خَاتَمُ النَّبييِّن مُحَمَّد (ص) (الجزء الاول)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1568
تاريخ النشر :   2006




البحث الرابع: الهجرة إلى يثرب

القرار بالهجرة
وبكل حكمةِ الأنبياءِ وأناتِهم، وبكل تقديرِ الرسُلِ واحتسابِهم، صمَّم الرسول الأعظم محمد بن عبد الله على القيام بما يحقق له الإِفادة التامة من حلفِهِ مع يثرب، ورأى أن الخير كل الخير في هجرة المسلمين إلى بلد المأوى والنصرة..
الهجرة إلى يثرب؟! نعم من أجل خلاص المظلومين وانعتاقهم، وهو من الأولويات المنظورة، عسى الله أن يقيّض في ذلك البلد، فيما بعد، ما يمكنه من تركيز نواة لدولة الإِسلام وسؤدده!.. ولذلك جمَعَ بعض الصحابة، وأمرهم بأن يبلِّغوا جميع إخوانهم بقراره في الهجرة إلى يثرب، حيث لهم إخوة في الدين، يُعِزُّونهم، وينصرونهم، ويذودون عنهم بدافع الإِيمان الصادق، والعقيدة السامية. ولكن! ليكن الخروج خفيةً، حتى لا تثور ثائرة قريش، وتحول بينهم وبين خروجهم..
وبدأ المسلمون يهاجرون في الخفاء، فرادى وجماعات، امتثالاً لأمْر رسول الهدى، وطلباً للأمن والإيمان.. إلا أن قريشاً كشفت أمرهم، وعرفت تدبير نبيّهم، فاندفعت تحاول منعهم من ترك مكة، وتردُّ كلَّ من تستطيع ردّه أو تحبس كلَّ من تقدر على حبسه، فتنزل به أشد العذاب، علَّهُ يرتدُّ عن دينه.. وقد بلغ برجالاتها الظلم أن كانوا يحولون بين الزوج والزوجة، فلا يدعونها تخرج معه إذا كانت قرشية، وأن يفرضوا على كل من لا يرغب في البقاء - تحت سيطرة قريش - إعطاءهم ثروته، وما كسبه في حياته.. ومن قبيل ذلك:
ما حدث لأم سلمة وزوجها وابنها[*]، إذ تروي قصتها، فتقول: لما أزمعَ أبو سلمة الخروج إلى المدينة حملني على بعيره ومعي ابني سلمة في حجري، ثم خرجنا، فلما رآنا رجال بني المغيرة من بني مخزوم تقدموا منا وقالوا لأبي سلمة: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟ ثم نزعوا خطام البعير[*] من يده فأخذوني منه.
وعرف بنو عبد الأسد - رهط أبي سلمة - فجاؤوا بني المغيرة وقالوا لهم: لا والله لا نترك ابننا معها، إذ نزعتموها من صاحبنا.
وتتابع أم سلمة قائلة: واختلف القوم، وما زالوا يتجاذبون ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد. أما بنو المغيرة فقد حبسوني عندهم، بينما ارتحل زوجي أبو سلمة إلى المدينة، بعد أن فرَّقوا بيننا.
وانقضت على أم سلمة سنة وهي تبكي، فرقَّ لها أحد ذويها، وطلب أن يخلّوا سبيلها، فذهبت واسترجعت ابنها من عصبته، ثم خرجت تريد المدينة، فلقيَها وهي بالتنعيم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، فحملَها وابنَها حتى أنزلهما بقرب قرية بني عمرو بن عوف بقباء، فجمعها الله، تعالى - إلى زوجها...
أما ما كان مع صهيب بن سنان فهو أنه لما أراد الهجرة، قال له كفّار قريش: أتيتنا صعلوكاً حقيراً، فكثر مالُك عندنا، وبلغتَ الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك.
فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي، أتخلون سبيلي؟
قالوا: نعم.
قال: إني قد جعلت لكم مالي.
وبلغ ذلك رسولَ الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فقال؛ «ربح صهيب، ربح صهيب»[*].
هذان نموذجان عن فعال قريش وغطرستها، واستبداد زعامتها الحاقدة..
ولكن، على الرغم من ذلك التعدي الكبير من قريش على المسلمين وإيقاعها بهم، فقد ظلَّت هجرتهم تتتابع إلى يثرب حيث ينزلون على إخوتهم في الدين، الذين هبّوا يشرّعون الأبواب لاستقبالهم. ونعطي بعض أمثلة عن نزول المهاجرين على الأنصار للتدليل على مدى الأعباء التي تقبّلها هؤلاء بكلِّ رحابة صدر، وطيبة خاطر.. والاحتفاء بهم.. يقدّمون لهم الطيبات، ويبذلون في سبيلهم، الأموال، راضين، قانعين، حيث فتح الله تعالى للمهاجرين أبواب رحمته، فبدَّل خوفهم أمناً، وذُلَّهم عزاً، وهوانهم كرامة. ولقد منَّ الله عزَّ وجلَّ عليهم بهذه النعمة، إذ يقول تبارك وتعالى:
{وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *} [الأنفَال: 26].
وهكذا نزل عمر بن الخطاب (رضي اللّه عنه) ، وأخوه زيد بن الخطاب، وعمرو وعبد الله ابنا سراقة، وخنيس بن حذافة السهميّ - وكان صهر عمر على ابنته حفصة ومن بعد وفاة خنيس تزوجها النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) - ومن لحقهم من أهليهم على رفاعة بن عبد المنذور بن زنْبر في بني عمرو بن عوف بقباء، ونزل حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة، وأبو مرتد كناز بن حصن وابنه مرتد، وأنسة وأبو كبشه (موليا رسول الله) على أسعد بن زرارة.. ونزل عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وأخوه الطفيل، ومسطح بن أثاثة، وسويبط بن سعد، وطليب بن عمير، وخباب مولى عتبة بن غزوان على عبد الله بن سلمة،، بقباء.. ونزل عبد الرحمان بن عوف في رجال عديدين على سعد بن الربيع، ونزل عثمان بن عفان على أوس بن ثابت بن المنذر، أخي حسان بن ثابت في دار بني النجار...ومثلهم نزل غيرهم في منازل المسلمين من أهل يثرب، الذين كانوا يشعرونهم بأنهم ليسوا مهاجرين بل بين أهليهم وذويهم..
لقد جمعهم الإِيمان الصادق، مهاجرين وأنصاراً، ومحبةُ الله ورسوله قد فاضت عليهم جميعاً، فأنزل الله تعالى آيات قرآنية كريمة، تحمدهم، وتعدهم بالخير والرحمة بقوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ *وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *} [الحَشر: 8-9].
وتوالت هجرة المسلمين من مكة حتى خلت نواحيها من دبيبهم، وهُجِرتْ دورٌ بأسرها وأُغلِقَتْ أبوابها، وغدت تصفرُ فيها الرياح، كما جرى لدور بني جحش، وبني مظعون، وبني البُكَير، التي هجرها سكانها - جميعهم - رجالاً ونساءً... وها همُ: عتبة بن ربيعة، والعباس بن عبد المطلب، (وأبو جهل)، يمرّون - وهم يصعدون إلى أعلى مكة - بديار بني جحش، فيقف عتبةُ متأمّلاً، وهو يراها خافقةً أبوابُها[*]، وليس فيها ديّار، فيتمثل بقول الشاعر[*]، وكأنَّما يُريدُ أن يتنفَّسَ الصعداءَ، قائلاً:
وكل دار وإن طالت سلامتُها
يوماً ستُدركها النَّكْبَاء والحُوبُ[*]
فالتفت أبو جهل، إلى العباس وقال له: هذا عمل ابن أخيك «محمد» فرّق جماعتنا، وشتَّت أمرنا، وقطَّع بيننا!.. وسكت العباس على مضـضٍ وتابعوا سيرهم، وليس لهم حديث إلاَّ عن هجرة المسلمين..
وكان النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ما يزال على حركته الدائبة، وهو يحضُّ المسلمين على ترك مكة حتى لم يبق فيها إلاَّ أولئك الذين لم تمكّنهم الظروف من الهجرة، أو الذين حبسهم المشركون كرهاً، وهم قليل، كما ظلَّ إلى جانب النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) كل من علي بن أبي طالب، وأبي بكر الصديق (رضي اللّه عنهما)[*] وبعض من قرابتهما وذلك بأمر من النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) !.
وما كان لأحد أن يعرف ما قرَّره النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لنفسه، فكان أبو بكر يأتيه مستأذناً في الخروج، فلا يزيد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) على أن يقول له:
»لا تعجل لعلَّ الله يجعل لك صاحباً» فيطمع أبو بكر أن يكونه[*]، أي يطمع بأن يكون رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إنما يعني نفسه. وإنَّ هذا التكتُّمَ من النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) قد أزعج قريشاً كثيراً، وأوقعها في حيرة، فلا تدري ما تفعل حياله؛ فقد كانت تأمل أن تنتهي من أمره - بطريقة أو بأخرى - وتعود إلى سابق عهدها من الرخاء والهناء، .... أما الآن وفي هذا الجو الملبّد بالغيوم الداكنة، فإن زعماءها خائفون.. أجل خائفون من خروج «محمد» إلى يثرب، حيث يمكن أن تصيرَ له قوة يستطيع معها مداهمة مكة، وغلبتهم على أمرهم، ولاسيما أن نصرتَهُ من أولئك الخزرج - أهل الحرب والقتال - ستكون العامل الحاسم في هزيمتهم.. وعلى فرض أن «محمداً» قد لا يخطط لمهاجمة مكة، فإنه سوف يعمل على قطع الطرق على تجارة قريش، فتحل بها المجاعة!...
هكذا صارت الأفكار تتلاعب بقريش!.. فهي تخاف أن يجمع النبيُّ قوةً لقتالها، كما تخاف أن يقطع طريق تجارتها إذا ما استقرَّ به المقام في يثرب!... ونحن نقول بأنَّ ما فكّرت فيه قريش كان في محله فيما لو فكّر النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بذلك، ولئن فعل فلا أحد يلومه.. ألم تقم قريش من قبل بفرض الحصار عليه، وعلى أتباعه، وأهله من بني هاشم وبني المطلب، فبقوا في شعاب مكة ثلاث سنين بكاملها، حتى لاقوا خلالها أشدَّ ألوان الهوان والحرمان؟.
ألم تصادر الأموال، وتستولي على الدور لتترك المسلمين نهباً للجوع والفقر والمهانة؟ أليست قوافل قريش وتجارتها مصدر القوة التي تحارب بها المسلمين؟! فهل تجيز لنفسها ذلك كلَّه وتأبى على «محمد» شيئاً منه؟
ولكن، في الواقع، هل يُقدم لنبيُّ الرحمة على تجويع مكة، ولو كانت فيها قريش عدوَّةَ الدين؟!..
خسِئتْ قريش في تفكيرها الأرعن..
فما بالُ دُهاتها قد نسوا محمد بن عبد الله الإِنسان الشريف، الفاضل، الذي لم يُقدم يوماً في حياته على عمل إلاَّ وكان فيه خير للناس؟ ثم ألم يعرفوا جميعُهم ما يتحلى به هذا الإنسانُ من الصفات الحميدة، والخصال السامية، وهي كفيلة بذاتها أن تبقيَه في المقام الأسمى من قريش، وغيرها؟.
وما بال هؤلاء الدهاقنة قد تناسَوا أنه سليل بني هاشم، الذين كانوا يطعمون الناس في سنوات الجدب حتى يمنعوا عنهم غائلة الجوع، ويحموهم من الموت؟!.. فهل يُعقل أن يُقدم هذا النبيل الأشمُّ، وهو من تلك السلالة الطيبة على تجويعهم، وهم - على الرغم من شِركهم، وجهالتِهم - ما زالوا أبناء عشيرته الأقربين؟!
وهل أظلمت بصائرهم إلى هذا الحد، حتى جهلوا أن رُسل الله لا يَظلِمون، ولا يستغلُّون، فكيف بسيد الرسُل محمد بن عبد الله، حبيب الله - تعالى - ورسوله المصطفى، ونجيّه المجتبى؟.
لقد خسئت قريش حقاً في ظنونها وأوهامها... فهذا الإنسان الذي شهد له ربُّ العرش العظيم بأنه على خلُق عظيم، وهذا النبي الذي أرسله الله - سبحانه وتعالى - رحمة مهداة للعالمين، لن يفعل إلاَّ ما تمليه واجبات الدعوة ومقتضياتها... إنه يحمل الإسلام إلى الناس، ويبلِّغ عن ربِّه ما فيه هدايتُهم وخيرهم، فمن اهتدى فله الجزاءُ الحسن، ومن ضلَّ فإنَّ جهنَّمَ هي المأوى.. وما على الرسول إلا البلاغ المبين.
إنَّ أبالسة قريش لا يحبون أن ينظروا إلى «محمد» الإنسان في إنسانيته، ولا إلى «محمد» النبي في نبوَّته، ولا إلى «محمد» الرسول في رسالته.. كل ما يريدونه، ويجهدون في سبيله أن يحاصروه بالعداوة والبغضاء، ويحيطوه بالسوء والإيذاء - كما فعلوا منذ مبعثه - وها هم الآن، وعلى الرغم من غطرستهم وعنفوانهم، يخافون منه أشد الخوف..
قرار قريش باغتيال «محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم( «
وهذا الخوف هو الذي أوقعهم - بل أوقعوا أنفسهم - في أزمة.. والأزمة - في نظرهم - باتت هجرة المسلمين إلى يثرب... أما السبب فهو «محمد» وحده، الذي أوقعهم في هذه المشاكل كلها!.. إذ لولا «ادعاؤه النبوّة» لما حصل شيء مما يعانون!..
وتتابعت تلك الأزمة، تعصف بحياة قريش على امتداد بضعة شهور، حتى تنادت زعامتها الضالة إلى اجتماع في دار الندوة - التي هي في الأساس دار قصيّ بن كلاب، أحد أجداد رسول الله - من أجل التشاور في الرأي، وتقرير ما يتوجب عليهم حيال «محمد» وخصوصاً في أمر إخراجه أو إبقائه.
واجتمع أقطاب الكفر وعلى رأسهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وأبو البختري بن هشام، وطعيمة بن عدي، وجبير بن مطعم، والحارث بن عامر، والنضر بن الحارث، وأبو الأسود ربيعة بن عامر، وحكيم بن حزام، وأبو جهل (عمرو بن هشام)، ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج، وأمية بن خلف «وغيرهم ممن لا يُعدّ من قريش»[*] وراحوا يستعرضون الحلول التي تريحهم من «محمد بن عبد الله»، وتكفل لهم القضاء على الدعوة التي يحملها.
فاقترح أبو البختري بن هشام: أن يلقوا القبض على النبيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وأن يحبسوه ويكبّلوا يديه ورجليه بأصفادٍ من الحديد، حتى يموت داخل السجن.
فقالوا: ما هذا برأي، لو حبسناه فإن دعوته ستبقى، يثِب علينا أهلوه وأتباعه من أجل إطلاق سراحه بالقوة..
فاقترح ربيعة بن عامر: أن يخرجوه من مكة منفيّاً عنها، من غير أن يبالوا أين وقع... فالمهم أن يغيب عنهم، ولا يبقى بين ظهرانيهم..
ولكنهم عدلوا عن أمرٍ كهذا لأنه الأمر الذي يصبو إليه «محمد» بعد أن غدا له أنصار كثيرون في ذلك البلد الذي يضاهيهم أهله بالقوة والمراس على الحرب والقتال..
وهنا اقترح أبو جهل طريقة للتخلص من «محمد»، وذلك بأن يقتله جماعةُ أفرادٍ من بطون قريش، فيضيع دمُه في قبائلها، ولن يكون للهاشميين ولبني المطلب قدرة على معاداة كل القبائل، وإلاَّ دارت الدائرة عليهم. ولذلك فإنَّ من المرجّح أن يسكتوا عن قتْله ويقبلوا بالدية، فتستريح قريش إلى الأبد من هذا الذي أقضَّ مضاجعها، وسلب من جفونها النوم، ومن حياتها طعم الراحة.
وارتاحت قريش إلى الأمل الذي كان يراودها منذ سنوات طويلة، عندما قرر أخيراً زعماؤها الحاقدون أن يجري اغتيال النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وهو ينام، تلك الليلة، على فراشه في بيته.
وتفرَّق سادة الكفر والشِّرك[*]، وهم يحسبون أن الأمر قد بات على وشك النهاية.. فإنْ هي إلاَّ بضع ساعات، وسوف يُقتل «محمد» فتموت معه دعوته، وينتهي أثرها، ويتفرق أتباعُه، فلا يجد المهاجرون مناصاً من العودة إلى بلدهم وقومهم، والرجوع إلى عبادة الآلهة التي «صبأوا» عنها.. كما تعود لقريش الآمالُ والأحلامُ التي كاد «محمد» أن يزهقها، ويقضي عليها داخل صدورهم!.
وعلم النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بالمؤامرة، وما بيّتَ قومه لقتْله، فبعث إلى ابن عمِّه علي بن أبي طالب أن يأتيه على جناح السرعة.
وجاء عليّ، ودخل على النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فوجده على قرآنه قائماً، يتلو ويرتِّل آيات ربِّه تعالى، والنور ينبعث من وجهه الكريم، ويعلو قسماته الطاهرة الارتياح والاطمئنان..
وجلس عليٌّ فأدناه النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) منه، وقرَّبه إليه، ثم أسرَّ في أذنه بأنه يريد الهجرة إلى يثرب، وأن عليه مهامَّ جسيمة، يخلفه فيها في مكة...
ولم يسأل عليٌّ عن أية مهمة قد يكلفه بها رسول الله، فقد كان على استعداد لتلبية أوامره مهما كانت، ولتنفيذ مطالبه مهما صعبتْ وعزّت... فأخبره النبيُّ بأنّ عليه القيام بثلاثة أمورٍ وهي:
- النوم في فراشه الليلة (تماماً كما كان يفعل عليٌّ، عندما كانوا محاصرين في الشعاب، بأمر من أبي طالب رحمه الله).
- وأداء الأمانات لأصحابها، وهي كثيرة.. (إذ كان أهل مكة ما زالوا يستودعونه أماناتهم، على الرغم من عداوتهم له، ومحاربته في دعوته.. فيا لمفارقات قريش التي تشي بذبذبة تفكيرها، وتأرجح تصرفها)!..
- واستخلافه على الفواطم، وتدبير أمر هجرتهنَّ بعد خروجه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) .
مبيت علي في فراش النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)
كان الرسول الأعظم قد فكَّر في عمل يموِّهُ به على قريش، ساعة يخرج من مكة، فرأى أن يؤوي أحداً إلى فراشه، ليوهمَ قريشاً بأنه ينام - كعادته - في منزله... ولما كان لا بد من إنسانٍ يحبُّ الله ورسولهُ، بحيث يكون له أسمى المقام في الوفاء والإخلاص والتضحية، فلا يبخل أن يجود بنفسه فداءً لرسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ولدين الله (تعالى)... ولما كان لا بد من أن يكون هذا الإِنسان في أعلى درجات الشجاعة ورباطة الجأش، بحيث لا يتشبَّت بالحياة في آخر لحظة فيكشف عن شخصيته - وبذلك يُفسد الخطة التي أعدَّها النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، ويتيح للمتآمرين المجال لملاحقته، قبل أن يتدبَّر أمرَهُ في مكان للاختباء... من أجل ذلك كله، اختار النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عليّ بن أبي طالب لأنه على يقين بأنه هو الإِنسان الوحيد الذي تجتمع فيه كل الشروط المطلوبة للقيام بعملية المبيت والفداء.. إذ لم يكن في المسلمين، من يماثله في حبِّه وإخلاصه للنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وفي حبِّه وإخلاصه للدين الإسلامي، وإلاَّ لما كان هو وحده - من بين جميع المسلمين - الذي اختارَهُ النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، لتلك المهمة الجسيمة، التي يتوقف عليها نجاح خروج النبي من مكة ومهاجرته إلى يثرب..
وكان أمر النبي بالمبيت، عندما قال لعليّ:
»نم على فراشي، وتوشَّح ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم»[*].
وصدع عليٌّ (رضي اللّه عنه) بالأمر الرسولي من دون رهبة أو وجل.. فلم يتسلل إلى نفسه شبحُ الخوف، ولم تتطرق إلى مخيلته صورةُ سيوفِ قريش وهي مشرعة فوقه، وتهمُّ بالانقضاض عليه، بل تراءى له أمر واحد فقط، وهو نجاة النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وخلاصه من كيد الكافرين.
لم ينشغل بالُ علي (رضي اللّه عنه) في تلك الساعة، إلا بنجاة حبيبه رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فارتمى عليه يقبِّله، ويأسف لعدم مرافقته في الطريق، حتى يذود عنه.
وقام النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إلى صندوق أماناته يعطيها إلى ابن عمه علي حتى يؤدّيها لأصحابها. ثم أشار عليه أن يخرج على عيون الناس، وألاَّ يعود، إلاَّ وهو يحاذر أن يراه أحد..
وهكذا حصل، فقد أمضى علي (عليه السلام) بياض ذلك النهار بين الناس قبل أن يعود ويدخل دار النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بمنأى عن عيون قريش. وقد جاء يدنو منه، ويأنس بحديثه، ويتزوَّد بنصائحه، حتى جن الليل، فاندس عليٌّ (عليه السلام) في فراشه، ثم ألقى عليه بردته، وكأنه استسلم للنوم!..
وكان النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) في تلك الأثناء، قد أوى إلى ركن في إحدى حجرات داره، دونما حركة تدلُّ على وجوده، اللهمَّ إلاَّ ما تراه عيناه، وهو بين الفينة والفينة، يتطلع إلى الخارج فيرى تلك الجماعة من رجال قريش المتآمرين، وقد أحاطوا بدارته من كل جانب، مدججين بسيوفهم وحرابهم، يترصدون كل حركة حول المنزل، أو في داخله. وكانوا ينظرون من فُرجة إلى مبيته، فيرون في الفراش رجلاً نائماً، فيطمئنون إلى أنه «محمد»، وأنه ينام كعادته قرير العين، لا يدري بما يجري من حوله، وما بيَّت له القوم من أمرٍ للقضاء عليه!...
وبقي النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) في مكانه حتى كان الثلث الأخير من الليل، فقام متوكِّلاً على الله - عزَّ وعلا - وغادر منزله في غفلة من تلك المجموعة الباغية التي ندبتها قريش لمحاصرته، وأعدَّتها لقتله، وهو يقرأ من القرآن الكريم قول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم
{يس *وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ *إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ *عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ *لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ *لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ *إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ *وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ *} [يس: 1-9].
وكان النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) قد أعدَّ قبضةً من تراب، فنشرها عندما خرج صوب المتآمرين. وهو يدعو ربه ويقول: «شاهَتِ الوجوه وأغشيت الأبصار».
...وذلك تقدير العزيز الحكيم، فقد أغشيت الأبصار فعلاً، وشاهت الوجوه حقاً، وجُعل بينهم وبين النبي سدٌّ، فلم يروه ولم يبصروه وهو يخرج من بينهم و {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ *} [الحَديد: 21].
وذهب النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) في ظلمة الليل إلى بيت أبي بكر الصديق، فلما فتح الباب ورآه، سأله بلهفة: ما الأمر يا رسول الله؟.
قال الرسول الكريم: إن الله تعالى قد أذن لي في الخروج..
فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله.
قال النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : الصحبة.
واطمأنت نفس أبي بكر الصديق، وبان له الآن قصْدُ النبيَّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عندما كان يذهب إليه ويستأذنه في الهجرة، والنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يطلب إليه ألاَّ يعجل عسى أن يجعل الله له صاحباً..
وقام الصدّيق يدبّر الشؤون على عجل، ويوصي أهل بيته بالتكتم وعدم البوح لأحد بأمر خروجه مع النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، ثم غادرا من باب خلفي ليبتعدا عن مكة قبل طلوع الفجر.
الفشل الذريع للمتآمرين
واتخذ النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) الطريق المؤدي إلى اليمن، في جنوب مكة، تعميةً لقريش حتى لا تتمكّن من اللحاق به وإدراكه عندما يتكشَّف لها خروجه. وذلك في الوقت نفسه الذي همَّ رجال قريش باقتحام داره، والدخول عليه لقتْله - وهم يظنون أنه هو النائم في فراشه - ولكن يشاء ربُّ العزة والجلال أن يسمعوا صوت امرأة تتكلم في الدار، فتأخذ الحميةُ أبا لهب (هذا العم الذي قد جاء مع الزمرة اللعينة لقتل ابن أخيه) وتدفعه لأن يقف حائلاً دون دخولهم إلى البيت خوفاً على الذراري والصبيان من يدٍ خاطئةٍ قد تصيبهم!...
وكأنما هاجت بهم النخوة - في غفلةٍ من كُفرهم - فقالوا متلاومين:
- والله إنها للسُّبة في العرب أن يُتحدث عنَّا أنَّا تسوَّرنا الحيطان على بنات العم، وهتكنا ستر حرمتنا..
ولكنها لم تكن الحمية، ولا النخوة، بل تلك هي مشيئة الله العلي القدير، أن تختلف تلك الجماعة بعضها مع بعض، فيمتنعوا عن الدخول إلى بيت رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، ويبقوا منتظرين حتى مطلع الصباح، ليكون له (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) متسع من الوقت، ويصل إلى مكان ينوي الاختباء فيه، قبل أن يبدأوا البحث عنه...
فلما تنفس الصبح وانكشف الظلام، اقتحم رجال قريش دارة النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وأسرعوا إلى فراشه ليقتلوه، ولكن المفاجأة كانت كبيرة عندما رأوا علي بن أبي طالب يثب من الفراش، ويتصداهم في وجوههم، وهو يصرخ فيهم قائلاً: ما شأنكم يا هؤلاء؟
قالوا: أين محمد؟
قال: أجعلتموني عليه رقيباً؟ ألستم قلتم: نُخرجه من بلادنا؟ فقد خرج عنكم!..
وظنَّ رجال الغدر من قريش أنها مؤامرة دبَّرها أبو لهب في ليل، حتى يخلِّص ابن أخيه من القتل، فبعث إليه من يخبره بأمرهم، ثم راح يدّعي النخوة على النساء والصبيان حتى أمكن لمحمد الهرب!... فهمّوا به يريدون قتْله، ولكنهم عدلوا عن ذلك، واكتفوا بالإهانات والشتائم التي ترذله، وهم يقولون له:
- أنت تخدعنا منذ الليل..
وكان أول ما فعلته قريش صباح ليلة تنفيذ المؤامرة، وحينما تأكد لها خروج محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، أنهم أخذوا علياً إلى الكعبة وحبسوه ساعة وهم يتوعدونه بالقتل، علَّهم يظفرون منه بخبر الطريق الذي ذهب فيه «محمد»[*]، حتى إذا يئسوا، أفلتوه والحسرة تأكل أكبادهم، فأعلنوا على الفور أنهم سيدفعون مائة ناقة مكافأةً لمن يردُّ «محمداً» عليهم. ثم أعدوا فرسانهم لملاحقة النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وإلقاه القبض عليه، قبل أن يصل يثرب التي لا شك في أنه يقصدها، كي ينضمَّ هناك إلى المسلمين..
التخفي في غار ثور
أما النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فإنه كان يعلم أن قريشاً ستجدُّ في طلبه على طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالاً، فآثر أن يسلك الطريق المضادّ له، وهو الطريق الواقع جنوب مكة في طريق المنحدر منها إلى اليمن، كما أشرنا إليه، فانطلق فيه مع صاحبه حتى بلغا سفح جبل ثور فصعدا فيه ليبلغا الغار في أعلاه الذي كان النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يقصده أحياناً للتأمل والانقطاع عن الناس قبل بعثه الشريف. وهذا الغار عبارة عن كهف ضيق لا تزيد مساحته على مترين ونصف المتر المربع، جعله الله - تعالى - في جوف صخرة ضخمة وتغشى داخله ظلمةٌ خفيفة، يدخله القاصد من فرجةٍ لا تزيد على نصف المتر بغير مشقة، وتقابلها فرجة أخرى ضيقة لا تتسع لجسم الإنسان. وقد دعي بغار ثور نسبة لثور بن عبد مناة لأنه وُلد عنده.
وبالفعل فقد جدَّت قريش في ملاحقة النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وتوزع رجالها في عدة اتجاهات، وأخذوا معهم القافة[*]، ومن بينهم رجل من خزاعة يسمى أبو كرز فسار يتعقَّب أثر النبي، حتى استطاع أن يميز آثار قدميه على الأرض، من آثار قدميْ شخص آخر يرافقه، فاتبعها حتى وصل إلى غار ثور، فقال: ما جاوزا هذا المكان، فإمَّا أن يكونا قد صعدا إلى السماء أو أنهما دخلا تحت الأرض..
وكانت لحظة من أدق اللحظات، وقفت فيها ملائكة السماء تتطلع إلى الأرض، فإذا بأمِّنا الغبراء تحبس - هي الأخرى - الأنفاسَ، لأن ما يتقرّر في هذه اللحظة قد يكون: إما شقاء الناس، وإما بزوغ فجر جديد على الإِنسانية، فيه تتفتح آفاق العقل والشعور ليدرك الإِنسان الحقائق التي تدل على عظمة الخالق، وعلى سمو خلق الإِنسان.. نعم لقد حبست الأرض أنفاسها لئلاَّ يتغلب الكفر على الإِيمان، والباطل على الحق، فكانت تلك اللحظات رهيبةً في عمر الزمان.. وفي داخل الغار كان العرق يتصبَّبُ من أبي بكر، وهو يسمع ما يقوله أبو كرز فيخاف من أن تقتحم عليهما العصبة المطاردة مخبأهما، ولكنه لا يجد إلاَّ أن يُمسك أنفاسه، ويبقى بلا حراك، وهو يسلِّم أمره لله العلي القدير..
وراحت تلك الزمرة تدور حول الغار، منهم من يعتلي فوق صخرته، ومنهم من يحدّق في فرجتيه من الجانبين. وبعضهم يذهب بعيداً عنه، حتى إذا لم يجدوا شيئاً، قالوا: ولمَ لا ننظر في الغار؟.
وأية حماقة في ولوج هذا المدخل الضيّق، والعناكب قد نسجت خيوطها على هذه الفرجة، فلا يمكن أن يدخله أحدٌ دون أن تتبدَّد تلك الخيوط الواهية التي تؤلف بيتاً للعنكبوت. ثم إن على الفرجة الأخرى حمامتين قد عشَّشتا وباضتا في عشَّيهما، فهل يُعقل أن يدخل «محمد» هذا الغار، وتبقى خيوط العنكبوت وعشُّ الحمامتين تغطي الفتحتين؟ لا، إنَّ هذا لمن المستحيل.
الكافرون في الخارج يبحثون، والله تعالى يمنعهم من الدخول إلى الغار... أما في الداخل فرسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يصلّي، ويدعو الله سبحانه أن يكفَّ شرَّ المعتدين، وقد ورد في الصحيحين أن أبا بكر قال: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا. فقال (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن! فإن الله معنا»[*].
... وبعد أن أعياهم البحث، انصرف رجال قريش، وهم على قناعة تامة بأنه لا فائدة من البحث في تلك الناحية، لأنه لا أثر يدل على أن أحداً دخل هذا الغار منذ زمن طويل!.. حتى إذا اختفت أصواتهم، ولم تعد تسمع لهم حركة، قال رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : الحمد لله، الله أكبر..
وفي مؤامرة قريش لقتل النبي محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) نزل قول الله تعالى:
{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ *} [الأنفَال: 30].
وفي قصة الغار نزل قوله تعالى:
{إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *} [التّوبَة: 40].
تُرى من هم جنود الله الذين نصَّ عليهم الذكر الحكيم، والذين أيَّد الله - عزَّ وجلَّ - بهم رسوله الكريم، فلم يرَهُم كفار قريش؟..
إن من جنوده - سبحانه - العنكبوت، الحشرة الضعيفة الواهية الخيوط التي لاحظَّ لها من قوة، ولا شأن لها من مقاومة، قد بعثها خالقها وأمرها فنسجت خيوطها على إحدى فرجتي غار ثور!..
ثم إنَّ من جنوده ذلك الطائر اللطيف الخفيف، الحمامة التي عششت، وباضت على الفرجة الأخرى للغار وبأمر ربِّها كذلك!...
بل وإنَّ من جنود الله - سبحانه - هذا النبات الذي ارتفع وتشابك بفروع يابسة أشبه بالهشيم، تلفُّهُ خيطانُ العنكبوتِ ويعلوهُ الغبار!... وحتى هذا الغبار هو من جند الله - عز وجل ـ، إلى جانب ملائكته الذين سخَّرهم لحفظ رسوله، ورصَدَهم لحمايته ورعايته، ومحالٌ على الناس أن يروهم.. أجل، كلُّ أولئك هم الجنود، الذين أيَّدَ الله تعالى بهم محمداً (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وهو في الغار، كما يخبرنا العزيز الجبار في كتابه القرآن، وذلك التأييد لأجل تعمية الكفار الباحثين عنه، فلا يصلون إليه بمكروه...
إن على الناس أن يدركوا بأن الخلائق كلها: الملائكة في السماء، والجن أينما وُجدت، والبشر، والطير، والنبات، والحشرات، وحتى الجماد، والماء والهواء والغازات كلها جنود لله تعالى.. بل وهذه الكواكب والنجوم التي نراها بالعين المجردة، أو التي نرى أضواءها بالآلات الحديثة، ومَن عليها وما عليها، كلها جنود لله تعالى. فكل المخلوقات إن هي إلاَّ جنود لخالقها، وهو - جلّت عظمته - يسخّرها بأمره، ويُسيّرها بإرادته كيف يشاء.
ولعلَّ في الأمثلة التي يعظُنا بها كتاب الله المبين ما يُغني:
ألا ترى - في ما خص الحشرات - كيف أن الله تعالى أوحى للنمل - كما ورد في سورة النمل من القرآن الكريم - أن تتحدث عن النبي سليمان وجنوده، وهو يسمع حديثها، ويفقه كلامها، فيشكر الله تعالى على ما أنعم عليه من معرفة لغة تلك الحشرة؟.
ألا ترى إلى الريح كيف سخَّرها الله تعالى لسليمان (عليه السلام) تسير بأمره، وتنقله كيف يشاء؟.
ألا ترى إلى الطير والجبال وهي تسبح مع داود (عليه السلام) بحمد ربهم والثناء عليه جلَّ جلاله؟
ألا ترى إلى الجبل كيف يتصدّع وينهار أمام عيني موسى (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عندما طلب أن يرى الله - تعالى - جهرةً؟
ألا وإنه ما من مخلوق في السماوات والأرض إلاَّ ويسبح بحمد الله تعالى، ويمجدُهُ في عليائه.. إلاَّ الذين كفروا وألحدوا من أهل الأرض، فإنهم يكتبون شهادات ظلمهم لأنفسهم بأحرفٍ من نارٍ تحرقهم في الآخرة..
ألا كل شيء ما خلا الله باطل.
ولقد كان خليقاً بقريشٍ أن تدرك عظمة الله - جلَّ جلاله - في كل شيء يحيط بها، وأن من آيات الله الدّالة، وبراهينه الثابتة، بعثَ محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) رسولاً للناس كافة. فما كان أجدرها أن تعي آلاء الله تعالى، وأن تؤمن برسالة الإسلام التي يحملها محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ! ولكنها أبت إلاَّ أن تنالَ منه، وتحاول قتْله، ولِمَ؟ ألأن الله ربَّهُ، وربَّ قريش، وربَّ العالمين قد أرسله بالهدى ودين الحق؟! أم لأنَّ عَرَض الحياةِ الدنيا قد طغى على عقولها وقلوبها فأعمى منها البصيرةَ وشوّه فيها الفطرة؟!
فهل أرادت قتله لأنها لا تريد نبياً، ولا رسولاً يهديها إلى أن تكون عبادتهم عبادة الأحرار وإيمانهم إيمانَ الأبرار؟! بل شاءت أن تبقى على عبادة الوثنية، وهي عبادة الفجّار.. إلا أن «محمداً» هو وحده من دون رجالاتها الذي يدعو إلى دين العزة والكرامة؟! أجل، إن ما فعلت قريش ينبىء بأنها أرادت عبودية الذل والهوان، وأبت إلاَّ أن ترفض دعوة الله - عز وجل - وأن تصرّ على قتل هذا النبي الذي جاء يهديها إلى الحق المبين، ولذلك جندت كل طاقاتها، وحشدت كل إمكاناتها في سبيل العثور عليه قبل أن يفلت من يدها!.. وقد أرسلت القافة (القصاصين) في كل ناحية يتلمسون آثارَه، ويتعسَّسون أخباره، ولكنها لم تظفر من جهودها بطائل...
لم تقدّر قريش بأن محمداً (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) سيُفلت من يديها، أو أنها يمكن أن تُخفق في إعادته إليها وقد جنَّدت كل رجالاتها لذلك! فكان من الطبيعي أن تُمنى بهزيمة وخيبة أملٍ كبيرتين، بعدما أعياها التعب وظهر فشلها... ودون أن تفكِّر - ولو قليلاً - بأن هنالك مانعاً يمنع «محمداً» منها!... وهل أحدٌ غيرُ ربِّه (سبحانه وتعالى) الذي أيدَهُ بجنودٍ لم يروها كان مانعَهُ وحاميَه؟!.
إن هذا التأييد الرباني هو الذي جعل النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وصاحبه ينعمان بالهدوء والسكينة، وهما ينتظران في جبل ثور حتى تأتي الأخبار من مكة، وكان أول بشائرها قدوم علي بن أبي طالب، وبرفقته ابن خالة النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) هند بن أبي هالة، وقد عرفا بمكان مخبأ الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) من عامر بن فهيرة - مولى أبي بكر - الذي كان يرعى غنمه في شعاب مكة، وقد ساقها إلى الجبل نزولاً على أمر رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) .
والتقاهما النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يسألهما عمّا وراءهما، فأخبراه بخيبة قريش، فأمر النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) هنداً أن يبتاع له بعيرين. فقال أبو بكر الصديق: قد كنت أعددتُ لك ولي يا نبي الله راحلتين، نرتحلهما إلى يثرب، فرفض النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أن يأخذهما، أو يأخذ إحداهما إلاَّ بالثمن. ونزل أبو بكر الصديق عند رأيه، فأمر النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عليّاً فأقبضه الثمن، ثم قال لعليٍّ:
«إنهم لن يصلوا من الآن إليك يا عليّ بأمر تكرهه حتى تُقدِم عليَّ. فأدِّ أماناتي، على أعين الناس ظاهراً. وإني مستخلفُك على فاطمة ابنتي، ومستخلف ربي عليكما ومستحفظُه فيكما». ثم أمره أن يبتاع رواحل له وللفواطم: فاطمة بنت النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وفاطمة بنت أسد بن هاشم (أم علي)، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب.. وعادَ فأمره، مؤكداً عليه، أن يقوم صارخاً في الأبطح غدوة وعشية:
«من كان له قِبَلَ محمدٍ أمانة أو دَينٌ فليأت لتُردّ إليه أمانته»..
ودام التخفِّي في غار ثور ثلاث ليال: ليلةَ الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد[*] كان خلالها عبد الله بن أبي بكر يُمضي في قريش نهاره، ويسمع ما يأتمرون وما يقولون في شأن رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، ثم يأتيه في المساء فيخبره الخبر.. وكان عامر بن فهيرة يرعى غنمَ أهل مكة، فإذا أمسى أراحَ غَنمه بجوار النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وصاحبه فاحتلبا. فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكة، تبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفي[*] عليه.. وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام إذا أمست، بما يصلحهما.
.. لقد ثارت قريش وأعياها الجهد في البحث عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) . فلما استولى عليها اليأس، وفلَّ عزمها الإخفاقُ، توقفت عن البحث، بعدما أيقنت أنه لا يمكن أن يكون «محمد» قد بقي في مكة أو في جوارها، بل صار بعيداً عنها، ولا تدري بأي أرض يكون...
وبمرور اليوم الثالث عرف النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أن قريشاً قد سكنت عنه بعضَ الشيء، فأُتيَ إليه بالبعيرين، وحملت أسماء بنت أبي بكر الطعام له ولأبيها، فلما همَّ بالارتحال ولم تجد ما تربط به الزّاد ولا القربة، على جنب الراحلة، شقت نطاقها وعلَّقتْهما بنصفه، وتمنطقت بالنصف الآخر، «فلذلك لقِّبت: ذات النطاقين»[*].
الرحيل إلى دار الهجرة
وحانت ساعة الهجرة، فوقف رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يتطلع إلى مكة بنظرة ملؤها الأسى، ثم قال: «والله إني لأخرج منك، وإني لأعلم أنك أحبُّ أرض الله إلى الله، وأكرمها على الله.. ولولا أن أهلَكِ أخرجوني منك ما خرجت».. وقال (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : «اللهم إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحبِّ البلاد إليَّ، فأسكنِّي أحبّ البلاد إليك»..
وأرخى الليل سدوله، وكان الوقت في مستهل الشهر القمري، فما إن غابت الشمس حتى كسا الظلام البادية، فانطلق الركب على اسم الله تعالى وبركته، ووجْهتُه يثرب، المدينة التي أرادها رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) دار هجرته..
...لا همَّ أن يُخرج المشركون الرسول الأعظم من بلده، فكل البلاد هي أرض الله (تعالى) وذلك تصديقاً لقوله العزيز؛ {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ *} [العَنكبوت: 56].. وكل خروج للنبي من مكة لن يكون إلاَّ في مصلحة الدعوة التي يحملها هذا الرسول بشيراً ونذيراً للعالمين بألاَّ يعبدوا إلاَّ الله الواحد الأحد، فإذا حالت رعونة المشركين في مكة دون إيفاء عبادة الله - تعالى - حقَّها، وكان لا بدَّ من الخروج، فإن ذلك من أجل أن تجد الدعوة سبيلها في أرض الله الواسعة..
ولقد كانت مغادرة النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) غار ثور ليلة الاثنين 4 ربيع الأول من السنة الثالثة عشرة لمبعثه، (الموافق 8 أيلول سنة 622 ميلادية)، وقد اتخذ إلى يثرب دليلاً له عبد الله بن أريقط الليثي (أحد بني الدّيل)، وكان لا يزال على شِرْكه، إلاَّ أن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وثق به، وأمن من غدره لأنه كان يعوِّل على ما في طبع العربي من الحفاظ على كلمة شرف يعطيها.. وقد وعدَه الرجلُ بأن يكون دليلاً صادقاً، ويبذل تجاهه كل ما لديه من خبرة واسعة في طرق الصحراء... وبالفعل فقد سلك بالنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وبصاحبه دروباً غير مألوفة، إذ أمعن في اتجاه الجنوب بأسفل مكة، ثم توجه غرباً نحو شاطىء البحر الأحمر، حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس، اتجه شمالاً محاذياً للشاطىء مع الابتعاد عنه شيئاً فشيئاً، لكي يتخذ في النهاية سبيلاً قلَّ أن يطرقَه أحدٌ!...
وأمضى النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) والصدّيق طيلة ذلك الليل، وصدر نهاره على راحلَتيهما، لا يعبآن بمشاق السفر، ولا بمصاعب طرق الصحراء، بقرِّها وقيظها، وبجفافها وبقساوتها، فالغاية في سبيل الله (تعالى) سامية، والتعب والشقاء من أجل الحق هيِّنان.. ولكن لا بدَّ من قيلولة تعيد للمهاجرين أنفاسهما، فاختار رسولُ الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) صخرة كبيرة، يستروحان في ظلها بعض الراحة مما أصابهما في سيرهما المتواصل منذ مساء البارحة. وفيما هما يَقيلان، رآهما من بعيد رجلٌ من بني مدلج كان ذاهباً إلى مكة. فلما وصلها ورأى أنَّ قريشاً منهمكةٌ في البحث عمَّن يقدر أن يتعقّب النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أعلن بأنه رأى ركباً ثلاثة في محلة كذا.. ولعلَّه يكون «محمداً» وأصحابَهُ.
وسمع سُراقة بن مالك بن جُعْشم ما قاله هذا الرجل، فأومأ إليه بعينيه أن يسكت، ثم حاول أن يضلِّل القوم، فقال: «بل فلان وفلان خرجا في طلب حاجة لهما»[*].
وأما السبب فهو أن سراقة كان من ذوي النفوس التي يغريها الكسب المادي، ولو جاء عن طريق الجريمة. وقد أراد أن يفوز بمغنم النوق المائة، التي أعلنت عنها قريش جائزةً لاسترداد «محمد»!... فأسكت الرجلَ، وموَّه على القوم، ثم لم يلبث أن قام إلى بيته، يتدجج بسلاحه، ويبعث بفرسه إلى بطن الوادي، حتى لا يراه أحد وهو يخرج من مكة.
واندفع سراقة يريد اللحاق بالنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، حتى إذا قطع مسافة طويلة، كبتْ به فرسُه[*] وهو يجدّ في ركوبها، وكاد يسقط تحتها لولا أن تدارك نفسه، وقفز عن ظهرها، فوقف هنيهة يلتقط أنفاسه، ثم عاد يمتطي هذه الفرس، ويعدو بها بأسرع من ذي قبل، تحت تأثير ضربات سوطه، حتى عادت وعثرت مرةً أخرى، ولكنه لم يأبه، بل راح يشتدّ بانطلاقه، علَّه يدرك «محمداً» وصاحبه فيردهما إلى مكة، أو يقتلهما إن قاوماه.!...
وأبصر سراقة من بعيد رجالاً يحتمون بفيء صخرة، فلزَّ[*] فرسه لزةً أخيرةً، وقد بدا له أنه نال الظفر، ولكن الفرس ما كادت تتقدم بضع خطوات إلى الأمام، حتى عثرت عثرة كبيرة هذه المرة، جعلتها شبهَ هامدة في أرضها، بينما كان فارسها قد سقط عن ظهرها وهو يتدحرج بسلاحه.. وقام ذلك اللعين يلملم نفسه من جديد، ثم أخذ بلجام فرسه يشدها به إلى أن قامت من رقدتها، فركبها، ولكنها لم تتقدم إلاَّ بضع خطوات وغاصت أرجلها بالرمل وكبت برأسها إلى الأمام، فهوى مجدداً عن ظهرها، إلاّ أنه لم يحفل بل استوى قائماً، يريد أن ينفض عنه غبار الأرض، فيتراءى له وكأنَّ هذا الغبار يستحيل دخاناً كثيفاً، ينتصب أمامه ويتطاول نحو السماء، مثل المارد!... فأجفل سراقة لهذا المشهد، وداخَله خوف شديد منه، بخاصة أنه قد تملّكه شعور رهيب بأن الله مانعُه من إدراك ضالته، وأنَّه إن أصرَّ ممعناً، فإنه معرض نفسه لخطر قاتل... وزاد في رهبته تعثر فرسه به طوال الطريق، وهو الفارس الذي لم يكبُ به جواد ركبه قطُّ، فكان كل ذلك كافياً لأن يجعل هذا الرجل يعقل ويتعظ، فوقف ونادى:
- يا كرام الناس! أنا سراقة بن مالك، انظروني أكلِّمكم، فوالله لا أريبكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه..
فقال له عبد الله بن أريقط:
- وماذا تبغي منا؟
قال: يا محمد! ادعُ الله أن يطلق فرسي فأرجع عنك وأردَّ من ورائي، واكتب لي كتاباً أبقيه لنفسي. فقال النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : «اللهم إنْ كان صادقاً فأطلق له فرسَه»، فخرجت قوائم الفرس، ثم أمر (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أبا بكر أن يكتب له كتاباً، فأخذه وعاد أدراجه إلى مكة يثبِّط عزيمة رجال قريش، وهو يقول لهم: ارجعوا فقد استبرأت لكم ما ها هنا، وقد عرفتم بصري بالأثر، فرجعوا عنه.
ولقد ظلَّ سراقة محتفظاً بالكتاب حتى كان فتح مكة، فلحق برسول الله وهو في الجعرانة، فدنا منه ورفع الكتاب وقال:
- أنا سراقة بن جعشم يا رسول الله، وهذا كتابك لي.
فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : «هذا يوم وفاء وبرّ، أدنه»[*].
ويذكر أن سراقة بعد أن أسلم، سأل الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، قائلاً: يا رسول الله، الضالة من الإبل تغشى حياضي، وقد ملأتها لإبلي، هل لي من أجر في أن أسقيها؟ قال (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : «نعم، في كلّ ذات كبدٍ حرّى (عطشى) أجر»[*].
وتتابعت مسيرة تلك الهجرة المباركة، في أرض تُهامة، وكان أكثر سير الركب في الليل، احتماءً من لظى الهاجرة المحرقة، ولأن في الليل ابتعاداً عن الناس، وعن غدر قريش وصلافتها (قسوتها وكبريائها)، فلا ترى المهاجرَيْن العيونُ، ولا تلحقهما الفرسان، أو يتعقبهما الباحثون.. ومن مدهشات تلك الرحلة أن الظلمة كانت تغطي الآفاق أثناء المسير، فكانت الرواحل لا ترى طريقها بوضوح، حتى لتكاد تتعثَّر في أكثر من موضع.. ولكنَّ رحمة الله تعالى، وعينَه الساهرةَ على نبيِّه، هما الضمان البالغ له، يحميانه من صعاب الطريق وعثراتها، ومن وحوش الفلاة الكاسرة وهجماتها، ومن الحشرات القاتلة وغدراتها، فلا يتعرّض الركب لأي خطر، أو أذى، اللهمَّ إلا وعثاء السفر، وهي مقبولة، ما دامت الهمم عالية، والثقة بالله تعالى كبيرة..
وخلال الطريق، مرَّ الركب المحمّدي على خيمة امرأة تدعى أم معبد الخزاعية (واسمها عاتكة بنت خالد) كانت تطعم وتسقي من مرَّ بها، ولذلك أخذها الحزن عندما سألها هذا الركب عن شيء عندها، فقالت: «والله، لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القِرى، والشاة عازب»[*] فالسنة كانت جدباً، والقومُ مرملين[*]، مسنتين[*]..
ورأى النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) شاةً واقفة بجانب الخيمة، فسأل المرأة، «ما هذه الشاة يا أم معبد؟».
قالت: «شاة خلَّفها الجهد عن الغنم».
فقال عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام: «هل بها من لبن؟».
قالت: «هي أجهد من ذلك».
فقال (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : «أتأذنين لي أن أحلبَها».
قالت: «نعم بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حلباً فاحلبها».
فمسح الرسولُ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ضرعها، وهو يسمي باسم الله (تعالى). ثم دعا بإناء واسع، وحلب فيه حتى امتلأ، وعلتْه الرغوة، وأم معبد واقفة تنظر، ولا تصدق عينيها، وهي تقول في نفسها: كيف لهذه الشاة أن تحلب، وهي أضعف الغنم، حتى أنها لم تقو على أن تسرح في البادية مع الغنم الأخرى؟. وكيف تحلب هذه الشاة وهي لم تلد هذا العام، بسبب الجفاف والجدب اللذين أفقدا الماشية العشب والمرعى؟.
وأبى رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أن يشرب قطرة واحدة قبل أن يرتووا جميعاً. فلما شربت أم معبد حليباً طازجاً نقياً لم تذق مثل طعْمه من قبل، عاد رفيقا الدرب فشربا من ذلك الحليب، حتى جاء دور النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فارتوى مثلهم من الخير الذي أفاضه الله تعالى على يديه. ثم عاد فملأ الإِناء ثانية من ضرع تلك الشاة وأعطاه لأم معبد، وهي تودعهم بالخير، وجاء في المساء الزوج أبو معبد أكثم بن عبد العزى بن معبد بن ربيعة، يسوق غنمه وأعنزه الضامرة، الهزيلة، فقامت إليه زوجه تستقبله بالَّلبن، فعجب وقال لها:
- من أين هذا يا أم معبد؟ ولا شيء منه في البيت، والشاة عازبُ، ولا حلوبة في رحلنا؟.
قالت: «لا والله، إلاَّ أنَّه مرَّ بنا رجل مبارك، كان من حديثه كيت وكيت، ومن حاله كذا وكذا»[*].
قال: «والله إني لأراه مباركاً كما تقولين، صفيهِ لي يا أم معبد».
فقالت: «رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلج[*] الوجه حسن الخلق، لم تُعبْه ثُجلة (ضخامة البطن)، ولم تزر به صعلة (صغر الرأس)، وسيم قسيم[*] في عينيه دعج[*]، وفي أشفاره وطف (كثرة الشعر)، وفي صوته صحل وفي عنقه سطع، (طويل العنق)، أحور أكحل، أزج (دقيق الحاجبين طويلهما)، أقرن[*]، شديد سواد الشعر، وفي لحيته كثافة، إذا صمت علاه الوقار، وإذا تكلَّم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأحلاهم من قريب، حلو المنطق، فصل لا نزر[*]، ولا هذر[*]، كأنَّ منطقه خرزات نظم يتحدَّرن، ربعة[*]، لا تقحمه[*] عين من قصر ولا تشنؤه[*] من طول، غصن بين غصنين[*]، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفُّون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود (حفد: أسرع)، لا عابس ولا مفند[*]»[*].
فقال زوجها: «هذا والله صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لألتمسنَّ أن أصحبه، ولأفعلنَّ إن وجدت إلى ذلك سبيلاً»..
لقد ترك الركب المحمدي أم معبد الخزاعية، وسار تحفُّه بركاتُ الله ورضوانُه، يغذُّ السير إلى يثرب التي كانت تنتظره بالإيمان والشوق، وقد دخل حبُّه قلوب المسلمين فيها لمجرد سماعهم بذكره الطيِّب، وبخصاله الحميدة، ومزاياه الجليلة، التي أهَّلته لأن يكون رسولَ الله، ليس لسكان مكة، ولا لأهل يثرب، ولا لكل العرب.. بل وللناس كافة.
نعم لقد أحبَّه اليثربيون قبل أن يروه، فراحوا - بعدما سمعوا بخروجه من مكة - يرقبون اليوم الذي يصل فيه إليهم، حتى تستقبله قلوبهم، قبل عيونهم وآذانهم.. إنهم يعلمون أنه خرج من مكة، ولكنهم لم يعرفوا أي طريق سلك. ولو عرفوا لذهبوا إلى ملاقاته، يحمونه بالمهج والنفوس.. إلاَّ أنهم في انتظاره، وصباح كل يوم يخرجون إلى منافذ مدينتهم، ويبقون معلَّقي الأنظار في الجهات كلها، علهم يرونه من بعيد، أو أن يخبرهم أحدٌ عنه بخبر...
وبقوا على هذه الحال من الشوق والانتظار، يخرجون كل يوم بعد صلاة الصبح إلى ظاهر بلدهم، يتلمَّسون إطلالتَه، حتى تغلب الشمس على الظلال في تلك الأيام الحارة من شهر أيلول.
وانتهت رحلة المهاجرة، ووصل الركب قُباء (على فرسخين من يثرب) وكان ذلك يوم الاثنين في الثاني عشر من ربيع الأول (16 أيلول 622 ميلادية) فأقام فيها هو وصاحباه أربعة أيام نزل فيها على كلثوم بن الهدم، فيكون قد أنفق ثمانية أيام على الطريق، منذ خروجه من غار ثور إلى أن وصل قُباء.
إنه محمد رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وقد هاجر لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وهو داعية الله، والمساجدُ خير الأماكن والمنابر لذكر الله، لأنها تجمع المسلمين على إقامة أهم فريضة من شعائرهم ألا وهي الصلاة، فضلاً عن كونها أماكنَ لتعليم دينهم، والتفكر والتشاور بأمورهم لنيل رضوان الله عزَّ وجلَّ.. ولذا فإن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لم يترك الوقت يمرُّ سدىً منذ وصوله إلى قُباء، بل أسَّس خلال الفترة الوجيزة التي قضاها فيها مسجداً، وهو أول مسجد أُسس في الإسلام، وقد بناه رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) في هذا المكان الشريف، فنزل فيه قول الله تعالى:
{لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ *} [التّوبَة: 108].
أجل لقد انصبَّ اهتمامه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) من أول يوم على تأسيس مسجد قُباء، في الوقت الذي لم يغِبْ عن باله أمرُ عليٍّ والفواطم، وماذا حلَّ بهم بعد هجرته.. وإنّ قدومَهم العاجل إلى قُباء، قد يجَعَله يرتاح، ويطمئن إلى غدٍ مشرقٍ، يُظهر فيه الله تعالى دينَهُ ولو كره المشركون.
أما عليٌّ بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) ، فكان قد أمضى في مكة ثلاثَ ليال، وكانت كافيةً لأداء الودائع إلى أصحابها، فلما فرغ من ذلك قام يشدّ الرحال، قاصداً يثرب مع الفواطم الثلاث رضي الله عنهن، وتبعهم أيمن ابن أم أيمن، وأبو واقد الليثي، وآخرون من ضعفاء المسلمين، الذين لم يستطيعوا الخروج من قبل..
وقد تعقَّبه ثمانية رجال من قريش، يريدون الفتك به، فاشتبك معهم، وقتل منهم جناح مولى الحارث بن أمية... وتابع سيره حتى بلغ قُباء في اليوم الثاني من وصول النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إليها..
وإذا كان وعثاءُ السفر وما رافقه من جهد في الذود عن حرم رسول الله قد أخذ من علي (رضي اللّه عنه) بعض الشيء، إلاَّ أنَّ همَّه كان الحفاظ على سلامة هؤلاء النسوة اللواتي حمَّله النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) مسؤولية حملهن - لشدة معزتهن عنده - فصارت سلامتهن أغلى من حياته - وكذلك مسؤولية من لحق به أثناء خروجه حتى أمكنه الله تعالى من إيصال الجميع سالمين، موفوري الكرامة... وكان لا بدَّ من أن يؤدي ذلك الجهد إلى ورم في رجليْ علي (عليه السلام) وتشنُّج في مفاصله وعروقه. إلاَّ أنه نسي كل آلامه عندما رأى حبيبه محمداً (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، فاندفعَ نحوه بكل جوارحه[*]، ليتلقاه النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) في أحضانه، فيعتنقان، ويشدان على بعضهما بعضاً، حتى خشعت العواطف لاعتناقهما، وذابت المشاعر للقائهما..
ورأى النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ما حلَّ بعليٍّ، فأخذ يمسح موضع الألم بيديه الطاهرتين، حتى أبلّ عليٌّ مما أصابه.
وكان المسلمون في يثرب لا يزالون على انتظارهم، كعادتهم كل يوم. فلما كان نهار الجمعة الموافق للسادس عشر من ربيع الأول، كان أول من رأى النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وصحبَه رجل من اليهود، فصرخ بأعلى صوته، من على شجرة نخيلٍ - يا بني قَيْلَة (وكانت هذه كنية العرب في يثرب) هذا صاحبكم الذي تنتظرون قد جاء.
وسرى خبر مقدم رسول الله في يثرب، فخرج أهاليها، شيوخهم وفتيانهم، نساؤهم وأولادهم، يستقبلون الوافد العظيم، الذي جاء يحمل لهم الهداية من الله تبارك وتعالى، ويضيء حياتهم بنور الحق والإيمان، ويبشِّرهم برضوان الله تعالى ورحمته. وتدافع المسلمون لملاقاةِ نبيّ الهدى وهم يكبِّرون: «الله أكبر، الله أكبر.. جاء محمد رسول الله.. الله أكبر، الله أكبر.. جاء محمد رسول الله».. وأما اليهود - وقد أيقنوا أنه محمدٌ، وليس غيره - فقد رأوا صدق البشارة في توراتهم».
وهكذا استقبلت يثرب رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بالفرحِ والفخرِ.. وكان التعبير من بناتِ الأنصار، وهنّ يُنْشِدنَ بسرورٍ وحبور:
طَلَعَ البدرُ علينَا
من ثنيّاتِ الوداعْ
وَجَبَ الشُكرُ علينَا
ما دَعَا لله داعْ
أيُّها المبعوثُ فينَا
جِئْتَ بالأَمْرِ المُطَاعْ
جِئْتَ بالخيرِ إلينَا
مَرْحَباً يا خير داعْ
وبوصول النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إلى يثرب، انتهى العهد المكي، وابتدأ عهد جديد في حياة الدعوة الإِسلامية، هو العهد المديني، الذي يعتبر بحق عهد الدولة الإِسلامية..
وقد استمرَّ ما قبل الهجرة ثلاثَ عشرة سنة في مكة، ولم يُفرض خلالها من الأحكام الشرعية سوى الصلوات الخمس بعدد ركعاتها، المعروفة الآن في كل صلاة، عند المسلمين..





Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB