خَاتَمُ النَّبييِّن مُحَمَّد (ص) (الجزء الثاني)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1568
تاريخ النشر :   2006




إنشاء الدولة الإسلامية

بين مكة ويثرب:
... ودخل رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مدينةَ يثربَ..
وكان دخوله نقطة تحوّلٍ لتاريخ جديدٍ يفصل بين مقوّمات الوجود الأرضي كله...
أما البداية فكانت يومَ أن اتَّخذ سيد الخلق محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قراره بالارتحال عن مكة، فطوى التاريخ صفحاته القديمة، واستأنف مسيرته بين يدي صاحب القرار، حتى بلغ يثرب، فأناخ التاريخ رحاله، ليسطِّر صفحات جديدة في عمر الزمان، كانت أحداثها انطلاقةً لعهود يجب أن تعرفها البشرية على حقيقتها، حتى تكون نوراً هادياً للفكر الإِنساني، ما بقي الإِنسان في مسيرته على هذه الأرض، وطالما أدرك - وتذكَّر - بأنه سيترك يوماً هذه الحياة، ليلقى ربَّه وخالقه في نهاية المطاف.
ووقف التاريخ يتأمل فيما حوله، فإذا هو يرى في يثرب كلَّ شيء مختلفاً... فبالأمس كان يرقب في مكة حياة مغايرة تماماً، كانت في جُلِّها باهتة، جدباء مقفرة.. ولولا أن جعلَ الله سبحانه في أم القرى آيته الخالدة، الكعبة الشريفة، لما كان لأحدٍ أن يطيق البقاء فيها، أو أن يتخذها موطناً له.. ذلك أن مكة في موقعها الجغرافي ليست أكثر من واد مقفر، أحاطت به الجبال من كل جانب، فحصرته بشدة، وضيّقت عليه الخناق، حتى لتكاد تلك الجبال تتلاصق، أو يتصل بعضُها ببعض من نواحي الشرق والغرب والجنوب... ويزيد في قساوة بقعتها، أنها عبارة عن أرضٍ صخرية صلبة، لا تتيح للزرع أن ينبت إلا فيما ندر، ولا للشجر أن ينمو إلاَّ فيما قلَّ. وهو على ندرته من حواليها لا يظهر إلاَّ باديَ الضمور كما يشاهَدُ في نبات السِّباخ والبوادي. ويكاد يقتصر الزرعُ في مكة على ما تجود به الأرض الصحراوية من نخيل وأراك...
ويبدو الجفاف الذي يصيب مكة من قلَّة المطر الذي لا يألف النزول في تلك الناحية، مما يُبقي الماء فيها شحيحاً، وهو على شُحِّه كثيرُ الملوحة، اللهم إلاَّ ماءَ زمزم، فإنه يحتفظ أبداً بميزة العذوبة، وانبجاسه من بئر ضاربة في عمق الزمان، لا تنضب؛ حتى أنَّ وجوده في تلك البقعة يُعَدُّ معجزةً من المعجزات التي أرادها الله - سبحانه - باقيةً إلى الأبد، لتذكر الناس بعهد هذه البئر، وبما لأصحابها، ولمائها من مكرُمةٍ عند خالقهم..
ويتلاقى الجدب وشُحُّ المطر مع قلة ارتفاع مكة عن سطح البحر، بما لا يزيد على ثلاثمائة وثلاثين متراً، مما جعلَ جوَّها، بفعل تلك العواملِ الطبيعيةِ مشحوناً بشدة الحرارة، وأرضَها مغطاةً بالرمضاء اللاهبة..
أما هنا في المدينة، فالأجواء تختلف كلّياً، لأنها بلد يقوم في واد منبسط فسيح، تكثر فيه الحدائق الغنّاء، وهي تحيط بمنازل ساكنيه، وتنتشر فيه البساتين التي تحفل بالأشجار الباسقة لتملأ الأماكن ظلالاً وارفة، وتتفرَّق الينابيع وعيون المياه العذبة، في مختلف الجنبات لتغطيها بالاخضرار والنضارة، ولتجعلها على امتداد فترات طويلة من السنة غنيةً بالثمرات والخيرات، مشبعةً بطيب الهواء واعتدال الجو..
وهكذا اختلفت الطبيعةُ بين البلدين اختلافاً كبيراً في الموقع والمناخ، وفي الخصب والجدب، كما في سهولة الأرض وحزونتها (غلظتها)، وفي عذوبة المياه وملوحتها، بل في مختلف مشاهدها وظواهرها.. ولكنَّ شيئاً واحداً، كانت تشترك فيه مكة والمدينة، وهو الصبغة العربية، التي تصبغ البيئة الاجتماعية، وأنماط العيش، وتشابه الظروف والأوضاع الحياتية.
وعلى الرغم من هذا التقارب بين البلدين في بعض الجوانب، فإن الاختلاف ليس في ظواهر الطبيعة وحدها، بل وبين العناصر البشرية التي كانت تقيم في هذا البلد أو ذاك..
فأهل مكة كانوا في كثرتهم الساحقة من العرب، ومن قبيلة قريش بالذات، التي سادت القبائل العربية بفضل سدانتها للبيت العتيق، وبجهود رجالات عاشوا في هذا البلد، وكانوا في أيامهم من ذوي الحكمة والحنكة في تدبير شؤون القوم أمثال: قصيّ، وهاشم، وعبد المطلب، وأبي طالب.. فقصيُّ مجمّعُ قريش وأمير مكة، وهاشم أولُ من أطعم الثريدَ بمكة، وأولُ من سنَّ رحلتي الشتاء والصيف[*] وهو الذي دفع أهل مكة للدأب على أعمال التجارة حتى برعوا فيها.. ولاقت ازدهارها الواسع فازدهرت كثيراً بتسيير القوافل إلى بلاد اليمن، وبلاد الشام، وأدت إلى جني الأرباح الوفيرة التي عَوّضت عليهم قساوة الطبيعة وشحَّها. غير أنها في الوقت نفسه، أثّرت على أخلاقهم، فأفسدتها وزادت في إفسادها، بل أعْمت عقولهم وزادت في جهالتها. لقد أبطرتهم النعمة، وأضلهم اليسار وتزاحم الأقدام حول البيت العتيق، مما جعل تلك العقول تجمد على الوثنية، وترفض نور الدعوة الإِسلامية التي بُعث بها أحد أبنائهم هدايةً من الله تعالى لهم، وللعالمين أجمعين.. ثم يؤدي بهم هذا الرفض - أخيراً - إلى تهجيره ليعيش ردحاً من حياته السامية بين ظهراني أهل المدينة، الذين، وإن جمعت بينهم وبين المكيين بعض عادات البادية وتقاليدها، إلاَّ أنهم كانوا يختلفون عنهم في تركيبهم المجتمعي، وفي نمط حياتهم المعيشي..
فأهل المدينة كانوا، في الأصل، من مهاجري اليمن التي كانت تمتلك شيئاً من الحضارة البدائية في قديم الزمان. فهم ليسوا أعراباً لتكون قلوبهم قاسية، وليس لهم ثمة زعاماتٌ ومصالحُ خطيرة في المنطقة، كما كان الحال بالنسبة لقريش نتيجة لموقعها في زعامة مكة[*] وحجابة البيت. وقد توزع أولئك العرب إلى قبيلتين كبيرتين: الأوس والخزرج، حتى دخل اليهود بلدهم فتوزعت العناصر البشرية إلى عنصرين متميّزين: العنصر العربي، والعنصر اليهودي.. وقد نجح اليهود مع الوقت، لشدة ما يمتلكون من خبث ودهاء، في بذر العداوة البغيضة، وغرس الوقيعة القاتلة بين الأوس والخزرج، فحلَّ بينهم الخصامُ الدائم، وانعدمت الأُلفة والمودة، حتى شاعت الشحناء وسادت البغضاء في النفوس..
وكانت نتائج ذلك كله حروباً شديدةً، وأياماً مشهورة، ووقائع مذكورة، تحدّث فيها الرواة مفصحين عما أدت إليه من سفك دم، وهدر مال، وتبديد طاقة. ثم ظلت قائمة على هذا المنوال حتى يوم بُعاث: أي إلى ما قبل هجرة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى المدينة بخمس سنوات.. ويُعَدُّ يوم بعاث بعينه من أيامهم المريرة المهلكة، لمَا كان له من أثر حاسم على القبيلتين، إذ دارت الدائرة فيه في أول الأمر على الأوس، فولَّوْا فراراً نحو نجد، فعَيّرتهم الخزرج، فلما سمع حضير (رئيس الأوس) تعييرِهم طعن بسنان رمحه فخذه وصاح: واعَقْراه! والله لا أريم حتى أقتل! فإن شئتم يا معشر الأوس أن تسلموني فافعلوا. فعاد الأوس إلى القتال، مستبسلين حتى انهزمت الخزرج شر هزيمة[*]. وكان من شدة بطش الأوس في تلك الواقعة أن أراد حضيرٌ أن يأتي الخزرج قسراً، وداراً داراً يقتل ويهدم حتى لا يُبقي منهم على أحدٍ[*] ويبيدهم على بكرة أبيهم، لولا أن تداعى بعض كبار السن، من ذوي العقل الراجح، وحالوا دون المجزرة الرهيبة، أمثال أبي قيس بن الأسلت، واقفين في وجه المتقاتلين، وهم يعظونهم قائلين: «ويحكم إنهم إخوان لكم في كل حال، وإنَّ جوارهم لخيرٌ من جوار الثعالب، بني يهود».
ولم يقتصر شرُّ اليهود على نفث الأحقاد، وبثّ سموم الفرقة في صفوف القبائل العربية وحدها في المدينة، بل امتد إلى إفساد ذات البين، وإفشاء العداوة بين أفراد العنصر اليهودي أنفسهم. فقامت بينهم أيضاً الخلافات، ونشبت الحروب، وطال القتال بين جماعاتهم، تارة بين بني النضير وبني قريظة، وأخرى بين بني قريظة وبني قينقاع، من غير أن يثنيهم عن ذلك تحريم في شريعتهم، ودون أن يردهم عنه واجب أخلاقي في بيئة هم عليها دخلاء.
ولم يكن اليهود ليأبهوا في دسّهم، وفي قتالهم، لأي وازع إنساني أو ديني، أو ليحفلوا بأي عهد سماوي كان قد كتب عليهم. فعيّرهم الله سبحانه وتعالى بحنثهم للعهود، في محكم كتابه العزيز إذ قال عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ *ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ *} [البَقَرَة: 84-85].
وهكذا دأب اليهود في المدينة على الفِعَال الشنيعة، يحرّضون العرب بعضَهم على بعض، ولكنهم لا يسلَمون هم من الكراهية والشحناء فيما بينهم، فيحالف فريقٌ منهم الأوس، وفريقٌ آخر ينصرُ الخزرج، ثم تقع الحروب بينهم، فيقتل اليهوديُّ أخاه اليهودي، مخالفين حكم التوراة في جوهره، ومؤمنين به في ظاهره، إذ يجتمعون، بعد أن تضع الحرب أوزارها كي يفتدوا أسراهم بالمال، وهم يتذاكرون من أجل ذلك، بأنهم ينزلون على حكم التوراة... وهذا ما عناه قول الله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البَقَرَة: 85].
تلك كانت أحوال المدينة في تلك الحقبة الزمنية.. فهي مسرحٌ للنزاع الدائم، وحقلٌ للتنافس المستمر بين العرب أنفسهم، وبين اليهود أنفسهم، وبين العرب واليهود.. وكأن المدينة توزعت فرقاء وعداوات، كل فريق يتربص بعدوِّه الدوائر، ويتحيَّن الفرص للانقضاض عليه وإهلاكه، ولو استعان بخصم عنيد له أو عدو لدود..
وإذا كانت الأمِّيةُ تشفع لعرب المدينة في بعض ما يفعلون، لأنهم قوم جهلوا القراءة والكتابة، وغابت عنهم الأديان السماوية، فأيُّ شيء يشفع لليهود حتى يأخذوا بتلك النزعة القتالية المهلكة، وهم ذوو كتاب سماوي، وأهل علم؟ بل يزيدهم تجريماً أنهم كانوا يعيبون على العرب أمِّيتهم، ويحقرون وثنيتهم، ثم يفعلون ما لا تقرُّه الأعراف الوثنية أو غير الوثنية...
ولعلَّ ذلك التعيير كان أحد الدوافع التي جعلت عرب المدينة يتبرمون بديانتهم القائمة على الشرك، ويتمنون لو يكون لهم دينٌ سماوي مثل دين اليهود، وكتابٌ مثل كتابهم، لكي لا يبقوا على حالة الشرك، شريطة ألاَّ يكونوا مثل هؤلاء اليهود الذين يختبئون وراء ادِّعاء العمل بالأحكام الدينية، بينما في الواقع هم بعيدون عن ذلك أشد البُعد..
لقد غرس اليهودُ إذن في نفوس أهل «يثرب»، من غير أن يدروا، كراهية الشرك، وبُغضَ الوثنية، فباتت نفوسُهم مهيّأةً لقبول دعوة للصلاح جديدة، ومستشرفةً لتصديقِ رسول يبعثه الله تعالى.
وها إنَّ الله - سبحانه - يحقق الأماني، فيتهيأ عرب المدينة لاستقبال الرسول محمد بن عبد اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حامل الدين السماوي الجديد: دين الإِسلام، الذي ترامت أخباره إليهم، واعتنقته جماعة كبيرة منهم قبل رؤية نبيّ هذا الدين..
لقد جاء اليومُ المؤمّلُ حقاً.. وها إن رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يدخل المدينة وقد ازدانت أرجاؤها بمظاهر البهجة والاحتفال، وعمَّت جنباتِها مشاعلُ الفرح تنعكسُ وهَّاجة على الوجوه المستبشرة، والثغور الباسمة.
المدينة كلها في عرس.. بالزغاريد تترنَّم الأفواه، وبالأناشيد تصدح الحناجر.. وفوق ظهور الخيل يندفع الفرسان، وعلى درب الموكب يزحف الرجالة.. الجميع يحتفون بالوافد العظيم. حتى أن ربات الحجال لم تفتهنَّ هذه المناسبة التي تعتبر الأولى من نوعها على بلدهن، فقد ظهرن من الأخبية، تغصُّ بهنَّ الشرفات والسطوح، بعضٌ منهنَّ يطلقن الزغاريد، وأُخَر ينثرنَ على رأس الوافد العظيم الورود والزهورَ، وغيرهن يرششن عليه الطيب والعطور.. وقد زاد في رونقِ هذا الابتهاج اختلاط الأهازيج برنَّات الدروع وقرقعة السيوف التي تحرِّكُها أيدي اللاعبين المهرة، وقد راحوا يرسمون الإِشارة على النغم، وحركةَ الفن على الفرحة.
ويتهادى الموكب المباركُ المهيبُ في سيره، ومن حوالَيه حشد أهل المدينة، الذين لم يخطر ببال أحدهم أنه في تلك البرهة قد اعتدل ميزان الحق، ووقف التاريخ ليأخذ وجهته الجديدة، وأن ما قدَّرَ اللَّهُ - تعالى - لمدينتهم من جلال وعظمة سوف يبقى على الزمن، ما بقي الزمن، ويدوم على الحياة، ما دامت الحياة.. إنهم يحيطون برسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من كل جانب، وفي نفس كلٍّ منهم رغبة في الوصول إليه، ولمس رجلَيه المتدلِّيتَين على جنبيِ الناقة التي يعتليها، بل والإمساك بزمام ناقته حتى يفاخر بذلك طوال حياته. فكانوا من أجل ذلك يتزاحمون، وقد يدفع كلٌّ صاحبه حتى يدرك إحدى الأمنيتين الغاليتين: لمس رسول اللّه، أو جرّ الناقة التي يركب..
وبهذه المشاعر الصادقة، وبهذا الرونق البديع يظل الموكب متألّقاً في سيره، فلا يمرُّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بدار من دور المسلمين، إلاَّ ويعترض أهلُها طريقه، ويدْعونه لأن يقيم عندهم.. ولا يحاذي منزلَ سيِّد من سادات القوم إِلاَّ وتوسله أن يحط رحاله بفنائه. فكل قبيل يريده ضيفاً ومقيماً، وكلٌّ يعرض عليه القوة والمنعة والعدّة. ولكنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان لا يجيب أحداً لطلبه، أو يرفض رجاء أحد، بل يفتر ثغره الشريف عن ابتسامة مشرقة، تترجم فرحه بلقائهم، وتقديره لاحتفائهم، ودعاءَه لهم جميعاً بالخير والبركة، ثم يشير إلى ناقته قائلاً: «خلُّوا سبيلها فإنها مأمورة»[*].
ذلك أنَّ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يكن قد اعتزم الإقامة في ناحية معينة من المدينة، بل ترك الأمور تسيرُ على هُدى من الله سبحانه وتعالى. فهذه دُور المدينة التسع، وكل دارة منها تشكِّل محلة مستقلة لقبيل قائمٍ فيها بأهله ومنازله ونخيله وزروعه، حتى ليتراءى لكل ناظر أن أي محلَّة قد تؤلف قرية بذاتها، ولكنها تتقارب وتتلاصق مع محلة أخرى إلى حد كبير.
نعم لقد كانت تلك الدورُ كلُّها مشرعةَ الأبواب لاستقبال رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلم يؤثر إحداها على الأخرى إلى أن بلغ دارة بني سالم بني عوف، وكانت صلاة الجمعة قد أدركته، فأمر بالركب أن يتوقف، ثم طلب الوضوء، فتوضَّأ، وتبعه المسلمون، ثم نهض يؤمُّهم بالصلاة التي كانت أول صلاة جمعة أقامها (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المدينة، وتعتبر أول صلاة جمعة وجامعة أقامها في الإِسلام..
وبعد أن فرغ من الصلاة، نظر إلى الحشود التي كانت تنتظره، وهي ترقب ذلك المشهد العظيم، الذي استوى فيه المسلمون من وراء رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقد وقفوا بين يدي الله خاشعين، منيبين مبتهلين.. واختار رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مكاناً يقف فيه، حيث يراه ويسمعه كلُّ من تواجدَ هنالك في تلك الساعة، فإذا الجموع صامتة، محدّقة، ترقب ما يريد أن يقول..
وانطلق صوت رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يشيع الطمأنينة في النفوس، وهو يبدأ بحمد الله تعالى، والثناء عليه بما هو أهله، ثم يقول:
»أما بعد، أيها الناس، فقدِّموا لأنفسكم. تعلَمُنَّ والله ليُصعَقَنَّ أحدُكم، ثم ليَدَعَنَّ غَنَمه ليس لها راعٍ، ثمَّ ليقولَنَّ له ربُّه، وليس له تَرجمان ولا حاجبٌ يحجبُهُ دونه: ألم يأتِك رسولي فبلَّغك، وآتيتك مالاً وأفضلت عليك؟ فما قدمتَ لنفسك؟ فَليَنظُرَنَّ يميناً وشمالاً فلا يرى شيئاً، ثم لَيَنظرنَّ قدامه فلا يرى غير جهنَّم!.. فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بِشقٍّ من تمرة فليفعلْ، ومن لم يجد فبكلمة طيِّبة، فإنَّ بها تجزى الحسنة عشرة أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته»[*].
لقد كانت خطبة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأولى تلك في دار الهجرة موجزة، تعبّر عن النهج القويم الذي يعتمده، والمسلك الذي يؤدي إلى هدفه السامي.. فما إن ألقاها حتى عاد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يركب ناقته، وقد أرخى لها الزمام، حتى أتت دار بني مالك بن النجار، فبركت هناك. فسأل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن صاحب المكان، فقال له معاذ بن عفراء: «إنه لغلامين يتيمين في حِجْري وهما سهل وسهيل[*] فإن شئت أن تتخذه مسجداً أو مقاماً، فلك ذلك يا رسول اللّه، وسأرضيهما منه»[*].. عندئذ تطلَّع رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى السماء ثم قرأ قوله تعالى: {رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ *} [المؤمنون: 29].
وكرَّر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دعاءَهُ المبارك أربع مرات.. ثم أخذه الذي كان يأخذه عند الوحي. فلما سُرِّيَ عنه، قال: «هنا إن شاء الله يكون المنزل».
ثم أمر أن يحطّ رحله، وسألَ:
»أي بيوت أهلنا أقرب؟».
وكان منزل أبي أيوب، خالد بن زيد بجوار المربد[*] الذي أناخت عليه ناقة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال أبو أيوب: «إنها داري يا رسول اللّه، وهذا بابي».
فقال له الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «فانطلق فهيّىءْ لنا مقيلاً»[*].
وطار أبو أيوب الأنصاري على جناح السرعة إلى داخل بيته، يهيئ لاستقبال الرسول الأعظم، فينال الفرصة التي هي أسعدُ فُرص العمر. ثم لم يلبث إلاَّ قليلاً حتى رجع، ودعا رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يشرّفهُ بالنزول عليه..
وانتهت رحلة المهاجرة، واستراح المهاجرون من وعْثاء السفر وأتعابه، وحان وقت العمل الجديد.
cetirizin netdoktor cetirizin yliannostus cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB