خَاتَمُ النَّبييِّن مُحَمَّد (ص) (الجزء الاول)
الجزء الاول - الجزء الثاني
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1568
تاريخ النشر :   2006




البحث الثاني: المجتمع في مكة ونقطة ابتداء الدعوة

وعلى ذلك النحو من التؤدة بدأ الإسلام في مكة، وانفتحت القلوب المؤمنة إلى دين التوحيد، فدخلت فيه ثلة الأولين من الرجال والنساء.. ولئن ظلَّ عددُها محدوداً - إلى الآن - ، إلا أنها كانت تؤلف كتلة متراصّة، يجمعها الإيمان الصادق، ويطهّر قلوبَها حبُّ دين الله تبارك وتعالى.. ولئن فرّقت بين أولئك المسلمين دار السكن، إلاّ أنهم كانوا يحملون نفس العقيدة الواحدة المتكاملة، وهي كافية بذاتها لكي تصهرهم وتؤلِّفهم في ذلك المجتمع المكيِّ الذي كان يحبل بالتناقضات.
المجتمع في مكة
من الحقائق الثابتة في الحياة الإنسانية أن الأفكار التي من شأنها إحداث انقلاب في حياة الناس، وتغيير أوضاعهم، لا يمكن أن يُكتب لها النجاح مهما كانت درجتها من الصلاح والصوابية، ما لم يكن هنالك الدعاة الذين يؤمنون بها، ويجعلونها عقيدة لهم، ثم يُعَدُّون الإعداد الكافي لحملها وإيصالها إلى الآخرين.. والإسلام، هذا الدين الذي أنزله الله تعالى خاتمةً للرسالات السماوية، هو العقيدة الحق التي تتناول كل شأن للإنسان والحياة والكون. وقد شاءَهُ الله - سبحانه وتعالى - أن يكون عقيدة لأهل الأرض جميعاً، فبعث بحكمته السَّنية البالغة محمداً (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) رسولاً لحمل هذه العقيدة وإيصالها للناس، كي يؤمنوا بها، ويعملوا بتعاليمها إذا أرادوا إصلاح دنياهم، والفوز في آخرتهم.. فكان على هذا الرسول - الذي اختاره ربُّه تعالى لأجَلِّ مهمة وأعظمها - أن يُعِدَّ لها الدعاة الصالحين، وأن يهيّىء لهم الظروف والأسباب التي تساعدهم في المسيرة الشاقة لإحداث التغيير العقائدي والمجتمعي في حياة الناس. كما كان عليه أن يبدأ في محيطه، وفي نفس البيئة التي نزل فيها الوحي.. فما هي الأفكار والأوضاع التي كانت سائدة في المجتمع المكي يومئذٍ؟ وما مدى تعارضها أو توافقها مع الإسلام، ليكون له قبول أو رفض من أبناء ذلك المجتمع؟ وهو الأمر الذي سوف ينعكس حكماً على قبائل العرب وأفرادها لما كان لمكة من مكانة في شبه جزيرة العرب...
لقد تميّزت مكة في منتصف القرن الخامس الميلادي بانتقالها من طور البداوة إلى طور الحضر، ولكنه حضرٌ بدائي لم يتخذ شكل المدنية الكاملة في العمارة والتنظيم المدني، ووسائل العيش والتقدم. وكانت تخضع لنظام في الحكم يقوم على اتفاق طوعي، وتفاهم جماعي، وتوزيع للمهام والمسؤوليات أو المناصب تبعاً لما أسَّس قصيّ بن كلاب الجد الرابع لرسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) .
وكان موقع مكة من الناحية الجغرافية في وادٍ بين جبلين: جبل أبي قبيس المشرف على الصفا، وجبل الأحمر الذي كان يُسمى في الجاهلية بـ «الأعرف»، ويشرف بوجهه على قعيقعات، فعاش أهلها بين هذين الجبلين ردحاً من الزمن. إلاَّ أن وجود البيت الحرام وما له من مكانةٍ وشرف وأمن في النفوس، جعل كثيراً من قبائل العرب تنتقل إلى جواره، فراح النطاق الجغرافي لمكة يمتد ويتوسع، والعمران ينمو ويزداد. وحلت البيوت المرصوفة بالحجر، أو المبنية باللبْن، محل الخيام، لتكون سكنى أثرياء مكة وسادتها. وكان البيت الواحد يتألف من عدة غرف، وله بابان متقابلان، لتمكين النساء من الخروج من الباب الآخر، عند وجود ضيوف في الدار.
وإلى ذلك اشتهرت مكة بالنشاط التجاري، فكانت تقام الأسواق فيها خلال أشهر الحج، بجانب البيت وداخل حدود الحرم، فيُهرع الناس إليها ويؤمونها من مختلف أنحاء الجزيرة لقضاء حاجاتهم، ولاسيما التزود بالمؤن والسلع. ومن أهم أسواق مكة كان: سوق العطارين، وسوق الفاكهة، وسوق الرطب وسوق الليل وأمكنة للحجّامين[*] والحلاقين.. كما وجد فيها زقاق للحذائين، وسوق للبزّارين.
وكانت تباع في تلك الأسواق البضائع التي تحملها العير من بلاد أفريقيا وآسيا، فكانت تجلب من أفريقيا: الصمغ والعاج والتبر، وخشب الأبنوس. ومن اليمن: الجلود والبخور والثياب. ومن العراق: التوابل. ومن حاصلات الهند: الذهب والقصدير، والحجارة الكريمة، والعاج، وخشب الصندل، والتوابل والزعفران. ومن مصر والشام: الزيوت والغلال والحرير والخمور.
وهكذا تميزت مكة بالتجارة وأثرى كثير من أبنائها. وقد كانوا يتعاملون بالعملة الرومية البيزنطية، والعملة الإيرانية الساسانية، ويجري التداول فيهما على شكل دراهم من الفضة وهي الأكثر شيوعاً واستعمالاً، أو دنانير من الذهب روميّة. وقد جاء في الدراسات أن الدينار البيزنطي كان يزن 425 غراماً، ويصرف في ذلك العصر، بعشرة دراهم فضية؛ وكانوا يستعملون في أسواقهم المكاييل مثل: الصّاع، والمدّ، والرطل، والموازين مثل: الأوقية والمثقال.
ولم تكن الصناعة ذات شأن يذكر في مكة، بل كان عند أهلها نوع من الاحتقار للصنعة، فلم يكن يهتمّ بها عادة إلاَّ الموالي وأبناء العجم، باستثناء بعض صناعات طفيفة كان يمتهنها العرب، كما يُروى عن خباب بن الأرت أنه كان يصنع السيوف، وأن سعد بن أبي وقاص كان يزاول صنعة النبال. أما صناعة البناء فكانوا يلجأون فيها إلى بنّائين من الروم والفرس.
ومن الناحية القتالية، فقد كانت قريش تُؤثرُ السلم والهدوء عامة، لأن مجتمعها التجاري كان يتطلب التقاء الناس في أجواء من التفاهم وتبادل المنفعة. ولكن على الرغم من إيثارها للسلم، فقد كانت تشكل قوةً حربية يحسب لها حساب، وكانت مشهورة بالشجاعة، والفروسية العربية. والغضبة المضرية معروفة في جزيرة العرب بآدابها وأمثالها.
وهكذا، وبفعل المركز الديني الذي كانت تتمتع به، وما وصلت إليه من مكانة اقتصادية، أضحت مكة أهم مدن الجزيرة العربية، وفاقت صنعاء اليمن في زعامة الجزيرة، بل تفوقت عليها، بعدما استولت الحبشة على اليمن، ثم تملكها الفرس في منتصف القرن السادس الميلادي. ثُمَّ وبعد أن فقدت مملكة الحيرة ومملكة غسان كثيراً من أهميتهما غدت مكة عاصمة شبه الجزيرة الروحية والمدنية من غير منافس.
ولكن، بالمقابل، فقد كانت الناحية الخُلقية في مكة سيئة للغاية.. إذْ طغت على أبنائها أعراف الجاهلية، وبمختلف ألوانها، فشاع بينهم الميسر، وفشا فيهم الربا، وانتشرت الخمرة ومجالس اللهو والقِيان، وحفلات العزف والطرب وما إلى ذلك من الفواحش والرذائل. وكانوا يمارسون الظلم والقسوة على الضعاف، وغمط الناس حقوقهم، وأكل أموالهم بالباطل. والذي يدلُّ على ذلك كله ما جاء في خطبة جعفر بن أبي طالب الهاشمي - وهو ابن مكة الأصيل - أمام النجاشي، إذ يقول: «أيها الملك! كنا قوماً أهل جاهلية، نعبدُ الأصنام، ونأكلُ الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف»[*].
في هذه الأجواء الدينية، والاقتصادية والاجتماعية، قام المجتمع المكي، وتوزع إلى طبقات ثلاث تتفاوت في المكانة والمنزلة، في علاقاتها المجتمعية، ونظام حياتها. وقد توزعت تلك الطبقات بين أهل مكة الأصيلين، وحلفائهم من العرب والأحابيش، والعبيد من الرقيق والإِماء.
أما أهل مكة فكانوا يشكلون طبقة الأسياد والزعماء. وقد اشتهرت بيوت كثيرة منهم بالثراء، وسعة الرزق، والرفاهية في العيش أمثال: الوليد بن المغيرة، وعبد العزّى بن عبد المطلب (أبو لهب)، وأبو أحيحة بن سعيد بن العاص بن أمية، وعبد بن أبي ربيعة المخزومي. أما أبرزهم غنىً فكان عبد الله بن جدعان التيمي الذي كان يشرب في كأس من ذهب، وكان يطعم عدداً كبيراً من المساكين والجائعين؛ كما كان من أثرياء قريش العباس بن عبد المطلب الذي كان يعمل بالتجارة ويتعامل بالربا، حتى جاء الإِسلام وألغى هذه الفاحشة كما ألغى كثيراً من الفواحش غيرها، التي حرّمها الله عزَّ وجلَّ.
وكان لمترفيهم مجالس للسمر، وأرائك منصوبة وموائد ممدودة، ونوادٍ أو خيم للشراب يلهون فيها ويسكرون. وكانوا يشتون بمكة ويصطافون بالطائف. كما كانت للأشراف مجالس أمام البيت الحرام، ينشدون فيها الشعر، ويحضرها بعض كبار شعراء الجاهلية مثل لبيد بن ربيعة صاحب المعلقة المشهورة. وكان يوضع لعبد المطلب بن هاشم فراش في ظل الكعبة، فيجلس أبناؤه من حوله دون الفراش إجلالاً لأبيهم، إلاَّ حفيدَهُ «محمداً» فقد كان يضعه في حضنه، وهو على فراشه في المجلس، وكم من مرةٍ كان يردد على القوم: «دعوا ابني، إنَّ له لشأناً عظيماً».
وكان القرشيون على اختلاف بطونهم وعشائرهم، هم أهلَ الحرم. وإن مكانته العظمى في النفوس هي التي جعلت العرب جميعاً تعظّم قريشاً، وتدين لها بالسيادة عليها. وسرى الاعتقاد بين العرب بأن زعماء قريش هم أصحاب الأمر، وأولو الحل والعقد في كل ما يتصل بعقيدتهم الدينية.
واستفادت قريش من ذلك أيما فائدة: فمكانتها مرموقة، وسيادتها مطلقة، وحياتها في ظل البيت آمنة مطمئنة، أمّنت فيها على الأموال والأنفس من غائلة العثار والقهر والحرب، فنعمت بحرية واسعة، وجاه عريضٍ. وإضافة إلى ذلك، فقد كان العربُ يسعون إليها في كل موسم من مواسم الحج، وهم يحملون المتاع والأموال للتجارة والمبادلات، ويقدمون للبيت الهدْي[*] الذي يسوقون، وللأصنام المنتشرة فيها القرابين والنذور، كما كانت قريش تفرض على الداخلين إلى أرض الحرم ضرائب معينة، فيتقبلونها بحكم العقيدة الدينية، غير باخلين بها ولا متأففين من دفعها، مما أمَّن لقريش نوعاً إضافياً من الدخل المستمر.
أما طبقة الأحلاف الثانية فكانت مؤلفة من العرب وغير العرب. فالعرب كانوا من الأحابيش وهم بعض بطون القبائل الضاربة حول مكة أمثال: كنانة، وخزيمة بن مدركة، وخزاعة. وقد تحالفت مع قريش على النصرة والقتال.. وما عداهم من غير العرب فهم الذين جاؤوا للعيش في مكة، فارتبطوا بأشرافها وزعمائها بروابط الحلف والجوار، لأنه كان من عادة العرب التعصب للحليف والجار والذود عنه، وردُّ كل ما يسوؤه، تماماً كما يتعصّبون للعشيرة والقبيلة..
من أجل ذلك، كان الغرباء والدخلاء - الذين يفدون على مكة، من العرب والأعاجم للإِقامة فيها - على حد سواء مع من يتحالفون من سادتها للعيش في جوارهم، وتحت حمايتهم، بحيث يأمنون بمثل هذا التحالف الاعتداء عليهم من القريب والبعيد، ويصبحون بمثابة الأسرة الواحدة لحليفهم السيد: يحاربون من يحاربه، ويسالمون من يسالمه، على أن يكونوا أحراراً في تدبّر شؤونهم الأخرى مثل الكسب، والسعي وراء الرزق والعمل بما يؤمن لهم العيش في هذه الحياة.
أما الطبقة الثالثة فكانت طبقة الرقيق من العبيد والإِماء الذين يشكلون مورداً آخر من موارد الرزق، وسبباً من أسباب الرفاهية التي استمتع بها زعماء قريش، مثل غيرهم من أصحاب السلطان والنفوذ لدى جميع الأمم والشعوب في ذلك العهد، إذ كان الرق يومها نظاماً سائداً، والرقيق يُباعون ويُشروْن ويُستخدمون كما تُستخدَم وتُباع الأنعام وتُشترى. يعملون لحساب أسيادهم دونما أجر، ودونما حرية أو رأي إلاَّ ما يأمر به أولئك الأسياد.. شأنهم في ذلك شأن الآلة التي يسخرها المالك لأغراضه: فهم الذين كانوا ينتجون الزرع والضرع، والخير الوفير، ويلدون فوق ذلك ما شاء الله من البنين والبنات، الذين يصبحون بدورهم، وبحكم الرق، عبيداً وإماءً، يسلكون كما يسلك آباؤهم وأمهاتهم حياة الذلِّ والشقاء، مسخَّرين بلا أجر ولا جزاء، اللهم إلا رضاء السيد إن هم أحسنوا، أو غضبه عليهم إن هم أساءوا؛ على أن لا تتعدى مكافأة الرضى أكثر من بسمةِ كبرياء عابرة، أو كلمةِ عطفٍ ساخرة يستنزف بها الأسياد جهدَهم، ويستنهضون بها قواهم.. وقد يبيعونهم بالثمن الذي يفرضونه، أو ربما يمنّون عليهم بالعتق، فيخرجون من ضيق العبودية إلى سعة الحرية، ولكنهم يظلون على كل حال أسرى الولاء لأسيادهم حتى يموتوا. أما حالات الغضب التي كانوا يتعرضون لها، فكانت تنزل بهم ضروباً من الإيذاء، وألواناً من العذاب...
تلك هي صورة الواقع الذي كان عليه المجتمع في مكة عندما بعث الله تعالى محمداً نبياً ورسولاً. وفي هذا المجتمع، وفي ظل تلك الأوضاع كان على الدعوة الإسلامية أن تبدأ أولى خطوات مسيرتها..
ولكن، طالما أنَّ هذه الدعوة ما زالت مجرّد فكرة للتداول ليس إلاَّ.. فلا سبب يدعو قريشاً للقلق أو اتخاذ الموقف الذي يحدِّد اتجاهها نحوها.. وهو ما شاءه ربُّ العالمين، أي أن يظل أهل الشِّرك على جهالتهم وعمايتهم، حتى تتهيأ للنبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) الأسبابُ والاستعدادات التي تمكِّن من إعلان الدعوة وطرح الأفكار الإسلامية على الناس في مكة أولاً، ومن ثمَّ في أنحاء أخرى من جزيرة العرب.
نقطة ابتداء الدعوة
لقد كان الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يدرس الأوضاع بدقة وعناية بالغتين، فهو يدرك عبء هذه الرسالة السماوية التي يحمل، ويعلم أن هذا الدين الإسلامي الذي عليه أن يبشِّر به، لن يقبل به أهل مكة، وقريش بالذات.. وسوف يرون فيه خطراً عظيماً عليهم جميعاً، وبخاصة على أصحاب النفوذ والمال، وذوي الشأن والمكانة، لأن من شأنه، إن كثر أتباعُهُ، واستقرَّ في النفوس، أن يغيّرَ الأوضاع والعلاقات التي تعارفوا عليها، وتوارثوها عن الآباء والأجداد جيلاً بعد جيل...
ثم إن في هذا الدين ما يُسوِّي بين العبيد والأسياد، وسيكون هذا الأدهى في ذهنية تلك الطبقة «السيدة» التي لن تقبل أن تكون وعبيدَها بمنزلةٍ سواء في الحقوق والواجبات، بل ولسوف ترى أن جميع أمور حياتها لن تستقيم بعد ذلك لا في تجارتها، ولا في رعاية أغنامها، وخدمة بيوتها، وفي كل ما تُسخِّر به أولئك العبيد لتأمين عيشها الهنيء؟!..
وأبعد من ذلك، فإنَّ زعماء قريش - الذين يضربون بالعلاقات الإنسانية عرض الحائط، والذين لا تهمهم إلا مطامعهم وأهواؤهم - سوف يعتبرون هذا الدين الجديد مثيراً للفوضى والاضطراب.. بل هو الفساد الشامل الذي سوف ينتشر بين الرقيق فيغريهم بالثورة على أسيادهم وأولياء نعمتهم.. وهذا هو العنت الفكري عند قريش الذي لن يكون اختراقه سهلاً، والقضاء عليه هيّناً. لقد كانت الصورة المكية جليّة أمام رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، ولكن لا بد من الإعداد، فالأمر هو أمر الله تعالى، ولو صادمته البشريةُ بأسرها فلن يتخلَّى عن أمر ربه. وأول ما يجب عليه في هذا السبيل أن يغرس العقيدة في نفوس هذه الجماعة المؤمنة من المسلمين الأوائل..
التثقيف في دار الأرقم بن أبي الأرقم
ولذلك رأى النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أن يتّخذ مكاناً يكون بمثابة المدرسة التي يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام، ويتفقهون بأصول الدين ويتعلمون نهجه القويم؛ على أن يكون المكانُ بعيداً عن الناس، لأن من المهم أن يتجنّب، منذ البدء، الاصطدام، والمواجهة مع بني قومه؛ فاختار لهذه الغاية، دار الأرقم بن أبي الأرقم - وكان هذا سيداً من سادات قريش الذين سبقوا في الإسلام، ودارته على مقربة من الصفا - لأنها المكان المناسب الذي يصلح لأن يجمع فيه الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) تلك الطليعة من المسلمين، ويعلّم، ويثقّف، ويربي التربية الإسلامية الصحيحة، ويُعِدّ حَمَلَة العقيدة ودعاتَها..
وكان الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أول ما يبدأ اجتماعاته في دار الأرقم بن أبي الأرقم بتلاوة الآيات المباركة التي تتناول التبليغ والتذكير، ثم يبين المعاني التي تحملها الآيات من دلالاتٍ، وما تتناول من أمور وقضايا وشؤون... وبعدها يعمد إلى تحفيظ المسلمين الآيات القرآنية التي تناولها في شرحه. وكل ذلك من أجل أن تتكوَّن لدى الدعاة الأوائل الإحاطة الشاملة بما يمكن أن يواجههم في مخاطبة الآخرين، ودعوتهم إلى اعتناق عقيدتهم الإسلامية.
وقد يتعجب الناس كيف يمكن لهذا النبي الأمي أن يتلقى عن ربه «قولاً ثقيلاً»، وكيف يمكن أن يوصل مثل هذا القول، بمعانيه الشمولية، إلى عقول وإلى قلوبها جماعة تربَّت على القسوة والغلظة في بيئتها الجاهلية السابقة!. ولكن العجب يزول حينما يدرك الناسُ أنَّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) كان عندما يتنزَّلُ القرآن المبين على قلبه الشريف يحرص أشد الحرص على أن يحفظه بدافع حبه له، وتمسُّكه به، وشعوره بالتبعية العظمى له، فكان يتلوه، ويردد آياته آيةً آية، وهو يحرك لسانه ليعجل به مخافة أن ينسى حرفاً واحداً منه، فجاءه النهي {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ *إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ *فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ *ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ *} [القِيَامَة: 16-19] ثم جاءته البشرى المطمئنة بأن ربه تبارك وتعالى قد تكفل بتحفيظه هذا القرآن، فيُقرئه إياه أمينُ الوحي، وينطبع في قلبه فلا ينساه أبداً، إلاَّ ما شاء الله أن يُنسيه. وهذه الطمأنينة تلقاها الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بقوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى *إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى *} [الأعلى: 6-7] وهذا يعني أن انطباع القرآن في قلب النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لا يقف عند حدود الألفاظ والعبارات، بل ويتعداها إلى ما تحمل الآيات والسور من أسباب نزولها، ومقاصدها وتشريعاتها، وأحكامها، وما تتناول من شؤون الإنسان والحياة والكون..
وهكذا كان النبيُّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يُلقَّى القرآن من لدن حكيم عليمٍ، فيعكسه على المسلمين عِلماً ومعرفةً، بما يذكي في نفوسهم الروح الإسلامية، ويثير فيها مكامن التفكير والتأمل بآيات الله - عزّ وجلّ - وآلائه.. وكل ذلك من القرآن، وفي أجواء القرآن، حتى تكون الهداية كاملة، وتهذيب النفس شاملاً، فتغدو حقائق الإسلام ومفاهيمه واضحة للبصائر، راسخة في الضمائر، ثابتة في القلوب... فيبارك الله (سبحانه وتعالى) هؤلاء المسلمين، وهم يتفيّأون بظلال رحمته، ويَحيون بلطائف قرآنه، وينعمون بأنس رسوله. وإنه - واللَّهِ - لا شيءَ في الوجود يمكن أن يؤمِّن مثل هذا الفيض النوارني إلاَّ الإسلامُ، ونبيُّه الكريم.
وعلى هذا النهج القويم كان النبيُ يُعدُّ المسلمين، حتى غدت دار الأرقم بن أبي الأرقم مدرسة الإسلام الأولى بحق، ومجمع العلم والبيان، ودار الندوة والشورى، ومكان الأنس والراحة لنفس الرسول، والصحابة الأبرار، الذين صاروا يصاحبونه على حبِّ الله تعالى وهدايته أكثر مما يصاحبون الأهل، وأبناء العشيرة، فغدَوْا نُخبةً مؤهَّلين لأن يحوطهم ربهم بعنايته، ويجعلهم الطليعة من الأولين الذين يُعِزُّون دينَهُ، وينصرون نبيَّهُ...
وكانت، في الوقت نفسه، دعوة الرسول للناس في مكة دائبة، فلا تقلُّ جهوده في الخارج عما يبذلُهُ داخل المدرسة الإسلامية. كان يدعو إلى دين الله جميعَ الناس، دونما اعتبار للفوارق الاجتماعية، أو السن أو اللون أو الجنس.. إلاّ اعتبار الهداية، لأن الناس كلَّهم خلقُ الله، وكلَّهم مدعوون إلى الدين الحنيف.
وما يجدر الوقوف عنده هو أن الذين استجابوا لدعوة الإسلام، في تلك الحقبة، كانوا في معظمهم من الشبان ذوي العزم والإرادة، وأصحاب الحماسة والإقدام، فألَّفوا تلك الجماعة الشابة المتراصَّة التي كان لها فضل السبق في حمل الدعوة أول نشوئها، والعمل على دخول الإسلام إلى البيئة الوثنية الكافرة التي كانوا يعيشون فيها.
إنَّ في تلبية أولئك الشباب لنداء الإسلام في أول عهده، وإقبالهم على عقيدة التوحيد، وجهادهم في سبيل نشرها، وبذل النفوس والأموال من أجل الحق الذي به يؤمنون.. إن في ذلك لتذكرةً إلى شباب اليوم، ودعوة ملحَّةً صادقة لهم، كي يقدموا هم أيضاً على حمل لواء الإسلام من جديد، كما حمله أسلافهم من قبل، وعلى نشرِهِ عقيدةً للإيمان بالله الحق، ومنهجَ عملٍ، وطريقَ حياةٍ سويةٍ للناس في ربوع الأرض كلها. وهل يظن الشبابُ اليوم أن في حمل الدعوة عبئاً ثقيلاً على عاتقهم، ويخافون أن ينوء كاهلهم بحمل هذا العبء؟! ولكن، أليس الأجرُ على قدر المشقة، فهل ينال الدنيا إلاّ من عَملَ لها عملها، وهل ينالُ الآخرةَ إلا من سعى لها سعيها؟! وإن لم يحمل الشبابُ، - والشبابُ قبل غيرهم - الإسلامَ، فمن يحمله وينشره بين الناس، ولأجل الناس؟.
لا، لا نعجب من واقعنا الأليم، فالإسلام قد صار بحاجة إلى تبشير جديدٍ في جاهلية القرن الحادي والعشرين.. نعم الدين القيِّم، الدين الحقُّ بحاجة إلى تبشير. وليس لهذا التبشير، إلا إيمان الشباب، وصدق الشباب، وعزيمة الشباب، وقوة الشباب وثباتهم. فليس غيرُ الأفذاذ من الشباب مَن هو مؤهَّل وقادر على التمنطق بالمحامد، ومعالي الأمور، وتأتي في رأسها طاعة الله (تعالى) في أمر دينه، ورضوانُهُ في الجهاد من أجل هذا الدين.
يا شباب الإسلام!
أنتم أصحاب القضية، وعليكُم تعوِّل الأمَّةُ وتعتمد.. فكونوا تلامذة محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وطلابَ عقيدة الإسلام: معرفةً، وفهماً، وإدراكاً ومسؤولية. لأن تلامذتَهُ الأُوَلَ، في دار الأرقم بن أبي الأرقم وفي خارجها، كانوا في جُلِّهم من الشباب. فقد كانوا فتياناً حقاً، وتراوحت أعمارهم بين العاشرة والأربعين في حسبان السنين البشرية.. أما في حساب الله تعالى فلا العمر، ولا المركز، ولا المكانة لها الاعتبار، بل العمل من أجل الله تعالى وعباده هو الذي يكون مقبولاً، وعليه الأجر والثواب، فما تُقدّموا من خير لأنفسكم تجدوه عند الله تعالى خيراً وأبقى.. انظروا إلى هذه الثلة الأخرى من المؤمنين الأخيار أمثال: المقداد بن الأسود، وعتبة بن غزوان، وعبد الله بن جحش، وأخويه أبي أحمد بن جحش، وأبي حذيفة بن عتبة، وبلال بن رباح، ونعيم بن عبد الله الملقب (النحام)، وعمار بن ياسر.. لقد بدأوا إسلامهم قلةً صغيرة من الشباب، ولكنهم صاروا نخبة المجتمع، وقدوته الصالحة فيما بعد.. فحق عليكم أن تكونوا أنتم خير خلفٍ لخير سلف، ولاسيما أن أبواب الإيمان مشرَّعة أمامكم، فأقبلوا ملبّين.. وكيف لا تكون أبواب السماءِ والأرضِ كلها مُشْرَعَة لأهل الحق والتقوى والقرآن الكريم بين ظهرانينا يهدي للتي هي أقوم، وإلى صراط مستقيم؟! إنَّ لكم في رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وفي صحابته، أسوةً حسنةً لمن كان يرجو - منكم - الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً. فهلُمَّ أيها الأبناءُ إلى البناء الصحيح، إلى البناء القوي المتين، بناء الفكر الإسلامي، وأنتم تمتلكون كل مقوماته، وأسبابه، وأسسه.. فهو البناء الذي يريده الله ورسوله: فكراً ثاقباً، ونوراً هادياً، وعقيدة راسخة، ومنهجاً قوياً، حتى تبلغوا به الفوز برضى الله تعالى ونعيمه الخالد. إنَّ الدعوة موجهةٌ لكم أيها الشباب المسلم، قبل غيركم، وإن كانت مفتوحة لجميع خلق الله - تبارك وتعالى - لأن الإسلام هو دين الله، وما زال الإسلام يدعو الناس إلى رحابه، منذ أن بعث الله - تعالى - محمداً رسولاً للناس كافة، وسيبقى هذا الدين القيِّم يدعوهم إليه، حتى يرث الله تعالى الأرض ومَن عليها.
أجل إن الرجوع إلى الجذور قد يهدينا سواء السبيل، فأولئك هم شبابُ محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) الذين كانوا يجتمعون في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وهم، يومئذٍ، لا يتعدون الأربعين من الرجال والنساء، ولكنهم كانوا الدعامةَ المتينة التي تقوم عليها الدعوة، وكانت دارتهم نقطة الابتداء للإعلان عن هذه الدعوة.. ففي خلال السنوات الثلاث، منذ بدء الوحي، كان الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ومن تابعه على الإسلام، يعملون بتؤدة وأناة، وبسرية وخفاء إلى حدٍّ بعيد، لأن أهلَ مكة كانوا بعيدين إجمالاً عن الاهتمام بأمر محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، ولا يقيمون وزناً لما يدعو إليه هو وأصحابُهُ. فكان الوضعُ هادئاً خلال تلك المدة، ولم تظهر عداوة للمسلمين، إلاَّ فيما ابتغاه بعض المشركين من هزء أو سخرية يتخذونها مادة للتسلية أو التفْكهة في مجالسهم وسهراتهم، ودون أن يرتدي تندّرهم طابع الجدِّية في أي حال، حتى ظهرت فئة باغية تدرك تأثير الدعوة، وتتحسس خطورتها على مصالحها فيما لو كُتب لها النجاح.. فأخذ أصحاب الكيد والمكر منها يعملون في الظلام على مناوأة الدعوة، ومحاولة الوقوف في طريقها، ولكن دونما خطر يذكر، لأنهم كانوا ما يزالون أفراداً قلائل، ولم يحزموا أمرهم على العداوة المستحكمة، التي سيشهدها المسلمون - فيما بعد - ويعانون من جرائها الظلم والجور..
وإذا كان الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) قد أَمِلَ بأن يعرف الناسُ حقيقة رسالته فيقبلوا على الإيمان بها، وإذا كان قد أنذر في بعض المناسبات، كما أمرَهُ ربه، {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ *قُمْ فَأَنْذِرْ *} [المدَّثِّر: 1-2]... إلاَّ أنَّ أهل مكة تجاهلوا ذلك بعنجهيّة واستكبار، فظلت دعوته شبه يتيمة تراوح بين السرية في الاجتماعات التي يعقدها أتباعها، وبين الإعلان الحذِر خوفاً من ردّات الفعل المعادية، فلم يحفل بها إلاَّ من هدى اللَّهُ وصَدَعَ بالحق المبين. وكانوا قلة في العدد - كما رأينا - نسبةً إلى أهل مكة، والمقيمين فيها..
غير أن الشيء الهام الذي أحرزته الدعوة خلال السنوات الأولى من عمرها، هو علمُ الناس بها، إذ كانت تسري وبصورة تلقائية من بيت إلى بيت - وبخاصة إلى مجالس القرشيين - حتى لم يبق أحدٌ في مكة إلاَّ سمع بالإسلام، وتحدّث بالوحي الذي ينزل على محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) .
نعم سرى نور الدعوة، ولكنه أعشى نواظر أهل مكة، وقريش بالذات، فلم يعلنوا خصومة مكشوفة، بل أضمروا نوعاً من الكيد هدفه الاستخفاف بالدعوة، وتجاهلها، والتقليل من شأنها.. وفي حسبانهم أنها الوسيلة الأفضل التي تبقي الناس غير مبالين، ولا يعيرون محمداً (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وأتباعَهُ أي اهتمام، فتختنق دعوته في مهدها، ويذهب ريحها.
هكذا سيطر الظن الأحمق على قريش فقعدت على أمجادها غير مبالية بالظاهرة الجديدة التي من شأنها أنْ تغزو الأفكار والمشاعر، والتي قد تشكل نقطة تحوّلٍ في حياتها..
ولكن، وعلى خلاف أصحاب الامتيازات، فإن الطبقة المستضعفة التي سلبوها كل شيء: الحرية والكرامة، ولقمة العيش الهنيء - حتى مشاعرها الإنسانية كانت عرضة للسلب لو يقدرون على ذلك - فعاشت تحت الضغط والظلم والاستعباد... أجل، إن تلك الطبقة وحدها قد رأت في الدعوة الجديدة ما يفتح أمامها أبواب الخلاص، والعدالة الإنسانية، فأقبلت عليها تتنسَّمُ أخبارها، وتتعرَّف تعاليمَها، فتتسارع إلى الدخول فيها، لأنها وجدت فيها روحاً وريحاناً لقلوبها، وإشعاراً بوجودها. وكيف لا تعتنق تلك الطبقةُ العقيدةَ الحقةَ وهي التي تجعلها بشراً مثل غيرها، لا قطيعاً من الناس مثل قطعان الأغنام والإبل التي ترعاها. لذلك كانت الاستجابة عفوية وطبيعية من كل مستضعَف يختزن في قلبه الشوقَ إلى الأمن، وتمتلىء أعماقُهُ بالصرخة إلى الإخاء والمساواة، فاندفع إلى عقيدة التوحيد ملهوفاً، طائعاً مختاراً، لا تُرهبُهُ تحذيرات أسياده، ولا تهديداتهم بإنزال أقسى العذاب والبطش به.
وانقضت السنوات الثلاث، وَوَضْعُ المسلمين على تلك الحالة دونما أي تغيير يذكر. يذهبون للصلاة في شعاب مكة، ويستخفون عن الأعين في دار الأرقم بن أبي الأرقم. يوصون بعضهم بالكتمان، وينبِّهون مَن يأنسُ قلبُهُ إلى الإسلام أن يحاذر من ذيوع أمره، وأن يسير على الوتيرة نفسها التي يسيرون عليها من السرِّيّة والحذر..
وكانت قريش قد بدأت تفيق من غفوتها الوثنية شيئاً فشيئاً.. ولكنها وجدت أن ترصُّدها لأتباع «محمد» ومراقبتهم، وتخويفها للعبيد والموالي لم يعد يجدي نفعاً. فهم يزدادون يوماً بعد يوم، ودعوتهم تتغلغل في النفوس وتنتشر بين الناس وإن ببطء.. ثم إنَّ «محمداً» نفسه لا يقعد ولا يستكين، بل إنه يتعقَّب أبناءهم من ناحية إلى ناحية، ويلحق بالرعاة إلى البراري، ويتبع الضعفاء في كلّ مكان. وهذا ما جعل كثيرين من هؤلاء يتبعونه ويؤمنون به.
إذن فقد بدأ الأمر يستفحل، ولم يعد الوضع يطاق، فهل تبقى قريش ساكنةً مصرّةً على غرورها، واستخفافها بهؤلاء «الصابئين» الذين خرجوا على دين آبائهم وأجدادهم، أم أنَّ عليها أن تحزم أمرها، وتضع حداً لهذه «المسرحية» التي تدور على أرض بلدها؟!..
مناقشة قريش في أمر محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)
وكان من أهم الأعداء للإسلام تلك الطغمة الباغية في قريش أمثال: عمرو بن هشام (أبو جهل)، وعبد العزى بن عبد المطلب (أبو لهب)، وأبي سفيان بن حرب، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، والوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة... هؤلاء ومَن هم دونهم شأناً كانت الهواجس قد بدأت تتآكلهم، فلا يلتقي أحدٌ منهم بآخر إلاَّ وكان الجدال حول دعوة «محمد» سيد الموقف، مما جعلهم يدعون إلى اجتماع يعقد في بيت أبي جهل لمناقشة الأمر، وما عليهم اتخاذه من تدابير.. ووقف أبو جهل يندِّد بهذا «الصابىء» ويحذِّر من أمره، لأنه بات ينذر بالخطر على ساحة مكة كلها، والدليل على بدء خطره هذا الاضطراب الذي يشغل بال الناس، ويشيع القلق والحيرة في أوساطهم، بما يكفي لإنذارهم والعمل حثيثاً على وضع حد لهذه البلبلة...
وحاول عقبة بن أبي معيط أن يقلِّل من شأن المخاوف التي يثيرها أبو جهل، مبدياً أن أتباع «محمد» ما هم إلاَّ شرذمة مهينة، وإن كان فيها بعض المرموقين من قريش.. وتلك الشرذمة لن تقدر على شيء، وأمرها سينتهي عندما تزول «العوارض» التي تزيِّن لمحمد بن عبد الله أنه نبيٌّ، وأنه يحمل ديناً جديداً...
وأثار موقف عقبة حفيظة أبي لهب فوقف يتهمه بالحماقة، وقِصر النظر، إذ كيف يقلل من شأن أولئك «الصابئين» وهو يتناسى مكانة أبي طالب الذي دفع بولديه إلى دين ابن أخيه؟! أو بقدرة أبي بكر وقد حمل دعوة «محمد» على كتفيه؟! بل كيف يتنكر ابن أبي معيط لمنزلة عثمان بن عفان وما له من تأثير في نفوس بني أمية؟!. أما تلك الحثالة من أمثال بلال الحبشي، وصهيب الرومي وعمار بن ياسر وأبيه وأمه، وخباب بن الأرت، وغيرهم، فالويل لهم من تفتح عيون قريش على المعاملة التي يلقونها منها، والهوان الذي يعيشون من ظلمها!
وظل أبو لهب يرعد ويُزبد على هذا الشكل إلى أن قال:
- لا، لم يعد السكوت جائزاً و«محمد» يغري كل يوم أتباعاً آخرين له، فإما أن نقوم بعملٍ يوقفه عند حدٍ، وإما أن نخلّي بينه وبين الناس، فيصرفهم عن عبادة آلهتنا، ويقوِّض الأركان التي تقوم عليها مكانتنا بين العرب.
وتدخَّل أمية بن خلف يهدّىء من روع أبي لهب، وينصح المجتمعين بقوله:
- رويدكم يا سادة قريش، ولا تعجلوا في الأمر، فإن آخرين أمثالكم ليسوا بيننا، مثل سيد بني أمية، وشيخ بني عبد شمس، وشيخ بني مخزوم وغيرهم... فلا نتخذ موقفاً أو نقطع أمراً من دونهم، فالانفعال لا يُجدي بل الرأي والمشورة.
ولم يُعجب هذا الرأي أبا لهب أيضاً، فراح يقسم باللات والعزى أن ما يدور في مكة إنما هو شرٌّ ووبالٌ عليهم، وأن الصواب هو الوقوف في وجه هذا الفساد الذي يتسرب إلى ديارهم وهم عنه غافلون.
وانفضَّ عقدُ أول اجتماع للكفر ضد الإسلام في مكة، بالتوافق على عقد الاجتماعات والندوات المتلاحقة من أجل اتخاذ التدابير التي تعيد الأوضاع إلى نصابها في بلدهم، ولكنَّ أبا جهل ظلَّ على انفعاله لا يستقر له مقام.. وأما السبب فلأن في نفس الرجل مطامع يخشى عليها أكثر من عقيدة الشرك التي يُظهر الدفاع عنها. فقد كان أبو جهل يأمل بزعامة قريش، وقد جاء سليل بني هاشم هذا يضع العقبات في طريق وصوله إلى مبتغاه، فَلِمَ يدّعي «محمد» النبوّة ويسلب منه ذلك الحلمَ الذي يعيش له، ويجمع الأموال لأجله؟!.. إذن، فعليه أن يؤلِّب القوم ضده حتى يخنق دعوتَه في مهدها، فيبقى الأمل مشرعاً أمامَه. ولذلك لم يصبر على البقاء في بيته، من جراء ذلك الغليان الشديد في نفسه الذي يحول بينه وبين الاستكانة، فيدفعه لأن يهيم في أزقة مكة لا يلوي على شيء. إنَّ في نفسه هموماً كثيرة، ولكنَّ أقواها النيل من «محمد» لإِسكات صوته.. وبمثل تلك النوازع والدوافع كان أبو جهل يدور، من مكان إلى آخر، على غير وعي، حتى استوقفه أحدُهُم من ذوي الدهاء، والخبث، وكأنما كان وإيّاه على موعد الحقد عينهِ على النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، فقال له:
- إلى أين يا أبا الحكم في هذه العَجَلة، وعَلامَ هذا الاكفهرارُ على وجهك؟
قال أبو جهل: دعني يا رجل، ولا تسلْ عما لا يَعنيك!
قال الرجل: أو تظنُّ فِعلاً أنَّ ما يُقلِقُكَ لا يَعنيني؟ بل هو شأنُنُا كلّنا يا أبا الحكم.
قال أبو جهل: وأيّ شيء ترمي إليه يا رجل؟
قال الرجل: أوَ لا تُريدُ أن تعرفَ بأن «محمداً» عند الكعبة، ومِنْ حوله جماعةٌ تلتفُّ إليه، وهو على ما يبدو آخذ بناصيتها؟!
قال أبو جهل: قلت لك دعني وشأني!..
قال الرجل: إذن فليس أمر «الصابئين» ما يهمُّك.. وإلاَّ فدونك «محمداً» وأنا بجانبك!..
وما زال ذاك الشرير يُغري به حتى دفعه بهياجٍ نحو الكعبة، ولكن سرعان ما تباطأت خطواته عندما صار على مقربةٍ من النبي وجماعته، فوقف مسمَّراً في مكانه خاسئاً حسيراً لا يحرِّك ساكناً، ولا يقدر على شيء إلاَّ أن يرمقه بنظرات ملؤها الغضب والحقد، وهو يتمنَّى في قرارة نفسه لو ينقضُّ عليه ويخنقُهُ بكلتا يديه.. ثم ما لبث أن ارتدَّ على عقبيه، وقفل يريد العودة إلى بيته، من دون أن يأبه لاستهزاء صاحبه وتهكّمه عليه، وتوعُّده له بأن يفضَحَ أمرَه للقوم على ما أظهر من خوفٍ ورهبةٍ لمجرد رؤية «محمد»، وجبنٍ عن مواجهته، وعدم الجرأَة على الدنو منه، وتوجيهِ كلمةٍ نابيةٍ واحدةٍ له...
وكان من سوء طالع سعد بن أبي وقاص في ذلك اليوم، أن يتلاقى بأبي جهل في أحد الأزقة، وهو راجع على تلك الحالة، إذ ما إِنْ رآه أبو جهل حتى تناول حجراً، ورماه به، فشجَّهُ في رأسه.. ثم مضى وصوتُهُ يُرعدُ بالشتائم والسباب لكل من يلوذ بـ«محمد»، أو يؤازره على أمره..
أما سعد فقد ذهب إلى أهله، يغسلون دمَهُ ويضمِّدون جُرحه.. وقد واساه رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عندما التقاه مساءً، في دار الأرقم بن أبي الأرقم، فأمسك برأسه يمسح بيده الطاهرة المباركة عليه، ويقول له:
»في سبيل الله دمُك يا سعد»..
دعوة عشيرة النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)
لم تُرهب الحادثة التي تعرّض لها سعد بن أبي وقاص إخوتَهُ في الدين، ولكنها كانت بداية النذير بالعداوة والأذى، لأن المسلمين عددهم قليل، والمجتمع في مكة بات مؤهلاً لمناصبتهم العداءَ بشتى أسلحة الكراهية، والعصبية، والمال، والنفوذ وغير ذلك مما يمتلك أسياد قريش ومن لفَّ لفَّهم من وسائلِ القهر، فماذا على رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أن يفعل حتى لا تكون العواقب وخيمةً على جماعة المسلمين في هذا المجتمع الكافر الوثني؟! إنه يتوكَّل على ربه، وهو سبحانه يهدي خطواته، فما عليه إلاَّ المتابعة والمضي في أمره، وعلى الله قصد السبيل.
وكانت الصلاةُ والابتهالُ إلى الله - عز وجل - الأنسَ لقلب رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) كلما حزبته الضائقة، وتفاقمت عليه الشدة. وفي إحدى الليالي وبينما هو في تهجُّده وعبادته، إذا به يُحسُّ بثقل الوحي، يتنزَّل عليه، فيتلقَّاه الرسول الصادق الأمين صادعاً بالأمر الجليل: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ *وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ *وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ *الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ *وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ *} [الشُّعَرَاء: 214-219].
فقد كان من هواجس نفسه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) خوفه على ذويه الأقربين، لو بقوا على الشرك، لأن كلَّ مَن وصلت إليه دعوة الإسلام وأباها فإن مصيره في العذاب الأليم، وهذا العذاب سوف يكون جزاءَ كلِّ إنسانٍ إذا ارتكب الإثم العظيم بالتنكّر للإسلام، أو بمعاداته ومناهضته.. وها هو رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يتلقى عن ربه - عز وجل - البلاغ بأن ينذر عشيرته الأقربين. وإنه في الحقيقة البلاغ الذي يحفل بلطف المولى سبحانه وتعالى لما لنبيّه محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) من مكرمة عند ربه. وقد حباه هذا الرب العزيز بهذه المكرمة، حتى تكون له (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) الحجّةُ على هؤلاء الأقربين، بما خصَّهم من ذكرٍ في تنزيله الحكيم. ولكن طلب إنذارهم لا يعني أن قرابتهم للنبي هي خصيصة قد تنفعهم بشيء إن لم يؤمنوا بدين الله، ويعملوا بطاعة الله ورسوله. ولذلك فإنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لا يملك لهم من الله تعالى شيئاً سوى هذه الدعوة إلى الإيمان، بل وهذا الإنذار بأن يبادروا قبل غيرهم لاعتناق الإسلام، لأنه في الأصل لا وساطة بين العزة الإلهية وبين العباد، وحتى الأنبياء والمرسلون، فإنهم لا يملكون الشفاعة إلاَّ لمن ارتضى من عباده الصالحين. إذن فأمر ربه - جلّ وعلا - له: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ *} [الشُّعَرَاء: 214] لا يحمل أكثر من حب الله تعالى لنبيه وتكريمه، علَّ هؤلاء الأقربين يكونون جديرين بهذا اللطف الرباني.
ودعا النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عشيرته إلى وليمة في بيته. واجتمع أبناء تلك العشيرة، وفيهم عمُّه عبد العزى بن عبد المطلب، هذا الرجل الذي يُكنّى بأبي لهب، لأنَّ وجهه - فيما يقال - كان حسناً، وتتلهب وجنتاه بالحمرة مثل جمر النار في تأججه.. وكان هذا العم سرياً من سراة قريش، كثير المال، مسموع الكلمة، ولكنه كان شديد التعصب لوثنيته، وقبيلته قريش وتقاليدها، فضلاً عما تنطوي عليه دخيلتُه من المآرب الشخصية وما في طبعه من الحدة والسفاهة، والاندفاع في الغضب... وكل ذلك على خلاف أبيه، وبني هاشم عموماً.. وهذه الخصائص الذاتية في أبي لهب هي التي جعلته، حين اشتدَّ ذيوع خبر الوحي على النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، يتنكّر لهذا الوحي، ويعتبره بُهتاناً يدّعيه ابن أخيه.
كانت الوليمة عامرةً وقد ضمّت إليها أربعين رجلاً.. وكما توقَّع النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فقد عمد أبو لهب إلى هجمةٍ شرسة عليه، وهو يقول:
- هؤلاء عمومتك وبنو عمومتك، فتكلم ودع الصبأة، ولا تخرج عن دين قومك، ولا تعرِّضهم لغضب العرب قاطبة، وليس لهم بحربهم طاقة، فما رأيت أحداً جاء على بني أبيه بشرٍّ مما جئتَهم به!..
لقد ظهر أبو لهب ثائراً مهتاجاً، يلقي الكلام على عواهنه، ويتوعّد النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ويتهدده، وهو في حالةٍ شديدةٍ من الغضب: جحوظ في عينيه، وانتفاخ في أوداجه، واستفزاز في صراخه وصياحه، مما جعل القوم واجمين، لا يبدر من أحدهم قول أبداً.. ثم قام أكثرهم ينسلّون سكوتاً وقلقاً على مستقبل العشيرة...
وبعد بضعة أيام دعاهم الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إلى وليمة أخرى، فما إن فرغوا من تناول الطعام، حتى أخذ المبادرة، لئلا يفوّت عليه أبو لهب الفرصة، كما في المرة السابقة، فقام يخطب فيهم قائلاً: «الحمد لله، أحمدُهُ وأستعينه وأثق به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له».
وبعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه، توجه إليهم بالإخلاص في النية، والصدق في القول، فقال (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) :
»إن الله بعثني إلى الخلق كافةً وبعثني إليكم خاصة فقال عزّ وعلا: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ *} [الشُّعَرَاء: 214] وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان تملكون بهما العرب والعجم وتنقاد لكم بهما الأمم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون بهما من النار: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. واعلموا أن الرائد لا يكذبُ أهلَهُ. والله لتموتُنّ كما تنامون، ولتُبعَثنَّ كما تستيقظون، ولتحاسَبُنَّ عمَّا تعملون. وإنها للجنة أبداً أو النار أبداً».
لقد أبان رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وأبلغ، وأنذر عشيرته الأقربين.. ولكن ماذا كانت ردة الفعل؟ قام القومُ يهمّون بالخروج، بلا سؤال ولا جواب، لولا أن وقف عليٌّ الفتى المقدام، يعلن على سمع أولئك الأقربين وبعدهم استجابتَهُ لأمر الله عز وجِلٍ، واتباعَهُ دعوة محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وهو يقول: «أنا يا رسول الله. أنا حربٌ لمن حاربت، وسلْمٌ لمن سالمت».
وبدل أن تهزَّ صرخةُ الفتى علي ضمائرهم، وتجعل دبيب الإيمان ينساب في عروقهم، إذا بهم يتضاحكون ويتغامزون، وهم يلمزون من أبي طالب.. بل وتقدم بعضهم ليقول له: «ليهنئك القوم يا أبا طالب أن دخلت في دين ابن أخيك» فأجابهم أبو طالب: «فوالله إنه لعلى الحق، ولكنكم قوم تجهلون»!، وكان مما قاله أبو لهب: «هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم» فقال أبو طالب: والله لنمنعُهُ ما بقينا[*].
أعرضت عشيرة النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عنه، فما فتَّ ذلك في عزيمته شيئاً. وإنْ هي إلاّ أيام قليلةٌ حتى صعد على الصفا، وهو ينادي بأعلى صوته: يا صباحاه!..
وكانت تلك الصيحة معروفة عندما يريد أحدٌ أن يخبر القوم بأمر هام. فتداعى أهل مكة إلى الصفا بين قادم بنفسه، أو موفِد أحداً من قِبله.. فلما صاروا جمعاً غفيراً نادى فيهم النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بصوت جهوري:
»يا معشر قريش! يا أهل مكة! أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقيّ؟».
قالوا: «نعم أنت عندنا غير متهم، وما جربنا عليك إلاَّ صدقاً».
قال (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : فإني نذير لكم بين يدي عذاب أليم. يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا بني زهرة، يا بني تيم، يا بني مخزوم، يا بني أسد، يا أهل مكة!.. إن الله تعالى أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين. وإني لا أملك لكم من الدنيا منفعةً ولا من الآخرة نصيباً إلاَّ أن تقولوا: لا إله إلا الله[*]. فآمنوا بالله ورسوله».
وانبرى من بين القوم عمهُ أبو لهب يصرخ - بالقحة والغلظة المعروفتين بطبعه - قائلاً:
»تبّاً لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا»؟!..
وكان قول أبي لهب مثل الصدمة القاسية التي تأتي أكثر ما تأتي.. من الأقربين، إلاَّ أنه في الحقيقة كان تعبيراً وتجسيداً عما في نفوسهم من وثنيةٍ وجاهلية تتبدَّى على لسان أحد سفهاء شيوخهم، الذي هو أدنى أبناء العشيرة قرابةً للنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وهو يشير إليه بكلتا يديه مهدداً، متوعداً.. مما أثقَلَ عليه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وأهمَّه وأحزنَهُ، فذهب إل بيته محتسباً نفسَهُ إلى ربه تعالى، ولكن سرعان ما تنزّل الوحيُ، يخزي ذلك اللعين أبا لهب ويتوعده بالنار المحرقة على ما قدمت يداه، بقوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ *مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ *سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ *وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ *فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ *} [المَسَد: 1-5].. (لأن امرأته كان في عنقها عقد ثمين، فكانت تقول: «لأنفِقَنَّه في عداوة محمد»)...
هكذا يتنزَّل العقابُ من الله العلي القدير، مالك رقبة أبي لهب، ورقاب عشيرته، ورقاب العالمين. لقد تجرأ على رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) غير هيَّابٍ ولا وجل، فارتدَّ عليه كيده، وأتاه الوعيد الإلهي بهلاك نفسه في النار ذات اللهب، وإحراق يديه وقطعهما وهما اللتان أشار بهما إلى الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) مندداً، متوعداً، متهكماً.. ولن يُغني عنه وهو في العذاب الأليم مالُهُ الذي يُفاخر به في دنياه، وهو الذي جعله يستقوي، على «محمد رسول الله» أكرمِ خلق الله. فأبو لهب هو من أهل جهنم - حكماً - وبئس المصير مصداقاً لقول رب العالمين.
لقد تمادى ذلك اللعين في غيّهِ فباء بغضب من الله (تعالى) وبلعنةٍ دائمةٍ باقية ما بقي القرآن المجيد - الذكرُ الذي حفظه ربُّ العالمين ـ. أما في الآخرة، فسوف يُصلى ناراً ذات لهب، هي من جنس حقده الذي يتلهب في صدره على النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) .
أحقادُ نساءٍ من قريش
وتعزيز الله تبارك وتعالى للنبي محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لم يتنزل في مواجهة أبي لهب وحده، بل وفي مواجهة زوجته أروى بنت حرب بن أمية (أخت أبي سفيان بن حرب) فكان وعيدها هي الأخرى التنكيلَ في العذاب الأليم، ومن صوَر هذا العذاب إبدال عقدها المرصع بالجواهر والأحجار الكريمة بحبلٍ من ليفٍ مشتعلٍ، يلتف حول عنقها، ويحرقها بلهب حقدها، فوق لهيب جهنّم المخزي...
ذلك أن تلك المرأة اللعينةَ جعلت من زوجها ألعوبة، تديره كيف تشاء، فكانت لا تنفك عن تحريضه على النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) للإيقاع به. وكان دافعها إلى فِعالها السيئة تلك حقدَها الدفينَ الذي توارثته عن آبائها بني أمية في مناصَبتهم العداءَ لبني هاشم. وذلك منذ زمن بعيد، يوم أن ظنَّ أميّةُ بنُ عبد شمس أنه قادر على أن ينتزع زعامة قريش من عمه هاشم بن عبد مناف، فثار عليه، في محاولة لقتله أو طرده من مكة. ولكنَّ ثورته باءت بالفشل، وطرده هاشم إلى الشام، ليعيش عشر سنوات في العار الذي جلبه لنفسه.
لقد كان حلم أروى بنت حرب بن أمية إذن أن يغلب أهلُها - بنو أمية - كل بطون قريش، وأولها بنو هاشم. وها هي ذي ترى في إثارة العداء ضد «محمد» سبيلاً لنفْث سمومها الدفينة، فأخذت في تأليب زوجها عليه، ودفعه للنيل منه. ولم يكن زوجها وحدَهُ ألعوبة بيديها، بل جعلت ابنَيْها عتبة وعتيبة مثل أبيهما، خاضعيْن لرغباتها. فأمرتهما أن يطلّقا ابنتَيْ محمد رقية زوجة عتبة، وأم كلثوم زوجة عتيبة[*] - وكانا قد تزوجا بهما قبل بعثته (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) - ظناً منها أنها بفعلها هذا تؤذي «محمداً» وتثقل كاهله! ولكنه كان المنة من رب العالمين، حتى لا تبقى ابنتا النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) تحت كافرين من عبدة الأصنام، والفرج الذي أزاح عن قلبه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عبئاً ثقيلاً.. ولم يكن حقد تلك المرأة وقفاً على آل محمد وحدهم، بل عُرفت في قريش كلها بأنها امرأة مشَّاءةٌ بالنميمة، ساعيةٌ للفتنة، لأن نفسها تعشق ذلك وتلذّ به. فكان حقاً أن تحلَّ عليها، وفي محكم التنزيل، اللعنة الأبدية جزاء على فجورها.. وأن يكون نصيبها وافراً من الخزي الذي تستحق، ليس ذلك بما اختصَّتها به الآيات المبينة من وعيد بسعير النار المحرقة في الآخرة وحسب، بل وفي هذه الحياة الدنيا حيث جعلتها الآياتُ المنزلة من المنتقم الجبار سخريةً على الأفواه، وهي ترسم صورتها حاملةً للحطب الذي توقد به النارَ، وفي عنقها يتدلى حبلُ الليف الذي تحزمُ به حطَبَها إلى جانب عقد اللآلىء الذي كانت تتباهى به.. فكان الجزاء من جنس العمل، وكانت الصورةُ السافرة في الرسم القرآني لتلك الخبيثة تحقيراً لها، ولأفعالها، إذ كانت تجمع الشوك، وتضعه في طريق النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أو على باب بيته بحكم سكناها بجواره، لتُعلن لقريشٍ كلها سبْقَها في عداوة «محمد» ونقمتَها عليه. ولقد خُيِّل لأروى بنت حرب بعدما تناقل الناسُ قولَ الله تعالى، وبالتصوير القرآني الذي يُثير السخرية من امرأة معجبة بنفسها، مدلَّةٍ بحسبها ونسبها - وبلاغة القرآن من شأنها أن تجذب العرب أهل الضاد، ولو لم يكونوا مؤمنين - أجل خيِّل لها بأن محمد بن عبد الله يهجوها بالشعر، فعمدت إلى القريض من أجل ذمِّه وهي تُسمّيه مذمَّماً لا محمداً - كما في ظنها - فقالت في ذلك:
»مُذَمَّماً قَلَيْنا،
ودينَهُ أبَيْنا
وأمْرَهُ عَصَيْنا«
وهو قول وإن كان يدلُّ على مقدار الحقد والبغضاء، إلاَّ أنه أثار السخرية بها من جديد، وجعلَ النبيَّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) - عندما سمعه - يبتسم، لأنه في الحقيقة محمود، ومكرَّم عند خالقه، ومعظّم عند ذوي النفوس السامية من عباده، ومن ثَمَّ يصوِّب معنى قريض حمّالة الحطب فيقول: «انظروا كيف يصرف الله تعالى عني شتْمَهم ولعْنَهم، يشتمون مذمَّماً وأنا محمَّد».
على أن أروى بنت حرب بن أمية هذه - والشيء بالشيء يذكر - لم تكن وحدها في نساء قريش التي تحرّض على العداوة للنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، فقد كانت هناك نساء كثيرات من أمثال حمّالة الحطب هذه، وكل واحدة منهن لها دوافعُها وأحقادُها. ولكنَّ أبرزَهُنَّ اثنتان:
أم أبي جهل، واسمها أسماء بنت مخرِّبة بن جندل،
وزوجة أبي سفيان بن حرب، واسمها هند بنت عتبة بن ربيعة.
أما الأولى أسماء بنت مخرِّبة فهي امرأة من بني تيم، تزوجت هشام بن المغيرة من بني مخزوم، فولدت له: عمرواً والحارث. ثم لمّا طلقها زوجها، عادت وتزوجت بشقيقه أبي ربيعة عمرو بن المغيرة فولدت له عبد الله والعياش..
وكانت هذه المرأة تعمل بالعطارة التي تأتي من اليمن، وهدفها من تجارتها جمع الأموال كي تمدّ بها أحدَ أبنائها الأربعة في الوصول إلى زعامة بني مخزوم، ومن ثم إلى زعامة قريش.
ذلك كان حُلُمُ أسماء بنت مخرِّبة. فلما ظهرت دعوة محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، رأت فيها ما يبدِّد عليها حلمها الموهوم. حتى إذا دخل ابنها عياش بن أبي ربيعة في الإسلام، ثارت ثائرتها على «محمد» ودينه واستبد بها وجْدُها استبداداً شديداً.. وإنها لفي مقتها وقهرها إذا بها أيضاً ترى أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي يدخل هو الآخر في الدين الجديد، فزادَ ذلك في نقمتها على محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وكراهيتها له.. ويشاء الله تعالى أن يردَّ كيدها إلى نحرها، فبدل أن تُوغِرَ صدور أبنائها الآخرين بالحقد على كل ما يمتُّ إلى دعوة الإسلام بصلة، منَّ سبحانه وتعالى على هؤلاء الأبناء بالإيمان، إلا أحدهم عمرو بن هشام (أبو جهل) فإنه تابع أمَّهُ على عداوتها للنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، لأن مطامع أمه بالزعامة كانت هي نفسها مطامعه الشخصية للوصول إلى السيادة على قريش..
أما المرأة الثانية فهي هند بنت عتبة بن ربيعة وقد تزوجت بسيد بني مخزوم وهو - يومها - الفاكه بن المغيرة. وكان في نفسها هي الأخرى هوس واضح للزعامة والرياسة. فقد رأت أن بني مخزوم ينهدون إلى زعامة قريش، وأن بني أمية ينافسونهم على ذلك أيضاً، ويريدونها لأنفسهم. ولذلك عاشت بين فكّي رحى الأمل، فإن أصابَها بنو مخزوم، فزوجها الفاكه أولى بها، وإن سبقهم إليها بنو أمية، فتلك قرّة عينها..
وحدث ما لم يكن في حسبان هند.. فقد جاء رجل لزيارة زوجها، فصرفه الخدم من دون أن تراه لأنها كانت نائمة، وصادف عودة الفاكه - في تلك الأثناء - إلى بيته، فرأى غريباً يخرج من عنده، ويذهب من دون أن يدركه، فظن به الظنون، فاندفع إلى داخل البيت ليرى زوجته في فراشها وفي اعتقاده أنها تخونه، الأمر الذي جعله يفقد صوابه، وينهال عليها بالضرب، وهو يجرها من زاوية إلى زاوية، ثمّ يعجل بطردها، وهو يقول لها: هيا ارجعي إلى أمك أيتها الخائنة اللعينة.
وأقامت هند عند أهلها، في منازل بني عبد شمس، لا ترى أحداً، ولا تخرج إلى مكان.. وكان أبوها يكظم غيظه وهو يسمع ما تَقذف به ألسنة السوء ابنتَه، حتى لم يعد يطيق اصطباراً، فاقتحم عليها مخبأها، لينازعها في أمرها وهو يقول لها: إيه يا هند! فلئن كان الفاكه صادقاً في دعواه، بعثت إليه من يدس له السمَّ أو يقتله، فتنقطع عنك المقالة، وإن كان كاذباً حاكمته إلى كهّان اليمن.
وأنكرت هند التهمة، وكلَّ ما يدّعيه زوجها، وقالت إنه قد ظلمها بأعزّ شيء تملكه، وهو شرفها.. فلما أيقن أبوها صدقَها دعا الفاكه إلى المحاكمة، واصطحب معه بعضاً من بني عبد شمس في مرافقته إلى اليمن، كما كان مع الفاكه عدد من بني مخزوم.. وهنالك كان الاحتكام إلى أحد الكهان. فلما أعلن هذا الكاهن براءةَ هند، قام أبوها يريد أن يقتل زوجها، فمنعه القوم منه.
وجرى طلاق هند من زوجها المخزومي، ليعود ويتزوجها أبو سفيان بن حرب. وقد كانت لديه هو الآخر مطامع في زعامة قريش أكثر من أي رجل آخر، ويدفعه إلى ذلك ما كان يدفع بني أمية كلَّهم، في عداوتهم لسلالة بني هاشم.. إذ بالإضافة إلى دافع الثأر الذي يتوارثه الابن عن أبيه، فإن حسدهم للبيت الهاشمي كان أقوى وأشد، لا لشيء إلاَّ لأن هؤلاء كانوا يتعاقبون على مناصب الكعبة ورياسة قريش بصورة متواصلة. ولذلك كان التوافق تاماً بين هوى أبي سفيان وهوى زوجته هند، فالتقيا على الأمل عينه بالثأر والرياسة..
ويظهر ذلك جلياً عندما ولدت هندُ ابنَها معاويةَ مِنْ أبي سفيان، إذ رأت فيه السليلَ الذي يستحق الزعامة، فكانت تُسْمِعُ القاصيَ والدانيَ حدْوَها لطفلها، وهي تهز بسريره، وتترنَّم بأملها المنشود، وهي تقول:
ثَكِلتُ نفسي وثَكلتُ بِكري
إن لم يَسُدْ فهراً وغيرَ فهر
... فأولئك النسوة الثلاث: أروى بنت حرب (زوجة أبي لهب)، وأسماء بنت مخرّبة (أم أبي جهل)، وهند بنت عتبة (زوجة أبي سفيان)، قد تَلاقيْن على بغض محمد بن عبد الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) .. فقد كانت لهن أطماع وأهواء فرَّقتهن في التنافس والتسابق على زعامة قريش، ولكن جمعتهن على الحقد للإسلام وداعيته، فكُنَّ من وراء رجالهنّ - أزواجاً وأبناءً - مسرفاتٍ في الكيد للنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ومحاربته بشتى الوسائل.
ولم تكن حمدونة بنت سفيان أقلَّ كراهية للدين الجديد. لقد أعماها حقد الجاهلية عن رؤية الحقيقة، فوطَّدت نفسها أن تظلَّ على الوثنية والشِّرك.. وقد أظهرت ضلالها يوم أن دخلت حجرة ولدها سعد بن أبي وقاص فوجدته يركع، ويسجد، ويذكر اسم الله كثيراً. فما كان منها إلا أن راحت تصرخ في وجهه، وهي تنحو عليه باللائمة قائلة:
يا ويلتاه! لقد صبأت يا سعد؟!..
وحاول سعد أن يهدىء خاطر أمه، فقال لها:
- بل لقد اهتديت يا أماه.. اهتديت إلى الدين الحنيف، الذي يدعو إلى خير بني الإنسان، وإلى البر بالوالدين، وإيتاء ذوي القربى حقَّهم، واليتامى، والمساكين وابن السبيل.
فأي شيء أرفع من هذه الهداية التي يبشِّر بها سعدٌ أمَّه؟ ولو عقلت حمدونة ما تسمع، لكان قلبها امتلأ بالفرح لإيمان ابنها. ولكن كيف لهذه المشركة أن تعقل ما يقوله هذا الابن البار، وهي تنقم عليه «صبَأه»، وتريده أن يعودَ إلى دين الوثنية، وعبادة الأصنام؟ فلمّا لم يُجْدِها صراخها نفعاً، رأت أن تهدّد ابنها، وهي تقسم قائلة:
- واللات والعزى لا يهنأ لي مقام في هذا البيت، وأنت بجواري على دينك، أو تعود إلى عبادة آلهتنا.
ولكن أنَّى لهذه المرأة، وإن كانت أمّاً، أن تثنيَ عزم ابنها عن إيمانه، فقال لها:
- لا يا أمّاه! لست بتاركٍ دين الله تعالى، وقد رُشدتُ إلى الهداية بعد الضلال، وإلى الإيمان بعد الكفر، فإن لم تُهَدِّئي من ثورة غضبك، وتحاولي أن تتبيّني حقيقةَ ما هداني إليه ربي، فإنه الغضب من الله عز وجل يا أماه، وإني لأشفق عليك من هذا الظلم لنفسك.
وخرج سعد حتى لا يتفاقم الأمر بينه وبين أمّه. فلما عاد في المساء وجَدَها قد أقسمت على ألاَّ تذوقَ طعاماً أو شراباً، أو يعود سعد إلى دين آبائه وأجداده. وظلت حمدونة بنت سفيان على تلك الحالة قرابة يومين، حتى يئس ابنها من إقناعها، فقال لها: أتدرين يا أماه؟ والله لو أنَّ لكِ مائة نفس تخرج نفساً نفساً ما تركتُ دين الله، فلك إن شئتِ، الأكل، ولكِ إن شئتِ الجوع.. (فكان في موقف سعد انتصار للإيمان على الكفر، وكان لسعد الثواب والأجر بإذن الله تعالى)..
مسلمات مؤمنات
ولكن، وفي مقابل أولئك النسوة الحاقدات، كانت في قريش نساء غيرهنَّ، من ذوات الشرف والكرامة، تلاقت قلوبُهنَّ على الإيمان بالله، وتصديق رسوله، فكنَّ من خيار نساء أهل الأرض.
ويذكر من النساء صفيَّة بنت عبد المطلب (أم الزبير بن العوام)، وأسماء بنت أبي بكر، وأم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب، وفاطمة بنت أسد (زوجة أبي طالب، وأم علي بن أبي طالب) وأم جميل فاطمة بنت الخطاب (زوجة سعيد بن زيد بن نفيل)..
هؤلاء النسوة، وغيرهن من أخوات الإسلام اللواتي زادهن الإيمان رفعة وقدراً، كان لهنَّ على التاريخ شرف الصدارة وذلك باعتناق الإسلام - دين الله الحق - عقيدة ونهجاً قويماً، ثم الوقوف وراء الرجال المؤمنين لحمل الدعوة، ونصرة النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، فكنَّ المبروراتِ الكريمات، والسيدات الفاضلات (رضوان الله تعالى عليهن).
هكذا بدأت تترتب النتائج على دعوة عشيرة النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) الأقربين. فأما الذين أعرضوا ونأوا عنه، وآثروا أن يظلوا على عقيدة الشرك، وأن يكونوا من قادة الكفر فقد أعلنوا له ولأتباعه العداوة السافرة، وأما الذين آمنوا به وصدقوه فقد ظلوا أمناء على العقيدة، شهداء على الحق لا يخافون في الله لومة لائم.
الأمر بالصدوع وإعلان الدعوة
ولكن، ومهما تألّبت قوى الشر على النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وعلى الإسلام، فإن الدعوة ستمضي - بإذن الله تعالى - قُدُماً، ولن يفتَّ في عضد المؤمنين، أو يصرفهم عن واجبهم المقدَّس أية شدة أو قوة.. وهُم، لن يتركوا ساحة مكة يجول فيها الباطل، بظلمه وظلامه، واستبداده بالناس وقهرهم، بل عليهم أن يعلنوا الإسلام حقاً صراحاً، ودعوةً عامةً لا تقف عند حدود عشيرة النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، ولا تقتصر على ملأ قريش، بل تتعداهم إلى الناس كافة، كما أرادها ربُّ العالمين دعوةً إنسانية عالمية، تخلِّص الأرض من الفساد الذي ينتشر في البر والبحر، وتأخذ بأيدي الناس إلى الصلاح، والخير والفلاح.
وكان رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يفكّر، ويخطط للعمل على إعلان الدعوة، وها هو الوحيُ يأتيه من عند العليم الحكيم يتنزّل عليه بالنهج الجديد الذي عليه أن يتّبعه، والذي يتناسب مع هذه المرحلة من دعوته، وذلك بأن يسلك طريق الجهر والإعلان، ولكن مع الإعراض عن مواجهة المشركين لأن وقت المواجهة لم يحنْ بعد، وذلك بقوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ *} [الحِجر: 94].
فاصدع : إنَّهُ الأمرُ الذي يحمل المشاقَّ والمصاعب التي سوف يلاقيها النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وأتباعُهُ، والصدوع بالأمر، يدلّل - في الوقت نفسه - على القوة والنفاذ في هذا الأمر، فلا يُقعِدَنَّ الرسولَ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) والمسلمين شِرْكُ مشرك، ولا عداوةُ كافر، ولا يثنيهم عن عزمهم الاستهزاء، والسخرية، والعذاب، فإنهم سوف يواجهون من هذا العنت والاستكبار الشيءَ الكثير.
ومع الأمر بالصدوع والامتثال، يتنزّل الدعم والطمأنة، فالله تعالى كافٍ نبيَّه من المستهزئين الذين يجعلون مع الله - عز وجلّ - إلهاً آخر يعبدونه. فهو يعلم سبحانه أن صدْر هذا النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يضيق بأقوال عبدة الأصنام والأوثان، ولكن مجال التسرّي عن هذا الضيق رحبٌ وواسع، فتسبيح الله تعالى، والقيام بالصلاة مع الساجدين، والذكر والدعاء لله العظيم.. أجل إنَّ في هذه العبادة الجليلة ما يحمل على الأنس المبارك، والسكينة المهداة، والارتياح المجزي.. فتأمل هذا الأمر بالصدوع وما يرافقه من ألطاف الباري بقوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ *وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ *} [الحِجر: 98-99].
وارتاح النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، لهذا التطمين الربّاني، وراح يتبع الناس في كل مكان من مكة: يلحق بهم في الندوات والأندية، ويمسك بهم في الساحات والطرقات، ويقصد البيوت ويستأذن في الدخول على أهلها. وهو في ذلك كله لم يكن إلاَّ هادياً، وداعياً، ومبشّراً ونذيراً..
لقد كان ابتداء الدعوة الجامع للمسلمين في دار الأرقم بن أبي الأرقم.. أما الإعلان عنها فيجب أن يمتدَّ نطاقُه بحيث لا يبقى محصوراً بين جوانب مكة، بل يحمله الناس بأحاديثهم وأخبارهم وهم يتنقلون بين أرجاء جزيرة العرب بأسرها، فهو إذاً ترْكٌ للحيّز الضيّق إلى ساح العلن، إلى الدعوة العامة. والدعاة - على كل حال - جاهزون. إنهم رجال وفتيان ونساء آمنوا بالله تعالى، إلهاً واحداً أحداً، وبمحمد نبياً ورسولاً، وبالإسلام ديناً حقاً، فنذروا أنفسهم ليكونوا جندَ الله المخلصين، وحزبَ الله العاملين، من أجل خير الناس، وصلاح العباد، ونشر الفضائل ومكارم الأخلاق. فإن لاقوا الإعراض والتصدي فتلك جهالة وضلالة من الناس، ولكنهم هُم، من أجل الإنسانية يعملون، وعلى دروب الخير يسيرون. ولسوف يأتي اليوم الذي تظهر فيه أحقية أعمالهم فيهتدي الناس إلى الإسلام، ويوقنون بآيات الله (سبحانه وتعالى)، ومكرماته على عباده، عندما أنزل عليهم هذا الدين العظيم.
إسلام أبي ذرّ الغفاري
ولم يذهب هذا النهجُ الجديد الذي اتَّبعهُ الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وأصحابُهُ في الجهر بالدعوة، سُدىً وبلا طائل.. فالجماعات والقبائل والأفراد الذين كانوا يأتون مكة للتجارة أو لزيارة بيت الله الحرام حجيجاً أو معتمرين، أو لغير ذلك من الأغراض والغايات، كانوا يعيشون أجواء الدعوة، وقد صارت الشغلَ الشاغلَ لأهل مكة جميعاً.. وهذا ما جعل خبرَها يلازمُ الناس في الحل والترحال، فينتقل من بادية إلى بادية، ومن قبيلة إلى قبيلة، حتى شاع أمر الإسلام بين سكان الجزيرة كلها، القريب منها والبعيد على السواء.
إلاَّ أن تلك الأخبار المتناقلة عن الدين الجديد الذي يدعو إليه محمد بن عبد الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ظلت في نطاقها الإخباري من دون أن تتعداه إلى أي تجاوب أو تفاعل مع ما يجري في داخل مكة.
ويشاء الله تعالى أن تأتي الاستجابة الأولى من خارج مكة، من قبيلة بني غفار. وذلك أن أحد أصدقاء أبي ذر قد عرَّج لزيارته، وهو في طريق عودته من مكة، فاستقبله ضيفاً عزيزاً، وأنزله منزلاً كريماً. وكان من الطبيعي أن يتطرق الحديث بينهما إلى مجريات الأمور في مكة، وما يشاع من أخبارها عن رجل من أهلها يقول بأنه يخاطب بالوحي من الله، فانبرى الزائر يتحدث عمَّا يُسمَعُ هناك، وكيف أن قريشاً في حَيْرَةٍ من الأمر الذي يدعو إليه محمد بن عبد الله، بين مُعرضٍ ومُعادٍ - وبخاصة الزعماء والأسياد ـ، وبين مؤيدٍ ومقبل - وخصوصاً الموالي والمستضعَفين ـ.
ولم تكن غاية أبي ذر مجرد الوقوف على أخبار أم القرى، بل إن في نفسه دوافع تُلحُّ عليه لاستجلاء هذه الدعوة الجديدة، ومعرفتها على حقيقتها... ذلك أن مشاعره قد تغيرت تجاه الأصنام، وتجاه «مناة» بالذات، الصنم الذي كان أبناءُ غفار قد بدأوا يعبدونَهُ منذ ثلاث سنوات أو يزيد.. وكان السبب في حيرته وتقلُّب مشاعره، ذلك الثعلب الذي رآه يهجم على اللبن الذي وضعه عند «مناة» - على عادتهم في تكريم معبودهم - فيلعقه كلَّه، ثم يبوِّل على كعب هذا الصنم، ويذهب شبعاً هانئاً، وهو يرقب من بعيدٍ هذا المشهد.. مشدوهاً.. وبصورة عفوية وخلال لحظات من التأمل، تبدّلت أفكاره ومشاعره، وكأنما صحا من الغفلة التي كانت تغشى بصيرته، ليرى بأن «مناة» ما هي إلاَّ عبارة عن صخرة جامدة، صمّاء، لا حياة فيها، فهل يعقل أن يتخذها الناسُ إلهاً يعبدونه؟ وما نفع هذا الإله، بل وما قيمتهُ، وهو لا يقدر على شيء حتى ولو دفع حيوان ضعيف إلى امتهان كرامته؟ إنها السفاهة، والبلاهة بعينها أن يعبد الإنسانُ صخرةً، لا تعدو كونها حجراً منصوباً على الأرض. وماذا يبقى من قيمةٍ للإنسان في مثل هذه العبادة، وهو على هذا الخَلْق السوي الذي يجعله يتحرك، ويسمع، ويرى، ويتكلم، ويفكر ويشعر، وما إلى ذلك من الخصائص التي تميّزه عن كثير من المخلوقات الأخرى، بل وتجعله سيداً عليها، بحيث يمكنه أن يتصرف بها، وأن يسخِّرها كيفما شاء؟! ثم بدلاً من ذلك كله يسفّ إلى هذا الحدّ الذي يجعله يتخذ من أحقرها وأدناها سيداً له، بل وإلهاً يعبده؟!. إنها الجهالة والعمى حقاً! ولن يقبلَ أبو ذر بعد اليوم البقاء على هذه الوثنية المُخزية - أجل المخزية - لأنها تخزي الإنسان وتقبِّحه..
لقد نفض أبو ذر، بفطرته السليمة، تلك العبادةَ الباطلةَ من نفسه، وآمن بأنَّ مَنْ خلقَ الإنسان، ومَنْ خَلَق مناةَ وكلَّ ما في جزيرة العرب، وما فوقها من سماء ونجوم وكواكب، هو أحق بالعبادة. ولِمَ لا يكون هذا الخالقُ هو الله الذي تؤمن به العرب، ولكنها تعبُدُ الآلهة الجوامد لتقربها إليه زلفى؟!
وها هي الفرصة تؤاتي أبا ذر ليثبت إيمانَهُ، إن صحَّ أنَّ في مكة نبيّاً يدعو إلى عبادة الله إلهاً واحداً أحداً لا شريك له، فلمَ لا يقتفي أثره، ويقف على حقيقة أمره؟!
ومرَّت أيام، فدعا أبو ذر إليه أخاه أنيساً لكي يذهب إلى مكة، ويتحرَّى أخبار محمد بن عبد الله.
وفي الغداة، ومع الفجر الباكر، انطلق أنيس الغفاري إلى مهمته في أم القرى. وما إن وصلها حتى توجه إلى الكعبة يطوف، ثم جلس إلى جوارها يستريح، قبل أن يبدأ التحرُّش بالناس، واقتناص ما يريد معرفته.
وبينما هو في استراحته، إذا برجل مهيب، مشرق الوجه، على رأسه عمامة وعلى جسمه برْدة، يأتي وبصحبته نخبة من الشباب، تبدو عليهم أمارات النخوة والمروءة، فيطوفون حول الكعبة، ثم يجتمعون في حلقةٍ من حوله، وكأنما يريدون أن يكونوا له سياجاً يحمونه بالمُهج والأفئدة، قبل الأجساد.
لقد كان المشهد أمام أنيسٍ رائعاً بما ينمُّ عن حب هؤلاء الشباب الصادق لسيدهم، وعن مكانته الكبيرة في نفوسهم، فهم يجلسون بين يديه بأدب واحترام، ويملؤون أنظارهم منه بودٍّ وأنس، ويصغون إليه بكل جارحةٍ من جوارحهم. وفيما هو مأخوذ بهذا المشهد، إذا بأحد هؤلاء الشباب يتقدم منه، ويحييه بالخير والبركة، ويسأله إن كان يرغب بالانضمام إليهم، والاستماع إلى ما يقوله رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) .
وسأل أنيس: رسول الله؟
قال الشاب: أجل، إنه محمد بن عبد الله، نبي الله ورسولُهُ للناس كافة. فهلُمَّ لتنال اليُمنَ والخير بالاستماع إليه.
قال أنيس في نفسه: «فيا لبركة السماء»! لقد جئت محاولاً استطلاع الناس حول محمد بن عبد الله، فإذا بي أمامَهُ وجهاً لوجه.. فقام على الفور، وتقدم يلقي التحية على النبي وصحبه، ثم يجلس مصغياً.
وكان (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يَتْلو الآيات القرآنية التي تنزَّلت عليه من ربه تعالى، ثمَّ يبيّن للحلقة من حوله المعاني التي تحملها، والأفكارَ التي يريد ربُّ العزة والجلال إيصالها إلى عباده، لكي تنفعهم في دنياهم وآخرتهم.
وكان أنيس يُصغي إلى قولٍ لم يسمع بمثله قطُّ في حياته. فالآيات التي تُتلى تفوق كل فصاحة وبلاغة، وليس في لغة العرب ولسانهم الفصيح ما يدانيها بالحلاوة والطلاوة. أما البيان لتلك الآيات فهو أيضاً من جوامع الكلم الذي لا يبلغه ناطق بالضاد غير هذا الرجل، فيقول في نفسه: أما والله، إنَّ ما أسمع من تلاوة أو قول، لا بد أن يكون صادراً عن نبيٍّ حقاً!..
ومضى الوقت سريعاً، والعيون تحدّق بالنبي تريد المزيد، ولكنه أشار إليهم بما يكفيهم الساعة، فقاموا جميعاً يطوفون، ثم يذهبون في جوف مكة وأنظار أنيس تلاحقهم حتى غابوا عنه.
وشعر رجل غفار بأنه أمضى أجمل وقت في حياته، لما أحسَّ فيه من الأنس والاطمئنان... ولقد عرف ما عرف، وعلم ما علم، فهل بعدُ من حاجة لأن يسأل أحداً من الناس؟. لقد سمع ووعى، ومن «النبي محمد» نفسه، وبان له أمره واضحاً كوضوح الشمس في دعوته إلى عبادة الله الواحد الأحد، وهدي الناس إلى دينه الإسلام.. فهل من شيء يريد أن يستوثق منه أكثر من هذا لينقله إلى أخيه؟! فما عليه إلاَّ أن يعود إلى دياره ليوقف أخاه على جلية الأمر، ولذلك كان اعتذاره من النبيِّ حين دعاه للدخول في الإسلام بأنه لا يستطيع أن يتخذ قرارَهُ قبل رجوعه إلى دياره!.
وعادَ الرجل لينقل إلى أخيه، بصدق وأمانة، من أخبار النبي محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) كل ما سمع بأذنيه، ووعى بقلبه..
ولم يكن أبو ذر ليمْهلَه حتى يستريح من تعب السفر، بل ألحَّ عليه لكي يبدأه فوراً، وهو يقول له:
- أما أنتَ فمتعبُ الجسد يا أخي، ولكنني أنا متعب النفس، فهات وعجّل بما عندك يا ابن أمّي.
قال أنيس: والله لقد رأيتُ محمد بن عبد الله بأم العين، وجلست إليه، وسمعت مقالته. وإنه لا ينطق إلا بجوامع الكلم: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وإنه لينقل الوحيَ عن الله تعالى قرآناً عربياً مبيناً. وإنه يقول بأنه رسول الله الذي بعثه للناس مبشراً ونذيراً. وإنه ليدعو إلى عبادة الله وحده، وإلى دين الإسلام.
قال أبو ذر: وهل رأيت في أم القرى صحْباً صدقوك القول فيه؟
قال أنيس: أما إنني سمعته بنفسي، وقد كفتني لهجته الصادقة، فما رأيت بعدها من حاجة للسؤال عنه.
قال أبو ذر: جزاك الله عني خيراً يا ابن أمي، أما والله لقد زدتني شوقاً لرؤيته.
قال أنيس: ولكن حذارِ معشرَ قريش، فإن الأخبار تسري في كل ناحية وعلى كل لسان، عن مدى كراهية قوم محمد له. وقد لا يتورعون عن إلحاق الأذى بكل من لا يرى رأيهم في الرجل.
وحزم أبو ذر الغفاري أمرَهُ وجاء إلى مكة ليرى النبيَّ الذي يدعو إلى ترك الوثنية والشِّرك، ويحارب عبادة الأصنام التي عافتها نفسُهُ، مثل تلك الصخرة «مناة» وغيرها من الأصنام التي يعكف أبناءُ قبيلته على عبادتها. فلعلَّ في الدين الجديد الذي يدعو إليه هذا النبيُّ ما يوافق الحقيقة التي يبحث عنها.
ووصل أبو ذر إلى مكة وتوجه فوراً للطواف حول الكعبة على عادة العرب عندما يأتون مكة، ثم جلس بجوارها ينتظر... وأمضى نهاره بطوله من دون أن يتبيّن له أنَّ أحداً من الذين مرّوا به، أو جاؤوا إلى الكعبة، هو النبيّ الذي جاء يقصدُهُ، فوطَّن نفسَهُ على البقاء في مكانه، ولو أمضى الدهر قاعداً، وساهراً.
ولكن ما إن أسدل الليلُ ستاره، وغطى الظلامُ مكة حتى جاءه فتى مقدام، يقتحم عليه وَحدتَهُ، وهو يُحييه ويقول له: كأنّي أراك يا أخا العرب غريباً عن مكة؟
قال أبو ذر: إي نعم أيها الفتى.
قال الفتى: وما حاجتك للبقاء في الفلاة، فنحن نَقري[*] الضيفَ، ونؤمِّن الغريب.
قال أبو ذر: ونِعْمَ أهل البلد أنتُم، تجاورون بيت الله الحرام، وفيه الأمن للقاعد، والقِرى للعابر وابن السبيل.
قال الفتى: فهلُمَّ إلى منزلٍ مبارك يحفظ الله تعالى سترَه ويطهِّرُ أهلَهُ.
... إن في كلام هذا الفتى ما يؤنس الفؤاد ويُريحُهُ. فهو يبدو جمَّ الأدب، صادقَ اللهجة، وفي هذا ما يكفي لوثوق الغريب، فلِمَ لا يذهب معه مطمئناً؟!
وبهذا الشعور قام أبو ذر يسير مع الفتى من دون أن يسأله مَنْ يكونُ، وإلى أين يقوده في هذا الليل البهيم.
وفي الطريق راح أبو ذر يحدِّث نفسه: حقاً إن في قول هذا الفتى لحلاوة.. فالستْرُ عنوانُ الحفظ والصون والكرامة، والطهرُ عنوان النقاوة والنظافة والبعد عن الرجس.. فأيّ بيتٍ ترقى به صفات أهله إلى هذه المدارج من السمو والرفعة إلاَّ أن يكون بيت كرامٍ، سادةٍ في الشرف والعزة؟
وظل الرجلُ يسير إلى جانب الفتى، وكلٌّ على صمته حتى دخل به إلى دارة واسعةٍ، وأنزله في مكانٍ مخصّصٍ للضيوف، ثم جاءه بالماء والزاد، وانصرف عنه مودِّعاً، وهو يدعو له بالراحة والنوم الهانىء.
وأمضى أبو ذر ليلتَهُ وهو يغطُّ في نوم عميق، فما أفاق إلاَّ مع طلوع الشمس، وهو يُحِسُّ معه بأمان وارتياح لم يألفهما من قبلُ. ورأى إلى جانبه طعام الفطور الذي أُعِدَّ له، فأَيقَنَ أنه نزل - فعلاً - منزلاً كريماً، وعند أناس أشراف في المحتد والخُلُق.. وأكثر شيء استرعى انتباهَهُ هذا الهدوءُ الذي يخيّم على البيت، فيبعث في النفس السكينة، وينسيها مشاغل الدنيا وهمومها..
وخرج أبو ذر ليمضيَ نهارَه بجوار الكعبة؛ ولكنَّ يومَهُ لم يكنْ بأحسنَ من أمسِهِ، إلاّ أنَّ ما يَثْبُتُ في فؤاده من ارتياحٍ يسري بين ضلوعِهِ هو الذي ينسيه القلقَ والملل من الانتظار.. ومرَّ الوقت وجاءه الفتى نفسُهُ في المساء، ليقول له:
- أما آنَ للرجل أن يعرف منزله؟!
وأمضى أبو ذر ليلةً أخرى من النوم العميق، والراحة التامة، ليعود في الصباح إلى جوار الكعبة ويجلس مترقباً، ولكن ليس من جديد.. وكان يحاذر أن يسأل أحداً، كما أوصاه أخوه أنيس، أو أن يكشف أمرَه لأحد، حتى لا يفسدَ عليه غايته.. فلمَّا كان المساءُ، وجاء الفتى يدعوه، مشى معه، وهو يعتزم هذه المرة أن يحدِّثه بأمره، ولكنه وهو في تَرَددِهِ وحيرته بين أن يُفصح عما يرومه، أو يبقى على صمته، إذا بالفرج يأتيه على لسان هذا الفتى عندما قال له:
- هل يضيقُ صدرُ الرجل إنْ أمسى فأخْبَرَ، فأفْصَحَ عن مكنُونه؟ فما رجلٌ مثلك سريٌّ[*] من سراة قومه، كما يبدو عليك يا أخا العرب، يمكن أن يَحتَجَّ بالركون إلى جانب الكعبة طوال الوقت الذي أمضيته، إلاَّ أن تكون له حاجة في النفس، فعسى أن يُعين الله تعالى على قضائها..
قال أبو ذر: وهو ما أصبتَ به كبد الحقيقة يا بُنيّ. فوالله إن لفي نفسِ أبي ذر الغفاري حاجةً... وإنها لشديدة إلى الحدِّ الذي أكاد أشعر معه بأنها تهدُّ عظامي منذ سنوات ثلاث.. وقد آثرت المجيء إلى مكة والكتمان على أمري لعلَّ فيه طريقاً أسلَمَ للوصول إلى الغاية التي أبتغي..
قال الفتى: أهلاً بشيخ قبيلة غفار، أما والله فإننا معشر أهل بيتٍ نكتُمُ السرَّ، ونُعين صاحب الحاجة على قضائها، بما يُيسِّر لنا ذلك العلي القدير.
قال أبو ذر: عزيز عليَّ ما تقول أيها الفتى النبيل، فأنتم خيرُ القوم وجيران بيت الله.. وقد نزلنا بدياركم ولا نعرف أصحاب الدار، ولا الفتى المقدام الذي يستقبل ضيفَهُ ويقريه، ثم يغيب عنه، فإنني والله ما عرفتُ شيئاً من ذلك حتى الساعة!
قال الفتى: أما رفيق دربك فهو عليٌّ بنُ أبي طالب.
قال أبو ذر: فأنت إذن ابن شيخ البطحاء في مكة، ولا تخبرني يا بنيّ؟ ثكلتني أمي إن لم تكن الجدّات في غفار تروي الحكايات الطويلة عن بني قومك وسادتهم من قصي إلى عبد المطلب وابنه عبد الله. فأنتم النسب الطيب، وسلالة الشرف والمجد.
قال عليٌّ: وها أنت قد وصلت إلى جوار الأصل الطيب، مهبط الوحي الحق الذي شاء الله تعالى أن يُعزَّهُ، ويرفع مقامه عندما بعث محمد بن عبد الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) نبياً ورسولاً للناس كافة، فأنت يا شيخ غفار ضيف النبي محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، فحللت أهلاً، ونزلت مرحباً في دار النبوّة.
قال أبو ذر: فداك نفسي يا علي، كم هي المفاجآت التي تُدهشني بها!.. إذ كيف أنزل ضيفاً على بيت النبوّة وأكون سادراً غافلاً لا أعلم شيئاً مما يحيط بي. وإنَّ لقاءه - والله - هو الضالة المنشودة التي أبحث عنها، وما إقامتي بجوار الكعبة إلاَّ لأراه وأسمع منه، فيا لتعاستي وشقائي على ما يصادفني، ولا أدري!
قال علي: بل قُل يا أبا ذر إنها رعاية الله ربِّك التي كانت تدفعك إلى النوم، فتخلد مرتاحاً في جوار النبوة.. إلاَّ أنه قد فاتك أن تستمع إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وهو يتلو القرآن الكريم، وأن تتبيّن أنه يقوم الليل مصلِّياً، متهجداً، عابداً ربَّهُ سبحانه وتعالى.
قال أبو ذر: لا تحاول أن تخفِّف عني يا ابن أخي، إني لأشعر بأن الحسرة تكاد تقتلني..
قال علي: هوِّن عليك يا شيخ بني غفار، فالخير آتٍ إن شاء الله رب العالمين. وإنه حقيق عليَّ أن أقول بأن الله عزَّ وجلَّ قد أكرمنا نحن العرب جميعاً عندما بعثَ فينا رسولاً من أنفسنا، عزيزٌ عليه ما يعاني منه أبناء قومه، بل والناس جميعاً من الجهالة والكفر، والبعد عن الإيمان بالله تعالى.. وإنه والله لا شيء في الوجود كلِّه أغلى وأسمى من الإيمان الصادق، وإقرار الإنسان بعبوديته لخالقه وبارئه، والعمل بطاعة الله ورسوله. فلا حسب ولا نسب، ولا جاه ولا مال، يا «عمُّ» يمكن أن يحقق للإنسان السعادة في نفسه، والاستقرار في حياته إن لم يؤمن بحقيقة وجود الله تعالى، استمع إلى قول الله تعالى في مُحكم تنزيله العزيز: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِيناً *رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنَّ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً *وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعَضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا *قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً *} [الإسرَاء: 53-56].
وكان أبو ذر يُصغي، وأوصاله ترتعد ارتعاشاً مما يسمع، فيقول في نفسه: من أين مثل هذه النجابة والفصاحة، ومن أين مثل هذا الفيض الفكري عند هذا الفتى إلا أن يكون دينه هو هاديه، ورسوله هو معلّمه، فمرحى لهذا الدين، ومرحى لهذا الرسول إن كان تأثيرُهما يوصل الإنسانَ إلى تربيةٍ قويمةٍ صحيحةٍ مثل تربية علي بن أبي طالب، وإلى نورانية في العقول مثل نورانيّةِ عقله، التي تشع إيماناً وصدقاً وإخلاصاً. وهكذا يصبحُ الإنسان خليقاً بالحياة!..
وعلى مثل هذه الوتيرة من الحديث الممتع ظل الرجلان يسيران حتى وصلا، فاستأذن عليٌّ أن يذهب للصلاة ثم يعود إلى صاحبه أبي ذر الغفاري.. وبالفعل فما كاد بعض الوقت يمضي على الضيف في هجوعه حتى رجع عليٌّ وهو يحمل الطعام بين يديه، ويجلس إلى صاحبه ليُمضيا ليلةً مباركة كانت أجمل الليالي، إذ لأول مرة استمع خلالها أبو ذر إلى صوت النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وهو يتلو في محرابه آي الذكر الحكيم، ويسبّح الله الملك القدوس العزيز الحكيم، حتى الهزيعِ الأخير من الليل.
وكان علي قد اتفق مع أبي ذر على أن يجعله يلتقي في الغداة بالنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) .. وأخيراً، وبعد طول انتظار، كان اللقاء؛ فجلس أبو ذر الغفاري يستمع إلى النبيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وهو يشرح له مفاهيم الإسلام، وحقائق هذا الدين الذي يدعو إلى التوحيد، وإلى القضاء على الكفر والشرك، حتى أيقن أبو ذر من نفسِهِ هدايةً إلى الحق، فوقف بين يدي رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يُعلن شهادة الحق، ودخوله في الإسلام طائعاً مختاراً، والرسول العظيم يبتسم له، ويُسَرُّ بإيمانه. وعندما قام أبو ذر يريد المغادرة أرادَ أن يُعربَ عن صدق إيمانه، فقال للنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) :
- تعلم يا رسول الله بأن قبيلة غفار قد عُرفت لدى العرب بأنها تقطع الطريق وتنهب السابلة. ولكن والله إن رجعت إلى قومي لأقفنَّ فيهم داعياً إلى ما يخلّصهم من تلك العادات السيئة التي ورثوها عن آبائهم من أزمان طويلة. فادعُ لي يا رسول الله أن يوفقني سبحانه وتعالى على ما عزمت عليه، فأَهدي بني قومي للإسلام، وأنال على ذلك إن شاء الله الأجر والثواب.. فدعا له الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أن يوفقَهُ ربُّهُ تعالى، وأن يسدد خطاه في ما أخذه على نفسه من عهدٍ فيه الخير والرحمة، ثم حذَّره ألاَّ يُفتضَحَ أمرُهُ لقريشٍ ما دام في مكة لئلا تُقدم على أذيته.. ولكنَّ الحمية أخذت أبا ذر فوقف مقسماً بالله العزيز ألاَّ يغادر أم القرى قبل أن يصرخنَّ بهذا الدين على ملأ من قريش. وتوجه من فوره حتى أتى البيت الحرام، وهناك راح ينادي بأعلى صوته: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله».
وشقَّت صرختُهُ عنان السماء. وصعبت على قريش جرأة هذا الرجل الغريب، وهو يقف صارخاً وكأنه يتحداهم في عقر دارهم، ويُعلن كُفرَه بآلهتهم، فما كان منهم إلاَّ أن أسرعوا إليه يبادرونه بالوعيد والتهديد، والسؤال عمّا دفعه إلى تلك الوقاحة التي يُظهر، وما شأنه مع قريش حتى يُعادِيَها ويجلبَ عليه نقمتها.
فقال لهم أبو ذر: أما شأني مع قريش، فلا حاجة بكم لأن تسألوني عنه، لأن جمعكم يعرف أن قبيلتي غفار كانت تحالف قريشاً، وتدين لها بالسيادة على البيت العتيق. وأما الوقاحة التي تنعتونني بها، فإنني في غنى عنها، وهي تليق بأهل الكفر من أمثالكم، فإنه قد بدا واضحاً على وجوهكم أنكم لا تعرفون أية قيمة للحق، ولا أي سبيل للرشاد.
وما كاد أبو ذر يلفظ آخر كلمةٍ مما يقوله لهم حتى هجموا عليه هجمة رجل واحد، وراحوا يوسعونه بالضرب والَّلكم بالأيدي والأرجل، حتى لم يعد يحتمل، فخارت قواه ووقع مغشياً عليه.
وكان العباس بن عبد المطلب يقف غير بعيدٍ عن القوم، وهو يستمع إلى ما يجري، فعندما رأى تلك الجماعة تمسك بتلابيب[*] الرجل وتحاول أن تقضي عليه، عجَّل إليهم كي يخلِّصه، وما زال يدفعهم بكل قواه حتى أمكنه أن يفرقهم عنه وهو يصرخ فيهم قائلاً:
- ويحكم يا أبناء قريش، كيف تعتدون على هذا الرجل من ديار غفار، وهي طريق قوافلكم إلى الشام. فوالله ما أظنُّ إلا حقدكم على «محمد» هو الذي أفسد عليكم الرأي فأصبحتم كالعميان، وجعلكم لا تدركون ما تفعلون. اذهبوا ودعوا الرجل وشأنه لئلا تكون تجارتكم في خطر!.
وعلى الرغم من هذا التحذير فقد تنطَّح بعضهم مهدداً بقتل الرجل، لأنه بنظرهم مارق صابىء. ولكن العباس عاد ينهرهم، حتى أمكنه إبعادهم، فتقدم من أبي ذر يسعفه، ويحمله إلى بئر زمزم ليغسل رأسه ووجهه بالماء الطاهر، وهو يُبدي له - في محاولة لمواساته والتخفيف عنه - أسفه واعتذاره عن رعونة هؤلاء الزمرة الذين أخذتهم حمية الوثنية فباتوا لا يدرون ما يفعلون.. وما زال به حتى هدأ روعه، فقام أبو ذر يشكره ويودعه، ثم يمتطي راحلته للذهاب إلى دياره، إلاَّ أن العباس أبى إلاَّ أن يركب، ويرافقه إلى خارج مكة، وهناك عاد أبو ذر يشكر له حُسنَ صنيعه، ويسأله أن يقرىء رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) السلام، ويطمئنه عن حاله وأنه بخير من الله تعالى..
وأكرَمَ الله تعالى أبا ذر الغفاري، «فأسلم على يده نصفُ قبيلته فكانت قبيلته غفار»[*] أول الناس إسلاماً من خارج مكة. وقد عاهدوا الله سبحانه أن يكونوا على الدين والإيمان، وأن ينصروا النبيَّ عندما يدعوهم لنصرته.
وهكذا بدأ الإسلام يمتد إلى خارج مكة رويداً رويداً، فوصل إلى أبعد من ديار بني غفار، عندما دخل فيه أفراد قلائل من قبائل متفرقة، أمثال: عمرو بن عبسة السلمي، وضمّاد أزد شنوءة.
إسلام عمرو بن عبسة السلمي
كان عمرو بن عبسة، ومنذ أيام الصبا، يقصد الأسواق والمشاهد العامة ليستمع إلى أهل الفكر والشعر، وإلى مباريات الخطابة، وطرح الجدال في العقائد الدينية. وكان أكثر شيء يستميله تلك المناقشات التي كانت تدور بين رهبان النصارى وأحبار اليهود، وادعاء اليهود بأنهم ينتظرون نبياً أطلَّ زمانُهُ، وهو ما كانوا يستفتحون به على المشركين أيضاً. فكان عمرو يتمنى لو تدوم أيامه ليعيش زمنَ هذا النبي، ويشهد مواقف الأنبياء. فلمّا انتشرت أخبار الدعوة الإسلامية في أنحاء عديدة من الجزيرة، جاء إلى مكة يطلب النبيَّ الذي يتحدث عنه الناس، وقد رأى زمرة قرشية، قريباً من الكعبة، ممن يجتمعون على إضاعة الوقت بدون طائل، والتسلية باغتياب الناس، وتوزيع النعوت والألقاب على هواهم، فآثر الابتعاد عنهم، والركون إلى الحرم.. وفيما هو في هجعته، إذا به يرى رجلاً ذا عمامة، ويبدو عليه الوقار والهيبة، قد جاء يطوف حول الكعبة، وقد التف حوله عددٌ من الرجال، مما جعل تلك الزمرة تترك أحاديثها وتشرئب بأعناقها نحو هذا الرجل وهي تقول: انظروا إلى زعيم «الصابئين» لعلَّه جاء يستجدي السماء كي تخاطبه!. عندها عرف عمرو أنه «محمد بن عبد الله»، وأن هؤلاء الذين يطوفون معه هم من أتباعه، فظلَّ في مكانه لا يحرك ساكناً، إلى أن فرغ النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) من طوافه، ودخل البيت الحرام لبعض الوقت، ثم انصرف غير عابىء بما تلذعه به ألسنة السوء من السخرية، فقام عمرو يتبعه، فلما أدركه في أحد طرقات مكة، تقدم يُحيّيه ويطلب محادثته على انفراد، بعيداً عن عيون الناس، فرحَّب به النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ودعاه إلى منزله.
وبالفعل، وفي بيت النبوّة، وفي أجواء الحذر، كانت هدايةُ عمرو بن عبسة السلمي، ودخوله في الإسلام على يدي رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) .
وكأنما أراد عمرو أن يطمئنَّ على هذا الدين الجديد الذي اعتنقه، فقال للنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) :
- وكيف تعملُ يا رسول الله لنشر هذا الدين، وقريش تقف لك بالمرصاد؟
وأطرق النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) هنيهةً، ثم تلا قولَه تعالى: {وَقُلْ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ *وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ *وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ *} [هُود: 121-123].
واطمأنَّ عمرو لقول الله - سبحانه وتعالى - فسأل النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أن يزيده نوراً ومعرفة بهذا الدين، فأقبلَ عليه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يزوده بالقيم الإسلامية التي من شأنها أن تشبع نفسه بالإيمان الصادق، وتوثِّق عرى هذا الإيمان في قلبه وعقله. ثم دعا له بالخير والثبات على عهده مع ربه..
وبمثل هذه العفوية الصادقة جاء عمرو بن عبسة السلمي ليحظى بهدي الله عز وجلَّ، فوجد الهداية الكاملة التي تاقت لها نفسه، فاستحقها.
إسلام ضمَّاد أزد شَنوءةَ
كان ضماد رجلاً طيبَ القلب، فهيماً، مدركاً. ولكنه اتَّخذ عادةً سيئة، جعلها مهنةً له في حياته. فقد كان مشهوراً بين العرب بأنه راقٍ، وأنه يرقي من به مسٌّ من الجنون، أو من غلب عليه السحر، وأنه كان يؤيَّد من السماء، فيشفي من يرقيه..
تلك كانت حال ضماد عندما جاء إلى مكة يشتري العطارة التي يستعملها في مهنته، فدفعه المشركون، بحكمة الله البالغة، إلى الدخول في الإسلام...
لقد عرفه بعض السفهاء من قريش، الذين يدورون في الأزقة متسكعين هاربين من الحياة، على عادة من استهوته البطالة، وشدّته الرذيلة إلى أحضانها، ففقد قيمته الإنسانية، وأضاع غاية وجوده..
وكان أولئك السفهاء قد رأوا ضمَّاداً وهو يدخل دكان العطارة، فأغواهم الشيطانُ، وحبَك بعقولهم الفارغة التآمر على النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) . ولعلَّ ما دار بين أولئك السفهاء من حوار كافٍ بذاته للتدليل على مدى الضغينة التي صارت قريش تكنّها للرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ودعوته.
لقد بادر أحدُهُم رفاقه قائلاً:
- ما رأيكم بهذا الأبله ضماد بن أزد شنوءة، ألا ترون أنه يبتاع العطور والروائح ليرشَّها في أنوف المسحورين؟
- قالوا: نعلم ذلك، ولكن ما قصدك يا هذا؟ وبكل الخبث والدهاء اللذين يملآن كلامه، قال:
- ويحكم أيها الأراذل، ألا ترون شفاءً لمجنون قريش على يديه؟
قالوا: بل الويح لك، هيا وهاتِ ما عندك أيها اللعين!
قال: أما إنكم لأبالسة في ثوبٍ قرشي، وكأنَّ أمر «محمد» لا يعنيكم بشيء؟
قالوا: أفصحْ عما تُدبِّر ونحن معك!..
قال: فالآن لندع المهاترات جانباً، وندخل في الجدّ.. وما أنصحكم به هو ألاَّ نتركَ هذا الرجل حتى ندفع به إلى «محمد بن عبد الله» بعد أن نُغريه بالمال، فيصدّقنا، ويذهب إليه طالباً أن يرقيَه، فنكون قد سخرنا من «محمد» وأشعنا في الناس أنه استدعى ساحراً ليشفيه!..
تلك كانت نواياهم الخبيثة، والمؤامرة التي أرادها أولئك السفهاء.. وقد صدَّقهم ضمّاد، فقادوه، من حيث لا يدري، إلى بيت النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وهنالك تركوه بعد أن أشاروا إليه بالدخول، ثم ولّوا مدبرين. فتقدم ضمّاد يطرق الباب، فإذا به أمام رجل جليل يستقبله، ويدخله مرحباً، مما جعل ضمّاداً يُفاجأ، ويرى بخلاف ما كان يتوقع، ومع ذلك فإنه لم يُخفِ ما جاء لأجله، فقال:
- قد بلغني، وأنا اليوم في مكة، أن رجلاً عندكم قد غُلب على أمره بما لا يستطيع دفعه عن نفسه، وإنني أعالج أمثاله بالرقى والتمائم فأين الرجل صاحبكم، إن كنتم تريدون له شفاءً؟!
ورأى النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) على هذا الغريب سذاجةً ظاهرة، وأنه كان ضحية مكر وخداع فأدخله، وهو يقول:
»إن الحمد لله، نحمده ونستعينه. من يهْد الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له».. وردَّدها النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ثلاث مرات على مسامع هذا الرجل.. ثم سأله إن كان فيما قاله ما يضير؟
قال ضمّاد:
- لا والله، بل هو قول رجل حكيم. ولكنني سمعت منك عجباً، فأنت تذكر الله إلهاً واحداً لا شريك له، فأين آلهة العرب وهي شركاء لله؟!
قال النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : الحق الحق، إنها أباطيل. كلها أباطيل.
ثم راح (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يتلو على مسامع هذا الرجل سورة الإخلاص بقوله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *} {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *اللَّهُ الصَمَدُ *لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ *} [الإخلاص: 1-4]، ومن بعدها «سورة الفلق» بقوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ *وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ *وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *} [الفَلَق: 1-4].
وكان ضمّاد يستمع وهو مشدود إلى التلاوة، فسأل: ولكن ما معنى الفلق؟
وهنا أشار النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إلى أحد الصحابة بقربه، أن يجلس إلى هذا الرجل، ويشرح له ما يتيسَّر من معاني الآيات القرآنية، فلعلَّ الله سبحانه أن يهديهُ، ويخلصه من غواية الشيطان الذي هو عدو لبني آدم أجمعين..
وتقدم الصحابي من ضماد، ملبياً أمر الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ثم جلس إلى جانب الرجل، وقال له:
أما الفلق فمعناه الصبح. والله سبحانه وتعالى هو ربُّ الصبح ينشره على الخلائق فيبدِّد بنوره الظلمة، ويكشف عن كل خافٍ ومستور، فتنجلي أمام أبصار هذه الكائنات التي خلقها الله (تعالى) الأشياءُ التي يجب أن نعرف كيف نتعامل معها..
ومن معاني الفلق أيضاً: الخلق كله، أي كل ما يفلق الله سبحانه وتعالى عنه سرَّ الوجود والحياة.. وقد قال عز وجل:
{إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ *فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *} [الأنعَام: 95-96].. فهل تدرك يا أخا العرب معاني هذه الآيات التي تلوتها عليك؟.
وسكت ضماد هنيهة، ثم قال: أجل، ولكن كيف نستعين بالله من شر خلائقه؟
قال الصحابي: إنه لأمر سهل عند الإنسان الذي يؤمن بحقيقة وجود الله تعالى. فهو يدرك أنَّ الله قادر على كل شيء. وأنَّ وجودَ الخير والشرّ حتميٌّ في حياتنا.. فعندما نقول: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ *} [الفَلَق: 1-2] [*] فإننا نتوجه إلى ربنا تبارك وتعالى فنستعينُهُ بأن يؤمِّننا من الشر الذي قد تأتيه بعض الخلائق الظاهرة مثل الناس، أو بعض الخلائق الخافية علينا مثل الجن، أو نستعينه من شر الحيوانات والحشرات والزواحف التي قد يسترها الظلام، أو أي شيء غيره، فتهجم علينا وتوقع بنا الأخطار والأضرار. أما عندما يفلق الله (تعالى) الإِصباحَ، ومعها النورُ الذي يملأ الأرجاءَ بضياء الشمس فتستطيع أن نتبين ونبصر كل غامض مستور، فنحاول أن نتلافى شروره. ولذلك فإن الاستعاذة برب الصبح معناها الاستعانة برب النور والضياء، كي يُبعد عنا الشر والأذى من خلائقه، ويُبقي لنا خيرها الذي يفيدنا وننتفع به.. وهذا التوجيه لا يمكن أن يعمل به إلاَّ المؤمن الصادق، الذي يوقن بأن الله (تبارك وتعالى) هو الذي يفتح بصيرته على الحق، ويغلق عن قلبه غشاوة الضلال، وأنَّ عليه أن يدعو ربه ويستعين به وبأن ربَّه يستجيب له، فيمدّه بكل أسباب العون ويخلد إلى رعاية الله (تعالى) وحفظه...
قال ضماد: قد والله أُشبِعَتْ نفسي، ولكن ما معنى النفاثات في العقد؟
قال الصحابي: فأما النفاثات في العقد فهن الساحرات، الساعيات بالأذى عن طريق خداع الحواس وإيهام الأعصاب، بحيث يظهر لمن يَقصدُهُنَّ أن الشيء الذي يراه هو حقيقة، بينما هو في الواقع أبعد ما يكون عن الحقيقة.. فالسحر، أيها الرجل، ما هو إلاَّ تخيّلٌ من قبل الرائي، وهو لا يغيِّر من طبيعة الأشياء شيئاً على الإطلاق. فإذا رأيت ساحراً يقلب المنديل حمامة فهذا مجرد تخيل فقط، ولكن بفعل القوة التي يمتلكها من يدعي السحر ويؤثر فيها على الأعصاب ويخدع الحواس فتجعل صاحبها يرى المنديل حمامة، بينما المنديل يبقى منديلاً ولا يتغيَّر أبداً. وهكذا فعل النفاثات في العقد، تلجأ إلى التأثير فتعقد التمائم، وتشدّ العقد في الخِرَق، وتحيك حولها الخيوط، وتُتَمْتِمُ وتثرثر بكلام غير مفهوم من أجل أن تخدع من يلجأ إليها.. وأفعالها تلك، إنْ هي إلاَّ كذب بكذب، مما يخدع الإنسان، ولا ينفعه بشيء، بل ربما يضرُّ به. ولذلك يوجهنا رب العالمين أن نستعين به من شر تلك الساحرات حتى لا نقع في الخداع الذي قد يجرنا إلى أذى أنفسنا، وأذى غيرنا، فنقعد بعده ملومين، متحسرين. «والنفاثات في العقد» مثال حي لكل مخادع كاذب يغوي الناس بالأباطيل، بحيث لا يختلف في ذلك عما تفعله الشياطين، وكل ذلك مجلبة للشرّ والأذى. فالإنسان المؤمن يدعو ربَّه كي يعينه، ويبعده عن كل هذه المخاطر والمزالق، وربُّهُ تعالى يتكفل بعبده المؤمن، فيكفله ويحفظه من شر النفاثات في العقد، ومن كل شر آخر قد يتعرَّض له...
وسكت الصحابي قليلاً ثم قال:
- وهذه الأفكار وغيرها هي ما يُلقِّننا إياه النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لأنها أفكار الإسلام الذي أنزله الله تعالى خيراً للعالمين، ورحمةً منه سبحانه لعباده.
وفي أجواء الإيمان الناصعة هذه، أمضى ضمّاد تلك اللحظات السعيدة من حياته. يسمع تلاوة القرآن، ويتبيّن معاني المفاهيم الإسلامية حتى فتح الله سبحانه قلبه على الإيمان فوقف أمام الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وهو يقول:
- إليَّ يدك يا رسول الله أبايعك على دين الحق الذي أنت عليه. وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله.
فتقدم المسلمون يهنئونه على أن هداه الله تعالى إلى النور المبين. وأراد أحدهم أن يلاطفه فقال له:
- كيف رأيت السحرَ والرقى يا ضمّاد؟
قال ضمّاد: أما والله إنَّ في قريشٍ لقوماً كاذبين، يتّهمون هذا النبيَّ الهادي المهديَّ بنعوتٍ هو براء منها، بينما هم أجدر أن يُنعتوا، بالخزي والعار.. لقد أكرم الله تعالى نبيَّه ورسوله، وإنه للصادق البار، وإنهم للمفترون المارقون.
وإن دلَّت قصة ضمّاد على شيء، فإنها كغيرها من القصص التي كان المشركون يتقوَّلونها مع إعلان دعوة الإسلام، تدل على حقارة ووضاعة الأساليب التي كانوا يستعملونها في محاربة هذه الدعوة، كمثل تلك الزمرة من سفهاء قريش التي حاولت أن تنفث حقدها على النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فظنت أنها اتخذت ضمّاداً مطيّة لذلك، إلاَّ أن رجل أزد شنوءة كفر بأصنامهم وعبادتهم كما كفر بألاعيبهم، وآمن بالإسلام ورسوله ليرتدَّ كيد المشركين إلى نحورهم، فيكونوا من الأخسرين.
وهكذا وبمثل تلك الألاعيب راحت قريش تبتدع كل يوم جديداً في محاربتها للدعوة، والحؤول دون استفحال أمر المسلمين في الداخل، ومنع الاتصال بهم من الخارج.
أجل لقد كانت الأوهام تعشش في رؤوس أهل الشرك، فتجعل المخاوف تسيطر عليهم، وتصوّر لهم بأن المخاطر باتت تحيط بهم من كل جانب ولاسيما أن الواقع أمامهم يثبت ما للإسلام من تأثير على النفوس حتى ليحيل أتباعه كتلةً متراصّة، تتمنطق بقوة الصبر، بمقدار ما تتآلف بقوة الدين.. وإلاَّ فكيف هذه المساواة بين أبي بكر - نسّابة العرب - وبين بلال بن رباح العبد الحبشي، أو بين عثمان بن عفان - صاحب المال والوجاهة في بني عبد شمس[*] وبين عمار بن ياسر - مولى بني مخزوم.. ثم أليس الإسلام هو نفسه الذي لم يجعل فارقاً ولا ميزة في الأخوة الإسلامية بين أبناء الأسياد والمكانة أمثال علي بن أبي طالب (وأبوه شيخ قريش والأبطح)، والأرقم بن أبي الأرقم، وأبي عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوام، وغيرهم وغيرهم من جهة.. وبين المستضعَفين والعبيد والموالي أمثال: عامر بن فهيرة (مولى الطفيل الأزدي) وصهيب بن سنان الرومي، وأفلح بن فُكيْهة وسواهم، وسواهم من جهة ثانية.. هؤلاء الذين أعزهم الله تعالى بالإسلام، فتحررت نفوسهم من ربقة العبودية، وتخلّصت أجسادهم من التعب والشقاء؟ وهل كان الفضل في ذلك إلا لله ولرسوله، ولإخوانهم المسلمين الذين كانوا يجمعون المال ليفتدوهم به من أسيادهم، ويخلصوهم من العذاب الذي مارسوه عليهم زمناً طويلاً، وجعلوهم يعيشون على هامش الحياة بلا كرامة، ولا إنسانية في شيء، حتى جاء الإسلام، وانتشلهم من موبقات الجاهلية، فأصبحوا بنعمة الله - تعالى - أبراراً، وبعون إخوانهم أحراراً.
وليس الخوف على مكانة قريش من الزوال، ولا الرغبة في الإبقاء على استعباد الضعفاء من العبيد والموالي، كانا وحدهما وراء وقوف رؤوس الشِّرك في وجه الدعوة الجديدة، وفي تأليب الناس ضد النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، بل كانت لديهم دوافع أخرى كثيرة لا تقل أهمية في نظرهم:
فالإسلام - كما باتوا يعلمون - يحارب الفساد في المجتمع، ولا يسمح بوجود بيوت الدعارة والتبذّل، ولا بأوكار المتع الرخيصة.. في حين أن الرايات الحمراء المنصوبة على بيوت البغايا تنتشر علناً في أوساطهم ويؤمها أكثر أسيادهم وكبرائهم - ومنهم من كان يتخذها مورداً للغنى والثروة - فهل يتخلون عن أماكن ملذاتهم وشهواتهم؟! ثم أين الكبرياء والغرور.. وأين الجشع للمال، والمقامرة، والربا... وأين الحمية القبلية والأحلاف.. بل وأين دين الآباء والأجداد، والقرابين والنذور إلى «هبل».. وقد جاء الإسلام ليقضي على كل ذلك؟!... مع كل ما ألفوه من عاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم الجاهلية الموروثة....
فإذا أضيف قلق قريش - بعامة - من خسارة مناصب الكعبة، فيما لو تَركت الإسلام يسود، فمعنى ذلك أنها قادمة على أسوأ كارثة، وهي فقدان سيادتها على العرب، وضياع مكانتها وسلطانها!...
إذن فالامتيازات التي كانت تتمتع بها قريش هي التي تطغى على تفكيرها وتسيِّر اتجاهاتها. ولعلَّ أهم ما في تلك الامتيازات التي كانت تتمسك بها هو طمعها في المال ورغبتها في امتلاكه. فقد كان المال وحده أهم المقاييس التي تقيس بها الطغمة الفاسدة في قريش أقدار الناس ومكانتهم، فبمقدار ما يكون لدى الإنسان من المال، يكون له حظ من الشرف والسؤدد. وقد سيطرت عليهم تلك الأفكار حتى راحوا يقولون: أيُنزَّل القرآن على محمد بن عبد الله، ويُترك الوليد بن المغيرة كبيرُ قريش في الجاه والمال، أو يُترك عروة بن مسعود الثقفي الذي عنده المال والسلطان في الطائف؟ أجل كانت قريش ترفض فكرة نبوَّة محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وتتمنَّى لولا نزّلَ القرآن على رجل من القريتين عظيم: ابن المغيرة، أو ابن مسعود! وقد أبان الله - سبحانه وتعالى - في كتابه العزيز مقالتهم تلك فقال عزَّ وجل:
{وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ *أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ *وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ *وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ *وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ *} [الزّخرُف: 31-35].
تلك كانت مقولاتهم، وذلك كان توجُّههم في الحياة الدنيا، فالمالُ والجشع والطمع كانت تغلب على طباعهم، ومن كانت عنده عادة سيئة يتوهم أن هذه العادة لا بد من أن تكون عند غيره، ولذلك وبهذه النظرة رأوا أن يُغروا محمداً (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بالمال والجاه والسلطان، لعلَّ ذلك يكون الوسيلة الناجعة التي تصرفه عن دعوته وتثنيه عنها، فتصبح قريش قادرة عندئذٍ على خنقها في المهد، والقضاء على مَن تسوِّل له نفسه أن يتحدث بالإسلام!..



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB