اتركي دينَ محمد بن عبد اللّه وتخلَّصي من هذا الصابىء عبيد اللّه، وأنا أكفل لك عزة العيش، وأجعل أسياد قريش يطلبون يدك»!.
ولكنَّ رملة لم تستجب لتوسلات أبيها، ولإِغراءاته، ممّا عرَّضها وزوجَها لظلمِ قريش واضطهادها. حتى إذا حاقَ بهما العذاب، مثل سائر المسلمين الذين طاولهم عذاب قريش وأذاها، هاجرا مع من هاجر إلى بلاد الحبشة..
وأقامت هذه المرأة المؤمنة مع زوجها عبيد اللّه بن جحش في ديار الهجرة على العهدِ من دِينها، إلى أن ارتدَّ زوجها عن الاسلامِ الذي من أجله قد هاجر، واعتنق النصرانية، دين أهل الحبشة في ذلك الوقت، فسعى أن يَرُدَّ زوجه رملة عن الإِسلام أيضاً، إلاَّ أنها أبتْ عليه ذلك، وخذلته شرَّ خذلان، فتفارقا كلٌّ في حال سبيله، لتعيش رملة مع طفلتها حبيبة، وحيدةً في تلك الديار، تذوق مُرَّ العزلة والفقر، وتلاقي من الصعاب ما يجعل أيامها تمتلئ بالهموم، ولياليها تثقل بالتعاسة..
وكان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتقصَّى أخبار المهاجرين، ويعرف ما تعاني منه أم حبيبة بسبب إيمانها، فما رأى ما يعوِّضها عن ذلك كله، إلاَّ الزواج منها. ولما وصَلَ طلبه إلى ملك الحبشة بأن يخطبهَا له، أرسل النجاشي جارية له لتبلغها بالأمر، فدخلت عليها وقالت لها: «يا سيدتي، إن الملك يقول بأن نبيَّ العرب قد بعث إليه يخطبُك منه، فاختاري من تشائين ليكون وكيلاً عنك في هذا الزواج إن أردتِه»..
سبحانك يا رب!... أنت وحدك القادر على أن تغيِّر، بين لحظةٍ ولحظة، الأحوالَ والأقدار.. أنتَ الإلهُ، وعينُك ساهرة على خَلْقك، فرحماك يا ربَّ الرحمة والنعمة..
لا، ليس بعدُ من رحمةٍ أوسعَ وأعظمَ لامرأةٍ مؤمنةٍ (أم حبيبة) من أن تنتقل من مآسي الوحدة، ومهانة الاغتراب، وذل الفقر إلى أعلى المقامات وأرفع الدرجات، فتصير زوجاً للرسول الأعظم محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . ولذلك كانت حقاً مفاجأة مذهلة لها. فلما استيقنت من البشرى، أقبلت على الجارية تخلع سوارَي الفضة الوحيدين لديها وتقدِّمُهما هدية لها. ثم لم تلبث أن أرسلت في طلب خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، أحد المهاجرين لتوكِّله بأمر تزويجها.. فبعث ملك الحبشة في طلب جعفر بن أبي طالب ليكون شاهداً على عقد التزويج.. وتمَّ العقد وأصدقَ النجاشي أم حبيبة أربعمئة دينار عن النبيِّ. ثم دعا إليه جميع المسلمين في الحبشة وأولم لهم وليمة الزواج قائلاً:
«اجلسوا وأولموا، فإن سنَّة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤْكل طعامٌ على التزويج».
وفي صبيحة اليوم التالي جاءت الجارية نفسها، وهي تحمل إلى أم حبيبة هدايا نساء الملك من عود الندِّ والعنبر الطيب. وقد رغبت أم المؤمنين أن تهدي إلى تلك الجارية خمسين ديناراً من صداقها، إلاَّ أن الجارية رفضت أن تأخذها وقالت لها: إن الملك قد أجزل لي العطاء، وأمرني ألاّ آخذ منك شيئاً، كما أمَرَ نساءه أن يبعثن إليك مما عندهن من طيب، وهو ما حملته إليك يا سيدتي.
وهكذا كانت عودة أم المؤمنين رملة من هجرتها إلى الحبشة، لتدخل بيتها بجوار النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الذي أرادَ أن يعوِّضها عما لاقته من كفر أبيها، زعيم قريش وقائد حربها.. وعما قاسته من مرارة الهجرة والغربة، فما رأى خيراً من أن يرفعَها إلى أعلى المراتب بين النساء، ويدخلها البيت النبويَّ، زوجةً عزيزةً، موفورة الكرامة، عليَّة المكانة، أين منها مكانة أبيها، بل ومكانة سائر أشراف العالم وزعمائهم..
ولم تكن أجواء الطمأنينة تلك مقصورةً على آل رسول اللّه وحدهم، بل كانت تعمُّ المسلمين جميعاً، ما دام الرسول الأعظم يرعى شؤونهم كافةً بنفس الرعاية لأهل بيته، ولا سيما تلك الرعاية الدائمة على التثقيف بأمور دينهم وأحكامه، وترسيخ المفاهيم الإِسلامية في مجتمعهم، المناهض لمجتمع الجاهلية وعاداتها..
وعاشَ المسلمون في تلك الأجواء الرحبة، ملتفِّين حول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) متحابين، متآلفين، حتى لَيندر أن توجد وحدةٌ مثل وحدتهم، أو لُحمة مثل لُحمتهم عند أيٍّ من الأمم والشعوب الأخرى.. فكلُّهم على طريق واحد وإلى مصير واحد، وجميعهم يعملون من أجل هدف أعلى مشترك وهو إعلاء كلمة الله عزّ وجلّ، بلا تنافر أو تنابذ فيما بينهم، بل تنافس شريف على الإِخلاص للدعوة، وتسابق على محبة الله ورسوله.. وإنّ في جدال عمر بن الخطاب وأسماء بنت عميس[*] (رضي الله عنهما) لأروعَ المثل على ذلك التسابق.. فقد جاءت أسماء مع زوجها جعفر بن أبي طالب - وكان من أحبّ الناس إلى قلب رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - مع من جاؤوا من مهاجري الحبشة في صحبة عمرو بن أمية الضمري على سفينتين أمَّنهم عليهما ملك الحبشة، ليقيموا مع الأهل والإخوان في المدينة بعد عناء الاغتراب والوحدة، وينعموا في ظلال الوحدة الإِسلامية بأنفاس اللحمة المحمدية، وذلك على الرغم من تفرقهم في الجاهلية إلى بطون مختلفة في الحسب والنسب.. لقد باتوا جميعاً مسلمين، وليس في مدينة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاَّ أجواء إسلامية، قوامها المحبة والتعاون، والألفة، والاجتماع على طاعة الله تعالى والوفاء للواجب.
وفي تلك الأجواء الطيبة، وفيما أسماء، زوج جعفر بن أبي طالب، في زيارة لحفصة - زوج رسول اللّه - إذ دخل عليهما أبوها عمر، وجلس يلاطفهما. وبعدما تشعب الحديث، أفلتت من عمر ملاطفةٌ ناعمةٌ عندما قال لأسماء: «الحبشية هذه، البحرية هذه؟»، يقصد أنها جاءت من الحبشة منقولةً مع المهاجرين على سفينة في البحر.
وردّت عليه أسماءُ، ملاطفة أيضاً، وهي تقول: «نعم!..».
فتابع عمر قائلاً: «سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول اللّه»!.
عندها نفرت أسماءُ وقالت: يا عمر! كلاَّ واللَّهِ!.. لقد كنتم مع رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يُطعم جائعكم، ويعظُ جاهلكم. وكنا في أرض البَعداء والبغضاء، وذلك في الله - تعالى - وفي رسوله. وأيم الله لا أُطعمُ طعاماً، ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت لرسولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ونحن كنا نخالف ونؤذى، وسأذكر ذلك لرسول اللّه ، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك[*].
وقامت أسماءُ من فورها، وأتت رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تخبره بما دار بينها وبين عمر بن الخطاب، وتسأله أيّاً من المهاجرين أولى بالفضل؟ فقال لها الرسول الأعظم: «ليس بأحقَّ بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهلَ السفينة هجرتان»[*] - وفي الصحيح عن ابن بردة عن أسماء أن النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لها: «لكم هجرتان وللناس هجرة واحدة»[*].
وكان ذلك هو التنافس بين المؤمنين.. تنافس على كسب الفضل والأجر، وعلى محبة الله ورسوله. وفي هذا التنافس موطن الشرف وموئل الفخار، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
هاجروا مع النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أوفياء، أمناء: فنالوا نعمة الموعظة وشرف الجهاد..
وهاجروا بأمرٍ من النبي إلى الحبشة لواذاً واحتساباً: فذاقوا ألم العزلة ووحشة الغربة.. ولكنهم عندما عادوا إلى موطن الرسالة - يحملهم نفسُ الإِيمان الذي ارتحل بهم إلى البعيد - عادوا ينضوون، مثل سائر المهاجرين الآخرين، تحت لواء القائد الأعلى، والرسول الأعظم، ليشاركوا في حمل أعباء الدعوة، ويَحْيَوا الجهاد ونُصرة الدين، فنالوا شرف الهجرتين..
فأصحاب الهجرة، وأصحاب الهجرتين، كانوا جميعاً مسلمين صادقين. ولكنَّ الأجر كان على قدر المشقة والبلاء.. فمن كان له هجرتان فحقه بالأجر والثواب أكثر ممن له هجرة واحدة، وتلك هي حكمة رسول اللّه تنبع من صدق إيمانه وسموِّ فكره. فكفى بهم جميعاً جنوداً لدين الله، أحباء لرسوله، وكفى بالمتنافسين في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى والإِخلاص لرسوله الكريم اعتباراً وافتخاراً. فقد نالوا جميعاً الفضل والأجر، فهنيئاً لهم على ما نالوا، وطوبى لهم على ما استحقوا..
أجل، لقد عاش المسلمون الأوائل في ظلال الإِسلام، وفي رعاية رسوله الأعظم حياة نقية، طاهرة، تبقى على الزمان مثالاً خالداً لكل أُمَّة أرادت أن تتكامل في هذه الحياةِ الدنيا، وتسلك سبلَ الطهرِ والإيمان والجد في القول والعمل.. وإنه للحقُّ من ربك، فالإسلام يرعى الفرد في أدقّ شؤون حياته، مثل رعايته لشؤون الجماعة بأوسع شؤونها وأشمل أمورها.. وإذا كان فضل الله تعالى تدلّ عليه آثاره على حياة أولئك المسلمين الأوائل كلها جملةً وتفصيلاً، فإن في ما انبثق عن عهد الحديبية من حوادث فردية، وما كان لها من آثار على حياة الجماعة عامة، لأكبر مثالٍ على ذلك الفضل العظيم من رب العالمين.. لقد تضمنت المعاهدة أحكاماً كان النبيُّ حريصاً على الالتزام بها بصورة كاملة. وأمَّا ما خرج على تلك الأحكام، ولم يكن فيه للفرد الإِسلامي أو للجماعة الإِسلامية مصلحة، فلم يتقيَّد به الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .. وإذا كانت المعاهدة تنصُّ على ردِّ كل مسلم يخرج من غير إذن وليه القرشي، ليلتحق بإخوانه المسلمين، فإنها لم تتطرق قطّ في أحكامها إلى النساء، ولم تأتِ على ذكرهنّ، ولذلك لم يقبل رسولُ الله أن تُردَّ المهاجراتُ من قريش، إن جئن مؤمنات، مهتديات.. وقد هاجرت إليه بعد الحديبية كثيراتٌ لأنهن رفضن الحياة مع أزواج مشركين، كما فعلت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، التي كان أبوها - كما هو معروف - من أشراف مكة وسادة قريش، كما كان أخوها عثمان بن عفان (من الأم) أحد صحابة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المقربين. لقد هربت من مكة طمعاً بدينها، وخرج أخواها عمارة والوليد يطلبان ردَّها إلى قومها بحكم معاهدة الحديبية، ولكنَّ رسول اللّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أبان لهما أن هذه المعاهدة لا ينطبق حكمها على النساء، وأن النساء إذا استجرن وجب أن يجابَ طلبُهنّ. والأهم من ذلك، أن المرأة إذا أسلمت لم تعد حِلاًّ لزوجها المشرك ووجب التفريق بينهما.. ولذلك ردّهما الرسول دون أن يسلِّمهما أختهما أم كلثوم، بعد هجرتها إليه مؤمنة..
وكان على رسولِ الله ألاَّ يقبل المهاجرات على أنهن مسلمات مؤمنات إلاَّ بعد امتحانهن، ومعرفة صحة إيمانهن، وذلك بأن تُستحلف المرأة بأنها لم تهاجر، ولم تفارق زوجها ناشزاً، وإنما هاجرت لله ورسوله، مؤمنةً معتصمةً بالإِسلام من الشرك[*]، ففي هذه الحالة يصبح من الواجب عدم إرجاعها إلى زوجها الكافر لأنها لم تعد حِلاًّ له، ولم يعد هو حلاًّ لها، وذلك امتثالاً لأمر الله تعالى بقوله الكريم:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *} [المُمتَحنَة: 10].
ومثل هذه الأحكام المنزلة من الله سبحانه وتعالى، هي التي تسوِّي العلاقات بين الشعوب والأمم والجماعات، وتقيمها على قاعدة العدالة، ولاسيما في حالة الاختلاف في العقيدة، أو في نمط الحياة وأسلوب التعايش. فالمؤمن والمؤمنة حقوقُهما مصونة، وكذلك الكافر حقوقُه مصونة، ولكنَّ حكم الله تعالى يوجب الفراق - حُكْماً - بين الرجل الكافر والمرأة المؤمنة، على أن يردَّ عليه - ولو كان كافراً - ما أعطاها من مهرٍ، وأن يستردَّ - بالمقابل - المسلمُ الذي فارقته زوجُهُ، بسبب الشرك - من الفيء، أو من بيت مال المسلمين - مقدار ما أعطاها من مهرٍ.. فهذه الأحكام ثابتة في شرع الإِسلام، ومنها يتَّضح صريحاً أنْ ليس من عقيدة أو مبدأ إلاَّهُ - الإِسلامُ - إن رُمنا عدالةً بين الناس.
على أنه بالمقابل كان رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حازماً في تطبيق ما نصت عليه معاهدة الحديبية، حريصاً على الوفاء بجميع شروطها، وذلك انسجاماً مع خُلقه العظيم، وتكريساً منه لإِقامة العلاقات السليمة واحترام المواثيق والمعاهدات، وتنفيذ أحكامها دون أي إخلال بمنطوقها عملاً بأوامر الله سبحانه وتعالى، ومنها قوله الكريم:
{وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُّمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ *} [النّحل: 91].
فقد أتاه، وهو (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المدينة، أبو بصير عتبة بن أسِيد بن جارية - حليف بني زهرة - وكان قد أسلم وحُبس بمكة - إلاَّ أنه استطاع الإِفلات، فخرج منطلقاً بدون إذن مولاه. وعرف المشركون بأمره، فبعث أزهر بن عبد عوف والأخنس بن شرَيق رجلاً من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى لهم إلى رسول اللّه، ومعهما كتاب كي يردَّ أبا بصير إلى قومه. فدعا إليه أبا بصير وقال له: «يا أبا بصير. إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمتَ، ولا يصلح لنا في ديننا نقض العهد أو الغدر، وإنَّ الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، فانطلق إلى قومك»[*].
قال أبو بصير: «يا رسول اللّه! أتردُّني إلى المشركين يفتنوني عن ديني؟».
فعاد الرسول يؤكد عليه بقوله: «يا أبا بصير! انطلق فإنَّ الله سبحانه سيجعل لك ولمن معَكَ من المستضعفين فرجاً ومخرجاً».
وامتثل أبو بصير لأمر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وخرج مع المشركين يجرُّ رجليه جرّاً، وفي نفسه لوعة وأسى على ما ستفعل به قريش، وما سيلاقي من جراء جبروتها من ألم وعذاب. وفيما هو غارق في همومه لمعت في ذهنه خاطرةٌ، فأقبل على الرجلَين يحدثهما، ويمازحهما، ويحكي لهما ما عنده من الطرائف حتى بلغوا ذا الحليفة، وهناك أمكنه أن يغافلهما، ويعاجل بامتشاق سيف العامريّ من غمده، ثم يهوي عليه بضربة قاتلة، تُردِيْهِ من فوره. وكان المولى الذي يرافقه يرى بأم العين ما حلَّ بالعامريّ، فانطلق يعدو نحو المدينة طلباً للنجاة بنفسه، فلم يقدر أبو بصير على اللحاق به، بعدما كان قد وصَلَ إلى المسجد يحتمي به، ويشتكي مما فعَلَهُ أبو بصير بالعامريّ. وفيما هو يروي قصته إذا بأبي بصير قد طلع، متوشحاً السيف، فأسرع يتقدم من النبيِّ، ويَمْثُلُ بين يديه، وهو يقول:
«يا رسول اللّه، قد وفيتَ ذمتَك، وأدّى الله عنك. أسلمتني للقوم وقد امتنعتُ بديني أن أُفتن أو يُعبث بي».. فلم يكن من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاَّ أن قال: «ويلُ أمِّهِ، مَحِسَّ حرب (أي: موقِدَ حربٍ) لو كان معه رجال»[*].
وخاف أبو بصير مما قاله رسولُ الله، وشعر بأنه لن يتأخر عن تسليمه إلى قومه، فالتزم الصمت. ثم طلب الإذن بالخروج لبعض حاجته، إلاَّ أنه كان قد عزم على الفرار، فانطلق في البراري والطرقات حتى نزل العيص على ساحل البحر، في طريق قريش إلى الشام.
وكان المولى الذي جاءَ مع العامريّ قد عادَ وأخبر قريشاً بما جرى معه، وكيف أن أبا بصير قد هرب، ولا يعرف أحدٌ أين ذهب، مما جعلها تغضب وتحنق. بينما وقع الخبرُ على مسامع المستضعفين من المسلمين، المغلوبين على أمرهم، مثل النسائم تهبُّ على تائهٍ في وسط الهاجرة، ليشُدَّ من عزمهم، ويجعلهم يتحفّزون لاغتنام الفرص والإِفلات من قيود المشركين، هاربين من جورهم إلى البعيد.. وكان أبو جندل بن سهيل بن عمرو أولَ من استطاع الهرب بعد تلك الحادثة، فلم يأتِ المدينة خوفاً من أن يردّه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى قريش، بل راح يبحث عن أبي بصير حتى عرف مكانه فانضم إليه.. ومثل أبي جندل خرج كثيرٌ من مستضعفي المسلمين، الواحد تلو الآخر، حتى بلغ عددهم حوالى سبعين رجلاً[*]، التفُّوا كلُّهم حول أبي بصير، وألَّفوا جماعة مشاكسة، وضعت نصب أعينها أمراً واحداً وهو مناوأة قريش والتصدّي لها، حتى صاروا لا يتركون لها عيراً تمرُّ إلاَّ واعترضوها، فيقتلون من رجالها، ويأخذون من أموالها ما تصل إليه أيديهم..
وأفزَعَ أمرُ هؤلاء الرجال قريشاً فعلاً، وهم يهاجمون قوافلها، ويأخذون من تجارتها..بل، وباتوا يشكلون مصدر خطرٍ على حياتها كلِّها، لأنهم إن استمروا في ذلك، فسوف يحرمون القوافل من الخروج، ويوقعون مكة كلها في الحاجة والعوز..
ولما لم تقدر قريش على أن تفعل شيئاً حيال هؤلاء الرجال، فقد بعثت إلى النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تسأله بأرحامها إلاَّ أن يؤوي أولئك المسلمين إليه، لكي يتركوا الطريق آمناً فلا تقع قريش في التهلكة..
ولكم كان ارتياح رسول اللّه شديداً وهو يتبلَّغ رسالة قريش.. فهي لا تنطوي فقط على الضعف وقلة الحيلة، بل وتحمل أيضاً تنازلاً صريحاً عن الشرط الذي أصرَّت عليه في معاهدة الحديبية بأن يردَّ إليها كل من أتاه من المسلمين في مكة بغير إذن وليّه.. نعَم سقط ذلك الشرط، وأصبح الرسول في حِلّ منه، يستقبل من يأتيه من المسلمين مهاجراً من عنتِ قريش وظلمها، كما يستقبل المهاجرات المؤمنات، بلا قيد ولا شرط (إلاَّ أن يمتحنوهُنَّ، كشأنٍ إسلاميٍّ بحت لا علاقة به لقريش أو غيرها).
وبعد أن ثبتَ لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سقوط ذلك الشرط ـ الذي رآه المسلمون جائراً - فإنه بعث إلى أبي بصير بالقدوم إليه في المدينة، هو ومن معه من الرجال، وألاّ يعترض بعد اليوم مَنْ يصادف مِن قريش، أو يتعرَّض لعيرها... ولكنَّ أمر الرسول كان قد بلغ أبا بصير وهو مشرفٌ على فراق الدنيا لمرض أصابه، فتلقَّاه برضىً واطمئنان. وأغمض عينيه مرتاح الضمير لأنه قدر أن ينجو من عذاب قريش، وأن يتخلَّص من فتنتها له عن دينه، ثم ينتصب لها هو وأصحابه قوةً تهدد كيانها، وتنشر الأخطار في دروبها، مما جعلها تذلّ، وتنزل عن تلك الغطرسة التي تستكبر بها على الآخرين، ومات أبو بصير وكتاب رسول اللّه في يده[*]. وذكر موسى بن عقبة، في المغازي، أنَّ أبا بصير كان في صلاته يكثر من القول:
الحمدُ للَّهِ العليِّ الأكبَرِ
مَنْ يَنْصُرِ اللَّهَ فسوف يُنْصَرِ[*]
ودُفِنَ أبو بصير - رحمه الله - بينما ارتحل أصحابه إلى المدينة، نزولاً على أمر رسول اللّه. وعادَ طريقُ الشام آمناً أمام قوافل قريش.
وعلى هذا النحو كانت الأوضاع تسير بعد معاهدة الحديبية، من حسَنٍ إلى أحسن في صالح المسلمين. لا سيما وقد ظهر أنَّ الإِسلام آخذ في الانتشار، فلا تخلو منه بقعة من بقاعها، ولا يغيب عن أتباعه حدثٌ من أحداثها. لقد اشتد ساعد هذا الدين وبدأ سلطانه يقوى شيئاً فشيئاً، بعد القضاء على نفوذ اليهود، حتى ترامت منعته إلى أقاليم الحجاز كلها. وبذلك لم تعد قريش تشكل تلك القوة التي تستطيع الوقوف في وجه الدعوة، كما لم يعد لليهود ذلك الشأن الذي يعرقل مسيرتها..



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB