خَاتَمُ النَّبييِّن مُحَمَّد (ص) (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1568
تاريخ النشر :   2006




القضاء على الفتن والإضطرابات - البحث الأول: مُعالجة الشأن الدَّاخلي وإفْرازاته

لقد باتت الأجواء في المدينة المنورة تنذر بسوء العواقب!.. ولاسيما بعد ذلك الغدر الذي ظهر من بعض القبائل والأعراب في الحادثتين المروعتين: «الرجيع» و «بئر معونة»، وجعل المنافقين يشرئبون بأعناقهم، ويفتعلون المشكلات التي قد تؤدي، في حال استفحالها، إلى حرب داخلية في مدينة الرسول، لا يعرف نتائجها إلاَّ الله سبحانه وتعالى، لأنَّ من شأنها - إن حدثت ـ أن تلتهم كل شيء من حولها، وهذا ما لا يريده الله ورسوله والمؤمنون.. ولكي لا يتفاقم الوضع، ويصل إلى هذا الحد، فقد قرر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معالجة الشأن الداخلي، ليكون بعده قادراً على معالجة الشؤون الخارجية!..
أما الأسباب الكامنة وراء الأجواء الملبَّدة في المدينة، فهو الظن الذي غلب على المنافقين واليهود، ولاسيما بني النضير، بأن المسلمين صاروا ضعافاً، إذ بعد الهزيمة في «أحد» بدأت الأعراب تتحين الفرص، فتقتل منهم أفراداً وجماعات، وتستعدُّ لغزوهم في المدينة، فلماذا يبقون هم - المنافقون واليهود - ساكنين؟!. ولذلك كانت المبادرة سريعة من بني النضير، عندما دبروا مؤامرة لقتل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فبعثوا إليه: أن يخرج في ثلاثة من أصحابه، مقابل ثلاثة من أحبارهم وعلمائهم للمناقشة في أمر هذا الدين، وكانوا قد خبأوا الخناجر للقيام بالفعل الشنيع، لولا أنَّ امرأة منهم، قد عرفت - من أخيها الذي كان قد أسلم - بالمؤامرة، فأرسلت إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تعلمه بخيانتهم، فقفل راجعاً قبل أن يصل إليهم[*]، فكانت خيانتهم تلك وراء إجلائهم عن المدينة[*].
غزوة بني النضير
ومهما يكن السبب المباشر لغزوة بني النضير، فإن مما لا شك فيه - كما أجمعت عليه كافة المصادر - أن اليهود كانوا يبيِّتون الغدر بالنبيِّ وقتله. ولذلك عزم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يواجه أهلَ الغدر بما يستأهلون، لا سيما وأنَّ في غدرهم نقضاً للعهود التي عقدوها معه.
وجمعَ الرسول الأعظم الصحابة وأخبرهم بما كان بنو النضير قد عزموا عليه من خطة لاغتياله والغدر به.. فازداد حنقهم على تلك الفئة الباغية، وأشاروا بالمبادرة الفورية لقتالها، ولكن رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمرهم بالتريث. ثم دعا إليه محمد بن مسلمة، وقال له: «اذهب إلى يهود بني النضير وقل لهم: إن رسول اللّه أرسلني إليكم: أنِ اخرجوا من بلادي. لقد نقضتم العهد الذي جعلتُ لكم بما هممتم به من الغدر بي. لقد أجَّلتكم عشراً، فمن رُئي بعد ذلك ضربت عنقه»[*].
ورأى بنو النضير أنه لا قِبَلَ لهم بقتال «محمد» وأصحابه، فأخذوا يستعدّون للخروج، لولا أن جاءهم خبر عاجل من عبد الله بن أبيّ بن أبي سلول يحرضهم فيه على البقاء، ويقول:
»لا تخرجوا من دياركم وأموالكم، وأقيموا في حصونكم، فإنَّ معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم أو يموتون عن آخرهم قبل أن يصل أحدٌ إليكم، وتمدّكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان»[*].
وأثار خبر ابن أبيّ الجدال بين القوم، بين مؤيد للبقاء، وبين داع للخروج، حتى وقف حيي بن أخطب وقال: «كلا لن نخرج.. وما علينا إلاَّ أن نرُمَّ حصوننا وندخل إليها ما شئنا، وعندنا من الطعام ما يكفينا سنة، وماؤنا لا ينقطع، ولن يحاصرنا محمد سنة كاملة».
ثم بعث ابنُ أخطب إلى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من يقول له: «إنا لن نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك»[*].
وكان ذلك إيذاناً للمسلمين بغزو بني النضير، فقال رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «حاربت يهود»[*]. وأذَّن المؤذِّنُ، بالاستعداد للقتال، فما جاء وقتُ العصر إلاّ والنّبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يصلي بالمسلمين بفضاء بني النضير، بعدما سار إليهم، وقد دفع رايته إلى علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه)، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم.
وطال الأمرُ عدة أيام، وبنو النضير ينتظرون قدوم الإمدادات التي وعدهم بها ابن أبي، ولكنَّ أحداً لم يتقدّم لنجدتهم، لا من بني يهود، ولا من حلفائهم العرب، فأيقنوا أن الخذلان قد حلَّ بهم، ولكنهم آثروا الانتظار أياماً أخرى، علَّ تلك الإمدادات تصلهم..
وأنزل الله (سبحانه) في نفاق عبد اللّه بن أبي بن سلول، وفي كفر اليهود من أهل الكتاب، قرآناً مبيناً، قوله تعالى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ *لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لاَ يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ *} [الحَشر: 11-12].
وفي تلك الأثناء كان المسلمون يضيّقون الحصار على بني النضير شيئاً فشيئاً، ويتقدمون نحو حصونهم وهم يقطعون نخيلهم، حتى يوهنوا قوى العدو، ويبعثوا الرعب في قلبه؛ ذلك أنَّهُ بإزالة النخيل، يصبح العدو مكشوفاً نظراً لما كانت الأشجار تشكل من حجاب يمنع الرؤيةَ على المسلمين، ويعوق تقدمهم؛ فلما رأى بنو النضير ذلك الحشر، وعرفوا أنْ لن تكون لهم نجدة من أحد - لاسيما وأن اليأس كان قد ملأ قلوبهم رعباً - سألوا رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يؤمنهم على أموالهم ودمائهم وذراريهم حتى يخرجوا من المدينة. فقبل بذلك على أن يخلوا السلاح ولا يأخذوا منه شيئاً، فامتثلوا لأمره صاغرين، وراحوا يهدمون بيوتهم بأيديهم ويحملون منها على الإبل ما تقدر على حمله.. وارتحلوا عن المدينة منخذلين، فنزل قسم منهم في خيبر، وعلى رأسهم حُيَيّ بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع، وثلاثتهم من زعماء بني النضير، بينما سار الآخرون إلى أذرعات بالشام، تاركين وراءهم للمسلمين مغانم كثيرة من الغلال والسلاح، والأرض التي كانوا يملكون. وفي ذلك أنزل الله تعالى قوله عزَّ وجلَّ: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَِوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الأَبْصَارِ *وَلَوْلاَ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ *ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ *مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ *} [الحَشر: 2-5].
ولم تعتبر تلك الأرض مغانم حرب، ولذلك لم تقسّم بين المسلمين، «بل كانت لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خاصة يضعها حيث يشاء»[*].
وهل يمكن أن يضعها رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاَّ حيث يجب أن تكون؟... فهؤلاء المهاجرون بلا أرضٍ ولا منازل، وقد احتملهم إخوانهم الأنصار سنوات طويلة، يشاركونهم في الأرزاق والأموال، وها قد أفاض الله تعالى بنعمائه على المسلمين جميعاً، فلم لا تكون تلك الأرض للمهاجرين، فيستغنون بها عن ممتلكات الأنصار، ويصبح لدى الجميع من أسباب الثروة ما يبعد عنهم الفقر وشظف العيش؟
ووقف رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خطيباً في المسلمين، فحمد الله (تعالى) وأثنى عليه، ثم عاد يذكّر بما قدمه الأنصار لإخوانهم المهاجرين، وما صنعوا لأجلهم، وكيف آثروهم على أنفسهم.. إلى أن قال عليه وعلى اله الصلاة والسلام: «إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاءَ الله عليَّ من بني النضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم».. ووقف سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، نائبين عن الأنصار، فقالا لرسول اللّه:
»اقسِمْهُ يا رسول اللّه بين المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا»..
ونادت الأنصار من خلفهما: رضينا وسلَّمنا يا رسول اللّه..
فقال الرسول الكريم: «اللّهم ارْحمِ الأنصار وأبناء الأنصار»..
وهكذا كان.. فقد قسَّم رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأرض على المهاجرين وحدهم إلاَّ رجلين من الأنصار كانا من ذوي الفقر، وهما سهل بن حُنيف بن وهب، وأبو دَجانة سماك بن خَرَشة فأعطاهما رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مثلما أعطى للمهاجرين من حصص..
وفي هذا الفضل والفيء من الله على رسوله، أنزل سبحانه وتعالى في سورة الحشر قوله عز وجل: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ *} [الحَشر: 7].
وانقضى شهر ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة، بعدما شهد جلاء بني النضير عن المدينة، حين خانوا المواثيق، فصفت بجلائهم أجواء الداخل، واستقامت الأمور، مما أراح المسلمين كثيراً، وأتاحَ لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنْ يتفكَّر في تدبير أمر السياسة الخارجية، كما تمَّ التدبير لأمر السياسة الداخلية.
غزوة بدر الصغرى
وعاش المسلمون بعد ذلك فترة سكينة وهدوء لبضعة شهور، حتى إذا استدار العام على «أحد»، وكان قد حلَّ الموعد الذي ضربه أبو سفيان بن حرب (يوم نادى بالمسلمين في تلك الواقعة: يوم بيوم بدر والموعد رأس الحول). فخرج رسول اللّه بالمسلمين لموعده، وكان ذلك في شعبان سنة 4 هجرية وجعل لواءه مع علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة[*] حتى انتهوا إلى بدر فنزلوا ينتظرون قريشاً.
وكان المشركون - من جانبهم - قد خرجوا من مكة بقيادة أبي سفيان بن حرب، وهم حوالى ألفي رجل، حتى وصلوا إلى مرّ الظهران، فنزلوا بمجنة - ماء في تلك الناحية - ويبدو أنَّ أبا سفيان كان متخوفاً من لقاء المسلمين، بعدما تناهت إليه أخبارهم واستعداداتهم، وتشوقهم لمقاتلته وجيشه، فجمع قومه ونادى فيهم: يا معشر قريش إنَّ عامكم هذا عام جدب ولا يُصلح أحوالكم إلا عام خصب ترعى فيه الأنعام وتشربون فيه الألبان، وإني راجع، فارجعوا .. ولعلَّ ذلك الخوفَ الذي داخل أبا سفيان كان يستولي على جيش المشركين كله، فلم يعارض أحدٌ قول قائدهم، فرجعوا .. فسمّاهم أهل مكة جيش السويق، أي أنهم خرجوا يشربون السويق.
وأقام المسلمون ببدر ثمانية أيام ينتظرون جيش المشركين، ثم رجعوا إلى المدينة بنعمةٍ من الله (تعالى) وفضل لم يمسسهم سوء.
ومما لا شك فيه أن أوبةَ الجيش المشرك على تلك الحالة، والخوفَ من مقابلة المسلمين، كانت هزيمةً لا تقل عن هزيمة بدر، إذ محت بدرٌ الصغرى آثار «أحد»، وبات المسلمون هم الأقوياء، فتوطدت هيبتهم في النفوس، وعاد إليهم زمام المبادرة.. كما كانوا..
وعرفت قبائل العرب بانهزام قريش، فلاذت الى السكينة لا تجرؤ على التظاهر بالقوة حيال المسلمين، إلاَّ من استبدَّ بهم الطيش وظنوا أنهم ما زالوا قادرين على حرب «محمدٍ»، فظلّوا يعدون العدة لمقاتلة المسلمين..
غزوة ذات الرقاع[*]
ووصلت الأخبار إلى المدينة بأن الأعراب من بني محارب وبني ثعلبة من غطفان يحشدون جموعهم، فخرج إليهم رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أربعمائة من رجاله حتى نزل نخلاً (وهو موضع بنجد من أرض غطفان).. وإذْ تبين لأولئك الأعراب ما عليه المسلمون من قوة وبأس لاذوا بالفرار إلى رؤوس الجبال.. فعاد المسلمون تحفّهم رايات النصر بعدما ألقوا الخوف والرهبة في نفوس غطفان، وغيرها من البدو والأعراب، الذين مردوا على النفاق.
غزوةُ دومة الجندل
ثم خرج الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد ذلك إلى دومة الجندل على بعد خمس ليال من الشام، بعدما بلغَهُ أن بها جمعاً كثيراً يريدون أن يدنوا من المدينة [*] فأراد أن يشتت شملهم، وفي نفس الوقت يؤدِّب القبائل التي كانت تغير على القوافل، ولكنه لم يظفر بتلك الجموع، لأنها ما لبثت حين سمعت بقدومه أن أخذها الفزع، فولت هاربة وتركت المواشي والأموال، فأخذها المسلمون غنائم بأيسر حال...
وهكذا استقامت الأمور لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذ استطاع أن يقضي على المقاومة الخارجية، فهدأت ثورات القبائل، واختفت مقاومتها. ولم يعد في المدينة عدو يتخفَّى وراء المكايد والأحابيل، بل أدرك الكلُّ أن سلطان الإِسلام قد قام حقاً، ولم يعد من سبيل للوقوف في وجهه.
وبذلك أتيح لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يعيد هيبة الدولة الإِسلامية، وأن يأمن غدر المنافقين في الداخل، وكيدَ الأعداء في الخارج مما أتاح له في المجال لمتابعة التنظيم الذي تقوم عليه الدولة والمجتمع على السواء، حتى يأتي البناء شاملاً، ومتوافقاً مع البناء الإِيماني، لأن من أهداف الإِسلام ليس بناء الإِنسان وحده، بل بناء المجتمع على الأسس السليمة والصحيحة التي يمكن للبشرية جمعاء - وليس للمسلمين وحدهم - الإفادة منها، واعتمادها في عمارة الأرض والإصلاح فيها..
ولم يكن (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعلى الرغم من مواجهته لخضمّ الشؤون العامة، ليُغفِل أيَّ شأنٍ من شؤون الأفراد الخاصة، التي كان يعلم بها أو تعرض عليه. إذ كان موئلَ العطف والمواساة، كما عرفه الجميع، لا يردُّ أي إنسانٍ يقصده لحاجةٍ أو عون. فكانوا يأتونه فرادى وجماعات، يفضون إليه بما يعانونه من مشكلات حياتية أو عائلية، فيجدون عنده الهديَ الرشيد، ويستمدون منه العلاج المفيد..
طلاق زيدٍ بن حارثة زوجَهُ زينب
ودخل عليه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يوماً، زيدُ بن حارثة، والقلق بادٍ عليه، والهمُّ ظاهرٌ في عينيه، وأخبره بأن مشكلته مع زوجه زينب بنت جحش ما تزال على نفس الحال من عدم الوفاق، بل وإنها تستفحل يوماً بعد يوم، ومن أجل ذلك قرَّر أن يطلِّقها.. ولكنَّ الرسولَ الكريمَ أبى عليه هذا الأمر، ونهاه عنه بقوله: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ} [الأحزَاب: 37] يا زيد..
ويسكت زيدٌ ولا يجيب، فهذا أمرُ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليه الإِطاعة..
ويذهب زيد مغموماً، حزيناً، فيجلس وحيداً، يسترجع ذكريات الماضي لسنوات خلوْنَ . فتتراءى له الصور وهي تتسارع ماثلة أمام عينيه، عندما جاء رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد هجرته إلى المدينة، يخطب منه ابنة عمته زينب بنت جحش، فيبتسم له رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويعده خيراً..
ويعلم زيدٌ بعد ذلك أنَّ زينب رفضت الزواج به في بادىء الأمر، متذرعة بأصلها القرشي، وبأنها ابنة عمة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم - وبأن زيداً كان فيما مضى مولى لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلا تكافؤ ولا تجانس في زواجهما، فتقول للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : يا رسول اللّه لا أرضاه لنفسي وأنا من قريش.
ولكنَّ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعمل على إقناعها، فتنزل زينب على أمره وتقول: «إني قد رضيتُه امتثالاً لأمرك يا رسول اللّه».
وينزل قولُ الله تعالى مؤيداً لحكم رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيما يقضي به بين المسلمين: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً *} [الأحزَاب: 36].
وتم زواج زيدٍ بزينب، وقدم لهما الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هديةَ عرسهما: عشرة دنانير، وستين درهماً، ودرعاً وخماراً، وملحفةً وإزاراً، وخمسين مدّاً من التمر.. ولم يكتف (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بذلك، بل أَوْلَم لأجلهما وأطعم المساكين خبزاً ولحماً.
ويسترجع زيد تلك الأيام الهنيئة التي عاشها في ظلال البيت الزوجي، وقد حظي بزينب، فيطفح وجهُهُ بالبشر!.. ولكنَّ الأسى سرعان ما يعود ويغلب عليه، وهو يرى شريط حياته، بعد ذلك، حافلاً بالنكد والتعاسة، إذ لم تمرّ على زواجه إلاَّ مدةٌ من الزمن، حتى راحت زينب تعيّره بالفارق الاجتماعي بينهما، وتبيّن له بصراحة أنها لم تكن لترضى به زوجاً لولا أمر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وذلك مما يمسُّ بكرامته، فيعزم على طلاق زوجه.. ويذهب مرة أخرى إلى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مصرّاً على الطلاق، لأنه أدعى لكليهما أن يتخذ كلُّ واحدٍ سبيلاً يرتاح إليه.
ويتفكر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أمر هذا الزواج من أساسه، فلا يجد في ما فعله إلاّ خيراً. لقد كانت غايته منه تمتينَ قواعد المجتمع الإِسلامي، وتقويةَ أواصر الصلات بين أفراده، حتى يقضيَ على العادات والتقاليد السيئة التي كانت تقوم على الاعتزاز بالحسب، والتفاخر بالنسب. ثُمَّ أوَ ليس الإِسلام مبدأ الإِنسانية السامي الذي لا يحفل بالعلاقات التي تقوم على التمايز الطبقي، بل يلفظها ليستبدلَ بها قواعد الروابط الاجتماعية التي يكون أساسها الأول والأهم التقوى مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحُجرَات: 13].
أو ليسَ محمد هو رسول اللّه الذي يسنُّ للناس الحكمَ السويَّ، النابعَ من القاعدة القرآنية حين لا يجعل لعربي فضلاً على أعجمي إلاَّ بالتقوى؟...
نعم لقد أراد الرسول الأعظم أن يجعل من زواج زيدٍ - المولى - وزينب - القرشية - واقعاً حياتياً، ومثالاً يمكن أن يُحتذى في كلِّ الأزمان.. ولكن بشرطه الذي يؤلف بين القلوب، وينشئ الحياة الزوجية الكريمة. وقد أيَّده الله (تعالى) من عليائه بتصرفه الحكيم الذي يتوخى فيه خير الناس بما أنزل في ذلك من قرآنٍ مبين.
أما الآن فقد بات زيد تعيساً، وكذلك ابنة عمته زينب التي لم تشعر بالسعادة التي كان يتمناها لها ولزوجها. وهو لا يستطيع أن يفعل لهما شيئاً، حتى يأتيه أمر الله تبارك وتعالى فيهما.. وراح (صلواتُ الله وسلامه عليه وعلى آله) ينتظر، دون أن يُفصح عن شيء مما يعتمل في نفسه، أو أن يصرح به لأحد، حتى من أقرب المقربين إليه، لأنه ما كان له أن يسبَقَ أمر ربه في أي شأن من الشؤون، صغيراً كان أو كبيراً، حتى يأتيه حكمه من المولى الكبير المتعال، فبات ينتظر أمر الله سبحانه وتعالى.. ولشدَّ ما كان يدخل الأسى على قلب الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الآلام النفسية التي يعاني منها زيدٌ.. صحيح أنه كان مولىً، ولكنه الآن مسلمٌ صادقٌ، وحريٌّ بزينب أن تطمئن إليه، ولكن هي الأخرى ليس لها من الأمر شيء، فقلبها ليس بيدها - لأن القلوب بيد الله يقلّبها كيف يشاء - وزيدٌ يعرف ذلك، ينتظر في آلامه، لا لشيء، إلاَّ لأنه مطيعٌ لله ورسوله، وما عليه إلاَّ الصبر كما طلب إليه ذلك رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فيمسك زوجَهُ، مغلّباً أمر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على شقائه، لأنه يرى أن السعادة الحقّة إنما تكون برضى الله، ورضى نبيّه، ولسوف يرضى بما يقدّر اللّهُ له..
وكانت تلك الفترة صعبة للغاية على الزوجين، كما كانت ثقيلةً على نفس رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إلى أن أنزل الله - عزَّ وجلَّ - الآيات التي تبيّن أمرَهُ - سبحانه - في هذه القضية، وذلك بقوله الحق المبين لنبيّه محمد: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزَاب: 37].
لقد نزل الأمر من الله (تعالى)، فلا يخشى بعده النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شيئاً مما قد يتقوَّله الناسُ، إذا رخَّص لزيد بطلاق زوجته. بل الله - سبحانه وتعالى - أحق أن يخشاه، وهو عزَّ وجلَّ يأمره بأن يفسح في المجال لهذا الطلاق الذي سيكون تمهيداً لبيان حكم تشريعي لن يكون بمقدور أحد أن يعارضه، أو أن يجتهد فيه رأيه لوضوحه وأحقيته.
نعم وقع قول الله تعالى موقع الفصل الذي ليس بعده تعقيب، وليس بعده حكم. وانفصل الزوجان وعادت زينب إلى رتابة العيش في بيت أخيها عبد الله بن جحش. ولكنها ومع الأيام بدأت تشعر بالقلق والضيق، وتخاف أن تقضي بقية حياتها بلا زوج يناسبها، لأنه لا أحد يجرؤ، ويتقدم لطلب يدها، على الرغم من شهرتها بين لداتها بالحسن والشرف والرفعة، فضلاً عن كونها إحدى المهاجرات اللواتي نَذَرْنَ أنفسَهُنَّ لعمل البرّ والخير.. وهذا ما جعلها تحسُّ بالمرارة في نفسها. ولكنها ما دَرَتْ - ومن أين لها أن تدري - أنَّ مَنْعَ الكرامِ عنها كان لحكمة وتقدير من الله سبحانه وتعالى، لأنه قضى في سابق علمه أن يجعلها موضعاً لحكمٍ عظيمٍ من أحكام الإِسلام، وأن يُعدّها لتكون زوجة لأعظم رجل في الإِنسانية...
زواج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بزينب بنت جحش
وجاءَ اليومُ الموعود لتظهر حكمة الخبير اللطيف، وتقديره السنيُّ. فقد كان رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بيته، فجاءته الغشية ثم سرّي عنه فاستيقظ مرتاح النفس، وقال: «مَنْ يَذهَبْ إلى زينبَ ويبشِّرُها أن الله تعالى قد زوَّجنيها»، ثم تلا قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَي لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً * مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا *} [الأحزَاب: 37-38].
فسبحان الله العليم الحكيم، الذي يقرر بهذا التنزيل قاعدة من قواعد التشريع الاسلامي، التي من شأنها معالجة عدة قضايا، ومحو كثيرٍ مما ظل عالقاً من موروثات الجاهلية في الأذهان، ولذلك تناولت المعالجة الأمور التالية:
أ - فكرة التبنِّي التي كانوا يعطونها غير معناها الذي أراده الله تعالى. فالابن بالتبنيّ ليس ابناً طبيعياً لمن يتبنّاه، ولكنه ربيبٌ لا أكثر ولا أقل. فهو ليس إذن من أصول المتبنّي ولا فروعه، فلا يتوارثان، بل ولا يربطه به أكثر من الإِحسان إليه في الصغر قربةً لوجه الله تعالى، وحفظ هذا الجميل من قِبله في الكبر.
ب - التقليد الذي كان سائداً بين الناس، وهو أن الربيب لا يمكن أن تتزوجه ابنة السادة في القوم، وإذا حصل وشذَّت سيدةٌ شريفةٌ عن هذا المبدأ، فإنها تكون مرمى لسخرية الناس وانتقاداتهم اللاذعة. أما إذا طلَّقها أو مات عنها، فالمصيبة عندئذٍ أكبرُ، لأنهم كانوا يأنفون خطبتها، ويعدون ذلك حطّاً بقدرهم وتحقيراً لشأنهم. فالقضاء على مثل هذا التقليد لا بد أن يكون بزواجها رجلاً محترماً بين الناس، كفوءاً في الإيمان والتقوى، ولذلك كان حكم الله - عز وعلا ـ أن يتزوج محمدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) زينبَ مطلقةَ زيد بن حارثة دون أي حساب لما كان عليه زيد، أو زينب.
ج - العرف العام بأن أكبر العار يلحق بالأب أو بولي الأمر، إذا زوَّج ابنته أو أختَهُ لمولى فقيرٍ، لا يملك من الدنيا شروى نقير. ويصبح الأمر أكثر تعقيداً عندما يكون الأبُ أو الولي سيداً أو نبراساً في القوم. أما إذا رضيت المرأة ذات الشرف الرفيع في الحسب والنسب أن تنزل إلى مستوى قبول الزواج بربيبٍ، أو مولىً أو مسكين، فلا يعقل أن تعود فتصعد إلى سُدَّة السيادة أو الشرف سواء ظلت مع زوجها أو فارقها لسبب من الأسباب، وهذا ظلم بحق المرأة مما ينبذه الاسلام..
من هنا فقد جاء هذا الحكم ليلغي فوارق اجتماعية كثيرةً، وليضع أحكاماً تشريعية كثيرةً، وليرسي أساساً من أسس عقيدةٍ متينةٍ يكون النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو المثل المحتذى فيها لسائر العالمين، لأنه رسول اللّه لسائر الخلق أجمعين.
لقد كان زواج النبي بزينب أمراً من الله تعالى، غايته القضاء على فكرة التبني، وعلى التحرج من التزوج بمطلقة الوليّ أو الربيب، لأنَّ مثل هذه الأمور التي هي على غايةٍ كبيرةٍ من الأهمية، يقتضي أن يكون لها شخصٌ قادرٌ على تطبيقها وتأكيدها، وليس أكفأ ولا أقدر من رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على القيام بهذا التطبيق.. فهو قبل الإِسلام كان تبنى زيد بن حارثة، وكان من عادة العرب أنَّ من يتبنى غلاماً فإنه يصبح كابنه المولود من صلبه، فلا يعود له الحق أن يتزوج امرأته من بعده. ولذلك انبرى اليهود والمنافقون يقولون«إن محمداً تزوج امرأة ابنه»، فأكذَبَهم اللَّهُ تعالى، وبيّن أن من يُدعى لغير أبيه ليس ابناً له، لأنه «وما جعل أدعياءكم أبناءكم» - من أصلابكم - وإن كان ذلك قولكم بأفواهكم، بل الحق والعدل أن تدعوهم لآبائهم، فإن لم تعلموا آباءهم فهم إخوانكم في الدين، وذلك كما يبيُّنِّه قوله تعالى:
{مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ *ادْعُوهُمْ لآِبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا *} [الأحزَاب: 4-5] وقوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا *} [الأحزَاب: 40].
لقد نزلت الآياتُ القرآنية المبيِّنة، وأُخبرت زينبُ بأن الله العلي العظيم، قد زوَّجها من عليائه برسول اللّه، فسجدت لله تعالى شاكرةً[*] حامدةً، وجعلت عليها نذراً لله تعالى أن تصومَ شهرين عرفاناً بهذا الفضل، وهذه المنَّة.
ونقلها رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في صفر من السنة الخامسة للهجرة. ودعا إلى وليمةٍ عنده احتفاءً بهذه المناسبة الكريمة، فجاء الصحابة ملبّين، وبأفراح رسول اللّه مستبشرين، وجلسوا إلى تناول الطعام، ثم طال جلوسهم.. وكيف لا؟ وقد كانوا مسرورين، مستأنسين حتى نسوا الوقت، وغرقوا في الحديث! ولكنَّ الله العليَّ القدير يأبى أن يكون اجتماع الناس في البيت النبوي كاجتماعاتهم في سائر البيوت، لأنه بيت له شرف النبوَّة، وشرف الرسالة. ولذا نزل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا *} [الأحزَاب: 53].
أجل نزل الحكم الذي ينظم سلوك الناس تجاه بيت النبوَّة ومنزل الوحي ومهبط الملائكة الذي له قدسيته، وله حرمته الخاصة، فليس لأحد أن يدخلَهُ بغير إذن، وليس له أن يجيل طرفه في أركان البيت، كما أنه ليس للناس الجلوسُ طويلاً، وإشغالُ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الأحاديث، التي قد يكون من شأنها هدر الوقت، إلاَّ من الإيناس الذي يرجونه.. فالشؤون العامة كثيرةٌ وهي بحاجةٍ إليه، ولكنه يستحي من جلسائه، لما حباه الله تعالى من حُسن الخلق وأدب المعشر، بيد أن الله سبحانه لا يستحي من الحق، فنزل أمره تعالى بأن ينفضّوا حتى يفسحوا لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المجال بالتفكّر والتدبّر لأن مسؤوليةَ الرسالة جسيمة، وأعباءها ثقيلة، تتطلب من حاملها كلّ جهده ووقتِهِ...
إنها حوادثُ لو أخذناها بالمنظار البشري لوجدناها عاديةً تحفل بها حياة الناس كلَّ يوم! فالمناسبات العامة كثيرة، والزيارات والدعوات الخاصة قد لا تعد ولا تحصى، ولكنها جميعها يجب أن تكون بحدود القيام بالواجب ليس إلاَّ، لأن الإنسان ـ مهما كان شأنه، أو وضعه، أو مكانته - يجب أن يظل ذاكراً أنه مستخلَف في هذه الأرض، ويقع على عاتقه كفرد، مِثلُ الذي يقع على عاتق الأمة كجماعة، من القيام بمهمة الاستخلاف، وكل على قدر طاقتهِ واستطاعته، ولذلك فإنَّ ما قد نعتبره أموراً عادية هي في ميزان الحق تبارك وتعالى على خلاف ما نظن. لذلك كانت الرعاية والمعالجة تأتي من لدن رب العالمين وترافق النبيَّ في كل بادرة من بوادر حياة المسلمين حتى يستقرَّ البنيان الإسلامي الذي تقوم حياتنا عليه دائماً. فزيدٌ يسميه الله تعالى باسمه في تنزيله العزيز، (فلما قضى زيدٌ منها وطراً)، والصحابة يأمرهم بألاّ يسترسلوا في الاستئناس في حضرة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وينشغلوا بالأحاديث الطويلة عن الواجبات الأهم، والدخول إلى البيوت لا يكون إلا بأذن أصحابها، وما إلى ذلك من أوضاع حياتية كانت تتبيّن مع كل تنزيل حكيم... وعلى النحو الذي أمَرَ الله تعالى استقرت الأمور وعاشت زينب، بعد مرارة الأيام، في كنف رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هانئةً، سعيدةً. ويزيدها رضىً وسعادةً بأن الله سبحانه قد زوَّجها به من عليائه، فكانت تردد على مسامعه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أحياناً: «يا رسول اللّه. إني والله ما أنا كإحدى نسائك، ليست المرأة من نسائك إلاَّ زوَّجها أبوها أو أخوها، أما أنا فقد زَوَّجنيكَ الله من السماء»[*].
وكانت أيضاً تردِّد هذا القول على مسامع زوجات النّبيِّ الأخريات «زوَّجكُنَّ أهاليكُنَّ وزوَّجني الله تعالى من فوق سبع سماوات»[*].
ولئن كانت أحاديث السيدة زينب يبدو فيها بعضُ المفاخرة على نساء النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إلاّ أنها كانت في الواقع نعم الزوجة التي تحترمُ منزلة زوجها ومكرمته، وتقدر شخصيته حق التقدير، ويكفيه أن الله قد وصفه بأنه على خُلُقٍ عظيم. وهي تقرنُ مصداقية الزوجية بحقيقة النبوة، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ بالنسبة لامرأة «صالحة صوّامة قوَّامة، تصنع بيدها وتتصدق بريع عملها على المساكين، حتى سميت «بأمِّ المساكين»[*]. وكان رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «أسرعكنَّ لحاقاً بي أطولكنَّ يداً»[*]. فكانت أول مَنْ مات بعده من نسائه. وروي عن السيدة عائشة أن أزواج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كنَّ يتساءلن دائماً عن معرفة صاحبة اليد الطولى بينَهُنَّ، فلما توفيت زينب بنت جحش عرفن أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنما أراد طولَ اليد بالصدقة، إذ كانت زينب امرأةً، صناعَ اليدين، فكانت تدبغ وتخرز، وتتصدق به في سبيل الله وحين حضرتها الوفاة - سنة عشرين هجرية في عهد عمر (رضي اللّه عنه)، قالت (رضي اللّه عنها) : «إني قد أعددتُ كفني، وإنَّ عمر سيبعث إليَّ بكفن فتصدَّقوا بأحدهما، وإن استطعتم أن تتصدّقوا بحقوقي فافعلوا»[*].
غَزوة بَني المصْطلق
وحلَّ شهر شعبان من السنة الخامسة للهجرة..
وبلغ رسولَ الله أن بني المصطلق، وهم فرعٌ من خزاعة، يتآمرون عليه، وأن زعيمهم الحارث بن أبي ضرار قد جمع الناس لحربه، وهو يتأهّب لغزو المدينة.. فنادى مؤذن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالاستعداد للخروج. والتف جيش الإِسلام حول راية الهدى لينطلق سريعاً تحت قيادة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى حيث يدعوه واجب الجهاد. واصطحب (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معه في هذا الخروج زوجه السيدة عائشة التي وقعت القرعة عليها - على عادته في مرافقة إحدى زوجاته في الغزوات - لتقوم على شؤونه الخاصة.
وخرج مع المسلمين جماعةٌ من المنافقين لم يخرجوا في غزوة قبلها، حتى نزلوا على ماءٍ قريبٍ من بني المصطلق يقال له المريسيع من ناحية قُدَيد إلى الساحل. ثم حاصروهم، ونادَوْا فيهم أن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوثق لهم عهداً بالأمان، ويرغّبهم في الإسلام. فحسبوا أنه تقاعس عن القتال، وراحوا ينبلون المسلمين بالسهام، إيذاناً بقتالهم، مما دفع المسلمين لأن يحملوا عليهم حملة رجلٍ واحدٍ، ويوقعوهم بشرِّ كيدهم، إذ قُتل منهم عشرةُ رجالٍ، وألقى الآخرون السلاح مستسلمين تحت وطأة الضغط القويّ الذى دهمهم. فأخذهم المسلمون أسارى، وغنموا أموالهم. وكان بين الأسرى جويرية ابنة زعيمهم، الحارث بن أبي ضرار، وقد وقعت في نصيب ثابت بن قيس الشمَّاس من الأنصار.
وأخلَدَ المؤمنون على الماء ينشدون الراحة. ومن أين تأتي الراحة؟ والمنافقون قد اندسُّوا بين صفوفهم، وهم لا يطيب لهم أن يسرَّ المسلمون ويهنأوا، فأَبَوا إلاَّ أن يعكروا عليهم صفو السرور، ويذهبوا عنهم نشوة النصر؟... وها هم يجدون الفرصة سانحة لتحقيق غرضهم. إذ بينما كان المقاتلون في هجوعهم، بعد هدوء المعركة، إذا بحادثةٍ فرديةٍ تقع، فيستغلّها المنافقون، الذين كانوا قد خرجوا مع المسلمين، على ما يبدو، للغنيمة فقط.
ذلك أن تنافراً قد حصل بين أجيرٍ لعمر بن الخطاب، يقال له جهجاه (من بني غفار)، وبين سنان الجهني (مولى لبني عوفٍ)، من الأنصار، وهما يتزاحمان على الماء، حتى وصل بهما الحال إلى أن تصايحا وتضاربا...
فصرخ سنانٌ: يا معشر الأنصار!...
وصرخ جهجاهٌ: يا معشر المهاجرين!...
ولم يأبه المسلمون (مهاجرين وأنصاراً) لهذه الدعوة الجاهلية، ورأوا فيها تصايحاً لا يتعدى رجلين مغضبين من بعضهما.. إلاَّ أنه لما بلغ ذلك عبد الله بن أبيّ بن أبي سلول وجدها الخبيث فرصةً جديدةً ليثير الفتنة بين المهاجرين والأنصار، فصرخ والغضب يتآكله، في رهطٍ من قومه، «أوَ قد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا (وهو يقصد المهاجرين)، والله ما عُدْنا وجلابيبَ[*] قريشٍ إلاَّ كما قال القائل: «سمِّن كلبك يأكلك! ولئن رجعنا إلى المدينة ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلّ»[*].
ولم يقف عند هذا التأليب وإثارة الفرقة، بل راح يلوم قومه ويعنّفهم وهو يقول لهم:
«هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم. أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوَّلوا إلى غير داركم[*]، ولحقوا بعشائرهم ومواليهم. ثم لم ترضوا بما فعلتم معهم من حُسنى، حتى جعلتم أنفسكم أغراضاً للمنايا، فقُتِلْتُمْ دونهم، فأيتمْتُمْ أولادكم وقَلَلْتُمْ وكثروا.. فلا تنفقوا على من حول رسول اللّه حتى ينفضوا جميعاً عنه، ويدوروا في أقطار الأرض، ليفتشوا عن أرزاقهم بعد أن تدركهم الحاجة».
وكان بين الرهط الذي جلس إلى ابن أبيّ الغلامُ زيدُ بن أرقم، فأخبر أباه بما قالَهُ ابن أبيّ فذهب إلى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأطلعه على ما يذرّ ذلك الرجل المنافق من أقوال تنمُّ عن الفتنة، فقال رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، دعوها فإنها فتنة»[*].
وبعث رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نفراً من المهاجرين والأنصار، لتهدئة النفوس، وإخماد نار الفتنة في مهدها. ثم جيء بالفتى زيدٍ ليتأكد منه النبيُّ بنفسه، مما قاله ابن أبيّ، والفتى يثبت صحة خبره، وهو يقول: واللهِ يا رسول اللّه، لقد أَخْبَرْتُ بما سمعتُ بأذنيّ هاتين!..
ومشى الخبر في صفوف المسلمين، بما فعله ابن أبيٍّ. وصار الشغل الشاغل، لما ينبئ عن شرٍّ مستطير، مما دفع عمر بن الخطاب (رضي اللّه عنه) أن يُشير على رسول اللّه قائلاً: «مرْ به عبّاد بن بشر فليقتله»[*]، ولكنَّ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يأنفُ أن يفعل ذلك، فيقول له: «فكيف يا عمر إذا تحدث الناسُ أنَّ محمداً يقتل أصحابه. لا، ولكن أذِّن بالرحيل»[*].
وسمع الناسُ نداء الارتحال، في ساعة لم يكن رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يرتحل فيها، فأيقنوا أنَّ أمراً قد أغضبَ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأحزنَهُ، فأتته جماعةٌ من الأنصار، ومعهم عبد الله بن أبيّ، فبادره الرسول قائلاً:
»ما هذا الذي بلغني عنك يا ابن سلول؟!».
قال المنافق: والذي أنزل عليك الكتاب بالحق، ما قلت شيئاً من ذلك قطُّ، وإن زيداً لكاذبٌ..
نعوذ بالله من هذا الرجل الشرير.. كيف يُقسمُ باللَّهِ كذباً؟ ثم كيف يرمي ذلك الفتى الصادقَ بالكذب؟ ثم أهذه هي أول مرة يقول رأس المنافقين أو يدّعي كذباً؟ أبداً، لأن المؤمنين ما عهدوا منه إلاّ الخداع والمكر والنفاق. فقد كان له في المدينة، بعد التظاهر بالاسلام، مقامٌ يجلس فيه كل جمعةٍ، ولا يتركه شرفاً له في نفسه وفي قومه - كما كان يدّعي - فكان إذا خطب رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم الجمعة قام ابن أبيٍّ فقال:
»هذا رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بين أظهركم أكرمكم الله به وأعزَّكم به، فعزِّروه وانصروه واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس». وظلَّ على تلك الحال من التظاهر الخادع، والزيف الماكر حتى خرج المسلمون يوم أحد، وكان منه ما كان.. فلما قام ليقول ما كان يقول من قبل، شدَّه المسلمون من أطراف ثوبه وأجلسوه عنوةً وهم يقولون له: «اجلس، أيْ عدو الله، لست لذلك بأهل، وقد صنعت ما صنعت».. فخرج مذموماً وهو يقول: والله لكأنما قلت قولاً معيباً أن قمت أشدد أمره، فلقيه رجلٌ من الأنصار بباب المسجد، فقال له: «ويلك! ارجع يستغفر لك رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) »، قال: «والله ما أبتغي أن يستغفر لي».
فتأملْ نفاقه، كيف كان يعلن في المسجد على ملأ المسلمين نصرة رسول اللّه، بخلاف ما يبطن له من العداوة، وكيف كان يواري بالكلام، ويوارب الحقيقة، حتى كشف اللهُ تعالى أمره.
وها هو من جديد يحاول على ماء المريسيع أن يخدع عدداً من الأنصار بقسمه أمام رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه لم يقل بحقه شيئاً، فيصدقه هؤلاء، ويقولون:
ـ يا رسول اللّه إنه شيخنا وكبيرنا، ولا نصدق عليه كلام غلامٍ من غلماننا، عسى أن يكون هذا الغلام قد فهم خطأ، ولم يحفظ ما قال الرجل!..
وسكت رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم يجب... فظنَّ أولئك الأنصار أنه أعذر ابن أبيٍّ، مما كان له أسوأ الأثر على زيد بن الأرقم، إذ فشَت الملامة من الأنصار عليه، وهو لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. وكان الارتحال قد بدأ، فجاء أسيدُ بن حضيرٍ إلى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فحيَّاه بتحية النبوَّة، ثم قال: «يا نبيّ الله، أراك وقد رحت في ساعةٍ منكرةٍ؟!. فقال له (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : أو ما بلغَك ما قال صاحبكم عبد لله بن أبيٍّ؟ قال أسيد: وما قال؟ قال رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلّ!. قال: فأنت رسول اللّه، تخرجه منها إن شئت، وهو والله الذليلُ وأنت العزيزُ»[*].
وأراد أسيدٌ أن يواسي رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال: «يا رسول اللّه، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله - تعالى - بك، وإنَّ قومه لينظمون له الخرز ليتوّجوه، فإنّه ليرى أنك قد استلبته ملكاً»[*].
وما كانت تلك المواساة، أو خلافها من الأعذار، التي يبديها الصحابة، لتشفع لابن أبيٍّ، فالرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعرف مقدار نفاقه وكذبه، ولكنَّه يأبى أن يقتتل الناس من جراء الأفاعيل التي يقوم بها مثل هذا الرجل، الذي يتظاهر بالصحبة والمحبة. فسار بالناس يومهم حتى أمسى، فلم يأمر بالوقوف. وتابعوا ليلتهم حتى أصبح الصباح، فظل متابعاً إلى انقضاء صدر النهار. وكان التعب والإِرهاق قد أخذا منهم كلَّ مأخذ، والشمس قد آذتهم بحرارتها اللاهبة، فحينئذٍ أمر بالنزول. ولم يكن من أولئك الناس عندما مسَّتْ أجسادهم الأرض إلاّ أن وقعوا نياماً. فظهرت حكمةُ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من ذلك المسير المُضني، إذْ أراد أن يُشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من ابن أبيٍّ، فوجدَ أفضلَ سبيل لذلك، أن يجعلهم يشغلون بأنفسهم وبما يصيبهم من تعب. وهكذا كان، فما استفاق الناسُ من النوم إلاَّ وكان كثير من اللغط والتشويش قد ذهب...
ورأى بعضُ الصحابة الأخيار أن يتخلّصوا من المنافق عبد الله بن أبيٍّ بن أبي سلول فجاؤوا يعرضون على رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأن يأذن لهم بقتله، ولكنَّه نهاهم عن ذلك، وقال لهم:
»بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا».
وراحَ بعض الأنصار إلى ابن أبيٍّ يستحثونه على الاعتذار من الرسول، والندم على فعاله، فيستغفر له رسول اللّه، ولكنه أنكر عليهم ذلك، وراح يلوي رأسه مستكبراً، وهو يقول:
»أمرتموني أن أؤمن فقد آمنت، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت، فما بقي إلاَّ أنْ أسجد لمحمد»...
منافق وفاسق.. فتنزَّلت الآيات التي تفضحه، وتفضح المنافقين أمثاله، وتعلن عن استكبارهم وفسوقهم، بقوله تعالى:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ *سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ *هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ *يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ *} [المنَافِقون: 5-8].
أو بعد تلك اللعنة السماوية يا ابن أبيٍّ من ادّعاءٍ بالعزَّة؟ ولله العزَّة ولرسوله وللمؤمنين، أو بعد تلك الآيات البينات تخفي نفاقك؟.. لقد كذَّبك قرآن الله تعالى المجيد، فعش في هذا الخزي مخذولاً مدحوراً إلى يوم حسابك! أنت وجميع المنافقين..
وأنت يا زيد بن الأرقم، أيها الفتى الصادق الصدوق، هل ما زلت تتباعد عن القوم، وتتحاشى الاحتكاك بهم؟!..
لا يا غلام الأنصار! وحقك ما قلت إلاَّ الصدق، وهذا رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الكريم يبعث من يأتي بك، فهلمَّ إليه يبارك جرأتك، ونفحة إخلاصك..
ويدنو زيدٌ بن الأرقم من رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والخوف الممزوج بالخَفَر يعلو وجهه، فيظل مطأطىء الرأس، ولكنَّ الرسول الأعظم يأخذه من يده، ويجلسه بقربه، ثم يؤذّنُ في أذنه، بما يملأ نفسه عطفاً وحناناً، ويقول له:
»يا غلام! صدق قولك، ووعت أذناك ما وعى قلبك، وقد أنزل الله فيما قلت قرآناً».
وجذل زيدٌ.. فحمد الله (تعالى) على أن أبانَ صدقه، وقام يشكر رَسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على ما امتنَّهُ به من البركة والإِيناس، ثم بَعُدَ إلى وسط القوم، يتلقّونه بالترحاب، ويُسَرُّونَ عنه ذلك الهمّ الذي حمله في طيات قلبه.
وذهَبَ إلى عبد الله بن أبيّ مَنْ يخبره بأَنْ: أُنزِلَ فيه آيٌ شدادٌ، وقد أذاعَ بها رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو يتلوها على مسامع المسلمين».
فقال مأخوذاً: وما هي تلك الآيات؟.
فلما أسمعوه إيّاها، شعر وكأنَّ الأرض زلزلت به زلزالاً عظيماً، وأوشك أن ينهار ويسقط عن راحلته، ولكنَّ عنفه، وقساوة قلبه جعلاه يتماسك، ويتابع المسير..
في تلك الأثناء، وقد ظهر الحق من الباطل، ظنَّ الناس أن رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قاتلٌ ابن أبيّ لا محالة.. فجاءه ابنُه، وكان اسمه عبد الله ـ كاسم أبيه - يقول:
«يا رسول اللّه! إنه بلغني أن بعض الصحابة قد أشاروا بقتل عبد الله بن أبيّ فيما بلغك عنه. فإن كنت لا بدّ فاعلاً فمرني به، فأنا أكفيكَهُ!.. فواللَّهِ لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجلٍ أبرَّ بوالديه مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تَدعُني نفسي أنظر إلى قاتلِ أبي يمشي في الناس، فأقتله، فأكون قد قتلت رجلاً مؤمناً بكافر، فأدخل النار»[*].
وعادَ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يردد على مسامعه، ما قاله للنفر من الصحابة قبله، بأنه لا يرغب في قتله، وإنما يترفَّقُ به ما بقي في جوار المسلمين. فقد كان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعلم هذا المنافق - ظاهراً وباطناً ـ، لكنَّهُ يأبى إلاَّ أن يكون المثل في التسامح.. أمَّا النوايا وخفايا الصدور، فلا يحاسب عليها إلاَّ اللَّهُ سبحانه..
وتابعَ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) طريق العودة من غزوة بني المصطلق، بعد تلك الليلة، التي نال فيها المسلمون قسطاً من الراحة، وكان ما كانَ مما فعل، عبد الله بن أبيّ، فكان همُّهُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يعجّل بالمسير حتى يفوّت على المنافقين إعادة ذرّ رماد الفتنة بين المهاجرين والأنصار.. واستأذن عبد الله بن عبد الله بن أبي سلول رسولَ الله بالتقدم عن الركب، ثم انطلق إلى باب المدينة، ينتظر أباه، ويسدُّ عليه الطريق، فصرخ فيه أبوه: ويلك، ما لك؟! قال ابنُه: واللَّهِ لا تدخلها حتى يأذن لك رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فإنه العزيز وأنت الذليل[*]... وظلَّ هذا الابن - الذي كان إخلاصُهُ للَّهِ ورسولِهِ يملأ كيانَهُ - على موقفه حتى جاءه الخبرُ من الرسولِ: أنْ خلِّ عنه،.فليدخل.. عندها قال لأبيه: «أما وقد جاء أمر رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فنعم».
حديث الإفك
وتفرَّق المسلمون إلى بيوتهم وأهليهم. ووقف رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ينتظر زوجَهُ عائشة أن تنزل من الهودج، إلاَّ أنها لمْ تظهر، فسأل الرجلَ الذي كان يقودها، فقال بأنه أخذ بزمام البعير وهو يظن أنَّ حرم رسول اللّه في داخل هودجها، وسار مع الركب كعادته، دون أن يخطر بباله أن تكون قد تخلَّفت عن المسير...
وشدَّ نفرٌ من الصحابة يريدون الرجوع إلى الطريق بحثاً عن زوج الرسول، فإذا بها تطلُّ، وقد اعتلت ظهر بعير صفوان بن المعطل السُّلَمي، الذي كان يجرُّهُ من أمامها..
وانتشر في المدينة خبرُ تخلّف حرم رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ووصولها المتأخّر - قليلاً ـ كمثل انتشار النار بالهشيم، وذلك بحملةٍ دعائيةٍ مغرضةٍ، تولاها عبد الله بن أبيّ بن أبي سلول، وجماعته من المنافقين، ومراده أن يثأر من «محمدٍ» بخاصة، ومن المسلمين بعامة، وهو يشيع بين الناس، وبكل قحةٍ ووقاحةٍ: امرأة نبيّكم تخلَّفت وراء الركب، ثم لحقت بالمدينة على بعير رجل غريب!...
وسَألَ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) زوجَهُ عن سبب تأخرها، فقالت له:
«لما غشي القومَ النعاسُ، نمتُ، ولكنني استفقت في الليل، فرُحْتُ بعيداً لبعض حاجتي، فانسلَّ عقدي الذي فيه جَزْع ظُفَار[*]، دون أن أشعر به في الظلام الدامس. فلما رجعت إلى الرحل، التمسته في عنقي فلم أجده، فعدت أبحث عنه حتى وجدته، فلما رجعت كان الناس قد انطلقوا فآثرتُ البقاء في مكاني مُتَلَفِّفَةً في جلبابي، ورحتُ أنتظرُ مذعورةً، مقهورةً، علَّ الذين يرحِّلون لي البعير يفتقدونني فلا يجدوني، فيعودوا أدراجهم للبحث عني. ولكنهم لم يفعلوا. فظللتُ على حالي، حتى سمعت صوت حركةٍ، فصرخت من مكاني: هاأنذا هنا، عائشة، زوج رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال رجل:
ـ إنا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم؟
فلمَّا سألتُهْ من يكون، أجابني بأنه يُدعى صفوان بن المعطل السلَمي، وأنه قد تخلّف عن الركب للمهمة التي يتولاها[*]، ثم أسرع يقدِّمُ لي بعيره، وهو يقول: اركبي، يرحمك الله. وقد استأخر عني الرجل حتى ركبت، فأخذ برأس البعير، وانطلق به سريعاً، فوالله ما أدركنا الناس، حتى قدمنا المدينة».
ولم يرَ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما يضيرُ، فالأمر عادي، ويمكن أن يحصل مع أي امرأة ذهبت لقضاء حاجتها في ظلام الليل، وفي برية قفراء من الناس.. ولكن ما إنْ صلَّى المغرب بالمسلمين حتى تقدم بعض الصحابة، يخبرونه بأنَّ المنافقين، وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ يشيعون كلاماً شنيعاً حول تأخر حرمه عن الركب، فاغتاظ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من البهتان الذي يفترونه، ولكنه احتسب اللَّهَ (تعالى) ودخل إلى سكنِهِ مهموماً، حزيناً..
وراح أهل النفاق في المدينة، يكثرون من الإفك، والرسول يحتسب أمره إلى ربه (تعالى)، دون أن يذكر لزوجه شيئاً.. إلاَّ أنها أحسَّت بجفاءٍ منه، وبخاصة بعدما اشتكت شكوى شديدة، فما تلطف بها، ولا رحمها كعادته في مرضها، بل كانت تأتي أمها (وهي أم رومان)، زينب بنت عبد دُهمان من بني كنانة[*] تمرّضُها. فلما رأت من جفائه لها ما رأت، استأذنته أن تنتقل بها إلى بيت أبيها لتتولى تمريضها هناك، فأذن لها الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بذلك.
وإزاء هذا الوضع الخطير الذي حبكه المنافقون، والذى شقَّ كثيراً على الرسول الأعظم، خطبَ في المسلمين، وكان مما قال: «أيها الناس! ما بال رجالٍ يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق؟ والله ما علمت منهم إلاَّ خيراً. ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلاَّ خيراً، وما يدخل بيتاً من بيوتي إلاَّ وهو معي»[*].
وهنا وقف أسيد بن حُضير[*] وقال: يا رسول اللّه، إن يكن الذين يتحدثون بهذا الحديث من الأوس نكفكهم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك[*].
فأثارت مقالتُه سعدَ بن عبادة[*] (من زعماء الخزرج) فقال لأسيد: أما والله ما قلتَ ذلك إلاَّ أنك قد عرفت أنهم من الخزرج (ويعني ابن أبيّ وجماعته من المنافقين) ولو كانوا من قومك ما قلت هذا!!.. وكاد أن يقع بين المسلمين شرٌّ لولا أنَّ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تدارك الموقف، وأبدى للناس أنه يترك الأمر لله تعالى. فهو القادر على أن يظهر الحق، ويميز الخبيث من الطيب، والمنافق من المؤمن..
وطالت المدة، والسيدة عائشة ما تزال عند أهلها الذين كبلتهم الكآبة، وأحزنهم الهمُّ كثيراً. وهي لا تدري من الأمر شيئاً، بل كانت شكوكها تزداد حول عدم اهتمام زوجها بمرضها، وإبداء رغبته بالعودة إلى بيتها، حتى علمت بالأمر من أم مسطح ( وكان ابنها مسطح من المرجفين بالإفك)، فجاءت إلى أمها تلحُّ عليها بأن تخبرها بجلية الأمر. ولمَّا لم تجد هذه الأم التقية[*] ما تدفع به إلحاح ابنتها، ورجاءها وهي تسترحمها، أخبرتها بما تلوكها به ألسنة السوء، فوقع عليها مثل ذلك الإرجاف كوقع الصاعقة، وأذهلتها المفاجأة فاندفعت إلى غرفتها باكيةً، ناحبةً، شاكيةً..
ومضى قرابة الشهر، وأهلُ الإفك ما يزالون ممعنين في الغيّ!. بينما كانت السيدة عائشة تذوي يوماً بعد يوم، حتى أنهكها الضعف، وخاف عليها أبواها من الاعتلال، وهي لا تكلم أحداً، بل تقول: إنِّي أشكو أمري إلى الله!
ولما وصل أمر أهل النفاق إلى الحدّ الذي لا يطاق، جاءَ الفرج بالوحي الإلهي. ونزلت براءة السيدة عائشةٍ، براءةً خالصةً، ناصعةً، مثلما نزل التوعّدُ لعصبة الإفك - بما اكتسب كل امرىء منهم من الإثم، ولاسيما الذي تولى كبره - بالعذاب العظيم، وذلك بقوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ *} [النُّور: 11].
ولكن من هو الذي تولَّى كبرَ ذلك الإِفك المقيت، ومن الذي توعَّدَهُ ربُّ العرش العظيم بعذاب عظيم؟.. إنّه عبد الله بن أبيّ بن أبي سلول، كبير المنافقين، وشيخ الأفاكين.
لقد استعمل ذلك الكافر المنافق كل أسلحة الغدر والخيانة حتى ينال من رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فما قدر. فأراد أن يؤذيه في عرضه، ولكنَّ الله (تعالى) أظهر إفكه وبهتانه فارتدَّ كيدُهُ إلى نحرِهِ..
ولكن لماذا يا ابن أبيّ كل ذلك الحقد على محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أمِنْ أجل ملكٍ زائلٍ كنتَ تأمل به؟! واللَّهِ لو كنت من الذين أرادَ اللَّهُ بهم خيراً، لعلمت أنَّ ما عند الله خيرٌ وأبقى .. وأنَّ كل ما في الدنيا لا يوازي ساعةً من نعيم الآخرة.. ولكنَّها نفسك الأمّارة بالسوء هي التي جعلتك يا ابن أبيّ كبير أهل النفاق، بل ورئيساً في الفسق والتآمر والعصيان!.. فماذا بعدُ، ألمْ تحسب للموت حساباً؟.
لا، لم يعد لدى ابن سلول - بعد الإفك - أي سلاحٍ يمكن أن يقوى فيه على محمدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وجلُّ ما بقي له ذلك الحقد الدفين في قلبه، بل حتى الحقد نفسه لم يعد قادراً على الاحتباس في قلب مثل هذا الرجل المنافق، المخادع، الكاذب، فانفجر يمزّق القلب الذي حبسه، ويقطع أوصاله ليذيقَهُ الموتَ الزؤام، ثم لِيقذفَ به إلى عذابٍ عظيمٍ أعدَّه له الله (تعالى)، جزاءً على أفعاله المنكرة..
وصَدَقَ الله العليُّ العظيمُ وهو يقول لرسوله الكريم: «لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم».
بل هو خيرٌ لكم ليمحّص اللّهُ المؤمنين من المنافقين..
أجل إنه خيرٌ للمسلمين جميعاً، وقد أماتَ سبحانه وتعالى عبد الله بن أبيّ بن أبي سلول بقهره وغمّه، بعد فشل كل مخططاته الخبيثة، ليرتاح المسلمون من نفاقه وكذبه..
وهو الخيرُ من نعمة الله تبارك وتعالى، ينزل في سورة النور من القرآن الكريم آياتٍ بينات، لتكون شرعاً دائماً في الإِسلام الذي يريده الله تعالى ويريده رسولُهُ العظيم شرعاً سويّاً للناس كافةً..
فحادث «الإفك»، أو «حديث الإِفك» - كما يُقالُ عنه - لا يعدو كونه أمراً عادياً، غيرَ جديرٍ بأن يُثير شبهةً، إذ إنه لم يزد، في وضعه الطبيعي، عن أن سيدةً فاتها الركبُ - حتى ولو كانت زوجَ رسول اللّه - على حين غفلةٍ منها ومنهم، فأدركها تابعٌ للركب، فاحتملها حتى ردَّها إلى مأمنها..
ولم يكن ينبغي لأحد أن يكون عنده أدنى شكٍّ في أمر تلك السيدة لأنها زوج رسول اللّه، وهو (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أكرم على ربه - تبارك وتعالى - أن يجعل تحته امرأة يمكن أن يُشَكَّ بوفائها، وحرصها على كرامتها، وحفاظها على شرفها، وصون طهارتها. كما لا ينبغي لأحد أن يَشُكَّ ولو بمقدار ذرةٍ في أمر ذلك الرجل، صفوان بن المعطَّل لأنه من الصحابة الأبرار المؤمنين، الذابين عن الإسلام ورسوله الذين كانوا يضحّون بالغالي والنفيس لإعلاء كلمة الله (تعالى)، فكان - حقاً - كما شهد له رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : بأنه ما علم منه إلاَّ خيراً !. فالسيدة عائشة زوج رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ بعفتها وطهارتها أكرم على ربها من أن يبتليها بالسوء الذي جاء فيه أهل الإفك، وإيمانُ الصحابي صفوان بن المعطّل، الذي ما علم منه رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والمؤمنون إلاَّ خيراً. نعم إنَّ هذين الأمرين يكفيان بذاتهما لإِبعاد أي تصورٍ غير أخلاقيٍ، وغير مستساغٍ لا ذوقاً ولا إحساساً، حتى ولا عقلاً أو فكراً.. لأن من الطبيعي، أن يُصادف ويتخلَّف أحد من الركب - رجل أو امرأة - لحاجة أو ضرورة، بل وهذا ما تحفل به حياتنا اليومية باستمرار، فكيف والأمر يتعلق ببيئةٍ صحراويةٍ لها ظروفها وطبيعتها؟..
وإذا كان في الحادث ما يلفت إلى معالجة الشأن الفردي، وهو تقديم يد العون والمساعدة لأي محتاجٍ لهما، سواء أكان امرأةً أم رجلاً، في الحياة.. فإن القرآن الكريم لم يقف عند هذا الحد، ولم يكتف بنفي التهمة الشنيعة وإبعاد سوء الظن عن النفوس المؤمنة - وعن السيدة عائشة بالذات في ذلك الظرف الذي وجدت فيه - بل عالج موقفاً إنسانياً شمولياً بالحكم الذي من شأنه أن يصونَ الأعراض الطاهرة، وحرمة البيوت الشريفة، ثم ليقطع على ألسنة السوء والكذب الاستمرار في الأراجيف. وكل ذلك حفظاً للمجتمع الاسلامي من فساد المفسدين.. فقد بدأت آيات «سورة النور» بتحديد العقوبة الزاجرة لحد الزّنى، وأمرت بإيقاعها على الزناة بلا شفقةٍ ولا رحمةٍ.. وأن يجري ذلك على مرأى من الناس ومسمعهم، حتى تكون فيه الموعظة الكافية، والعبرة الوافية، وما ذلك إلاّ لأنَّ الزنى جريمةٌ تدنّس الناس، وتترك أسوأ الأثر في إفساد المجتمع، وإهدار الكرامة، وتضييع النسل..
ومثل هذه الجريمة لا يأتيها إلاَّ من خبثت نفوسهم، وماتت ضمائرهم، وفسدت عقيدتهم.. أما المؤمنون الأطهار، فهم بحكم إيمانهم وتقواهم، أبعد ما يكونون عن هذه الفاحشة الكبرى، لقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *} [النُّور: 2].
ثم أعقبت هذه الآيةَ المباركةَ التي تقرِّرُ حدَّ الزنا آياتٌ أُخر فيها حدّ القذف وهدفها تحصينُ المجتمع الإِسلامي من شر أولئك الفساق الذين يَلِغون في أعراض الناس بغير علمٍ، ويهدرون كرامات البيوت الشريفة، فألزمتهم بإقامة الدليل القاطع، والبرهان الذي لا يقبل الشك على صدق ما يتقوّلون به على الناس، وذلك بأن يأتوا بأربعة شهداء. فإن لم يأتوا بهؤلاء الشهود الأربعة، فإنَّ لهم العقاب الرادع، والهوان اللاذع، حتى يرتدعوا عن الخوض في أعراض الناس، وفي هذا نزل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *} [النُّور: 23].
{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [النُّور: 4-5].
ولمَّا كانت الأعراض مما ينبغي أن يصان، والحديث حولها مما قد يسرُّ ضعاف النفوس، ويستهوي الفسَّاق والمستهترين.. ونظراً لما للخوض في الأعراض من خطورةٍ على المجتمع، قد تُعرّض سمعته للهدر، وتودي بكرامات الناس للضياع.. فقد خَتَمَ الله سبحانه وتعالى - الخبير الحكيم - قوله عن «الإفك»، بهذه القاعدة الاجتماعية العامة التي تهدم التهمة من أساسها، والتي تصلح ميزاناً للحكمٍ على كل فردٍ، وعلى كل جماعةٍ، في كل زمانٍ ومكانٍ، بقوله تعالى:
{الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ *} [النُّور: 26].
هذه حادثة الإِفك كما يبيّنُها القرآن الكريم. وهي في ظروفها وملابساتها، كانت سبباً لكي يشرع الله سبحانه ما شرّع من الحدود لحماية المجتمع الإِسلامي من عقوبة الزنى، ومن عقوبة القذف في أعراض المؤمنات. وشدّد ما شدَّد في إثبات هذه الجريمة المنكرة، حتى لا يؤخذ البريء فيها بفرية مفترٍ أو إرجافِ مُرجف، وحتى لا تكون أعراضُ الناس منالاً لكل حاقدٍ، وهدفاً لكل رامٍ، وعرضةً لكل أفَّاكٍ أثيمٍ، وصدق العليُّ العظيم بقوله تبارك وتعالى {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [النُّور: 11].
فقد أزاحَ الله (تعالى) كل ما اكتنف حادثة الإِفك من غموضٍ، وظهرت الحقيقة جليةً ناصعةً ببراءة أم المؤمنين السيدة عائشة وحصانتها، وردَّ كيدَ المنافقين وأخزاهم، وكان في ذلك رضاءٌ لنفس رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فشعر بالارتياح، وحقَّ له أن يخلد إلى فترةٍ من الهدوء والسكينة.
ولكنْ مَنْ كان هو «محمد» الإنسان الذي يرنو دائماً ببصيرته وبصره إلى ربه تعالى، يستلهمه في معرفة حقائق الوجود بأسره، ومن كان هو رسول اللّه، وخاتم النبيين، فهل يطيب له قرارٌ من عيشٍ، إن لم تبلغ رسالتُهُ المدى الذي يريدُ الله تعالى أن تبلُغَهُ؟.
فلا يمكن - إذن - للرسول الأعظم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاَّ أن يبقى دائم التفكير بهذا العالم المنحرف، حتى يصلَ به إلى الإِيمان الحق، الكفيل بأن يُخلِّصَهُ من الأثقال التي ترهق كاهله، وأن يحرره من القيود التي تعوّق تقدمه، ويجعله صاعداً في معارج النضوج الفكري، والسمو النفساني..
أجل، ذلك كان الانشغال الفكري لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .. أما اهتماماته بنشر الدعوة، وصون المجتمع الاسلامي، بل وعنايته بأَحوال الناس، جماعاتٍ وأفراداً، فكانت شغلَهُ الشاغلَ في جميع الأوقات والأحوال. وهذا مثالٌ حيٌّ ينبئُ عن ذلك عندما تستأذن بالدخول عليه امرأة لا يعرفها، فتقول له بصوتٍ تملأه نبرات الشكوى والاستعطاف:
»يا رسول اللّه! أنا جويرية بنت الحارث، سيد بني المصطلق، وقد أصابني من البلاء ما قد علمت، فوقعت من نصيب ثابت بن قيس بن الشماس، فكاتبني على تسعِ أواقٍ من الذهب، فجئت أستعينك لتدفعها عني وتردّ إليَّ حريتي»..
زواج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بجويرية بنت الحارث
وأطرق رسول لله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قليلاً، ثم طلب إليها أن تعود إلى دار الصحابي الذي وقعت في نصيبه حتى ينظرَ في أمرها... ولكن منذ أن خرجت تلك المرأة من عنده، ترامى فكره إلى البعيد.. إلى هدفٍ يراه في مصلحة الإسلام والمسلمين.. بل ولعلّه يطاول الإنسانية كلها..
فهؤلاء بنو المصطلق، أسارى عند المسلمين، أي أنّهم وفقاً للأعراف السائدة في ذلك الوقت - أرقّاء في نظام للعبودية جائرٍ، يسود الأرض كلها وقد قبلت به البشرية، عبر الأجيال، نظاماً يتحكم في رقاب العباد، ويجعلهم بمثابة سلع تباع وتُشرى في أسواق النخّاسين!.. فماذا يمكن لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يصنع بأسرى بني المصطلق، وقد صاروا غنائم، ولكل من الصحابة نصيب من السَّبْيِ هو حق له؟! فهل يجوز لرسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يسلب الناسَ حقوقهم والغنائم شرَّعها اللّهُ تعالى حلالاً؟! ثم، ماذا يمكن أن يقول الصحابة، فيما لو عُرِضَ عليهم الهدفُ الذي يرمي إليه رسول اللّه، وكلهم يعلم بأنَّ بني المصطلق لم يكونوا ليرحموهم لو كتب لهم الظفر عليهم؟!.
ولكنَّ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على يقين بأن الصحابة - في الغالب - أخيارٌ، قد طُبعَ الإسلام في قلوبهم، وهم رحماءُ فيما بينهم، ولا شيء يمنع أن يكونوا رحماء مع الأعداء الأسارى، إذا كان في ذلك ما يخدم مصلحة الدعوة..
ثم أليست تلك الجارية، كانت إلى الأمسِ القريب من الحرائر، بل وابنة سيد بني المصطلق؟ وها هي اليوم قد أصابها بلاء الرقّ الذي حرمها - كما يحرم كل رقيقٍ - من عزّته وكرامته؟!..
كل تلك الأمور كانت مدار التفكير عند رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولا بدَّ أن يتخذ الخطوة الأولى، ويترك الأمر لله سبحانه، الذي يعزُّ من يشاء، ويذلُّ من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير..
ومن منطلق هذا التفكير النبوي، بعث رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في طلب ثابت بن قيس، فقال له: أدفع لك كتابتك لجويرية بنت الحارث، وأتزوجها..
قال ثابت: إني أعتقتها يا رسول اللّه - صلى الله عليك - بلا فديةٍ، ولا مِنَّة.. ثم انطلق ثابت إلى بيته، فنادى على المرأة، يهبُها حريتها إكراماً لرسول اللّه (ص)، وهو يقول لها: «أنت حرةً يا ابنة الحارث».
وبُهتتِ المرأةُ ولم تصدِّق، ولكنها استدركت، فسألته:
وهل دَفَعَ لك رسول اللّه ما كاتبتني عليه؟.
قال ثابت: بل وَهَبَني أفضلَ مما هو من المال، ومن قناطير الذهب والفضة؟.
فسألته جويرية بدهشةٍ:
ـ لا أفقه ما تقول أيها الرجل!
قال ثابت: لقد أكرمني رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأن طلبك زوجاً مني.
وتجد جويرية في نبرات ثابت بن قيس ما يُبعد عنها أي شكٍّ قد يراودها حيال هذا الأمر، فتحسُّ في أعماقها خلجاتِ الراحة والاطمئنان، فتقول، والعبرات تتلاحق من مآقيها: «أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهد أن محمداً رسول اللّه».
ويطير الصحابي فرحاً بإسلام جويرية، فيقول لها:
ـ هنيئاً لك إسلامك يا أختاه، وهيَّا بنا إلى رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فهو بانتظارنا..
ويشهد أهل المدينة زواج رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بجويرية بنت الحارث، فيقول المسلمون:
ـ وكيف نسترقُّ بعدُ أصهارَ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ؟!.
ويقبلون على بني المصطلق معتقين لهم، ومحررين إياهم من رق الأسر، وجبروته على الإنسان..
ويدرك بنو المصطلق عظيم ما فعله المسلمون، وهم يمنحونهم الحرية بلا قيدٍ أو مِنَّة، فيقبل جمعٌ كبيرٌ منهم على الإِسلام مهتدين، وتكون جويرية هي صاحبة البرِّ بهم، كما قالت عنها السيدة عائشة: «فقد أعتق بتزويج رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إياها مئة أهل بيتٍ من بني المصطلق، فما أعلم امرأةً كانت أعظم على قومها، بركةً منها»[*]. وعاشت أم المؤمنين جويرية في بيت رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) زوجة كريمة معززة، وكانت كثيرة الاجتهاد في العبادة لله تعالى: فقد خرج (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوماً من عندها بعد صلاة الفجر، ثم رجع بعد أن أضحى وهي ما تزال في مسجدها. فقال: مازلتِ على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم. قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : لقد قلت بعد الصلاةِ أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وُزِنتْ بما قلتِ منذ فجر اليوم لَوَزَنَتْ ما قلتِ كلَّه: سبحانَ اللَّهِ وبحمدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، ورضا نفسِهِ وزِنَةَ عَرشِهِ ومِدادَ كلماتِه[*].
صحيحٌ أن جويريةَ كانت مباركةً على بني قومها، ولكن بفضل تقدير رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتدبيره. فهو ببصيرته النافذة، ورؤيته الصادقة قد وازن بين ذل العبودية وكرامة الإِنسان، فرأى أن الخير كله في السعي لتحقيق كرامة الانسان، وهو، وإنْ لم يكنْ قد ألغى نظام العبودية في الأرض، إِلاَّ أن عمله هذا قد أسّس لفكرة اجتثاث ذلك النظام الفاسد في دنيا الناس جميعاً..
ومن هذه المنطلقات الإِسلامية كان على رسول لله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يتخذ زواجه بجويرية بنت الحارث سبيلاً لتحرير بني قومها، وخصوصاً أنه لا يريد أن يُلزم المسلمين إلزاماً بهذا التحرير، بل يدعه ينطلق من قناعاتهم، تماماً كما جاءت الأحداث تثبت صدق يقينه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فيما قدَّر وفعل...
زواج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بزينب بنت خزيمة
وما كان هذا الموقف الرائع هو الأول من نوعه في حياة محمدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فمِنْ قبل - في السنة الثالثة للهجرة - كان قد تزوّج زينب بنت خزيمة، العامرية الهلالية، بعد وفاة زوجها عنها، عبد الله بن جحش الذي استشهد يوم أحد[*].. وما كان زواج النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بهذه المرأة - التي أقامت عند النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمانية أشهر، ولعلَّها أمضت تلك الفترة في المرض - إلا من أجل حمل الناسِ على الصنيع الجميل. ذلك أن السيدة زينب بنت خزيمة كانت قد اشتهرت بالإحسان للفقراء، والحدب على الضعفاء حتى لقبت بـ «أم المساكين»، فمَنْ أوْلى منها أن تحمل لقب «أم المؤمنين» لكثرة مبرّاتها وخيراتها التي كانت تقدمها إلى أولئك المحرومين[*].
ولَفتاتُ محمدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في العمل الإِنساني أكثر من أن تُعدَّ أو تحصى.. وما كان زواجه مِنْ أم سلمة إلاَّ من هذا القبيل.. فهذه المرأة هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة من (بني مخزومٍ) وزوجها أبو سلمة عبد اللّه بن عبد الأسد بن عمرو المخزومي (وأمّهُ برَّة بنت عبد المطلب). كان أول من هاجر من بني مخزوم إلى الحبشة، وله ثلاثة أولاد: سلمةُ وعمر ودُرَّة، وولدت له بأرض الحبشة زينب، فهو من المهاجرين الأوائل.. فلما كانت معركة «أُحد» أبلى بلاءً حسناً، ثم جرح، غير أنه انتَصَرَ على جراحه، وعادَ إلى سابق عهده، فقاد كتيبة من المسلمين لغزو بني أسد، وكتب الله سبحانه له النصرَ، والظفرَ بهم. ولكنَّه لم يلبث طويلاً بعد رجوعه إلى المدينة، حتى التهب عليه جرحُهُ القديم فقضى عليه، مخلِّفاً وراءه امرأةً ذات عيالٍ، وليس عندهم من يعولهم لأنهم في دار الهجرة وأحوال المسلمين في تلك الأيام أميل إلى الحاجة والفقر، بسبب توزيع موارد العيش بين المهاجرين والأنصار، فما رأى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سبيلاً يردُّ بها عن هؤلاء الأطفال - أولاد الصحابي البدريَّ، الأحديّ، الذي ناضل، وجاهد في سبيل الله، وأمهم الكريمة، ابنة أحد أجواد العرب، الذي لقب بـ «زاد الراكب» فلا يسافر معه أحدٌ إلاَّ كفاه مؤونته وأغناه[*] - أجل، لم يرَ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يردَّ عن أم سلمة وأبنائها غائلة الجوع والحرمان، ويبعد عنهم مرارة الحياة، وشبح اليتم، خيراً من الزواج بأمهم، حتى يوفّر لهم الرعاية الصالحة، ولأمّهم المكانة الرفيعة.. فكان زواجُهُ بأمّ سلمة كي يحتضن صغارها، وينزلها المنزلة التي تستأهلها، إذ قد شهد لها الصحابة - جميعاً - بالفضل الكبير، فكانت ذاتَ يُمْنِ وبركة لأنها صحبت النبيَّ في أكثر غزواته الكبرى مثل خيبر، وفتح مكة وحصار الطائف وغزوة هوازن وثقيف والحديبية وحجة الوداع.. فضلاً عمَّا كانت تتميز به في ورعها ورجاحة عقلها ونُصح أمهات المؤمنين، الأخريات، وغيرها من الفضائل التي تخلّد ذكرها بين الصالحين والصالحات..
هذه بعض آثار محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الإِنسانية، السامية..
فتارةً ينشدُ تدعيم أسس السلوك السوي والخلق السليم، كما فعل مع زينب بنت خزيمة، التي اشتهرت بأخلاقها وشمائلها.
وتارةً يهدف إلى تشييد صروح الحدَب والرحمة، كما فعل مع أبناء أبي سلمة، فقد بلغت حفاوته بهم مبلغاً كبيراً عوّض عنهم ما فقدوه وعاشوا معه كأولاده (صلّى الله عليه وآله وسلّم) [*]..
وها هو مع بني المصطلق يروم تحرير الإِنسان، فلا يُسَجَّل على محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تكريسُ الرق، بل يُشهد له بكراهيته، والعمل على إلغائه، فيكون قد أرسى قاعدة منعه، ومحاربته بطريقته الخاصة التي يتمثّل الناس بها، من أجل محاربة الرق والقضاء عليه. بل وكان التنزيل الحكيم هو الذي يشجع دائماً على عتق الرقاب، وتحرير العبيد، إذ جعل في مطلع كل كفارة عن ذنب قد يقترفه المسلم «تحرير رقبة».. وهذه الأفكار كان المسلمون يطبقونها في الوقت الذي كان الأعداء يسترقّون من المسلمين. من أجل ذلك رأى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وجوباً عليه الزواج بـ «جويرية» بنت الحارث، حتى يضع أول الأسس لإِلغاء الرق في العالم كله، وذلك من زاوية النظرة إلى كرامة الإنسان الذي خلقَهُ ربُّهُ فأحسن خلقه وأكرمه.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB