خَاتَمُ النَّبييِّن مُحَمَّد (ص) (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1568
تاريخ النشر :   2006




البحث الثاني: غزوة الأحزاب

غزوة الخندق
وفي ظلال هذه النفحات الإِنسانية التي كان رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يشيعها في أجواء المدينة، كان المسلمون ينعمون بأوقاتهم، وكلها تحفل بالإِيمان والخير والعطاء، فتتأصّل في نفوسهم الدعوة الإِسلامية، وتزيدهم إنسانيةً على إنسانيتهم.. وفي هذا السياق الذي كان رسولُ الإِسلام يعمل لجعله هدفاً وغايةً من أجل خير الإِنسانية عامةً، وأبناء الجزيرة العربية في المقدمة، كان أعداؤه، وأعداء دعوته يغضبهم هذا النهج الاسلامي في المدينة ويدفعهم إلى تعميق الحقد عليه، واختلاق كافة الأسباب والذرائع للتآمر عليه وعلى دعوته.. لأنَّ مثل ذلك البناء في المدينة إنما ينذر بتهديم كياناتهم، لما فيه من قيمٍ تدفع الناس للاطمئنان إليه، والانجذاب نحوه، بصورةٍ إراديةٍ أو عفويةٍ.. وهذا ما لا يريده أهل الشرك، فتدفعهم حميَّةُ الجاهلية لحشد شتى الطاقات، لاقتلاع هذا النهج من جذوره!.. ولم تكن أحقاد العرب - وبخاصة قريش - لتخفى على رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو يغيب عن باله ما يقومون به من استعداداتٍ لقتاله، إذ كان يبث العيون في شتى النواحي من الجزيرة، تتقصّى له الأخبار، وتطلعه على كل ما يدور فيها من تحركات. وإلى جانب قبائل العرب - في حقدهم على الإِسلام وعلى رسوله - كان هنالك - دائماً - اليهود وهم أشدُّ حقداً، وأعتى عداوةً. وكان بنو النضير من أكثر الناس حماسةً لفكرة القضاء على محمدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فمنذ أن أُخرجوا من المدينة مكرهين، وهم يخططون لذلك، بما عزموا عليه من جمع العرب في غزوةٍ واحدةٍ للمدينة، فخَرَجَ عشرون رجلاً من زعماء اليهود وسادات بني النضير أمثال: حُيي بن أخطب، وسلاّم بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق (عن بني النضير)، وهوذة بن قيس الوائلي وأبو عمّار الوائلي (عن بني وائل) للاتصال بقبائل العرب وحثّها على توحيد الجهود لمقاتلة العدو المشترك «محمد بن عبد الله»!.
وكانت وجهة هؤلاء الداعين للحرب مكة أولاً، حيث قريش، صاحبة السيادة بين القبائل.. فما يتقرّر في مكة من شأنه أن يشدَّ سائر القبائل فتسير في الركب!.. ويجعلها تفعل مثلها..
واجتمع الكيد اليهودي مع الشرك القرشي.. فلمّا أزفت ساعة المصارحة، سأل شياطين قريشٍ حييَّ بن أخطب عن حال قومه بني النضير، بعد إجلائهم عن المدينة، فقال حيي: لقد تركناهم بين خيبر والمدينة، يتردّدون حتى تأتوهم، فيسيروا معكم إلى «محمدٍ» وأصحابه!
وعادت قريش تسأل: وأخبار بني قريظة؟.
فأجاب حُيي: أقاموا بالمدينة يمكرون بـ «محمد» وإسلامه، حتى تأتوهم فيميلوا معكم!!...
إذن فالأمر الذي يشغلهم جميعاً هو واحدٌ، والنوايا متفقةٌ عليه!.. ولكن قريشاً تريد أن تتأكد من اليهود بالذات، وهم أهل الكتاب، وأصحاب دينٍ سماويٍ، إن كان دينُ «محمدٍ» الذي «يزعمه» هو أحقُّ من دينها في عبادة الأصنام - مرةً ثانيةً ـ. ولذلك سألت الوفد اليهودي بقولها:
»يا معشر يهود! إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن «ومحمد»، أفديننا خيرٌ أم دينه»؟![*].
وجاء جواب اليهود بما يخالف الحقائق والأعراف، بل والفطرة السليمة في بني الإنسان، فأجابوا:
«بل دينكم خيرٌ من دينه، وأنتم أولى بالحقِّ منه»![*].. أي تماماً كما كان جواب كعب بن الأشرف، من قبل، في سفره إلى قريش بعد انتصار المسلمين في بدر..
ولكن لماذا كل تلك البلاهة القرشية.. وأين هي من تلك المراوغة اليهودية؟! وكلتاهما كذبٌ بكذب، ونفاقٌ بنفاق.. فهل صحيحٌ أنَّ قريشاً لم تدرك إلى الآن أنّ دين التوحيد الذي يدعو إليه «محمدٌ» أحقُّ أن يُتَّبع؟! أوَ ليس اليهودُ يعلمون ممّا يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة أن «محمداً» هو النبي المنتظر، والإِسلام هو الدين لأهل الأَرض؟! ومع ذلك كانوا يكذبون بعضهم على بعض، ويصدّقون كذب بعضهم على بعض، فيتفقون على الغي والباطل، لأن المآرب الدنيوية التي كانت تجمعهم هي واحدة... ولو تركنا زعماء قريش جانباً لأنهم على الوثنية، فهل يغفر لليهود ذلك الخطأ الفاحش الذي ارتكبوه، عندما أنكروا أحقية دين الله تعالى، وجعلوا الكفر خيراً منه؟!
فهل بعد أفظع من تلك الجريمة يرتكبها أولئك اليهود؟
وماذا كان دافعهم حين أوغلوا في جريمتهم النكراء تلك إلاَّ مداهنة قريش، وكسب عواطفها، وجعلها تسير في ركابهم؟ بل ولم تكن قريش لتحتاج إلى ذلك في كراهيتها لـ «محمد» وعداوته، واليهود أنفسهم يعلمون ما هي عليه.. ومع ذلك اتخذوا الكفر بدل الإِيمان وسيلةً لتنفيذ مآرب حاقدة، موتورة..
أوَلا يدرك أولئك اليهود أنَّ إقرارهم بدين قريش - دين الوثنية والشرك - على أنه خيرٌ من الدين الذي يدعو إليه «محمدٌ» هو إقرارٌ في الوقت نفسه بأن ذلك الدين خيرٌ من اليهودية؟! لأنَّ التوراة التي أنزلت على موسى (عليه السلام) هي كتابٌ سماويٌّ، مثلما هو القرآن الذي أنزل على قلب محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كتابٌ سماوي، فإن جعلوا الوثنية خيراً من إحدى هاتين الرسالتين السماويتين، فإنها تكون خيراً من الثانية.. ومع علم اليهود بأن رسالات السماء هي الأَولى باتباعها والإِيمان بها، وعلى الرغم من يقينهم بهذه الحقيقة، فقد أنكروا الإِسلام وفضّلوا الوثنية عليه.. ولكن قاتلهم الله، لماذا؟ إنه الحقدُ وقد أعمى بصائرهم، فكان منهم ما كان تعدّياً على الله (سبحانه)، وافتراءً على دينه الحق..
ولم يكن ذلك الموقف التاريخي الشائن من نفرٍ يهوديّ - وهو أشدُّ كفراً من شرك الوثنيين أنفسهم - ليمرّ دون عقاب، وها هو العقاب يتنزَّلَ في الآيات القرآنية التي تحملُ لعنةَ الله على أولئك اليهود الذين يكفرون بالتوراة والإسلام، ويؤمنون بالجبت والطاغوت، وذلك بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً *أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا *} [النِّسَاء: 51-52].
نعم ذلك هو الحق من الله عزَّ وجلَّ: لعنةٌ أبديةٌ، وسبّةٌ سرمديةٌ لبني اليهود إذ جعلوا الكفر خيراً من دين الإِيمان بالله الواحد الأحد.. أجل! اللعنة لـ «أولئك الذين لعنهم الله، ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً»، إنه قول الحقّ تبارك وتعالى.. «ومن أصدق من الله قيلاً»..
لقد أرادَها أولئك اليهود من سكان جزيرة العرب - يومئذٍ - مراوغةً خسيسةً، فإذا هي لطخةٌ سوداءُ في تاريخهم الطويل تدلُّ على المرض في قلوبهم.. وهي لطخة لن يمحوها الزمان ما دام كتاب الله، القرآن المجيد، قائماً على مدى الأزمان.. وليس العقاب لليهود - باللعنة التي تبعدهم عن رحمة الله - لأنَّ التعدّي حصل على دين الإسلام وحده، بل لأنه كان تعدياً أيضاً على التوراة نفسها - كتاب بني يهود - الذي يوصيهم أن يكفروا بالأصنام وعبّادها، وترك الشرك بالله وأعوانه، فإذا هُم والمشركون حلفاءُ قائمون! وهذا هو الفارق بينهم وبين المسلمين، ففي الوقت الذي ينكر فيه اليهود القرآنَ، ولا يصدقون بنبوّة محمدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإن المسلمين يؤمنون بالتوراة، ويصدقون بنبوّة موسى (عليه السلام)، تماماً كما يؤمنون بالإنجيل، ويصدّقون بنبوة عيسى ابن مريم (عليها السلام)، ومثل ما هو إيمانهم الحق بالله وملائكته وكتبه ورسله لا يفرقون بين أحدٍ من رسله..
وانزلقت قريشٌ بالمخادعة - وإن كانت بالحقيقة لا تخادعُ إلاَّ نفسها - فوافقت على خطة الوفد اليهودي لمقاتلة «محمد»..
وخرج اليهودُ، دعاة الحرب من مكة، يحملون موافقةَ قريش حجّةً لإقناعٍ قبائل العرب الأخرى بغزو المدينة.. وراحوا يتنقلون من مضاربَ إلى أخرى، وينزلون عند غطفان من قيس عيلان، وعند بني مرةٍ، وبني فزارةٍ، وأشجعٍ، وسُلَيْمٍ، وبني سعدٍ، وأسدٍ.. وكل قبيلةٍ أو عشيرةٍ من هؤلاء تريد ثأراً من المسلمين، لأنّ في نفوسهم عداوة لنبيّ الاسلام.. نعم لقد ذهب اليهود إلى تلك القبائل وهم يحمدون لهم وثنيتهم، وينكرون الإسلام وأهله، حتّى مهّدوا لغزو ساحق - كما كانوا يتوهّمون - فعادوا إلى ديارهم يتحدّثون بما فعلوا، متفاخرينَ، متباهينَ، داعين بني قومهم من اليهود للتهيؤ والاستعداد.
خروج الأحزاب لغزو المدينة
وانقضت شهورٌ قليلةٌ، وحان الموعدُ المتفق عليه، فخرجت القبائل وبطون العشائر، جماعاتٍ وأحزاباً، يحملون رايات العرب، وتأييد اليهود. والكل يتوجهون إلى المدينة لغزوها، والقضاء على الإِسلام وأهله..
وخرجت من الجنوب قريش وكنانة وحلفاؤهم من أهل تهامة، بقيادة أبي سفيان بن حربٍ، في أربعة آلاف راجلٍ، وثلاثمئة فارسٍ، وخمسمئةٍ وألف ممتط بعيره. ووافاهم بنو سليم وأصحاب بئر معونة بمرّ الظهران، وخرجت من الشرق قبائل غطفان: بنو فزارة يقودهم عُيَيْنة بن حصن، وبنو مرة، يقودهم الحارث بن عوف، وبنو أشجع بقيادة مِسْعر بن رخيلةٍ. ثم انضم إلى تلك القبائل والبطون: بنو سعدٍ، وبنو أسدٍ،وغيرهم من الأحزاب..
وفي شهر شوال سنة خمس للهجرة، تجمّع حول المدينة جيش عرمرم يبلغ عدده عشرة آلاف محاربٍ، فتمركزت قريش ومن معها في مجمع الأسيال (شمال غرب أُحد) بينما تمركزت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد قرب وادي القناة إلى جانب جبل أحد.
وكانت أخبارُ خروج القبائل تصل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تباعاً، وبأدق تفاصيلها، فسارع إلى دعوة كبار الصحابة للمشاورة حول خطة الدفاع عن المدينة، والحؤول بين الأحزاب وتحقيق غايتهم العدوانية...
وبدت الآراء متوافقةً في التركيز على مواقع المدينة وجغرافية الأَرض المحيطة بها. إذ رأى المجتمعون أن أكثر نواحيها تشكل عوامل طبيعية تمنع الأعداء من الدخول إليها بطريقةٍ سهلةٍ. فإلى جانب الجبال - وهي حواجزُ طبيعية - تقوم حرة الواقم من الناحية الشرقية للمدينة، وحرة الوبرة من ناحيتها الغربية، وآطام بني قريظة في جنوبها الشرقي، فلا يؤتونها من قبلهم لأن عهدهم مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مازال قائماً..
وأشار البعض بأن تكون مؤخرة الجيش الإِسلامي عند آطام بني قريظة بحيث يسهل عليه تلقي المدَد من تلك الناحية. ولكنَّ غالبية الآراء عادت واتفقت على أنَّ تلك الجماعة - وأي جماعة غيرها - من اليهود لا يُمكن أن يُركَنَ إليها، أو يؤمنَ غدرها، إذ ربما ترى في كثرة الأحزاب ما يشجعها على نكث العهد، لاسيما وأن لديهم من الاستعداد ما يكفي للانقلاب على المسلمين في أي وقتٍ. ومع أنه بدا ما يشبه الإجماع على صحة هذا الرأي، إلا أنهم وجدوا أن من الأفضل ألاَّ يثيروا حفيظة تلك الجماعات من اليهود - في مثل ذلك الظرف بالذات - حتى إذا تبيّنت خيانتهم، وانضمامهم إلى الأحزاب، فسوف لا يعدم المسلمون السبيل الذي يتدبّرونه للحؤول دون خطرهم..
حفر الخندق
وبقيت الناحيةُ الشمالية من المدينة، فهي وحدها مكشوفةٌ ويمكن أن تشكّل نقطة الضعف في مقاومة المسلمين ودفاعهم، بل لعلّها الثغرة الوحيدة التي يمكن للعدو النفاذ من خلالها إلى قلب المدينة، حتى ولو تواجد الجيش الإِسلامي كله هناك، ما لم يسارعوا إلى تحصين تلك الناحية بما يخفّف من شدة الهجوم عليهم... وهنا قال سلمان الفارسي:
ـ أتأذن يا رسول اللّه بأن أُشير؟!...
قال الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : تفضل، وهاتِ ما عندك يا أخا الإِسلام.
قال سلمان: «يا رسول اللّه، إنا كنا بأرض فارس إذا تخوَّفنا الخيل خَنْدَقْنا علينا»..
وانفرجت أساريرُ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذ «لما كانت المدينة تحيط بها الحرّات والجبال وبساتين النخيل من كل جانب سوى الشمال، وكان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعلم كخبير حاذق أنَّ زحف مثل هذا الجيش الكبير ومهاجمة المدينة لا يمكن إلا من جهة الشمال»[*] فقد وافق على حفرالخندق في هذا الجانب لأنه يؤمّن للجيش الاسلامي فرصاً أكبر في تصدّيه للعدو.. وعلى الفور أمر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأن يؤذَّن في المسلمين للاجتماع، حتى يبيّنَ لهم خطورة الغزو، وضرورة تحصين المنازل والآطام، وسدّ المنافذ والثغور.. ثم دعا الرجال إلى شدّ العزائم، وحمل المعدات والأدوات، للخروج إلى حفر الخندق.
وعُيّن مكان حفر الخندق بحيث يكون أمام جبل «سلع» مقابل جبل «أحد»، ويصل ما بين الحرّتيْن (واقم والوبرة)، ثم جرى توزيع الرجال إلى مجموعات، تضم المجموعة عشرة رجال، وتقوم بحفر أربعين ذراعاً، فيتم حفر الخندق - بهذه الطريقة - بوقت أقل...
وإذا كانت النفوس امتلأت حماسة، والسواعد اشتدّت قوةً، فإن العمل بدا صعباً وشاقاً، لأن الأرض صلبة، والطقس شديد البرودة.. ولكن في سبيل الدين تهون كل المتاعب والمصاعب.. فأقبل الجميع يعملون بهمة قلَّ نظيرها حتى يشقوا الخندق، قبل هجوم الأعداء، دونما همٍّ لوصب أو تعب.. فالكل يأنسُ بالغبار يختلط بالأنفاس، ويمتزج بالعرق الذي يتصبب منهم، ولا أحد يبالي بالأثواب تتشقق عن الصدور والبطون فيغطيها التراب، ولا أحد يهتم بجروح الأيدي وكدمات الأرجل وهي تدمى.. فالجميع يجهدون في العمل علَّهم ينالون الأجرَ والثواب. ورسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا يبخَلُ على نفسه بالجهد، شأن كلّ فردٍ من صحابته، فيضرب بالمعول، ويجرف بالمسحاة، وينقل على كتفه الصخور والحجارة.. إنَّه يكدُّ، ويحثُّ الرجال على الصبر والاحتمال، وهو يذكّر بقوله الله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التّوبَة: 105] تبياناً لما في العمل - عندما يكون خالصاً لوجه الله - من الحسناتِ التي توضع في الميزان يوم الحساب.. وهذا ما يزيد المسلمين عزماً وصلابة في الحفر، علَّ الله تعالى يثيب العاملين على قدر ما يبذلون من الجهد والمشقة..
وفيما الحفر على قدمٍ وساقٍ، إذا بصخرة عظيمة بيضاء، تمتنع عن الاقتلاع، فلا تقدر عليها السواعد والأدوات، فأشارت مجموعة سلمان الفارسي، التي اعترضتها الصخرة، أن يرقى ويخبر رسول اللّه بأمرها، فسارع سلمان يقول له: يا رسول اللّه، لقد استعصت علينا صخرة كبيرة يضرب عمقها في الأرض، فلم نقدر عليها حتى وهنت السواعد وفُلَّ الحديد، فوالله ما نحب أن نتجاوز الخطَّ الذي رسمته لنا..
ونزل رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يجلس على تلك الصخرة، ويتفحّصها، ثم يأخذ معولاً كبيراً، ويهوي عليها بكل قوته وعزمه، وهو يقول: «بسم الله، وبعون الله»... فانقدح منها شرر أضاء لمعانه مثل البرق في جوف الليل البهيم.. فكبَّر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تكبيرة الفتح، وكبَّر من ورائه المؤمنون... وانهالَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على الصخرة بضربة أخرى، فثالثة والشرر ذاته يلمع، والحناجر نفسها تردّد: الله أكبر، الله أكبر.. إنها روعة الإيمان تنطلق من أفواه المؤمنين بهذا التكبير الذي يشقّ عنان الفضاء، فيكبّر الوجودُ الكوني بأسره تكبيرة العبودية لله خالق السماوات والأرض، لأنه وحده الكبير المتعال، أكبر من السماوات والأرض، وأكبر من مخلوقاتهما، وأكبر من الوجود كله، وهو القادر ليس على صخرة في هذه الأرض، بل والقادر على أن يسجِّر البحار، وينسف الجبال، ويشقق الأكوان.. لقد استعان رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالله في مغالبة تلك الصخرة، فكان لا بدَّ أن تنفلق في وسطها، وتتشقَّق في جوانبها.. فانبرى إليها الصحابة بمعاولهم يفتتونها، ويرفعون أجزاءها، وقطعها المتناثرة، وهم لا ينفكّون يكبّرون الله تعالى..
وجلسوا يستريحون، فاقترب سلمانُ من رسول اللّه، يسأله:
بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه، ما هذا اللمعان الذي رأينا وأنت تضرب الصخرة؟!
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : أوَ رأيتَ يا سلمان؟!
قال: بلى، والصحابة جميعاً، صلَّى الله عليك..
فقال الرسول الأعظم، الذي لا ينطق عن الهوى: «أما الأولى، فإن الله - عزَّ وجلَّ - فتح عليَّ بها اليمن، وأما الثانية فإنَّ الله - تعالى شأنه - فتح عليَّ بها الشامَ والمغرب، وأما الثالثة فإنَّ الله - سبحانه - فتح عليَّ بها المشرق»[*]، وظهرت لي قصورُ كسرى وقيصر،التي تجتاحها سنابك خيول المسلمين إن شاء الله تعالى.
وفرح المسلمون وهم يسمعون بشارة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالفتوحات.. فيرون بأنَّ تلك البشارة قد تكون المؤشر على أنَّ الله سبحانه سيؤيدهم بالنصر في جهادهم، فيقولون: الحمد لله على وعده الصادق.. وتتطايرُ فرحة البشرى، من جماعةٍ إلى جماعةٍ، فتكتنزها القلوب وتحتضنها النفوس، فإذا النداء من كل جانبٍ: «هذا ما وعدنا الله ورسولُه، وصدق الله ورسوله».
ويتواصَلُ العمل في حفر الخندق، ويبقى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قائماً بين المؤمنين وهو يشارك في العمل، حتى أُجهد، وأخَذَ منه التعب كل مأخذ، فيفترش الأرض، ويتوسَّد الحجارة لكي يقيل قليلاً. ويراه المؤمنون على تلك الحالة فيشق عليهم الأمر، ويقولون: «لا حول ولا قوة إلاَّ بالله»..
ويبدو أنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد أخذته إغفاءةٌ وجيزة، ما لبث بعدها أن صحا، فراح يعاتب الصحابة بمثل هذا العتب الرفيق، وهو يقول: «ألا أيقظتموني»!.. ثم يسارع إلى معولٍ، فيلتقطه، وينزل إلى عمق الخندق يضرب فيه وهو يردد: «الّلهم لا خير إلاَّ خير الآخرة، فارحم الأنصارَ والمُهاجِرَة»[*].
وينسابُ دعاءُ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على الشفاه، فيغنِّيه المؤمنون لحناً طيباً، وتتناقله الحناجر نغماً رخيّاً، تنزاح به كل المتاعب، وتسهلُ معه كل الشدائد، فيجيب المؤمنون قائلين:
نحنُ الّذين بايعوا محمداً
على الجهاد ما بقينا أبداً[*]
ثم يعاودون الإنشاد فرحين:
الَّلهُمَّ لولا أَنْتَ ما اهْتَدَيْنَا
ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينةً علينا
وثبِّت الأقَدامَ إنْ لاَقَيْنَا
إنَّ الأُلى قد بَغَوْا علينا
وإنْ أَرادُوا فِتْنَةً أبَيْنَا[*]
هكذا عاشَ المؤمنون تلك الفترات في حفر الخندق، يؤمنون بالواجب فرضاً مقدساً، وبالعمل شرفاً سنيّاً، ويصدقون الرسولَ نبيّاً كريماً، فلا يحفلون بعده بتعب، أو نصب مهما اشتدَّ .. بخلاف المنافقين، الذين جاؤوا يشاركون في العمل - خوفاً من المصير على حياتهم ـ، بهمة متراخية، يكاد حمل المعول أو المكتل أن يُضنيَهم فلا يجدون إلاَّ الهرب سبيلاً للخلاص من «النكبة» التي أوقعوا بها أنفسهم، فيذهبون متسللين إلى بيوتهم، الواحد تلو الآخر، حتى بلا ذريعةٍ يحتجّون بها، أو إذْنٍ يستأذنون به رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ...
لقد كانوا يفرّون خُلسةً عن الأعين، ولكنْ، غاب عن بالهم أن الله (تعالى) الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، يرقب كل حركةٍ يقوم بها الإِنسان على وجه هذه الأَرض، وأنهم سيجازون على فرارهم بما قد يصيبهم من عذاب أليم، كما يخبرنا قول الله تعالى: {لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *} [النُّور: 63].
ومَن إلهٌ غير الله في السماوات والأرض يحصي كل حركةٍ من حركاتنا، وكل سكنةٍ من سكناتنا.. فإن كانت فِعالُ المنافقين الذين كانوا يتسلَّلون هرباً يستحقُّ العذاب الأليم، فإنَّ جهودَ المؤمنين الصابرين، المجالدين، الذين لم يستهينوا بالعمل، ولم يتخلّفوا عن الواجب، لها جزاؤها الكريم عند الله سبحانه، المجسَّد بالمغفرة والرحمة.. فإن احتاج بعضهم إلى قضاء شأنٍ خاصٍّ - ولكل امرىءٍ من الشؤون ما يغنيه - فلا يذهب إلاَّ أن يستأذن رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .. وهنا تظهر رحمة الله (تعالى) بهؤلاء المؤمنين بالوحي الذي يتنزَّل على رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يبيّن حالهم، ويأمر الرسول بأن يأذن لمن يشاءُ منهم ويستغفر لهم الله لأنهم ما رغبوا ترك العمل تباطؤاً وتخاذلاً، إنما لبعض الشؤون التي استدعتها الضرورة، وذلك بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [النُّور: 62].
وبتلك النفحات القرآنية التي تقيم الموازين والفوارق بين المؤمنين والمنافقين، تَتَابع حفر الخندق حتى انتهوا منه - بما بذلوا من الجهود المضنية - بعد ستة أيامٍ، تواصل فيها العمل ليلاً ونهاراً، وما كان لغير المؤمنين أن ينجزوه في مثل تلك المدة القصيرة..
ووقف رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يرقب عمل المؤمنين بعينٍ راضيةٍ، ونفسٍ مطمئنةٍ، فيحمد الله (تعالى) ويثني عليه، لما مَنَحهُ ومنح المؤمنين من قوة العزيمة، وطول الصبر حتى تمكنوا من إقامة هذا الخط الدفاعي عن أنفسهم وعن مدينتهم...
وبعدما اطمأنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى التحصينات التي أقيمت، وتعزيز تدابير الدفاع التي اتخذت في المدينة، وعند الخندق، دعا إلى المناداة بالخروج، ثم ركب في ثلاثة آلاف مقاتل يتقدمهم إلى الناحية الشمالية من المدينة حيث نُصبت للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خيمته، وعسكر الجيش الإِسلامي، ما بين جبل سلعٍ (من ورائه) والخندق (من أمامه)..
هذا ما كان من أمر المسلمين، وما قاموا به من استعدادات للدفاع عن أنفسهم.
أما المشركون، وبعد التقاء جموع أحزابهم في بدرٍ - ولمّا لم يجدوا المسلمين في انتظارهم كما كانوا يأملون أو يظنون - فإنهم توزعوا كتائب عديدةً، يقودها أبو سفيان بن حربٍ، وتقدموا نحو المدينة.. وكما قلنا، فقد نزلت قريش بمجمع الأسيال، في أربعة آلافٍ من رجالهم وأحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة، ونزلت بنو غطفان ومن تبعهم من أهل نجدٍ في ستة آلاف بذنب نَقْمى، إلى جانب أُحُد.
وكانت مفاجأة لجواسيس المشركين تلك التحصينات التي أقيمت حول المدينة.. أما ما أذهلَ الأحزابَ.. فهذا الخندق الذي جعلوه أول خطوط دفاعهم، والذي يظهر - بمدى طوله وعمقه ، وسعة عرضه مثل ماردٍ ممدودٍ، لا يقترب أحدٌ منه إلاَّ ويكاد يبتلعه في جوفه[*].
وتاهت الآمال من الأحزاب، فقد جاؤوا يريدون غزو المدينة، وفي ظنهم أنها لن تصمد أكثر من يومٍ أو بعض يومٍ.. ولكنهم وجدوا من التحصينات ما يضعهم أمام أحد أمرين: إمّا دخولها عنوةً، وهذا عسيرٌ جداً، إن لم يكن ضرباً من المحال.. أو محاصرتها حتى يجدوا السبيل لاختراق دفاعاتها!.. وهذا ما حصلَ، فضربوا عليها الحصار من مختلف الجهات، حتى لا يدخلها، أو يخرج منها أَحَدٌ..
وطالت مدة الحصار، دون أن يجد الكفار والمشركون وسيلةً لاقتحام الآطام، وغزو المسلمين في عقر دارهم، مما جعل الوهن واليأس يسيطران على النفوس، بل راح التململ يظهر في صفوف المقاتلين حتى وصل الحال بهم إلى الجهر بالتخلّي عن هذا الغزو والرجوع إلى ديارهم.
وتضاربت الآراء بين قادة الأحزاب: بين مؤيدٍ للرجوع، وبين مصرٍّ على البقاء، على الرغم من عدم كفاية المتاع والزاد الذي احتملوه، ورداءة الطقس، ولا سيما في الليل، ببرده القارس الذي ينخر العظام، وعواصفه الهوجاء التي تهبُّ بين الحين والآخر...
وكان ممن أخافه تضارب الآراء أكثر من غيره، وأوقع في نفسه الوجد، حُيي بن أخطب، إذ خشي أن يغلبَ رأي الدعاة إلى التخلّي عن هذا الغزو، فتذهب سدىً كل تلك الجهود التي بذلها اليهود لجمع العرب وشدّهم إلى المدينة، وتضيع الآمال التي عوَّل عليها في القضاء على «محمدٍ»، لأنه لن يكون من السهل فيما لو تفرقت القبائل من إعادة جمعها على حربه!..
نقض بني قريظة العهود
ولكن أليس حُيي بن أخطب من بني يهودٍ، ولن يعدم الوسيلة التي يؤثِّر فيها على الأحزاب حتى تصمد لقتال «محمدٍ» وأصحابه؟! ولذلك جمع إليه قادة الأحزاب، وقال لهم: لقد نسيتم يا معشر العرب قدر قومي، وغاب عنكم أمر بني قريظة، فإنَّ إقامتهم بجوار «محمدٍ» ما كانت إلاَّ على مضض، فلم لا نتسلل إلى بيوتهم، ونقنعهم بفتح أبواب آطامهم أمامنا، وبذلك نقطع المددَ عن المسلمين، وندخل إلى المدينة نقاتلهم في عقر دارهم؟...
وطافَ الفرحُ على وجوه زعماء الأحزاب، فقالوا له:
- وكيف السبيل إلى ذلك؟.
قال ابن أخطب: أنا أذهب إلى زعيم قريظة وأحرِّضه على الانضمام لجموعنا..
ووافق الجميع على رأيه، فانتظر حتى أقبل الليلُ، وغطت الظلمة القاتمة الأرجاء، فتسلل في نفرٍ من أصحابه حتى وقفوا على حصن بني قريظة، وطلبوا أن يتحدثوا إلى زعيمهم كعب بن أسدٍ، وصاحب عقد بني قريظة وعهدهم مع رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ؛ فأبى أن يفتح لهم بابَهُ خوفاً من أن ينكشف أمره لدى المسلمين، وتدور الدائرة عليه وعلى بني قومه. ولكن ابن أخطب ما زال به، يداهن ويراوغ، حتى أقنعه، ففتح له الباب، فبادره ابن أخطب قائلاً:
«ويحك يا كعب! جئتُك بعز الدهر وببحرٍ طام (يريد كثرة الرجال)، جئتك بقريشٍ على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسْيال من رومة[*]، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذَنَب نَقْمى[*] إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل «محمداً» ومن معه»[*].
فقال له كعب بن أسدٍ: «بل جئتني والله بذُلِّ الدهر وبِجَهامٍ[*] قد أهرق ماؤه، فهو يرعد ويبرق، ليس فيه شيءٌ، ويحك يا حيي! فدعني وما أنا عليه، فإني لم أرَ من محمد إلاَّ صدقاً ووفاءً»[*].
وطالَ النقاشُ بين الرجلين، فكعبٌ يريدُ البقاء على الحياد، وحييّ يريده أن ينضمّ إلى الأحزاب، إلى أن أمكن لابن أخطب أخيراً أن يؤلّب صاحبه على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويغويه بالآمال العريضة، حتى أقنعه بنقض العهد الذي بينه وبين رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والدخول مع المشركين في محاربته، ولكنْ شرَطَ زعيمُ قريظة على حيي أنه إن لم يظفروا بمحمدٍ عليه أن يجيء حتى يدخل معه في حصنه، فيصيبه ما أصابه!.. فأجابه إلى ذلك،[*] وعندئذٍ أقبل عليه يعانقه، وهما يتواعدان بالنصر!..
وظنَّت الأحزاب أن مسعى ابن أخطب سوف يحقق لهم الآمالَ بدخول المدينة.. ولكن أنَّى لذلك اليهودي المضلِّل، مهما كان صاحب حيلةٍ ودهاءٍ، وأنّى للأحزاب مهما كانت جموعها غفيرةً وقواها شديدةً، أن تحقق نصراً على المؤمنين، وهؤلاء على عهدهم لله باقون؟ أو أن تهزم جنده - سبحانه - وهم لدينه ناصرون؟... فما كادَ الصباحُ يطلع حتى كان خبرُ نقض بني قريظة لعهدهم قد بلغَ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فاغتَمَّ له، واحتاط من سوء عاقبته الوخيمة.. فأمَرَ بألاَّ يُشاع الخبر بين المسلمين حتى لا يكون له أثره السلبي على صمودهم. ولكنه أرادَ أن يقف على جلية الأمر، فدعا إليه سعد بن معاذ - سيد الأوس - وسعد بن عبادة - سيد الخزرج - وعبد الله بن رواحة، وخوَّات بن جبيرٍ وبعثهم يستجلون الأمر، ويوصيهم بأن يكتموا الخبر إن وجدوه صحيحاً، وإلاَّ، فإن وجدوا بني قريظة على الوفاء بالعهد، فليجهروا به للناس.
وذهب هؤلاء الصحابة إلى دار كعب بن أسدٍ القرظي، فأبى في بادئ الأمر أن يقابلهم، إلاَّ انهم أصرّوا على الاجتماع به، فجاءهم في نفرٍ من بني قومه، على وجوههم الضغينة، وفي عيونهم الشرُّ.. فابتدرهم الصحابة بما أَتَوْا لأجله، وهو التوكيد على عهد موادعة رسول اللّه لبني قريظة .. إلاَّ أنهم رَدُّوا بكل صلافةٍ ووقاحةٍ قائلين: مَنْ رسولُ الله؟ لا عهد بيننا وبين «محمد»، ولا عقد[*].
وكان سعد بن معاذ حليفاً لبني قريظة، وقد ساءه ما أبدى حلفاؤه اليهود من خيانة وعداوة، إلاَّ أنه آثَرَ أن يكون لهم ناصحاً - علَّهم يرعوون عن غيّهم - فقال لهم:
«والله إني لأخشى عليكم مثل يوم بني النضير وأمرَّ منه، فقد نكثوا عهدهم، وخانوا وعدهم. فأنتم حلفائي، ويعزُّ عليَّ أن تقعوا بمثل ما وقعوا فيه»..
ولم يجدْ سعد بن معاذ، مقابل نصحه إلاَّ الفحش في القول حتى أخرجوه عن حكمته وصبره، فراح يكيل لهم الشتائم بمثل ما يشتمون، فأخذه سعد بن عبادة من كتفه، وقال له: «دعْ عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى (أعظم) من المشاتمة»[*]، وأبعد من الخلاف في القول».
وذاع خبر بني قريظة بين المسلمين، فذعروا وخافوا من عواقبه، لأنَّ بني قريظة أمسوا عدواً في الداخل، قد يكونون أشد خطراً عليهم من العدو القابع خارج المدينة.
وزادَ في ذلك الخوف الذي دهمَ المسلمين، أنَّ ثلاث كتائب للأحزاب كانت تحاول التقدم نحوهم، وقد جاءت إحداها من فوق وادي جبل سلعٍ، والأخرى تقترب من تحتهم، من الجانب السفلي، بينما وقفت الثالثة قبالتهم على الناحية الثانية من الخندق.. فدبَّ الرعبُ في القلوب، إذ أتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظنَّ المؤمنون أنَّ جيش المشركين سوف يقتحم عليهم الخندق، وأن المحتوم قد وقع!...
هنالك ابتلي المؤمنون حتى زاغت الأبصارُ، وبلغت القلوب الحناجِرَ، كما وصف حالهم الله تعالى بقوله العزيز: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا *هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا *} [الأحزَاب: 10-11].
ورأى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما أصاب المسلمين من هلعٍ في النفوس، وقلقٍ على المصير، فراح يهوّن عليهم بنصحه النبوي: بأنَّ الله سبحانه لن يتخلّى عنهم، وبأنه قادرٌ على إزالة الشدة، ورفع الظلم، وأنه فاتحٌ لهم طريق الظفر بالعدو والنصر عليه، وهو يقول بثقة النبي الصادق، والرسول الأمين: «والذي نفس محمدٍ بيده ليُفرِجَنَّ الله عنكم ما تَرَوْنَ من الشدة. وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمناً، وأن يدفع الله إليَّ مفاتيح الكعبة، وليهلِكنَّ الله كسرى وقيصر، ولتنفقنَّ كنوزهما في سبيل الله».
ويطمئن المؤمنون لوعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فيصبرون محتسبين، داعين الله سبحانه أن يعجِّل لهم في الخلاص من هذا المأزق الشديد.
أمّا المنافقون فلم يطمئنوا لوعد رسول اللّه بالنصر، وبأنه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، فلم يحتملوا البقاء بين الصفوف، بل آثروا الابتعاد عن الخطر، فجاء بعض بني حارثة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يستأذنون بالذهاب إلى المدينة، وهم يحتجون بالقول: إنَّ بيوتنا عورةٌ من العدو، فأذن لنا أن نخرج، فنرجع إلى ديارنا..[*].
وإذا كان هناك شيءٌ من حياءٍ في تصرف هذه الفئة من المنافقين، وهي تحتجّ بما تحتجُّ لترك المؤمنين في أصعب الظروف وأحلكها، فإن البعضَ قد بلغت به الوقاحة حدّاً كبيراً، فلم يتورّع أثناء الفرار من أن يقول في ملأٍ من قومِهِ: «كان محمدٌ يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط»[*]. وما زال المنافقون يتداعون إلى الهرب والفرار حتى لم يبقَ أحدٌ منهم بين صفوف المؤمنين، وفيهم نزلَ قولُ الله تعالى:
{وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا *وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا *وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لأََتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا *وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً *قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لاَ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً *} [الأحزَاب: 12-16].
فالمنافقون يفرون، وكتائب الأحزاب تتقدّمُ، من أعلى ومن أسفل.. أما المؤمنون فلم يكن أمامهم إلاَّ الصمود، فتنهال سهامهم على الكتائب المتقدمة مثل وابلٍ من المطر، فتجبرهم على التقهقر والتراجع. والرسولُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يحرّض المؤمنين على صدِّ الأحزاب والمشركين مصداقاً لقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *} [البَقَرَة: 190] ، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التّوبَة: 36].
قتل علي (عليه السلام) عمْرَو بنَ وَدّ العامريّ
وكره فوارسُ من قريش أن يبقوا على تلك الحالة فاندفعت منهم جماعة فيها: عمرو بن عبد ودّ العامريّ، وعكرمة بن أبي جهل، ونوفل بن عبد العزى بن المغيرة، وضرار بن الخطاب الفهري، وهبيرة بن أبي وهب فتيمموا مكاناً ضيقاً من الخندق فاقتحموه وجالت بهم خيلهم في السَّبْخَة بين الخندق وسلع، ثم راح عمرو بن عبد ودّ ينادي على المسلمين: هل من مبارز؟.
ولم يجرؤ أحدٌ من المسلمين على النزول إليه، لما كان له من شهرةٍ في القتال. حتى قيل عنه في الجزيرة: «بأنه البطل الذي لا يقوم له رجلٌ من العرب». وكان يُسمَّى «فارس يليل»[*].
أجل إنَّ تلك الشهرة هي التي أجفلت أبطال المسلمين، فلم تطاوع أحداً منهم نفسُه، بالبروز إليه ومقاتلته..
ورأى عمرو تقاعس المسلمين عن مبارزته، فازداد - وهو يختال في الساح وحده على فرسه - اعتداداً بنفسه، وهو لا يفتأ يردد متباهياً: هل من مبارزٍ، هل من مناجزٍ؟... ثم ينشد قائلاً:
ولقد بُحِحْتُ مِنَ الندا
ءِ بِجَمْعِكُمْ هَلْ مِنْ مبُارِزْ
وَوَقَفْتُ إِذْ جَبُنَ المشجَّعُ
وِقفةَ القِرْنِ المناجِزْ
وكذاك إنّي لم أزلْ
مُتَسَرّعاً نَحوَ الهزاهِزْ
إنَّ الشجاعةَ في الفتى
والجودَ مِنْ خيرِ الغَرائِزْ[*]
ويراه أصحابه على تلك الحال من الجرأة والشجاعة والتفاخر، فيقول أحدهم، وهو يصف خندق المسلمين بالمداد:
عمرُو بنُ ودٍّ كانَ أول فارسٍ
طَفَرَ المِدَادَ وكانَ فارسَ يَلْيلِ
وبقي عمرو بن ود يجول في الميدان دون أن تنقطع مناداته للمسلمين، أو يتوقف افتخاره بنفسه.. بينما ظل المسلمون على صمتهم، وقد سيطر عليهم الرعب..
وليس لأحدٍ أن يتهم المقاتلين من المسلمين، ولاسيما أبطال «بدر» و«أحدٍ» بأن الشجاعة تعوزهم.. ولكنها تلك الظروف القاسية التي كانت تضغط عليهم، والحالة التي أصابتهم مثل الزلزال في نفوسهم، هي السبب في تقاعسهم عنه، ولواذهم بالسكون.. ولكن إلى متى؟!..
أجل! إلى متى؟!..ألا يوجد في جيش المسلمين من ينزل إلى هذا المشرك الذي لم ينقطع - مذ طَفَرَ الخندق - عن التعالي عليهم، ليَكْفِيَهُمْ شرَّه؟!
بلى والله..
إنه البطل المغوار، عليُّ بنُ أبي طالب، الكرَّارُ على الأعداء، الذي لا تطاوعه نفسه أن يرى كافراً يتعالى على المسلمين ويتركه وشأنه، فيتقدم من رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قائلاً: «أنا له يا نبيَّ الله».. ولكنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول له: «إنه عمرو يا عليّ! فاجلس»..
وتزداد دعوات عمرو حدَّةً، فتصل إلى مسامع المسلمين مؤنِّبةً جارحةً، تستهدف إيمانهم بالذات، وهو ينادي فيهم: «أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها»[*].
وغضب رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لاستهزاء هذا الكافر بهم، فنادى في جيشه:
من يبرز إلى عمرو وأنا كافلٌ له على الله الجنة؟!..
وظلَّ الجميعُ قابعين في الصمت، فوقف عليٌّ من جديد، وقال: «دعني يا رسول اللّه فإنما أنا بين حسنيين: إما أن أقتله فيدخل النار، وإمَّا أن يقتلني فأدخل الجنة»[*].
وينظر الرسول الأكرم إلى عليٍّ بعين ملؤها المحبة والعطف، وتتجاذبه حياله شتى الأفكار!.. إنه عليٌّ: الإِنسان الذي يحبه من أعماق قلبه، فقد كان أول من آمن به بعد زوجه خديجة (رضي اللّه عنها)، ووقف بجانبه في أحلك الأوقات وأشدها مرارةً وصعوبة.. ويكفي أنه فداه بنفسه عندما نام في فراشه يوم هجرته.. ثم إنه زوج ابنته الزهراء، بضعة مِنْ «محمد»، وأم أبيها، بعد زوجه خديجة (رضوان الله عليهما) والتي منها نسله، فكيف يسلّمه إلى عمرو بن عبد ود العامريّ، صاحب القوة والبأس، وقاتل الرجال، ومشتت الفرسان؟ إنه محمدٌ الإنسانُ الشفوق العطوف الصبور المحتسب، فيقف في لحظات وهو يوازن بين مشاعره وبين دينه وكأنَّه يسائل نفسه:
أوَ ليس الإِسلام بحاجةٍ إلى عليٍّ الآن؟.
أوَ ليس نداء الواجب أهمَّ من أي نداءٍ آخر؟
إذن فما من سبيل إلاَّ الإذنُ لعليّ بالمبارزة.
ويأخذ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) درعه (ذاتَ الفضول) ويعطيها لعليّ فيلبسها، ثم يسلّمه سيفه (ذا الفقار)، وينزع عمامته (السحاب) ويشدّها على رأس عليّ في تسعة أكوار، فوق وجهه المقنَّع بالحديد، ثم يشدّه إلى صدره، ويقول له: «تقدّم على بركة الله»..
واندفع عليٌّ نحو عمرو، بينما توجّه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بيديه وناظريه نحو السماء بالدعاء إلى الله تعالى قائلاً: «أللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته.. أَلاَ إنَّه قد برز الإِيمان كلُّه إلى الكفر كلِّه. أللهم سدِّد عليّاً وأيّده وانصره على خصمه، إنك أرحمُ الراحمين».
إن رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقف في هذه اللحظات متوجهاً بكليته إلى خالقه، يناجيه بضمير المؤمن الصادق الذي يمتلىء بالخشوع، وبفكر العابد الذي يحفل بآفاق الإِنسانية، وبنفس المخلص الذي يستوعب مشاعر البشرية... إنَّ الموقف حرجٌ، والوضع دقيقٌ للغاية، فإنْ ناجزَ عليٌّ بطلَ الكافرين وقهره، فالانتصار لا يكون لعليّ، بل إنه انتصارُ الإِيمان على الكفر، ودَحْرُ الحقِّ للباطل.. وإنه الانتصار الذي تتبدّل به الأوضاع كلُّها، وتعود للمسلمين الثقةُ بنفوسهم، ويَهزِمون ذلك الضعفَ الذي يخفق في قلوبهم، فتكون البدايةُ لتحقيق النصر على العدو الغاشم بعون الله تعالى..
الرسولُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في دعائه وابتهاله لربّه تعالى، وعليّ (كرَّم اللَّهُ وجهه) في اندفاعه نحو عمرو بشجاعته وحماسته، غير هيَّابٍ لشهرة هذا الفارس التي تملأ آفاق الجزيرة، ولا وجلٍ من غطرسته التي هابها الفرسان.. إنه الفتى المقدام، في الثامنة والعشرين من عمره، في عزّ الفتوة والرجولة، ينطلق إلى عدوّه كالأسد الهصور يثب وثباً، وهو يرتجز متوعّداً، مفاخراً فيقول:
لا تَعْجَلَنَّ فقد أَتَا
كَ مجيبُ صوتِكَ غيرَ عاجزْ
ذو نِيّةٍ وبصيرةٍ
والصدقُ مُنْجي كلَّ فائزْ
إنّي لَأَرجو أنْ أُقِيمَ
عليكَ نائِحَةَ الجَنَائِزْ
من ضربةٍ نجلاءَ يبقى
صيتُها بعدَ الهزاهِز[*]
ولما صارَ فارس الإِسلام على مقربة من عمرو، سأله هذا باستكبار وعجرفةٍ:
ـ من أنت؟!
ـ قال: علي بن أبي طالبٍ بن عبد المطلب بن هاشمٍ بن عبد منافٍ.
وانتصبت أخبارُ عليٍّ في «بدرٍ» و«أحدٍ» في مخيلة عمرو مثل لهيب نارٍ حارقةٍ، فخاف، وأجفل.. ولكنه تماسك لشدة كيده، فقال له:
ـ غيرك يا ابن أخي، من أعمامك من هو أشدُّ منك. وأبوك كان صديقاً لي، وإني لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، فارجع وراءَك خيرٌ لك.
فقال له علي: يا عمرو، قد كنت عاهدت الله ألاَّ يدعوك رجلٌ من قريش إلى إحدى خَلَّتين إلاَّ أخذتها منه[*].
قال: أجل.
قال له عليّ: «فإني أدعوك إلى الله (عزَّ وجلَّ) وإلى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإلى الإِسلام»[*].
قال: «لا حاجةَ لي بذلك».
قال عليّ: فإني أدعوك أن ترجع بمن معك من قريشٍ إلى مكة، وهذه خلّةٌ فيها نجاةٌ لك..
قال عمرو: إذن تتحدث عني نساء مكة أن غلاماً مثلك خدعني!
قال علي: فإني أدعوك إلى النِّزال!
فقال عمرو: «إن هذه الخصلة ما كنت أظن أن أحداً من العرب يروعني بها، ولمَ يا ابن أخي، فوالله ما أحب أن أقتلك»[*].
فقال عليّ: «لكنّي واللَّهِ أُحبُّ أنْ أقتُلَكَ»[*].
وثار غضب عمرو، فأراد أن يهجم على عليّ (كرَّم الله وجهه) بفرسه، غير أنَّ النخوة العربية أبت عليه أن يقاتله إلاّ راجلاً، فقفز عن ظهر فرسه، ثم اندفع نحو عليٍّ يهوي عليه بضربةٍ شديدةٍ من سيفه، فتلقاها عليّ بدرقته[*]، فإذا هي قد قُدَّت وثبت السيف فيها.
ولم يكن عليٌّ (رضوان الله عليه) ليقبَلَ بأن يتلَقَّى الضربات، بل شيمته أن يُقدمَ ويضربَ بلا هوادة.. وها إنه، ما يكاد يستقبل ضربة عمرو، ويدفعها عن نفسه، حتى يعاجله بضربةٍ من «ذي الفقار» تقطع منه الفخذ، فينقلبُ ذلك الكافر المستكبر على قفاه، مطروحاً على الأرض.. ولكنه لشدة جبروته يمتشق رمحه، ويحاول أن يطعن به عليّاً، فيحيد بوثبة المؤمن الواثق، ويصير بعيداً عن متناوله. فما يكون من عمرو إلاَّ أن يعودَ ويسدِّدَ رمحه من جديد، ويرميه به فينفلت منه عليٌّ أيضاً، ويذهب عنه طائشاً في الهواء. فلمَّا رأى عليٌّ هذا المقدار من جبروت عمروٍ، أَسرَعَ يريدُ أن يجهزَ عليه، إلاَّ أن عدوّ الله ظلَّ يقاوم بكل قوةٍ وبأسٍ، وهو يذود عن نفسه بالسيف، حتى مكَّن الله القادر لعليٍّ، وهو يدور حوله من كل جانبٍ، أن ينالَهُ بضربة نجلاء - كان قد وعده بها - فلقَت هامَهُ، وجعلته مطروحاً على الثرى، تشخب منه الدماءُ.. فوقف عليٌّ كالأسد الهصور فوق رأسه، وصوته يشق عنان الفضاء، مكبّراً بنداء الحق: الله أكبر.. الله أكبر..
وسمع رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمسلمون تكبيرة عليّ، فتعالت تكبيراتهم، فكان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يكبر، ويقول: «والذي نفسي بيده قتله عليٌّ»..
واندفع بعض المؤمنين إلى مكان المبارزة، ليجدوا فعلاً عمرو بن ود، البطلَ الصنديدَ الذي تخافُهُ الأبطال، قد أضحى قتيلاً، مقطوعَ الفخذ، مفلوقَ الهام، بينما بطلُ الإِسلام، وبطلُ دعوة الحق عليُّ بن أبي طالب واقف فوْقَ رأسه، وما زال ذو الفقار مشرعاً في يده، مشيراً بها إلى عمرو بن ود وهو ينشد قائلاً:
نَصَرَ الحجارَة مِنْ سَفاهَةِ رأيهِ
ونصرتُ ربَّ محمدٍ بصَوابي
فضربتُهُ فتركتُهُ مُتَجَدِّلاً
كالجِذعِ[*] بين دَكادِكٍ[*] وروابي[*]
وعفَفْتُ عن أثوابِهِ ولو اْنني
كنتُ المُقَطَّرَ[*] بزّني[*] أثوابي
لا تَحْسَبُنَّ اللَّهَ خاذلَ دينِهِ
ونَبِيِّهِ يا معشرَ الأحزاب[*]
ثم تركَهُ عليٌّ (رضي اللّه عنه) وتوجه نحو رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو يقول:
أعليَّ تقتحِمُ الفوارس هكذا
عنّي وعنهم أَخبروا أصحابي
اليومَ يمنُعني الفرارَ حفيظتي
ومصمّمٌ في الرأس ليس بنابي[*]
وكان أصحاب عمرو الذين عبروا معه الخندق قد وقفوا ينتظرون نهاية المبارزة وقد أخذتهم الدهشة من شدة الصراع، فما استفاقوا إلاَّ وصاحبهم مجندلٌ على الثرى، فلوَوْا أعنَّة خيولهم، يلوذون بالفرار خوفاً من الموت. وقد بلغ بهم الرعب أن ترك عكرمة رمحه وهو منهزمٌ، كما أنَّ نوفل بن عبد العزى بن المغيرة قصّر به فرسه فسقط في الخندق، فاندفع إليه نفرٌ من المؤمنين يقذفونه بالحجارة، فصرخ من تحت: «يا معشر المسلمين ألا قتلة أكرم من هذه؟». عندها نزل إليه الزبير بن العوام وقتله بسيفه.
..وانتهت تلك المبارزة.. وعادَ عليّ (عليه السلام) إلى صفوف المؤمنين يستقبلونه بهتافات النصر، فاحتضنَهُ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بين ساعديه، وقال له: «أبشر يا عليّ، فلو وُزن اليومَ عملُكَ بعمل أمةِ محمدٍ لرجح عملُك بعملهم»[*]. وراح الصحابة يهنئونه، فقام أبو بكرٍ وعمر بن الخطاب فقبلاه في رأسه[*]. وكان ابتهاج المسلمين عظيماً، فقد أذهب الله (تعالى)، عنهم بهذا البطل المغوار، شرَّ ذلك المشرك الذي كان ذكره يرعبُ القلوب. وبعث المشركون إلى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يشترون جثة عمرو بعشرة آلاف درهمٍ، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «هو لكم ولا نأكل ثمن الموتى»[*].
وروي أنه لما نُعيَ عمرو بن ود إلى أخته، (واسمها عمرة وكنيتها أم كلثومٍ) قالت: من ذا الذي اجترأ عليه؟.
قالوا: عليٌّ بنُ أبي طالبٍ..
فقالت: لم يعد قتله نكداً إن كان على يد كفوءٍ كريمٍ. لا رقأت دمعتي إن هرقتها عليه، قتل الأبطال، وبارز الأقران، وكانت منيته على يدِ فارسٍ مغوار من قومه، ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر، ثم أنشأت تقول:
لو كان قاتلُ عمروٍ غيرَ قاتلِهِ
لكنتُ أَبكي عليه آخِرَ الأبدِ
لكنَّ قاتلَ عمروٍ لا يُعابُ بِهِ
قد كان يُدعى أبوهُ بيضةَ البَلَدِ
يا أمَّ كلثوم إبكيهِ ولا تدعي
بكاء معولةٍ حرّى على ولدِ
وهكذا كان لقتل عمرو بن عبد ود أثرُهُ في نفوس المشركين، فلم يعد أحد يجرؤ على الهجوم، أو طلب المبارزة. إلاَّ أن ذلك لم يمنع المراماة بالنبل. فأصيب الصحابي سعد بن معاذٍ، بسهمٍ من حيَّان بن قيس بن العرقة فقطع منه الأكحل[*]، وهو يقول له: خُذها وأنا ابن العرقة! فقال له سعد: «عرَّق الله وجهك في النار»..
وأوى سعد بجرحه البليغ إلى خيمة الجرحى، فكان رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمسلمون يعودونه مطمئنين عليه، ثم يعود كلٌّ إلى مكانه، ليبقى على أهبة الاستعداد في مواجهة العدو الذي يحاصرهم.
أما سعدٌ، ورغم النزف الشديد، والألم الذي يعاني منه، فإنه كان مشغول البال على المسلمين في تلك الضائقة العظيمة، أكثر من انشغاله على نفسه، فكان دائم الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى أن يفرج هذه الكربة عنهم، ويتمنى لو يشفيه ربُّهُ - عزَّ وجلَّ - حتى تعود إليه عافيته، ويجاهد قريشاً في حربها على المؤمنين. فكان يدعو قائلاً: «اللهم إن كنتَ أبقيتَ من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، فإنه لا قومَ أحبُّ إليَّ أن أجاهدهم فيك من قومٍ آذوْا رسولك وكذَّبوه وأخرجوه. أللهُمَّ وإن كنت قد وضعتَ الحربَ بيننا وبينهم فاجعله (أي الجرح) لي شهادة، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني لها حتى أجاهدهم فيك ولا تمتْني حتى تقرَّ عيني من بني قريظة»[*].
فما أروع هذا الموقف من صحابيٍّ جليلٍ مثل سعد بن معاذ!..
إنه لا ينتابه شعورٌ بالقلق على مصيره من جراء هذا الجرح الذي أصابه، بل رجاؤه أن يبقى على قيد الحياة حتى يجاهد القوم المشركين الذين آذوا الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، من قريش وغيرهم، وأن يقتص من الماكرين الذين نقضوا العهد، وخانوا الوفاء من بني يهود.
فهنيئاً لك يا أخا الإِيمان في ما ترجو وتحب، وعسى أن يكون المسلمون من أمثالك، حباً بالله ورسوله، وطاعةً لله ورسوله.
ولم يتعظ المشركون بما حلَّ بأشدّ بطلٍ من أبطالهم، وأكثرهم شجاعةً وقوةً، وقسوةً، بل على العكس، فقد تفاقمت النقمة في قلوبهم، وزاد لجاجهم في تنفيذ غزوهم والقضاء على المسلمين. وهم في ذلك يعتمدون على كثرة عددهم، وعلى وقوف بني قريظة في داخل المدينة إلى جانبهم.. وبالفعل فقد بدأ هؤلاء اليهود يقومون بأعمال من شأنها إثارة حفيظة المسلمين حتى يتخلَّى بعضُ المقاتلين عن مواقعهم عند الخندق، وينشغلوا بحراسة إخوانهم فتتوزع قواهم، وتضعف مقاومتهم..
تلك خطةٌ من الخطط التي اعتمدها بنو قريظة وهم يشهرون العداوة السافرة للمسلمين، ولكنَّهم ما دروا أنَّ لدى هؤلاءِ نساءً يملكْنَ شجاعة لا تقلُّ عن شجاعةِ أشدّ الرجال، بما يجعلهنَّ قادرات على حماية الديار.
فمن حاميات الحمى، في غزوة الاحزاب، صفية بنت عبد المطلب، عمة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأخت حمزة، سيّد الشهداء، التي كانت في فارع حصن حسان بن ثابت، تقوم على رعاية النساء والذراري، وخدمة الشيوخ والعجزة. فبينما هي تقف وراء النافذة تراقب تحركات بني قريظة حذار غدرهم، إذا بها ترى رجلاً منهم يطوف حول الحصن، فتنادي على حسان بن ثابت - الذي يقول عنه كثير من أهل السير والمغازي أنه كان معتلاًّ في ذلك اليوم بعلة منعته من شهود القتال - أن ينزلَ إليه ويقتله حتى يخلصوا من شره، فتقول له: إنَّ هذا اليهودي - كما ترى - يطوف بالحصن، وإني والله ما آمنهُ أن يدلَّ على عورتنا مَنْ وراءنا من قومه فانزل إليه، فاقتله. ولكنَّ حسان تلكأ، فما حملتها نفسها على الصبر، وتَرْكِ الحال لهذا العدو أن يقوم بفعل غادرٍ خبيثٍ. فسارعت بنت عبد المطلب تشدُّ على وسطها، ثم تأخذ على كتفها عموداً ضخماً، وتنزل من الحصن، مندفعةً نحو اليهودي حتى أدركته، فهوت به عليه فحطَّم رأسه، وسقط يتخبط بدمائه.
وتناهت الأخبار إلى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن تحركاتٍ لبني قريظة تنذر بالخطر، فأمر بتأليف كتيبتين، الأولى بقيادة سلمة بن أسلم وتضم مئتين من المؤمنين، والثانية بقيادة زيد بن حارثة وعددها ثلاثمائةٍ، للذهاب والتوزّع حول المنازل حمايةً للنساء والذراري والشيوخ من بني قريظة، الذين باتوا وقريشاً وغطفان سواءً في العداوة..
وصارت الشدَّةُ على المسلمين أقوى.. فالأحزاب في الخارج تقوم خيولهم بالمناورة في محاولة لإرهاب المسلمين، وبنو قريظة يحرِّضون المشركين - سرّاً - على المباشرة بالقتال حتى يثوروا من الداخل، ورسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يرى ما يعصف بنفوس المسلمين، فيلجأ إلى ربه مستجيراً، داعياً منيباً، وهو يقول: «ألّلهم إني أنشدك عهدك ووعدك، ألّلهم ادفع عنا شرّهم، وانصرنا عليهم، لا يغلبهم غيرك».
إنه دعاء رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ودعاء نبيّ الإِسلام محمد بن عبد الله.. وهو الدعاء الذي يحمل في طياته الإِيمان الصادق بعهد الله سبحانه أن ينصر المؤمنين، لأن النصرَ من عند الله و«إن ينصركم الله فلا غالب لكم».. وهو الدعاء الذي يؤمّنُ للعبد الصلة الوثيقة بربّه، ولا أحد - في الأرض أو السماء ـ يقدر أن يعرف مكنون هذه الصلة إلاَّ من تعبَّد بها لله رب العالمين.. ولذلك كان توجيه الرسول الأعظم للمسلمين بأن يصبروا، ودعوته إليهم أنْ يتوجهوا إلى الله، بما قد يغنيهم عن كل ما يحفل به أهل الأرض، قائلاً لهم: «ادعوا الله مخلصين له الدين، وقولوا: ألّلهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا». وكان هو (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يدعو قائلاً «الّلُهمَّ منزّلَ الكتابِ، سريع الحساب اهزم الأحزابَ، الَّلهمَّ اهزمهم وزلزلهم»[*]..
وفي تلك الأوقات العصيبة، وقد اشرأبت الأعناق لخالقها طائعةً، وتفتحت مغاليق القلوب على بارئها مستيقنةً، ولهجت الألسن بالدعاء إلى ربها منيبةً.. أجل في تلك الحالة التي كان عليها المسلمون كان لا بدّ أن يتناهى إلى ضمير الوجود بأن كائنات العوالم تنصت إلى دعاء هؤلاء المؤمنين، فتتساءل بدهشةٍ: أإلى هذا الحد بلغ جبروت الباطل حتى صار شرّه مستطيراً في دنيا الأرض؟ ولكن ما بال أهل هذه الكرة الصغيرة لا يدركون أنه قد يكون للباطل جولاتٌ وصولاتٌ، ولكنَّ جولة الحق واحدةٌ، وفيها دائماً النصرُ الأخير!..
وبفضل الدعاء لله تعالى - هذا السلاح الذي لا يدرك أسراره إلا المؤمنون - رأى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يقوم بخطوة قد يكون من شأنها النفاذ إلى وحدة الأعراب، ليفكك أوصالها، ويوهن تماسكها.. فبعث إلى عيينة بن حصنٍ وإلى الحارث بن عوفٍ، وهما قائدا غطفان ومن معها من قبائل نجدٍ - التي تؤلف كتلةً كبيرةً من الأحزاب - يعرض عليهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما.. وتشاور الرجلان في الأمر، وتساءلا: ما الفائدة التي نجنيها إن قاتلنا «محمداً» وأصحابه وهزمناهم، ثم عادت قريش إلى مكة صاحبة السيادة في العرب، وعادَ اليهود إلى ديارهم في المدينة ينعمون بخيراتها، بينما نحن لا نصيب إلاَّ بعض متاعٍ قد نغنمه؟! وهذا إن كان لجمع الأحزاب النصرُ، إلاَّ أنه لا يبدو مؤكداً مع هذا الحصار الطويل؟! إذن فالصلح مع «محمدٍ» قد يكون أولى وأربح!.
وبدأت خطة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تؤتي ثمارها، فقد اقتنع زعماء غطفان وقبائل نجدٍ بالتصالح معه، ولكنهم أرادوا أن يكون بينهم وبينه ميثاقٌ، فكتبوه وبعثوه لختمه منه، فطلب الرسولُ إليه السعدين، يعرض عليهما خطته، وكتابَ غطفان، لأنَّ الثمارَ ثمارُ المدينة، وأهلُها أحقُّ بالموافقة أو الرفض لما يسعى إليه، فقالا له:
»يا رسول اللّه، أمراً تحبه فنصنعه، أم شيئاً أمرك الله - تعالى - به، لا بد لنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه لنا؟».
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «بل شيءٌ أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلاَّ لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوسٍ واحدةٍ، واشتدوا عليكم من كل جانبٍ، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمرٍ ما»[*].
فقال له سعد بن معاذٍ: «يا رسول اللّه! قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرةً واحدةً إلاَّ قرىً أو بيعاً. أفحين أكرمنا الله - تعالى - بالإِسلام وهدانا له، وأعزَّنا بك وبه نُعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجةٍ. والله لا نعطيهم إلاَّ السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم»[*].
والتفت رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى سعد بن عبادةٍ يسأله رأيه فقال:
ـ والله ما قال أخي سعدٌ إلاَّ حقاً يا رسول اللّه.
هذا هو الحق الساطع، ينضحُ من قلوب المؤمنين الصادقين وعلى ألسنتهم.
فالأمر يتأرجح بين حدين:
إما عيشٌ مع الدعةِ والهوان، وإمّا موتٌ مع العزة والإيمان..
والسعدان، وهما مسلمان، لا يبغيان - طبعاً - إلاَّ العزَّة لله ولرسوله والمؤمنين..
نعم لأنهما مسلمان يستهينان بالموت، إذ ليس في طبع المسلم محلٌّ للخنوع، ولا في نفسه مكانٌ للهوان..
وسُرَّ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من السعدين، وما أبدياه من حرصٍ على نصرة الدين وعزّة المؤمنين، فأعطاهما كتاب الصلح الذي كتبه قادة غطفان قائلاً: فأنتما وذاك.. فتناوله سعد بن معاذٍ، ومحا ما فيه من كتابة، ثم قال: «لِيَجْهَدوا علينا»[*]. ثم سكت سعد قليلاً، وعاد فسأل رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) :
ـ لقد أردت يا رسول اللّه أن تكسر شوكة المشركين عنا إلى أمرٍ ما، فهل تأذن بأن نعرف ما هذا الأمر الذي تفكر به؟ وكان من البديهي أن يبيّن الرسول الأعظم للسعدين ما كان يرمي إليه، وجلُّه ينصبُّ على إزالة تلك الشدة عن المسلمين، على أن يكون الثمن المقابل ثلث الثمار، ولكن إلى الوقت الذي ينصُرُ اللّهُ تعالى دينه، فتنضوي غطفان وحلفاؤها تحت لواء هذا الدين، فيتخلّون - تلقائياً - عن ثمار المدينة.. ولكنه وجد في موقف السعدين ما هو أعظم من البلاء، وأغلى من الثمار... وَجَدَ من يحسن اتخاذ القرار، مؤْثراً الحق والدين على كل شيء آخر.. وهذا ما يجعله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يطمئن إلى مستقبل الأمة، وقدرتها على أن تنجب في كل زمان قادة، وعلماءَ يأخذون بيدها إلى طريق الصلاح..
وماذا بعد؟!
يقولون: «على العبد التفكير ولله التدبير».. وهذا حق، واللهِ.. وها هو رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتلقّى من عناية الله - تعالى - بالمؤمنين ما من شأنه أنْ يُغَيِّرَ مجرى الأحداث، ويجعلها تنقلب إلى ما فيه صالح المسلمين.. ففي غفلةٍ من الأحزاب، وفي سباتٍ من إدراكها، دلف إلى داخل معسكر المسلمين أحد رجال غطفان، نُعيم بن مسعودٍ الأشجعي، وأتى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قائلاً:
- يا رسول اللّه، إن الله سبحانه قد شرح صدري للإِسلام، وأنا أشهد أنَّ لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسولُ الله. وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمُرني يا رسول اللّه بما شئت.
وفرح الرسولُ بقدوم هذا المؤمن إليه، لأنَّ يقينَهُ وثقته بالله سبحانه وتعالى لا يتزعزعان، فَحَمِدَ ربَّهُ وأثنى عليه، ثم قال للرجل:
»يا نعيم إنما أنت فينا رجلٌ واحدٌ فخذّل عنّا إن استطعت فإنَّ الحرب خُدعةٌ»[*].
فذهب نعيم من فوره إلى بني قريظة - وكان نديماً لهم في الجاهلية - فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه، فقال:
»يا بني قريظة! قد عرفتم ودّي إياكم، وخاصَّةً ما بيني وبينكم».
قالوا: «صدقت، لست عندنا بمتهم».
فقال نعيمٌ: إن قريشاً وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، وفيه أبناؤكم ونساؤكم وأموالكم.. وإنَّ قريشاً وغطفان قد جاؤوا لحرب «محمدٍ» وأصحابه، وتركوا أبناءهم ونساءهم وأموالهم في بلدهم آمنين. وقد ظاهرتموهم عليه، فإن قدروا أن يصيبوه فذاك ما يريدون، وإن عجزوا عن ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم إلاَّ أن تأخذوا منهم رُهُناً من أشرافهم، يكونون بأيديكم ثقةً لكم، على أن تقاتلوا معهم «محمداً» حتى تناجزوه»[*].
فقالوا له: لقد أشرت بالرأي، فما حالنا إن رحلت قريش وحلفاؤها من الأعراب، ودخلنا مع «محمدٍ» وحدنا؟!.
لقد خذّل نُعيمٌ بني قريظة.. ثم خرج عنهم حتى أتى قريشاً، ودخل خيمة أبي سفيان بن حربٍ، وهو في جمعٍ من الناس، فجلس يستمع لأحاديثهم حول الغزو، ولومهم زعماء اليهود عندما ذهبوا إليهم يحرّضونهم على غزو المدينة، حتى أوقعوهم في هذا المأزق... فقال لهم: «يا معشر قريشٍ! قد عرفتم ودي لكم وفراقي «محمداً»، إنه قد بلغني أمرٌ قد رأيت عليَّ حقاً أن أبلغكموه، نصحاً لكم، فاكتموا عني»[*].
فقالوا: «نفعل»..
قال: «تعلمون أن معشر يهود قد نَدموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين «محمدٍ». وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يُرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين، من قريشٍ وغطفان، رجالاً من أشرافهم فنُعطيكَهُم فتضربَ أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم؟! فأرسل إليهم: أن نعم» وتابع نعيم قائلاً: وهنا الأمر يا معشر قريش! «فإن بعثت إليكم يهودُ يلتمسون منكم رُهُناً من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحداً»[*].
وقام نعيمٌ فذهب إلى بني غطفان، فأخبرهم بمثل ما أخبر قريشاً من غدر بني قريظة وعودتهم إلى جانب «محمدٍ».. وما زال بهم يحذّرهم من هذا الأمر الخطير، حتى جعلهم يستشيطون غضباً، ويطلبون زعماء قريشٍ للبحث في هذا الأمر، واتخاذ الموقف الملائم من بني قريظة، ومن هذا الغزو اللعين..
وفي مساء تلك الليلة، وكانت ليلة السبت من شوال سنة خمس هجرية، بعثت قريش وغطفان عكرمة بن أبي جهلٍ في نفرٍ من القبيلتين إلى بني قريظة ليسألوهم الإِقدام على قتال «محمدٍ» ومن معه، وبذلك يتبيَّنون صدق نواياهم أو كذبهم..
واجتمع عكرمةُ ومن معه في دار كعبٍ بن أسدٍ، وقالوا لبني قريظة:
»إنا لسنا بدار مقامٍ، قد هلك الخفُّ والحافر (الإِبل والخيل)، فانهضوا بنا حتى نناجز «محمداً» ونفرغ مما بيننا وبينه»[*].
فقال بنو قريظة: إن غداً السبت، وهو يومٌ لا نعمل فيه شيئاً. وقد علمتم ما أصابَ مَن قبلنا عندما أحدثوا فيه.. ومع هذا فإنّا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقةً لنا. فإنّا نخشى إنْ ضرَّستكم الحرب، واشتدّ عليكم القتال أن تنشمروا (تسرعوا) إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه[*].
واقتنعَ رسلُ قريش وغطفان بأنَّ الغدر قد وقع من هؤلاء اليهود، فقالوا: لا نعطيكم رهناً أبداً، فإن كنتم تريدون قتالاً فاخرجوا فقاتلوا، وإلاّ فلا عهد بيننا وبينكم.
فلما خرج عنهم الرسل، قال بنو قريظة: صدقنا - والله - نُعيم بن مسعودٍ.
ورجع عكرمة وأصحابه إلى جمع المشركين، فقالت قريش وغطفان:
»صدقنا - والله - نعيم بن مسعودٍ».
وهكذا استطاع هذا المسلم الذكي، البارع في أسلوبه، الجريء في إقدامه، أن يقوم بمهمةٍ من أدقّ المهمات وأصعبها، وأن يقوم بأكبر دورٍ في إيقاع الخلاف بين المشركين، وحلفائهم من اليهود في سبيل نُصرةِ إخوانه في الدين وإعانتهم.. وذلك بفضل الله ورحمته بعباده كي يذهب كيد المعتدين، فتصان مدينة الرسول الأعظم، وينكشف الضرر عن المؤمنين، فكان حقاً على رسول اللّه أن يحمدَ ربَّهُ ويشكرَه (تعالى) بذلك الدعاء الذي طالما كان يردده في تلك الغزوة بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «ألّلهم منزّلَ الكتاب، سريعَ الحساب، اهزم الأحزاب، ألّلهم اهزمهم وزَلْزِلْهُم، وانصرنا عليهم»..
الرياح تهزم الأحزاب
والدعاء في الأصل عبادةٌ - كما قدّمنا من قبل - غايته استدرار الرأفة والرحمة من الخالق، وتحقيق الأماني الخيّرة الصادقة للمؤمنين.. وأية عبادةٍ أطهرُ وأنقى، وأخلصُ من العبادة التي يقوم بها رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ؟... إنه يدرك بأنَّ الله - سبحانه - ناصرُ دينه، ومبدد قوى عدوّه. ودعاؤه توكيد على عبودية العبد لربّه، واستسلامه لكل ما يشاء سبحانه ويقضي.. وها هي الاستجابة وها هو وعدُ الله الحق يتحقق، فتأتي على الأحزاب ريحٌ صرصرٌ عاتيةٌ، في ليلةٍ ظلامها داجٍ، ومطرها وابلٌ، تعصف بهم عصفاً شديداً، وتزلزل بهم الأرض زلزالاً كبيراً.. لقد بعث أمرُ اللَّهِ (تعالى) تلك الرياح، فجاءت تكفأُ (تُميل وتقلب) قدورَهم، وتقتلعُ خيامَهُم، وتطرحُ أوانيهم، وتطفئُ نيرانهم، حتى لكأنَّها تقوّض أركان وجودهم كله..
إنها قوىً عاتيةٌ، تهبُّ على أولئك المشركين وهم يحاصرون مدينة رسول اللّه، فتقذف الرعب في قلوبهم، والوهن في نفوسهم، مما جعل الهيجان يدب في صفوفهم، ويضاعف من بلائهم وعذابهم..
وأمام هذه النكبة المدمرة، لا يجد الأحزاب أملاً لهم في النجاة إلاَّ الهرب بعيداً، إلى حيث لا مطرَ ولا عواصفَ ولا ظلام..
ويعبِّر عمَّا حلَّ بهم قائدهم أبو سفيان بن حربٍ، وهو يصرخ ببني قومه: يا معشر قريشٍ!.. لينظر امرؤٌ مَنْ جليسُه. إنكم والله ما اجتمعتم بدار مقامٍ. لقد هلك الكُراع (قوائم الدابة) والخُف وأخلفنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نَكره. وقد لقينا من شدة الريح والمطر ما ترون، فارتحلوا، فإني مرتحلٌ الساعة..
وولّت قريش الأدبار لا تلوي على شيءٍ، وتبعتها غطفان وبقية الأحزاب بالإسراع في الفرار، تاركين وراءهم كل متاعٍ. وجلُّ ما يريدونه اللحاقُ بديارهم ومضاربهم..
وكان المؤمنون في تلك الليلة ما يزالون ثابتين في مواقعهم، يتناهى إلى مسامعهم اللغط والضجيج، فيظنون أن الأعداء قد شمَّروا للهجوم عليهم، ولكن، ها هو الليل ينقضي والصباح يطلع، وما من هجومٍ أو اقتحامٍ، بل الأمر على خلاف ذلك تماماً.. فالرياح العاتية قـد هـدأت، والـمطر المدرار قد توقف، والجو المتلبِّد بالغيوم قد صفا، فيا له من صباحٍ مشرقٍ في شمسه، بل وفي كل شيءٍ.. فلا قرقعة للسلاحٍ.. ولا ضجيج للكتائبٍ الغازية.. بل هدوءٌ يعمُّ الأرجاء، وسكونٌ يخيم في الأجواء.. وتلك معسكرات الأحزاب قد تزحزحت، وأمتعتهم قد تناثرت، وخيامهم قد تبددت، ولا يظهر أحدٌ من جموعهم التي كانت تملأُ الفضاء والضواحي.
وأيقن المؤمنون أنَّ اللَّهَ تعالى قد أرسلَ الرياح، وجنودَهُ التي لم يروها، فهزمت الأحزاب وشتَّتَتْ جموعهم، وبدَّدت قواهم، وجعلتهم ينهزمون بلا قتالٍ ولا مواجهةٍ.. فتنادوا يلتفون حول رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يستبشرون ببركاته فرحاً، وبنصر الله خيراً، وهم يتعانقون مبتهجين مسرورين.. فتشرئب أنظار الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نحو السماء، ثم يقول لهم: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا». ويتوجهون بالدعاء لله تعالى شكراً وامتناناً، فيهتف الرسول الأعظم، ويهتف وراءهُ المؤمنون: «لا إله إلاَّ الله وحده، وحده، لا شيء قبله ولا شيء بعده، لا إله إلاَّ اللَّهُ وحدَه وحدَه أنجز وعدَهُ، ونصَرَ عبدَه، وأعزَّ جندَهُ، وهزم الأحزاب وحده، فله الحمد، يحيي ويميت، ويميت ويحيي، وهو على كل شيء قدير».
لقد تحقق النصر بقدرة الله القوي العزيز، وكفى الله المؤمنين شرَّ القتال، بقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا *} [الأحزَاب: 9].
.. لقد جاءت الأحزاب غازيةً، تطلبُ النصرَ والظفرَ، فإذا بها تصطدم بصمود المؤمنين، وتلبث في قرقعة سلاحها، ومظاهرها الخادعة، مدةَ شهر، دون أن تحصل على شيءٍ مما جمعت له، وأعدَّت واستعدّت.. وفي ليلةٍ وضحاها، لا يبقى لها حولٌ ولا طولٌ، فتذهب مدبرةً، خاسرةً لا تبتغي إلاَّ النجاة والخلاص.. وصدق اللَّهُ تعالى بقوله العزيز:
{وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا *} [الأحزَاب: 25].
لقد أرادتها تلك الأحزاب معركةً داميةً شديدةً.. فإذا هي معركةٌ أقسى مما تصوّرت، ولكن ليس في الميدان، ولا في القتال.. بل في النفوس، وفي امتحانٍ للأعصاب والعزائم، واختبار للقلوب والأفئدة.. لم يحصل كرٌّ ولا فرٌّ في تلك المعركة إلاَّ القليل.. ولا تطايرت أعناقٌ ولا ضُربت هاماتٌ إلاَّ بالقدر الضئيل.. بيدَ أنَّ النفوس والقلوب كانت تترصد بعضها بعضاً. فأما التي امتلأت بالعداوة والأحقاد والكفر، فقد كانت الخاسرة، وأما التي توهجت بنور الإِيمان والصبر والاحتساب فقد كانت هي الرابحة..
أما في ميزان المفاهيم فقد كانت تلك المعركة صداماً بين قوى الضلال والبغي في ناحية، وقوى الهداية والعدل في ناحية ثانية، فكان لا بدَّ أن تنتهي إلى تلك النتيجة الحاسمة التي هي بيد الله سبحانَهُ وتعالى أولاً وأخيراً.. وما دَحَرَ اللَّهُ القويُّ، المقتدرُ المشركين، والذين كفروا من أهل الكتاب إلاَّ بـ«كلمةٍ» منه ألقاها إلى الرياح والملائكة، أن تردَعَ الظالمين وتردَّهم على أعقابهم خاسرين.. فلعلَّ فيهم من يعقل، ويوقن بأن ما يشاءُ القهّار الجبّارُ فلا رادَّ له.. وكفى بالله وليّاً، وكفى بالله نصيراً..
سلمان الفارسي وتحرِّيه الحقيقة
إنَّ حياة الصحابي الجليل سلمان الفارسي موعظةٌ لكل من رامَ حقاً، أو تحرّى الحقيقة حتى وجدها. ذلك أن حياة الناس - أفراداً وجماعاتٍ - تزخر - عادة - بالحركة، وتمتلئ بالأحداثِ - حسنها وسيئها - فتكشف عن معادن الرجال، وصدق التوجّه، ونبل الغايات... وكذلك هو العكس عندما تغلي في النفوس شهوة المطامع، وحبَّ الدنيا فتصير الغايةُ تبرر الوسيلة، ويتبدّى ما وراء ذلك من ظلمٍ وفسقٍ وفجور..
لذلك كان من أكبر نعم الله (تعالى) على الإنسان أن يجعله من المهتدين، الصابرين على الضيق والكرب، المحتملين الابتلاء حتى يجعل لهم المولى الكريم من لدنه فرجاً ومخرجاً..
ولقد كان سلمان الفارسي من ذلك الصنف من الناس الذين صدقوا في توجهاتهم ونبل مقاصدهم، فعانى كثيراً المرارة، والضيق والقهر - في بحثه عن الحقيقة - حتى اهتدى إليها بإسلامه، بل وبلغ مرتبةً من الشرف الرفيع قلَّ من بلغها من الصحابة الأخيار، وذلك عندما نسَبَهُ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى البيت النبوي الشريف، أثناء حفر الخندق، إذ أراد المهاجرون أن يكسبوه في صفهم، فقالوا: «سلمانُ منّا».. فأبى الأنصار، وقالوا «سلمانُ مِنّا».. فما كان من الرسول الأعظم، إلاَّ أن قطع عليهم جميعاً حبَّ الاستئثار بهذا الصحابي، واصطفاه ليكون من بيت النبوة، وهو يقول للمسلمين: «سلمان منّا أهلَ البيت»[*].. لا! لا يعجَبنَّ أحدٌ لما آلَ إليه حالُ سلمان الفارسي (رضي اللّه عنه)، فهذا هو الإسلام الذي يرفع إنساناً مثله إلى بيت الوحي، والطهر والقداسة... ويرذل إنساناً مثل أبي جهل عمرو بن هشام القرشي العربي، حتى يردَ نار جهنم، وبئس المصيرُ.. لا! لا يعجبنَّ أحد.. فهذا هو الإسلام الذي لا يفرق بين عروبة أو فارسية، ولا انتماء أو جنسية.. فمن انتمى لهذا الدين، واستسلم لربّ العالمين، كان من المسلمين المهتدين - إن شاء الله - فكان له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم..
ويروي سلمانُ (رضي اللّه عنه) حقيقة إسلامه منذ أن خرج من أرض فارس حتى قاده المصير ليكون عبداً عند يهودي من يثرب... فيقص حكاية حياته على جمع من الصحابة مستهلاًّ بالحمد والثناء على الله تعالى الذي أنعم عليه بالإسلام، فيقول:
»الحمد لله حمداً كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. من يهدِ الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هادي له، والصلاة والسلام على أشرف الخلق، سيد المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله الطيبين الطاهرين ورحمة الله وبركاته... أما والله - يا إخوتي - إنَّها لنعمة ربانية جليلة أن يهدي البارئُ عبدَه إلى الإسلام، فيعرف حقيقة هذا الدين، وكمالَهُ عند رب العالمين.. أجل يا إخوتي، إنَّ في الإسلام لَلحياة، وبدونه للموات.. وإنَّ في الإسلام للنّور، وبدونه للظلمات.. فحرامٌ على امرئ أن يأتي إلى هذه الحياة ولا يتذوق - فعلاً - حلاوة الإِيمان بالإسلام، وينعم برَوْحِهِ وريحانه.. وما كانت مظاهر الغنى أو الجاه أو الأمن، ولا الأفكار أو القيم أو العقائد - مهما كان شأنها ونوعها - لتغني عن الإسلام وعظمته، أو لتعوِّض الإنسان عنه بشيء أبداً.
لقد مهَّد سلمان (رضي اللّه عنه) بهذه المقدمة، ثم راح يحكي للصحابة ما جرى معه في حياته فقال[*]:
... فقد كانت مباركةً تلك الخطوات التي مشيتها من أجل معرفة حقيقة وجود الله تعالى، وهو - جلَّت عظمته - قد أعانني حتى صرت مسلماً والحمد لله.. وكان ذلك منذ نعومة أظفاري. لقد ولدت في قرية يقال لها (جَيّ) من نواحي أصفهان، وترعرعت في كنف أبٍ له وجاهة بين أبناء منطقته، وصاحب غنىً ويسر، إذْ كان يملك قرية بكاملها قريباً من (جَيّ)، وكانت تعطيه موارد وفيرة، لما يتمتع به من خبرة بفلاحة الأرض وإصلاحها واستصلاحها وغرسها..
وقد أحبَّني أبي حباً جمّاً، حتى أنه لِفَرطِ حبه حبسني في البيت، كما تُحبس الجارية، حرصاً منه على حياتي وسلامتي من أي مكروه، فعشت شبه وحيدٍ في دنيا مقفرة من حولي، إلاَّ النار التي يقدّسها المجوس، فكانت مدار اهتمامي بأمرٍ من أبي - حتى يباركني الإله - كما كان يظن ويتوهم..
وذات يوم بعثني إلى قريته التي يملكها، لانشغاله في (جيّ) بالبناء الذي يشيده، وأوصاني بالعودة سريعاً فور الانتهاء مما ندبني إليه.. ويمكن أن تتصوروا كم كانت فرحتي عظيمةً وأنا أخرج من سجن البيت، وأنعم بيوم من الحرية. ولكنني وأنا في الطريق سمعت تراتيل وأنغاماً تنبعث من مبنى كبيرٍ، فوقفت أستمع، وطاب لي الدخول لأرى ماذا في الداخل، فعرفت أنهم من النصارى، وأنهم كانوا يصلّون في كنيستهم التي هي مكان العبادة عندهم. فأمضيت النهار بطوله هناك، بعدما شعرت بأن النصرانية هي خير من المجوسية التي تعتنقها بلاد فارس، فلما سألت: أين أتعلّمُ هذا الدين؟ قالوا: في بلاد الشام، ويقوم على رعاية أتباعه كهنةٌ من ذوي العلم بالكتب السماوية، فطلبت أن يحملوني معهم إلى تلك البلاد، فوافقوا على أن يعلموني بالأمر عندما يحين موعد السفر.
وعدت في المساء إلى البيت لأجد أبي في سَوْرةٍ من الغضب والخوف عليَّ، أدَّت به إلى أن يكبّل رجليَّ بالقيود، حتى لا أخالف أوامره مرة أخرى.. ولكنني كنت حذقاً، إذ أغريت من يدلّني على الوسيلة التي يمكن أن أفك قيودي بها، ساعة أشاء، ومَن يؤمن لي الأخبار من أهل تلك الكنيسة. فلما جاءني البشير بعودة قافلةٍ من تجارهم إلى بلاد الشام، خرجت من البيت خفية عن العيون، والتحقت بتلك القافلة، فقادني أحد رجالها إلى ديرٍ واسعٍ، حيث قبلني كبير الأساقفة هناك في عداد أتباعه، على أن أقوم على خدمته، وأتلقى منه تعاليم الديانة النصرانية.
ومع الأيام تكشَّفت لي طويّةُ ذاك الأسقف. فقد كان يعظ الناس ويرشدهم بأحسن العظات، ويحثهم على دفع الأموال لرعاية المساكين ومساعدة المحتاجين، ولكنه بدلاً من ذلك كان يكنز الذهب والفضة.. حتى صار لديه ثروة كبيرة. فلما مات، وجاء الناس يحتفلون بتكريمه، أعلمتُ بعضهم بصنيعه، فلم يصدقوني، فأخذتهم إلى مخبأ المال الذي كان يخفيه، فأخرجوا سبع قِلالٍ من الذهب والفضة. عندها تنادوا إلى صلب جثمانه ورجمه بالحجارة ليكون عبرة لغيره من رجال الدين. وكان الأسقف الجديد رجلاً تقيّاً، ورعاً، قد نذر نفسه لعبادة الله تعالى، والقيام على خدمة الناس بحق، ولكن المرض دهمَهُ وجعله طريح الفراش، فسألته أن ينصحني بمن ألحق به من بعده، فقال لي: «أي بني، والله ما أعلم اليوم أحداً على ما كنت عليه. فقد هلك الناس وبدّلوا، وتركوا الخير إلا رجلاً في الموصل، اسمه فلان، فالحقْ به»[*].
وذهبت إلى الموصل ولحقت برجل الدين الذي أوصاني به الأسقف الراحل. ثم انتقلت إلى نصّيبين، ومن بعدها إلى عمورية[*] في بلاد الروم، حيث كانت إقامتي، فعملت وجنيت المال حتى كانت لي أبقار وأغنام. فلما دنا أجلُ زاهد عمورية، وشارف على الموت، أوصاني قائلاً:
«أي بني، والله ما أعلم اليوم أحداً أصبح على مثل ما كنّا عليه إلا واحداً من الناس آمرك أن تأتيَهُ ونحن نعلم أنه قد أطلَّ زمان نبيٍّ، وهو مبعوث على مِلَّةِ إبراهيم (عليه السلام)، يخرج بأرض العرب، مُهاجَرةً إلى أرض بين حرتين، بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد، فافعل»[*].
وجاء إلى عمورية تجار من بني كلب، فعرضتُ عليهم أن يصحبوني معهم إلى بلاد العرب مقابل بقراتي وأغنامي، فحملوني معهم. حتى إذا بلغوا (وادي القرى) عدَوْا على حريتي فباعوني من رجل يهودي عبداً. فأقمت عنده حتى جاءه - يوماً - ابنُ عمٍّ له من بني قريظة، فابتاعني منه، وحملني معه إلى يثرب، فحدَّثتني نفسي أنه البلدُ الذي وصفه لي صاحبي، فأقمت حتى سمعت ببعث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، في مكة؛ ولكنها العبودية - قاتلها الله - هي التي حرمتني من الذهاب إليه حتى هاجر إلى المدينة.. فوالله إني لفي رأس نخلة، وصاحب البستان من بني قريظة تحتي إذ أقبل عليه قريبٌ له، فقال:
»إيه يا ابن عم، قاتل الله بني قَيْلة[*]، والله إنهم الآن لمجتمعون بقُباء على رجل قَدِم عليهم من مكة اليوم، يزعمون أنه نبيٌّ».
وكدت أسقط عن الشجرة، وأنا أسمع ما يقوله اليهودي، إلاَّ أنني تماسكت، ونزلت أسأل عن أخبار هذا النبيّ. فانتهرني صاحبي، ولكمني، فعدت إلى عملي، وملء قلبي الشوق لملاقاة نبيِّ آخر الزمان الذي قطعت لأجله أقاصي البلاد، وتحملت لرؤيته ذلَّ العبودية وهوانها..
وجاء المساءُ فلم يهنأ لي مقام، فاستأذنت اليهوديَّ في الخروج لبعض شؤوني. ثم ذهبت إلى قُباء ومعي بعض التمر، فقدمتها لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأنا أقول له: «إنه قد بلغني أنك رجلٌ صالح، ومعك أصحاب لك غرباء، ذوو حاجة؛ وهذا شيء قد كان عندي للصَّدقة فرأيتُكُمْ أحقَّ به من غيركم..» فلم يمسَّها بيده. فقلت في نفسي: «هذه واحدة مما أخبرني بها الكاهن الصالح في عمورية».
وجئت رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثانيةً بعدما تحوَّل إلى المدينة، وحملت معي التمر أيضاً، فقدمته له، وقلت: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، فهذه هدية، فهل تقبلها من رجلٍ يعرف قدْر الكرام الصادقين؟ فابتسم لي، وأخذ بعض التمر فأكله، ثم أمر أصحابه أن يأكلوا.. فقلت في نفسي: «وهذه الثانية».. وكأنما أراد أن يُزيل ما في نفسي من حيرة فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «إننا أهلُ البيت لا نأكل الصدقة، لأنَّ الصدقة حرام علينا».
ثم جئتُ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو ببقِيع الغَرْقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه. ورأيت أن أقف خلف ظهره، علّني أرى الخاتم الذي وصفه لي صاحبي. ويشاءُ الله سبحانه أن يريَني بأم العين ما أبحث عنه، فألقى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رداءه عن ظهره، ثم توكأ على جانبه فبدا خاتم النبوة في موضعه من جسده الشريف. عندها انكببت عليه أقبّله وأبكي. فقال لي: تحوّل، فتحوَّلْتُ، وجلستُ بين يديه، فقصصت عليه حديثي، كما حدثتكم به يا إخوتي. فأُعجِبَ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من عطش نفسي للتحرِّي عن الحقيقة وما تحمّلت لأجلها من الصعاب حتى اهتديت إليها بالاسلام، وبالاسلام وحده.. فالتفتَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يشير إلى الصحابة أن يسمعوا، ويعوا أهمية الإرادة والنية الصادقة، للاهتداء إلى الحقيقة إذا رامها الإنسان، واعتماده على خالقه، وإخلاصه لنفسه، ومواصلة دأبه على السعي لبلوغ ما يريد.. وذلك أفضل بكثير ممَّن يقلّد ويعتنق مبدأ أو عقيدة دونما جهد فكري».
تلك هي قصة سلمان الفارسي..
وإنه لمن حقِّ كل امرئ أن يعجب لصحابيٍّ جليلٍ مثل سلمان (رضوان الله عليه)، وأن يكبر فيه الروح السامية التي جعلته يتخلّى عن الغنى والدعة، ويرفض المجوسية لعدم قناعته بها عقيدةً يقبلها العقل والوجدان. فلما أدرك النصرانية بهرته لأنها دين سماويٌّ، ولكنَّ أَحدَ الرجال الأخيار في النصرانية نصحَ له أن يلحق بالنبي الذي قرب زمانه، فعمل سلمان بنصح ذلك الرجل الفاضل حتى انتهى به الحال إلى أن يصير عبداً، وليكون - من ثَمَّ - من سادة الأحرار في الدنيا والآخرة، وكيف لا، وقد قال عنه رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «لقد أُشبع سلمانُ علماً»[*]، بل وأمر الرسول الأعظم بحبّ سلمان: «فقد أخرج الرّوياني من حديث بريدة عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : أُمِرْت بحب أربعة من أصحابي، وأخبرني الله (تعالى) أنه يحبهم: عليٌّ، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود الكندي«[*]
وكان أكثر شيء يحزُّ في نفس سلمان أنه لم يكن من أهل «بدر» وأحُد بسبب الرق - قاتل اللهُ الذي استرقّه، إذ لم يستطع الخلاصَ منه حتى أتى رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وشكا له سوء حاله، فقال له الرسول الكريم: «كاتب يا سلمان..».
وذهب سلمان إلى صاحبه القريظي، فكاتبه على ثلاثمئة نخلة يغرسها له، وعلى أربعين أوقية من المعدن. فقال رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عندها للصحابة: «أعينوا أخاكم».
وكانت المساعدة من الإِخوة. فلم تمر إلاَّ أيام معدودة حتى كانوا قد أنهوا غرس النخيل، ثم أعانَهُ الرسولُ الأعظم في دفع المال، وبذلك وفى سلمان ما كاتب عليه.. فأُعتق.. وَمُذْ ذَاكَ صار لا يفارق رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فشهد معه الخندق، وهو حُرٌّ بفضل الله تعالى، وفضل رسوله الكريم، ليكون - دائماً، وأبداً - حامداً، شاكراً على ما بلغ من نعمةٍ وبركة، ولعلَّ أعظمَها اثنتان: الأولى: ما أخرجَهَ الترمذي، والحاكم في المستدرك من حديث عليّ (رضي اللّه عنه) قال: «إنَّ كلَّ نبيٍّ أُعطيَ سبعة نجباء رفقاء، وأعطيتُ أنا أربعة عشر: عليٌّ والحسن والحسينُ، وجعفر وحمزة، وأبو بكر وعمر، ومصعب بن عمير، وبلال، وسلمان، وعمار، وعبد الله بن مسعود، والمقداد، وحذيفة ابن اليمان»[*] والثانية: بشارةُ رسولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) له بالجنة، فقد قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «ثلاثة تساق لهم الحورُ العين: عليٌّ وعمّارٌ وسلمانُ»[*].
أجل، تلك كانت قصة سلمان الفارسي، كما رواها لأصحابه وهم يستريحون من عناء السهر والانتظار، ومن عنت الأحزاب والكافرين... وهي قصة تحفل بأعظم العظات وأبلغها، إذ يبدو من أحداثها أن سلمان هو ذلك الإنسان الذي تخلى عن أهله وماله، وما كان ليعبأ براحة نفسه، بحثاً عن الحقيقة، حتى اهتدى إليها في الإسلام، فآمن بصدقٍ ويقين، وعمل بجهدٍ وإخلاص، فاستحق عن جدارة أعلى وسام شرَّفهُ به رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقوله: «سلمان منّا أهل البيت»..
فهنيئاً لهذا المؤمن البارّ على ما بذل، وقاسى، وتحمّل حتى أمكنه الوصول إلى دينِ الله (عزَّ وجلَّ)، وهنيئاً له على ما بلغ من درجة رفيعة في المكانة والمقام بين صحابة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأكابر المسلمين. وعسى أن يكون هذا الإِنسان - وهو أحد الروّاد الأوائل من المسلمين - قدوة للأجيال، ولا سيما منهم الشباب، ولكل من يريد أن يتحرّى الحقيقة، والحقيقة وحدها، ليستحق أن يدرج اسمه في سجل الخالدين من أبطال الإسلام، وسجل الرجال الصالحين من أولياء الله (تبارك وتعالى).
وبقليلٍ من المقارنة بين موقف سلمان الفارسي الذي ورث المجوسية بالولادة، وبين بني يهود في الجزيرة العربية الذين كانوا أهل كتاب، ودين سماوي، يتبيّن الفارق العظيم بين ذلك الإنسان الرفيع الشأن، وأولئك الناس الذين نسوا حظاً ممّا ذُكِّروا به.
فيا معشر الناس، كونوا كمثل سلمان الفارسي (رضي اللّه عنه)، تحرَّى عن الحقيقة، وطاف الأمصار من أجلها، فلما بلغها آمن بها وعاش لأجلها، فلما حضرَهُ الموتُ بكى، فسألوه عن ذلك فقال: «أما والله ما أبكي جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا، ولكن أبكي لأمر عهده إلينا رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أخشى أن لا نكون حفظنا وصيّة نبيّنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال لنا (ليكن بلاغُ أحدِكم من الدنيا كزاد الراكب»[*]..
أجل أيها الناس، كونوا طلاَّب الحقيقة والحق، ولا تكونوا كالذين وعدتهم كتبهم السماوية، وأمرتهم باتباع الدين الحق، فلما جاءهم دينُ الهدى من ربهم وعلى لسان رسوله محمدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنكروه ، وكفروا به، ثم أوغلوا في العداوة له، وراحوا يحاربونه لطمس معالمه، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر..
نعم لقد أنكر اليهودُ الإسلامَ حقيقةً، وواقعاً، وجهدوا في محاربته لإطفاء نوره.. ولكن لم يدروا أنَّ من يحارب الاسلام وأهلَهُ فإنما تكون حربه وبالاً عليه، لأن الله أبى إلاّ أن يُتَمَّ نوره ولو كره الكافرون. وهذا ما فعله اليهود بالأمس ومنذ بزغ فجر الإسلام، وما زالوا يفعلونه حتى اليوم!.. وكان اللَّهُ عزيزاً مقتدراً!..



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB