خَاتَمُ النَّبييِّن مُحَمَّد (ص) (الجزء الاول)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1568
تاريخ النشر :   2006




البحث الرابع: أذى قُريش للمسلِمين

وعزمت قريش على تنفيذ ما هدَّدت به.. وقرّ رأيُها على المبادأة بملاحقة الضعفاء والموالي من أتباع محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وسَوْمِهم أسوأَ أنواع العذاب حتى يفتنوهم عن دينهم، بحيث تكون رمضاء[*] مكة ولهيبُ رملها الحارق مطارحَ للعذاب.. أما الآخرون ممن لهم عشيرة تحميهم، فسوف يتركونهم إلى الحين الذي يشنّون فيه حرباً شعواءَ على المسلمين جميعاً.
وقد اعتمدت قريش لذلك تعبئةً عامة فأطلقت دهاقنتها، يوغرون الصدور، ويحثون الأجلاف على ملاحقة المستضعفين من المسلمين أينما وجدوا، وبدأت الهجمة من العتاة والصعاليك - على حد سواء - يحومون حول فرائسهم، مثل الجوارح الكاسرة، فلا يتمكّن القرشي من مسلم إلاَّ وثب عليه، وأنشب مخالب حقده في جسده، أو قد يلاحقه مثل حيّةٍ رقطاء خرجت من وكرها في الرمضاء تفتش عن فريسةٍ تزدردها، فما إن تجدها حتى تغرز فيها أنيابها الملأى بالسم الزعاف[*]..
وكانت شرارة الفتنة في ديار بني جمح، عندما اعترض أحدُهم طريق أمية بن خلف، واستوقفه مستهزئاً، وهو يقول له:
- أصبأتَ يا أمية؟!
وصُعِقَ أمية منكراً على الرجل ما يسمع، وملحّاً عليه إظهارَ ما يتهمه به، فقال له: والآلهةِ التي أعبد، ما علمت رجلاً تهاون في بيته مثلك يا أمية، حتى استغفلك عبدُك الحبشي، فصبأ على دين «محمد».
وثارت ثائرةُ ابن خلف، فتولَّى عن الرجل واندفع عادياً إلى داره، وهو يصرخ: يا للعار! يا للعنة! أأمية يُعيَّر بالصبأ؟! واللات والعزى لن يكون هذا أبداً وفيَّ رمقٌ من حياة!
نكبة بلال بن رباح
واجتمع عليه بنو جمح وأتوا بعبده الحبشي بلال بن رباح ليقيموا في تلك الدار الملعونة عرساً للشيطان الرجيم. فقد طرحوا هذا المسلمَ المستضعفَ عند أقدامهم، مكبَّل اليدين ثم راحوا يتعاقبون على تعذيبه ضرباً بالسياط حتى نالوا منه فوق ما يحتمل. وكان أشدّهم حنقاً أمية الذي كان يضرب عبدَهُ بلالاً، بكل قواه، وهو يزعق قائلاً:
- لأسومنَّك أيها العبد «النتن» عذاباً لم تسمع به قريش في ديارها، ولا العرب في مضاربها..
ثم أمرهم أن يجروه منزوع الثياب، مصفَّدَ اليدين والرجلين بالحديد، ويطرحوه على الرمال الملتهبة في بطحاء مكة، والهاجرةُ على أشدِّها. ولم يكتفوا بذلك، بل أتوا بصخرة كبيرة، ووضعوها على صدره، ثم وقف أمية بن خلف فوق رأسه، وهو يضحك بملء شدقيه - وكأنه قد شفى غليله منه - وهو يقول له:
- والآن أيها العبد «اللئيم»، أتكفر بدين «محمد» حتى أرفع عنك هذا العذاب؟
وكان الألمُ قد أخذ من بلال كل مأخذ، وجعله غير قادر على أن يردَّ بشيء، ولكنه وهو يسمع أمية يأمرُهُ أن يكفر بالدين الذي اهتدى إليه، لا يجد إلاَّ أن يجود بنفسه في سبيل الله تعالى، فيرفع بناظريه نحو السماء وهو يوحِّد الله تعالى ويقول:
أَحَدٌ.. أحَدٌ... (أي أن الله تعالى واحدٌ أحدٌ لا شريك له).
ويغلي الدم في عروق أمية، فيثب إلى الصخرة فوق صدر بلال ويعتليها، وهو يقول:
- ادعُ «إلهكَ» ليخلِّصك، وابعث إلى «محمد» لينقذك.. وإنك إن فعلت فإن ذلك لن يغنيك عن العذاب شيئاً، إلاَّ أن تذكر آلهتنا بخير أيها «الوقح اللعين».
ولم تفلح محاولات أمية، رغم قساوتها، في صرف هذا المؤمن، الصابر على الأذى البليغ، عن ترداد الكلمة الحق: أَحَدٌ.. أحَدٌ.. مما دفع بالكافر لأن يأتي بأم بلال ويطرحها إلى جانب ابنها، ثم يضع رجلَهُ فوق عنقها، وهو يقول لبلال:
- والآن أيها الحبشي «النتن»، أتَرَى مَنْ هذه؟ إنها أمّك حمامة ملقاة تحت قدميّ، والتراب يعفِّر وجهها، ولن أدعَها تنجو من سوء العذاب إلاَّ أن تترك الصبأ وتعود إلى ديننا ودين آبائنا.
لقد كان الكرْب والشدة يحيطان ببلال وأمِّه من كل جانب. ولو أنه استجاب لطلب الكفر - ولو باللسان - لما لامَهُ أحد. ولكن كيف للظلم وإن اشتدَّ، وللقسوة وإن عنفت، أن تنال من إيمان المؤمن الصادق.. لقد كان بلالُ بن رباح مستعداً للموت، ولا يُسمِع هذا اللعينَ الكافرَ أمية بن خلف كلمةً واحدةً تشفي غليلَهُ. أما أمُّه فيحتسبها عند ربها، وهو - سبحانه - كفيل بأن يثيبها على ما تستحق من الأجر، ولذلك ظل الإيمان قوياً في نفس بلال، وكلمة توحيد الله - عز وجل - تتردّد على شفتيه: أحد.. أحد..
ومضت عدة أيام وبلال وأمُّهُ على تلك الحال حتى شارفا على الهلاك. ولكنَّ الله (تعالى) وهو الغالب على أمره، قد شاء أن يمنَّ على عبدَيْهِ بالخلاص، فجاء أبو بكر (رضي اللّه عنه) وطلب من أمية بن خلف أن يرأف بهما، فثار اللعين في وجهه، وهو يقول له:
- بل أنت من أفسَدَ العبد الحبشي يا ابن أبي قحافة، فإنْ كنتَ تريد نجاتَهُ، فاذهب إليه وليكفرْ بدين «محمد» الذي فُتِنَ الناسُ به!..
وردَّ عليه أبو بكر (رضي اللّه عنه) بقوله:
- بل أبادلك عليه بغلام أسود عندي، فهو على دينك، وإنه أشدُّ جلَداً من هذا المسكين، فسأعطيكَهُ به.
وتفكَّر أميَّة فوجدها صفقة رابحة. فموت هذا العبد الحبشي لن يفيده بشيء، فوافق، وتمت المبادلة التي شاءها الله سبحانه، لينجوَ بلال من سوء العذاب الذي ألحقه به ذلك المشرك اللئيم. ثم أعتقَهُ أبو بكر (رضي اللّه عنه) فصار بنعمة الله مسلماً، حراً.. أما أمُّه فقد جمع لها المسلمون المال الذي افتدوها به، فتخلصت من جور أمية بن خلف، وصارت هي الأخرى من المسلمات الحرائر.
استشهاد ياسر وزوجته سمية
وكانت المحنة الأخرى في ديار بني مخزوم، وقد وقعت على بيت ياسر بن عامر العبسي.. فمِن قبلُ لجأ ياسر إلى سراة بني مخزوم، محالفاً أبا حذيفة بن المغيرة ليدفع عنه عاديةَ بطون قريش الأخرى، وقد زوَّجهُ أبو حذيفة أمَةً له، سمية بنت خياط، فولدت له ولدين هما: عمّار وعبيد الله... وسارت بهم الحياة في كنف بني مخزوم رقيقة، لا جدب ولا عسر حتى تقدم العمر بالأب، واكتملت رجولة ولده عمار.
فلما أشرق الضوءُ الساطع على مكة، وبعث الله - تعالى - محمداً رحمة للعالمين، كان عمار من بين بضعة وثلاثين رجلاً قد أسلموا في دار الأرقم.
وعرض عمار الإسلام على أبوَيْه، فأسلما. وكتم هذا البيت المؤمن إسلامَهُ حتى ذلك اليوم الذي تنادت فيه قريش تحضُّ على تعذيب المسلمين. فجاءت الوشاية إلى بني مخزوم تحرّضهم على عمّار وأهله، فحملوهم معاً إلى الأبطح، ليطرحوهم في تلك الفلاة، تحت وهج الشمس وحرّ الرمال التي تحرق أجسادهم، وهم صابرون يئنون من الجوع والعطش والألم..
ومرَّ رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يحاول أن يؤاسيهم، فما كان من الرجل الكافر، الذي كان يتولى تعذيبهم، إلاَّ أن اشتدَّ عليهم بالضرب وهو يخاطب أم عمار قائلاً:
- انظري أيتها الجاحدة، فهذا نبيكم «محمد» قد جاء ليخلّصكم، ولكنْ هيهات أن يكون لكم أي خلاص وما زال فيَّ رمقٌ من حياة! وكانت أم عمار في شبه غيبوبة، فلما سمعت ذكر النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فتحت عينيها، وقالت بنفس ذائقة الموت:
- انظر ماذا حلَّ بنا يا رسول الله!
فأجابها الرسول الكريم، وقلبه يتفطر أسىً عليهم:
- «صبراً آل ياسر فإنَّ موعدكم الجنة»[*].
فقالت تلك المؤمنة بنفس مطمئنة راضية:
- والله إني لأشمُّ رائحتها يا رسول الله.
وكما كان متوقعاً فقد مات ياسر، من شدة التعذيب على الرمضاء، شهيداً. إذ قد خانَته سنُّه المتقدِّمة، فلم يقوَ على الاحتمال، فقضى جوعاً وعطشاً على يد الظالمين، ليكون أولَّ شهيد في الإسلام.
وحان دور زوجته سمية عندما جاءها أبو جهل يستهزىء بها، ويأمرها بأن تسبَّ «محمداً» وتكفر بدينه، فما كان منها إلاَّ أن بصقت في وجهه، وهي تقول له:
- قبَّحك الله أنت وآلهتَك يا ابن هشام.. أمّا محمد فهو رسول الله..
وطار صواب أبي جهل فأمسك بحربته وطعنها، لتلاقيَ ربَّها شهيدةً، وتلحقَ بزوجها مستبشرة بالجنة التي وعدهم بها رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، فتكون مثل زوجها أول امرأة قُتلت شهيدةً في الإسلام، بلا ذنب اقترفته، إلا أنها تقول: ربي الله..
ولم يعد أبو جهل يكتفي بضرب عمار بعد موت أبيه وأمِّه، وهو مقيّد على رمال الصحراء الملتهبة، بل اشتدت قسوته عليه، فكان يأمر أن يأتوه بالصخرة فيضعها على صدره، أو يأمر أن يدلّوه في برميل من الماء الذي يغلي من شدّة حرِّ الشمس ووهجها، وكل ذلك ليرتدَّ عن دينه، بينما عمار يجالد، ويحتمل، حتى خارت، بعد أيام، قواه من شدة العذاب، فاغتنمها اللعين أبو جهل فرصةً مؤاتية، وأخذ برأسه وهو يقول له:
- أتريد الخلاص يا عمار، إذن تسبَّ «محمداً» وتقول في اللات والعزَّى خيراً.
وبلا وعي أو إدراك صار عمار يردّد ما يقوله فرعونُ قريش حتى ظنَّ أنه انقاد لإرادته، فطلب أن يفكّوا قيوده، ويخلوا سبيله، ليَرى أهلُ مكة جميعاً، وليس «محمد» وأتباعه وحدهم، كيف أنَّ القوة مع المسلمين تجعلهم يتركون «الصبأ»، ويعودون إلى عبادة الآلهة التي تعبدها قريش..
ولكن خسىء الظالمون، وخسىء أبو جهل، فما إنْ أبلَّ عمار من الشدة التي حلّت به، حتى ذهب من فوره إلى النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) باكياً، نادماً، معتذراً عما أُكرِه على قوله، وهو تحت وطأة تلك النكبة التي أفقدته الوعي، فسأله رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) .
»فكيف تجد قلبك يا عمار؟».
قال: أجده مطمئناً بالإيمان يا رسول الله.
فقال له الرسول الأعظم: «يا عمار! إن عادوا إلى مثلها فعُدْ»..
وبحال أولئك المسلمين الذين عُذِّبوا في سبيل الله، فصَدرت على ألسنتهم كلماتٌ لا تتعدى الشفاه، ولا أثَرَ لها في قلوبهم التي ظلت مطمئنة بالإيمان، نزل قول الله تعالى:
{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *} [النّحل: 106].
أجل! «إلاَّ من أكرِهَ وقلبُهُ مطمئن بالإيمان». إنها إحدى القواعد في الإسلام التي تدلُّ على عظمة الخالق سبحانه وتعالى وهو وحده يعلم ما في السرائر وما تكنُّ الصدور. فمن أُكرهَ على التلفظ بالكفر، فتلفّظ به ولكن قلبه مطمئن بالإيمان، لا معصية عليه. ذلك أن الدين يُراعي الإنسان في جميع حالاته من القوة والضعف، والإرادة والإكراه، والقصد والخطأ وغيرها من الحالات التي قد يتعرَّض لها الإنسان، في مواجهة الحياة. إذ لا سبيل للحكم على الإنسان وإدانته في حالات إتيان المحرَّم إذا ما ألجأته إليه القوة أو التهديد، أو العنف أو أي أسلوب من أساليب الإكراه المادي أو المعنوي.
والله تعالى وهو الخبير اللطيف بعباده قد سنَّ لنا في كتابه العزيز هذه القاعدة التي تصلح في كل زمان ومكان، والتي توجب الحكمَ على الإنسان بميزان العدالة الكاملة التي تأخذ بعين الاعتبار الفعلَ ومسبباته، والظروفَ التي أحاطت به، والدوافع التي كانت وراءه، لا أنْ يُحكَم عليه لمجرد الظواهر بلا أدلة أو بيّنات. وعلى هذا فإنّ كلَّ من يدفَعُ غيره لارتكاب المحرّم أو المنكر أو أي جرم، يكون هو المسؤول إذا ثبت أنَّه مارس عليه إكراهاً أو خداعاً، بل ويتحمل العقاب مثل الذي مارس الفعلَ الجرمي وأشدّ، لأنه بفعله يكون قد ظلم المكرَهَ وظلم نفسه. ومحاسبتُهُ تكون بإنزال الحكم الشرعي الذي يستأهله، لردعه عن ظلم الآخرين، ودفعهم إلى مخالفة الأحكام، والقواعد، والنظم النافذة، ولاسيما الأحكام الشرعية المستمدة في الإسلام من الكتاب والسنة. من هنا كانت هذه القاعدة هي إحدى الركائز الأساسية في الإسلام، التي تخاطب الإنسان، وتحثه على إحقاق العدل في جميع أحكامه. ولا نظنُّ أنَّ مجتمعاً ساده العدلُ إلا وصلُحت فيه أحوال الناس.
غيرهم من المعذبين
ومن المعذبين الأوائل: خباب بن الأرت، وصهيب الرومي، وأبو فكيهة.
فأما خباب فهو تميمي النسب، خزاعي الولاء، وحليف بني زهرة. جرى عليه السبْيُ في الجاهلية فاشترته امرأة من خزاعة وأعتقته. وكان قيناً يصنع السيوف، ويعدُّ خباب قديم الإسلام، إذ كان من بين الأوائل الذين أسلموا قبل دخول النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) دار الأرقم بن أبي الأرقم.
وقد أراد المشركون استدراجَهُ للنيل منه، فجاءه يوماً العاص بن وائل متحرِّشاً، مفترياً، يحتجّ بسيفٍ له عند خباب ليصلحه، وقد أبى أن يدفع أجر تصليحه إلاَّ أن يكفر بدينه، فقال له خباب:
- لا والله لا أنكر دين الله تعالى. ولسوف تموتُ وتُبعث يا هذا فانظر ما يكون منك؟
قال العاص:
- فإني إن متُّ وبُعثتُ جئني ولي مالٌ وولدٌ، فسأعطيكَهُ!..
وكانت تلك هي الحجة على خباب، فأخذه المشركون من دكانه، واقتادوه للتعذيب، فكانوا يُحمون الحجارة بالنار ويكوون جسدَهُ بها، أو كانوا - إن أرادوا تسلية أكثر - يضعون حول رقبته حبلاً ثم يوثقونه بصخرة وهم يهددونه بالشنق أو يرتدّ عن دينه، ولكن خباب ظل ثابتاً لا يستجيب لمأربهم حتى افتداه إخوته المسلمون بمالٍ جمعوه له، فتخلّص من ظلم الكفار وبطشهم.
ولم تكن الأساليب الوحشية الرعناء التي مارسها المشركون على صهيب بن سنان الرومي أقلَّ بعذابها من تلك التي ألحقوها بخباب، إلاَّ أن الله سبحانه وتعالى منَّ عليه بالعتق من الجور بعدما افتداه المسلمون، هو الآخر بالمال، فعاش حراً، كريماً منيعاً. وقد كنّاه رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بعد عتقه بأبي يحيى قبل أن يولد له ولد. ومما يشهد لصهيبٍ، في صدق إيمانه، جرأتُهُ على المشركين، فقد مرَّ يوماً، وهو بصحبة عمَّار وخباب، بجماعة منهم، فراحوا يستهزئون بهم، ويقولون: انظروا إلى جلساء محمد!.
فما كان من صهيب إلاَّ أن ردَّ عليهم بلا خوفٍ ولا وجل:
- بل نحن جلساءُ نبي الله ورسوله. آمنّا وكفرتُم، وصدَّقناه وكذَّبتموه. ولا خسيسة مع الإسلام ولا عزَّة مع الشِّرك.
وأما أبو فكيهة واسمه أفلح، فقد كان عبداً لبني عبد الدار. وقد أوذي من أجل إسلامه إيذاءً شديداً، إذ كان الكفار يعرُّونهُ من ثيابه، ثم يربطون برجليه حبلاً ويسحبونه على الرمال في حرّ النهار. فيكتوي جسمُه، وهم يقولون له:
- أين هو ربك؟
فيجيب بإيمانه الصادق:
- الله ربي وربُّكم وربُّ آبائكم الأولين.
وقد رأوا أن يتخلّصوا منه، فأوثقوا عنقه بحبل وراحوا يجرّونه، حتى إذا ظنوا أنه مات تركوه تحت وهج الشمس. ولكنَّ الله سبحانه وتعالى منَّ عليه بالحياة، فاشتراه أبو بكر من أسياده، وأعتقه في سبيل الله.
تلك بعض النماذج من العذاب التي كانت قريش تستعملها ضد ضعفاء المسلمين،.. وقد قامت بحملةٍ مركَّزةٍ تنمُّ عن الحقد الدفين على دعوة الإسلام، والتصميم على القضاء عليها. وكان الظلم الذي يمارسونه على أتباعها بمثابة شغْلهم اليومي، لا يتخلون عنه إلا لسأمٍ أو ضجر، كما يشهد عليه قول عمر بن الخطاب - قبل إسلامه - لامرأةٍ مسلمةٍ اسمها لبيبة، كانت جارية عند بني مؤمل بن حبيب بن عدي، فكان عمر يأتي ويعذبها، حتى إذا ملَّ، قال:
- إني لم أترك إلاَّ ملالةً[*].
وعلى الرغم من تفاهة المشركين، وأساليبهم الوحشية، إلاَّ أنه لشدَّ ما كان يأخذهم العجب بالروح الإسلامية، وهم يرون المسلمين يجمعون في كل مرة المال ليفتدوا به المستضعَفين منهم، ثم يُعتقونهم فيصيرون أحراراً.. وها هوذا أبو قحافة - والد أبي بكر - يعبِّر عن هذه الحقيقة عندما قال لابنه:
- يا أبا بكر! إني لأراك تُعتق رقاباً ضعافاً، فلو أنك فعلْتَ ما فعلْتَ، وأعتقتَ رجالاً جلداءَ يمنعونك، ويقومون دونك؟
فقال له أبو بكر (رضي اللّه عنه) :
- إني والله أفعل ما أفعل في سبيل الله.
فيردُّ عليه أبوه محتدّاً:
- ولكنَّ هذا الأمر يغضب بني قومك.
فيجيب أبو بكر: إنني أبتغي مرضاة الله - تعالى - ورسوله. وإني أدعوك إلى الله فتَنْجُو!.
ولم يكن المسلمون الآخرون، من ذوي المنعة بمنأى، هم الآخرون، عن سفاهة المشركين، إذ قلّما كان أحدهم يلتقي رجلاً مسلماً إلاَّ ويقول له:
- لقد صبأتَ يا هذا، وتركت دين أبيك وهو خير منك، لنُسفِّهنَّ أحلامَك، ونُخَطِّئنَّ رأيَك، ولنضَعنَّ[*] شرفَك!..
وإن كان المسلم يعمل في التجارة، قال له المشرك:
- ولنُكسِدَنَّ تجارتك، ولنُهلِكنَّ مالك!..
ولم يكن في المشاحنات الكلامية، أو الهزء والسخرية ما يشفي غليل الحاقدين من قريش، ولكن الخوف من الفتنة واندلاع القتال، كانا وراء كبح جماح عصبيتهم وغضبهم، فيقفون عند حدود المهاترات وتوعد المسلمين بالنيل منهم. ويدل على هذا الخوف تحذيرُ هشام بن الوليد لأبي جهل وأتباعه، عندما جاؤوا يشتكون أخاه ويستأذنونه بمعاقبته على دخوله في الإسلام، إذ أنذرهم ابن الوليد بأن يكتفوا بعتابه من دون المساس به بشيء، وإلاَّ فالعاقبة قد تكون وخيمة، كما يتبين من قوله لهم.
- هذا لكم، فعليكم به فعاتبوه، وإياكم ونفسَهُ، فأقسم لئن قتلتُموهُ لأَقَتُلَنَّ به أشرفَكم!
وتركوه وهم يندِّدون بموقفه قائلين:
- اللهم العنْهُ، فلو أصيب أخوه بأيدينا، لقتل أشرفَنا رجلاً!
واستدامت صلافة قريش، وامتدَّ أذاها واستهزاؤها بالمسلمين حتى طاولَ الأمرُ الرسولَ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) نفسَهُ، وذلك حين تصدَّت له جماعةٌ أثناء طوافه حول الكعبة، فراحت تهزأ به برعونة، علّها تنال منه ما يبرّد لهيب حقْدها!..
وكان معه أبو بكر (رضي اللّه عنه) ، فتقدَّم من تلك الجماعة في محاولة لثنْيها عن سوء فعْلها، والابتعاد عنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لأنه ما بُعث إلاَّ لهدي الناس وصلاحهم، أفيكون جزاؤه من بني قومه الاستهزاء والإهانة! مما لا يقبله أي عقل أو عُرف؟!.. ولم يتركوه يكمل حديثه إذْ أخذت عتبةَ بنَ ربيعة الحميةُ الوثنية، فتقدم يصفعه على وجهه، ثم انهالوا عليه بالضرب المبرح، من دون أن تسوّل لأحد نفسه المساسَ بالنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) الذي اندفع في وسطهم ليمنعهم من صاحبه.. ولم يتركوا أبا بكر (رضي اللّه عنه) إلاَّ والدم يسيل منه.
وطار الخبر إلى بني تيْم - قوم أبي بكر - فأقبلوا غاضبين حانقين، إلا أنهم لم يدركوا تلك الجماعةَ الغاضبة لأنها كانت قد تفرقت في أزقَّة مكة، بعد فعْلها الشنيع.
وأقسم بنو تيم، أن يقتلوا عتبة بن ربيعة بصاحبهم إن مات.. ثم حملوه إلى بيته لتلقاه أمُّه سلمى بنت صخر، ساخطة، مولولة. فلما استعاد وعيه من الصدمة كان أول ما سأل عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وهو يقول:
- أين رسول الله، وماذا فعلوا به؟
وكانت عنده أخته أم جميل - وهي ممن هدى الله تعالى إلى الإسلام - وقد جلست بقربه تضمد جراحه، فقالت له:
- هذه أمّك تسمع..
قال لها:
- فلا شيء عليك منها..
عندها قالت له أخته:
- إن رسول الله بخير والحمد لله.
قال:
- فإن لله عليَّ ألاّ أذوق طعاماً أو شراباً حتى آتي رسولَ الله.
ولم تُنكر عليه أمُّهُ ذلك، ولكنها نصحتْ له بالتروي إلى أن يسكن الناس. فلما همَّ بالذهاب، أبت تلك الأم إلاَّ أن ترافق ولدها خوفاً عليه من جرحه، ومن الناس، فاحتضنته وأختَه في الطريق حتى دخلوا على رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، فهبَّ يستقبلهم، وهو يسأل صاحبَهُ عن حاله، فقال أبو بكر:
- بأبي أنت وأمي يا رسول الله.. والله ما بي من بأس إلاَّ ما نال مني أولئك القوم في رأسي.. وهذه أم الخير قد برَّت بابنها الجريح، فعسى أن ينقذها الله بك من النار.
وأجلس النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أم الخير بجانبه، وراح يحدِّثها عن دين الله، حتى انشرح صدرها للإسلام، فأعلنت بين يَدي رسولِ الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله..
ولاح البِشْر في وجه النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، فنظر إلى أبي بكر فإذا بالفرح يغمره، ولكنه لم يستطع أن يحبس دمعة نزلتْ على خده لشدة تأثره بإسلام أمِّه، فهبَّ يقبِّل يَديْ هذه الأم التي أعتقها الله تعالى من النار، وهو يقول لها:
- لقد فزت بالخير يا أم الخير..
إسلام حمزة بن عبد المطلب
واستمرت الحملة على المسلمين حتى لم يفلت أحد إلاَّ وأوذي بصورة أو بأخرى إمّا في نفسه، أو في ماله، أو في عزيزٍ عليه، بل وصَلَ الأمرُ بالمشركين للاعتداء على النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) نفسِه، وذلك أنه جاء يوماً، فطاف حول الكعبة ثم ذهب، وجلس في طريق المسعى، على صخرة نائية، يتأمل ويفكر كعادته.. فيراه أبو جهل أثناء مروره، مصادفةً، من تلك الناحية، فيميل نحوه، ويأخذ بالشتم والسخرية، والرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لا يجيب صاحب النقص بمثل نقصه، لأن خلُقه القرآن، - وهو من قبل مبعثه عليه الصلاة والسلام، كان يأنف سمع الشتيمة وينكرها - فلم يردَّ على أبي جهل بل ظل ساكتاً، مشيحاً بوجهه عنه، فلما طالَ لجاجُ[*] هذا الفاسق بسفاهته، لم يجد النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بدّاً من القيام والابتعاد عنه..
وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان، قد وقفت ترقب، وتسمع سفاهَ أبي جهل، وترفُّعَ النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عن مخاطبته، فثارت مشاعرها، وتمنَّت تلك الإِنسانة لو تكون لديها القدرة لتهجم هي على هذا الحقير أبي جهل وتنشبَ أظافرها في وجهه. ولكنها وهي المسكينة، لم تجد متنفساً لغضبها، وحزنها على رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، إلا البكاء.. وبينما هي تتأوَّه وتذرفُ الدموعَ إذا بحمزة بن عبد المطلب يمرُّ بقربها، فيسألها عمّا يُبكيها، فأخبرته بما حصل للنبيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وما آذاه به أبو جهل.
وكان حمزة عائداً من رحلة قنص.. وقد عُرِف عنه أنه لا يأتي أهلَه قبل أن يذهب إلى بيت الله الحرام، فيطوف حول الكعبة، ثم يروح يتجول في مكة، متنقلاً من مكان إلى مكان، وكلما مرَّ بنادٍ لقريش، وقف وتحدَّث إلى الناس..
كان حمزةُ يستمع إلى شكاية تلك المولاة، ومدى تأثُّرها على النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، فأحسَّ كأنَّ شيئاً يعتصر قلْبه، ويُنسيه كل أمر إلا العثور على عمرو بن هشام، فاندفع يبحث عنه إلى أن عثر عليه بين نفرٍ من جماعته بني مخزوم، فتقدم منه، وأهوى عليه بضربةٍ شديدة من قوسه كانت كفيلةً أن تشجَّ رأسه، وهو يقول له:
- ويْحك يا عمرو!.. أتشتم «محمداً»، وأنا على دينه، أقول ما يقول.. فرُدَّ عليَّ ذلك إنِ استطعت[*].
»فقام رجال من بني مخزوم ينصرون أبا جهل، فقالوا لحمزةَ: ما نراك إلا صبأْت؟ فقال حمزة: وما يمنعني؟ وقد استبان لي منه أنه رسول الله، والذي يقوله حق؟ فواللَّهِ لا أنزع، فامنعوني إن كنتم صادقين[*].
لقد ثار حمزة بن عبد المطلب، «أعز فتى في قريش وأشدّهم شكيمة»[*] عندما علم بالتعدي على ابن أخيه ظلماً وعدواناً... وكان في ثورته تلك تعبيرٌ رائع عن العهد الذي قطعه بنو هاشم على أنفسهم، في منع «محمد» وحمايته.. وتأكيدٌ من حمزة بالذات على اعتزازه بنفسه، واعتداده بشجاعته، إذ لم يلبث بعد أن ضرب أبا جهل بقوسه أن استلَّ سيْفَهُ من غمده، ووقف قِبالة أولئك النفر، يتهددهم بالموت الزؤام، إن سوَّلت لأحدٍ نفسُهُ أن يقاتله..
وهنا تدخّل أبو جهل، فصاح في جماعته؛ «دعوا أبا عمارة.. فإني والله قد سببْت ابن أخيه سبّاً قبيحاً»[*].
وتوجّه حمزةُ بعد ذلك إلى داره وفي نفسه ألفُ حيرة عما دعاه ليعلن أمام الناس بأنه على دين محمد!.. وجاء الليل وبات أرِقاً لا يغمض له جفن، ولا يهدأ له أوار.. إنه فعَل ما فعَل، وليس بنادمٍ، ولكن ما السبيل للحفاظ على كرامته؟! فهو علَمٌ في قريش، وإذا قال شيئاً فإنه يُلزم به نفسَه، لأنه يكون حجةً عليه، بل وحجةً على بني هاشم، الذين عرفهم القومُ أهلَ قولِ صدقٍ، وثباتِ موقفٍ، فماذا عساه أن يفعل؟!..
وعند الفجر، وفي ساعة الصفاء والسكون، إلاَّ من أصوات ديَكة مكة، تصيح مُؤْذِنةً باقتراب طلوع صباح جديد، جاءه الإِلهام، فقال في نفسه: «اللهمَّ إن كان ما صنعتُه خيراً، فاجعل تصديقَه في قلبي، وإلاَّ فاجعل لي مما وقعتُ فيه مخرجاً»..
لقد سلَّم حمزة أمْرَه لخالقه، فذهب في الصباح، وطاف حول الكعبة المكرَّمة وهو يتضرع إلى ربه أن يسدِّد خطاه ويشرح صدره للحق، ثم قصد دار ابن أخيه محمد بن عبد الله.
واستقبله النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وهو يرى القلقَ بادياً عليه، فأجلسه بقربه يسأله عما ألمَّ به، محاولاً أن يسرّيَ عنه، وهو يُكبر فيه تلك الهمة العالية في تلقينه أبا جهل درساً لن ينساه في حياته..
وسُرَّ حمزةُ وهو يجد ارتياحاً لدى ابن أخيه عمَّا فعله بالأمس، فانشرحت أساريره، وهو يتطلَّع إلى هذا الوجه الصبيح، الذي لم تزده الأيام إلاَّ كمالاً وإشراقاً، فاندفع ينفّس عن مكنون صدره، وما يحتبس بين ضلوعه من فساد الأوضاع في مكة، ومن زعامة قريش بالذات، من دون أن ينسى حادثته مع أبي جهل البارحةَ وما أعقبها من أرق وحيرة إلى أن قال: هذا ما جرى يا ابن أخي، وقد بتُّ لا أعلم أرُشْداً أتيتُ، أم عصبيَّةً كادت توقع فتنة؟! فحدثْني حديثاً طويلاً، وأَبِنْ ليَ مِن نُصحك ما يهديني، فوالله أشتهي يا ابن أخي أن تحدِّثني..
وأقبلَ الرسول الكريم على عمِّه حمزة، بصفائه الروحي المعهود، وبطُهره النفسي المشهود، يذكّره، ويعظه.. ويبيِّن له من آيات الله - تعالى - ما يؤنس القلب، ويهدي العقل.. وهذا العمُّ يصغي إليه بانتباه، ويعي كل ما يقول بروح نقية طاهرة، حتى شَعَر بأن الإِيمان يهزُّ قلبه، وإذا به يأخذ يَدي الرسول الكريم فيضعهما على صدره ويعلن قائلاً:
»أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله...». ثم لا يلبث أن يهبَّ واقفاً، كمثل عادته في كلِّ أمرٍ جَلَل وهو يقول له:
»فأظهرْ يا ابن أخي دينَك.. فوالله ما أحب أنَّ لي ما أظلّته السماء وأنا على ديني الأول»[*].
وقال حمزة حين أسلَمَ قصيدة منها[*]:
حمدتُ الله حين هَدى فؤادي
إلى الإسلامِ والدينِ الحنيفِ
لدينٍ جاءَ من ربٍّ عزيزٍ
خبيرٍ بالعبادِ بِهِمْ لطيفِ
إذا تُليَتْ رسائِلُهُ علينا
تحدَّرَ دمعُ ذي اللّبِّ الحصيفِ
رسائلُ جاءَ أحمدُ مِن هُدَاها
بآياتٍ مبيَّنَةِ الحُروفِ
تلك كانت نتيجة الإيذاء الذي تعرَّض له النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) من أبي جهل.. وهي النتيجة الحاسمة التي كانت تأتي دائماً عندما تثور قريش وتندفع للاشتداد على المسلمين.. فكلما كانت تمعن في العداء للإِسلام، كان ذلك يزيد من إقبال الناس على هذا الدين، ولاسيما من ذوي النفوس العالية، وأصحاب الشهامة، الذين يرفضون الظلم أيّاً كان مصدره، ويكرهون العنت، أيّاً كان مسبِّبُه.. كما حدث لحمزة بن عبد المطلب (رضي اللّه عنه) .
ولم يكن دخول حمزة في الإسلام حدثاً عادياً، بل يشير المقدسي إلى أثره الكبير فيقول: «فلما أسلم حمزة عزَّ به الدين والنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وسرّ رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بإسلامه كثيراً»[*] كما وأخرج الطبراني في «الكبير» بإسنادٍ رجال ثقات عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريف، حليف بني زهرة، أنَّ حمزة لمَّا أسلم عزَّ به رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) والمسلمون، وثبّت لهم بعض أمرهم، وهابت قريش، وعلموا أن حمزة سيمنعُهُ[*].
ولأن إسلام حمزة كان بتلك الأهمية للدين، فإنه هزَّ كيان المشركين، لمَا رأوا فيه من إنذار بسوء العاقبة التي باتت تنتظرهم، ولماذا؟ لأن حمزة كان يمثل قوة قائمة بذاتها، وهذه القوة قد انحدرت الآن من صفوفهم لتقفَ في الجانب المعادي، بل في صفّ عدوِّهم الأوحد «محمد»، فاندفعوا يُحرِّض بعضهم بعضاً للاشتداد على النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، والمضيِّ في إيذائه.. وكان عمُّه أبو لهب هو وزوجه وأولاده ممن يفعلون ذلك، إذ لا يمرُّ يوم إلا ويطرحون القذارة على بابه بحكم جوارهم منه، فكان يقول؛ «أيُّ جوار هذا يا بني عبد المطلب!».
وإنَّ رؤوس المشركين ليجتمعون يوماً عند هُبَل، تلبية لدعوة من أبي سفيان صخرِ بن حرب، وهو يقدم قرباناً لكبير آلهتهم على ما أصابت تجارة له في اليمن من ربح، فيأتي النبيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ليطوف - كعادته - ويصلّي في الكعبة الشريفة.. فانتظروه حتى صار قائماً في صلاته، فقال أبو سفيان:
- مَن يذهب ويُخزي هذا الرجلَ الذي أقضَّ مضاجعَنا، ونغَّص عيشَنا، وأفسد علينا أمورَ حياتنا؟!..
قال حموه، عتبةُ بن ربيعة: أنا له.
قال له صهرُه أبو سفيان: لا يا عمّ!.. فإن زوجتي هنداً لا ترضى أن أزجَّك في موقف مثل هذا، وإنها لا تغفر لي إن جرى لك أي مكروه، فدع عنك هذا الأمر للشباب، وهم أجدر منّا به..
وردَّ عليه عتبة بنبرة وحدَّة: بل إنَّ ابنتي هنداً ستفخر بي، حين تعلم أني قد أنزلتُ «بمحمدٍ» الهزءَ والسخرية...
ولكنَّ أبا سفيان منعه من ذلك لكِبرِ سنِّه، وقال له:
- لن أدعك تفعل أيها الشيخ القرشي..
وهنا أخذت الحمية أبا جهل، فقام يتناول بضع بقايا الذبيحة (القربان) ويندفع نحو النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فيلقيها عليه، وهو ساجدٌ بين يدي الله عزّ وجلّ.. ثم عادَ إلى مجلسه، والقوم يصفقون له هاتفين، هازجين.
الكفّار يضحكون ويسخرون، والنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لا يحفل بفعلهم الشنيع، بل يقوم من سجوده، ويذهب إلى بيته، لتلقاه ابنتُه فاطمة الزهراء (عليها السلام) على تلك الحالة، فتحزن وتبكي، ثم تأخذ ثوبه للغسل وهي ترنو بناظريها إلى السماء، وتقول:
»اللهمَّ هذا عبدك ورسولك، فارحمه يا أرحم الراحمين، وأنزِلْ بأعدائه اللعْنةَ التي يستحقون»..
وراح رؤوس المشركين، يتربصون بالنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ويرقبون تحرُّكه، فلا يتركون سانحة تمرُّ، إلا ويحاولون أذيّته، ومثالهم عقبة بن أبي معيط الذي كان يأخذ المِكْتَل[*]، فيجعل فيه عذرةً[*] ثم يذهب ويضعه على باب رسول الله.. فبَصُرَ به يوماً طليب بن عمير بن وهب بن عبد مناف بن قصيّ - وأمُّهُ أروى بنت عبد المطلب - فأخذ المِكْتل منه، وضربه به على رأسه، فشكاه عقبة الخسيس إلى أمّه، وهو يقول: قد صار ابنك ينصر «محمداً».
فقالت له:
- ومن أولى به منّا، أموالنا وأنفسنا دون «محمد».
محاولات أخرى للنيل من النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)
واستفحلت الضغينة بعد ذلك الحادث في قلب عقبة بن أبي معيط.. إلى أن رأى النبيَّ عند الكعبة وحدَه، فتقدم من ورائه خلسةً، وتناول ثوبَه من قُربه، ولفَّه حول عنقه وهو يحاول أن يخنقه به، ولكنه سرعان ما تركه مبتعداً عنه، عندما رأى جماعة من فتيان المسلمين، تُقبل نحو الكعبة، بحثاً عن رسول الله..
وبعد فشل تلك المحاولة من ذاك اللعين عقبة، أعلن أبو جهل بدوره عزمه على النيل من النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وهو يَعِدُ رؤوس المشركين بأنه سيتربَّص بـ«محمدٍ» ويضربه بحجر كبير يشجّ رأسه.. فارتاحت نفوس أولئك الشياطين للنبأ، الذي يمنّيهم بالخلاص، وهم يقولون لبعضهم بعضاً: لئن قَتل صاحبُنا «محمداً» فقد كفانا شرَّه، وإن ثَأَرَ بنو هاشم بقتْل أبي الحكم، نكون نحن قد نجوْنا...
.. ولا غرابة من موقف أولئك الأنجاس، وهم يشجعون أبا جهل، الجهولَ، على ما ابتكرت نفسُهُ اللئيمة، حتى يجعلوه مطيةً لتنفيذ مأربهم من «محمد»، فإن أصاب فيكون نجاحه نجاحاً لهم جميعاً، بينما يرتد فشلُهُ عليه وحده... فصاروا يرقبون ما يفعل أبو جهل وهو يلاحقُ النبيَّ من مكان إلى مكان، حتى استفرَدَ به يوماً عند الكعبة، فانسلوا إلى أماكن متفرقة، ليروا ما يكون من أمر صاحبهم هذا. حتى إذا بدأ النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) صلاته عند مقام إبراهيم (عليه السلام)، ظهر أبو جهل، وهو يمشي على رؤوس أصابعه، وبيده حجرٌ يريد أن يضربه به.. ولكنه ما إن اقترب منه حتى أجفل وارتدَّ على عقبيه هارباً، لا يلوي على شيء، مما جعلَ خيبة الأمل التي لم يتوقعوها تصيبهم في الصميم، ولذلك لم يطقْ أبو سفيان بن حرب البقاء في مخبئه فاندفع يعترض أبا جهل، وهو يخزيه بقوله:
- قُبّحتَ من جبان! أبَعْدَ أن حاذيتَهُ، وكدتَ تقف فوقه، تتخاذل ثم تفرُّ مذموماً، مدحوراً، فيا لتعاسة قريش بك!..
وبجهد جهيدٍ نطق لسان أبي جهل، وهو يقول له:
- إياك يا أبا سفيان وكيدك الذي أعرف، وآلهة قريش ما إن دنوْت من الرجل حتى أحسستُ بأنَّ يدَيَّ قد يبستا على الحجر، وعرض لي دونه فحلٌ من الإبل، وإنّي ما رأيت مثلَ هامتِه، ولا رقبتِه، ولا أنيابِه، فهمَّ أن يأكلني.
وصدق الله العظيم حيث قال:
{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا *} [الإسرَاء: 45].
فهل كان لنبيُّ الرحمة إلاَّ قارئاً القرآنَ، وداعياً الرحمانَ وهو يصلّي؟ وهل كان فحلُ الإبل الذي تراءى لأبي جهل - وهو من الكافرين الذين لا يؤمنون بالآخرة - إلاَّ ملكاً بعثهُ الله - عز وجلّ - على تلك الصورة ليكون حجاباً ساتراً للنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فلا يصل إليه أذى مشركٍ بربِّه، كافرٍ بعبادته؟!
ومن أبالسة قريش الذين مردوا[*] على الحقد، كان الأسود بن يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، - ابن خال النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) - كان إذا رآه، يقول له: أما كُلِّمتَ اليوم من السماء يا «محمد»؟ وكان إذا رأى فقراء المسلمين يقول لأصحابه: هؤلاء ملوك الأرض الذين يرثون الأرض من بَعدنا؟!.
ومنهم أيضاً الحارث بن قيس بن عدي بن سعد السهمي، وأمُّه تدعى الغيطلة. كان يتخذ الحجر إلهاً يعبده، فإذا أعجبه حجرٌ غيره تخلَّى عن إلهه الأول وعبد الحجر الثاني وفيه نزلت الآية الكريمة: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجَاثيَة: 23][*]..
ومنهم أميَّةُ وأبيُّ ابنا خلف.. وكانا على شرِّ ما كان عليه أحد من أذى لرسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وتكذيبه.. جاء أبيٌّ إليه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بعظْم فخذٍ ففتَّه في يده وقال: يا «محمد»! أتزعم أن ربَّك يحيي هذا العظم بعدما أرمَّ؟!.
فقال له: «نعم ثم يبعثك الله وإياه ويُدخلك في النار». فنزل الوحي، بقوله تعالى:
{أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ *وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ *قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ *الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ *أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ *إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *} [يس: 77-82].
ومنهم العاصُ بن وائل السهمي والد عمرو بن العاص، وكان من أشد المبغضين للنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، إذ لمَّا توفي ابنُهُ القاسمُ (رضوان الله عليه) أظهر العاصُ حقدهَ الدفين على أشد ما يكون من التشفي والكراهية، وهو ينعت رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بأنه «أبتر» أي لا يعيش له ولد ذكر، فأنزل الله تعالى الآيات البينات في سورة الكوثر بقوله الحق: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ *فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ *} [الكَوثَر: 1-3] وهنا الدلالة العظيمة.. فرب السماوات والأرض ومن فيهن يواسي رسوله الكريم ويعده - وإِن وعد الله حق - بأن يعطيَه نهر الكوثر في الجنة، لتكون حياضهُ مشرعةً لأهل الجنة. بينما يتوعد مبغضه العاصَ بنَ وائل أن يكون هو الأبتر بحرمانه من الجنة التي هي أمنية العاقل، وبغية المؤمن... (وأن لا يبقى له ولد على الشرك فيسلم جميع أبنائه فينقطع نسله من حيث شركه). فيا سبحان الله ثلاث آيات فقط، تكوّن سورة قرآنية تامة، ولكنها تُحقُّ الحقَّ، وتُزْهِقُ الباطلَ...
ومنهم نبيه ومنبِّه ابنا الحجاج السهميان، اللذان لم يقلاّ عن جماعة الكفر في الرغبة للنيل من النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، فإذا لقياه قالا له:
- أما وجد الله من يبعثه غيرَك؟ إنَّ ها هنا من هو أسنّ منك وأيسر..
أما عن النضر بن الحارث فحدِّث ولا حرَج.. كان قد قدم الحيرة وتعلّم فيها أحاديث ملوك الفرس، وعباداتها، وأقوالَها في الخير والشر، وفي عناصر الكون.. فقد كان لا يعرف مجلساً أتاه «محمد» يدعو فيه إلى عبادة الله - تعالى - ويحذّر الناس عاقبة ما أصاب مَنْ قبلهم من الأمم التي أعرضتْ عن عبادته سبحانه وتعالى، إلاَّ ويذهب النضرُ إليه ليقصَّ ما تعلّم من أساطير فارس وديانتها ثم يقول: بماذا محمدٌ أحسنُ حديثاً مني؟.. وكانت قريش تذيع أحاديث هذا الكافر - من طريق الرواية - للدعاية ضد رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) واتهامه بالنقل عن غيره من أخبار الأمم الأخرى وأن ما يخبر به ليس «إلاَّ أساطير الأولين» وفي النضر بن الحارث وأمثاله من الكافرين نزل قول الله تعالى: {...وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ *} [الأنعَام: 25].
هؤلاء، وغيرهم أمثال: زهير بن أبي أمية، وطعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ومالك بن الطلاطلة، وركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب، كانوا من أشد الناس عداوة لرسول الله: يشتمونه، ويستهزئون به، ويكذِّبونه... وقد توجهوا إليه مباشرة، بشتى أنواع الأساليب الدنيئة، وأقبح طرق المساوىء. فما زاده ذلك إلاَّ قوة وثباتاً، وما زادهم إلا خِسَّةً وخُسراناً.. لقد بعثوا إليه رجلاً غريباً، جاء يستعديهم على أبي جهل الذي ابتاعَ منه إبلاً قدم بها مكة، من دون أن يدفع له أثمانها، فدلّوه على محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) . فتقدم الرجل الغريب من النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وقال له: «يا أخا العرب، إني رجل من إراش، قدمت بإبل لي إلى مكة فابتاعها مني عمرو بن هشام، ولم يدفع لي أثمانها، فرحت أستعدي القوم عليه، فأرسلوني إليك، وقد جئتُ طالباً إنصافي، فهل لك أن تعيد لي حقاً يوشك أن يضيع»..
وعرف النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ما يدبِّره له الكفار من مكيدة، ولكنه لم يكن ليتوانى قطُّ عن نصرة الضعيف، فاصطحبَ الرجل حتى أتى دار أبي جهل، وطرق عليه بابَه، فخرج ليرى من الطارق، وإذا به أمام محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وجهاً لوجه، والرسول الكريم يقول له:
- أعطِ هذا الرجل حقَّه.
وتلعثم أبو جهل وحار بما يجيب، ولكنه، بعد قليل من التفكير، نزل على أمر النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) صاغراً وأدَّى للإراشي حقوقَه، وهو يقول للنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) :
- دعني يا ابن عبد الله.. فإني لا أطيق مواجهتك، ولا مجاهرتك بما في نفسي.
وعرف الكفار بما جرى، فقالوا لصاحبهم:
- ويحك يا أبا الحكم! إنها للسبّة تلاحقك، فما سمعنا بمثل ما صنعْت.
فقال لهم: أَتَدعونني وشأني؟ فإني لا أطيق بعدُ تهكُّماً ولا شماتةً، أوَ تدرون ماذا تفعلون؟ إنه ما إن طرق «محمد» بابي وفتحت فرأيته، حتى أحسست أن روحي قد فارقتني. إذ رأيت فوق رأسه سيفاً مسلولاً نحوي، فلو أبيْتُ لتقدَّم مني ذلك السيف وقطع أوداجي[*]..
وكأنما حوَّلت تلك الحوادث أبا جهل أضحوكةً للقوم، لا يتوانون عن السخرية والاستهزاء به، فوق ما يعيّرونه به من الجبن والخذلان، بل واتهامه بالتخيلات التي تنبىء عن المسّ والخوف، كأن يقولون له:
- أترى يا أبا الحكم، فلعلَّ الأشباحَ قد صارت حليفة ابن عبد الله، ولكن لا تطلُع على أحدٍ غيرِك من قريش؟ أم أنه قد أصابك المسُّ، فهو يصدُّك عنه؟!.
وطال الأمر بالتهكم على أبي جهل، وهو يسكت على مضـض، حتى لم يعد قادراً على الاحتمال فانتفض في وجوههم وهو يقول: ويحكم يا سادة قريش كفاكم إهانة وشماتةً بي، فمَن يملك منكم شجاعة، فدونه «محمد» وليأْتِهِ، ولنرَ ما يكون من أمره!.
كانت الهجمات والحملات - وما تحمل من ألوان الأذى والعذاب - تترى على المسلمين، فيلاقون من جرائها آلاماً نفسية حادة، وهذا ما كان يشقُّ على النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، فيتفطّر قلبه أسىً على أصحابه، لأنه غير قادر على أن يرفع الظلم عنهم، بسبب عدم تكافؤ القوى، وضغطِ الظروف غير المؤاتية للمقاومة.. وأهم من ذلك أنه لم يؤمر بعدُ بالقتال، وأن عليه الترقب والانتظار حتى يأتي الله أمراً كان مفعولاً... ولكن تبقى المواساةُ هي السبيل الذي يمكن أن يتخذه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) للتخفيف عن الصحابة الأبرار، فجعل من نفسه ملاذاً لهم: يحنو عليهم حنوّ الأم على وليدها، ويعطف عليهم عطْف الأب الشفوق الرحيم، ويدعوهم إلى الصبر الجميل، والإكثار من الصلاة والدعاء لما فيهما من راحة نفسية للمؤمنين، وما إلى ذلك من النفحات النبوية الطيبة، التي آتت أُكُلَها بفضل الله - تعالى - فصارت، وهي تصدر عن محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بالذات، زاداً للمسلمين يقوون به على احتمال كل مكروه، والصبر على كل شدة.. على أنه وإن كان الاقتناع بعدالة الصبر، وجزائه الأوفى، من المفاهيم الثابتة في نفوس المسلمين، ولئن كانوا يعملون لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، فإنه يظل في النفس الإنسانية - بالمقابل - مَواطن للضعف، تحدو بالإنسان أن ينشد الخلاص مما يعاني من الآلام، وما يقاسي من المصائب، كما هي الحالة التي وصل إليها معظم المسلمين في تلك المرحلة، والتي يعبِّر عنها خباب بن الأرت عندما جاء رسولَ الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يشكو ممّا هم فيه، وهو يقول: ادعُ الله تعالى يا رسول الله!. وهنا يرى الرسول الأعظم أن ينحو منحى آخر ولو فيه بعض القسوة.. صحيح أن الدعوةَ وآلامَ الصحابة صنوان في نفسه، إلاَّ أنه لا بد من شحنة تقوّي العزم في النفوس على الضعف، لأن معركة المؤمنين ضد أهل الكفر والباطل ما تزال في بدايتها، وليس لها إلاَّ هُم وحدهم، فلا يمكن أن يتخلّوا عن خوض غمار هذه المعركة مهما كان الثمن الذي يدفعونه غالياً.. ولذلك نظر (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إلى خباب وقال يعظه: «قد كان من قبلكم يُؤخذ الرجل فيحفرُ له في الأرض ويجعلُ فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمْشط بأمشاط الحديد فما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه. والله ليُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلاَّ اللَّهَ والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون»[*].



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB