خَاتَمُ النَّبييِّن مُحَمَّد (ص) (الجزء الاول)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1568
تاريخ النشر :   2006




البحث الثالث: الرسول (ص) يَعرض الإسلام على القبائل وأهل النّصْرة

لقد كان من عادة العرب، كلما حضروا إلى مكة في موسم الحجّ، أن يرتادوا الأسواق لعرْض بضائعهم، فيبيعون ويشترون.. وكان أشهرها ثلاثة: عكاظ، ومجنّة وذو مجاز..
فأما «عكاظ» فهي سوقٌ بين مكة والطائف، على بعد يوم من الطائف وثلاثة أيام من مكة. وأما «مجنَّة» فهي سوق على نحو اثني عشر ميلاً بأسفل مكة. وأما «ذو مجاز» فهي سوق على يمين الموقف من عرفة، وتبعد عنها ثلاثة أميال، فكانت أقربَ تلك الأسواق إلى مكة.
وكان العرب يبدأون بسوق «عكاظ»، فيحضرون إليها مع هلال ذي القعدة، ويقيمون عليها عشرين يوماً، ثم ينصرفون إلى «مجنّة» فيمضون عشرة أيام، فإذا رأوا هلال ذي الحجة علَوْا إلى «ذي مجاز» ليبيتوا ثماني ليالٍ، ثم يرتوون من مائها في اليوم الثامن، ويخرجون إلى عرفة ليبدأوا مناسك الحج، ومن أجل ذلك عُرفت تلك الأسواق عندهم بـ «المواسم».
ولقد امتازت قريشٌ في تلك الأسواق بأن يكون لكل بطنٍ من بطونها حَكَمٌ في المسائل التي تُعرض، وفي إجراء المصالحات بين القبائل ودفع الديات فضلاً عن المباريات في الشعر والخطابة، وما إلى ذلك من القضايا والأمور التي تتعلق بجوانب عديدة من حياة القبائل ونمط عيشها في الصحراء..
وكانت قريش تنتدب - عادة - من أولئك الحكّام أبرزَ وجوه سادتها، أمثال:
أبي طالب عن بني هاشم (قبل وفاته)، وأبي سفيان عن بني أمية، والوليد بن المغيرة عن بني مخزوم، والعاص بن وائل عن بني سهم، وعتبة بن ربيعة عن بني عبد شمس.
وعلى مثل تلك الأعراف حلَّ الموسم ذاك العام، فجاءت القبائل من مختلف أنحاء الجزيرة، وخرجت قريش بدورها تتقدمها الرايات والفرسان والحشود على قرع الطبول والأهازيج والغناء، بينما ذهب النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) في نفرٍ من الصحابة لا يبتغون جاهاً ولا زعامة، وإنما يرجون لقاء الناس في سبيل أمرٍ واحد، وهو دعوتهم إلى الهداية، والدخول في دين الله - الإسلام.
ملاحقة المشركين للنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)
ذلك ما كان رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) قد عقد العزم عليه، وهو أن يغشى الأسواقَ، ويعلنَ على مسامع القبائل بأنه نبيّ مرسلٌ من الله، وأنه أنزل عليه ربُّهُ - تعالى - قرآناً عربياً يهدي للتي هي أقوَم، ويبشر المؤمنين الصالحين بأنَّ لهم قَدَمَ صدْق[*] عند مليك مقتدر..
وابتدأ الموسم في عكاظ، وانهمك الكل في شؤونهم، بينما أقبل رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) - ومن ورائه بعض الصحابة - على الناس، فرادى وجماعاتٍ، يعرض عليهم الإسلامَ والتصديقَ بنبوَّته حتى يكتب الله - تعالى - لهم الهداية والرشادَ.. إلاَّ أن شياطين قريش كانوا يتصدّون له، ويفسدون عليه كل محاولةٍ لإيصال دعوته إلى الناس، كما يتبيّن من هذه الهجمة الشرسة عليه، وهو يحدّث جماعةً عما بعثَهُ ربُّهُ به، وعمّا يحمل الدين الذي يدعو إليه من هدىً، ورحمةٍ للعالمين، إذ انبرى عمُّهُ أبو لهب يكذِّبه وهو يقول:
- لا تصدّقوا هذا الرجلَ يا قوم، إنه ابن أخي، وأنا أعرفه حق المعرفة، فإنه لا يعدو كونه رجلاً مسحوراً.. وردَّ رسولُ الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) تهمة أبي لهب عنه بقول الله تعالى: {إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ *} [الأعرَاف: 188].
قال أبو لهب: بل إنه مجنون..
وأجاب الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بتلاوة قول الله عزَّ وجلَّ: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعَام: 50].
وتنطَّحَ عتبة بن ربيعة، بجانب أبي لهب، ليقول:
- بل هو شاعر تتربص به الشياطينُ المنونَ، فتوحي له زُخرفَ القول..
وسفَّه الرسولُ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) رأيَهُ بقرآنٍ كريم يتلوه على مسامع الجماعة:
{وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ *وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ *} [الشُّعَرَاء: 210-211].
ثم بيّن أن المتربّصين به فعلاً إنما هم شياطين الإنس، أمثال هؤلاء الذين يجدّفون على الحق، وأنَّ ما يتلوه هو قرآنٌ كريم يتلقّاه من لدن الله الحكيم العليم، ثم تلا قول الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ *} [النَّمل: 6]... وهنا تدخّل أمية بن خلف، وهو يصرخ بتلك الجماعة قائلاً:
- أرأيتم يا قوم! إنْ هذا إلاَّ سحرٌ مبين، إن هذا إلاَّ افتراء يفتريه من عنده يسحر به الناس.
ولم يكن ما قاله أمية بن خلف إلاَّ ترديداً لقول الكافرين، إذا تتلى عليهم آيات الله - تبارك وتعالى - بيّناتٍ، وهي الحقُّ قالوا {لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ *} [سَبَإ: 43].. فلم يجد ادّعاءً آخر يمكن أن يزوّر به حقيقة الآيات القرآنية - ولو تجديفاً على مسامع الناس - إلاَّ أن يقول: إن هي إلاَّ سحرٌ مبين، فجاءه النفيُ القاطع على ادعائه، وقوله الزور والبهتان، بآيات تصفع وجهَهُ، ووجوه من وقف معه من شياطين قريش، عندما ردَّ عليهم الرسولُ الأمين بقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ *أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *} [الأحقاف: 7-8].
وكانت مثل تلك الملاحقة تتكرر كل يوم من أيام سوق عكاظ العشرين.. فالرسول المبين يريد أن يوصل دعوة الله إلى آذانِ العرب وقلوبهم، وكفار قريش يبعدونهم عنه بالتكذيب، والتجديف على الحق.. بل كانوا يستعملون أشدَّ الأسلحة وأمضاها في صرف الناس عن رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) من خلال التأثير في مشاعرهم الدينية، وهم يشيعون بأنَّ «محمد بن عبد اللّه» ما هو إلاَّ عدوُّ للآلهة التي يعبدونها، لأنه يدعو إلى عبادة الله الواحد الأحد، دون الآلهة التي تعبدها العرب، وفي هذا ما فيه من تنكُّرٍ لدين الآباء والأجداد، وتسفيهٍ لأحلامهم، فكان حريّاً بالعرب أجمعين أن يتخذوه عدواً!..
هذا ما كان أئمةُ الكفر يدّعونه، مقابلَ القرآنِ الذي يتلوه «محمد»، والدعوةِ للدخول في الإسلام... وهذا ما جَعَلَ الناسَ لا يكترثون لما يحصل بين الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ومن يلاحقونه من أولئك الكفار.. فالسوق عامة، واهتمامات الناس تنصبّ على التجارة وتبادل السلع، وتأمين الحاجات، ومَنْ جاء ليدليَ بآرائه وأفكاره فذلك له، ولكلٍّ أن يقول أو يبدي، ما يوافق هواه، لأن سوق الآراء والأفكار لا تقل أهمية عن سوق البضائع.. أمَّا ما يدور بين رجالات قريش فلعلَّه منافسة على الزعامة، وعلى شؤونٍ تخص بلدهم وحدَهم، وليس للعرب من حاجة للتدخل بينهم، حتى لا يجلب المتدخلون العداوة لأنفسهم..
أجل، هكذا كانت الصورة تتراءى في الأذهان.. فتحملُ الظنونُ الناسَ محاملَ مغايرةً لما يدور على ساحة مكة من مجريات للأحداث!.. وكيف لا، وهم يرون تلك الجماعةَ من زعامة قريش لا يتوانون أبداً عن ملاحقة أحد أبنائهم، ليعارضوه في كل أمره، ويصرفوا الناس عنه!..
وكان من حق القبائل - أفراداً وجماعات - أن تكوّن مثل هذا الرأي بسبب عدم وعيها، وإدراكها لحقيقة ما كان يعلنه رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، ويدعو إليه.. ولذلك توهمت - أو ظنت - أن الأمر لا يعدو كونه نزاعاً على الرياسة في قريش، وهو شأن داخلي لا يجوز لأي قبيلٍ أو قبيلةٍ التدخل فيه، نظراً لما لقريش من مكانةٍ في نفوس العرب..
الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يطلب أهل النصرة في منازلهم
... وأفلحت زعامة قريش في صرف الناس عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، فأملت أن يهدأ ويستكين، متناسيةً الجوهر الذي ينطلق منه تحرُّكه، ألا وهو أنه صاحب عقيدة، وقد نذر نفسه - بل وحياته كلها - لأجل هذه العقيدة، وإيصال الدعوة التي انبثقت عنها إلى الناس..
أما هو (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فقد رأى بعد ذلك الإعراض أن يعتمد نمطاً جديداً في دعوته، وهو أن يذهب إلى رؤساء القبائل ومشايخهم في منازلهم، لأنهم هم المعوَّل عليهم باعتبارهم أهلَ النصرة أي أنّ المواقف التي يتخذونها تُلزم أبناء قبائلهم، ونادراً ما يخرج أحدٌ على طوعهم؛ فهؤلاء القادة، وبما لهم من نفوذ، قد يكونون أهل النصرة لدعوته، واستجابتُهم قد تكون فلاحاً كبيراً لهذه الدعوة..
ولكن من هم أهل النصرة؟ ولماذا يقصدهم الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بالذات؟ وما الدور الذي يمكن أن يقوموا به؟
لا ريب بأن المنطلقات التي تقوم عليها حياة الناس، مردُّها إلى الأفكار والمناهج التي تسود المجتمعات خلال حقبة معيَّنة في التاريخ.. وإن تلك الأفكار والمناهج، مهما كانت عميقة ومستنيرة، ومهما كانت تحمل في طياتها من مقومات لإحداث التغيير في المجتمعات، فإنها تظل مجرد تصورات حبيسة في الرؤوس إن لم تنطلق إلى واقع الحياة للتفاعل معه والتأثير فيه.. ولا يمكن أن تُحدثَ مثلَ هذا التأثير إن لم تدخل في قناعات رجال أقوياء يستطيعون تحويل التصورات إلى سياساتٍ وقرارات، وإلى مناهج وبرامج تملك القابلية للحياة.
والعقيدة الإسلامية، التي زرعت في نفس محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ونفوس أصحابه، استجابة للوحي الإلهي، إنما تزخر بالأفكار النيِّرة والمناهج القويمة.. ويكمن فيها من القوة والقدرة على التفاعل ما يوفّر لدعوتها المناخ لقبولها من ذوي النفوذ لدى قبائل العرب، ثم لتعودَ وتأخذ مداها الرحب - الذي يطلقها حقيقة أصيلة، ونهجاً حياتياً، باعتبارها تخاطب العالمين - لإقامة الحكم الأمثل الذي يريده الله - تعالى - في دنيا الأرض..
وإذا كانت مراكز القوى محصورة في شيوخ القبائل إبّان جاهليةِ العرب، بل والجاهليةِ التي كان عليها العالم كله في تلك الحقبة من التاريخ، فإنَّ الأمر لا يختلف عنه كثيراً اليوم إلاَّ في توزيع القوى بين فعالياتٍ متعددة تأتي في طليعتها الأحزاب السياسية، وأصحاب الثروات ورؤوس الأموال، فيؤتى من جراء التحالف بين تلك الفعاليات بالحاكم - على مختلف مستويات الحكم السياسي - والقائد العسكري، والمنظّر الفكري، والداعية الاجتماعي حتى تتكامل السلسلة بالتاجر والصانع وأمثالهما ممن يُعتمد عليهم، ويصيرون من ذوي النفوذ والتأثير.. فهؤلاء جميعاً يشكلون أهل النصرة اليوم، بينما كان الملك، والإقطاعي، وشيخ القبيلة، وأي حاكم قوي أمثالهم، هم الذين يُعتبرون أهلَ النصرة في الجاهليات القديمة..
إذن فقد أرادَ رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) - الذي يحيط علمُه بأحوال القبائل العربية إحاطة كاملة - أن يبدأ تحرّكاً جديداً في ملاقاة أسياد تلك القبائل ومشايخها، الذين يعتبرون أهل النصرة بالفعل، لأن المواقف التي يتخذونها، والآراء التي يعتمدونها تُعتبر مقدسةً لدى أبناء القبائل، فيلتزمون بها، ويعملون بوحيها؛ ونادراً ما يخرج بعض الأفراد على طوعهم، وإذا فعل ذلك أحدهم فإن القبيلة تنبذه، فيرحل ليلوذ بمنازل قبيلةٍ غير أهله وعشيرته..
وعلى أساس مثل هذا التوجه أراد الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أن يعرض الإسلام على أهل النصرة في منازلهم.. فبدأ في بني كندة، وسيدهم - يومئذٍ - يقال له مليح، فدعاهم إلى دين الله - عزّ وجلّ - ولكنهم أبوْا الهدايةَ!..
فأتى بني كلب، في بطنٍ من بطونهم، يقال لهم «بنو عبد اللّه»، فعرض عليهم الإسلام ودعاهم لعبادة الرحمان، فرفضوا - مثل بني كندة - الانصياعَ لدعوة الحق!..
ثم أتى منازلَ بني حنيفة، وهم أهل اليمامة - أصحاب مسيلمة الكذاب - فكان موقفهم أشدَّ ممن سبقهم، وردّوه ردّاً غير جميل!..
لقد كان الإنكار للحق من تلك القبائل، وعدم الاستجابة لنداء الإيمان قد طغيا على النفوس، إلاَّ أن رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لم يداخلْه أي يأس أو قنوط - وحاشا ذلك لخاتم النبيين - فظل يعمل على الوتيرة نفسِها، فذهب إلى مضارب بني عامر بن صعصعة، يبلغهم رسالة ربِّه.. ويبدو أن هؤلاء أنصتوا إليه ولكنهم طمعوا، إذا انتصر بهم هذا النبي، أن يجعل لهم الأمر من بعده، فراحوا يفاوضونه على ذلك كما صرَّح به أحدهم، ويدعى بَيْحَرة بن فِرَاس، عندما قال للنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) :
»أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟»[*].
وكان الردّّ القاطع، الذي لا ريب فيه، وهو يصدر عن رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بقوله:
- «الأمر لله يضعه حيث يشاء»[*].
إنه واضحٌ وبديهيٌّ أن الأمر لله وحده، فهو سبحانه يضع أمْره حيث يشاء، ولا يمكن لأحد من أهل الأرض أن يقرر أمراً هو لله سبحانه.. ولكن هل يعرف هذه الحقيقة الذين لا يطلبون إلا الحياة الدنيا؟! ولذلك عاد ابن فراس يقول لرسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) :
»أفنهدفُ نحورَنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا. لا حاجة لنا بأمرك»[*].
هكذا انتهى جدالُ بني عامر بن صعصعة للنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، فلما عادوا إلى ديارهم، سألهم شيخ القبيلة عما كان عليه موسمهم، فقالوا:
- جاءنا فتىً من قريش، أحد بني عبد المطلب، يزعم أنه نبي، يدعونا إلى أن نمنعَهُ، ونقوم معه، ونخرج به إلى بلادنا[*].
فلما سمع الشيخ الحكيم قولهم، وضع يديه على رأسه ثم قال:
- «يا بني عامر هل لها من تَلافٍ؟ هل لذُنَابَاها من مَطلب؟[*]. والذي نفسي بيده ما تقوَّلها إسماعيليٌّ[*] قطُّ، وإنها لحقٌّ، فأين رأيكم؟»[*].
لقد تمنَّى الشيخ الحكيم لو كان لبني قومه رأي حصيف فأدركوا حقيقة ما عرضه عليهم رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، ولكنهم أضاعوا الفرصة وفوَّتوا الشرف، فظلُّوا على كفرهم بسبب المطمع إلى الملك والسلطان، وكان خليقاً بهم أن يهتدوا إلى الإِيمان بالله وإعلاء كلمة الحق..
وتلك النزعة التي كانت تُسيطر على النفوس، وتذهب بالعقول، يبرزها بنو عامر في طلبهم إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أن يكونوا خلفاء له في الأرض على دين الله، وهمُّهم الوحيدُ أمور الدنيا، وشاغلُهم أسبابُ الحياة.. فهل يكون مثل هؤلاء جديرين بأن يحملوا الأمانة الكبرى التي عهدها الله سبحانه لرسوله الكريم، وجعلها من بعده لأوليائه الصالحين وحدهم، دون سائر خلق الله؟
لا، لا يمكن لأولئك القوم، ولا لأمثالهم من أهل الأرض جميعاً - إذا كانوا طلاب مجدٍ دنيوي - أن يندبوا أنفسهم لنصرة دين الله. ولا يرتضي الله سبحانه وتعالى - حسب تقديره - مثل هؤلاء الناس كي يحملوا أمره والدعوة إليه، ولذلك كان إعراض بني عامر بن صعصعة بمشيئة الله عز وجل.
... إذن، فالرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لا يُلاقي إلا الصدود والإِعراض من قبائل العرب. ولكن الموسم لم ينتهِ بعد، ولذا فهو لن يحيد، ولن يتوقف عن متابعة الدعوة لأنه موقن تمام اليقين بأن الغلَبَة للحق وإن طال الزمن، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج بعد الكرب، وأن مع العسر يسراً..
بنو شيبان وردهم الصادق
ومن خلال هذه المتابعة يقصد الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بني شيبان ومعه بعض الصحابة، وكان أبو بكر (رضي اللّه عنه) أول من بادر بالحديث - لأنَّ في القوم من يعرفونه - فقال:
- يا بني شيبان بن ثعلبة! أتعلمون أنَّ لنا فيكم أهلاً، وخلاّناً، وصحبة..
ثم يتوجه إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وهو يريد أن يُظهر فضل هؤلاء القوم بين الناس، فيقول:
- بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ليس بعد هؤلاء القوم عِزٌّ، وإنهم غُرٌّ في قومهم وغُرٌّ في الناس.
وبعد هذه المقدمات التي رام فيها أبو بكر (رضي اللّه عنه) بعث الثقة في نفوس هؤلاء القوم، عاد يسألهم:
- كيف العدد فيكم يا أهل الخلان والصحبة؟
وكان شيخ بني شيبان رجلاً وقوراً يدعى مفروق بن عمرو، فرد على أبي بكر، قائلاً:
- إنا لنزيد على ألف، ولا نُغلب من قلة.
قال أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟
قال مفروق: علينا الجُهد، ولكل قوم جدّ.
قال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوِّكم؟
قال مفروق: «إنَّا أشد ما نكون لقاءً حين نغضب. وإنا لَنؤثرُ الجياد على الأولاد، والسلاح على اللِّقاح (أي الإِبل)، والنَّصرُ من عند الله يديلنا مرة، ويديل[*] علينا»..
قال أبو بكر: وهل بلغكم أن الله سبحانه بعث فينا، نحن معشر قريش، محمد بن عبد الله، رسولاً مبشراً ونذيراً؟
قال مفروق: لقد بلغنا ذلك، وما عرفناه.
قال أبو بكر: فهذا رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بينكم، وفي حيطتكم، وقد جاء يعرض الإسلام عليكم..
وهنا جاء دور الرسول الكريم فراحَ يبيّن لبني شيبان معنى الإسلام، وما يحمل من الفضائل التي تُعلي من قدر الإنسان، وما يدعو إليه من ضرورة ترك الوثنية وعبادة الأصنام، والإِيمان، بديلاً عنها، بالله الواحد الأحد.. حتى إذا أفاض في البيان والتبيان دعاهم إلى الله عز وجل وهو يقول لهم: «أدعوكم إلى شهادة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وأن تؤووني وتنصروني حتى أبلِّغ عن الله تعالى الذي أمرني به، فإن قريشاً تظاهرت على أمر الله، وكذَّبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد»، وكان الرسول يؤيد ما يقول بآياتٍ من الذكر الحكيم، من مثل قوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ *قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ *} [الأنعَام: 48-50].
فقال مفروق: فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان كلامَهم لعرفناه..
فتلا رسولُ الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) :
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *} [النّحل: 90].
فقال مفروق: دعوتَ والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أساء قوم كذَّبوك وظاهروا[*] عليك.
وأحبَّ حكيم شيبان أن يُشركه في الرأي شيخٌ آخر من شيوخ القبيلة، فقال: وهذا هانىء بن قبيصة شيخُنا وصاحب ديننا فهو خير من عَلِمَ، وخيرُ من أجابَ، فهات ما عندك يا شيخ هانىء!
فقال الشيخ هانىء: «سمعت مقالتك يا أخا قريش، وصدَّقتُ قولك. وإني أرى إنْ تركْنا دينَنا، واتبعناك على دينك لمجلسٍ جلستَهُ إلينا، ولم نتفكَّرْ في أمرك، وننظرْ في عاقبة ما تدعونا إليه، لزلَّةً في الرأي، وطيشةً في العقل، وقِلةَ نظر في العاقبة. وإنما تكون الذلة في العجلة. وإن من ورائنا قوماً نكرَهُ أن نعقِدَ عليهم عقداً، ولكن نرجع وترجع.. وننظر وتنظر»..
ثم التفت الشيخ هانىء إلى المثنى بن حارثة، وهو من زعماء القبيلة أيضاً، وطلب إليه أن يُبَيِّنَ هو الآخرُ رأيه.
فقال المثنى: «قد سمعت أيضاً مقالتك، واستحسنتُ قولك يا أخا قريش، وأعجبني ما تكلمت به. والجوابُ هو جواب هانىء بن قبيصة. وإنَّا إنما نزلنا بين حيّزين: أحدهما اليمامة، والآخر السماوة، فأما الأول فهو ما يلي أرض العرب، وأما الآخر فأرض فارس وأنهار كسرى. وإنما نزلنا على عهدٍ أخذه علينا كسرى: لا نحدث حدثاً، ولا نُؤوي محدثاً (والمحدِث هنا الذي يحاول تغيير الوضع القائم). ولعل الأمر الذي تدعونا إليه مما يكرهه الملوك. فأما ما كان مما يلي العرب، فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول. وأما ما كان مما يلي بلاد فارس، فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول. فإن أردت أن تنصرف ونمنعك مما يلي العرب فَعلْنا».
فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) مخاطباً القوم «ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق، إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه» أو قال (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : «وما يحمل هذا الدين إلاَّ من يحيط به من كل جانب»..
ثم نبَّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إلى أمر حاسم في تقدير العلي العظيم وهو يقول لهم: «أرأيتم إنْ لم تلبثوا إلا يسيراً، حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم ويغريكم بهم، أتسبِّحون الله وتقدِّسونه؟»..
قال النعمان بن شريك، «اللَّهُمَّ إن ذلك لك يا أخا قريش».
وارفضَّ الاجتماع، ولم يدخل بنو شيبان بن ثعلبة في دين الله (تعالى) للأسباب التي أظهرها شيوخهم. ولكنهم كانوا خيراً من القبائل الأخرى، التي عرَضَ الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عليها الإسلام أمثال بني كندة، وبني كلب، وبني حنيفة، وغيرهم من القبائل التي كانت تجأر بالصدود، لأنها تهفو إلى الحكم والسلطان، أو تظهر الطمع في المكانة والسيادة، أو غيرها من المآرب، التي لا تتفق مع الإسلام ودعوته الخالصة، الخالية - وحدها - من المطامع والمآرب وما يماثلها من الغايات الدنيوية الزائلة..
ولعلَّ أهم النتائج التي تمخضت عنها الاجتماعات التي عقدها رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) مع القبائل، ما كان لاجتماعه ببني شيبان من أصداء تعدَّت حيّز المكان والزمان، عندما تنبَّأ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بأن المسلمين العرب سوف يغلبون الفرس، ويقهرون قوة سلطانهم. ولكنَّ قريشاً قلبت الأمر على عكسه واتخذت منه مادة جديدة للهزء والسخرية عندما راحت تتقوَّل بين الناس: أرأيتم «محمد بن عبد الله»!.. إنه يعد أصحابه بالأماني العجيبة في السيطرة على امبراطورية فارس!
وانتهى موسم الحج وقد أسمعَ رسولُ الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) صوته لقبائل العرب، وقد بلغت تلك التي عرض عليها الإسلامَ حوالى خمس عشرة قبيلة[*]، ما أراد منها إلاَّ أن تكون أهل نصرة لهذا الدين، لأنه يتوخى من وراء هذه النصرة الإنسان والمكان والزمان...
فأما من ناحية الإنسان فقد كان الهدف تغييرَ الذهنية السائدة ليصير لدى العربي نوع من القبول بفكرة التوحيد، ومن ثم معرفة الإسلام على حقيقته واستشفاف روحيته، إذ كانت المطامع الدنيوية تغلب على كل شيء، وهذا ما يمثِّله، أو يعبِّر عنه بنو عامر بن صعصعة الذين كانوا يعتقدون أنه بمقابل نصرة النبي يجب أن يؤول الأمر إليهم من بعده وكأنَّ النبوّة شأن قابل للتداول بين الناس!...
وأما من ناحية المكان، فلم تكن جغرافية الأرض العربية ملائمة كلها لانتشار الإسلام. وما أظهره بنو شيبان كان تعبيراً واضحاً وصادقاً عن تأثير هذا العامل الجغرافي، فربما لو كان بنو شيبان في أرض الصحراء الحرة، بعيدين عن ضغوط فارس وملوكها لكانوا اندفعوا إلى الدخول في الدين الجديد، وكانوا من أول أهل النصرة لهذا الدين، لما أظهره شيوخهم من الرأي والحكمة..
وأما من حيث الزمان فقد كان طلب النصرة في الوقت الذي كانت فيه كل من الامبراطوريتين الفارسية والرومانية تعبِّىء نفسها لمقاتلة الأخرى (لاسيما بعد انتصار الفرس على الروم) وكان مثل هذا الأمر يشغل بال العرب لما له من تأثير على قوافلهم التجارية لأن انشغال القوتين العظميين - في ذلك التاريخ - وانصراف كل منهما إلى مواجهة الأخرى، كان من شأن ذلك أن يفسح في المجال لقيام قوة ثالثة، وأرض الجزيرة أصلحُ البقاع مهداً لهذه القوة، والزمان أنسب الأزمان لقيام نواة الدولة الإسلامية.
وبذلك نجد أن الرسول الأعظم كان يحسب لكل الأمور حسابَها، وكان يضع خططه، ويحدد مراحل سير الدعوة، بما يتوخى فيه الإنسان والمكان والزمان. أما بالنسبة إلى قبائل العرب، فإلى جانب تلك العوامل التي رأيناها، والتي كانت تجعلهم يُعرضون عنه، كان عامل الخوف من قريش هو الأبرز والأهم، أي أنَّ ملاحقة رجال من قريش للنبي، وتأليب شيوخ القبائل عليه، يعتبران من أهم الأسباب المانعة لقبول تلك القبائل الإِسلام. فقد كان مثلاً عمُّه أبو لهب يتبعه حيثما توجَّه من منزلٍ إلى منزل، ومن مجلس إلى مجلس، ليصرف الناس عن تصديقه واتباعه. فمن قبيل ما كان ذلك الكافر أبو لهب يصدُّ به الناس عن الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) قوله لهم: «يا بني فلان، إنَّ هذا الرجلَ إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أُقَيْش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه»[*]، وكثيرون مثله كانوا يلاحقون النبيَّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وينسجون على مسامع القبائل ما يحلو لهم من الأكاذيب والافتراء عليه، مما كان يدفع الناس للردّ عليه قائلين: «أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك»[*].
إذن، فإعراض القبائل عن الإسلام كان - كما أبدينا مراراً - لاعتبارات عديدة:« إما تمسُّكاً بديانتها الوثنية، وإما خشية من سلطان قريش ونفوذها، وإما حفاظاً على مصالحهم الاقتصادية في مكة، لا سيما في مواسم الحج وعكاظ»[*].
ومن جراء تلك الاعتبارات الدنيوية انقضت المواسم (في عكاظ ومجنّة وذي مجاز) من غير أن تدخل قبيلة واحدة في الإسلام، بل ولم يُقبل على هذا الدين حتى بعض أفراد قلائل.. وقد عدَّد بعض كتَّاب السيرة القبائل التي أتاها النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أمثال «بني عامر بن صعصعة، وفزارة، وغسان، ومُرّة، وحذيفة، وسليم، وعبس، وبني النضر، وبني البكاء، وكندة، وكلب والحارث بن كعب، وعذرة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد»[*]. وهذا ما أثلج صدور أهل الكفر والشِّرك من قريش، فعادوا إلى ديارهم فرحين مستبشرين.. ولكن علامَ يستبشرون؟! فإن رغبت قبائل العرب عن الإسلام، بفعل تلك الطغمة الظالمة من قريش، فإن الدعوة لهذا الدين باقية، ومستمرة، ولن يتوقف الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عن مواصلة جهاده - هو وأصحابه - مهما تألَّبت عليهم قوى الشر، أو حالت بينهم وبين الناس قوى الضلال والاستكبار.. فالمسلمون مع الحق، والحق معهم، وهما صنوان لا يفترقان.. إنهم يأتمرون بأوامر الله - تعالى - ونواهيه، فلا بدَّ من أن يكون النصر حليفهم في نهاية المطاف، لأن الغلبة للحق، وإن ظهر أن الباطل استقوى عليه إلى حين، ومن ينصرْ الله - تعالى - ينصرْه.. ولذلك كانت الصدمة قوية على قريشٍ، وهي ترى النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يعاود سيرته الأولى بعد الموسم، ومن ورائه أصحابُهُ الذين يعملون على المنهج نفسِه، والعزيمة نفسِها، بلا كللٍ ولا مللٍ.. فقد كان (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لا يترك طوافاً حول الكعبة، ولا صلاةً في رحابها الطاهرة؛ ولا يجلس مع أحد إلاَّ والدعوة على لسانه - مثلما هي في قلبه - يصارح الناس بها، ويصدقهم القول؛ ويبدي الحجج والبراهين المؤيَّدَة بالآيات القرآنية المبينة، وفيها ما فيها من المعاني والقيم التي تفتّح الأذهان والعقول، وتطمئنُّ لها القلوبُ والأفئدة التي يشاءُ الله - تبارك وتعالى - أن يهديها لنور الإيمان. فالدعوة للإسلام باقية حقاً!.. ولكن الجهود التي يبذلها رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) مضنية، وليس من جديد يمكن أن يخفف عنه الأعباءَ الثقيلة، بل على العكس، كان كل شيء ينذرُ بما يزيد من تلك الأعباء، لأن الأجواء المحيطة بالنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) كانت نكَداً من جميع الجوانب: مآسيَ وأحزاناً في حياته الخاصة، وإعراضاً وعدمَ قبول في حياة الدعوة، وظلماً وقهراً في حياة الدعاة..
زواج النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) من السيدة سودة
كل تلك الأحمال بأثقالها المادية والمعنوية، كانت كفيلةً بأن تجعل حياةَ النبي محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، صعبة وشاقة.. إنه بشر مثلنا، وليس من يحمل معه، في داخل بيته، شيئاً من همومه الثقيلة إلاَّ ابنتُه فاطمة (عليه السلام). في حين أنها، وفي السن التي كانت عليها، أوْلى بالرعاية والحنان من أن ترهَق بالهموم وترزح تحت وطأتها. ولذلك، فقد كان من المحتوم أن يُمضيَ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، في ظل تلك الظروف، أياماً ثقيلة مرهقة ويبيت لياليَ عصيبة مؤرقة، حتى صار الحزن مطبوعاً على وجهه الشريف، وصارت حياته موضع اهتمام الصحابة الأخيار، يتألمون هم وزوجاتهم المؤمنات لحاله، أكثر مما يتألمون من أوضاعهم المملوءة بالشدة؛ فقد كانوا يتفكرون في السبل التي لا تُبقي رسولهم مع ابنته وحيدَيْن مستوحشَيْن لفراق الزوجة والأم، بعد أن توفى الله تعالى السيدة خديجة ونقلها إلى رضوانه وريحانه..
وكانت أكثر النساء المسلمات تحسُّساً بمعاناة النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وفقدانه لفراق زوجه المبرورة الطيبة، السيدة خولة بنت حكيم السلمية، زوجة الصحابي عثمان بن مظعون (رضي اللّه عنهما)، التي رأت في زواج النبي من إنسانة مؤمنة، ما قد يعينه على عبوس الأيام. وتشاورت مع زوجها، ثم ذهبت إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، تخاطبه مترفقة، متلطفة، وهي تقول له:
- يا رسول الله، كأني أراك قد دخلتْك خلة[*] لفقد خديجة رحمها الله؟..
ولا يخفي الصادق، المصدَّق (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) مشاعره حيال ما خلّفته أمُّ العيال وربَّةُ البيت من فراغ وراءها، وما يعاني من مآسي الحياة التي تحيط به من كل جانب، بل يصارح زوجة عثمان بكل شيء، مما جعلها تندفع برأيها، فتقول له:
- ألا تتزوج يا رسول الله؟..
فيشير (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : ومَنْ بعدَ خديجة؟
فقالت: إن شئت بِكراً، فعائشة بنت أبي بكر. وإن شئت ثيباً فسودة بنت زمعة، وأنت أعلم الناس بها يا رسول الله.
وأصغى الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إلى خولة، ولكن آثرَ أن تتركه إلى الغد.. فاختلى (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بنفسه يستعرض، ما قالته هذه المرأة المؤمنة، ويتفكّر في حياة سودة بنت زمعة، الإِنسانة التي عاشت بلا زوج، ولا ولد، حتى إذا جاوزت مرحلة الصبا والشباب، حنت عليها الحياة ببارقة أمل مشرقة، فتزوجت ابن عم لها يدعى السكران بن عمرو.. وقد أمضت معه سنوات قصيرة، كانا خلالها قد آمنا، وبايعا النبيَّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، ثم ارتحلا مع المهاجرين إلى أرض الحبشة. ولكنَّ المنية لم تلبث أن اغتالت الزوجَ هناك من دون أن يُنجب من سودة أولاداً، فندبت حظها وعاشت من بعده أرملة، مهيضةَ الجناح[*]، تصبر على قضاء الله وقدره، وتتأسَّى بالإِيمان الذي ملأ قلبها. وكانت من المسلمات العاملات في مكة، بعد عودتها من الهجرة.
إن حياة هذه المرأة بما واكبها، جعلت الرسول العظيم يقرر الزواج بها. فلما جاءته خولة بنت حكيم في الصباح، أرسلها في طلبها.. فجاءته على عجل، ولم تصدِّق أذناها ما تسمع وهو (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يعرض عليها نفسه، فتوافق بالإِيجاب قائلة:
- أمري إليك يا رسول الله..
وطلب إليها الرسول الكريم أن تأتي برجل من قومها ليزوجها. فذهبت إلى ابن عمها حاطب بن عمرو، وجاءت به شاهداً على زواجها من أكرم خلق الله محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) .
ودخلت سودة بنت زمعة بيت النبوَّة. فأسبغ الله (تعالى) عليها من نعمائه، ورفع قدرها، وزادها شرفاً وتكريماً بأن جعلها أمّاً للمؤمنين..
وعاشت زوج النبي في كنفه، تقوم على خدمته بكل جوارحها، وهي تصل بذلك حاضِرَها العظيم بماضيها الكريم، وقد تفتحت أمامها آفاق المستقبل المشرق بالإِسلام، المضيء بالإِيمان والرضوان..
النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يخطب السيدة عائشة
ومثلما أراد الرسول الأعظم أن يثيب امرأة مؤمنة على إخلاصها في سبيل الله تعالى: إيماناً وهجرة، وداعيةً.. فجعل من نفسه رائداً للحدب والبرّ والمؤاساة بزواجه بها، كذلك أراد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أن يعطي المثَل في الوفاء والاعتراف بحسن الجميل، فطلب من صديقه أبي بكر يَدَ ابنته عائشة..
ذلك أنه كان لأبي بكر فضل السبق في الإِسلام.. وقد رأيناه أول رجل راشد قد صدَّق النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وآمن بما دعاه إليه، من دون أي تردد أو إبطاء. ثم راح منذ إسلامه، يعمل على دعوة من وثق به من أهل مكة للدخول في دين الله، فدخل في هذا الدين ببركة سعيه، وعلى يدي رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، نفر ذوو مكانة من المسلمين الأوائل؛ وما كان ذلك بالسهل اليسير في تلك البيئة الجاهلية التي لا تريد أن تتخلى عن معتقداتها الوثنية، وهو ما يقدّره النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) حق التقدير ويجعل له اعتباراً خاصاً عنده تجاه أبي بكر (رضي اللّه عنه) ، فيرى أنْ يجزيَه لحسن صنيعه، ثم ليبيِّن للناس فضل أولئك المسلمين الأوائل وتأثيرهم في أبناء عشيرتهم، وأثرهم في تثبيت دعائم الإِسلام.. فكان أن اعتزم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أن يخطب يد ابنته عائشة في سبيل تلك الغاية السامية ألا وهي الوفاء والاعتراف لأبيها بالفضل. وأهمية هذا الأمر أن المرأة التي يتزوجها رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) تصبح أمّاً للمؤمنين.. وهي مكانة عظيمة ليس للمرأة وحدها بل هي كذلك شرفٌ واعتزاز لذويها، وبخاصة لأبويها. وعندما تنال عائشة تلك المكرمة، فلسوف يهنأ أبو بكر ويعتز، لأنه لا شيء أحب إلى قلب إنسان، ولاسيما المسلم، من أن ينال ولدُه مكانة كبيرة، لها شأنها في الحياة الدنيا، وفي الحياة الآخرة، - إن شاء له الله تعالى ذلك وقدَّره ـ.
نعم بمثل هذا السموّ الفكري، والغاية النبيلة، بعثَ النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بخولة بنت حكيم - وهي البادئة في سعيها لزواجه - إلى أبي بكر (رضي اللّه عنه) لتنقل ما ارتآه بشأن ابنته.
وتلقَّت أم رومان - زوج أبي بكر - زائرتها بالتأهيل والترحيب، ولكنَّ هذه الزائرة الكريمة، ومن دون مقدمات، عاجلت، بعد أن ألقت عليها سلامَ الإسلام، مبادرةً بالقول:
- ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة يا أم رومان؟.
قالت أم رومان: وما ذاك؟.
قالت خولة: أرسلني النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أخطب له عائشة..
وأجابت أم رومان، والفرحة تملأ كيانها:
- ما أحبَّ إليَّ ذلك! ووددتُ من كل قلبي فهيا ارتاحي يا أختاه، وسيعود أبو بكر سريعاً إن شاء الله.
وحضر أبو بكر ولكنه بُهِتَ للنبأ، فقال:
- وهل تصلح؟ إنها ابنة أخيه!.
لم يقرر أبو بكر ما يفعل - لعلّةِ في النفس - فسكت ولم يزد على ما قال، فقامت خولة تنقل مقالته إلى النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، فبعثها إليه ثانية: بأنك يا أبا بكر أخوه في الإسلام، وأن ابنتَك تصلح له..
ووقع الرجل في حَيرةٍ وحَرَج!.. ذلك أن ابنته عائشة، ومنذ صغرها كانت ذات مزايا تُغري بخطبتها: إذ كانت بيضاء، تغطي وجهها حمرة، وترتفع بهامة ممشوقة عاماً تلو عام. ويزيد في حسنها شعر طويل، تعتني به وتفاخر..
أما من حيث الصفات الخُلُقية فكانت خجولة بطبعها، موفورة الذكاء والنشاط، عصبية المزاج، قد أخذت من طباع أبيها ما تأصّل فيها، فكانت تبدو كأنها شُعلة متوقدة من الجمال والحيوية.
أما الحيرة التي وقع فيها أبو بكر فمردُّها وعدُه إلى المطعم بن عدي - ومنذ حداثة سن عائشة - بأن يخطبها لابنه جبير، بسبب ما كان بينهما من صداقة حميمة. فلما لم يدخل المطعم ولا ولدُه في الإسلام، لم تتم الخطبة، ولكن ظل الوعد قائماً. وهذا ما أوقع أبا بكر في ذلك التردد، إذ لا يريد أن يُقال عنه بأنه أخلف وعداً قطعه على نفسه. ولكن، وهو المسلم، صار لديه العذر بعدم خطبة ابنته وتزويجها بمشرك.. فإن دخل جبير في الإسلام كان أمر الله تعالى وهو خير، ولا بد من أن يبارك النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) هذا الأمر، ويبارك لصديقه أبي بكر شرف الوفاء بالوعد.
ولذلك مضى الرجل - وفي رأسه الأفكار متزاحمة - إلى بيت المطعم وفي نيّته أن يكون صريحاً معه، فإما دخول ابنه في الإسلام وتزويجه عائشة، وإما التحلّل من وعدٍ قديمٍ لم تعدْ الظروف مؤاتية له.
وجلس أبو بكر إلى صاحبه المطعم، الذي بدا متجهماً منذ رآه يطأ عتبة بيته. فسكت مؤثراً أن يُظهر أهل هذا البيت ما عندهم تجاهه.. ولكن لم يلبث أبو بكر إلاَّ قليلاً، وجاءت زوجة المطعم تصبُّ جامَ غضبها عليه لمناصرته «محمداً» وبذلِ أمواله في سبيلِ أولئك العبيد الذين يدخلون في الإسلام.. وما زالت المرأة تغلي في هيجانها، حتى قالت أخيراً:
- أما نحن يا ابن أبي قحافة فما لنا حاجة بعد بمصاهرتك، بعدما صبأت أنت وأهلُك. ونخاف على ابننا أن تفتنه، فيصبأ ويدخل في دينك..
وارتاح أبو بكر ببشائر هذا الفرج ينزل عليه، فسأل المطعم:
- وما تقول أنت يا أبا جبير؟
فلم يزد الرجل على أن قال: لقد سمعتَ من المرأة يا هذا!.
فقال عندها أبو بكر: أما والله ما جئت إلا لأعرض عليكم خيراً لا تستحقونه. وقد أغنانا الله تعالى بالإسلام ورسوله، فما للمشركين علينا من سبيل!.
وخرج أبو بكر تحُفُّه ظلال العناية الإِلهية. فالمطعم هو الذي نكث الوعد، وحلَّهُ من أمرٍ كان قد قطعه على نفسه في غفلة من الزمن، فأسرع إلى بيت خولة بنت حكيم ليزفَّ إليها البشرى العظيمة، وهو يقول لها:
- لقد فُرجتْ - والله - يا أختاه، وإني ملتقٍ رسولَ الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) الآن. إلاَّ أنني أحببت أن أعرِّج عليكِ، لأنك صاحبة الفضل في سريان الفضل إلينا.
ولم تقدر خولة أن تمنع عنها الفرح فهبَّت مسرعة إلى النبيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) تسبق أبا بكر إليه. فما كان منه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إلاَّ أن لبس بُردته، وتوجَّه إلى دار الصدِّيق الوفيِّ يطلب يدَ ابنته عائشة.. وفي شهر شوال من السنة العاشرة لمبعثه الكريم تمت خطبته (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) على عائشة بنت أبي بكر، وكانت يومئذٍ فتاةً في التاسعة من عمرها.. وخُطبتها في تلك السن المبكرة كانت أمراً طبيعياً، لأن الزواج المبكِّر للفتيات كان معروفاً عند العرب، وإقدامُهُ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) على خطبة فتاة حديثة السن، لا يخالف ذلك الواقع السائد بل ولا يخالف تكوين الأنثى في تلك البيئة، التي كان فيها نضوج الفتيات الجسدي من أهم العوامل على التزويج الباكر منهنَّ.. وهذا فضلاً عن تلك الغاية السامية التي ذكرناها من قبل، والتي تحمل تكريماً لأبيها أبي بكر، قد لا يصل إليه إلاّ من يستأهله من المؤمنين أمثالِهِ.. وإن تكريماً من هذا القبيل، وكما يريده النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يدرك المسلمون مراميه، ويعرفون أهميته حقَّ المعرفة، فارتاحت نفوسهم للخطبة كثيراً، وجاؤوا إلى نبيهم الأكرم يهنِّئونه على ما فعل، ولم يكن هذا الأمر ليحدث إلاَّ أن يشاءه الله سبحانه، ذلك أنَّ توجُّهَ رسوله المصطفى (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إلى واقع الحياة ونظرته إلى كل صغيرة وكبيرة بما يرضي الله تعالى، إنما هي الهداية والرضوان.. وبهذا الفضل نجدُهُ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يعتزل تلك الوحدة في البيت التي فرضها على نفسه فترة من الزمن، إثر وفاة أم المؤمنين خديجة (رضي اللّه عنها) ، ثم يقبلُ على الزواج بمؤمنةٍ كريمة، وخطبة فتاةٍ كريمة حتى يكون (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) - وكما شاءَ ربُّ العالمين - أسوةً للناس في كل أمر وشأنٍ من أمورهم وشؤونهم.
الإسراء والمعراج [*]
على أن مثل تلك الأمور الخاصة بشخص النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ما كانت لتشغلَه يوماً، أو تشدَّه إليها أكثرَ من الدعوة، ومن العمل على إنجاحها. فكل أسباب المتاع، مثلاً، والراحة ليست بذات وزن أو اعتبار عنده، بل همُّهُ إيصال الإسلام إلى الناس، على الرغم من كل الظروف والأجواء الصعبة التي كانت تواجهه، والتي أتاحت المجال لأصحابِ العقول والنفوس المملوءة بالضلال - وبعد مرور عشر سنوات على مبعثه الكريم - لأن يبقوا هُمُ الأكثرَ عدداً، والأقوى مقاومة وعناداً، ولاسيما أهل مكة الذين رفضوا دعوة الهداية جملةً وتفصيلاً، ومن ثَمَّ أهل الطائف - القرية ذات المركز الجغرافي والاقتصادي المماثل لمركز مكة - الذين ردّوهُ بشرِّ جواب. وكذلك الأمر مع القبائل التي عرض عليها الإسلام في المواسم، فأبت، وامتنعتْ - وإن كان إعراضها أقل من قريش تعنتاً ورفضاً - فماذا يفعل بعد هذا كله؟!
إن العبء، ولا رَيب، ثقيل جداً. ولذلك كان الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) دائم التفكير في السُّبل التي تجعل الناسَ يعرفون الدين الحق، ويهتدون إلى الإيمان الصادق، وهذا لا يكون إلاَّ أن يُسلَخ كلُّ ما التصق في طباعهم، وجعلهم يرون أنْ لا شيء يعنيهم إلاَّ هذه الدنيا، وما فيها...
وكانت الأيام تمر سراعاً وهي تشد على صدر الرسول، بسبب ما يلاقي من إنكار وجحود، حتى كأن الغربة قد استحكمت ما بين الناس والإِسلام، وحالت دون نفوسهم والاهتداء إليه..
وفي هذا الوقت بالذات، وقد بدا للرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أن مجتمع مكة بالذات - ومن ورائه جزيرة العرب قاطبة - قد امتشق سلاح الجهل، وتشبَّت بقوة الشر لتناصبَه ودعوتَه العداء.. وعندما أخذتْ الهموم من نفس الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) كل مأخذ، تدخَّل أمرُ الله (تعالى) ليواسي محمداً (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، ويطمئنه إلى مصير الدعوة التي يحمل، فوقعت أعظم معجزة عرفها الإِنسان على وجه الأرض، لا لتكون تأييداً لدعوة الإِسلام، وإثباتاً لحقيقته بأنه دين الله، ولا مقدمةً لنصرة هذا الدين.. فهذه أمور تديرها يدُ الله العلي الكبير.. بل إن تلك المعجزة قد حدثت، في تلك الحقبة بالذات من الزمن، لتكون تأييداً للرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بذاته، وتشريفاً له وحده دونما أية علاقة بالإِسلام.. وكأنما أرادَ الحقُّ عزَّ وجلَّ - حسب ما يهدينا إليه تفكيرنا البشري - أن يوقع في نفس رسوله الكريم محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أنه إذا كان أهل الأرض لم يحمدوه، ولم يعرفوا قدره، فإن أهل السماوات - وبوحيٍ من ربهم - يعرفون له القدر الكبير، ويولونه جزيل الحمد.. وإذا كان الناس يأبوْنهُ، ويرفضون ما يدعوهم إليه، فإن الله سبحانه وتعالى يجتبيه ويشرِّفه، ويدعوه إليه ليريَهَ من آياته الكبرى ما تطمئنُّ به نفسه، ويرتاح له فؤاده، ويخفّف الأثقال والهموم عن كاهله.
نعم لقد كان أمر الله تعالى - في هذا الوقت العصيب بالذات - لتكون معجزة الإِسراء والمعراج، إيناساً للرسول المصطفى (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) واستجابة لدعائه، حين تفاقمت جفوة الناس، واستفحلت مرارة الأذى، واشتدَّ ظلم العشيرة..
نعم، حدثت معجزة الإِسراء والمعراج، لتكون فريدةً في تاريخ الأنبياء والمرسلين وهم يحملون رسالات ربهم إلى دنيا الناس، ولكنها في الوقت عينه ثاني حدثين يحصل فيهما الاتصالُ المباشر من الخالق، فيخاطب سبحانه وتعالى عبدين من عباده الصالحين في دنيا الأرض..
فالاتصال الأول كان عندما كلَّم الله (تعالى) نبيّه موسى (عليه السلام) على جبل الطور في سيناء. والاتصال الثاني عندما أسرى الله (تعالى) بعبده محمد (عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام) من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، ثم عرج به إلى سدرة المنتهى ليكون قاب قوسين أو أدنى، وليرى، ويسمع ما شاءَ العلي العظيم أن يُريَهُ ويُسمعَهُ وليتحدث مِن ثَمَّ عن عروجه بما لم يره، ولم يسمع به أحدٌ أو يتحدث به غيره، من الخلق أجمعين...
والسؤال الذي يطرح بهذه المناسبة هو:
متى؟ وكيف حصل ذلك؟..
أما متى حصل الإِسراء والمعراج، فإننا أشرنا إلى الوقت، وأنه كان حين وصلت الحالة بالنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إلى أقصى درجات المرارة والألم، وبعد الأحداث التي تعاقبت منذ السنة العاشرة لمبعثه حتى السنة الحادية عشرة، أي قبل هجرته إلى المدينة بسنتين أو أقل بقليل..
وأما كيف حصل ذلك، فالقرآن الكريم يثبت أن الإِسراء والمعراج قد كانا بالجسد والروح والنفس، وذلك بدليل قوله تعالى:
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *} [الإسرَاء: 1].
»سبحان الذي أسرى بعبده»، فعبده هو محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، مكوَّن من الجسد والروح والنفس.. ولا يمكن تأويل النصّ القرآني الصريح بما ينافيه أو بما هو بخلافه، أو القول بعكس هذا الوضوح، إذ إنَّ لفظة «بعبده» كافية للتدليل على هذا الوضوح، وعلى هذا العروج بالتكوين الكامل لمحمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) . فلا بدَّ إذن من اعتبار أن الإِسراء قد تمَّ بالجسد وفيه محرِّك الحياة: الروح، وفيه أيضاً عنصر التلقّي والإرادة والتعقل والمعرفة: النفس.. فالقادر على خلق السماوات والأرض، وخلق الإِنسان قادرٌ على أن يسري بعبده ليلاً كل تلك المسافة من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس في فلسطين بسرعة خارقة عجيبة؛ ومن هو قادر على هذا الإسراء - بل ومَن هو على كل شيء قديرٌ - لا يُعجزه أن يَعرُج بعبدِهِ إلى السماواتِ العلا ليُريَهُ من آياته الكبرى.
ثم إنَّ الله العلي القدير قد بَيَّن للبشر، سواء في الكتب التي أنزلها، أم في الأحداث التي يجريها في حياة الناس، أنَّه ليس للزمان والمكان، في مسيرة حياة النبيين والمرسَلين، أي شأن للقوانين والنظم التي يعرفها الناس، بل وللسنن التي يسير عليها الكون بأسره، لأنه عزَّ وجلَّ يقول للشيء: كن فيكون، فهو ربُّ الكون، وربُّ السنن، وإرادته السَّنية التي تسيّر العوالم وآفاقها بأسرها، هي التي قالت للإسراء والمعراج: كن فكان..
ولا يجوز للعقل البشري أن يستغرب وقوع هذا الحدث العظيم عندما يتذكر:
- أنَّ الله العزيز الحكيم قد أرسل الطوفان الذي أغرق أهل الأرض بكفرهم وعصيانهم، وأنجى نوحاً (عليه السلام) وأصحاب السفينة وجعلها آية للعالمين.
- وأنه هو الله لا إله إلاَّ هو سبحانه الذي استجاب لنداء يونس (عليه السلام) فأنجاه من بطن الحوت.
- وأنه هو اللّهُ الذي يسلب الأشياء خاصياتها فمنع نار النمرود أن تحرق إبراهيم (عليه السلام)، بل وقال لها «يا نارُ كوني برداً وسلاماً على إبراهيم».
- وأنه هو اللَّهُ الذي أوحى للجبال والطير أن تسبّح مع داود (عليه السلام) وهو يسبّح بمزماره آياتِ الله العظمى..
- وأنه هو اللّهُ الذي أعطى سليمان (عليه السلام) ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من قبله ولا من بعده، فسخَّر له الرياح ذلولاً تنقله - عبر بساط يعتليه - حيث يشاء، وسخَّر له الجنَّ - خدماً وعبيداً - يأتمرون بمشيئته في البناء على سطح الأرض، وفي الغوص إلى أعماق البحار ليستخرجوا له الثرواتِ النادرة، بل وسخَّر له مَنْ عنده عِلْمُ الكتاب ليأتيه بعرش بلقيس - ملكة سبأ - من بلاد اليمن إلى بيت المقدس قبل أن يرتدَّ إليه طرفه.
- وأنه هو الله الذي يحيل الأشياء كما يشاء فجعل عصا موسى (عليه السلام) حيةً تسعى لتلقفَ ما صنع السحرة، ثم أعادها سيرتها الأولى أي عصا من خشب لا حياة فيها.
- وأنه هو اللّهُ الذي يحيي ويميت، ويخرج الحيَّ من الميت ويخرج الميت من الحي، فأوحى للمسيح عيسى ابن مريم (عليه السلام) السرَّ لأن يُبرئ الأكْمهَ والأبرصَ ويحيي الموتى بإذن الله.
- وأنَّهُ هو اللَّهُ الذي أسرى بعبده محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماوات العلا ليريَه من آياته الكبرى[*]..
إذن فالإسراء والمعراج هو معجزة من تلك المعجزات التي أوتيها الأنبياء والمرسَلون.. وهو من حيث كونُه معجزةً إلهيةً، صار التسليم بحدوثه جسداً وروحاً ونفساً تسليماً عقلياً، متعلقاً بمشيئة الله تعالى الذي لا إله إلاَّ هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه وتعالى عما يشركون. ثم إن العروج، وبالشكل الذي حصل، يحمل في طياته مدلولاتٍ كثيرة للإنسان.. فمن قبيل ذلك أن الإنسان - في نطاقه المحدود - تمكّن من أن يصنع الطائرات التي تقطع أكثر من 13 كيلومتراً في الثانية الواحدة - وربما يتضاعف ذلك عدة مرات في المستقبل: أن يكتشف بأن سرعة النور تبلغ حوالى 360 كيلومتراً في الثانية الواحدة... «بل يعتقد بعض العلماء: أن الموجات غير المرئية للجاذبية تستطيع أن تقطع العالم بلحظة واحدة من دون حاجة إلى الزمان»[*].
وهنا نسأل: أليس خالقُ الإنسانُ هو الذي وهبه العقل لصناعة تلك الطائرات السريعة التي تخرق جِدارَ الصوت، وتلك الصواريخ العابرة للقارات، ومن ثم تلك الأقمار الصناعية التي يرسلها إلى الفلك الدوار؟!
أليس هو خالق الكون الذي أودعَ في النور خاصية السريان بتلك السرعة التي يجتاز بها ملايين السنوات الضوئية قبل أن يزول؟
«وبعد كل هذا فإنه إذا كان قطع المسافات البعيدة - سواء في الأرض أم في الفضاء - بهذه بالسرعة المذهلة ليس مستحيلاً على هذا الإنسان المحدود الذي بقي الأعوام الطوال يفكر ويستعد، ويجمع الخبرات والإمكانات، فهل يستحيل على خالق الإنسان والكون، ومبدعِه أن يسري بعبده الذي اصطفاه رسولاً للبشرية جمعاء، ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وإلى ملكوت السماوات ثم يعيده إلى مكانه الأول؟!»[*].
لا، ليس ذلك مستحيلاً على الله القادر المقتدر، فكان الإسراء والمعراج برهاناً بذاته من أجل لفت أنظار العلماء بالأمس واليوم - بل وفي المستقبل - إلى أن الإنسانَ قادرٌ بالعلم أن يجترح المعجزات، وما وسائل المواصلات والاتصالات التي نعيشها اليوم - الأقمار الصناعية، الإنترنت، الهاتف وغيرها - إلاَّ توكيد للإسراء والمعراج، ولكن مع الاختلاف أن وسائل الاتصال تلك هي من صنع الإنسان، بينما الإسراء والمعراج تمَّ بواسطة وسيلة نقل من صنع الله - الذي هو على كل شيء قدير - وقد اخترقت جاذبية الأرض وطبقات الأثير، وطَوَت المسافات فانعدمت أمامها المسافات، وطوت الزمن فانعدم أمامها الزمن الذي يدلُّ عليه تعاقب الليل والنهار، وطلوع الشمس والقمر على الأرض.
هذا وقد حقَّق الله العلي العظيم لنبيِّه الكريم تلك المعجزة في رحلة كونية كانت للأمس القريب غريبةً عجيبةً، وصارت اليوم - وبعد غزو القمر، مراراً وتكراراً، وبعد إرسال الأقمار الصناعية إلى كواكب أبعد بكثير من القمر - أقربَ إلى الذهن والمعقول، وإن كانت بحد ذاتها وواقعها مُدهِشَةً مُذهِلةً كسائر معجزات الأنبياء والرسل، في عالم التقدير والاعتبار..
وإذا كان للعقل الإِنساني أن يفهم بعض مدلولات المعراج، فإنه بالإضافة إلى اطمئنان نفس محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، كان للبرهان على الخروج من نطاق هذا الكوكب الأرضي الذي يسبح في الفضاء، ليعرف الذين ينكرون البعث، بأنهم غير باقين في هذه الأرض بعد انحلال أجسامهم، وأنهم لا شك مبعوثون جسداً وروحاً ونفساً، في مكان ما من عوالم الكون التي لا يعلمها إلاَّ الله سبحانه - والتي بدأت مراصدهم تتبيَّن شيئاً ما من آفاقها بما تتلقى من إشعاعات آتية من ملايين السنين الضوئية - فتجعل الناس يتفكرون في خلق السماوات والأرض وفي أنفسهم كما يدعوهم لذلك القرآن الكريم... هذا إلى كون الإسراء والمعراج يمكن أن يكون بمثابة الهزة التي تصيب الضمائر والعقول لإيقاظ الغافلين من غفلتهم، وجعلهم يعتبرون، ويقرّون بحقيقة وجود الله تعالى، لاسيما أن العلم يأتي كل يومٍ بجديدٍ، وهو يشكل الدليل والبرهان على حقيقة الخالق، وحقيقة خلق السماوات والأرض وما فيهنَّ، وما بينهنَّ، ومن يقدر على هذا الخلق العظيم حاشا أن يعجزه الإتيانُ بالإسراء والمعراج أو بأية آيةٍ من آياته العظمى.
فهذه الدلالات تعبِّر عن الإِسراء على أنه الانتقال من مكان إلى مكان بواسطة لا يقدر عليها البشر، كما تعبِّر عن المعراج الواسطة عيْنِها التي تتحلل من قوانين الجاذبية، والأبعاد، والأعماق، والمسافات والأزمان، وما إليها من القوانين التي تحكم أو تتحكَّم بتصرفات بني البشر، ويقيمون على أساسها حساباتهم وتقديراتهم؛ كما أنها تخرج على مألوف السنن التي تحكم الكون، وتخضع لتقدير الله العزيز القدير الذي يقول للشيء: كُن فيكون..
وإذا كان الله تبارك وتعالى قد جعل من الإِسراء والمعراج وسيلةَ كشف تدعو الناس للتفكر كلما ابتدعوا وسيلة جديدة من وسائل المواصلات، إلاَّ أنها تبقى المعجزةَ التي تفرض على الإِنسان الإِذعان لها، والرضوخ لحكمها، كما أنها تبقى الآية العظمى التي تثبت في الروع أن الناس، ومهما بلغوا من درجات العلم والمعرفة، فإنهم لا يحيطون بشيء من علم الله إلاَّ بما شاء.. وهذا ما يجعل الإنسانَ مدعوّاً في كل وقت، للتوجه الدائم إلى العلم، وإلاَّ فقد ميزته التي خصَّه الله تعالى بها عن سائر المخلوقات بما أودع فيه من العقل.. كما أنه مدعو دائماً وأبداً للبحث والاكتشاف حتى يهتدي إلى بعض العوالم التي تمكِّنه من معرفة عظيم صنع الله وقدرته..
ولئن قدر الإِنسان أن يفقه سر معجزة الإِسراء والمعراج أو لم يقدر - وغالب الظن أن هذا السرَّ ما زال في جوانب كثيرة منه مغلقاً على بني البشر - فإنها تظل المعجزة، والحدث العظيم الذي لا يمكن إنكاره، ولا التنكر له، ما دام القرآن الكريم قد أثبته وأكده بقول الله تعالى:
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *} [الإسرَاء: 1].
وقوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى *مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى *وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى *عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى *ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى *وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى *ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى *فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى *فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى *مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى *أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى *وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى *عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى *عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى *إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى *مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى *لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى *} [النّجْم: 1-18].
ولقد نزل في حدث الإِسراء والمعراج التكليفُ بالصلوات الخمس حتى تكون الصلة بالله الخالق الرزاق المدبر دائمة، ما طلع نهارٌ وأقبل ليل.
ومثل الإِسراء والمعراج، يؤكد القرآن الكريم حدوثَ معجزةٍ أخرى على زمن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وهو في مكة.. وتلك هي معجزة انشقاق القمر، إذ يقول سبحانه وتعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ *} [القَمَر: 1] ونحن لن ندخل في تفاصيل هذا الحدث وما أعقبه من ترهات المشركين، بل نترك تقديره لكتب التفسير وما أجادت فيه بحوثها من تأكيد للمعجزة الإلهية.
من هنا لم يكن الإسراء والمعراج معجزةً أريد منها قهر الناس أو إقناعهم لحملهم على الاعتقاد بصدق نبوَّة محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) - كما هي الحال مع معجزات الأنبياء الذين سبقوه - وإلا لكانت تلك الخارقة قد آتت أُكُلَها ولوت لها الأعناق، ولكنها حصلت في ظل الظروف الحالكة والصعبة التي كان يعيشها النبيُّ والمسلمون معه، ولاسيما المستضعفون، فشاء العزيز الحكيم أن تكون تكريماً لشخص النبي (عليه السلام)، وتسليةً وإيناساً له قبل كل شيء، ومن ثم مواساة للمؤمنين على ما كان يحلُّ بهم.. ثم إن هذه المعجزة - وهذا ما يجب التوقف عنده بإمعان - لم يكن لها أن تعطِّل المنهج العقلي الذي اشترعه القرآن.. فقد اقترح المشركون على النبي - كما رأينا - أن يرقى في السماء، فجاء الجواب من عند الله سبحانه: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً *} [الإسرَاء: 93] . فلما عُرِجَ به إلى السماء بعدئذٍ، لم يُذكر قط أن ذلك كان رداً على التحدي، بل على العكس، وجدنا الروايات تحدثنا عن صعوبة التصديق لذلك الحادث الغيبي والإعجازي.. وعدم التصديق هو ما دفع بالمشركين إلى مزيد من المناوأة والاستهتار، كما ردَّ نفراً من المسلمين من ضعاف الإِيمان إلى الكفر!.. ومهما يكن من أمر فإن معجزة تكريم النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) قد تركت ثمارَها في نفسه الزكية، المطمئنة إلى رعاية الخالق، فقلَّ اكتراثه لذم أهل الجهل والعنت، ثم نشط بعزم أشدَّ مضاءً إلى متابعة الدعوة التي هي مدار حياته..
على أنه سبحانه وتعالى، وإن لم يشأ - جلَّت قدرته - أن تحفل حياةُ محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، كنبيٍّ ورسول، بكثير من المعجزات، كما حفلت بها حياة النبيين والمرسَلين الذين كان خاتمهم، فإنه تبارك وتعالى، جعل مقابل كل المعجزات، التي حصلت في زمان معيَّن، وفي مكان معيَّن واطَّلع عليها أناسٌ شهدوا وقوعها، وعايشوا أحداثها.. أجل جعل العليُّ القدير مقابلها جميعاً معجزةً واحدة تلتصق بحياة محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وتكون حيّةً أبدَ الدهر، تتحلل من قيود الزمان والمكان، لتخاطب الأزمان كلها، والخلائق كلها، إلى يوم الدين... تلك المعجزة هي القرآن الكريم القائم أبداً، الخالد دوماً، تراه وتسمعُه وتحسُّه سائر مخلوقات الأرض ما بقيت حية، فحق أن يكون المعجزة الخالدة، التي يُقصِّر، وسوف يُقصِّر عنها الإِنس والجن كافة.. لأنه ليس لمخلوق أن ينطق بقول كقول الله تعالى، ولا أن يُؤتى حكمةً وموعظة وتدبيراً هي من مثل ما أنزل الله تعالى...
لقد قضى الله المدبِّرُ الحكيم أن يكون الإِسراء والمعراج في جزءٍ من ليلة واحدة. وعادَ النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إلى مكة يتفكَّر في السُّبل التي تمكِّنه من أن يوصل للناس هذين الشأنين العظيمَين من شؤون الله (تعالى)، اللذين أكرمه واختصه ربُّهُ بهما وحده، دون سائر عباده المخلصين. فأصبح من تلك الليلة ذاهباً إلى المسجد الحرام، يطوف، ويصلّي، ويجلس منتظراً، حتى جاء نفرٌ من قريش للتفيُّؤ في ظلال الكعبة، وكان بينهم أبو جهل، فتقدم من النبي يريد أن يمارس لعبة الاستهزاء التي ألِفها النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، ولكنه قبل أن يبدأ بنفث سمومه دعاه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إلى الجلوس ورفاقَهُ لإخبارهم بأمر هام - ربما يكون له وقْعه على نفوسهم - فاستجابوا من فورهم، وفي ظنهم أن الخبر قد يكون في صالحهم.. ولكنها كانت المفاجأة عندما أخذ النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يقصُّ عليهم كيف أسرى به ربُّهُ تعالى من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى، وكيف عرَّج به إلى السماوات العُلا حتى بلغ سدرة المنتهى، إلى أن أتى على آخر ما رأى أن ينبئهم به... فبادره أبو جهل ضاحكاً: وواعجباً، ثم أصبحت بين ظهرانينا؟!.
وتبسَّم النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وقال: نعم.
ولم يصدِّق أبو جهل، ولا أحدٌ ممَّن معه، بل تبادر الشرُّ فوراً إلى ذهنه، فظن أن الفرصة مؤاتية ليفضح «محمداً» في ما يدَّعيه، فقال له: أَوَ تخبر قومَك بذلك؟
قال النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : نعم.
فصاح أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي، هلمُّوا فأَقبِلوا.
وجاء كلُّ من كان في أرجاء الكعبة، ليعرفوا ما يريد الرجل، فدعاهم للاقتراب من «محمد» حتى يسمعوا منه قولاً عجيباً!..
وأنصتَ الجميع.. فأخبرهم النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) كيفَ أسرى به الله العلي القدير من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به حتى بلغ سدرة المنتهى، وعندها جنة المأوى..
والنبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يتحدث ويُخبر.. والكل سكوتٌ كأنما على رؤوسهم الطير، بين ذاهِلٍ ودهِش، وبين منكرٍ ومكذِّب، إلا فئة قليلة، قد آمنت بصدق ما يقول، لأنها تعرف أنَّ «محمد بن عبد الله» ما قال كذباً قطُّ، وما تحدَّث إلا صدقاً في حياته، فإذا كان لا يكذب على الناس، فهل يمكن أن يجدّف على ربِّه؟! ولا سيما أن من شيمه، ومنذ ما قبل الرسالة، الصدق والأمانة، حتى صار - علماً - الصادقَ الأمينَ؟ إذن فما يقوله «محمد» لا يمكن أن يكون إلاَّ الحق والصدق، عند مَن يعرفونه حقَّ المعرفة، ومن يؤمنون به تمام الإيمان.
وسرى الخبرُ في مكة كسريان النار في الهشيم حتى وصَلَ أسماع المسلمين.. فهلّلوا وكبَّروا على ما آتى الله تعالى نبيَّه محمداً من مكرمة وعزَّة، إلاَّ فئة قليلة ارتدَّت، ورفضت أن تسلِّم بتلك الخارقة، يؤتاها أحد بني البشر!. وما ذلك بمستغرب، أن ترتدَّ تلك الفئة!.. ألا ترى إلى ثمار شجرة يانعة ناضجة لا تعرف فاسدها من طيبها، فإذا هبَّت ريح خفيفة، تساقطت التي داخَلَها الفساد - في جوفها - بينما اشتدت أخواتها الصحيحة تتمسَّك بأمَّهاتها الأغصان؟..
هكذا الحركات الفكرية عندما تعصف بها الأحداث الهامة، فإما أن تزيدها قوة إذا كانت فاعلة ومؤثرة في وجودها، أو سرعان ما تؤدي إلى سقوطها إذا كانت سلبية الأثر والفاعلية في محيطها.. وهكذا أتباع كل الحركات الفكرية؛ فإن الأحداث العظيمة كفيلة بأن تفرز المؤمنين بها، عن صدق، من ضعاف النفوس الذين لا يلبثون أن يتساقطوا من جراء تلك الأحداث كتساقط الثمرات الفاسدة.
وفي الدعوة الإِسلامية كان لا بُدَّ من أن يأتي الإِسراء والمعراج بمثابة الهزة العنيفة، في أدق ظروف الدعوة، وأكثرها حرجاً حتى يتميّز المسلمون الصادقون، الذين سيحملون مع نبيِّهم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) - في مواجهة الأحداث المقبلة - المهام الكبرى التي تفرضها الدعوة على عواتقهم. وبذلك يمحِّص الله سبحانه الذين آمنوا عن صدق، من الذين أسلموا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم، فيزداد المؤمنون إيماناً، ويذهب الذين يعتريهم الشك كما يذهب غثاء السيل[*].. على أن تلك الردّةَ من أولئك البعض، وإن شكَّلَت حادثة سلبية بالنسبة للمسلمين، إلاَّ أن الأمر بذاته كان له وجهٌ آخر إيجابي في حياة الدعوة. وقد أبرز هذا الوجهُ الإِيجابيُّ الاعتقادَ والتصديقَ بأن الإِسراء والمعراج كان بالجسد والروح، ولو كان بالروح، أو كان مجرد رؤيا رآها النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، لما كان في ذلك غرابة، ولما كان حصل الارتداد... فالإِنسان العادي يرى في المنام أحلاماً عديدة ومتنوعة، وقد يرى رؤى غريبة وأحلاماً عجيبة، وهذا أمر طبيعي، لأنه لا يمكن لأحدٍ إلاَّ أن تأتيه الأحلام، وهي على كثرتها، وتنوُّعها، تعبّر عن الحالات النفسية التي يعيشها كل فرد من أبناء البشر، والناس - عادة - يعتبرونها مجرد أضغاث أحلام. كما أن كتب الديانات وأخبار العظماء والنسّاك حافلة بالأحلام التي يرونها!.. أما في حياة النبي محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فلو كان إسراؤه وعروجه روحياً فقط، أو كان مجرد منام، فما كان أسهل عليه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) من أن يخبر الناس بحقيقته وبأنه أوحي به إليه، أو أنه مجرد رؤيا رآها في المنام.. ولو فعل ذلك لما أثار أية دهشة، ولا ظهرت تلك التساؤلات الكثيرة التي أدَّت إلى ارتداد جماعة كانت من المسلمين.. هذا فضلاً عن أن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) صادق مصدَّق، ولا يمكن أن يقول عن الرؤيا في المنام بأنها حقيقةٌ حسيَّةٌ عايشها بجميع مداركه وحواسه، وعاشها بسمعه وبصره لحظةً بلحظة، وواقعةً بواقعة في اليقظة..
ثم إن أهميّة الإِسراء والمعراج، كما تبيّنهما سورة الإِسراء وسورة النجم، تكمن بدلالتها على أن النبي محمداً (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) هو نبيُّ القبلتين، وإمام المشرقين والمغربين، ووارث الأنبياء قبله، وإمام الأجيال. فقد التقت في شخصه وفي إسرائه مكةُ بالقدس، والبيتُ الحرامُ بالمسجد الأقصى، وصلَّى الأنبياءُ خلْفه، وكان هذا إيذاناً بعموم رسالته، وخلود إمامته، وإنسانية تعاليمه، وصلاحية دعوته على اختلاف الزمان والمكان..
لقد جاء الإِسراء والمعراج ليعلن أن محمداً (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ليس من طراز القادة أو الزعماء الذين لا تتجاوز مواهبُهم، وجهودُهم، ودوائرُ كفاحهم، حدودَ محيطهم، ولا تسعد بهم إلا الشعوب التي يولدون منها، والبيئات التي يعيشون فيها، إنما هو وحدَهُ كان من بين جميع الأنبياء والمرسَلين إلى أهل الأرض، الذي أرسله ربُّهُ للناس كافة، لأجل هداية الإِنسانية وإسعادها على اختلاف شعوبها، وطبقاتها، وعهودها، وأجيالها، فكان خاتمَ النبيين، وسيد الخلق أجمعين..
نعم لقد كان الإِسراء والمعراج من الشؤون الربانية في حياة الدعوة الإِسلامية، لأنه أكد للمؤمنين كثيراً من الدلالات والمعاني، فصدَّقوا نبيهم الكريم، والتفّوا حولَهُ دعاةً مخلصين.
أما المشركون فلم يصدِّقوا - وهذا شأنهم - ولكن بعضاً منهم، يقودهم أبو جهل، أرادوا أن يتحرّوا مدى تصديق المؤمنين لنبيّهم، فذهبوا إلى أبي بكر بن أبي قحافة يسألونه عن رأيه في ما يقوله صاحبه «محمد»، فلما أتوه قالوا له:
- يا ابن أبي قحافة! هل سمعت ما يقوله صاحبك محمد بن عبد الله؟ إنه يزعم بأنه أُسريَ به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، ثم عرج به ربّهُ إلى الملأ الأعلى في السماوات العُلا! فما تقول في ذلك؟!.
فأجابهم أبو بكر: «والله لئن كان قاله، لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك! فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه - من الله - من السماء إلى الأرض في ساعة من ليلٍ أو نهار فأصدقه فهذا أبعدُ مما تعجبون منه»[*].
وبهذا التصديق دُعي أبو بكر: الصدِّيق.
وهبَّ المشركون، وهم يتبارون في تعجيز النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بالأسئلة عما رأى في «رحلته العجيبة» تلك، حتى إذا تبيّن له خبثُ نيّاتهم، وخطأ ظنونهم، واعتقادهم أن ما يقوله زعْم بزعْم، أعرض عنهم. ولكن بعضهم أصرَّ على أن يقدم لهم برهاناً حسياً لا مجرد ادعاء بادعاء، فطلب منه أن يصفَ لهم بيت المقدس - لأنهم يعرفون بأنه لم يذهب إليه قطُّ من قبل - «فرفع له - بإذن الله - حتى نظر إليه»[*] فراح يصفه لهم بأدق وصف، كمثل إنسان يعيش في جنباته. فسألوا التجار ومنهم أبو بكر - الذين يذهبون إلى بلاد الشام وفلسطين عن صحة وصف بيت المقدس - كما قاله النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فأقروا بأنها - والله - لأوصاف بيت المقدس تماماً.. وأما علم «محمد» بتلك الأوصاف، وهو لم يدخل قط بيت المقدس من قبلُ، فهذا ما لا يدرونه - كما قال التجار ـ.. فكان حريّاً أن يُشكِّل بذاته معجزةً لمن حاجَّهُ أو ناقشه في ذلك!..
وحيال عدم تصديقه، فقد رأى النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أن يخبرهم بأشياءَ حسيَّةٍ شاهدها أثناء تلك الرحلة المباركة وهو في طريق العودة، فروى لهم كيفَ مرَّ على عيرٍ لقريش، وفيها بعير لهم نافر، فأرشدهم إلى مكانه وذلك بقوله: «وآية ذلك أني مررت على عيرٍ بالروحاء، فأنفرهم حسُّ الدابة - البراق الذي يركبه - فندَّ لهم بعير، فدللتهم عليه. ثم أقبلت، حتى إذا كنت بضَجَنان[*] مررت بعير بني فلان فوجدت القوم نياماً ولهم إناء فيه ماء، قد غطوا عليه بشيء، فكشفت غطاءه وشربت مما فيه، ثم غطَّيت عليه كما كان، وآية ذلك أنَّ عيرهم الآن تَصوب[*] من البيضاء[*] ثنية التنعيم[*]، يتقدمها جمل أورق عليه غرارتان[*] مخيطتان تطلع عليكم من طلوع الشمس»[*].
ورأى القوم أن «محمد بن عبد الله» يقدم لهم أدلة حسية، وشواهد مادية، وأنه يسمّي بني فلان، وبني فلان من قريش ذاتها، وأنه دلَّهم على مكان البعير النافر، وأكّد لهم المحلة التي وصلت العير إليها، وهي ثنيّة التنعيم، فلمَ لا يذهبون وينتظرون قدوم القافلة، قبل أن تدخل مكة، وتشيع بين رجالها أخبار «محمد»، فتختلط الأمور ولا تظهر الحقيقة؟ وذهبوا بالفعل ينتظرون، حتى إذا طلعت الشمس، صاحوا: هذه هي العير!.. وتقدموا فرأوا البعير الأورق في المقدمة، فلما سألوا عن البعير الشارد، وإناء الماء.. وأُجيبوا بما أخبرهم به، قالوا: صدق والله، لقد أُنفرنا في الوادي الذي ذكر، وندَّ[*] لنا بعير، فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه حتى أخذناه.. ومع ذلك فقد أبَوا الإِيمان فقالوا: «إنْ هذا إلاَّ سحرٌ مبين»..
لقد عجزت عقول أولئك القوم عن استيعاب الخارقة، فادَّعوا وزعموا أن ما يقوله «محمد» هو سحرٌ.. وفي الواقع كانوا هم المسحورين.. فقد سحرتهم الوثنية بأباطيلها، مثلما سحرهم الشيطان بضلاله، فأصروا على إنكار حقيقة نبوّة محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وصدْق الرسالة التي يحمل مثلما يصرون الآن على ذلك العنت البغيض.. والسبب - دائماً - أن الحق الذي يحمله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وهو الحق من ربهم وخالقهم، وبه يجبهُهُم النبيُّ الذي لا ينطق عن الهوى، قد صار كذباً في نظرهم!! ولماذا؟ لأنه نظرٌ موهومٌ أخرق، من جماعةٍ وثنيةٍ موهومةٍ خرقاءَ..
فقد كذبوه وهو يدعوهم إلى صلاح نفوسهم، أفلا يكذِّبونه وهو يحدثهم عن الإِسراء والمعراج، وعقولهم أقصر من أن تستوعب آياتِ الله تعالى، وعظاتِه البالغة؟
وراحوا يتقولون عنه في أرجاء مكة بأبشع الأقاويل، ويتهمونه بأشنع التهم، وأقلُّها أن ما يأتيه هو «السحر»!..
ولكنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وهو الواثق من ربه، ومن نفسه، لم تعد تلك الأكاذيب والأباطيل لتنكّد عليه حياته، لأن همَّهُ أن يترقب قدوم الناس إلى مكة، وكلِّ مَنْ له اسم أو شرف، حتى يدعوهم إلى دين الله.. وأن ينتظر مجيءَ أيِّ قبيل من العرب حتى يعرضَ عليه الإِسلام..
لقاءات مع رجال من الأوس
وإن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لعلى هذا العزم ثابتٌ، وفي بحثه ساعٍ، إذا به يعرف بقدوم سُويْد بن الصامت (أخي بني عمرو بن عوف - أحد بطون الأوس في يثرب)، وقد جاء مكةَ ليحجَّ ويعتمرَ، فيذهب إليه النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، ويلتقيه ثم يطلب إليه أن يستمع إلى قراءة يتلوها عليه، فيقبل الرجل، ويجلس ينصت لقرآن كريم يرتِّله رسول الله. وكان الرجل يسمى «الكامل» لجِدِّه وشِعْره ونسبه، فأعجبه ما سمع، فقال للنبيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : «والله إن هذا لقول حسَن».
ولم يُفْصح سويد عما جال في خاطره، ولم يُظهر ما خالجه من مشاعر بأكثر مما قال... ولكنَّ قوله - على قِصَرِهِ - إنما ينمُّ على أنه استحسن القرآن، وأُعجب بسمو بيانه..
وانصرف سويدٌ إلى يثرب، بعد ذلك اللقاء، وما عَرَفه قومه بعد ذلك، إلاَّ وهو يردّد ما سمعه من «محمد بن عبد الله»، حتى لم يشكَّ أحد أنه دخل في الإِسلام.. إلاَّ أن العمر لم يطل به، فقد قُتل على أيدي الخزرج، قبل أن يلتقي رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) مرة ثانية، كما كان يؤمل..
ولقد جاء من بعد سُويد إلى مكة جماعة من بني عبد الأشهل، (من الأوس أيضاً)، وعلى رأسهم أنس بن رافع يلتمسون حلف قريش على خصومهم من الخزرج..
أما السبب في طلب الحِلْف فهو أنه كانت بين قبيلتي الأوس والخزرج عداوة مستحكمة، يغذيها يهود يثرب، من أجل الإِيقاع بين هاتين القبيلتين ودفعهما إلى الاقتتال، كعادة اليهود الدائمة في التفرقة، وإثارة الفتن في أي مجتمع يعيشون في ظله، حتى تكون لهم اليد الطولى، في تحريكه - علناً وفي الخفاء - وتحقيق الأغراض والمآرب التي يطمعون بها..
وبالفعل فقد استمرَّ اليهود على ذلك النهج الخبيث، وهم يؤججون العداوة والبغضاء بين الأوس والخزرج، حتى كادت الحروب - مع ما توقعه من القتلى والخراب - أن تقضي على القبيلتين، فصارت كل واحدةٍ تبحث عن طلب النصرة من الخارج. ومن أجل ذلك جاءت الجماعة من الأوس - وبينهم فتى يقال له إياس بن معاذ - يأملون الحلف مع قريش... وعَرف الرسول الكريم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بقدومهم والغاية التي من أجلها أتوا، فذهب إليهم يعرض عليهم دعْوتَه، في جلسةٍ إيمانيّة عبقَ فيها الجوُّ بأنفاس القرآن، يرتّلُهُ رسولُ الله على مسامعهم حتى أشبعَ نفوسهم فدعاهم إلى الإِسلام.. فأجاب الفتى إياس بن معاذ:
»هذا والله خير مما جئنا له»[*].
ولكنَّ رئيس الوفد أنس بن رافع انتهرَهُ، فسكت الفتى على مضـض، احتراماً لسيده الذي لم يُبدِ استجابةً لدعوة الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ..
ويبدو أن جماعة الأوس لم توفَّق في سعيها مع قريش، فعادت إلى يثرب لتشهد واقعة «بعاث» التي هلك فيها كثيرٌ من أشراف الأوس والخزرج، ونالهم منها ما لم تنلْه حروبُهم من قبل، حتى ضعفوا ضعفاً شديداً..
بيعة العقبة الأولى
فلما كان الموسم، الذي عقب حرب بعاث، وفيما كان الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يعرض الإسلام على القبائل بـ«منًى»، التقى برهط من الخزرج عدّتُهُ ستة رجال وهم:
أبو أمامة أسعد بن زرارة بن عُدَس، وعوف بن الحارث بن رفاعة (من بني النجار) - ورافع بن مالك بن العجلان (من بني زريق) - وقطبة بن عامر بن حديدة (من بني سلمة) - وعقبة بن عامر بن نابي (من بني حرام) - وجابر بن عبد الله بن رئاب (من بني عبيد)[*].
وكان من عادة اليهود في يثرب - وهم أهل كتاب - أن يستفتحوا على العرب من الأوس والخزرج - وهم أهل وثنية - بنبيٍّ قد أطلَّ زمانه، فيقولون لهم: إن نبياً يبعث الآن وسوف نتّبِعُهُ، ونقاتل معه أعداءنا، ونقتلكم قتل عاد وثمود..
ويشاء العلي القدير أن تتفتَّح مغاليق قلوب هؤلاء الخزرج على نفحات القرآن المبين، وأن يستسيغوا دعوة النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ويصدقوه، فقالوا:
- هذا والله النبيُّ الذي توعَّدكم به اليهود فلا يسبُقنّكم إليه..
واستجابوا من فورهم لدعوة الإيمان، فدخلوا في الإسلام وهم يرجون أن يجمع الله بين النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وبني قومهم، قائلين:
- إن بين قومنا شراً، وعسى الله أن يجمعهم بك، فإن اجتمعوا فلا رجل أعزّ منك.
لقد آمن ذلك الرهط من أهل يثرب بالإِسلام ديناً، وبمحمدٍ نبياً ورسولاً، فانصرفوا إلى بلدهم، راضين مطمئنين إلى ما هداهم الله تعالى إليه. وهنالك راحوا يتحدثون عن الإِسلام، وعن رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ورسالته، وأخلاقه ومناقبه، حتى عمَّت أحاديثهم يثرب، فلا يقام فيها مجلس، أو ندوة، إلاَّ وفيها ذِكْر عن رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) .
وحلَّ موعد الحج في الموسم التالي أي في السنة الثانية عشرة من البعثة، فجاء إلى مكة اثنا عشر رجلاً: إثنان من الأوس، وعشرة من الخزرج، وقد جمعتهم النية على الالتقاء برسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، على الرغم من تفرُّقهم في العداوة. وبالفعل فقد تمَّ الاتفاقُ على أن يوافوه سرّاً إلى «العقبة»، وأن يكون ذلك أثناء الليل، حتى لا تكشف قريش الأمر، فتُفسد اللقاء.
فلما عقد الاجتماع، وأبان الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ما أبان من القرآن، وأنوار الهداية، آمنوا به، واعتنقوا دينه، فطلب إليهم أن يكونوا إخوةً مسلمين، فلا تفرق بينهم بعد عداوة أو حرب، وأن يبايعوه على عهد الدين والإيمان...
وكان هؤلاء الرجال سادةً في الأوس والخزرج، ومبايعتهم تعني الوثوق والحفاظ على العهد الذي يأخذونه نيابة عن بني قومهم.. فإذا كان الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يطلب مسلمين من جميع الناس، ومن جميع بقاع الأرض، فإنه هنا يطلب المبايعة بياناً للشرع الإِسلامي في العلاقات المجتمعية والأسرية، بحيث يحملها هؤلاء السادة إلى بلدهم، كي يقوموا بحقها خير قيام، فيعرف أهل يثرب كم هي عقيدة التوحيد عظيمة، والمناقبُ التي تقوم عليها سامية..
وبايعوه في ذلك اللقاء على بيعة النساء، أي بيعة الموادعة التي لا تشتمل على حرب، فكانت بيعة العقبة الأولى، أي: «على أن لا يشركوا بالله شيئاً، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه من بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوه في معروف»[*].
وقد عقد تلك البيعة السادة: عن الخزرج: أسعد بن زرارة، وعوف ومعاذ ابنا الحارث (من بني النجار) - رافع بن مالك بن العجلان وذكوان بن عبد قيس (من بني زريق بن عامر) - عبادة بن الصامت (من بني عوف بن الخزرج) وأبو عبد الرحمان يزيد بن ثعلبة (حليف لهم) - العباس بن عبادة بن نضلة (من بني سالم بن عوف) - عقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام (من بني سلمة) - قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم بن سواد (من بني سواد).. ومن الأوس: أبو الهيثم مالك بن التيهان (حليف بني عبد الأشهل) وعيوم ابن ساعدة (من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس)[*].
ولكي يزيدهم النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) توثيقاً، قال لهم: «فإن وفَّيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وإن سُتِرتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله عز وجل، إن شاء عذَّب وإن شاء غفر»[*].
مصعب بن عمير في المدينة
وأقام هؤلاء المبايعون في مكة، يؤدون فرائض الحج، فلما أرادوا الرجوع إلى يثرب، طلبوا من النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أن يبعث معهم من يُعلِّمُهم ويُفقِّهُهم بالإِسلام، وهم يحسبون أنهم بحاجة إلى بعض الصحابة كي يقوموا بهذا الأمر الجسيم. ولكنَّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لم ينتدب لهذه المهمة سوى شخص واحد، إذ طلب (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) من مصعب بن عُمَير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قُصيّ أن يذهب معهم. وأمرَه أن يُقرئهم القرآن، ويعلِّمهم الإِسلام، وقال له:
«اذهب معهم يا مصعب على بركة الله»..
وامتثل مصعب لأمر نبيِّه، وارتحل مع القوم إلى يثرب ليقوم بالمهمة الجليلة التي نُدِب لها، فنزل هناك على أسعد بن زرارة، يجمع إليه الناس ويبين لهم تعاليم الإِسلام، ويُقرئهم القرآن حتى سُمِّي - في يثرب - بالمقرىء.. وكان أسعد ومصعب يتعاونان على الدعوة إلى الله الواحد الأحد، ويجتهدان اجتهاداً شديداً في الترغيب بالإِسلام، وكان لهما في ذلك أساليب لطيفة، ومداخل محببة إلى القلوب.. إذ بينما هما، ذات يومٍ في دارٍ لبني ظُفَر، وقد علم بهما سيدا بني عبد الأشهل؛ سعد بن معاذ وأُسَيْد بن حُضَير - وكانا لا يزالان على الشرك - قال سعدٌ:
- لا أبا لك يا أُسيْد، انطلق إلى هذَين الرجلين - يعني أسعد ومصعب - اللذين أتيا دارَنا ليقنعا ضعفاءنا، فازجرْهما وانهَهُما عن تسفيه معتقداتنا، فإنه لولا أنَّ أسعد بن زرارة ابنُ خالتي، لكفيتُك ذلك!..
فأخذ أُسيْد حرْبتَه واندفع مغاضباً يريد الرجلين، فلما رآه أسعد بن زرارة مقبلاً قال لمصعب:
- هذا سيد قومه، قد جاءك فاصدق الله فيه..
وبدون تحية أو سلام قال لهما أُسيْد:
- ما جاء بكما إلينا أيها الرجلان، اعتزلانا إن كان لكما بأنفسكما حاجة...
ورأى مصعب مقدار ما عليه الرجل من الانفعال، فأخذه بالِّلين، وطلب إليه أن يهدأ، ثم قال له:
- أَوَ تجلس فتَسمع، فإن رضيتَ أمراً قبلتَه، وإن كرهتَه كُفَّ عنك ما تكره..
ورأى أسيد أن ما يعرض عليه هذا الرجل هو عدل، فقال:
- أنصفتَ..
ثمَّ ركَّز حرْبتَه وجلس.. فأقبل عليه مصعب يتلو على مسامعه القرآن، ويكلِّمه في الإِسلام، فما عَتمَ أن قال أُسَيد:
- ما أحسن هذا الكلام وأجلَّه!
ويشاء السميعُ البصيرُ أنْ يهديَ هذا الإنسان، فعاد يقول: وكيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟
وأقبل عليه مصعب يشرح له كيفية الاغتسال والطهارة وغيرها مما يليق بالإنسان ليُسلمَ إلى الله تعالى، ثم ينطق بشهادة الحق، بنيّةٍ صادقةٍ وإخلاصٍ لله ربِّ العالمين..
قال أسيد: ولمَ أغتسل؟.
قال مصعب: من أجل النظافة من أدران الشِّرك وأوضار الحياة، لأن - في ديننا - النظافَة من الإِيمان. والنظافةُ هي في الأصل طهارة: طهارة النفس من الشِّرك، وطهارة الجسد والثوب من النجاسة.. فمن نوى الدخول في الإسلام، وتطهَّرَ كان ذلك بدايةً لإسلامه الذي يعتقه من الجاهلية الحمقاء.
قال أُسيْد: وما شهادة الحق التي أشرتَ إليها؟
قال مصعب: تشهد بأن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله.. ثم تعبدُ الله وحدَه لا شريك له، وتقيم الصلاة..
قال أُسيْد: وما هذه الصلاة التي يجب أن يقوم بها المسلم؟
قال مصعب: فريضة من الله (تبارك وتعالى) يؤديها المسلم بابتهال وخشوع كونه عبداً لله (تعالى)، ومن ثَمَّ ليطلب رضاه ومغفرته - سبحانه - وهذا، فضلاً عن أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتُشعر الإنسان بضرورة القيام بواجباته ومسؤولياته في هذه الحياة!..
واستحسنَ أُسيد كلَّ ما قاله مصعبٌ، فتفكَّر رويداً، ثم قام يتحضَّر، ويدخل في الإسلام بنفس طيبة.
وتشاور أُسيدٌ مع مصعب وأسعد بن زرارة بما يقول لصاحبه سعد بن معاذ الذي بعثَهُ لينهرَهما عمَّا يفعلان.. فاتفقوا على خطّةٍ لطيفة كي يغروا أسعدَ بالمجيء، لأنه إن تبعهما لم يتخلّف أحدٌ من قومه.. عندها قام أُسيْدٌ، وذهب إلى سعد، فلما أقبل نحوه حدَّق في وجهه، وقال:
- أحلف بالله لقد جاءكم أُسيدٌ بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم!...
ثم سأله: ما فعلتَ يا أسيْد؟
قال أُسيد: كلَّمتُ الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأساً، وما كان جوابهما إلاَّ أن قالا: نفعل ما أحببت..
ثم سكت - عن قصد ـ.. مما جعلَ صاحبَه يستحثُّه ليُكمل، فقال: ولكن قد حُدِّثتُ أن بني حارثة قد عزموا على الخروج إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه.. ولعلَّ القوم لا يريدون إلاَّ أن يحقِّروك، لأنه ابن خالتك!..
لقد أراد أُسيد أن يدفع سعد بن معاذ لملاقاة مصعب، فانبرى يتحدث - كما اتفق مع صاحبيه - عن إثارة النخوة التي تلزم بحماية الأقربين، وعن عزة النفس التي تدفع للذود عن الكرامة، التي توجب عدم السكوت عما يدبّره بنو حارثة.. وهذا ما أثار حفيظة أسعد بن معاذ، فهبَّ مسارعاً إلى ابن خالته في دار بني ظفر. فلما وقف على الباب ورأى الجميع آمنين مسرورين أدرك الخطّة اللطيفة برمَّتها، فبادر ابن خالته قائلاً:
- والله يا أبا أمامة لولا ما بيني وبينك من القرابة، ما رُمت هذا منّي..
ثم تابع بشيء من العتاب يقول له: أتغشانا في دارنا بما نكره؟!
فقال له مصعب:
- أَوَ تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً ورغبتَ فيه قبِلتَه، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره..
فجلس سعد وقد وضع سيفَهُ بجانبه، فابتدره مصعب بن عمير يقرأ عليه سورة الزخرف من القرآن الكريم، بقول الله تعالى: «بسم الله الرحمن الرحيم».
{حم *وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ *إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ *وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ *أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ *وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ *} [الزّخرُف: 1-6]... وظلَّ مصعب يتابع تلاوة سورة الزخرف، ويبين معاني آياتها العظام حتى فتح الله العزيز الحكيم قلب الرجل على الإِيمان فقام يغتسل ويتطهَّر، ثم يعود ويشهد بأن «لا إله إلا الله وبأن محمداً رسول الله».
وهكذا ومثل سريان النسيم العليل سرى الإسلام إلى نفس سعد بن معاذ، فصار يلازم مصعب بن عمير، ليلَ نهار، حتى تمكَّن من تعاليم الإسلام، فعزم أن لا يترك بني قومه - بني عمير بن عبد الأشهل - على الوثنية القاتلة.. فلمَّا استكمل استعدادَهُ، دعاهم إليه ليبيّن لهم الأمرَ الذي عزم عليه، فخاطبهم قائلاً:
يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟.
قالوا: «سيدنا وأفضلنا رأياً، وأيمننا نفساً وأمراً».
ومن غير مواربة أو مداهنة أصدَقَهمُ القولَ بأنه اعتنق الإسلام، وأنه يرجو لهم الخير في قبول هذا الدين إلى أن قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرامٌ حتى تؤمنوا بالله الواحد الأحد، وبرسوله محمد بن عبد الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) .
قالوا: وضِّح لنا حتى ننظر في الأمر الذي تدعونا إليه.
... ومنذ ذلك اليوم المبارك وسعد بن معاذ يعقدُ وبني قومِهِ حلقاتِ الذكر مع «القارىء» حتى أُشربت نفوسهم الإسلام، فلم يبقَ في ديار قبيلة بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلاَّ ودخل في الإسلام حتى صاروا جميعاً مسلمين - والحمد لله - «إلاَّ ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل، كان فيهم قيس بن الأسلت الشاعر - وكانوا يطيعونه - فوقف بهم عن الإسلام حتى عام الخندق سنة خمس للهجرة»[*].
تلك أرض يثرب... أرض الصدق والإِيمان والصفاء.. الأرض التي أُعدّت - بفضل الله - لقبول الإِسلام ونصرته، تتلقى الدعوة إلى الله - تبارك وتعالى - فتُقبل عليها لأنه صار فيها مؤمنون من الأوس والخزرج (ابني حارثة بن عمرو بن عامر) وهم أعزّ الناس نفساً، وأشرفهم همماً، ولم يؤدوا إتاوة قط إلى أحد من الملوك.
لقد استجاب جمعٌ كبيرٌ من أهل طيبة - البلدة الطيبة - إلى مصعب بن عمير، بصورة تقرُب إلى العفوية الصادقة، والتلبية المتزنة، لأنهم كانوا قوماً ذوي فطرة صافية تبحث عن الحقيقة، وتطلبها حتى تتخلص من تفاهة الوثنية، ورعونة الكفر، وحتى تنجوَ من الشر الذي استفحل في حياة القوم، فجعل أيامهم حافلةً بالحروب والاقتتال والعداوة. وكل ذلك بتحريض من بني يهود، الدخلاء - في الأصل - عليهم...
وبفعل ذلك الإِيمان الصادق كان الإقبال الشديد على دين الله تعالى، الذي من شأنه أن يقضي على تلك العداوة بين الأوس والخزرج إلى غير رجعة.. إذ عندما يدخل هؤلاء العرب في الإِسلام، وهو السلام، فإن نعيق الغربان سوف يتوقف فوق ديارهم، وتحلُّ محله أصداء الألفة، والنداء بكلمة: لا إله إلاَّ الله.. فلمَ لا يُقبل الأوس على الإِسلام؟ ولِمَ لا يقبل الخزرج على الإسلام؟ ولِمَ لا تتجاوبُ أصداءُ دعوةِ الحقِ في ربوعهم، فيتذاكرونها مذاكرة لا تتصل بشرف تمسّه أو عصبية جاهلية تنصرها، ولكن بنفوس وقلوب مؤمنة لقوم يطلبون الحق والخيرَ، وأول خطواته إزالة تلك الفرقة التي كانت تشرذمهم، وتهدِّم في كيانهم!.
نعم تلك هي أرض يثرب.. وأولئك هم أهلوها من الأوس والخزرج الذين استجابوا لدعوة الإِسلام، قبل مجيء رسول الله إليهم، وقبل أن يُصبحوا الأنصار الكرام، الذين أعزَّ الله تعالى بهم الدين، وأيَّد بعزمهم رسولَه الكريم بالنصر المبين - كما سنرى إن شاء الله ـ.
ومرت أشهر ومصعب يعمل في المدينة بهمة لا تعرف كللاً ولا مللاً.. يتحرك بالقرآن، ويحرك أفئدة الناس وعقولهم بالقرآن.. فآيات الله تعالى تملك في بنيتها معجزة الإِقناع لمن يُلقي السمع وهو شهيد. وكان مصعب يزيد سحراً في حلاوتها، وهو يتلوها بصوتٍ رخيٍّ وسط حشود الناس في الأزقة أو في داخل البيوت حتى صارت يثرب تتحرك بالإسلام.. وقد كتب إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أن يجمِّعَ بهم، فأجابه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بكتاب جاء فيه: «انظر من اليوم الذي يجهر فيه اليهود لسبتهم، فإذا زالت الشمس فازدلف إلى الله فيه بركعتين، واخطب فيهم»، فجمَّع بهم مصعب بن عمير في دار سعد بن خيثمة، وهم اثنا عشر رجلاً.. فهو أول من جمَّعَ في الإسلام جمعةً[*].
وظل مصعب مقيماً في يثرب على تلك الحال من بث الدعوة حتى حلَّ موسم الحج من العام التالي، فعاد إلى مكة مع جماعة من الأوس والخزرج، ودخل على مجلس رسول الله ليستقبله بالسلام والترحاب، ثم يسأله:
»وكيف تركتَ يثرب يا مصعب»؟
قال مصعب: تركتها إسلاماً والحمدُ لله يا رسول الله...
وعجب بعض الحضور فقالوا:
- وكيف ذلك، وكنَّا منذ مدة وجيزة هناك يا رسول الله، وما زال اليهودي يهوديّاً، والمشرك مشركاً؟!
فقال مصعب:
- الحمد لله يا رسول الله. ما تركت بيتاً في يثرب إلاَّ وفيه ذِكْر الإِسلام..
وكان حقاً ما قاله مصعب. فقد فشا الإسلام في يثرب، وسرى نورُه في جوانبها بسرعة فائقة، مما جعلَهُ يطغَى على جميع مجالس أهل البلد فتلقى الدعوةُ التجاوبَ، ويزدادُ عدد المسلمين حتى صارت يثرب برمَّتها خليَّةً للتفقُّه بالإِسلام أو التحدث عنه..
بيعة العقبة الثانية
وكانت عودة مصعب بن عمير في موسم الحج من السنة الثالثة عشرة من البعثة، وقد أتى من أهل يثرب - في ذلك الموسم - ما تقدَّر عدّتهم بخمس مئة[*]: معظمهم من المشركين، لأن المسلمين لم يزيدوا على ثلاثةٍ وسبعين رجلاً، وامرأتين[*] (هما: أم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو، - من بني مازن من بني النجار - وأسماء بنت عمرو بن عدي - من بني سلمة ـ). وكانت نفوس هؤلاء المسلمين مشوقةً لرؤية رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) والتحدُّث إليه، لأن الاجتماع به (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) والتزود منه بالمعرفة فرصةٌ قد لا تسنح الظروف بمثلها، أو لعلَّها تكون فاتحة خير عليهم، وعلى بلدهم بهذا الرسول الكريم، وبهذا الدين العظيم.
وبتلك الروح الجديدة المتوثِّبة، أقام المسلمون منازلهم في منى، مثل سائر الحجيج، وبعثوا إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أن يلقاهم أنَّى يشاء... فلما جاءهم الخبرُ بموافاته (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) في العقبة - على ألاَّ يعلم بأمرهم أحدٌ من المشركين - ناموا على عيون الناس، حتى إذا مضى ثلث الليل من أوسط أيام التشريق، بدأوا يتسلّلون إلى مكان الاجتماع، مستخفين عن الكفار من أبناء بلدهم، ومحاذرين كشْفَ قريش لأمرهم - كما طلب ذلك إليهم النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ـ.
لقد خرج أولئك المسلمون فرادى في جوف الليل، ولا همَّ لهم في الظلمة الداكنة، إلاَّ أن يجمعهم نورُ الحق برسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ... فلما اكتمل عدد أولئك الخزرج (وكانت العرب تسمي به الأوس والخزرج) وقف عمُّ الرسول، العباس بن عبد المطلب - وكان قد جاء وحدَهُ مع ابن أخيه، كي يستوثق له من هؤلاء القوم - مبادئاً بالكلام، فقال:
»يا معشر الخزرج! إنَّ محمداً منّا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، فهو في عزٍّ من قومه ومنعةٍ في بلده، وقد أبى إلاَّ الانحيازَ إليكم واللَّحاق بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافُون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحمّلتم من ذلك، وإن كنتم ترَون أنكم مُسْلِموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عزٍّ ومنعةٍ من قومه وبلده»[*].
فقالوا: قد سمعنا ما قلت يا ابن عبد المطلب، ونريد أن نسمع للنبي، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربِّك ما أحببتَ[*].
وقام رسول الهدى يحمد الله - تعالى - ويثني عليه، ويحدثهم بما بُعث به من الهدى ودين الحق، وما للإسلام من آثار عظيمةٍ في حياة بني البشر، ولاسيما ما للمواثيق والعهود من أهمية في إقامة الروابط السليمة، والعلاقات الوطيدة بين الأفراد والجماعات، من أجل بناء مجتمع إسلامي هدفه إعلاء كلمة الله تعالى.. وما زال (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يشرح، ويبيّن... حتى كان الهزيع الأخير من الليل، والجميع ينصتون بكل وعي وإدراك، حينئذٍ، سألهم إن كانوا يبايعونه على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم؟!...
وسكتوا يتفكّرون، لأنَّ الموقف كان دقيقاً، والسؤال حرجاً، فهبَّ من بينهم البراءُ بن معرور وقال: «نعم، والذي بعثك بالحق نبيَّاً لنمنعنَّك مما نمنع به أُزُرَنا (أي نساءنَا)، فبايِعْنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة (أي السلاح) ورثناها كابراً عن كابر»[*].
وعادَ رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يمجّدُ ربَّهُ بالحمد والثناء، ثم يوضح بعضاً من معاني البيعة، قائلاً: «تبايعونني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله ولا تخافوا لومة لائم[*]، وعلى أن تنصروني، فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم».
وقام أبو الهيثم بن التيهان يستوضح عمَّا سيؤول إليه الحال مستقبلاً، فقال:
»يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال (يعني اليهود) حبالاً، وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدَعَنا»[*]، فتبسَّم رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ثم قال:.
»بل الدمُ الدمُ، والهدْمُ الهدْمُ، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم»[*].
أما ما عناه الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فهو أن ذمَّتَه ذمَّتُهم، وحرمتَهُ حرمَتُهُمْ، وأنه معهم في الحرب والسلم، وفي الشدة والرخاء، وفي الهزيمة والنصر.. وعلى أيّ حال كانوا، ما داموا حافظين للعهد، وناصرين لدين الله تعالى.
وأدرك العباس بن عبادة بن نضلة - أخو بني سالم بن عوف - خطورة الموقف، فوقف يخاطب القوم:
»يا معشر الخزرج!.. هل تدرون علامَ تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، وعلى حرب ملوك الدنيا. فإن كنتم ترون أنكم إذا نُهكت أموالُكم مصيبةً، وأشرافُكم قتلاً أسْلَمْتُموه، فمن الآن فدَعوه. فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف، فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة»[*].
لقد أراد العباس بن نضلة أن يظهر للقوم جسامةَ الأمر الذي يُقدِمون عليه، وأن ينذرهم بضرورة التمسك بالميثاق الذي يقيمونه على أنفسهم.. ولكن عبد الله بن حزام، وأسعد بن زرارة، وأبو الهيثم بن التيهان، اعترضوه، وقالوا له: «ما لكَ وللكلام - يا هذا ـ؟! ثم قالوا لرسول الله: يا رسول الله، بل دمُنا بدمك، وأنفسنا بنفسك، فاشترط لنفسك، ولربك ما شئت»[*].
ومن ثَمَّ كان الموقف الواحد، الذي أعلنوه صراحةً:
»فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفَينا بذلك؟!»[*]..
قال الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : «الجنة»[*].
وتمت الموافقة على مبايعة رسول الله بالإجماع، فطلب (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أن يختاروا منهم اثني عشر نقيباً[*] ليمثِّلوا القوم، ويكونوا المسؤولين عن العهد الذي يعطونه. فاختاروا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس.
وتقدم هؤلاء النقباء وبسطوا أيديهم، فبسط الرسول العظيم يده، وبايعوه:
»على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى قول الحق، والقيام لله، لا تأخذهم في الله لومة لائم»[*].
هؤلاء هم الأنصار
وهنا توجَّه الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إلى النقباء الاثني عشر فقال لهم:
»أنتم على قومكم بما فيه كفلاء ككفالة الحواريِّين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي، قالوا: نعم»[*].
وهكذا ومنذ هذه البيعة (المعروفة ببيعة العقبة الثانية) صار المسلمون في يثرب أنصار محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) كما كان الحواريون أنصار عيسى ابن مريم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) . وفي هؤلاء الأنصار، الذين كانوا أهل النصرة حقاً وفعلاً لدين الله - تعالى - ولرسوله محمد (عليه السلام) أنزل المولى تبارك وتعالى قرآناً كريماً بقوله العزيز: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفَال: 72]. وبقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ *} [الأنفَال: 74].
أجل لقد تمت بيعة العقبة الثانية في جوف الليل، وعلى غفلة من قريش، والجميع يحرصون على ألاَّ يطَّلع أحدٌ على سرِّهم إلاَّ الله سبحانه وتعالى. ولكنَّ قريشاً لم تكن غائبةً تماماً عن مسرح الأحداث في مكة، إذ كانت تبثُّ حول النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) الجواسيس والمخبرين، يترصدون حركاته، ويُراقبون اتصالاته، وبخاصة الاتصال بالوافدين إلى مكة من غير أهلها.. لذلك فإن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عندما خرج مع عمِّه العباس بن عبد المطلب إلى شِعب العقبة، كان أحد أولئك الجواسيس قد تبعَهُ واختبأ وراء صخرة يتنصَّت، ليعرف ما يدور بين النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وأهل يثرب. وظلَّ في مكانه حتى اكتمل عقد البيعة، فقام ينسلُّ بهدوء حتى لا يفتضح أمره، ولكنَّ المسلمين انتبهوا إليه وهو يفر راكضاً، فأرادوا اللِّحاق به، ولكنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) منعهم من ذلك..
وخشيَ بعض المبايعين من عملٍ طائشٍ تُقدم عليه قريش، إلاَّ أنَّ العباس بن نضلة، قطع على القوم أيَّ شك أو خوف وهو يعبّر عن عزمهم وبأسهم بقوله:
»يا رسول الله، والله الذي بعثك بالحق، إن شئتَ لنميلنَّ على أهل منًى غداً بأسيافنا»[*].
ولكنَّ رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أجابه: «لم نؤمَر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم»[*].
ورجع أولئك الأباة الأشاوس[*] إلى مضاجعهم، غير هيَّابين، لا من قريش، ولا من غيرها، فهم أهل الوَغى[*]، وقد ضرستهم الحرب بأنيابها[*]، فلا يبالون بمن يناصبهم العداء..
عاد المبايعون من الأوس والخزرج، من شعب العقبة إلى منازلهم في منى، ليستغرقوا في النوم هانئين، راضين.. وقد جرى كل ذلك والمشركون من أهل بلدهم لا يعلمون به.. لا بما دار في تلك الليلة عند العقبة، ولا بما فعله المسلمون من أبناء قومهم.
فلما طلع الصباح جاءت جماعةٌ من زعماء قريش يعاتبون الخزرج على ما فعلوا، وهم يقولون:
»يا معشر الخزرج إنه بلغنا أنكم لقيتم صاحبنا البارحة، وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا، وأيم الله ما حي من العرب أبغض إلينا من أن ينشب بيننا وبينه الحرب منكم»[*].
وبُهِتَ مُشركو الخزرج، وراحوا يؤكدون لزعماء قريش أنه لم يحصل شيء مما يقولونه لهم. ولكنَّ أولئك القرشيين لم يقتنعوا، فذهبوا إلى زعيم الخزرج عبد الله بن أبي بن سلول، يسألونه عن حقيقة ما جرى في الليلة الفائتة، فدهش ذلك المشرك، كما دهش غيره من قبل، وجعل يقول: «هذا باطل، وما كان هذا وما كان قومي ليفتئتوا أو ليقدموا على مثل هذا، لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني»[*].
ولما أيقن أهل البيعة أن قريشاً ما زالت تتقصَّى الحقيقة، ولسوف تصل إلى جلية الأمر، إن عاجلاً أو آجلاً، ولئلاّ ينشب قتال ما بين يثرب ومكة، وقد منعهم الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عنه، قاموا يستعدون للرحيل، ثم قفلوا راجعين إلى بلدهم مسلمين لله ورسوله..
وتأكدت قريش من خبر البيعة، فسارعت جماعةٌ منها لمطاردة المسلمين، وإعادتهم إلى مكة، فأدركوا سعدَ بن عبادة، والمنذرَ بن عمرو (من بني ساعدة بن كعب). أما المنذر فقد استطاع أن يفلت من القوم بعد أن أعجزهم أمرُه، بينما ألقوا القبض على سعد بن عبادة (أحد نقباء الخزرج)، وهو ما يزال قريباً من مكة، في مكان يسمى أذاخر. واقتادوه ويداه مغلولتان إلى عنقه، وأدخلوه مكة مكتوفاً، وهم يضربونه وينتهرونه.. ولكنه استغاث بجبير بن المطعم، وبالحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس، إذ كان يجير لهما مَنْ يَخرجون في تجارتهما إلى الشام، حين مرورهم بيثرب، فجاء هذان الرجلان، وخلَّصاه من أيدي بني قومهم.
إسلام عمرو بن الجموح
واستجابت يثرب بعد العقبة الثانية إلى الإسلام، إلاَّ مَن أصرَّ البقاء على الشِّرك، ونفسه تنازعه متردداً مثل عمرو بن الجموح - من بني سلمة - الذي كان قد اتخذ في داره صنماً من خشب أسماه «مناة»، «كما كانت الأشراف يصنعون، تتخذه إلهاً تعظّمه وتطهره»[*].
فلما أسلم فتيان بني سلمة، ومنهم ابنه معاذ، وكان قد شهد العقبة فكان يأتي كلَّ ليلةٍ وبعض الفتيان إلى صنم أبيه، فيطرحونه في مكان الأوساخ، فإذا أصبح عمرو، وذهب إلى صنمه، صرخ مولولاً: ويلكم مَن عدا على آلهتنا هذه الليلة؟ ثم يأخذ صنمه، فيغسله ويضع عليه الطيب قبل أن يردَّه إلى مكانه.
وطال هذا الأمر حتى تعب عمرو بن الجموح، فجاء أخيراً بسيف وعلّقَهُ في عنق الصنم، وهو يقول: إن كان فيك خير فامنع نفسك الليلة!.
ونام عمرو كعادته، فجاء الفتيان فأخذوا السيف وربطوا بدلاً منه كلباً ميتاً، ثم حملوا الصنم وألقوه في بئرٍ مهجورة.. وطار صواب عمرو وهو يفتقد صنمه في الصباح فلا يجده، وكم كانت دهشته كبيرةً وهو يراه محطماً في البئر، وقد علق به كلب ميت، مما جعله يعود إلى رشده، فيخاطب ذاك الصنم قائلاً:
والله لو كُنتَ إلهاً لم تكُنْ
أنتَ وكلبٌ وسطَ بِئْرٍ في قرَنْ [*]
الحمد لله العليِّ ذي المِننْ
الواهبِ الرزّاقِ ديّانِ الدِّيَنْ
هو الذي أنقَذَني من قبلِ أنْ
أكونَ في ظلمةِ قبرٍ مرتَهَنْ
بأحمدَ المهدي النبيِّ المؤتمنْ
وآمن عمرو بن الجموح من تلقاء نفسه، ودخل في الإسلام عن قناعة...
هذا في ناحية يثرب..
أما في مكة فقد بات مؤكداً لقريشٍ أنَّ الأوس والخزرج قد بايعوا «محمداً» وناصروه، فصاروا حلفاءه في الدعوة التي يحمل. وإنَّ من شأنِ هذا الحلف أن يُضيع تلك الجهود المضنية التي بذلتها خلال ثلاث عشرة سنة، للقضاء على هذه الدعوة، أو على الأقل لجعلها محصورة في دائرة مكة فلا تتعداها، ولا تنجرَّ إليها العرب.. أما الآن وإزاء حلف «محمد» وأهل يثرب، فأية جهود قد تفيد أو قد تنفع؟.
ألم تتفتح أمام «محمد» السبل، وتشرّعْ له المجالات، لِيخرج من نطاق دائرته تلك إلى حيث يمكنه إقامة قوة تهدد قريشاً، وتقضي على جميع أحلامها في غلبته، والإِجهاز على دعوته؟.
ولكن ماذا يمكن لقريش أن تصنع بعد؟
وهل أمامها إلاَّ الاندفاع في إيذاء المسلمين؟..
لا بأس، وليكنْ... فقد صار أمراً عادياً، يواجهه المسلمون كلما طلع عليهم صباح أو هبط ليل. إلاَّ أن الشدَّة التي راحت قريش تجابههم بها الآن قد فاقت كل أنواع العذاب، وكل أساليب الظلم التي عهدوها في السابق، بل إن ما تقوم به من أذى بحق المسلمين خلال هذه الفترة القصيرة منذ البيعة، يعادل أذاها خلال سنوات عديدة. ولكن ما العمل الذي يمكن أن يقوم به المسلمون والرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يعلن لهم دائماً أنه لم يؤمَر بعدُ بالمقاومة أو القتال؟!.
ولم يكن ليغيب عن بال النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، بعد افتضاح أمر العقبة الثانية، ما سوف تُقدم عليه قريش من قسوة وظلم واعتداء.. وهو الآن يرى - كما قدَّر - أن المعركة التي تشنها عليه، وعلى المسلمين، هي أشد من كل ما مضى، وقد جعلتها قريش معركة حياة أو موت..
ولكن ما ظن هذه الفئة الباغية من بني قومه؟
ألا تعلم أن الغلبة سوف تكون، ولا ريب، لأولياء الله المخلصين؟
ولكن مثل هذه الغلبة يلزمها تفكير وتدبير.. وهو لن يألوَ جهداً في تقدير ما يمكن أن يعملَهُ كي يستطيع قهرَ هؤلاء المعاندين الذين يقفون حجر عثرة في سبيل نشر الإِسلام، وانطلاقِه إلى مداه الأرحب..



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB